٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، ومحمد بن جعفر، فتفرّد به هو والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفها (١).
[تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف ﵀ هذا الحديث خلال أحاديث صلاة الليل يدلّ على أن قصّة جابر هذه وقعت في الليل، ولكن ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَانْتَهَيْنَا) أي: وصلنا (إِلَى مَشْرَعَةٍ) -بفتح الميم، والراء- وهي والشريعةُ: الطريقُ إلى عبور الماء من حافَةِ نَهْر أو بَحْر وغيره (فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (تُشْرِعُ يَا جَابِرُ") قال النوويُّ ﵀: بضم التاء، ورُوِي بفتحها، والمشهور في الروايات الضمّ، ولهذا قال بعده: و"أَشَرَعْتُ"، قال أهل اللغة: شَرَعْتُ في النهر، وأشرعت ناقتي فيه، فقوله: "ألا تشرع" معناه: ألا تُشرع ناقتك، أو نفسك. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "ألا تُشرع" بضمّ التاء رباعيّ، ويُروى بفتحها، وقوله: "فأشرعت": الْمَشْرَعة والشريعة: الطريق إلى ورود الماء من حافة نهرٍ، أو بحر.
يقول: ألا تأتي لِلْمَشْرَعَة، فتقضي من الماء حاجتك، وتشرب منها بفيك بغير آلة؟، والمعروف في هذا شَرَعتُ ثلاثيًّا: إذا فعلت ذلك، وأشرع ناقته يُحْمَل ما جاء رباعيًّا على هذا. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير ﵀: أشرع ناقته: أي: أدخلها في شَرِيعة الماء، يقال:
стр. 8997
شَرَعت الدوابّ في الماء تَشْرَع شَرْعًا وشُرُوعًا: إذا دخلت فيه، وشَرّعتها تشريعًا، وأشرعتها إشراعًا، وشَرَع في الأمر: خاض فيه. انتهى (١).
وقال الفيّوميُّ ﵀: "الْمَشْرَعَةُ" بفتح الميم والراء: شريعةُ الماءِ، قال الأزهريّ: ولا تُسَمِّيها العرب مَشْرَعَةً حتى يكون الماء عِدًّا لا انقطاع له، كماء الأنهار، ويكون ظاهرًا مَعِينًا، ولا يُسْتَقَى منه برِشَاء، فإن كان من ماء الأمطار فهو الْكَرَعُ بفتحتين، والناس في هذا الأمر شَرَعٌ بفتحتين، وتسكن الراء للتخفيف؛ أي: سواءٌ، وشَرَعتُ في الأمر أَشْرَعُ شُرُوعًا: أخذتُ فيه، وشَرَعتَ في الماء شُرُوعًا وشَرْعًا: شَرِبتَ بكفيك، أو دخلت فيه. انتهى.
(قُلْتُ) وفي نسخة: "فقلتُ" (بَلَى) تقدّم الكلام عليها غير مرّة (قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: عن دابّته (وَأَشْرَعْتُ) وفي نسخة: "فأشرعتُ" (قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ) ﷺ (لِحَاجَتِهِ) أي: ليقضي حاجته من البول ونحوه (وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو؛ أي: ماء يتوضّأ به (قَالَ: فَجَاءَ) ﷺ من محلّ حاجته (فَتَوَضَّأَ) بذلك الْوَضُوء الذي وضعه له جابر ﵁ (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) فيه صحة الصلاة في ثوب واحد، وأنه تُسَنّ المخالفة بين طرفيه على عاتقيه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً في موضعها (٢). (فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) هو كحديث ابن عباس ﵄، وقد سبق شرحه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٥] (٧٦٦)، و (أحمد) في "مسنده"
стр. 8998
(٣/ ٣٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٦] (٧٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو حُرَّةَ) -بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء- واصل بن عبد الرحمن البصريّ، أخو سعيد، وليس بالرّقَاشيّ، صدوقٌ عابدٌ، كان يدلّس عن الحسن، من كبار [٧].
رَوَى عن عكرمة بن عبد اللَّه المزنيّ، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن واسع، ويزيد الرَّقَاشيّ.
ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وهشيم، والقطان، وابن مهديّ، ووكيع، وأبو سعيد مولى بني هاشم، وبشر بن السريّ، ومخلد بن الحسين، وأبو عمرو الحوضيّ، وأبو قَطَن عمرو بن الهيثم، وغيرهم.
قال أبو قَطَن عن شعبة: أبو حُرّة أصدق الناس، وقال أبو داود: جاء رجل إلى شعبة يسأله عن حديث، فقال: تسألني وقد مات سيد الناس، يعني أبا حُرّة، وكان يَختم في ليلتين، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وعن يحيى بن معين: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس بذاك، أخوه سعيد مُقَدَّم عليه، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرّة: ليس به بأسٌ، وقال البخاريّ: يتكلمون في روايته عن الحسن، وقال عبد اللَّه بن أحمد في "العلل": حدّثني يحيى بن
стр. 8999
معين، حدّثني غندر، قال: وُقِّفَ أبو حُرّة على حديث الحسن، فقال: لَمْ أسمعه من الحسن، قال غندر: فلم يقل في شيء منه أنه سمعه إلَّا حديثًا واحدًا، وقال النسائيّ في "الكنى": أنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن معين، عن أبي حُرّة، فقال: صالحٌ، وحديثه عن الحسن ضعيفٌ يقولون: لَمْ يسمعها من الحسن، وقال الساجيّ: قال أحمد بن حنبل: قال لي أبو عُبيدة الحدّاد: لم يَقِف أبو حُرّة على شيء مما سمع من الحسن إلَّا على ثلاثة أحاديث، وقال ابن سعد: كان فيه ضعف، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
روى له المصنّف، وأبو داود في "القدر"، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ الأنصاريّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضل حجة، يرسل كثيرًا، ويدلّس، رأس [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٦.
٤ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] استُشهد بأرض الهند (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٥/ ١٦٨٨.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض (لِيُصَلِّيَ) أي: ليتطوّع بصلاة الليل (افْتُتَحَ) أي: ابتدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خُفِيفَتَيْنِ) وفي رواية الطحاويّ: "قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر".
قال في "العون"؛ والجمع بين روايات عائشة ﵂ المختلفة في حكايتها لصلاته ﷺ أنها ثلاث عشرة تارةً، وأنها إحدى عشرة أخرى، بأنها ضَمّت
стр. 9000
هاتين الركعتين، فقالت: ثلاث عشرة، ولم تضمهما، فقالت: إحدى عشرة، ولا منافاة بين هذين الحديثين، وبين قولها في صفة صلاته ﷺ : "صلى أربعًا، فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ"؛ لأن المراد: صلى أربعًا بعد هاتين الركعتين. انتهى (١).
وقال في "الاستذكار": وفي هذا الحديث بيان أن صلاة الليل ركعتان ركعتان، فإن الركعتين الخفيفتين اللتين يفتتح بهما صلاة الليل لَمْ يَعَتَبِرها ولا اعتَدّ بها مَن جَعَل صلاته بالليل عشر ركعات، ثم واحدة للوتر. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية أبي حرّة عن الحسن، مع أنهم ضعّفوها، كما سبق في ترجمته آنفًا؟.
[قلت]: إنما تكلّموا بعدم سماعه أحاديث الحسن إلَّا حديثًا واحدًا، أو هي ثلاثة أحاديث، وهذا من تلك الثلاثة؛ لأنه صرّح بسماعه منه، فقد أخرجه عبد الرزّاق في "مصنّفه" (٢/ ٧٣) مصرّحًا بالتحديث، فقال:
(٦٦٢٠) حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو حُرّة، قال: حدّثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. انتهى.
وأخرجه الطحاويّ أيضًا كذلك في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٠) فقال: حدّثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو حُرّة، قال: ثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثُم أوتر". انتهى.
стр. 9001
والحاصل أن رواية أبي حرّة عن الحسن هذه صحيحة بلا شكّ؛ لما ذُكِر، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٦] (٧٦٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢/ ٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٠ و ٢٠٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ١٠٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٤٢ و ٢٢٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٧] (٧٦٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين، أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد حجة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في شرح المقدّمة جـ ١ ص ٣٠٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ) أي: إذا
стр. 9002
استيقظ أحدكم من النوم في الليل، وأراد التهجّد، وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعض الليل (فَلْيَفْتَتِحْ) من الافتتاح؛ أي: فليبدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ") زاد في رواية أبي داود: "ثم ليطوّل بعدُ ما شاء".
والحكمة في تخفيفهما أن يحصل بهما النشاط لما بعدهما من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٧] (٧٦٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٢٣)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٢ و ٢٧٨ و ٣٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٤١ و ٢٢٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٨] (٧٦٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبكَ خَاصَمْتُ، وِإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ (١)، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ").
стр. 9003
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٢ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في وسط الليل، ظاهر السياق يدلّ على أنه ﷺ كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" بقوله: "الدليل على أن النبيّ ﷺ كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر"، ثم ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام للتهجّد، قال بعدما يكبّر: اللهم لك الحمد. . . ".
ولأبي داود من هذا الوجه: أنّ رسول اللَّه ﷺ كان إذا قام للتهجّد قال بعدما يقول: "اللَّه أكبر. . . ".
("اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما، وقيل: المعنى أنت المنزّه عن كل عيب، يقال: فلان مُنَوَّر؛ أي: مبرّأ من كل عيب، ويقال: هو اسمُ مَدْحٍ، تقول: فلان نُورُ البلد؛ أي: مزيّنه، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيُّ ﵀: أي: منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ ﵁: "اللَّه نَوّرَ السموات" بفتح النون، والواو مشدّدة، وقال ابن عباس ﵄: هادي
стр. 9004
أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل: هو المنزّه في السموات والأرض من كل عيب، من قول العرب: امرأة نَوّارة؛ أي: مبرّأة من كل رِيبة. وقيل: اسم مدح، يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة [من الطويل]:
فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وقال آخر [من الطويل]:
إِذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَرْوَ لَيْلَةً … فَقَدْ سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا
وقال أبو العالية: مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى.
وقد أجاد الإمام ابن القيّم ﵀ في تفسير قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات [النور: ٣٥] في كتابه الممتع "اجتماع الجيوش الإسلاميّة على غزو المعطّلة والجهميّة" بما لا تجد تحقيقه في كتاب غيره، فراجعه (١) تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيّا له ما يحتاج إليه، ويقال: قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: "اللَّه لا إله إلَّا هو الحيّ القيّام" [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ: القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير: الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول، قاله في "المفهم".
وفي "المرعاة": أي: القائم بأمرِ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها، وفي رواية: "قيّم"، وفي أخرى: "قيّوم"، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللَّه تعالى، ومعناها واحد، وقيل: "القيّم": معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و"القيّام": القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره، و"القيّوم": من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلَّا به. انتهى.
стр. 9005
وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حَمَدتك؛ لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتُراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، وليُنَاط به كلَّ مرّة معنى آخر.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي: مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مأخوذ من الرّبّة، وهي نَبْتٌ تَصْلَحُ عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبًّا، فهو رابّ، ورَبّ، ورَبَّى يُرَبِّي تَرْبية، فهو مُرَبّ، قال النابغة [من الطويل]:
وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ
وقال آخر [من الطويل أيضًا]:
يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ … إِذَا فَعَلَ الْمَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا
والربّ أيضًا السيّد، فيكون معناه أنه سَيِّد من في السموات والأرض، والربّ المالك: أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما، قاله في "المفهم".
وقال القاضي عياضٌ : قال العلماء: للرب ثلاثُ معانٍ في اللغة: السيد المطاع، والمالك، والمصلح، لكن إذا كان بمعنى السيّد المطاع، فقد قال بعضهم: إنه لا يقع إلَّا على من يَعقل، ولا يصلح هذا التأويل إلَّا أن يُجعل ﴿الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على الجنّ والإنس، وإلى هذا نحا أبو سليمان -يعني الخطابيّ- إذ قال: لا يصحّ أن يقال: سَيِّد الجبال والشجر، قال القاضي عياض: لا معنى لهذا، والكلّ له مطيع منيب، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. انتهى كلام القاضي ﵀ (١)، وهو تعقّب حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقد تقدّم في "شرح المقدّمة" أن بعضهم أوصل معاني الربّ إلى أربعة عشر معنًى، ونظمها بقوله [من الطويل]:
قَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرٌ … مُرَبٍّ مُرِيدُ الْخَيْرِ وَالْمُولِي لِلنِّعَمْ
وَخَالِقُنَا الْمَعْبُودُ جَابِرُ كَسْرِنَا … وَمُصْلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثَّابِتُ الْقَدَمْ
стр. 9006
وَجَامِعُنَا وَالسَّيِّدُ احْفَظْ فَهَذِهِ … مَعَانٍ أَتَتْ لِلرَّبِّ وَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ
وقد استوفيت البحث في هذا هناك، فارجع إليه (١) تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ "من" تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كل شيء، ومليكه.
(أَنْتَ الْحَقُّ) أي: المتحقِّق الوجود الثابتُ بلا شكّ، وقال القرطبيُّ ﵀: أي: واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيءُ: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ الآية [السجدة: ١٣] أي: ثَبَت، ووجب.
وهذا الوصف للَّه بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجِده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد [من الطويل]:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلهًا فقد قال الحق. انتهى.
(وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) أي: الصادق، لا يمكن التخلّف فيه، قال في "الفتح": وعرّفه، ونكّر ما بعده؛ لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم، قاله الطيبيُّ ﵀.
وقال في "المرعاة": والظاهر أن تعريف الخبر فيه، وفي قوله: "أنت الحقّ" ليس للقصر، وإنما هو لإفادة أن الحكم به ظاهرٌ مُسلَّمٌ، لا منازع فيه، كما قال علماء المعاني في قوله: "ووالداك العبد"، وذلك لأن مرجع هذا الكلام إلى أنه تعالى موجود، صادق الوعد، وهذا أمرٌ يقوله المؤمن والكافر،
стр. 9007
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية [لقمان: ٢٥]، ولم يُعرف في ذلك منازعٌ يُعتدّ به، وكأنه لهذا عدل إلى التنكير في البقيّة حيث وُجد المنازع فيها.
بقي أن المناسب لذلك أن يقال: وقولك الحقّ، كما في رواية مسلم، فكأن التنكير في رواية البخاريّ للمشاكلة، قاله السنديُّ ﵀.
وقال الطيبيُّ ﵀: عَرَّف الخبر فيهما، ونَكَّر في البواقي؛ لأنه لا منكر خلفًا وسلَفًا أن اللَّه تعالى هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال، قال لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
وكذا وعده مختصّ بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصدًا وإما عجزًا، تعالى اللَّه عنهما، والتنكير في البواقي للتفخيم. انتهى.
وقال القاري ﵀: فإن قلت: لِمَ عَرَّف الحقّ في الأُوليين، ونكّر في البواقي؟.
قلت: المعرّف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبةٌ، بل صرّحوا بأنّ مؤدّاهما واحدٌ، لا فرق بينهما إلَّا بأن في المعرفة إشارةً إلى أن الماهيّة التي دخل عليها اللام معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليها، وإن لَمْ تكن إلَّا معلومةً. انتهى (١).
(وَقَوْلُكَ الْحَقُّ) أي: مدلوله ثابت (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) هو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وقيل: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، وقيل: لقاء جزاء لأهل السعادة والشقاوة.
وقيل: معنى "لقاؤك حقّ": أي: الموت، وردّه النوويُّ ﵀.
وعبارته في "شرحه": قوله ﷺ : "أنت الحق"، قال العلماء: الحقّ في أسمائه معناه: المتحقِّق وجودُهُ وكلُّ شيء صحّ وجوده وتحقق فهو حقٌّ، ومنه الحاقّة: أي: الكائنة حقًّا بغير شك، ومثله قوله ﷺ في هذا الحديث:
стр. 9008
"ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ" أي: كلُّه متحقِّق لا شك فيه، وقيل: معناه: خبرك حقّ وصدقٌ، وقيل: أنت صاحب الحقّ، وقيل: مُحِقّ الحقّ، وقيل: الإله الحقّ دون ما يقوله الملحدون، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وقيل في قوله: "ووعدك الحقّ"؛ أي: صدقٌ، ومعنى "لقاؤك حقّ" أي: البعث، وقيل: الموت، وهذا القول باطل في هذا الموضع، وإنما نبهت عليه لئلا يُغْتَرّ به، والصواب البعث، فهو الذي يقتضيه سباق الكلام وما بعده، وهو الذي يُرَدُّ به على الملحد لا بالموت (١).
(وَالْجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدرٌ، وما بعده هو الموعود به، ويَحْتَمِل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ، كما أن ذكر القول بعد الوعد من العامّ بعد الخاصّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجَنَّة والنار موجودتان الآن.
زاد في رواية البخاريّ: "وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ" خصّه بالذكر تعظيمًا له (٢)، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات.
(وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يومُ القيامة، آتيةٌ لا ريب فيها، وأصل "الساعة" القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك.
وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لا بدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يُصَدَّق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها. انتهى.
(اللَّهُمَّ لَكَ أَسلَمْتُ) أي: استسلمت وانقدت، وخضعت لأمرك، قال السنديُّ ﵀: الظاهر أن تقديم الجارّ للقصر بالنظر إلى سائر ما عُبد من دون اللَّه تعالى. انتهى.
(وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت
стр. 9009
(وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فَوَّضتُ أمري إليك، لا إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذًا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي: أطعت، ورجعت إلى عبادتك؛ أي: أقبلت عليها، وقيل: معناه: رجعت إليك في تدبيري؛ أي: فوّضت إليك.
وقال في "المرعاة": "وإليك أنبت": أي: رجعت إليك مقبلًا بقلبي عليك، قيل: التوبة والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقام الإنابة أعلى وأرفع. انتهى.
(وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي: بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الْحُجَج خاصمت مَن عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي: رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي.
وقال القرطبيّ: معناه: وإليك فوّضت الحكومة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
وقال النوويّ ﵀: أي: كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلَّا بحكمك، ولا أعتمد غيره.
وقال في "الفتح": قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: "ولك الحمد". انتهى.
(فَاغْفِرْ لِي) قال ﷺ ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالًا، وتعظيمًا لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل، والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك، أفاده في "الفتح".
وقال القرطبيُّ ﵀: قد تقدّم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في "كتاب الطهارة"، فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره، وإن أحلنا ذلك عليهم، فيكون استغفاره
стр. 9010
ليَسُنّه لأمته، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يُلازمَ حالة الافتقار والعبوديّة. انتهى (١).
قال النووي: ومعنى سؤاله ﷺ المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل ذلك تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالًا، وليُقْتَدَى به في أصل الدعاء والخضوع، وحسن التضرع في هذا الدعاء المعيَّن، وفي هذا الحديث وغيره مواظبته ﷺ في الليل على الذكر والدعاء، والاعتراف للَّه تعالى بحقوقه، والإقرار بصدقه ووعده ووعيده، والبعث والجنة والنار، وغير ذلك. انتهى (٢).
(مَا قَدَّمْتُ) أي: قبل هذا الوقت (وَأَخَّرْتُ) عنه، وفي نسخة: "وما أخرّتُ" (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) وفي نسخة: "وما أسررتُ، وما أعلنت".
والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: "وما أنت أعلم به مني"، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ.
زاد في رواية البخاريّ: "أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ"، قال المهلّب ﵀: أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى.
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات.
وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إذ كل متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدّم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخّر من شاء بقضائه، لشقاوته. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المعنى الأول مما ذكر عياض ﵀ هو الأظهر عندي، كما لا يخفي، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنْتَ إِلَهِي) أي: معبودي بحقّ، ومقصودي الذي وَلِهَ فيك قلبي، وتحيّر
стр. 9011
في عظمتك وجلالك عقلي، وكلّ عن ثنائك لساني، فغاية الوسيلة إليك: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود بحقّ إلَّا أنت الواحد الأحد الصمد.
[تنبيه]: ظاهر سياق المصنّف ﵀ تعالى أن قوله: "ولا حول، ولا قوّة، إلَّا باللَّه" من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري رحمه اللَّه تعالى قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله: "لا إله إلَّا أنت"، أو "لا إله غيرك" ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول، ولا قوة إلَّا باللَّه" (١). انتهى.
قال الحافظ ﵀: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في "مسنده"، عن سفيان، قال: "حدثنا سليمان الأحول خالُ ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا"، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم: "ولا حول، ولا قوّة إلَّا بك"، ولم يقلها سليمان.
وأخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد اللَّه ابن المدينيّ، شيخ البخاريّ فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان: "ولا إله غيرك" قال: "ولا حول، ولا قوّة إلَّا باللَّه"، قال سفيان: وليس هو في حديث سليمان. انتهى.
ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لَمْ يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيليّ، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل. انتهى كلام الحافظ ﵀.
стр. 9012
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبد الكريم هذا هو: عبد الكريم بن أبي الْمُخارق -بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة- أبو أُميّة المعلّم البصريّ، نزيل مكة، واسم أبيه: قيس، وقيل: طارق، ضعيفٌ، له في البخاريّ هذه الزيادة فقط، وقد تقدّم له عند المصنّف ذكرٌ في "المقدّمة"، وقدّمنا ترجمته هناك [٦/ ٦٩] فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٨ و ١٨٠٩ و ١٨١٠] (٧٦٩)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٢٠) و"الدعوات" (٦٣١٧) و"التوحيد" (٧٣٨٥ و ٧٤٤٢ و ٧٤٩٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٧١)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤١٨)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦١٩) و"الكبرى" (١٣١٩) وفي "عمل اليوم والليلة" (٨٦٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٥٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١٥ و ٢١٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٥٦٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٥٨ و ٣٦٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٤٨ و ٣٤٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٥٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٩٧ و ٢٥٩٨ و ٢٥٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٢٩ و ٢٢٣٠ و ٢٢٣١ و ٢٢٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٥٧ و ١٧٥٨ و ١٧٥٩)، و (ابن السنّي) في "عمل اليوم والليلة" (٧٥٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٩٨٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٤٠٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٥٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار.
٢ - (ومنها): زيادة معرفة النبيّ ﷺ بعظمة ربّه ، وعظيم قدرته.
стр. 9013
٣ - (ومنها): مواظبته ﷺ على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه ، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده.
٤ - (ومنها): استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كلّ مطلوب، اقتداءً بالنبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): ما قاله الكرمانيُّ ﵀: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ "القيّم" إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و"النور" إشارة إلى أن الأعراض أيضًا منه، و"الملك" إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم اللَّه على عباده، فلهذا قَرَن كلًّا منها بالحمد، وخصّص الحمد به، ثم قوله: "أنت الحقّ" إشارة إلى المبدأ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ، لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَكَانَ "قَيَّامُ": "قَيِّمُ"، وَقَالَ: "وَمَا أَسْرَرْتُ"، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكًا، وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: ابن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقةٌ ثقةٌ، قاله الإمام أحمد ﵀[٥١] (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
стр. 9014
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ) الضمير لسفيان بن عيينة، وابن جُريج.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن سليمان الأحول هذه ساقها البخاريّ في "كتاب الجمعة" من "صحيحه"، فقال:
(١١٢٠) حدّثنا علي بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا سليمان بن أبي مسلم، عن طاوس، سمع ابن عباس ﵄ قال: كان النبيّ ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد ﷺ حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلَّا أنت، أو لا إله غيرك"، قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّه". انتهى.
وأما رواية ابن جريج، فساقها البخاريّ في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" أيضًا، فقال:
(٧٤٩٩) حدّثنا محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني سليمان الأحول، أن طاوسًا أخبره، أنه سمع ابن عباس يقول: كان النبيّ ﷺ إذا تهجد من الليل قال: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض، ومن فيهنّ، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلَّا أنت". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9015
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١٠]- (. . .) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَلِي، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٣ - (عِمْرانُ الْقَصِيرُ) هو: عمران بن مسلم الْمِنْقَريّ (١)، أبو بكر البصريّ القصير، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رأى أنسًا، ورَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، والحسن، ومحمد، وأنس بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإبراهيم التيميّ، وعبد اللَّه بن دينار، وقيس بن سعد المكيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مهدي بن ميمون، والثوريّ، والجراح بن مَلِيح والد وكيع، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وبشر بن المفضل، وعبد اللَّه بن رجاء المكيّ، وآخرون.
قال القطان: كان مستقيم الحديث، وإنما ذكرته؛ لأنه يروي أشياء لا يرويها غيره، وينفرد عنه قوم بتلك الأحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وزاد: إلَّا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض المناكير، وكذا في رواية سُويد بن عبد العزيز عنه. انتهى.
وقد فَرَّق البخاريّ بين عمران بن مسلم القصير، فقال: أبو بكر، سمع أبا رجاء وعطاء، وكناه يحيى بن سعيد، ثم قال: عمران بن مسلم، عن عبد اللَّه بن دينار منكر الحديث، روى عنه يحيى بن سليم، وكذا تبعه ابن أبي حاتم في
стр. 9016
التفرقة بينهما، وقال في الذي يروي عن عبد اللَّه بن دينار: سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث، وهو شبه المجهول، وكذا فرّق بينهما أيضًا ابن أبي خَيثمة، ويعقوب بن سفيان، وابن عديّ، والعُقَيليّ، وأنكر ذلك الدارقطنيّ في "العلل" في ترجمة عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، وقال: هو هو بغير شكّ، وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبو زياد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، وذكر عمران بن مسلم الجعفي، فقال: كان مستقيم الحديث، فسألت أبي عن عمران القصير، فقال: لا بأس به، قال: وسألت أبي عن عمران الذي رَوَى عن أنس، قال: خَدَمت النبيّ ﷺ عشرًا، وعنه جعفر بن بُرْقان، فقال: يرون أنه عمران القصير، ولم يسمع من أنس، وأفرد العقيليّ عمران بن مسلم عن عمران القصير، عن أنس، وذكر له هذا الحديث، وقال ابن عديّ في ترجمة سُويد بن عبد العزيز: عمران القصير هو ابن مسلم بصريّ عزيز الحديث، ونَسَبَ عمران الراوي عن عبد اللَّه بن دينار مكيًّا، وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن خالد بن رباح، فقال: بصريّ ليس به بأس، يُحَدِّث عن عمران أبي بكر، فقال: هذا عمران القصير ليس بشيء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على أن عمران القصير، المترجم هنا، وهو بصريّ، وهو الذي أخرج له الشيخان، وهو لا بأس به، غير عمران بن مسلم المكيّ، وهو منكر الحديث، فتفطّن.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٦٩) و (١٢٢٦): "نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه. . . "، و (٢٥٧٦): "إن شئتِ صبرتِ، ولك الجنّة. . . " الحديث.
٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد اللَّه الحبشيّ، ثقةٌ [٦] مات سثة بضع عشرة ومائة (خت م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) يعني أن قيس بن سعد روى هذا الحديث بالإسناد الماضي، وهو عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄.
[تنبيه]: رواية قيس بن سعد، عن طاوس هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٣٩)، فقال:
(٢٢٣٢) حدّثنا أبو أمية، قال: ثنا منصور بن سفيان (ع) وحدّثنا يزيد بن
стр. 9017
سنان، عن شيبان الأُبُلّيّ، عن مَهْديّ بن ميمون، قال: ثنا عمران القصير، عن قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ ﷺ إذا قام كبّر، ثم قال: "اللهم لك الحمد أنت قيّام السماوات والأرض، ومن فيهنّ، وأنت نور السماوات والأرض وما فيهن، لك الحمد رب السموات والأرض ومن فيهن، وأنت حقّ، ووعدك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك أَمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، رب اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما قدمت، وما أخرت، إلهي، لا إله إلَّا أنت". انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١١] (٧٧٥) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أمّ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟، قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٥ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
стр. 9018
٦ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم، لاتفاقهم في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، فمحمد بن حاتم تفرّد به هو وأبو داود، وعبد بن حميد علّق له البخاريّ، وأخرج له هو والترمذيّ فقط، وأبو مَعْن أخرج له هو فقط، وأما محمد بن المثنى فمن شيوخ الستّة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث.
شرح الحديث:
(عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ)، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) ﵂ (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعض الليل، فـ "من" بمعنى "في"، أو للتبعيض، كما تقدّم (قَالَتْ) عائشة ﵂ (كَانَ) ﷺ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية أبي داود: "كان إذا قام كبّر، ويقول. . . "، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام، ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى، كحديث عليّ ﵁ الآتي بعده، وحديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي. . . " الحديث تقدّم برقم [١٣٥٢] (٥٩٨) لأنه يُحمَل على أنه ﷺ كان يفتتح بهذا تارةً، وبهذا تارةً، واللَّه تعالى أعلم، وقوله: ("اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ) مقول لـ: "قائلًا" مقدّرًا، أي: افتتح حال كونه قائلًا: "اللهم. . . إلخ".
[تنبيه]: قال الطيبيُّ ﵀: قوله: "ربّ جبريل. . . إلخ" قيل: لا يجوز نصب "ربّ" على الصفة؛ لأن الميم المشدّدة بمنزلة الأصوات، فلا يوصف ما
стр. 9019
اتّصل به، فالتقدير: يا ربَّ جبريل، قال الزجّاج: هذا قول سيبويه، وعندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع "يا" فلا يمتنع مع الميم، قال أبو عليّ: قول سيبويه عندي أصحّ؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حدّ "اللَّهمّ"، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيّز ما لا يوصف، نحو "حيّعَلْ"، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم، فلم يوصف. انتهى (١).
(وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ) قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: خصَّهم بالذي، وإن كان اللَّه تعالى ربَّ كلِّ المخلوقات، كما تقرر في القرآن والسنة من نظائره، من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشان، دون ما يُستحقَر ويُستَصغَر، فيقال له ربُّ السماوات والأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، رب المشرقين ورب المغربين، رب الناس، مالك الناس، إله الناس، رب العالمين، رب كل شيء، رب النبيين، خالق السماوات والأرض، فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا، فكل ذلك وشبهه وصف له بدلائل العظمة، وعظيم القدرة والملك، ولم يُسْتَعْمَل ذلك فيما يُحتقَر ويُستصغَر، فلا يقال: رب الحشرات، وخالق القِرَدة والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم، واللَّه تعالى أعلم، قاله النوويُّ ﵀ (٢).
وقال في "المنهل": إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا؛ إذ بهم تنتظم أمور العباد؛ لأن جبريل كان موكّلًا بالوحي، وإنزال الكتب السماويّة على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل موكّلٌ بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم، وإسرافيل موكّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفُخ في الصور. انتهى (٣).
(فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: مُبدعهما، ومبتدئ خلقهما (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم، وقال القرطبيُّ ﵀: الغيب: ما غاب عن عياننا، والشهادة: ما شاهدناه؛ أي: علمناه
стр. 9020
بمشاهدتنا. انتهى. (أَنْتَ تَحْكُمُ) أي: تقضي يوم القيامة بالتمييز بين المحقّ والمبطل بالثواب والعقاب (بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي: في الدنيا من أمر دينهم، فتُعذّب العاصي إن شئتَ، وتُثيب الطائعين (اهْدِنِي) أي: ثبّتني عليه، أو زدني هدايةً، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وقال القرطبيّ: أي: أرشدني، ودُلّني على صواب ما اختُلِف فيه (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) ببناء الفعل للمفعول.
قال الطيبيُّ ﵀: واللام بمعنى "إلى"، يقال: هداه إلى كذا، ولكذا، و"ما" موصولة، والذي اختُلف فيه عند مجيء الأنبياء هو الصراط المستقيم الذي دَعَوا الناس إليه، فاختلفوا فيه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٣]، كأنه قيل: اهدني إلى الصراط المستقيم، وطَلَبُ الهداية، وهو فيها طلبٌ للثبات عليها، أو طلبٌ للزيادة على ما مُنِح من الالطاف، أو حصول المطالب المترتّبة عليها. انتهى (١).
وقوله: (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ "ما" (بِإِذْنِكَ) أي: بتمكينك، وتسخيرك، قال الطيبيّ ﵀: معنى الإذن: التيسير والتسهيل على سبيل التمثيل، فإن الْمَلِكَ المحتجب إذا رَفَعَ الحجاب كان إذنًا منه بالدخول عليه. انتهى.
(إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) أي: طريق الحقّ الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام، وسُمّي صراطًا؛ لأنه موصلٌ للمقصود كما أن الطريق الحسيّ كذلك، والجملة تعليل لطلب الهداية منه ؛ أي: لأنك تهدي من تشاء. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الحديث قد تكلّم فيه العلماء، وضعّفوه بسبب تفرّد عكرمة بن عمّار، فقد ضعفّوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذيّ": عكرمة بن عمّار اليماميّ، ثقة، لكن
стр. 9021
حديثه عن يحيى بن أبي كثير خاصّةً مضطرب، لَمْ يكن عنده كتاب، قاله يحيى القطّان، وأحمد، والبخاريّ، وغيرهم، وحديثه عن إياس بن سلمة بن الأكوع مُتْقَنٌ، قاله أحمد، وقال في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبتٌ، وقد أنكر عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة رمنها في استفتاح النبيّ ﷺ الصلاة بالليل - يعني هذا الحديث. انتهى (١).
وتقدّم في "شرح المقدّمة" أيضًا أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار ﵀ على المصنّف ﵀، فراجعه تستفد (٢).
والحاصل أن هذا الحديث مما يصعُب الجواب عن المصنّف ﵀ في إيراده له في "صحيحه" مورد الأصول، مع تفرّد عكرمة بن عمّار به عن يحيى بن أبي كثير، وقد سمعت تضعيف هؤلاء الأئمة لروايته عنه، ولا يوجد له متابع فيما أظنّ، اللهم إلَّا أن يكون المصنّف ﵀ وهو واسع الاطلاع- وجد متابعًا له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨١١] (٧٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٦٧ و ٧٦٨)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٢٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٢٥) و"الكبرى" (١٣٢٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٥٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٤٤ و ٢٢٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٥٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار.
٢ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل، تواضعًا، وإشفاقًا، ولتقتديَ به أمته في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع.
стр. 9022
٣ - (ومنها): بيان شرف هؤلاء الملائكة ﵇، وأنهم أفضل من سائر الملائكة.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعبد أن يطلب من اللَّه تعالى الهداية إلى طريق الحقّ؛ لأنه تعالى هو الهادي إلى ذلك.
٥ - (ومنها): بيان أن الهداية بيد اللَّه تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١٢] (٧٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنِي (١) أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِني لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَستَغْفِرُكَ وَأَيُّوبُ إِلَيْكَ"، وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي"، وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا (٢)، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"، ثُمَّ يَكُونُ
стр. 9023
مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٢ - (يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ) هو: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن المنكدر، والزهريّ، وسعيد المقبريّ، وعبد اللَّه بن عروة بن الزبير، وعتبة بن مسلم المدنيّ، وغيرهم.
وروى عنه أبو الوليد الطيالسيّ، وعفان، وعارم، ومسدّد، وسريج بن يونس، وعبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، وسليمان بن داود الهاشميّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعلي ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، ومحمد بن أبي بكر المقدميّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: لا بأس به كنا نأتيه فيحدّثنا في بيت، وجَوَارٍ له في بيت آخر يَضْرِبن بالْمِعْزَفة، وقال الخليليّ: ثقةٌ، عُمِّر حتى أدركه علي بن مسلم، وهو وإخوته يُرَخِّصون في السماع، وهم في الحديث ثقات.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وقال غيره: مات سنة خمس وثمانين ومائة، وقال البخاريّ في "تاريخه": حدّثني هارون بن محمد، قال: مات يوسف بن الماجشون سنة أربع أو خمس وثمانين، وقال ابن سعد: قال يوسف: وُلدت في زمن سليمان بن عبد الملك.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧١) وحديث (١٧٥٢) و (١٩٣٢) و (٢٤٠٤).
стр. 9024
٣ - (أَبُوهُ) يعقوب بن أبي سلمة الماجشون التيميّ، مولى آل المنكدر، أبو يوسف المدنيّ، واسم أبي سلمة دينار، وقيل: ميمون، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمرو الأعرج، وعمر بن عبد العزيز، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: عبد العزيز، ويوسف، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يُكْنَى أبا يوسف، وهو الماجشون، سُمّي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد: الماجشونُ بالفارسية الورد، وقال مصعب الزبيريّ: إنما سُمّي الماجشون؛ لكونه كان يُعَلِّم الغناء ويتخذ القِيَان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استُخْلِف عمر قَدِمَ عليه، فقال له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخزّ، فانصرف عنه، وكان الماجشون يُعِين ربيعة على أبي الزناد، وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، ثنا سَوّار بن عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن ابن الماجشون، قال: عُرِج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، وقلنا: نروح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عِرْقًا يتحرك من أسفل قدميه فتركه، ومكث ثلاثًا على حاله، ثم نَشَعَ بعدُ، فاستوى جالسًا، فقال: ائتوني بسويق فشربه، فقلنا: أخبرنا ما رأيت؟ قال: عُرِج بروحي إلى السماء السابعة، فقيل: مَن هذا؟ قال: الماجشون، قيل: لَمْ يَأْنِ له، بَقِي من عمره كذا وكذا، ثم هَبَطت، فرأيت النبيّ ﷺ وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: إنه القريب المَقعد من رسول اللَّه ﷺ ، قال: إنه عَمِلَ بالحقّ في زمن الْجَوْر، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين بن القواس الوراق: مات يعقوب سنة أربع وستين ومائة، كذا قال، وهو خطأ، ولم ينبه عليه أبو القاسم، والصواب -إن شاء اللَّه تعالى- في سنة أربع وعشرين ومائة.
روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
стр. 9025
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِع) المدني مولى النبيّ ﷺ ، كان كاتب عليّ ﵁، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأمه سلمي، وعن عليّ، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقْران مولى النبيّ ﷺ .
وروى عنه أولاده: إبراهيم وعبد اللَّه ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، والأعرج، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والخطيب: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧١)، وحديث رقم (٨٧٧) و (١٠٦٦) و (٢٤٩٤).
٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة الراشد، مات ﵁ (٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، ورواية الراوي عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن عم النبيّ ﷺ ، وزوج ابنته، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين في الجنة، مات يوم مات، وهو أفضل من يمشي على الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ)
стр. 9026
وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا استفتح الصلاة"؛ أي: ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة؛ لما في رواية ابن حبان: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، وفي رواية الدارقطنيّ: "كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة"، وفي رواية للنسائيّ: "كان إذا قام يصلي تطوعًا"، وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية مما يستحبّ قولها في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه ردّ على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة، فتبصّر.
(قَالَ) أي: بعد تكبيرة الإحرام، ففي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه إذا استفتح الصلاة كبّر، ثم قال: وجّهت. . . إلخ"، وفيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه ردّ على من قال: إنه قبل التكبير ("وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي: صَوَّبتُ وجهي، وأخلصت في عبادتي، قاله القرطبيُّ ﵀ (١).
وقال الأزهريّ، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي، وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في "وجهي" إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان.
(لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق، وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات؛ لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات؛ لشرفها، قال النوويُّ ﵀: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنَّها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا اللَّه -تعالى- بعلمه، ولو كان فيه خير لبيّنه اللَّه -تعالى- في كتابه، أو بيّنه رسول اللَّه ﷺ في سنته، فاللائق بالمسلم الكفّ عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.
وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض؛ لأنا لا ننتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها، وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقيّ عن أبي
стр. 9027
الضحي، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: "سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم"، قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، وهو شاذّ بمرّة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا. انتهى.
(حَنِيفًا) منصوب على الحال؛ أي: وجَّهت وجهي في حال حنيفيتي، قال الأزهريّ، وآخرون؛ أي: مستقيمًا، وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل، ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْلِ، قا لوا: والمراد هنا المائل إلى الحق، وقيل له ذلك؛ لكثرة مُخالفيه، وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﷺ . انتهى.
وفي "اللسان": قال الجوهري: الحَنِيفُ: المسلمُ، وقد سُمِّيَ المستقيمُ بذلك، كما سمي الغُراب أعْوَرَ. وتَحَنَّفَ الرَّجُلُ؛ أي: عَمِلَ عَمَلَ الحَنفِيَّة، ويقالُ: اختتن، ويقال: اعتَزَلَ الأصنامَ، وتَعَبَّدَ، قال جِرَان العَوْد [من الطويل]:
وَلَمَّا رَأَيْنَ الصُّبْحَ بَادَرْنَ ضَوْءَهُ … رَسِيمَ قَطَا الْبَطْحَاءِ أَوْ هُنَّ أَقْطَفُ
وَأَدْرَكْنَ أَعْجَازًا مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا … أَقَامَ الصَّلاةَ الْعَابِدُ الْمُتَحَنِّفُ
والدين الحَنِيف: الإسلام، والحَنِيفية: ملة الإسلام، وفي الحديث: "أحب الأديان إلى اللَّه الحنيفية السَّمْحة"، ويوصف به، فيقال: مِلَّةٌ حَنِيفية، وقال ثعلبٌ: الحنيفية: الميل إلى الشيء، قال ابن سِيدَهْ: وليس هذا بشيء، وقال الزجاجي: الحنيف في الجاهلية مَنْ كان يحج البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن، فلما جاء الإسلام كان الحنيفُ المسلمَ، وقيل له: حنيفٌ؛ لعدوله عن الشرك، قال: وأنشد أبو عُبَيدٍ:
فَمَا شِبْهُ كَعْبٍ غَيْرَ أَعْتَمَ فَاجِرٍ … أَبَى مُذْ دَجَا الإسْلامُ لا يَتَحَنَّفُ
وقال أبو زيد: الحنيف المستقيم، وأنشد [من الوافر]:
تَعَلَمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ … إلَيْنَا طَرِيقٌ لا يَجُورُ بِكُمْ حَنِيفُ
وجمع الْحَنِيف: الحُنَفَاءُ (١).
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ) بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يُطْلَق على كل كافر، من عابد وثن، أو صنم، ويهوديّ، ونصرانيّ، ومجوسيّ، وزنديق، وغيرهم.
стр. 9028
(إِنَّ صَلَاِتِي) قال الأزهريُّ: الصلاة اسم جامع للتكبير والقراءة والركوع والسجود والدعاء والتشهّد وغيرها (وَنُسُكِي) بضمتين، وهو كما قال الأزهريّ: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته للَّه تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النُّقْرة الخالصة الْمُذابةُ الْمُصَفّاة من كل خِلْط، والنسيكة أيضًا الْقِربان الذي يُتقرّب به إلى اللَّه تعالى، وقيل: النسك ما أَمَر به الشرع، وعطفه على "صلاتي" من عطف العامّ على الخاصّ.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح "محياي"، وإسكان "مماتي" (لِلَّهِ) أي: هو خالقهما ومقدّرهما، أو هو المالك لهما والمتصرّف فيهما، لا تصرّف لغيره فيهما، وقيل: طاعة الحياة، والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصيّة والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي، وما أموت عليه خالصةٌ لوجه اللَّه تعالى، والجارّ والمجرور خبر "إنّ".
وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) بالجرّ صفة لـ "اللَّه"، أو عطف بيان، قال الواحديّ وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرجُ للفرس، وكلاهما مراد هنا، وتقدّم في "شرح المقدّمة" بيان معنى "ربّ"، ومعنى "العالمين"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا.
(لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "اللَّه"؛ أي: حال كونه غيرَ مُشارَك في هذه الأمور.
(وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي: أمرني اللَّه تعالى بالمذكور من التوحيد الشامل للإخلاص، قولًا واعتقادًا (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: المستسلمين لأمر اللَّه، الخاضعين له، المنقادين لطاعته.
وقال القرطبيُّ ﵀: أي: مسلم من المسلمين المتمكّنين في الاستسلام الذين سَلَّمُوا للنيران (١)، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوّضُوا جميع أمورهم للرحمن. انتهى.
وفي الرواية التالية: "وأنا أوّل المسلمين"، قال الشافعي: لأنه ﷺ كان أول مسلمي هذه الأمة.
стр. 9029
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقوله : ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أي: من هذه الأمة، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة اللَّه وحده لا شريك له. انتهى.
قال العلامة الشوكانيُّ ﵀: قال في "الانتصار": إن غير النبيّ ﷺ إنما يقول: "وأنا من المسلمين". وهو وَهَمٌ، منشؤه توهم أن معنى "وأنا أول المسلمين" أني أول شخص اتَّصَفَ بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه المسارعة في الامتثال لما أمره به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وقال موسى ﵊: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إن اعتراض الشوكانيّ غير واضح، في قاله في "الانتصار" هو الظاهر، ولا سيما وقد ثبت عنه ﷺ أنه قاله، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: "وأنا من المسلمين"، وقوله: "وما أنا من المشركين" بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص، وفي "المستدرك" للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة ﵂: "قومي، فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي" إلى قوله: "وأنا من المسلمين"، فدلّ على ما ذكرناه. انتهى كلام الشوكانيُّ ﵀ (١)، وهو بحث جيّد.
وقوله: (اللَّهُمَّ) قال الأزهريُّ: فيه مذهبان للنحويين، قال الفرّاء: هي في الأصل: يا اللَّه أُمَّنَا بخير، فكَثُرت في الكلام، واختلطت، فقيل: اللهم، كما قالوا: هَلُمَّ، وأصلها: "هل" ضُمّ إليها "أُمَّ"، ثم تركت منصوبة الميم، وقال الخليل: معناه: يا أللَّه، والميم المشددة عوض عن "يا" النداء، والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم قبلها، ولا يجمع بينهما، فلا يقال: يا أللَّهم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد يجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]:
إِنِّي إذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهمَّ يا اللَّهمَّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله:
стр. 9030
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إلَّا مَعَ اللَّه وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ اللَّهمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهمَّ فِي قَرِيضِ
فائدة: ذكر بعض المحققين أن "اللَّهم" تستعمل على ثلاثة أوجه:
"أحدها": النداء المحض، نحو: اللَّهم أثِبْنَا.
"ثانيها": أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في ذهن السامع، نحو: اللَّهم نعم، في جواب: أزيد قائم؟.
"ثالثها": أن لستعمل دليلًا على الندرة، وقلة وقوع المذكور؛ نحو: أنا أزورك، اللَّهم إذا لَمْ تَدْعُنِي؛ إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة، ومنه قول المؤلفين: اللَّهم إلَّا أن يقال كذا، قيل: وهي على هذين موقوفة، لا معربة، ولا مبنية؛ لخروجها عن النداء، فهي غير مركبة، لكن استظهر العلامة الصبان ﵀ في "حاشيته على الأشمونيّ" بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة، فتكون معربة كالأول، ولو سُلِّم، فيقال: إنه منادى سورة، فله حكمه. انتهى.
(أَنْتَ الْمَلِكُ) أي: القادر على كل شيء، المالك الحقيقيّ لجميع المخلوقات (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود بحقّ غيرك (أَنْتَ رَبِّي) أي: مالكي، وسيّدي، والمتصرّف في جميع أموري (وَأَنَا عَبْدُكَ) أي: معترف بأنك مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فِيَّ، وقوله: (ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي) اعترافٌ بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدُّبًا، وأراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح، وقال الأزهريُّ ﵀: اعتراف بالذنب، قَدَّمه على مسألة اللَّه المغفرة، كما علَّمَ آدم ﵇ عند خطيئته أن يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال تعالى حكاية عن آدم ﵇: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ٣٧]. انتهى.
(فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا) أي: استرها بعفوك، ولا تؤاخذني بها، وقوله: (إِنَّهُ) بالكسر؛ لوقوعها في محلّ الاستئناف، والضمير للشأن (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلبه أن يغفر له جميع ذنوبه؛ أي: لأنه لا يغفر الذنوب كلّها إلَّا أنت.
(وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) أي: أرشدني لصوابها ووفّقني للتخلّق بها، وثبّتني عليها.
стр. 9031
وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "واهدني لأحسن الأخلاق" أي: لأكملها وأفضلها، وهي الْخُلُق الصحيح، والكفّ عن القبيح، وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق، كما قال: "أن تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (١)، وقد أجاب اللَّه تعالى دعاء نبيّه ﷺ في ذلك، فجَمَع له منها ما تفرّق في العالمين، حتى قال اللَّه تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. انتهى (٢).
وقوله: (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مرَّ نظيره آنفًا (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيَئّهًا) أي: أبعد عني قبيحها، وقوله: (لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيَئِّهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية أيضًا.
(لَبَّيْكَ) قال النوويُّ ﵀: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة. انتهي، وقال الأزهريّ ﵀: أي: أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبًّا، وإِلْبَابًا، فأصل "لبيك" لبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا
واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهريّ ﵀.
وقال العلامة الرضيّ ﵀: أصل "لبيك" أُلِبّ لك إِلْبَابين؛ أي: أقيم على طاعتك هاجابتك إقامتين، من أَلَبَّ بالمكان: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجارّ، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى.
(وَسَعْدَيْكَ) أي: أُسعد أمرك، وأتّبعه إسعادًا بعد إسعاد، ومتابعةً لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة، ولا تُستَعمَل إلَّا بعد "لبيك"؛ لأنَّها توكيد لها.
وقال القرطبيّ ﵀: "لبيك": معناه: إجابةً لك بعد إجابة، و"سعديك": أي: مساعدةً بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلَّا مضافة مثنّاةً. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد أن "لَبَّيْ" و"سَعْدَيْ" لا يستعملان إلَّا مضافين للضمير، وشذّ إضافة "لبّي" للفظ "يدي"، كقول الشاعر [من المتقارب]:
стр. 9032
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرَا … فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
وكذا شذّ إضافتها لضمير الغائب في قوله:
فَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي
وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ
كَـ "وَحْدَ" "لَبَّيْ" وَ"دَوَالَيْ" "سَعْدَيْ" … وَشَذَّ إِيلَاءُ "يَدَيْ" لِـ "لَبَّيْ"
(وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) معناه: الإقرار بأن كل خير واصلٍ إلى العباد، ومرجوٍّ وصوله إليهم، فهو في يديه .
زاد الشافعيّ، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: "والمَهْديّ من هديت"، قال الخطابيّ وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على اللَّه تعالى، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى.
(وَالشَرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) قال القرطبيّ ﵀: أي: لا يضاف إليك مخاطبةً ونسبةً؛ تأدّبًا مع أنه بقضاء اللَّه تعالى وخلقه، كالخير، كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: هذا مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل اللَّه تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرّها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه للعلماء خمسة أقوال:
"أحدها": معناه أنه لا يتقرب به إليك، قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شُميل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن خزيمة، والأزهريّ، وغيرهم.
"الثاني": حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزنيّ، وقاله غيره أيضًا: معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم.
стр. 9033
"الثالث": معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح.
"الرابع": معناه: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
"الخامس": حكاه الخطابيّ أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول؛ لأن سياق الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ) أي: توفيقي بك، والتجائي، وانتمائي إليك، وقال الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ، وإليك ألجأ. انتهى.
(تَبَارَكْتَ) أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك، وقال ابن الأنباريُّ: تبَارَكَ العبادُ بتوحيدك، قاله النوويّ ﵀.
وقال ابن منظور ﵀: و"تبارك اللَّه": تقدَّسَ، وتَنَزَّه، وتعالى، وتعاظم، لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير "تبارك اللَّه؟ " فقال: ارتفع، والمتبارِكُ المرتَفِع، وقال الزجاج: "تبارك" تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك يقول أهل اللغة، وقال ابن الأنباريّ: "تبارك اللَّه": أي: يُتَبَرّك باسمه في كل أمر. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١).
(وَتَعَالَيْتَ) أي: تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أَسْتَغْفِرُكَ) أي: أطلب منك ستر ذنوبي، قال الراغب الأصفهانيّ ﵀: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغْفِرْ ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ للوَسَخ، والغُفْران، والمغفرة من اللَّه: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه العذاب. انتهى (٢).
(وَأَتُوبُ إِلَيْكَ") أي: أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك، والتائب الراجع
стр. 9034
إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته، قاله الأزهريّ ﵀ (١).
وقال الراغب ﵀: التَّوْبُ: ترك الذَّنْب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذَّنْب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة (٢)، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: فإن قيل: هذا وعد بطلب المغفرة؛ لأن معنى "أستغفرك" أطلب من اللَّه تعالى المغفرة؛ لأن استفعل لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول المطلوب الذي هو الطلب، وكذا "أتوب إليك" وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه.
فالجواب أن هذا ليس وعدًا، ولا خبرًا، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام ﵀ (٤).
(وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ) أي: خضعت لك، لا لغيرك، فمعنى الركوع: هو الخضوع، كما نقله في "اللسان" عن ثعلب، وفي تقديم الجارّ والمجرور في هذه الجمل كلِّها إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ) لا بغيرك (آمَنْتُ) أي: صدّقت (وَلَكَ) لا لغيرك (أَسْلَمْتُ) أي: ذللتُ، وانقدتُ لطاعتك (خَشَعَ لَكَ) أي: تواضع، وخضع لك لا لغيرك (سَمْعِي) فلا يسمع إلَّا ما أذنت في سماعه (وَبَصَرِي) فلا يُبصر إلَّا ما أذنت في إبصاره، وخصّ السمع والبصر
стр. 9035
من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قَلّت الوساوس، ولأنّ تحصيل العلم النقليّ والعقليّ بهما (وَمُخِّي) بضمّ الميم، وتشديد الخاء المعجمة: الْوَدَك الذي في العظم، وخالص كلّ شيء، وقد يُسمّى الدماغ مُخًّا، قاله في "المصباح" (وَعَظْمِي وَعَصَبِي") بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع أعصاب، مثلُ سبب وأسباب.
والمعنى: خضع لك جسمي باطنًا كما خضع ظاهرًا، فكنى بهذه الثلاثة عن الجسم كلّه؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كلّه المبالغة في الانقياد والخضوع للَّه (١).
وقال السنديّ ﵀ ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعةً لربها. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: أخذ كلُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من الخضوع والتذلّل؛ أي: سكنت، وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب، لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمّي بذلك خُشُوعًا، كما قال تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ الآية [فصلت: ٣٩]؛ أي: متذلّلةً مفتقرةً لما تَحيا به من الماء، أو يكون هذا على سبيل الإغياء (٣) والتشبيه، كما قال [من الكامل]:
لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ مَحَبَّةٌ … فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا
قال: وهذا هو النور الذي دعا به النبيّ ﷺ في حديث ابن عبّاس ﵄ المتقدّم. انتهى (٤).
(وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا) بنصب ربنا على أنه منادى حذف منه حرف النداء، كما قال الحريري ﵀ تعالى في "ملحة الإعراب":
وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي
(لَكَ الْحَمْدُ) مبتدأ وخبره، وقُدِّم الخبر لإفادة الحصر، والاختصاص؛