← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "واهدني لأحسن الأخلاق" أي: لأكملها وأفضلها، وهي الْخُلُق الصحيح، والكفّ عن القبيح، وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق، كما قال: "أن تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (١)، وقد أجاب اللَّه تعالى دعاء نبيّه ﷺ في ذلك، فجَمَع له منها ما تفرّق في العالمين، حتى قال اللَّه تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. انتهى (٢). وقوله: (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مرَّ نظيره آنفًا (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيَئّهًا) أي: أبعد عني قبيحها، وقوله: (لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيَئِّهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية أيضًا. (لَبَّيْكَ) قال النوويُّ ﵀: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة. انتهي، وقال الأزهريّ ﵀: أي: أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبًّا، وإِلْبَابًا، فأصل "لبيك" لبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": نُونًا تَلِي الإعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهريّ ﵀. وقال العلامة الرضيّ ﵀: أصل "لبيك" أُلِبّ لك إِلْبَابين؛ أي: أقيم على طاعتك هاجابتك إقامتين، من أَلَبَّ بالمكان: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجارّ، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى. (وَسَعْدَيْكَ) أي: أُسعد أمرك، وأتّبعه إسعادًا بعد إسعاد، ومتابعةً لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة، ولا تُستَعمَل إلَّا بعد "لبيك"؛ لأنَّها توكيد لها. وقال القرطبيّ ﵀: "لبيك": معناه: إجابةً لك بعد إجابة، و"سعديك": أي: مساعدةً بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلَّا مضافة مثنّاةً. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد أن "لَبَّيْ" و"سَعْدَيْ" لا يستعملان إلَّا مضافين للضمير، وشذّ إضافة "لبّي" للفظ "يدي"، كقول الشاعر [من المتقارب]:

стр. 9032

دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرَا … فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ وكذا شذّ إضافتها لضمير الغائب في قوله: فَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ كَـ "وَحْدَ" "لَبَّيْ" وَ"دَوَالَيْ" "سَعْدَيْ" … وَشَذَّ إِيلَاءُ "يَدَيْ" لِـ "لَبَّيْ" (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) معناه: الإقرار بأن كل خير واصلٍ إلى العباد، ومرجوٍّ وصوله إليهم، فهو في يديه . زاد الشافعيّ، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: "والمَهْديّ من هديت"، قال الخطابيّ وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على اللَّه تعالى، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى. (وَالشَرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) قال القرطبيّ ﵀: أي: لا يضاف إليك مخاطبةً ونسبةً؛ تأدّبًا مع أنه بقضاء اللَّه تعالى وخلقه، كالخير، كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: هذا مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل اللَّه تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرّها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه للعلماء خمسة أقوال: "أحدها": معناه أنه لا يتقرب به إليك، قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شُميل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن خزيمة، والأزهريّ، وغيرهم. "الثاني": حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزنيّ، وقاله غيره أيضًا: معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم.

стр. 9033

"الثالث": معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح. "الرابع": معناه: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. "الخامس": حكاه الخطابيّ أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول؛ لأن سياق الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه، واللَّه تعالى أعلم. (أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ) أي: توفيقي بك، والتجائي، وانتمائي إليك، وقال الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ، وإليك ألجأ. انتهى. (تَبَارَكْتَ) أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك، وقال ابن الأنباريُّ: تبَارَكَ العبادُ بتوحيدك، قاله النوويّ ﵀. وقال ابن منظور ﵀: و"تبارك اللَّه": تقدَّسَ، وتَنَزَّه، وتعالى، وتعاظم، لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير "تبارك اللَّه؟ " فقال: ارتفع، والمتبارِكُ المرتَفِع، وقال الزجاج: "تبارك" تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك يقول أهل اللغة، وقال ابن الأنباريّ: "تبارك اللَّه": أي: يُتَبَرّك باسمه في كل أمر. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١). (وَتَعَالَيْتَ) أي: تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أَسْتَغْفِرُكَ) أي: أطلب منك ستر ذنوبي، قال الراغب الأصفهانيّ ﵀: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغْفِرْ ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ للوَسَخ، والغُفْران، والمغفرة من اللَّه: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه العذاب. انتهى (٢). (وَأَتُوبُ إِلَيْكَ") أي: أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك، والتائب الراجع

стр. 9034

إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته، قاله الأزهريّ ﵀ (١). وقال الراغب ﵀: التَّوْبُ: ترك الذَّنْب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذَّنْب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة (٢)، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى (٣). [تنبيه]: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: فإن قيل: هذا وعد بطلب المغفرة؛ لأن معنى "أستغفرك" أطلب من اللَّه تعالى المغفرة؛ لأن استفعل لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول المطلوب الذي هو الطلب، وكذا "أتوب إليك" وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه. فالجواب أن هذا ليس وعدًا، ولا خبرًا، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام ﵀ (٤). (وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ) أي: خضعت لك، لا لغيرك، فمعنى الركوع: هو الخضوع، كما نقله في "اللسان" عن ثعلب، وفي تقديم الجارّ والمجرور في هذه الجمل كلِّها إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ) لا بغيرك (آمَنْتُ) أي: صدّقت (وَلَكَ) لا لغيرك (أَسْلَمْتُ) أي: ذللتُ، وانقدتُ لطاعتك (خَشَعَ لَكَ) أي: تواضع، وخضع لك لا لغيرك (سَمْعِي) فلا يسمع إلَّا ما أذنت في سماعه (وَبَصَرِي) فلا يُبصر إلَّا ما أذنت في إبصاره، وخصّ السمع والبصر

стр. 9035

من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قَلّت الوساوس، ولأنّ تحصيل العلم النقليّ والعقليّ بهما (وَمُخِّي) بضمّ الميم، وتشديد الخاء المعجمة: الْوَدَك الذي في العظم، وخالص كلّ شيء، وقد يُسمّى الدماغ مُخًّا، قاله في "المصباح" (وَعَظْمِي وَعَصَبِي") بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع أعصاب، مثلُ سبب وأسباب. والمعنى: خضع لك جسمي باطنًا كما خضع ظاهرًا، فكنى بهذه الثلاثة عن الجسم كلّه؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كلّه المبالغة في الانقياد والخضوع للَّه (١). وقال السنديّ ﵀ ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعةً لربها. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: معناه: أخذ كلُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من الخضوع والتذلّل؛ أي: سكنت، وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب، لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمّي بذلك خُشُوعًا، كما قال تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ الآية [فصلت: ٣٩]؛ أي: متذلّلةً مفتقرةً لما تَحيا به من الماء، أو يكون هذا على سبيل الإغياء (٣) والتشبيه، كما قال [من الكامل]: لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ مَحَبَّةٌ … فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا قال: وهذا هو النور الذي دعا به النبيّ ﷺ في حديث ابن عبّاس ﵄ المتقدّم. انتهى (٤). (وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا) بنصب ربنا على أنه منادى حذف منه حرف النداء، كما قال الحريري ﵀ تعالى في "ملحة الإعراب": وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي (لَكَ الْحَمْدُ) مبتدأ وخبره، وقُدِّم الخبر لإفادة الحصر، والاختصاص؛

стр. 9036

أي: لا لغيرك، وفي الرواية التالية: "ربّنا ولك الحمد"، وقد اختَلَفَت الروايات في زيادة "اللهم"، وفي ثبوت هذه الواو، وحذفها، واختُلِفَ أيضًا في كونها عاطفة، أو زائدة، أو حالية. قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذب": ثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: "ربنا لك الحمد"، وفي روايات كثيرة: "ربنا ولك الحمد"، بالواو، وفي روايات: "اللهم ربنا، ولك الحمد"، وفي روايات: "اللَّهم ربنا، لك الحمد"، وكله في "الصحيح". قال الشافعي، والأصحاب: كله جائز، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن الواو في قوله: "ربنا، ولك الحمد"؟ فقال: هي زائدة، تقول العرب: بعني هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة. [قلت]: ويحتمل أن تكون عاطفة على محذوف؛ أي: ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. انتهى كلام النووي ﵀ تعالى. وقال الحافظ ﵀: قوله: "اللهم ربنا" ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف "اللَّهم"، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النداء، كأنه قال: يا أللَّه، يا ربنا. وقوله: "ولك الحمد" كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها بحذفها، قال النووي: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دالّ على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلًا ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر. انتهى. وهذا بناء على أن الواو عاطفة، وقيل: زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعّف ما عداه. قال: ورجّح الأكثرون ثبوتها. وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في "ربنا، ولك الحمد"، ويقول: ثبت فيه عدة أحاديث. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرف. (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ) بكسر الميم، ويجوز نصب آخره، ورفعه، وممن ذكرهما جميعًا ابن خالويه، وآخرون، وحُكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلَّا الرفع، ورجح ابن خالويه، والأكثرون النصب، وهو المعروف في

стр. 9037

روايات الحديث، وهو منصوب على الحال؛ أي: مالئًا، وتقديره: لو كان جسمًا لملأ ذلك، قاله النوويّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: يجوز نصب "ملء" على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمدًا ملءَ، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعني، ورفعه على أنه صفة و"الحمدُ"، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو. و"الملء" بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ. وقال الخطابيّ ﵀: هو تمثيل، وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قُدِّر ذلك أجسامًا ملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى إبقاء لفظ الحديث على ظاهره، وما المانع أن يكون الحمد شيئًا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يوزن إلَّا ما كان شيئًا محسوسًا، فلا داعي إلى هذه التكلفات التي ذكروها. (وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا) وفي نسخة: "ملء السماوات، وملء الأرض، وما بينهما"؛ أي: ما بين السماوات والأرض. (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ") "ملء" عطف على الأول، ومضاف إلى "ما" الموصولة، و"شئت" صلتها، و"من شيء" بيان لـ "ما"، و"بعد" من الظروف المبنية لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، وبني على الضم لشبهه بأحرف الغاية، كـ "حيث"، و"منذ"، قال في "الخلاصة": وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ … أَوَّلُ وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ والمضاف المقدر هنا "السموات، والأرض، وما بينهما"، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ "شيء". والمراد بقوله: "من شيء": العرش، والكرسي، ونحوهما، مما في مقدور اللَّه . وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون معناه: من شيء يمكن أن يخلقه أكبر من السماوات والأرض، ويَحْتَمِلُ أن يراد به العرش والكرسيّ، ففي الحديث: "إن السماوات والأرض في الكرسيّ كالحلقة الملقاة في فلاة من

стр. 9038

الأرض، والكرسيّ وما فيه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة" (١)، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومقصود هذا الحديث الإغياء في تكثير الحمد والثناء. انتهى (٢). (وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ) أي: لك، لا لغيرك، ففي تقديم المعمول إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: بك لا بغيرك صدقت، ففيه ما تقدم قبله (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت، وخضعت، ولأمرك استسلمت (سَجَدَ وَجْهِي) أي: خضع، وذلّ، وانقَاد (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أي: أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم (وَصَوَّرَهُ) أي: رَتَّبه على هيئة خاصة، كما شاءها. قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الآية [الحشر: ٢٤] ما نصه: الخلق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدّره، وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدّر شيئًا، ورتّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى اللَّه ، قال الشاعر يمدح آخر (٣) [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ … ــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي أي: أنت تُنَفِّذ ما خلقت؛ أي: قدّرت، بخلاف غيرك، فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير، والفَرْي التنفيذ، ومنه يقال: قدّر الجَلَّادُ، ثم فَرَى؛ أي: قطع على ما قدّره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: "كن"، فيكون على الصفة التي يريد الصورة التي يختار، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨]، ولهذا قال: "المصور"؛ أي: الذي ينفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريد. انتهى (٤). (وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) أي: خلق فيه السمع والبصر، قال القرطبيُّ ﵀: وقد يَحتجّ بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه، فيُغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله ﷺ : "فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه" (٥)، فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا

стр. 9039

نقول بموجب ذلك، ونفرّق بين السمع والأذن، فإن السمع الإدراك الذي في الأذن، لا الأذن، ولأن الوجه لا يتضمّن الأذنين كما تقدّم. انتهى (١). (تَبَارَكَ اللَّهُ) تقدّس، وتنزّه، وتعالى، وتعاظم اللَّه (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ") بالرفع على أنه بدل من لفظ الجلالة؛ أي: أحسن المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، وغيره إنما يوجد صورًا مُمَوَّهَةً، ليس فيها شيء من حقيقة الخلق، مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال العلامة القرطبيّ ﵀: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ أتقن الصانعين، يقال لمن صنع شيئًا: خلقه، قال الشاعر يمدح آخر [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ … ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي قال: وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى اللَّه تعالى. وقال ابن جريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأنه تعالى أذن لعيسى ﵇ أن يخلق. واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن إطلاق الخلق لغير اللَّه بمعنى الصنع جائز؛ لوقوعه في كلام اللَّه تعالى، كقوله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] حيث أضاف "أحسن" إلى "الخالقين"، وكقوله تعالى في تعداد ما أنعم اللَّه على نبيّه عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآية [المائدة: ١١٠]، فإذا ورد ذلك في القرآن، فلا توقف، ولا اعتراض ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ) بعد فراغه من الركوع والسجود (يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ) الجارّ والمجرور خبر "يكون" مقدّمًا على اسمها، وهو: "اللَّه اغفر بي. . . إلخ"، و"ما" موصولة، و"يقول" صلتها، حُذف منه العائد؛ أي: الذي يقوله (بَيْنَ

стр. 9040

التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ) وقوله: ("اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) اسم "يكون" محكيّ؛ لقصد لفظه (مَا قَدَّمْتُ) أي: من السيّئة، و"ما" موصول مفعول "اغفر" (وَمَا أَخَّرْتُ) أي: من عمل؛ أي: جميع ما فَرَط مني، قاله الطيبيّ، وقيل: ما قدّمت قبل النبوّة، وما أخّرت بعدها، وقيل: ما أخّرته في علمك مما قضيته عليّ، وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنبٌ، فاجعله مقرونًا بمغفرتك، فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن يُغفر إذا وقع (وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: جميع ذنوبي؛ لأنها إما سرٌّ، أو عَلَنٌ (وَمَا أَسْرَفْتُ) أي: جاوزت فيه الحدّ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي: ذنوبي التي لا أعلمها عددًا وكمًّا وكيفًا (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قيل: معناه قدّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخّر من شاء عن مراتبهم، كما اقتضته حكمته، وقيل: قدّم من أحبّ من أوليائه على غيرهم من عبيده، وأخّر من أبعده من غيرهم، فلا مقدّم لما أخّره، ولا مؤخّر لما قدّمه. وقال القرطبيّ ﵀: أي: تقدّم من تشاء، فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء، وتؤخّر من تشاء، فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تُملِّك الملك من تشاء، وتَنزع الملك ممن تشاء، وعلى الجملة فكلّ تقديم وتأخير منه. انتهى (١). (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ") أي: لا معبود بحقّ إلا أنت سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨١٢ و ١٨١٣] (٧٧١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٤٤ و ٧٦٠ و ٧٦١ و ٢٥٠٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٦٦) و"الدعوات" (٣٤٢١ و ٣٤٢٢ و ٣٤٢٣)، و (النسائيّ) (٢/ ١٢٩ و ٢٢٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٦٤ و ١٠٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٠٧

стр. 9041

و ١٦٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦١ و ١٧٦٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٣٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٤ و ١٠٢ و ١٠٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٨٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٧٩)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ١٩٩) و"مشكل الآثار" (١/ ٤٨٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٦٢ و ٤٦٣ و ٧٤٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٧١ و ١٧٧٢ و ١٧٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٧٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بعض الأذكار التي تُفتتح بها الصلاة، وهو شاملٌ للمكتوبة، والنافلة، فقد أخرج الحديث الترمذيّ، وأبو داود وابن حبّان، مقيّدًا بالمكتوبة، ولفظه: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، وفي رواية للدارقطنيّ: "إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة"، وكذلك رواه الشافعيّ، وقيّده أيضًا بالمكتوبة، فالقول بكون هذا الذكر خصوصًا بصلاة التطوّع كما زعمه الحنفيّة مردودٌ، وإيراد مسلم له هنا في "باب صلاة الليل" لا يدلّ على اختصاصه بها، وأما ما وقع عند النسائيّ بلفظ: "كان إذا قام يصلي تطوّعًا، قال: اللَّه أكبر، وجّهت وجهي. . . إلخ" فليس فيه دليلٌ أيضًا على كونه مخصوصًا بالتطوّع؛ لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات عليّ ﵁. وأما ما أجاب به بعض الحنفيّة بأنه كان ذلك في المكتوبة في أول الأمر، كما في "شرح المنية" لابن أمير حاج، فغير صحيح؛ إذ ليس عليه دليلٌ، فتبصّر. ٢ - (ومنها): أن الإمام ابن حبّان ﵀ استدلّ بهذا الحديث على الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، وردّ على من زعم ذلك، فقال في "صحيحه": "ذكرُ الخبر الْمُدحِض قول من من زعم أن الدعاء في الصلوات بما ليس في كتاب اللَّه يُبطل الصلاة"، ثم أورد حديث عليّ ﵁ هذا. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: قوله: "سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشَقّ سمعه"، فيه دليل لمذهب الزهريّ أن الأذنين من الوجه، وقال جماعة من العلماء: هما من الرأس، وآخرون: أعلاهما من الرأس، وأسفلهما

стр. 9042

من الوجه، وقال آخرون: ما أقبل على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس، وقال الشافعيّ، والجمهور: هما عضوان مستقلان، لا من الرأس ولا من الوجه، بل يُطَهَّران بماء مستقل، ومسحهما سنةٌ، خلافًا للشيعة. وأجاب الجمهور عن احتجاج الزهريّ بجوابين: أحدهما: أن المراد بالوجه جملة الذات، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أُخَرَ مع الوجه. والثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة هل الرأس من الوجه، أم لا؟ قد استوفيت بحثها في "شرح النسائيّ"، ورجّحت مذهب من يقول: إنهما من الرأس؛ لقوّة أدلّته، فراجعه (٢) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): أن فيه استحبابَ دعاء الافتتاح بما في هذا الحديث، إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون التطويل. ٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء قبل السلام. ٦ - (ومنها): بيان أن الشرّ لا يضاف إلى اللَّه، وقد تقدّم اختلاف العلماء في معناه، وقد أجاد الإمام ابن القيّم ﵀، حيث قال في كتابه "شفاء العليل" في الباب الحادي والعشرين في تنزيه القضاء الإلهي عن الشرّ في الكلام على آية: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦] ما نصّه: فتناولت الآية ملكه وحده، وتصرفه، وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسَلْبُهُ الملكَ عمن يشاء، وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى المسلوب الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، لا تخرج عن ذلك، وهذا كله خير، يُحْمَد عليه الربّ، ويُثْنَى عليه به، كما يُحْمَد ويُثْنَى عليه بتنزيهه عن الشرّ، وأنه ليس إليه كما ثبت في "صحيح

стр. 9043

مسلم" أن رسول اللَّه ﷺ كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح، في قوله: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت"، فتبارك وتعالى عن نسبة الشرّ إليه، بل كل ما نُسِب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا، وهو سبحانه خالق الخير والشرّ، فالشرّ في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله، وخلقُهُ وفعلُهُ وقضاؤه وقدره خيرٌ كله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضعُ الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كلّه، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وُضِعَ في محله لم يكن شرًّا، فعُلِم أن الشرّ ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك. ثم قال: فإن قلت: فلم خلَقه، وهو شرٌّ؟، قلت: خلْقه له وفعله خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائم به ، والشرّ يستحيل قيامه به، واتّصافه به، وما كان في المخلوق من شرّ فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخلق يُضاف إليه، فكان خيرًا. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقال العلامة ابن أبي العزّ ﵀ في "شرح العقيدة الطحاويّة" موضّحًا معنى قوله: "والشرُّ ليس إليك": أي: فإنك لا تخلق شرًّا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خيرٌ، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شرّ جزديّ إضافيّ، فأما شرّ كليّ أو شر مطلقٌ، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قطّ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠]، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل اللَّه من الرحمة والحكمة، لا يقدر قدره إلا اللَّه تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شرّ جزئيّ بالإضافة يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرًا، أو

стр. 9044

مصلحةً للعباد، كالمطر العامّ، وكإرسال رسول عامّ، وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيّد كذّابًا عليه بالمعجزات التي أيّد بها الصادقين، فإن هذا شرّ عامّ للناس يُضِلّهم، فيُفسِد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالْمَلِك الظالم والعدوّ، فإن الملك الظالم، لا بدّ أن يدفع اللَّه به من الشرّ أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنةً بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قُدِّر كثرة ظلمه فذاك خير في الدين، كالمصائب تكون كفارةً لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى اللَّه، ويسغفرونه، ويتوبون إليه، وكذلك ما يُسَلَّط عليهم من العدوّ، ولهذا قد يُمَكِّن اللَّه كثيرًا من الملوك الظالمين مدّةً، وأما المتنبئون الكذابون فلا يُطيل تمكينهم، بل لا بدّ أن يُهلكهم؛ لأن فسادهم عامّ في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. انتهى كلام أبي العزُّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِي"، وَقَالَ: "وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"، وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَقَالَ: "وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ"، وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ"، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 9045

٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمامٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، البغداديّ، لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّفٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧. ٦ - (عَمُّهُ الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد اللَّه بن أبي سلمة التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٥. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعرج الماضي، وهو عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب ﵁. وقوله: (وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ. . . إلخ) لا تنافي بين الروايتين؛ لأن معنى "وإذا سلّم قال. . . إلخ" أي: إذا أراد التسليم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت قراءة القرآن، فيكون قوله: "اللهم اغفر لي. . . إلخ" قبل التسليم. على أنه لا يبعد أن يكون قاله في الموضعين، قبل التسليم وبعده. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عمّه الماجشون هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٠٥) ثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد العزيز -ابن عبد اللَّه بن أبي سلمة- عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبيّ ﷺ كان إذا استفتح الصلاة يكبر، ثم يقول: "وَجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا

стр. 9046

أنت، اصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك، وأتوب إليك"، وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي"، وإذا رفع رأسه قال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ"، وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، فأحسن صُوَرَهُ، فشق سمعه وبصره، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين"، وإذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". قال عبد اللَّه (١) قال (٢): بلغنا عن إسحاق ابن راهويه، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال في هذا الحديث: "والشر ليس إليك" قال: لا يُتَقَرَّب بالشر إليك. حدّثنا حُجَين، حدّثنا عبد العزيز، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قال: "وجهت وجهي. . . " فذكر مثله، إلا أنه قال: "واصرف عني سيئها". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثالث عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك ٢١/ ١/ ١٤٢٧ هـ الموافق (٢٠ فبراير ٢٠٠٦ م).

стр. 9047

أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع عشر مفتتحًا بـ (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) رقم الحديث [١٨١٤] (٧٧٢). "سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٤] (٧٧٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ "الْبَقَرَةَ"، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ

стр. 9048

الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ (١)، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ "النِّسَاءَ" (٢)، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ "آلَ عِمْرَانَ"، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى"، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ، قَالَ (٣): وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.

стр. 9049

٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٨ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٩ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السّلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ١٢٠. ١٠ - (الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ الْأَحْنَفِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن حذيفة، وابن مسعود، ومَعْقِل بن عامر، وصِلَة بن زُفَر. وروى عنه سعد بن عُبيدة، وعلقمة بن مرثد، وسلمة بن كهيل، وأبو حَصِين الأَسَديّ. قال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ١١ - (صِلَةُ بْنُ زُفَرَ) (١) الْعَبسيّ، أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، تابعيّ كبير [٢]. رَوَى عن عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وعليّ، وابن عباس. وروى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم.

стр. 9050

قال ابن خِرَاش: كوفيّ ثقةٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال شعبة: قلبُ صلة من ذهب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال خليفة: مات في ولاية مصعب بن الزبير، وكذا قال ابن سعيد، وزاد: وكان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمَير، وابن صالح -يعني العجليّ- وقال أبو وائل: لَقِيتُ صلةَ، وكان ما علمت برًّا، وروى ابن أبي حاتم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة ﵁ قال: قلب صلة بن زفر من ذهب -يعني أنه مُنَوَّرٌ كالذهب-. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٧٢)، وحديث (٢٤٢٠): "لأبعثنّ إليكم رجلًا أمينًا. . . ". ١٢ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل، أو حُسيل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ مات في أول خلافة عليّ ﵁ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة أسانيد لخّصها بالتحويل، فقوله: "جميعًا" يعود إلى شيخيه: زهير، وإسحاق، فكلاهما رويا عن جرير بن عبد الحميد، وقوله: "كلُّهم" يرجع إلى الثلاثة، وهم شيوخ شيوخه، وهم عبد اللَّه بن نمير، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، فثلاثتهم رووا عن الأعمش. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلهم كوفيّون، سوى زهير، فبغداديّ، وإسحاق فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن المستورِدِ، عن صِلَة بن زُفَر. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو صاحب سرّ رسول اللَّه ﷺ ، أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في "صحيح مسلم"، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9051

شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي (فَافْتَتَحَ "الْبَقَرَةَ") أي: ابتدأ بقراءة سورة البقرة بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها؛ لكونها معروفة (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ) وفي نسخة: "يصلي بها ركعةً" بحذف "في"، ومعناه: ظننت أنه يصلّي بها، فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكاملها، وهي ركعتان، ولا بدّ من هذا التأويل، فينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: "ثم مضى" معناه: قرأ معظمها بحيث غَلَب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الركعة الأولى بها، فجاوز، وافتتح النساء، قاله النوويُّ ﵀ (١). (فَمَضَى) أي: استمرّ في قراءته (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا) أي: ظننت أنه يركع عند آخر "سورة البقرة" (ثُمَّ افْتَتَحَ "النِّسَاءَ") أي: ثم استمرّ بعد أن ختم "البقرة"، فبدأ بقراءة "سورة النساء" (فَقَرَأَهَا) أي: قرأ كل السورة (ثُمَّ افْتَتَحَ "آلَ عِمْرَانَ"، فَقَرَأَهَا) أي: كلها. قال القاضي عياض ﵀: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين، حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبيّ ﷺ ، بل وَكَلَهُ إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك، وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلانيّ، قال ابن الباقلانيّ: هو أصحّ القولين، مع احتمالهما، قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من النبيّ ﷺ في ذلك نصّ، ولا حدّ تحرم مخالفته، ولذلك اختَلَفَ ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان ﵁، قال: واستجاز النبيّ ﷺ والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين. قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من

стр. 9052

النبيّ ﷺ حدَّده لهم، كما استقر في مصحف عثمان ﵁، وإنما اختَلَفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف، والعرض الأخير، فيُتَأَوَّل قراءته ﷺ "النساء" أوّلًا، ثم "آل عمران" هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أُبَيّ ﵁، قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم، وتَأوَّل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسًا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من اللَّه تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . انتهى كلام القاضي عياض ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال: إن ترتيب السور على ما هي عليه الآن كان بتوقيف من النبيّ ﷺ ، وهي العرضة الأخيرة التي عرضها ﷺ على جبريل ﵇، كما هو المجمع عليه في ترتيب الآيات، فلا فرق بينهما في ذلك، وأما ما ثبت من قراءته ﷺ "النساء" قبل "آل عمران"، ونحو ذلك فيُحمَلُ على بيان الجواز، وأن الترتيب في القراءة غير لازم، بل في الرسم والكتابة فقط، فيجوز أن يقرأ بالسورة قبل التي قبلها في الرسم. ويَحتَمِلُ أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بترتيبها على ما هي عليه الآن، وأما اختلاف مصاحف الصحابة ﵃ في ترتيبها، فيُحمَل على عدم وصول العلم إليهم بتوقيف النبيّ ﷺ بالترتيب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا) أي: مترفِّقًا متمهِّلًا، من قولهم: على رِسْلِكَ؛ أي: على رِفْقِكَ، قال القرطبيُّ: هذا التطويل، وهذه الكيفيّة التي صدرت عنه ﷺ في هذه الصلاة إنما كان منه بحسب وقت صادفه، ووجْدٍ وَجَده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه، وهو موافقٌ لما قاله في حديث آخر: "إذا أمّ أحدكم فليُخفّف، وإذا صلّى وحده فليطوّل ما شاء" (١). انتهى (٢).

стр. 9053

(إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ) يعني: أنه ﷺ إذا قرأ آية يُذكر فيها التسبيح، كقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] سبّح اللَّه (وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ) أي: إذا قرأ آية تحثّ على سؤال اللَّه سأله، وفي رواية أبي داود: "وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها، فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها، فتعوّذ" (وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ) أي: بآية فيها تعوّذ بأن تُذكر فيها النار، أو الوعيد (تَعَوَّذَ) أي: اعتصم باللَّه تعالى من عذابه. (ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ) أي: شرع (يَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) يعني: أنه ﷺ مكث في ركوعه طويلًا قريبًا من طول قيامه (ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى") قيل: الحكمة في تخصيص الركوع بـ "العظيم"، والسجود بـ "الأعلى" أن السجود لَمّا كان فيه غاية التواضع؛ لِمَا فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل وأبلغ في التواضع من الركوع، فحسُن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل، وهو "الأعلى"، بخلاف "العظيم"؛ ليكون الأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضًا فقد صحّ عنه ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد"، فربّما يُتوهّم قرب المسافة، فنُدب "سبحان ربي الأعلى"؛ دفعًا لهذا التوهّم، وأيضًا في السجود غاية الانحطاط من العبد، فيناسبه أن يصف فيه ربّه بالعلوّ (١)، واللَّه تعالى أعلم. (فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ) أي: في الطول. (قَالَ) وفي نسخة: "قال مسلم"؛ يعني: صاحب الكتاب (وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ) أي: ابن عبد الحميد (مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ") الزيادة قوله: "ربنا لك الحمد"؛ لأن قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"

стр. 9054

ثابتٌ في روايتهم جميعًا، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٨١٤] (٧٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٧١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٦٢)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (١٠٠٨ و ١٠٠٩ و ١٠٤٦ و ١١٣٣ و ١٦٦٤ و ١٦٦٥)، و"الكبرى" (١٠٨٠ و ١٠٨١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٩٧ و ١٣٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٤١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩٧ و ٣٨٢ و ٣٨٤ و ٣٨٩ و ٣٩٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٤ و ٦٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٧ و ٢٦٠٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٦ و ١٨٠١ و ١٨١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٣ و ١٧٦٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٠٩ و ٣١٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ٢ - (ومنها): استحباب الترسّل في القراءة. ٣ - (ومنها): بيان استحباب التسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح، والسؤال عن قراءة آية فيها سؤال، والتعوذ إذا مرّ بآية فيه ذكر عذاب، وهذا عامّ لكل قارئ في الصلاة وغيرها، وإلى هذا ذهبت الشافعيّة، وقالوا: لا فرق في ذلك بين كون المصلّي إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، ولا بين الفرض والنفل.

стр. 9055

وذهبت الحنفيّة إلى أن ذلك يكون في التطوّع، لا في المكتوبة، وبهذا قالت المالكيّة، وقالوا: إن الدعاء أثناء القراءة في الفريضة مكروه إلا للمأموم، فله أن يصلي على النبيّ ﷺ إذا مرّ ذكره في قراءة الإمام، وأن يسأل الجنّة إذا مرّ بآية فيها ذكرها، وأن يستعيذ من النار إذا مرّ بآية فيها ذكرها (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي القول باستحباب التسبيح والسؤال، والتعوّذ لكلّ قارئ في التطوّع دون الفرض، كما هو مذهب المالكيّة والحنفيّة؛ لأنه المنقول عن النبيّ ﷺ ، ولم يُنقل ذلك عنه في الفريضة، فالأولى الاقتصار على مورد النصّ، ولأن الإمام مأمور بالتخفيف، فلا يُشرع له التطويل بما ذُكر، وأما المأموم فلا بأس أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمر بالتخفيف كالإمام، فليُتنبّه (٢)، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان استحباب تكرير "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود، قال النوويُّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الأوزاعيّ، وأبي حنيفة، والكوفيين، وأحمد، والجمهور، وقال مالك: لا يتعيّن ذكر التسبيح، انتهى. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع، وهو قول الجمهور، وفيه ردّ على الشافعيّة حيث لا يُجيزونه، بل يبطلون به الصلاة، وهذا عجيب مع ثبوت الأحاديث الصحيحة الكثيرة على أنه ﷺ كان يُطيله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 9056

[١٨١٥] (٧٧٣) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قَالَ: قِيلَ (١): وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مشهور [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سَلَمَة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الجليل، مات ﵁ سنة (٣٢) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه إسحاق، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.

стр. 9057

٥ - (ومنها): أن فيه "عبد اللَّه" مهملًا، والقاعدة فيه أنه إذا كان الإسناد كوفيًّا كما هنا كان ابن مسعود ﵁، وإذا كان بصريًّا فهو ابن عباسّ، أو مدنيًّا، فهو ابن عمر، أو مكيًّا، فهو ابن الزبير، أو مصريًّا أو شاميًّا، فهو ابن عمرو بن العاص ﵃، وقد تقدّم هذا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵃ أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة ﵃، وقرّائهم، ذو مناقب جمّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: "ليلةً" (فَأَطَالَ) أي: القيام، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فلم يزل قائمًا" (حَتَّى هَمَمْتُ) أي: أردت وقصدت، يقال: هَمَمتُ بالشيء هَمًّا، من باب نصر: إذا أردته ولم تفعله (١). (بِأَمْرِ سَوْءٍ) بإضافة "أَمْرٍ" إلى "سَوْءٍ"، قاله في "الفتح"، وقال في "المصباح": أساء زيدٌ في فعله، وفَعَلَ سُوءًا بالضمّ، والاسم السُّوءَى على فُعْلَى، وهو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عَرَّفتَ الأولَ، قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى (٢). وقال في "القاموس": ولا خير في قول السُوْءِ بالفتح والضمّ، إذا فتحتَ فمعناه: في قولٍ قبيحٍ، وإذا ضممتَ فمعناه: في أن تقول سُوءًا، وقُرئ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين؛ أي: الهزيمةِ والشرِّ والرَّدَى والفسادِ، وكذا أمطرت السماء مطرَ السَّوْء، أو المضموم الضررُ، والمفتوح الفساد والنار، ومنه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قراءةٍ، ورجلُ سَوْءٍ، ورجلُ السَّوْءِ بالفتح والإضافة. انتهى (٣).

стр. 9058

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن "أمر سوء" هنا بالإضافة، فلا يكون "سوء" صفة لـ "أمر"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) أبو وائل (قِيلَ) وفي نسخة: "قلتُ"، وفي رواية البخاريّ: "قلنا" (وَمَا هَمَمْتَ بهِ؟) أي: أيّ شيء أردت أن تفعله معه ﷺ ؟ (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ) أي: أترك الصلاة معه، قال في "الفتح": وفي الحديث دليلٌ على اختيار النبيّ ﷺ تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود ﵁ قويًّا محافظًا على الاقتداء بالنبيّ ﷺ ، وما هَمَّ بالقعود إلا بعد طولٍ كثيرٍ، ما اعتاده، وأخرج مسلم من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "أفضل الصلاة طول القنوت"، فاستدلّ به على ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يراد بالقنوت في حديث جابر ﵁ الخشوع. وذَهَب كثير من الصحابة ﵃ وغيرهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، وقد أخرج مسلم من حديث ثوبان ﵁ أنه سأل النبيّ ﷺ عن أحبّ الأعمال إلى اللَّه، فقال: "عليك بكثرة السجود للَّه. . . " الحديث. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي -كما استظهره الحافظ ﵀ أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن كان قويًّا على تطويل القيام والركوع والسجود، كما هو أكثر فعل النبيّ ﷺ ، فهو الأفضل في حقّه، ومن لا يستطيع ذلك، وكان كثرة الركوع والسجود أخفّ عليه، فهو الأفضل في حقّه، فبهذا يُجمع بين حديثي جابر، وثوبان ﵄، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل صلاة الليل. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء في غير المكتوبات. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل، ولا قول، ما لم يكن حرامًا، واتَّفَقَ العلماء على أنه إذا شَقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام، وعَجَزَ عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود ﵁؛ للتأدب مع النبيّ ﷺ ، قاله النوويُّ ﵀. ٤ - (ومنها): أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيِّئ.

стр. 9059

٥ - (ومنها): جواز استفهام الإمام ورئيس القوم إذا لم يفهم مراده؛ لأن أصحاب ابن مسعود ﵁ ما عرفوا مراده من قوله: "هممت بأمرِ سَوْءٍ" حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ) الْخَزّاز -بمعجمات- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عليّ بن مُسْهِر، وعبد الرحيم بن سليمان، وحفص بن غياث، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له أبو داود بواسطة الذُّهْليّ حديثًا، والدارميّ، والصنعانيّ، والفَسَويّ، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان من الثقات، وقال العجليّ: ثقةٌ صاحب سنة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مُطَيَّن: كان ثقةً، وكَتَب عنه ابن نُمَير، ومات سنة (٢٢٥)، وذكر أبو نعيم الإستراباذيّ أنه مات سنة (٢٢٤). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧٣)، و (٢٢٦٣): "رؤيا المسلم يراها أو ترى له. . . "، و (٢٤١٦): "فداك أبي وأمي". ٢ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الهرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ، عمي، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 9060

و"الأعمش" ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الأعمش الماضي، وهو: عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (١٤١٨) حدّثنا عبد اللَّه بن عامر بن زُرَارة، وسُويد بن سعيد قالا: حدّثنا علي بن مُسهر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: صليت ذات ليلة مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمرِ سَوْءٍ، قلت: وما ذاك الأمر؟ قال: هممت أن أجلس، وأتركه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةِ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أثَرِ الشَّيْطَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٧] (٧٧٤) - (حَدَّثَنَا (١) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ"، أَوْ قَالَ: "في أُذُنِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت حجةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.

стр. 9061

شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن ابن مسعود ﵁ ما يؤخذ منه أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: "وايم اللَّه، لقد بال في أذن صاحبكم ليلة" يعني: نفسه. انتهى. (نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح، فـ "أصبح" هنا تامّة، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧]. [تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف ﵀ لهذا الحديث خلال أحاديث قيام الليل أنه حمله على ترك قيام الليل، ومثله صنيع البخاريُّ ﵀، حيث أورده في "كتاب التهجّد". ويَحْتَمِلُ أنه ترك صلاة العشاء، وقد ذكر ابن حبّان في "صحيحه" عن سفيان الثوريّ أنه قال: هذا عندنا يشبه أن يكون نام عن الفريضة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول عندي أقرب، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ من طريق أبي الأحوص، عن منصور: "ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة"، قال في "الفتح": المراد الجنس، ويَحْتَمِل العهدَ، ويُراد به صلاة الليل، أو المكتوبة. انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ ("ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ") بالتثنية (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: "فِي أُذُنِهِ") بالإفراد. واختُلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل، ويشرب، ويَنكِح، فلا مانع من أن يبول، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي نام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه: أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل،

стр. 9062

فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه، واستخفّ به، حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول، إذ من عادة المستخفّ بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقّل أذنه، وأفسد حسّه، والعرب تَكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبّر عنه بالبول. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي القول الأول هو الصواب، فبول الشيطان في أذن هذا النائم على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، كما تقدم عن القرطبي وغيره، فلا داعي لصرف ظاهر النصّ إلى هذه التأويلات التي ذكروها؛ إذ هي تكلفٌ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث عند أحمد: "قال الحسن: إن بوله واللَّه لثقيل"، ورَوى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود ﵁: "حسبُ الرجل من الخيبة والشرّ أن ينام حتى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه"، وهو موقوف صحيح الإسناد قاله في "الفتح" (١). وقال الطيبيُّ ﵀: خصّ الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارةً إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخصّ البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 9063

أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٨١٧] (٧٧٤)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٤٤)، و"بدء الخلق" (٣٢٧٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٠٨، ١٦٠٩) وفي "الكبرى" (١٣٠٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٥ و ٤٢٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٨] (٧٧٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: "أَلا تُصَلُّونَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ، وَهُوَ مُدْبِرٌ، يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام فقيهٌ، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.

стр. 9064

٥ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ [٣]. روى عن أبيه، وعمه الحسن، وأرسل عن جده علي بن أبي طالب، وروى عن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. روى عنه أولاده: محمد، وزيد، وعبد اللَّه وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاوس بن كيسان وغيرهم. مات سنة (٩٣)، وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة. ٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، سبط رسول اللَّه ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سَيِّدَيْ شباب أهل الجنة. رَوَى عن جده ﷺ ، وأبيه، وأمه، وخاله هند بن أبي هالة، وعمر بن الخطاب. ورَوَى عنه أخوه الحسن، وبنوه: عليّ، وزيد، وسكينة، وفاطمة، وابن ابنه أبو جعفر الباقر، والشعبيّ، وعكرمة، وكُرز التيميّ، وسِنَان بن أبي سنان الدُّؤلي، وعبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، والفرزدق، وجماعة. قال الزبير بن بكار: وُلد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع، وقال جعفر بن محمد: كان بين الحسن والحسين طهر واحد. وأخرج البخاريّ عن أنس بن مالك ﵁: أُتي عبيد اللَّه بن زياد برأس الحسين ﵇، فجُعِل في طست، فجعل يَنكُت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول اللَّه ﷺ ، وكان مخضوبًا بالوسمة (١). وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جابر ﵁ قال: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن عليّ ﵄، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقوله (٢). وأخرج أحمد في "مسنده" بسند صحيح عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بنصف النهار، أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئًا، قال: قلت: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قُتل ذلك اليوم.

стр. 9065

وأخرج ابن ماجه برقم (٦٥٨) بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ حامل الحسين بن علي على عاتقه، ولُعابه يسيل عليه. وأخرج أحمد، والنسائيّ بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة" (١). وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثم قال: "صدق اللَّه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥] رأيت هذين، فلم أصبر"، ثم أخذ في الخطبة (٢)، ومناقبه ﵁ جمّة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٧٥)، وحديث (١٩٧٩): "أصبتُ شارفًا مع رسول اللَّه ﷺ في مغنم يوم بدر. . . "، وأعاده بعده. [تنبيه]: كون الحسين هنا بالتصغير هو الموجود في النسخ التي بين أيدينا كلّها، وهكذا قال النوويُّ ﵀، ودونك عبارته: هكذا ضبطناه أن الحسين بن علي -بضم الحاء- على التصغير، وكذا في جميع نسخ بلادنا التي رأيتها مع كثرتها، وذكره الدارقطنيّ في "كتاب الاستدراكات"، وقال: إنه وقع في رواية مسلم أن الحسن -بفتح الحاء- على التكبير، قال الدارقطنيّ: كذا رواه مسلم عن قتيبة أن الحسن بن عليّ، وتابعه على ذلك إبراهيم بن نصر النهاونديّ، والْحُنَينيّ، وخالفهم النسائيّ، والسَّرّاج، وموسى بن هارون، فرووه عن قتيبة أن الحسين؛ يعني: بالتصغير، قال: ورواه أبو صالح، وحمزة بن زياد، والوليد بن صالح عن ليث، فقالوا فيه: الحسن، وقال يونس المؤدِّب، وأبو النضر، وغيرهما عن ليث: الحسين؛ يعني: بالتصغير، قال: وكذلك قال أصحاب الزهريّ، منهم صالح بن كيسان، وابن أبي عتيق، وابن جريج، وإسحاق بن راشد، وزيد بن أبي أُنيسة، وشعيب، وحكيم بن حكيم، ويحيى بن أبي أنيسة، وعُقيل من رواية ابن لَهِيعة عنه،

стр. 9066

وعبد الرحمن بن إسحاق، وعبيد اللَّه بن أبي زياد وغيرهم، وأما معمر فأرسله عن الزهريّ، عن علي بن حسين، وقول من قال عن ليث: الحسن بن علي وَهَمٌ؛ يعني: من قاله بالتكبير فقد غَلِطَ، هذا كلام الدارقطنيّ. وحاصله أنه يقول: إن الصواب من رواية ليث: الحسين بالتصغير، وقد بيّنا أنه الموجود في روايات بلادنا واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": وحَكَى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عُقيل، عن الزهريّ، فقال: "عن علي بن الحسين، عن الحسن بن عليّ". وكذا وقع في رواية الحجاج بن أبي مَنِيع، عن جدّه، عن الزهريّ، في تفسير ابن مردويه، وهو وهَمٌ، والصواب: "عن الحسين"، ويؤيّده رواية حَكيم بن حَكيم، عن الزهريّ، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أخرجها النسائي والطبريّ. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن سند المصنّف ﵀ على الصواب حيث وقع فيه الحسين مصغّرًا لا مكبّرًا، فلعلّ الدارقطنيّ ﵀ وجد نسخة أخطأ فيها الناسخ، فكتب الحسن مكبّرًا، فانتقده بناء عليه، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُقيل، و"ليث" مصريّ، وقتيبة بغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه عن جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": إن هذا الإسناد من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه، عن جدّه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9067

شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ) أي: أتاه ليلًا، يقال: طَرَق النجمُ طُرُوقًا، من باب قَعَدَ: طَلَعَ، وكلّ ما أتى ليلًا، فقد طَرَقَ، وهو طارق. قاله في "المصباح"، وفي رواية البخاريّ: "طرقه وفاطمةَ بنت النبيّ ﷺ ليلةً"، فقوله: "ليلةً" للتأكيد، وحَكَى ابن فارس أن معنى "طَرَقَ": أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلةً" لبيان وقت المجيء، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "ليلةً" أي: مرّة واحدة، قاله في "الفتح". (وَفَاطِمَةَ) بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب (فَقَالَ: "أَلَا تُصَلُّونَ؟ ") بضمير الجمع هكذا هو عند المصنّف، والنسائيّ، قال النوويُّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "تصلّون"، وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة، أو مجاز؟ فيه الخلاف المشهور، والأكثرون على أنه مجاز، وقال آخرون: حقيقة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح أنه حقيقة، وإليه ذهب الإمام مالك ﵀، وشواهده في كتاب اللَّه تعالى وغيره كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الآية [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاري: "ألا تصليان" بالتثنية، وهي واضحة. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بيَدِ اللَّهِ) اقتبس عليّ ﵁ ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وفي رواية النسائيّ من طريق حكيم بن حكيم، عن الزهريّ: "قال عليّ: فجلست، وأنا أَعْرُك عيني، وأنا أقول: واللَّه ما نصلي إلا ما كتب اللَّه لنا، إنما أنفسنا بيد اللَّه". (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) أي: إذا أراد اللَّه تعالى أن يوقظنا أيقظنا، وأصل البعث إثارة الشيء من موضعه (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: رجع إلى بيته (حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) وفي رواية كريمة عند البخاريّ: "حين قلنا ذلك". زاد في رواية البخاريّ: "ولم يَرجع إليّ شيئًا"، أي: لم يُجبني، وفيه أن

стр. 9068

السكوت يكون جوابًا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقًّا في نفسه، قاله في "الفتح". (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) ﷺ (وَهُوَ مُدْبِرٌ) ولفظ البخاريّ: "وهو مُوَلٍّ" (يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ هذا إنكار لجدل عليّ ﵁؛ لأنه تمسك بالتقدير، والمشيئة في مقابلة التكليف، وهو مردود، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله، نعم التكليف هنا ندبيّ، لا وجوبي، فلذلك انصرف ﷺ عنهما، ولو كان وجوبيًّا لما تركهما على حالهما، أفاده السنديُّ ﵀. وقال النوويّ ﵀: المختار في معناه أنه تعجّب من سُرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه، وقيل: قاله تسليمًا لعذرهما، وأنه لا عتب عليهما. انتهى. وقال في "الفتح": فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين ﵀: كَرِهَ احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسُب التقصير إلى نفسه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٨١٨] (٧٧٥)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٢٧)، و"التفسير" (٤٧٢٤)، و"الاعتصام" (٧٣٤٧)، و"التوحيد" (٧٤٦٥)، وفي "الأدب المفرد" (٩٥٥)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦١١ و ١٦١٢)، وفي "الكبرى" (١٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩١ و ١١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٣٩ و ١١٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٠٦ و ٢٢٠٧ و ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٠٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على صلاة الليل، وبيان فضيلتها، وإيقاظ النائمين من

стр. 9069

الأهل والقرابة لها، قال الطبريُّ ﵀: لولا ما عَلم النبيّ ﷺ من عِظَم فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله اللَّه لخلقه سَكَنًا، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعَة والسكون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية [طه: ١٣٢]. انتهى. ٢ - (ومنها): أمر الإنسان صاحبه بصلاة الليل، وتعهّد الإمام وكبير القوم رعيّته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم. ٣ - (ومنها): أن فيه إثباتَ المشيئة للَّه تعالى، وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بمشيئة اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الإنسان: ٣٠]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للناصح إذا لم تُقبَل نصيحته، أو اعتُذِرَ إليه بما لا يرتضيه أن ينكفّ، ولا يُعنّف إلا لمصلحة. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال: إن اللام في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ للعموم، لا لخصوص الكفار. ٦ - (ومنها): فيه منقبة لعليّ ﵁، حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غَضَاضة، فقدّم مصلحة نشر العلم، وتبليغه على كتمه. ٧ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": ونقل ابن بطال عن المهلَّب قال: فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل، حيث قَنِعَ ﷺ بقول عليّ ﵁: "أنفسنا بيد اللَّه"؛ لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفُّل، ولو كان فرضًا ما عذره، قال: وأما ضربه فخذه، وقراءته الآية، فدالّ على أنه ظَنّ أنه أحرجهم، فَنَدِمَ على إنباههم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قال المهلّب، وأقرّه ابن بطال، وفيه نظر لا يخفى، بل الأظهر أنه ﷺ إنما فَعل ذلك كَراهةً لاحتجاج عليّ ﵁ بالآية المذكورة، فإن الأولى في مثل هذا أن ينسُب التقصير إلى نفسه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 9070

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٩] (٧٧٦) - (حَدَّثَنَا (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ (٢) عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ، إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجة إمام مشهورٌ، من رؤوس [٨] (١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
следующие страницы →