← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

ركعتين"، وفي رواية عليّ بن عبد اللَّه بن عباس الآتية لمسلم التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك. ثم إن هذه الرواية فيها التصريح بذكر الركعتين ستّ مرات، ثم قال: "ثم أوتر"، ومقتضاه أنه ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعةً، وقد صرَّح بذلك في رواية سلمة الماضية حيث قال: "فتتامّت صلاته ثلاث عشرة ركعةً"، وفي رواية عبد ربه بن سعيد الآتية: "فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعةً"، وفي رواية محمد بن الوليد، عن كريب مثله، وزاد: "وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح"، وهي موافقة لهذه الرواية؛ لأنه قال بعد قوله: "ثم أوتر": "فقام، فصلى ركعتين خفيفتين"، فاتّفَقَ هؤلاء على الثلاث عشرة، وصَرَّح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها. لكن رواية شريك بن أبي نَمِر عند البخاريّ في "التفسير" عن كريب تخالف ذلك، ولفظه: "فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم أذَّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج"، فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرِف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدمة على روايته؛ لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى الحافظ ﵀ تفرّد شريك بذكر إحدى عشرة ركعةً فيه نظر لا يخفي، فقد تابعه مخرمة بن سليمان عن كريب، فذكرها، وهي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: "قال: فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا، فلما تبيّن له الفجر صلى ركعتين خفيفتين"، فظهر بهذا أن شريكًا لَمْ ينفرد بها، فتفطّن. قال: وقد حَمَل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعْدُه، ولا سيما في رواية مخرمة في حديث الباب إلَّا إن حمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى استيقظ، لكن يَعْكُر عليه رواية المنهال الآتية قريبًا. وقد اختُلِف على سعيد بن جبير أيضًا: ففي "التفسير" من طريق شعبة، عن الحكم، عنه: "فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات"، وقد حَمَلَ محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء؛ لكونها وقعت قبل النوم، لكن يَعْكُر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن عليّ بن

стр. 8962

عبد اللَّه بن عباس، فإن فيه: "فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لَمْ يبق في المسجد غيره، ثم انصرف"، فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن حمل محمد بن نصر ﵀ المذكور صحيح، فقد أخرج البخاريّ رواية شعبة، عن الحكم هذه في "كتاب العلم" من "صحيحه"، وفيه التصريح بأنه ﷺ صلى أربع ركعات في البيت بعدما رجع من المسجد، ولفظه: "قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ ، وكان النبيّ ﷺ عندها في ليلتها، فصلى النبيّ ﷺ العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام. . . " الحديث. فدلّ على أنه صلى في البيت، ولا ينافيه ما رواه المنهال؛ لاحتمال أن يكون صلى في المسجد وفي البيت أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. قال: ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظرٌ، وقد رواها أبو داود من وجه آخر، عن الحكم، وفيه: فصلى سبعًا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لَمْ يسلم إلَّا في آخرهنّ. قال: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير: "فصلى ركعتين ركعتين، حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس، لَمْ يجلس بينهنّ"، فبهذا يُجمَع بين رواية سعيد ورواية كريب. وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود: "فصلى ثلاث عشرة ركعةً، منها ركعتا الفجر"، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية كريب. وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب مُحْتَمِلةٌ، فتُحْمَل على رواية سعيد. وأما قوله في رواية طلحة بن نافع: "يسلِّم من كل ركعتين"، فيَحْتَمِل تخصيصه بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزار الآتية. قال: ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك؛ لأن

стр. 8963

أكثر الرواة عنه لَمْ يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لَمْ يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلَّا أن في رواية على بن عبد اللَّه بن عباس، عند مسلم ما يخالفهم، فإن فيه: "فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآياتِ، يعني آخر آل عمران، ثم أوتر بثلاث، فأَذَّن المؤذِّن فخرج إلى الصلاة". انتهي، فزاد على الرواة تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعًا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالًا، وقد اختُلِف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا تقدم ذكر بعضه. ويَحْتَمِل أن يكون لَمْ يذكر الأربع الأوَلَ كما لم يذكر الحكم الثمان كما تقدم، وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى، عن علي بن عبد اللَّه، عند أبي داود. والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتَّفَق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو نقص، والْمُحَقَّق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيَحْتَمِل أن يكون منها سنة العشاء ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "كانت صلاة النبيّ ثلاث عشرة"، يعني بالليل، ولم يُبَيِّن هل سنة الفجر منها أو لا؟ وبيّنها يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، عند النسائيّ بلفظ: "كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح". قال: ولا يَعْكُرُ على هذا الجمع إلَّا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يُحْمَل قوله: "صلى ركعتين، ثم ركعتين"؛ أي: قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين. . . إلخ"؛ أي: بعد أن قام. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذا الجمع؛ لأن ظاهر السياق يأباه، فالأولى الترجيح، فرواية من روى أنه صلى ثلاث عشرة ركعةً أقوى، فترجّح على رواية إحدى عشرة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8964

وجمع الكرمانيُّ ﵀ بين ما اختَلَف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس ﵄ به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملًا، واللَّه أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الوجه الذي ذكره أقرب مما قاله الكرمانيُّ ﵀ أيضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ) تقدّم أنه بلال ﵁ (فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) أي: صلى بالناس جماعة. قال النوويُّ ﵀ في "شرحه": فيه أن الأفضل في الوتر وغيره من الصلوات أن يسلم من كل ركعتين، وإن أوتر يكون آخرَه ركعةً مفصولةً، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: ركعةً موصولةً بركعتين كالمغرب. وفيه جواز إتيان المؤذِّن إلى الإمام؛ ليَخْرُج إلى الصلاة، وتخفيف سنة الصبح، وأن الإيتار بثلاث عشرة ركعةً أكمل، وفيه خلاف لأصحابنا، قال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم: أكثره إحدى عشرة، وتأولوا حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ صلى منها ركعتي سنة العشاء، وهو تأويل ضعيفٌ، مباعد للحديث. انتهى كلام النوويُّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وقال في "الفتح": وفي حديث ابن عباس من الفوائد غير ما تقدّم ففيه جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويَحْتَمِل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره، ممن يَحِلّ له أخذ ذلك. وفيه جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعَد به مقطوعًا بوفائه. وفيه الملاطفة بالصغير، والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض. وفيه مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا بل مراهقًا.

стр. 8965

وفيه صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه؛ لتأنيسه وايقاظه، وقد قيل: إن المتعلم إذا تُعوهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه. وفيه حَمْلُ أفعاله ﷺ على الاقتداء به، ومشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. وفضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، والبداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة، وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل، واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم، وهو محدث، ولعله المراد بالوضوء للجنب. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في "الفتح": ولعلّه. . . إلخ، فيه نظر لا يخفي، بل الصواب أن الوضوء الذي أُمر به الجنب عند إرادة النوم هو الوضوء الشرعيّ الذي تصحّ به الصلاة، فالأحاديث الصحيحة مصرّحة بأنه يتوضّأ وضوءه للصلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل؛ لأن الإناء المذكور كان قَصْعة، أو صَحْفة، واستحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ، وجواز التصغير والذكر بالصفة، فقد قال ﷺ : "نام الغليم" يعني ابن عباس ﵄، وبيان فضل ابن عباس ﵄، وقوة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأتيه في ذلك. وفيه اتخاذ مؤذِّن راتب للمسجد، وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. وفيه مشروعية الجماعة في النافلة، والائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم. واستُدِلّ به على أن الأحاديث الواردة في كراهية القرآن على غير وضوء، ليست على العموم في جميع الأحوال. وأجيب بأن نومه كان لا ينقض وضوءه، فلا يتم الاستدلال به، إلَّا أن يثبت أنه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء، واللَّه أعلم. انتهى الكلام على حديث ابن عباس ﵄ مأخوذًا من "الفتح" (١)، وإن كان تقدّم بعضه، إلَّا

стр. 8966

أن كونه مجموعًا في محلّ واحد أنفع وأجمع للفهم، ولذا أعدته هنا، وباللَّه تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة المسائل في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، وَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُهْرِقْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ حَرَّكَنِي، فَقُمْتُ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ) المدنيّ، نزيل مصر، فيه لينٌ [٧] (م د س ق) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩٢. و"مخرمة" ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد مخرمة الماضي، وهو: عن كُرَيب، عن ابن عبّاس ﵄. وقوله: (وَزَادَ) الضمير لعياض بن عبد اللَّه. وقوله: (ثُمَّ عَمَدَ) بفتحات، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعَمَدت إليه: قَصَدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضًا، قاله في "المصباح" (١). وقوله: (إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ) هو بفتح الشين المعجمة، وإسكان الجيم،

стр. 8967

قالوا: وهو السقاء الْخَلَقُ، وهو بمعنى الرواية الأخرى: "شَنّ مُعَلَّقةٌ"، وقيل: الأَشْجاب: الأعواد التي تُعَلَّق عليها القِرْبة، قاله النوويُّ ﵀ (١). وقال القاضي عياض ﵀: وقع هذا الحرف -يعني"شجبًا"- من روايتنا عن الخشنيّ، عن الطبريّ: "سجب" بالسين المهملة، وليس بشيء. انتهى (٢). وقوله: (وَلَمْ يُهْرِقْ) بسكون الهاء هكذا النسخ، وأصل هذه الكلمة أراق يُريق، فأبدلت الهمزة هاء، قال الفيّوميُّ ﵀: راق الماءُ والدمُ وغيرُه رَيْقًا، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَه، وزانُ دَحْرَجَه، ولهذا تُفْتَح الهاءُ من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تفتح الدال من يُدحرجه، وتفتح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَريق ومُهَراق، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَ مُهَراقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمرُ: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ هَرْيِقْ وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُهَرْيِقُهُ ساكنُ الهاء؛ تشبيهًا له بأَسْطَاع يُسْطِيع، كأن الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى كلام الفيّوميُّ ﵀ (٣). وقوله: (وَلَمْ يُهْرِقْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلًا) هو بمعنى قوله في الحديث الآتي: "ولم يُكثر من الماء". وقوله: (وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ مَالِكٍ) أي: وباقي حديث عياض بن عبد اللَّه عن مخرمة بن سليمان مثل حديث مالك بن أنس عنه. [تنبيه]: رواية عياض بن عبد اللَّه الْفِهْريّ، عن مخرمة بن سليمان هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٥٩) فقال: (١٧٤١) حدّثنا محمد بن المظفر إملاءً، ثنا عليّ بن أحمد بن سليمان، ثنا هارون بن سعيد الأيليّ، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن عياض بن عبد اللَّه، عن

стр. 8968

مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال: بعثني أبي إلى النبيّ ﷺ بهدية، فأتيته، وهو في بيت ميمونة، فرَقَّدَتني على فضل وسادة، فنام حتى إذا كان شطر الليل قام، فنظر في السماء، ثم تلا آخر "سورة آل عمران": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٠]، حتى ختمها، ثم عَمَدَ إلى شَجْب من ماء مُعَلَّق، فتسوّك، وتوضأ، فأسبغ الوضوء، ولم يُهرِق من الماء إلَّا قليلًا، حتى حَرَّكَني، فقمت، فتوضأت، فقمت عن يساره، فحوّلني عن يمينه، فجعل يقرأ، وهو يَفْتِل أذني، فصلى عشر ركعات، ثم أوتر، ثم نام، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه بلال، فأيقظه للصلاة، فقام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم خرج إلى الصلاة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩١] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، حَدُّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣)، أَنَّهُ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ (٤)، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ، فَصّلَّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى فِي تِلْكَ اللُّيْلَةِ (٥) ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَهًّ، ثُمَّ نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَخَ، وَكانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعيدٍ الْأَيلِيُّ) تقدّم قبل باب.

стр. 8969

٢ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٩) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المساجد" ١٩/ ١٢٧٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، وكلّهم مدنيّون، وهم: عبد ربّه بن سعيد، ومخرمة بن سُليمان، وكريب، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (نِمْتُ) بكسر النون؛ لأنه من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، كخاف يخاف. وقوله: (عِنْدَ مَيْمُونَةَ) وفي نسخة: "عند خالتي ميمونة". وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة من ميمونة. وقوله: (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ) جملة حاليّة من ميمونة، والحال أنه ﷺ كان في تلك الليلة عندها. وقوله: (فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) تقدّم أنه أداره من خلفه، واستُدلّ به لأن مثل هذا العمل لا يُفسد الصلاة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة. وقوله: (فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ) وفي نسخة: "تلك الليلة" بحذف "في"، والنصب على الظرفيّة. وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن الحارث الراوي عن عبد ربّه بن سعيد، وهو موصول بالإسناد الماضي، وليس معلّقًا، كما زعمه بعضهم، فقد ساقه أبو نعيم مثل سياقه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا عزا في "الفتح" رواية بكير إلى أبي نعيم، ولم أرها في "المستخرج"، وإنما ذكر فيه ما ذكره مسلم هنا، لا غيرُ، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، نُسب لجدّه

стр. 8970

المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠)، أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. وقوله: (فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ) أي: قال بُكير: حدّثني بهذا الحديث كريب مولى ابن عبّاس ﵄. قال في "الفتح": واستفاد عمرو بن الحارث بهذه الرواية عنه العلوّ برجل. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: وجه العلوّ أن عمرًا رواه عن عبد ربّه بن سعيد، عن مخرمة، عن كُريب، فكان بينه وبين كُريب واسطتان، فلما حدّث به بُكيرًا، قال له: حدّثني بُكير بذلك، فكان بين عمرو وبين كُريب واسطة واحدة، وهو بكير، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان المسائل المتعلّقة به قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ لَهَا: إِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَيْقِظِينِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَجَعَلَنِي مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ (٢) بِشَحْمَةِ أُذُنِي، قَالَ: فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ احْتَبَى حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِدًا، فَلَمَّا تبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم،

стр. 8971

أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِذَا أَغْفَيْتُ) أي: نِمتُ نومةً خفيفةً، قال الفيّوميُّ ﵀: أغفيتُ إِغْفَاءً، فأنا مُغْفٍ: إذا نِمْتَ نومةً خفيفةً، قال ابن السِّكِّيت وغيره: ولا يقال: غَفَوْتُ، وقال الأزهريّ: كلام العرب أغفيتُ، وقلّما يقال: غَفَوتُ. انتهى (١). وقال في "القاموس": وغَفَا غَفْوًا وغُفُوًّا: نام، أو نَعَسَ، كأغفى. انتهى (٢). وقوله: (يَأخُذُ) وفي نسخة: "أخذ". وقوله: (بِشَحْمَةِ أُذُنِي) قال الفيّوميُّ ﵀: شَحْمَةُ الأُذُن: ما لان في أسفلها، وهو مُعلَّقُ القُرط. انتهى (٣). وقوله: (فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) تقدّم أن أكثر الرواة على أنه ﷺ صلّى ثلاث عشرة ركعة، فتُرجّح روايتهم على رواية الضحّاك بن عثمان هذه، ومثلها رواية شريك بن أبي نمر، عن عكرمة عند البخاريّ في "التفسير"، وقد تقدّم تحقيق هذا قريبًا، فتنبّه. وقوله: (ثُمَّ احْتَبَى) يقال: احتبى الرجلُ: إذا جمع ظهره وساقيه بثوب أو كيره، وقد يَحْتبي بيديه، والاسم الْحِبْوَة بالكسر، قاله الفيّوميّ ﵀ (٤). وقوله: (حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِدًا) قال النوويُّ ﵀: معناه أنه احتبى أَوَّلًا، ثم اضطجع كما سبق في الروايات الماضية، فاحتبي، ثم اضطجع حتى سُمع نفخه ونَفَسه، بفتح الفاء. انتهى (٥).

стр. 8972

والحديث سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ، وُضُوءًا خَفِيفًا (١)، قَالَ: وَصَفَ وُضُوءَهُ، وَجَعَلَ يُخَفِّفُهُ وَيُقَلِّلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخْلَفَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّي، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ، فَأَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ (٢)، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين المروزيّ، ثم البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة بن أبي عمران ميمون الْهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبت حافظ حجةٌ فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. والباقون ذُكروا قبله.

стр. 8973

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى عكرمة، فمدنيّ، وأما ابن عبّاس ﵄، فقد سكن مكة مدّة أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عكرمة. ٥ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ كُرَيْبٍ) -بضم الكاف، وفتح الراء، مصغّرًا-، يُكنَى أبا رِشْدين -بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدال المهملة، وآخره نون- مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من الأسماء المفردة في "الصحيحين" (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) ﵄ (أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث ﵄ (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الَلَّيْلِ) كلمة "من" هنا للابتداء، والمعنى: قام مبتدئًا من الليل، أو التقدير: قام مِن مُضِيّ زمنٍ من الليل، ويجوز أن تكون بمعنى "في" كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]؛ أي: في يوم الجمعة، والمعنى: قام في بعض الليل (فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ) بفتح الشين المعجمة، وتشديد النون: أي: القربة العتيقة (مُعَلَّقٍ) إنما ذَكّر على إرادة الجلد، أو الوعاء، وقد تقدّم في رواية مخرمة، عن كُريب بلفظ: "معلّقة" (وُضُوءًا خَفِيفًا) وفي نسخة: "مُخَفّفًا" (قَالَ) سفيان (وَصَفَ وُضُوءَهُ) أي: وصف عمرو بن دينار وضوءه ﷺ (وَجَعَلَ يُخَفِّفُهُ وَيُقَلِّلُهُ) أي: يَصِفه بالتخفيف والتقليل، وقال ابن الْمُنَيِّر: يخففه: أي: لا يُكْثِر الدلك، ويقللَّه: أي: لا يزيد على مرّة مرّة، قال: وفيه دليل على إيجاب الدلك؛ لأنه لو كان يُمكن اختصاره لاختصره، لكنه لَمْ يختصره. انتهي، وتعقّبه الحافظ، فقال: هي دعوى مردودةٌ، فإنه ليس في الخبر ما يقتضي ذلك، بل الاقتصار على سيلان الماء

стр. 8974

على العضو أخفّ من قليل الدلك. انتهى (١). (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقُمْتُ) أي: من نومي (فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "فتوضّأتُ نحوًا مما توضأ"، قال الكرمانيّ: لَمْ يقل: مثلًا؛ لأن حقيقة مماثلته ﷺ لا يقدر عليها غيره. انتهي، وتُعقّب بثبوت رواية المثل، ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه. (ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخْلَفَنِي) أي: أدارني من وراء خلفه (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: وضع جنبه بالأرض (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ) بالمدّ: أي: أعلمه (بالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ) من البيت إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) إمامًا للناس (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) فيه دليل على أن النوم ليس حدثًا، بل مَظِنّة الحدث؛ لأنه ﷺ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، فلو أحدث لَعَلِم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم، وربما لم يتوضأ، قال الخطابيُّ ﵀: وإنما مُنِعَ قلبُهُ النوم، لِيَعِيَ الوحي الذي يأتيه في منامه. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (وَهَذَا) إشارة إلى الصلاة بلا وضوء بعد النوم (لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: لأن الأمر والشأن (بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ) وفي نسخة: "عينه" بالإفراد و (لَا يَنَامُ قَلْبُهُ) وفي رواية البخاريّ: قلنا لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول اللَّه ﷺ تنام عينه، ولا ينام قلبه، قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: إن رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الآية [الصافات: ١٠٢]. قال في "الفتح": قوله: "قلنا" القائل سفيان، والحديث المذكور صحيح، وعبيد بن عمير من كبار التابعين، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة، وقوله: "رؤيا الأنبياء وحي"، رواه مسلم مرفوعًا، قال: ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أن الرؤيا لو لَمْ تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ولده. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8975

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَقَامَ، فَبَالَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، أَوِ الْقَصْعَةِ، فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي (٢)، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَكَامَلَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى نَفَخَ، وَكُنَّا نَعْرِفُهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِنِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون ذُكروا في الباب، و"سَلَمَةُ" هو: ابن كُهَيل. وقوله: (فَبَقَيْتُ) بفتح الباء الموحدة، والقاف: أي: رَقَبتُ، ونظرتُ، يقال: بَقَيتُ، وبَقَوتُ بمعنى رَقَبت، ورَمَقْتُ، قاله النوويُّ ﵀ (٣). وقوله: (فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) بكسر الشين: أي: الخيط الذي تُربط به في الوتد، وقيل: هو الوكاء. وقوله: (فِي الْجَفْنَةِ) بفتح الجيم، وسكون: هي القصعة الكبيرة، جمعها

стр. 8976

جَفَنات، وجِفَان بالكسر، قال في "القاموس": و"الْجَفْنة": القصعة، وفي "المحكم": أعظم ما يكون من القِصَاع، قال الراغب: خُصّت بوعاء الأطعمة. انتهى (١). وقال في مادّة "صحف": قال ابن سِيده: الصحفة: شبه قصعة مُسْلَنْطِحَةٍ عَرِيضة، تُشبع الخمسة ونحوهم، وقال الكسائيّ: أعظم القِصَاعِ الْجَفْنة، ثم القصعة تُشبع العشرة، ثم الصّحفة تشبع الخمسة، ثم الْمِئْكَلَةُ تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحيفة مصغّرًا تشبع الرجل. انتهى (٢). وقوله: (أَوِ الْقَصْعَةِ) "أو" للشكّ من الراوي، و"الْقَصْعَةُ" -بفتح، فسكون-: هي الصَّحْفة، والضخمة منها تُشبع العشر، والجمع قَصَعات، وقِصَعٌ، كعِنَبٍ، وقِصَاعٌ، كجِبَال (٣). وقوله: (فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا) قال في "القاموس": كَبّهُ: قَلَبَه، وصَرعَهُ، كأكبّه، وكَبْكَبه، فأكبّ، وهو لازم متعدّ. انتهى (٤). والمعنى: أنه قلب الماء الذي في القربة على تلك الجفنة، أو القصعة؛ ليكون أسهل عليه في الاستعمال، وفي رواية أبي نُعيم: "ثم صبّ في الجفنة، أو القصعة، وأكبّ يده عليها"، ومثله عثد أحمد، وظاهر هذا أن ضمير "عليها" للجفنة، أو القصعة، يعني أنه اغترف بيده منها، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) أي: لَمْ يُسرف، ولم يقتر، وكان بين ذلك قَوَامًا، والأقرب أنه قلّل استعمال الماء مع التثليث؛ لأنه وصفه بالحسن، فلا يكون أقلّ من الثلاث، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) وفي نسخة: "فصلّى". وقوله: (فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ) "أو" للشكّ من الراوي، وهذه الرواية

стр. 8977

صريحة في أن هذا الدعاء قاله ﷺ في سجوده، ويعارضه ما يأتي في رواية محمد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، أنه ﷺ قال ذلك، وهو خارجٌ إلى الصلاة، ولفظه: فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبي نورًا"، وكذا وما وقع عند الترمذي أنه ﷺ قال ذلك حين فرغ من صلاته، وعند البخاري في "الأدب المفرد" من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يصلي، فقضى صلاته يُثني على اللَّه بما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه: اللهم اجعل في قلبي نورًا. . . " الحديث. وأجاب الحافظ ﵀: بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأظهر عندي أنه ﷺ كان يقول هذا الدعاء في سجوده، وعند فراغه من صلاته، وحينما يخرج إلى المسجد، فبهذا تجتمع الروايات، واللَّه تعالى أعلم. والحديث تقدّم الكلام على مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا (١) النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَلَمَةُ: فَلَقِيتُ كُرَيْبًا، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَقَالَ: "وَاجْعَلْنِي نُورًا"، وَلَمْ يَشُكَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.

стр. 8978

٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ النحويّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. والباقون ذُكروا في الباب، و"بُكير" هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ المتقدّم في رواية عمرو بن الحارث، عن عبد ربّه بن سعيد السابقة. وقوله: (قَالَ سَلَمَةُ: فَلَقِيتُ كُرَيْبًا. . . إلخ) المعنى أن سلمة بن كُهيل سمع هذا الحديث من بُكير بن الأشجّ، عن كُريب، ثم لقي شيخ شيخه كريبًا، فحدّثه به. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ) فاعل "ذَكَر" ضمير النضر بن شُميل. [تنبيه]: رواية النضر، عن شعبة هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٦١) فقال: (١٧٤٦) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا الحسن بن عليّ الطوسيّ، وإبراهيم بن محمد الرازيّ، قالا: ثنا أحمد بن منصور زاج، ثنا النضر بن شُميل، ثنا شعبة، عن سلمة بن كُهيل عن بُكَير الطائيّ (١)، عن كُريب، عن ابن عباس، قال سلمة: فلقيتُ كُريبًا، فحدّثني، فقال: قال ابن عباس: بِتّ عند خالتي ميمونة، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فنظرت إليه كيف يصلي؟ فنام، ثم قام فبال، فأخذ جَفْنة من ماء، فمسح بها يديه ووجهه وذراعيه، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام عَلِمْنا لشدة نفخه، ثم قام فعمد إلى القِرْبة، فأطلق شِنَاقها، فصبَّ منها في جفنة أو صَحْفة، فتوضأ وضوءًا حسنًا بين الوضوءين، ثم قام يصلي، فجئت فقصت عن يساره، فقال بيده، فجعلني عن يمينه، فبلغ صلاة رسول اللَّه ﷺ من الليل ثلاث عشرة، وكان يقول في سجوده أو صلاته: "اللهم اجعل في بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، وبين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وتحتي نورًا، وفوقي نورًا، واجعلني نورًا. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8979

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي رِشْدِينٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَتَى الْقِرْبَةَ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَنَامَ، ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى، فَأَتَى الْقِرْبَةَ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا هُوَ الْوُضُوءُ، وَقَالَ: "أَعْظِمْ لِي نُورًا"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "وَاجْعَلْنِي نُورًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) التميميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٩/ ١٧٣٨. والباقون ذُكروا في الباب، و"أبو رِشْدين" بكسر الراء هو: كُريب مولى ابن عبّاس، كُني بابنه رِشْدين. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير سعيد بن مسروق. وقوله: (ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَنَامَ) هذا ظاهر في كونه ﷺ لَمْ يصلّ بهذا الوضوء، فيكون بمعنى ما سبق في رواية سفيان الثوريّ، عن سلمة بلفظ: "فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام"، فيكون الوضوء هنا بمعنى غسل وجهه ويديه، ويؤيّد ذا قوله الآتي: "ثم توضّأ وضوءًا، هو الوضوء"؛ أي:

стр. 8980

الكامل، وأما هذا الوضوء فإنما هو للتنشيط على الذكر ونحوه، وليس وضوءًا للصلاة، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة هذه ساقها النسائيّ في "سننه" بسند المصنّف، فقال: (١١٢١) أخبرنا هنّاد بن السّريّ، عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن سلمة بن كُهيل، عن أبي رِشْدين، وهو كريب، عن ابن عباس، قال: بِتّ عند خالتي ميمونة بنت الحارث، وبات رسول اللَّه ﷺ عندها، فرأيته قام لحاجته، فأتى القربة، فَحَلّ شِناقها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قَوْمَةً أخرى، فأتى القربة، فحَلّ شِناقها، ثم توضأ وضوءًا هو الوضوء، ثم قام يصلي، وكان يقول في سجوده: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، وأعظم لي نورًا"، ثم نام حتى نفخ، فأتاه بلال، فأيقظه للصلاة. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان المسائل المتعلّقة به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ كُرَيْبًا حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَسَكَبَ مِنْهَا، فَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يُكْثِرْ مِنَ الْمَاءِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْوُضُوءِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنِيهَا كُرَيْبٌ، فَحَفِظْتُ مِنْهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَنَسِيتُ مَا بَقِيَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي

стр. 8981

نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ الْحَجْرِيُّ) الرُّعَينيّ المصريّ، لا بأس به [٧]. رَوَى عن عمرو بن أبي عمرو، ويزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، وعُقيل بن خالد. ورَوى عنه ابن وهب، وقال ابن يونس: وهو قريب السنّ من ابن وهب، يروي عن عُقيل غرائب ينفرد بها، وكان ثقةً، وقال البخاريّ: فيه نظرٌ، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، يروي عن عُقيل أحاديث عن مشيخة لعقيل يدخل بينهم الزهريّ في شيء سمعه عُقيل من أولئك المشيخة، ما رأيت من حديثه منكرًا، وهو صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس. روى له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. [تنبيه]: قوله: "الْحَجْريّ" -بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم-: نسبة إلى حَجْر رُعين، وهي قبيلة معروفة، قاله النوويُّ ﵀ (١). ٣ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأيليّ، أبو خالد الأُمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَسَكَبَ مِنْهَا) أي: صبّ من القربة. وقوله: (وَلَمْ يُكْثِرْ مِنَ الْمَاءِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْوُضُوءِ) هو معنى قوله في الروايات السابقة: "توضّأ وضوءًا بين الوضوءين".

стр. 8982

وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير عُقيل. وقوله: (وَأَعْظِمْ لِي نُورًا) أي: اجعل لي نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلّها. [تنبيه]: رواية عُقيل، عن سلمة هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَقَدْتُ (٢) فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةَ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ (٣) بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَامَ، فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر، أبو بكر الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦. ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر [٧] (عِ) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩. ٤ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نمِرٍ) هو: شريك بن عبد اللَّه بن أبي نَمِر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.

стр. 8983

والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (رَقَدْتُ) من باب قعد، يقال: رقد يرقُد رُقُودًا، ورُقادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول أصحّ، وفي نسخة: "بِتُّ". وقوله: (كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي نسخة: "كيف كان صلاة النبيّ ﷺ ". وقوله: (فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً) فيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء للحاجة والمصلحة، والذي ثبت في الحديث أنه كان يَكْرَه النوم قبلها، والحديث بعدها، هو في حديثٍ لا حاجة إليه، ولا مصلحة فيه، كما سبق بيانه في بابه (١). وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير شريك بن أبى نَمِر. وقوله: (وَاسْتَنَّ) أي: استاك. [تنبيه]: رواية شريك بن أبي نَمِر، عن كُريب هذه ساقها البخاريُّ في "كتاب التوحيد" (٢) من "صحيحه"، فقال: (٧٤٥٢) حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نَمِر، عن كُريب، عن ابن عباس، قال: بِتُّ في بيت ميمونة ليلةً، والنبيّ ﷺ عندها؛ لأنظر كيف صلاة رسول اللَّه ﷺ بالليل؟ فتحدّث رسول اللَّه ﷺ مع أهله ساعةً، ثم رَقَد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه قعد، فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثم قام فتوضأ، واستَنّ، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال بالصلاة، فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى للناس الصبح. انتهى. [تنبيه آخر]: رواية شريك هذه فيها اختصار، وأيضًا فيها مخالفة لرواية الحفّاظ الأكثرين، حيث قيد القراة بأنها إلى ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والمحفوظ أنه قرأ إلى آخر السورة، وقال أيضًا: "ثم صلى إحدى عشرة ركعةً"، ورواية

стр. 8984

الأكثرين أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وروايتهم هي المحفوظة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأْ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآياتِ، حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ (١) فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَامَ، حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، سِتَّ رَكَعَاتٍ (٢)، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. ٣ - (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السّلمي، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،

стр. 8985

أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الهاشميّ، ثقةٌ [٦] (ت ٤ أو ١٢٥) (م ٤) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٧٩٧. ٦ - (أَبُوهُ) عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس الهاشميّ، أبو محمد، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ١١٨) على الصحيح (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٧٩٧. و"ابن عبّاس ﵄" ذُكر قبله. وقوله: (سِتَّ رَكَعَاتٍ) وفي نسخة: "بستّ ركعات"، وفي أخرى: "في ستّ ركعات". وقوله: (كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ) قال النوويّ ﵀: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخليل النوم بين الركعات، وفي عدد الركعات، فإنه لَمْ يذكر في باقي الروايات تخلل النوم، وذكر الركعات ثلاث عشرة، قال القاضي عياض ﵀: هذه الرواية، وهي رواية حُصَين، عن حبيب بن أبي ثابت، مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم؛ لاضطرابها، واختلاف الرواة، قال الدارقطنيّ: ورُويَ عنه على سبعة أوجه، وخالف فيه الجمهور. قال النوويّ ﵀: ولا يقدح هذا في مسلم، فإنه لَمْ يذكر هذه الرواية متأصلة مستقلة، إنما ذكرها متابعةً، والمتابعات يُحْتَمَل فيها ما لا يُحْتَمَل في الأصول، كما سبق بيانه في مواضع. قال القاضي: ويَحْتَمِل أنه لَمْ يَعُدّ في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين اللتين كان النبيّ ﷺ يستفتح صلاة الليل بهما، كما صَرَّحَت الأحاديث بها في مسلم وغيره، ولهذا قال: صلى ركعتين، فأطال فيهما، فَدَلّ على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان، ثم الطويلتان، ثم الست المذكورات، ثم ثلاثٌ بعدها كما ذُكِر، فصارت الجملة ثلاث عشرة، كما في باقي الروايات. انتهى (١).

стр. 8986

قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن رواية حبيب بن أبي ثابت هذه ضعيفة؛ لكثرة المخالفة فيها لروايات الحفّاظ الأثبات، ولأنه كثير التدليس، وأما إخراج المصنّف لها، فجوابه ما تقدّم عن النوويُّ من أنه ذكرها متابعةً، لا أصالةً، والغرض منها تقوية ما سبق من أصل الحديث، بذكر طرقه المتعدّدة، فما اتّفق عليه الحفّاظ، هو المعتمد، ولا يضرّ ذلك ما يقع لبعضهم من المخالفة، إذ الاعتماد على الحفّاظ الأثبات (١)، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مُتَطَوِّعًا (٣) مِنَ اللَّيْلِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَامَ، فَصَلَّى، فَقُمْتُ لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلِكَ، فَتَوَضَّأْتُ مِنَ الْقِرْبَةِ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، يَعْدِلُنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، قُلْتُ: أَفِي التَّطَوُّعِ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَطَاءُ) بنَ أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ فقيهٌ يُرسل [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا في الباب.

стр. 8987

وقوله: (يُصَلِّي مُتَطَوِّعًا) وفي نسخة: "تطوّعًا". وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى"في"، أو هي للتبعيض. وقوله: (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْقِرْبَةِ) بيان وتفصيل لـ "قام" الأول. وقوله: (يَعْدِلُنِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه؛ أي: يقيمني من جهة يمينه، ويجوز أن يكون من التعديل، فقد قال في "القاموس": وكلُّ ما أقمته، فقد عَدَلْتَه -أي بالتخفيف- وعدّلته -أي بالتشديد-. انتهى (١). وقوله: (قُلْتُ: أَفِي التَّطَوُّعِ. . . إلخ) الظاهر أن القائل هو عطاء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَبِتُّ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَتَنَاوَلَنِي مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَجَعَلَنِي عَلَى يَمِينِهِ) (٢). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّه) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) الأزديّ، أبو العباس البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥. ٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ ضُعِّف في قتادة [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. ٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبد الملك، أو أبو عبد اللَّه الحبشيّ المكيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع (١١٠) (خت م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.

стр. 8988

والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَلَى يَمِينِهِ) وفي نسخة: "عن يمينه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هِشَام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سُليمان مَيْسَرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ) يعني أن حديث عبد الملك، عن عطاء نحو حديث ابن جريج، وقيس بن سعد كلاهما عنه. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٦٣) فقال: (١٧٥١) حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عُمَر بن عليّ، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس (ع) وثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عليّ بن الحسين الدرهميّ، ثنا خالد بن الحارث، ثنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه أتى خالته ميمونة، فقام رسول اللَّه ﷺ إلى سقاية، فتوضأ، ثم قام فصلي، وقمت فتوضأت، وقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني من خلفه، حتى

стр. 8989

أقامني عن يمينه. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٣] (٧٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو جَمْرَةَ) نصر بن عمران بن عِصَام الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعض الليل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام على مسائله في أول أحاديث الباب، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٤] (٧٦٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى

стр. 8990

رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ (١) ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) ذُكر في الباب. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥١] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. ٤ - (أَبُوهُ) أبو بكر بن محمد بن عَمْرو بن حزم الأنصاريّ النّجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن المطّلب بن عبد مناف المطلبيّ، أخو محمد [٢]. رَوَى عن أبيه، وزيد بن خالد الجهنيّ، وابن عمر، وأبي هريرة. وروى عنه ابناه: محمد ومطلب، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وإسحاق بن يسار والد محمد، يقال: له صحبة، قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، واستعمله عبد الملك بن مروان على الكوفة والبصرة، واستقضاه الحجاج ﵀ على المدينة سنة (٧٣)، وبقي إلى سنة ست وسبعين قاضيًا، ذكره خليفة، وقال أبو القاسم البغويّ في الصحابة: يُشَكّ في سماعه، وقال العسكريّ: له رؤيةٌ، ورَوَى ابن شاهين في ترجمته حديثًا فيه بَقِيَّةُ، لكنه غَلِطَ إنما رواه عن زيد بن خالد. روى له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٦ - (زيدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٨.

стр. 8991

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد اللَّه بن قيس، في أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ) الْمُطّلبيّ (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر أبا بكر (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ) بضمّ الميم، وفتح القاف، ونون التوكيد المشدّدة، يقال: رَمَقَ بعينه رَمْقًا، من باب قَتَلَ: أطال النظر إليه، قاله في "المصباح" (١). وأكّده باللام والنون مبالغةً في طلب تحصيل معرفة ذلك وضبطه، والمعنى: لأنظرنّ وأراقبَنّ، وأحفظنّ صلاةَ رسول اللَّه ﷺ لأعرف كيف هي؟، وكم هي؟. وقال في "النهاية": الرّمَق: النظر إلى الشيء شَزْرًا نظر العداوة، قال الطيبيُّ ﵀: فاستعير هنا لمطلق النظر، كما استُعِير الْمِرْسَنُ، وهو أنس فيه رسنٌ لمطلق الأنف، وعَدَلَ من الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الحالة الماضية؛ لتقريرها في ذهن السامع أبلغ تقرير، ويشهد بذلك عنايته بالمؤكّدات المتعدّدة. انتهى (٢). وقوله: (صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بالنصب على المفعوليّة لـ "أرمُقَنّ"، والمراد صلاة النافلة، وقوله: (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة له أيضًا؛ أي: في هذه الليلة.

стр. 8992

والمعنى: لأنظرنّ. قال في "المنهل": والظاهر أنه قال ذلك نهارًا، ثم رَمَقَ صلاته ﷺ ليلًا، وأخبر بما رأي، وعليه فالمضارع على حاله، ويَحْتَمِل أنه أخبر بذلك بعد وقوفه على الكيفيّة، فيكون المقام للماضي، وعبّر بالمضارع استحضارًا لتلك الحالة؛ لتقرّرها في ذهنه. انتهى (١). وقال في "المرعاة": قال ابن حجر -يعني الهيتميّ-: والظاهر أنه قال ذلك لأصحابه نهارًا، ثم رمقه، وحينئذ فالمضارع على حاله، قال القاري: ولا يستقيم ذلك إلَّا على تقديرات كثيرة كما لا يخفي، قال: ويُمكن أن يكون هذا القول من زيد قبل العلم والعمل، وقيل: إن ذلك حين سمعه ﷺ قام يصلّي، لا قبل ذلك؛ لأنه من التجسّس المنهيّ عنه، وأما ترقّبه للصلاة فمحمود. انتهى (٢). زاد في رواية أبي داود: "قال: فتوسّدت عَتَبَتَهُ، أو فُسْطاطه". و"الْعَتَبَةُ" محرّكةً: أُسْكُفّة الباب؛ أي: جَعَلتُ عَتَبة بابه كالوسادة بوضع الرأس عليها، و"الفُسطاط" مثلّث الفاء: بيتٌ من شعر، والمراد من توسّد الفسطاط توسّد عتبة الفسطاط، فهو على تقدير مضاف، وهذا شكّ من الراوي عن زيد هل قال: توسّدت عتبته، أو قال: عتبة فسطاطه؟ قيل: والظاهر الثاني؛ لأنه ﷺ في الحضر يكون عند نسائه، فلا يمكن أن يتوسّد زيد عتبة بيته ليرمقه بخلاف السفر فإنه خالٍ عن الأزواج، فيمكنه أن يتوسّد عتبة فسطاطه. وقال القاري في "جمع الوسائل": فالترديد إنما هو في العبارة، وإلا فالمقصود عن عتبته عتبة فسطاطه في الحقيقة لا شكّ فيه. انتهى. والمراد بعتبة الفسطاط بابه؛ أي: محلّ دخوله، يعني أرقُد عند باب خيمته (٣). (فَصَلَّى) النبيّ ﷺ (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) إنما خفّفهما؛ لأنهما عقب أثر النوم، وليدخل في صلاة التهجّد بنشاط (ثُمَّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) التكرار للتأكيد، وليس المراد بكلّ "طويلتين" ركعتين، كذا في

стр. 8993

"المفاتيح"، وقال الطيبيُّ ﵀: كرّر طويلتين ثلاث مرّات إرادة لغاية الطول وانتهائه، ولا طول بعد ذلك عرفًا، ثم تنزّل شيئًا فشيئًا. انتهى (١). وقال في "المرعاة": وإنما بولغ في تطويلهما؛ لأن النشاط في أول الصلاة يكون أقوى، والخشوع يكون أتمّ، ومن ثمّ سُنّ تطويل الركعة الأولى على الثانية من الفريضة، قال الباجيّ: ومعنى ذلك أن آخر الصلاة مبنيّ على التخفيف عما تقدّم، ولذا شُرع هذا المعنى في الفرائض. انتهى (٢). (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا) أي: الركعتان (دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) أي: في الطول، وإنما كانتا دون الركعتين اللتين قبلهما؛ لأنه إذا استوفى الغاية في النشاط والخشوع أخذ في النقص شيئًا فشيئًا، فيخفّ من التطويل على سبيل التدريج (ثُمَّ صَلَّى) ثانيًا (رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) في الطول (ثُمَّ صَلَّى) ثالثًا (رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى) رابعًا (رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ) أي: بركعة واحدة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكرته من أنه ﷺ أوتر بواحدة هو الظاهر الموافق لقوله: "فذلك ثلاث عشرة ركعة"، وأما تأويل بعضهم موافقة لمذهبه بأنه أوتر بثلاث، وأخرج الركعتين الخفيفتين الأوليين من البين، فلا يخفى ما فيه من التعسّف، فتبصّر. (فَذَلِكَ) أي: مجموعِ ما ذُكر من الركعات، وفي نسخة: "فتلك"، وهي واضحة (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ) فيه أن صلاته ﷺ في الليل ثلاث عشرة ركعة بلا ركعتي الفجر، وهو موافق لحديث ابن عبّاس ﵄ المتقدّم، وقد مضى البحث في هذا مستوفًى في شرح حديثه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵁.

стр. 8994

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٤] (٧٦٥) و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٦٦)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٦٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٣٣٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٦٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧١٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٢٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٩٣)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زيادات المسند" (٥/ ١٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٣)، و (الطبرانيّ) (٥٢٤٥ و ٥٢٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٨)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عبّاس ﵄، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٥] (٧٦٦) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيُّ، أَبُو جَعْفَرٍ (١)، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ، فَقَالَ: "أَلَا تُشْرعُ يَا جَابِرُ"؟ قُلْتُ (٢): بَلَي، قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْرَعْتُ (٣)، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: فَجَاءَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ، خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَني عَنْ يَمِينِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَائنِيُّ) الرازي البزاز، صدوقٌ فيه لينٌ [٩].

стр. 8995

رَوَى عن وَرْقَاء بن عمر، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، ومنصور بن الأسود، وبكر بن خُنيس، وأبي شيبة العبسيّ، وحمزة الزيات، ومسلم بن سعيد الواسطيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه جعفر، وأحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن إسحاق الصاغانيّ، والفضل بن سهل، وعليّ بن شعيب السِّمْسَار، وعباس الدُّوريّ، وآخرون. قال مُهَنّأ عن أحمد: لا بأس به، وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس به بأس، وقال أبو حاتم، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال ابن قانع: ضعيفٌ، وقال ابن عبد البرّ: ليس هو بالقويّ عندهم، وقال العُقيليّ في "الضعفاء": قال ابن حنبل: ذاك الذي بالمدائن محمد بن جعفر سمعت منه، ولكن لم أرو عنه قط، ولا أُحَدِّث عنه بشيء أبدًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست ومائتين. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ حديث آخر. [تنبيه]: وقع في "برنامج الحديث للكتب التسعة" هنا غلط، حيث ترجموا لمحمد بن جعفر المعروف بغندر، وهو غلط فاحشٌ، ومن الغريب أن كنية غندر أبو عبد اللَّه الْهُذليّ، فكيف التبس عليهم بأبي جعفر المدائنيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ، في حديثه عن منصور بن المعتمر لينٌ [٧] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ٩٩٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 8996

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، ومحمد بن جعفر، فتفرّد به هو والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفها (١). [تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف ﵀ هذا الحديث خلال أحاديث صلاة الليل يدلّ على أن قصّة جابر هذه وقعت في الليل، ولكن ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. (فَانْتَهَيْنَا) أي: وصلنا (إِلَى مَشْرَعَةٍ) -بفتح الميم، والراء- وهي والشريعةُ: الطريقُ إلى عبور الماء من حافَةِ نَهْر أو بَحْر وغيره (فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (تُشْرِعُ يَا جَابِرُ") قال النوويُّ ﵀: بضم التاء، ورُوِي بفتحها، والمشهور في الروايات الضمّ، ولهذا قال بعده: و"أَشَرَعْتُ"، قال أهل اللغة: شَرَعْتُ في النهر، وأشرعت ناقتي فيه، فقوله: "ألا تشرع" معناه: ألا تُشرع ناقتك، أو نفسك. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "ألا تُشرع" بضمّ التاء رباعيّ، ويُروى بفتحها، وقوله: "فأشرعت": الْمَشْرَعة والشريعة: الطريق إلى ورود الماء من حافة نهرٍ، أو بحر. يقول: ألا تأتي لِلْمَشْرَعَة، فتقضي من الماء حاجتك، وتشرب منها بفيك بغير آلة؟، والمعروف في هذا شَرَعتُ ثلاثيًّا: إذا فعلت ذلك، وأشرع ناقته يُحْمَل ما جاء رباعيًّا على هذا. انتهى (٣). وقال ابن الأثير ﵀: أشرع ناقته: أي: أدخلها في شَرِيعة الماء، يقال:

стр. 8997

شَرَعت الدوابّ في الماء تَشْرَع شَرْعًا وشُرُوعًا: إذا دخلت فيه، وشَرّعتها تشريعًا، وأشرعتها إشراعًا، وشَرَع في الأمر: خاض فيه. انتهى (١). وقال الفيّوميُّ ﵀: "الْمَشْرَعَةُ" بفتح الميم والراء: شريعةُ الماءِ، قال الأزهريّ: ولا تُسَمِّيها العرب مَشْرَعَةً حتى يكون الماء عِدًّا لا انقطاع له، كماء الأنهار، ويكون ظاهرًا مَعِينًا، ولا يُسْتَقَى منه برِشَاء، فإن كان من ماء الأمطار فهو الْكَرَعُ بفتحتين، والناس في هذا الأمر شَرَعٌ بفتحتين، وتسكن الراء للتخفيف؛ أي: سواءٌ، وشَرَعتُ في الأمر أَشْرَعُ شُرُوعًا: أخذتُ فيه، وشَرَعتَ في الماء شُرُوعًا وشَرْعًا: شَرِبتَ بكفيك، أو دخلت فيه. انتهى. (قُلْتُ) وفي نسخة: "فقلتُ" (بَلَى) تقدّم الكلام عليها غير مرّة (قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: عن دابّته (وَأَشْرَعْتُ) وفي نسخة: "فأشرعتُ" (قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ) ﷺ (لِحَاجَتِهِ) أي: ليقضي حاجته من البول ونحوه (وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو؛ أي: ماء يتوضّأ به (قَالَ: فَجَاءَ) ﷺ من محلّ حاجته (فَتَوَضَّأَ) بذلك الْوَضُوء الذي وضعه له جابر ﵁ (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) فيه صحة الصلاة في ثوب واحد، وأنه تُسَنّ المخالفة بين طرفيه على عاتقيه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً في موضعها (٢). (فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) هو كحديث ابن عباس ﵄، وقد سبق شرحه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٥] (٧٦٦)، و (أحمد) في "مسنده"

стр. 8998

(٣/ ٣٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٦] (٧٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو حُرَّةَ) -بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء- واصل بن عبد الرحمن البصريّ، أخو سعيد، وليس بالرّقَاشيّ، صدوقٌ عابدٌ، كان يدلّس عن الحسن، من كبار [٧]. رَوَى عن عكرمة بن عبد اللَّه المزنيّ، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن واسع، ويزيد الرَّقَاشيّ. ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وهشيم، والقطان، وابن مهديّ، ووكيع، وأبو سعيد مولى بني هاشم، وبشر بن السريّ، ومخلد بن الحسين، وأبو عمرو الحوضيّ، وأبو قَطَن عمرو بن الهيثم، وغيرهم. قال أبو قَطَن عن شعبة: أبو حُرّة أصدق الناس، وقال أبو داود: جاء رجل إلى شعبة يسأله عن حديث، فقال: تسألني وقد مات سيد الناس، يعني أبا حُرّة، وكان يَختم في ليلتين، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وعن يحيى بن معين: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس بذاك، أخوه سعيد مُقَدَّم عليه، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرّة: ليس به بأسٌ، وقال البخاريّ: يتكلمون في روايته عن الحسن، وقال عبد اللَّه بن أحمد في "العلل": حدّثني يحيى بن

стр. 8999

معين، حدّثني غندر، قال: وُقِّفَ أبو حُرّة على حديث الحسن، فقال: لَمْ أسمعه من الحسن، قال غندر: فلم يقل في شيء منه أنه سمعه إلَّا حديثًا واحدًا، وقال النسائيّ في "الكنى": أنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن معين، عن أبي حُرّة، فقال: صالحٌ، وحديثه عن الحسن ضعيفٌ يقولون: لَمْ يسمعها من الحسن، وقال الساجيّ: قال أحمد بن حنبل: قال لي أبو عُبيدة الحدّاد: لم يَقِف أبو حُرّة على شيء مما سمع من الحسن إلَّا على ثلاثة أحاديث، وقال ابن سعد: كان فيه ضعف، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. روى له المصنّف، وأبو داود في "القدر"، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ الأنصاريّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضل حجة، يرسل كثيرًا، ويدلّس، رأس [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٦. ٤ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] استُشهد بأرض الهند (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٥/ ١٦٨٨. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. والباقيان ذُكرا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض (لِيُصَلِّيَ) أي: ليتطوّع بصلاة الليل (افْتُتَحَ) أي: ابتدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خُفِيفَتَيْنِ) وفي رواية الطحاويّ: "قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر". قال في "العون"؛ والجمع بين روايات عائشة ﵂ المختلفة في حكايتها لصلاته ﷺ أنها ثلاث عشرة تارةً، وأنها إحدى عشرة أخرى، بأنها ضَمّت

стр. 9000

هاتين الركعتين، فقالت: ثلاث عشرة، ولم تضمهما، فقالت: إحدى عشرة، ولا منافاة بين هذين الحديثين، وبين قولها في صفة صلاته ﷺ : "صلى أربعًا، فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ"؛ لأن المراد: صلى أربعًا بعد هاتين الركعتين. انتهى (١). وقال في "الاستذكار": وفي هذا الحديث بيان أن صلاة الليل ركعتان ركعتان، فإن الركعتين الخفيفتين اللتين يفتتح بهما صلاة الليل لَمْ يَعَتَبِرها ولا اعتَدّ بها مَن جَعَل صلاته بالليل عشر ركعات، ثم واحدة للوتر. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية أبي حرّة عن الحسن، مع أنهم ضعّفوها، كما سبق في ترجمته آنفًا؟. [قلت]: إنما تكلّموا بعدم سماعه أحاديث الحسن إلَّا حديثًا واحدًا، أو هي ثلاثة أحاديث، وهذا من تلك الثلاثة؛ لأنه صرّح بسماعه منه، فقد أخرجه عبد الرزّاق في "مصنّفه" (٢/ ٧٣) مصرّحًا بالتحديث، فقال: (٦٦٢٠) حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو حُرّة، قال: حدّثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. انتهى. وأخرجه الطحاويّ أيضًا كذلك في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٠) فقال: حدّثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو حُرّة، قال: ثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثُم أوتر". انتهى.
следующие страницы →