وعبد الرحمن بن إسحاق، وعبيد اللَّه بن أبي زياد وغيرهم، وأما معمر فأرسله عن الزهريّ، عن علي بن حسين، وقول من قال عن ليث: الحسن بن علي وَهَمٌ؛ يعني: من قاله بالتكبير فقد غَلِطَ، هذا كلام الدارقطنيّ.
وحاصله أنه يقول: إن الصواب من رواية ليث: الحسين بالتصغير، وقد بيّنا أنه الموجود في روايات بلادنا واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وحَكَى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عُقيل، عن الزهريّ، فقال: "عن علي بن الحسين، عن الحسن بن عليّ". وكذا وقع في رواية الحجاج بن أبي مَنِيع، عن جدّه، عن الزهريّ، في تفسير ابن مردويه، وهو وهَمٌ، والصواب: "عن الحسين"، ويؤيّده رواية حَكيم بن حَكيم، عن الزهريّ، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أخرجها النسائي والطبريّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن سند المصنّف ﵀ على الصواب حيث وقع فيه الحسين مصغّرًا لا مكبّرًا، فلعلّ الدارقطنيّ ﵀ وجد نسخة أخطأ فيها الناسخ، فكتب الحسن مكبّرًا، فانتقده بناء عليه، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُقيل، و"ليث" مصريّ، وقتيبة بغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": إن هذا الإسناد من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه، عن جدّه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9067
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ) أي: أتاه ليلًا، يقال: طَرَق النجمُ طُرُوقًا، من باب قَعَدَ: طَلَعَ، وكلّ ما أتى ليلًا، فقد طَرَقَ، وهو طارق. قاله في "المصباح"، وفي رواية البخاريّ: "طرقه وفاطمةَ بنت النبيّ ﷺ ليلةً"، فقوله: "ليلةً" للتأكيد، وحَكَى ابن فارس أن معنى "طَرَقَ": أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلةً" لبيان وقت المجيء، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "ليلةً" أي: مرّة واحدة، قاله في "الفتح".
(وَفَاطِمَةَ) بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب (فَقَالَ: "أَلَا تُصَلُّونَ؟ ") بضمير الجمع هكذا هو عند المصنّف، والنسائيّ، قال النوويُّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "تصلّون"، وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة، أو مجاز؟ فيه الخلاف المشهور، والأكثرون على أنه مجاز، وقال آخرون: حقيقة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح أنه حقيقة، وإليه ذهب الإمام مالك ﵀، وشواهده في كتاب اللَّه تعالى وغيره كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الآية [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]. واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية البخاري: "ألا تصليان" بالتثنية، وهي واضحة.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بيَدِ اللَّهِ) اقتبس عليّ ﵁ ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وفي رواية النسائيّ من طريق حكيم بن حكيم، عن الزهريّ: "قال عليّ: فجلست، وأنا أَعْرُك عيني، وأنا أقول: واللَّه ما نصلي إلا ما كتب اللَّه لنا، إنما أنفسنا بيد اللَّه".
(فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) أي: إذا أراد اللَّه تعالى أن يوقظنا أيقظنا، وأصل البعث إثارة الشيء من موضعه (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: رجع إلى بيته (حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) وفي رواية كريمة عند البخاريّ: "حين قلنا ذلك".
زاد في رواية البخاريّ: "ولم يَرجع إليّ شيئًا"، أي: لم يُجبني، وفيه أن
стр. 9068
السكوت يكون جوابًا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقًّا في نفسه، قاله في "الفتح".
(ثُمَّ سَمِعْتُهُ) ﷺ (وَهُوَ مُدْبِرٌ) ولفظ البخاريّ: "وهو مُوَلٍّ" (يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ هذا إنكار لجدل عليّ ﵁؛ لأنه تمسك بالتقدير، والمشيئة في مقابلة التكليف، وهو مردود، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله، نعم التكليف هنا ندبيّ، لا وجوبي، فلذلك انصرف ﷺ عنهما، ولو كان وجوبيًّا لما تركهما على حالهما، أفاده السنديُّ ﵀.
وقال النوويّ ﵀: المختار في معناه أنه تعجّب من سُرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه، وقيل: قاله تسليمًا لعذرهما، وأنه لا عتب عليهما. انتهى.
وقال في "الفتح": فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين ﵀: كَرِهَ احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسُب التقصير إلى نفسه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٨١٨] (٧٧٥)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٢٧)، و"التفسير" (٤٧٢٤)، و"الاعتصام" (٧٣٤٧)، و"التوحيد" (٧٤٦٥)، وفي "الأدب المفرد" (٩٥٥)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦١١ و ١٦١٢)، وفي "الكبرى" (١٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩١ و ١١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٣٩ و ١١٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٠٦ و ٢٢٠٧ و ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٠٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على صلاة الليل، وبيان فضيلتها، وإيقاظ النائمين من
стр. 9069
الأهل والقرابة لها، قال الطبريُّ ﵀: لولا ما عَلم النبيّ ﷺ من عِظَم فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله اللَّه لخلقه سَكَنًا، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعَة والسكون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية [طه: ١٣٢]. انتهى.
٢ - (ومنها): أمر الإنسان صاحبه بصلاة الليل، وتعهّد الإمام وكبير القوم رعيّته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم.
٣ - (ومنها): أن فيه إثباتَ المشيئة للَّه تعالى، وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بمشيئة اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الإنسان: ٣٠].
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للناصح إذا لم تُقبَل نصيحته، أو اعتُذِرَ إليه بما لا يرتضيه أن ينكفّ، ولا يُعنّف إلا لمصلحة.
٥ - (ومنها): أن فيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال: إن اللام في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ للعموم، لا لخصوص الكفار.
٦ - (ومنها): فيه منقبة لعليّ ﵁، حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غَضَاضة، فقدّم مصلحة نشر العلم، وتبليغه على كتمه.
٧ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": ونقل ابن بطال عن المهلَّب قال: فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل، حيث قَنِعَ ﷺ بقول عليّ ﵁: "أنفسنا بيد اللَّه"؛ لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفُّل، ولو كان فرضًا ما عذره، قال: وأما ضربه فخذه، وقراءته الآية، فدالّ على أنه ظَنّ أنه أحرجهم، فَنَدِمَ على إنباههم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قال المهلّب، وأقرّه ابن بطال، وفيه نظر لا يخفى، بل الأظهر أنه ﷺ إنما فَعل ذلك كَراهةً لاحتجاج عليّ ﵁ بالآية المذكورة، فإن الأولى في مثل هذا أن ينسُب التقصير إلى نفسه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9070
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١٩] (٧٧٦) - (حَدَّثَنَا (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ (٢) عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ، إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجة إمام مشهورٌ، من رؤوس [٨] (١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
стр. 9071
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وشيخاه بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) أي: يرفع هذا الحديث إلى النبيّ ﷺ ، والظاهر أنه من كلام الأعرج، وإنما عدل عن قوله: "قال رسول اللَّه ﷺ "، أو نحو ذلك؛ لكونه نسي الصيغة التي قالها أبو هريرة ﵁، هل هي "قال رسول اللَّه"، أو "حدّثنا"، أو نحو ذلك، فأتى بصيغة تشمل كلّ الصيغ الصالحة لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ، من طريق مالك، عن أبي الزناد: "عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال إلخ".
("يَعْقِدُ) بكسر القاف، من باب ضرب (الشَّيْطَان) أي: إبليس، أو بعض جنوده، ولعله بالنظر إلى كل شخص شيطانه، قاله السنديّ، وقال في "الفتح": كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين، أو غيره، ويَحْتَمِل أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتُجوّز نسبة ذلك إليه؛ لكونه الآمر به الداعي إليه. انتهى (١).
(عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) أي: مؤخّر عنقه، وقافيةُ كل شيء مؤخّره، ومنه قافية القصيدة، وفي "النهاية": القافية القفا، وقيل: مؤخّر الرأس، وقيل: وسطه.
وقال الطيبيُّ ﵀: القافية: القفا، وقيل: قافية الرأس مؤخّره، وقيل: وسطه، أراد تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد شدّ عليه شِدادًا، وعقد ثلاث عُقد. انتهى (٢).
стр. 9072
وظاهر قوله: "أحدكم" التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يُخصّ منه مَن وَرَدَ في حقّه أنه يُحْفَظ من الشيطان، كالأنبياء ﵈، ومن تناوله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وكمن قرأ آية الكرسيّ عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يُصبح، أفاده في "الفتح".
وقال في موضع آخر: وقد يُظَنّ أن بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة ﵁: "إن قارئ آية الكرسيّ عند نومه لا يقربه الشيطان" معارضة، وليس كذلك؛ لأن العقد إن حُمل على الأمر المعنويّ، والقربَ على الأمر الحسيّ، وكذا العكس، فلا إشكال؛ إذ لا يلزم من سحره إياه مثلًا أن يماسّه، كما لا يلزم من مماسّته أن يقربه بسرقة، أو أذى في جسده، ونحو ذلك، وإن حُملا على المعنيين، أو العكس، فيجاب بادّعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب، كما تقدّم تخصيصه عن ابن عبد البرّ بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال: يختصّ بمن لم يقرأ آية الكرسيّ؛ لطرد الشيطان عنه. انتهى، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَلَاثَ عُقَدٍ) منصوب على المفعوليّة لـ "يَعْقِد"، و"الْعُقَد" بضمّ، ففتح جمع عُقْدة، بضمّ، فسكون، قال البيضاويُّ ﵀: التقييد بالثلاث، إما للتأكيد، أو لأن ما تنحلّ به عقده ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأن الشيطان مَنَعَ عن كلّ واحدة منها بعقدة عقدها. انتهى.
(إِذَا نَامَ) ظرف لـ "يعقد"، وفي رواية البخاريّ: "إذا هو نام"، قال في "الفتح": للأكثر، وللحموي والمستملي: "إذا هو نائمٌ"، بوزن فاعل، والأول أصوب، وهو الذي في "الموطّأ". انتهى.
(بِكُلِّ عُقْدَةٍ) متعلّق بـ "يضرب"، وللبخاريّ: "يضرب على مكان كلّ عُقدة"، قال في "الفتح": كذا للمستملي، ولبعضهم بحذف "على"، وللكشميهنيّ بلفظ: "عند مكان". انتهى.
وقوله: (يَضْرِبُ) أي: بيده على العقدة تأكيدًا وإحكامًا لها قائلًا: "عليك ليلًا طويلًا"، وقيل: معنى "يضرب": يَحْجُب الحسّ عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: حجبنا
стр. 9073
الحسّ أن يَلِجَ في آذانهم، فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد ﵁: "ما أحد ينام، إلا ضُرِب على سِمَاخِه بجرير معقود"، أخرجه المخلص في "فوائده"، و"السماخ" -بكسر المهملة، وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين-، وعند سعيد بن منصور بسند جيّد عن ابن عمر ﵄: "ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعًا".
(عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا) هكذا هو في معظم نسخ بلادنا في "صحيح مسلم"، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: "عليك ليلًا طويلًا" بالنصب على الإغراء، ورواه بعضهم: "عليك ليلٌ طويلٌ" بالرفع؛ أي: بقي عليك ليلٌ طويلٌ، قاله النوويُّ ﵀.
ووقع عند البخاريّ في جميع طرقه: "عليك ليلٌ طويلٌ" بالرفع على الابتداء؛ أي: باق عليك، أو بإضمار فعل؛ أي: بَقِيَ.
وقال القرطبيُّ ﵀: روايتنا الصحيحة: "عليك ليلٌ طويلٌ" على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: "عليك ليلًا طويلًا" بالنصب على الإغراء، والرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرُّقَاد بقوله: "فارقُدْ"، وإذا نُصِب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرُّقَاد، وحينئذ يكون قوله: "فارقُدْ" ضائعًا. انتهى (١).
ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام، والإلباس عليه.
قال في "الفتح": ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في النهار كالنوم حالة الإبراد مثلًا.
وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "يضرب على كلّ عُقدة عليك ليل طويلٌ": "على" الأولُ متّصلٌ بـ "يضرب"، والثاني مع ما بعده مفعول للقول المحذوف؛ أي: يُلقي الشيطان على كلّ عقدة يعقدها هذا القول، وهو قوله: "عليك ليلٌ طويلٌ"، قال صاحب "المغرب": يقال: ضرب الشَّبَكةَ على الطائر: ألقاها عليه، و"عليك" إما خبر لقوله: "ليلٌ"؛ أي: ليلٌ طويلٌ باق عليك، أو إغراء؛
стр. 9074
أي: عليك بالنوم أمامك ليلٌ طويلٌ، فالكلام حينئذ جملتان، والثانية مستأنفة، كالتعليل للأولى. انتهى (١).
[تنبيه]: قال القرطبيُّ ﵀: هذا الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عَقد السواحر ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك أنهنّ يأخذن خيطًا، فيعقدن عليه عقدةً منه، ويتكلّمن بالسحر، فيتأثّر المسحور عند ذلك، إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشُبّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم كلّما أراد أن يقوم ليذكر اللَّه تعالى، أو يصلّي غرّه وخَدَعه، بأن يقول له: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُد، فيُريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيُصغي لذلك ويرقُد، ثم إن استيقظ ثانيةً فعل به ذلك، وكذلك ثالثةً، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقد اختُلِفَ في هذه العُقَد، فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يَعْقِد الساحر مَن يسحره، وأكثر من يفعله النساء، تأخذ إحداهنّ الخيط، فتعقد منه عُقدة، وتتكلّم عليه بالسحر، فيتأثّر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤]، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس، أو في غيره؟ الأقرب الثاني؛ إذ ليس لكلّ أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه أن على رأس كل آدمي حبلًا، ففي رواية ابن ماجه، ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "على قافية رأس أحدكم حبل، فيه ثلاث عُقَد"، ولأحمد من طريق الحسن، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا نام أحدكم عُقِد على رأسه بجرير"، ولابن خزيمة، وابن حبّان من حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "ما من ذَكَر، ولا أنثى إلا على رأسه جَرير معقود حين يرقُد. . . " الحديث، وفي "الثواب" لآدم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه.
و"الجرير" بفتح الجيم: هو الحبل، وفَهِمَ بعضهم من هذا أن العُقَدَ
стр. 9075
لازمة، ويردّه التصريح بأنها تنحلّ بالصلاة، فيلزم إعادة عَقْدها، فأبهم فاعله في حديث جابر، وفُسّر في حديث غيره.
وقيل: هو على المجاز كأنه شُبّه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك التصرّف مَن يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم.
وقيل: المراد به عقد القلب، وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة، فيتأخّر عن القيام، وانحلال العُقَد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به.
وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عَقَدت فلانًا عن امرأته؛ أي: منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شدّ عليه شدادًا.
وقال بعضهم: المراد بالعُقَد الثلاث الأكل، والشرب، والنوم؛ لأن من أكثر الأكل والشرب كثُر نومه. واستبعده المحبّ الطبريّ؛ لأن الحديث يقتضي أن العُقَد تقع عند النوم، فهي غيره.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى على البصير أن الصواب حمل الحديث على ظاهره، فعقد الشيطان على قافيته عقد ظاهرٌ، لا مجازٌ، فكما يعقد الساحر الحبل على المسحور، كذلك الشيطان يعقد العقد الثلاث على قافية النائم، فتبصّر واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال القرطبيُّ ﵀: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السَّحَر، فإن اتفق له أن يستيقظ، ويرجع إلى النوم ثلاث مرّات لم تنقَض النومة الثالثة في الغالب إلا وقد ذهب الليل، وطلع الفجر.
وقال البيضاويّ: التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء، الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأنه مُنع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محلّ الوهم، ومجال تصرّفه، وهو أطوع القُوَى للشيطان، وأسرعها إجابة لدعوته (١).
стр. 9076
وفي كلام الشيخ الملويّ: أن العقد يقع على خِزَانة الإلهيات من الحافظة، وهي الكنز المحصّل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به (١). انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى عدم الخوض في مثل هذا؛ إذ لم يأت من الشارع تحقيق ذلك، فليُسلّم له علم حقيقته، ولنكتف بظاهر ما صحّ لدينا، وهو ضرب الشيطان على قافية رأس النائم، ففيه السلامة من القول بلا علم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦]، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
زاد في رواية البخاريّ: "فارقُدْ" أي: نَمْ.
(فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) أي: من نومه (فَذَكَرَ اللَّهَ) قال في "الفتح": لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره، بل كل ما صدق عليه ذكر اللَّه أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبويّ، والاشتغال بالعلم الشرعيّ، وأولى ما يُذكر به ما أخرجه البخاريّ من حديث عُبادة بن الصامت ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد للَّه، وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي -أو دعا- استجيب له، فإن توضأ قُبلت صلاته". انتهى.
(انْحَلَّتْ) أي: انفتحت (عُقْدَةٌ) أي: واحدة من تلك العقد الثلاث، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "انحلّ عُقَده" بلفظ الجمع بلا اختلاف في نسخه، قال في "الفتح": ووقع لبعض رواة "الموطأ" بالإفراد -يعني: كرواية مسلم هنا- قال: ويؤيّده رواية أحمد المشار إليها قبلُ، فإن فيها: "فإن ذكر اللَّه انحلّت عقدة واحدة، وإن قام، فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة"، وكأنه محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعًا، فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكلّ فعل عقدة يحلُّها. انتهى.
(وَإِذَا تَوَضَّأَ) إنما خصّ الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا
стр. 9077
تُحَلُّ عقدته إلا بالاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء، أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ محل بحث، قال الحافظ: والذي يظهر إجزاؤه، ولا شكّ أن في مُعاناة الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم.
(انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ) الأولى بالذكر، والثانية بالوضوء، وقال النوويُّ ﵀: معناه: تمام عقدتين؛ أي: انحلَّت عقدة ثانيةٌ، وتَمّ بها عقدتان، وهو بمعنى قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمام أربعة، ومعناه في يومين آخرين، تمّت الجملة بهما أربعة أيام، ومثله في الحديث الصحيح: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى توضع في القبر فقيراطان"، هذا لفظ إحدى روايات مسلم، ورَوَى البخاريّ ومسلم من طرُق كثيرة بمعناه، والمراد قيراطان بالأول، ومعناه أن بالصلاة يحصل قيراط، وبالاتّباع قيراط آخر، يتم به الجملة قيراطان.
ودليل أن الجملة قيراطان رواية مسلم في "صحيحه": "من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تَبِعها حتى تُدْفَن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد".
وفي رواية للبخاريّ في أول "صحيحه": "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلى عليها، ويُفْرَغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تُدفَن، فإنه يرجع بقيراط"، وهذه الألفاظ كلها من رواية أبي هريرة ﵁.
ومثله في "صحيح مسلم": "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله"، وقد سبق بيانه في موضعه. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١).
(فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ) بصيغة الجمع؛ أي: العُقَد الثلاث، قال في "الفتح": وظاهره أن العُقَد تنحلّ كلّها بالصلاة خاصّةً، وهو كذلك في حقّ من لم يَحتج إلى الطهارة، كمن نام متمكّنًا مثلًا، ثم انتبه، فصلّى من قبل أن
стр. 9078
يذكر اللَّه، أو يتطهّر، فإن الصلاة تجزئه في حلّ الْعُقَد كلّها؛ لأنها تستلزم الطهارة، وتتضمّن الذكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فإذا صلى انحَلَّت عُقَدُهُ كلُّها" إن كان المراد به من لا يحتاج إلى الوضوء فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه، فالمعنى انحلَّت بكلٍّ عقدةٌ، أو انحلت عقده كلُّها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العُقَد.
وفي رواية أحمد: "فإن قام فذكر اللَّه انحلت واحدة، فإن قام فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أُطلقت الثالثة"، وهذا محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعًا، فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استيقاظه، فيكون لكل فعلٍ عقدةٌ يحُلُّها. انتهى.
(فَأَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح، أو صار (نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ) أي: لسروره بما وفّقه اللَّه تعالى له من الطاعة، مع ما يبارك له في نفسه وتصرفه في كل أموره، وبما وَعَده من الثواب، وبما زال عنه من عُقَد الشيطان، قاله النوويُّ ﵀.
قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًّا في طيب النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئًا مما ذُكِر وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦]، وقد استنبط بعضهم منه أن من فعل ذلك مرّةً، ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعَقْد المذكور ثانيًا.
واستثنى بعضهم ممن يقوم، ويذكر، ويتوضأ، ويصلي من لم ينهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يُقلع، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع، وبين الْمُصِرّ. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ.
وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "فأصبح نشيطًا طيّب النفس" مُثّلت حالة من لم يتكاسل، ولم ينم عن وظائفه التي تُسرع به إلى مقام الزُّلْفَى، وتُنشّطه لاكتساب السعادة الْعُظمى، فكلما همّت النفس اللوّامة بالسلوك تداركها التوفيق بالخلاص من نفث الشيطان في عُقَد النفس الأمارة بالسوء، فتُصبح مطمئنّةً نشيطةَ القلب، طيّبة النفس ظاهرًا في سيمائها أثرُ السجود بحالة من أسره العدوّ، وشدّ على قفاه برِبْقة الأسر عُقْدة بعد عقدة استيثاقًا، وهو يتحرّى الخلاص منه بلطائف
стр. 9079
حيله مرّةً بعد أخرى حتى يتخلّص منه بالكلّيّة، ويذهب لسبيله بلا مانع ولا منازع، بخلاف من أطاع الشيطان حتى يتمكّن من النفس الأمارة، يضرب العقد على قافية رأسه، فهل يستويان؟ ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢]. انتهى (١).
وقوله: (وَإِلَّا) ليست أداة استثناء، وإنما هي "إن" الشرطيّة أُدغمت في "لا" النافية؛ أي: وإن لم يفعل ما ذُكر من الذكر، والوضوء، والصلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أي: بتركه ما كان اعتاده، أو أراده من فعل الخير، كذا قيل، وقد تقدم ما فيه، قاله في "الفتح".
وقال النوويُّ ﵀: معناه: لِمَا عليه من عُقَد الشيطان وآثار تثبيطه، واستيلائه، مع أنه لم يزل ذلك عنه. انتهى.
وقال القرطبيُّ: قوله: "أصبح خبيث النفس" أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظّ الأوفر من قيام الليل.
وقوله: "كسلان" أي: متثاقلًا عن الخيرات، فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخفّ عليها صلاةً ولا غيرها من القربات، وربّما يحمله ذلك على تضييع الواجبات. انتهى (٢).
وقوله: (كَسْلَانَ") غير منصرف للوصف، ولزيادة الألف والنون، وهو مذكّر كَسْلَى، وقد وقع لبعض رواة "الموطّأ": "كسلانًا" مصروفًا، وليس بشيء، قاله القرطبيُّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وليس بشيء" فيه نظرٌ؛ لأنه إن صحّ رواية فله وجه صحيح في العربيّة، وذلك أن يُحمل على لغة بني أسد، فإنهم يصرفون كل صفة جاء على فعلان، كسكران، وعطشان، وغضبان؛ لأنهم يؤنّثونه بالتاء، ويستغنون بفعلانة عن فَعْلَى، بخلاف لغة غيرهم من العرب (٤)، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9080
قال في "الفتح": ومقتضى قوله: "وإلا أصبح" أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يَختلف ذلك بالموّة والخفّة، فمن ذكر اللَّه مثلًا كان في ذلك أخفّ ممن لم يذكر أصلًا، وفي حديث أبي سعيد ﵁: "فإن قام فصلى انحلّت العُقَد كلهنّ، وإن استيقظ، ولم يتوضأ، ولم يصلّ أصبحت العقد كلها كهيئتها".
وقال ابن عبد البرُّ ﵀: هذا الذمّ يختصّ بمن لم يَقُم إلى صلاته وضيّعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة، أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه، فنام، فقد ثبت أن اللَّه يكتب له أجر صلاته، ونومُهُ عليه صدقة.
وقال أيضًا: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله ﷺ : "لا يقولنّ أحدكم خبُثت نفسي"، وليس كذلك؛ لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمًّا لفعله، ولكلّ من الحديثين وجه.
وقال الباجيّ: ليس بين الحديثين اختلاف؛ لأنه نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس؛ لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووَصَفَ بعضَ الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا.
قال الحافظ ﵀: تقرير الإشكال أنه ﷺ نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نُهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وَصَفَ ﷺ هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الفضل العراقيُّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" أن السرّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرةُ إلى حلّ عُقَد الشيطان، وبناه على أن الحلّ لا يتمّ إلا بتمام الصلاة، وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة، ثم أفسدها لم يساو من أتمّها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حلّ العقد يحصل بالشروع في العبادة، وينتهي بانتهائها.
стр. 9081
وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله ﷺ ، وهو منزّه عن عَقْد الشيطان، حتى ولو لم يَرِد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يُحْمَل فعله على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان.
وقد وقع عند ابن خزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ في آخر الحديث: "فحُلُّوا عقد الشيطان ولو بركعتين"، قاله في "الفتح"، وهو بحث نفيس جدًّا.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: ادَّعَى ابن العربيّ أن البخاريّ أومأ هنا إلى وجوب صلاة الليل لقوله: "يعقد الشيطان"، وفيه نظرٌ، فقد صرَّح البخاريّ في خامس ترجمة من أبواب التهجد بخلافه، حيث قال: "من غير إيجاب"، وأيضًا فما تقدم تقريره من أنه حَمَل الصلاة هنا على المكتوبة يدفع ما قاله ابن العربي أيضًا.
قال الحافظ ﵀: ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين، قال ابن عبد البرّ: شَذّ بعض التابعين، فأوجب قيام الليل، ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه، ونقله غيره عن الحسن وابن سيرين، والذي وجدناه عن الحسن ما أخرجه محمد بن نصر وغيره عنه أنه قيل له: ما تقول في رجل استظهر القرآن كله لا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: لعن اللَّه هذا إنما يتوسد القرآن، فقيل له: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قال: نعم، ولو قدر خمسين آية، وكأن هذا هو مستند مَن نقل عن الحسن الوجوب.
ونقل الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه أنه قال: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن، وهذا يخصص نُقِل عن الحسن، وهو أقرب، وليس فيه تصريح بالوجوب أيضًا. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
стр. 9082
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٨١٩] (٧٧٦)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٤٢) و"بدء الخلق" (٣٢٦٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٠٦)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٠٧) و"الكبرى" (١٣٠١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢١٥ و ٢٢١٦ و ٢٢١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٥ و ١٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الترغيب في قيام الليل.
٢ - (ومنها): بيان تسلط الشيطان على الإنسان، وحرصه على أن لا يتقرّب إلى ربّه، فيصدّه عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة.
٣ - (ومنها): الحثّ على ذكر اللَّه تعالى عند الاستيقاظ، وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة في الصحيح، ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل.
٤ - (ومنها): التحريض على الوضوء حينئذ، وعلى الصلاة، وإن قَلّت.
٥ - (ومنها): بيان فضل ذكر اللَّه تعالى، والوضوء، والصلاة، حيث تنحلّ بها العُقَد التي يعقدها الشيطان على رأس الإنسان.
٦ - (ومنها): بيان أن من اجتهد، ودفع عن نفسه مكائد الشيطان، فاز بالنفحات الربانية، فأصبح طيّب النفس، نشيطًا، ومن تقاعس عن ذلك، ولم يجتهد، فقد وافق مراد الشيطان، وابتعد عن تلك النفحات، فأصبح خبيث النفس، كسلان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9083
(٣١) - (بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٠] (٧٧٧) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام حجة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه ﵄، مات ﵁ سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
стр. 9084
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) قال القرطبيّ ﵀: "مِنْ" للتبعيض، والمراد النوافل بدليل حديث جابر ﵁ التالي: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته".
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم، قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة، لإخفائها، وللحديث الآخر: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
قال النووي: الصواب أن المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حمله على الفريضة. انتهى.
قال الحافظ بعد نقل كلام عياض ما نصه: وهذا، وإن كان محتمِلًا، لكن الأول هو الراجح.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما صوّبه النوويّ ﵀ هو الحقّ عندي، وكونه محتملًا للفريضة كما قال الحافظ بعيد، وكيف يَحْتَمِل، مع حديث: "فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"؟، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ ﵀: وإنما حثّ على النافلة في البيت، لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرّك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر، وهو معنى قوله ﷺ في حديث جابر ﵁ بعده: "فإن اللَّه جاعل في بيته من صلاته خيرًا".
(وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا") أي: لا تصيّروها كالقبور التي ليست فيها صلاة، وقال السنديُّ ﵀: أي: كالقبور في الخلوّ عن ذكر اللَّه، والصلاة، أو لا
стр. 9085
تكونوا كالأموات في الغفلة عن ذكر اللَّه تعالى، والصلاة، فتكون البيوت لكم قبورًا، مساكن للأموات. انتهى.
[تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريُّ ﵀ في "صحيحه" بهذا الحديث على كراهية الصلاة في المقابر، فقال: "باب كراهية الصلاة في المقابر"، فاعتَرَض عليه الإسماعيليّ بأن الحديث دالّ على كراهة الصلاة في القبر، لا في المقابر.
ورُدّ عليه بأنه قد ورد الحديث بلفظ "المقابر" كما رواه مسلم الآتي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر".
وقال ابن التين: تأوّله البخاريّ على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت؛ إذ الموتى لا يصلّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم، وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.
قال الحافظ ﵀: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق، فمسلّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا، فلا، فقد قدّمنا وجه استنباطه.
وقال في "النهاية"، تبعًا لـ "المطالع": إن تأويل البخاريّ مرجوح، والأولى قول من قال: معناه إن الميت لا يصلي في قبره.
وقد نقل ابن المنذر ﵀ عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغويّ في "شرح السنّة"، والخطابيّ، وقال أيضًا: يَحْتَمِل أن المراد: لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلّون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي.
وقال التوربستيّ: حاصل ما يَحْتَمِله أربعة معان، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنّ مَن لم يصلّ في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر.
قال الحافظ: ويؤيده ما رواه مسلم: "مثلُ البيت الذي يُذكرُ اللَّهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه، كمثل الحيّ والميت".
قال الخطابيّ: وأما مَن تأوّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دُفن رسول اللَّه ﷺ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته.
стр. 9086
قال الحافظ ﵀: ما ادَّعَى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيّما إن جُعل النهي حكمًا منفصلًا عن الأمر، وما استَدَلّ به على ردّه تَعَقّبه الكرمانيّ، فقال: لعلّ ذلك من خصائصه ﷺ ، وقد رُوي أن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون.
قال الحافظ: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄، عن أبي بكر ﵁ مرفوعًا: "ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض"، وفي إسناده حسين بن عبد اللَّه الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طُرُقٌ أخرى، مرسلة، ذكرها البيهقيّ في "الدلائل"، ورَوَى الترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ في "الكبرى" من طريق سالم بن عُبيد الأشجعيّ الصحابيّ ﵁، عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له: "فأين يُدفن رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: في المكان الذي قَبَض اللَّه فيه روحَهُ، فإنه لم يَقبض روحَه إلا في مكان طيّب". وإسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود.
وإذا حُمِل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متّجِهٌ؛ لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر"، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حققه الحافظ ﵀ بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وحاصله أن استدلال البخاريّ ﵀ بالحديث على النهي عن الصلاة في المقابر صحيحٌ، وكذا استدلال من استدلّ به على النهي عن الدفن في البيوت واضح؛ لقوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر"، فإنه ظاهر في ذلك، ولأنه إذا دُفن في البيوت مع أمره ﷺ بالصلاة في البيوت فلا بُدّ أن تكون الصلاة فيه واقعة عند القبر، وهو ممنوع، وأما دفنه ﷺ في بيته، فإنه خاصّ بالأنبياء ﵈ وبهذا يُجمَع بين الأحاديث، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9087
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٠ و ١٨٢١] (٧٧٧)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٢) و"التهجّد" (١١٨٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٤٣ و ١٤٤٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٥١ و ٣٢٧٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٥٩٨) و"الكبرى" (١٢٩٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٥٩ و ٣٠٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٦٩ و ١٧٧٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الصلاة في البيوت.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة في القبور، كما سبق احتجاج البخاريّ ﵀ به، وكذا استدلّ به ابن المنذر، والخطّابيّ، وغيرهما، كما قاله ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" (١)، بل نقل ابن المنذر ﵀ عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغويّ في "شرح السنّة" (٢).
٣ - (ومنها): بيان عدم مشروعيّة الدفن في البيوت، على ما سبق وجهه، وقد عرفت ما فيه من الكلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا").
стр. 9088
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيَانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٢] (٧٧٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (جَابِرُ) بن عبد اللَّه ﵄، تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد صيغة أدائهما.
стр. 9089
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى الأعمش، وأبو سفيان واسطيّ، ثم مكيّ، وجابر ﵁ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَضَى) أي: أدّى (أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ) أي: المكتوبة (فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا) أي: حظًّا (مِنْ صَلَاِتِهِ) أي: النافلة (فَإِنَّ اللَّهَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن اللَّه (جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ) قال القرطبي ﵀: الضمير فيه عائد على المصلّي الذي تضمّنه الكلام المتقدّم، وقوله: (مِنْ صَلَاتِهِ) "من" هنا سببيّة؛ بمعنى: "من أجل" (خَيْرًا") التنوين فيه للتعظيم؛ أي: خيرًا عظيمًا، قال القرطبيّ ﵀: والخير الذي يُجعل في البيت بسبب التنفّل هو عمارته بذكر اللَّه تعالى، وبطاعته، وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصُل لأهله من الثواب والبركة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٢] (٧٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٩٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده"
стр. 9090
(٣٠٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٩)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٥٩)، وابن ماجه في "سننه" (١٣٧٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٩) من طريق سفيان وزائدة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، وعن جابر، عن أبي سعيد الخدريّ، فجعله من مسند أبي سعيد ﵁.
والظاهر أن الأرجح رواية أبي معاوية، عن الأعمش أنه من مسند جابر ﵁، كما هو رأي المصنّف ﵀، حيث اقتصر على إخراجها، ولم يذكر الاختلاف في السند على عادته، وذلك لأمرين:
[أحدهما]: أن أبا معاوية أحفظ مَن روى حديث الأعمش، فيقدّم على غيره.
[الثاني]: أنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد اللَّه بن نُمير، عن الأعمش عند أحمد في "مسنده" (٣/ ٣١٦) وأبو خالد الأحمر، وعبدة بن سليمان، كلاهما عن الأعمش عند ابن خزيمة في "صحيحه" (١٢٠٦).
والحاصل أن رواية المصنّف ﵀ هي الراجحة، فتنبّه.
على أنه يُمكن أن يكون الحديث صحيحًا بالطريقين؛ لأن الرواية الثانية راويها سفيان الثوريّ، وهو مقدّم في شيوخه، كما هو مشهور، وتابعه عليه زائد بن قُدامة، وهو ثقةٌ ثبتٌ حجة، فتكون روايته محفوظة أيضًا، فتأمّل.
وأما ما أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٥٩) عن موسى (١)، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي سعيد، فضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، ومخالفته الثقات الأثبات المذكورين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على أداء النوافل في البيت.
٢ - (ومنها): بيان أن المكتوبة لا تصلَّى إلا في المسجد.
стр. 9091
٣ - (ومنها): بيان فضل الصلاة وأنها سبب لحصول الخير والبركة.
٤ - (ومنها): بيان أنه لا ينبغي للمسلم أن يهجر بيته، ويجعله مكانًا للنوم، والأكل والشرب ومباشرة الأهل فقط، بل ينبغي له أن يجعل فيه نوافل العبادات حتى تنزل فيه البركات، فتعمّ من فيه من الأهل والأولاد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٣] (٧٧٩) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد اللَّه بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) ذُكر في السند الماضي.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل بابين.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد اللَّه بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو بُرْدة الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤)، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن
стр. 9092
بينهما، لاتفاقهما في صيغة الأداء، حيث اتّفق كيفيّة تحمّلهما في كونه بالسماع من لفظ الشيخ، فتنبّه.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد اللَّه بن بَرّاد، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ، وأما شيخه محمد بن العلاء، فقد اتّفق الأئمة الستّة بالرواية عنه بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، أمّره عمر، ثم عثمان ﵄، وهو أحد الحكمين بصفّين، وكان من أحسن الناس صوتًا في القرآن، قال له النبيّ ﷺ : "لقد أُوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود ﵇"، متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَثَلُ) أي: صفة (الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ) بالبناء للمفعول (وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ") قال الطيبيّ ﵀ في شرح حديث: "مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثل الحيّ والميت" ما نصّه: شبّه الذاكر بالحيّ الذي تزيّن ظاهره بنور الحياة، وإشراقها فيه، وبالتصرّف التامّ فيما يريد، وباطنه مُنوَّرٌ بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر مُزيَّنٌ ظاهره بنور العمل والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة، فقلبه مستقرّ في حظيرة القدس، وسرّه في مَخْدَع الوصل، وغير الذاكر عاطل ظاهره، وباطلٌ باطنه. انتهى (١).
[تنبيه]: هكذا رواه المصنّف ﵀ بهذا اللفظ، ورواه البخاريّ ﵀ بلفظ: "مَثَلُ الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه، مَثَلُ الحيّ والميت".
قال في "الفتح": هكذا وقع في جميع نسخ البخاريّ، وقد أخرجه مسلم، عن أبي كُريب، وهو محمد بن العلاء، شيخ البخاريّ فيه بسنده المذكور،
стр. 9093
بلفظ: "مثل البيت الذي يُذْكَر اللَّه فيه، والبيت الذي لا يُذْكَر اللَّه فيه، مَثَلُ الحيّ والميت"، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، وابن حبان في "صحيحه" جميعًا عن أبي يعلى، عن أبي كريب، وكذا أخرجه أبو عوانة، عن أحمد بن عبد الحميد، والإسماعيلي أيضًا عن الحسن بن سفيان، عن عبد اللَّه بن بَرّاد، وعن القاسم بن زكريا، عن يوسف بن موسى، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وموسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، والقاسم بن دينار، كلهم عن أبي أسامة، فتوارُدُ هؤلاء على هذا اللفظ يدلّ على أنه هو الذي حَدَّث به بُريد بن عبد اللَّه، شيخ أبي أسامة، وانفراد البخاريّ باللفظ المذكور، دون بقية أصحاب أبي كريب، وأصحاب أبي أسامة يُشعِر بأنه رواه من حفظه، أو تجوز في روايته بالمعنى الذي وقع له، وهو أن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقةً هو الساكن، لا السَّكَن، وأن إطلاق الحيّ والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت، فشُبِّه الذاكر بالحيّ الذي ظاهره مُتَزَيِّنٌ بنور الحياة، وباطنه بنور المعرفة، وغير الذاكر بالميت الذي ظاهره عاطلٌ، وباطنه باطل، وقيل: موقع التشبيه بالحيّ والميت لما في الحيّ من النفع من يواليه، والضرّ من يعاديه، وليس ذلك في الميّت. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٣] (٧٧٩)، و (البخاريّ) في "الدعوات" (٦٤٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل ذكر اللَّه .
стр. 9094
٢ - (ومنها): بيان استحباب ذكر اللَّه تعالى في البيت، وأنه لا ينبغي خلوه منه.
٣ - (ومنها): بيان جواز التمثيل، لإيضاح المسألة.
٤ - (ومنها): بيان فضل البيت الذي يُذكر اللَّه تعالى فيه على البيت الذي لا يُذكر اللَّه تعالى فيه.
٥ - (ومنها): أن طول العمر في الطاعة فضيلة، وإن كان الميت ينتقل إلى خير؛ لأن الحيّ يستلحق به، ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات.
٦ - (ومنها): أن المراد بالذكر الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها، والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحات، وهي: "سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر"، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويُطْلَق ذكر اللَّه أيضًا، ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب إليه، كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة، ثم الذكرُ يقع تارةً باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكرُ بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه من تعظيم اللَّه تعالى، ونفي النقائص عنه ازداد كمالًا، فإن وقع ذلك في عمل صالح من صلاة، أو جهاد، أو غيرهما ازداد كمالًا، فإن صحَّح التوجهَ، وأخلص للَّه تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال.
وقال الفخر الرازيّ: المراد بذكر اللسان: الألفاظُ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكرُ بالقلب: التفكرُ في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي، حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات اللَّه، والذكرُ بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سَمَّى اللَّه الصلاة ذكرًا، فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
ونُقِل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء، فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم
стр. 9095
والرضاء، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٤] (٧٨٠) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ (٣) مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو زيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يعقوب، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.
стр. 9096
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَجْعَلُوا) ولفظ ابن حبّان في "صحيحه": "لا تتخذوا بيوتكم مقابر، صلّوا فيها، فإن الشيطان ليفرّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تُقرأ فيه" (١).
(بُيُوتَكُمْ) بضمّ الموحّدة وكسرها، قاله القاري ﵀ (٢)، وهو: جمع بيت (مَقَابِرَ) أي: خاليةً عن الذكر والطاعة، فتكون كالمقابر، وتكونون كالموتى فيها، أو معناه: لا تدفِنُوا موتاكم فيها، ويدلّ على المعنى الأول قوله: "إن الشيطان يفرّ" -بكسر الفاء- أي: يخرج ويَشْرُد، والجملة مستأنفةٌ كالتعليل، أفاده القاري (٣).
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ) قال النوويّ ﵀: قوله: "ينفر" هكذا ضبطه الجمهور "يَنْفِر"، ورواه بعض رُواة مسلم: "يَفِرّ"، وكلاهما صحيح. انتهى (٤). (مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ") والمعنى: أنه ييأس من إغواء أهله ببركة هذه السورة، أو لما يرى من جدّهم في الدين، واجتهادهم في طلب اليقين (٥).
وقال القاضي البيضاويّ ﵀: قوله: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أي: كالمقابر خاليةً عن الذكر والطاعة، واجعلوا لها نصيبًا من القراءة والصلاة، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه البقرة؛ أي: ييأس من إغواء أهله وتسويلهم، لما يرى من جدّهم في الدين، ورسوخهم في الإسلام، قال ﷺ : "من قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا" (٦). انتهى (٧).
стр. 9097
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "إن الشيطان. . . إلخ" استئناف كالتعليل للنهي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، فلا بدّ من بيان وجه المناسبة بين التعليل والمعلّل، وذلك أن معنى التشبيه: لا تكونوا كالموتى في القبور، عارين عن القراءة والذكر، غير منفِّرين للشيطان، ونحوُهُ في النهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، نهاهم عن أن يموتوا على غير الإسلام، والمراد الأمر بثباتهم على الإسلام بحيث إذا أدركهم الموت أدركهم وهم مسلمون، فكذا هنا المراد أمرهم بقراءة القرآن، والعمل به، والتحرّي في استنباط معانيه، والكشف عن حقائقه، بحيث يصير ذا جِدّ وحظّ وافر من ذلك مراغمةً للشيطان، فقوله: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" كناية عن هذه المعاني. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٤] (٧٨٠)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٨٧٧)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٩٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٤ و ٣٣٧ و ٣٧٨ و ٣٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٠٧ و ٣٩٠٨ و ٣٩٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٩٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على صلاة النوافل في البيوت.
٢ - (ومنها): النهي عن اتّخاذ البيت مهجورًا كالقبر لا يُصلَّى فيه، ولا يُذكر اللَّه فيه.
٣ - (ومنها): الحثّ على قراءة "سورة البقرة" في البيت.
стр. 9098
٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ "سورة البقرة" بلا كراهة، وأما كَراهة من كَرِهَ قول: "سورة البقرة" ونحوها، وقال: إنما يقال: السورة التي تُذكَر فيها البقرة، فرأي باطل، تردّ عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وسبقت المسألة، وسنعيدها قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- في أبواب فضائل القرآن.
٥ - (ومنها): بيان فضيلة "سورة البقرة" حيث إنها تطرد الشيطان، فلا يقرب البيت الذي تُقرأ فيه، وسيأتي مزيد بيان لفضلها في أبواب فضائل القرآن قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ومنها): ما قيل: إنما خصّت "سورة البقرة" بهذه الفضيلة؛ لطولها، وكثرة أسماء اللَّه تعالى، واشتمالها على الأحكام الكثيرة، وبيان الشرائع، والقِصَص، والمواعظ، والوقائع الغريبة، والمعجزات العجيبة، وذكر خاصّة أوليائه، والمصطفَيْنَ من عباده، وفضيحة قبائح الشيطان وكيده، وكشف ما توسّل به إلى التسويل على آدم ﵇ وذرّيّته.
قال بعض العلماء: هي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٥] (٧٨١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَيْرَةً بخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ (٢)، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ، حَتَّى
стр. 9099
ظنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن أبي هِنْد الْفَزَاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيِّب، وإسماعيل بن أبي حكيم، وبكير بن الأشج، وسالم أبي النضر، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن الهاد، ومات قبله، ومالك، وابن المبارك، ويحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعيسى بن يونس، وغندر، وعبد الرزاق، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو بكر بن خلاد الباهليّ: سألت يحيى بن سعد عنه، فقال: كان صالحًا تَعرِفُ وتُنكِر، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، روى عنه يحيى ولم يرفعه كما رفع غيره، وروى عنه مالك كلامًا، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وثّقه ابن المدينيّ، وابن الْبَرْقيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ.
قال البخاريّ عن مكي بن إبراهيم: سمعت منه سنة (١٤٤)، وقال أحمد، عن مكي: سمعت منه سنة (١٤٧) وذكر ابن حبان أنه مات فيها، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة ست أو سبع وأربعين يعني: ومائة، وكذا أخرجه ابن أبي خيثمة، قال: فيما بلغني.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم
стр. 9100
(٧٨١)، وحديث (٩٥٠): "مستريح ومستراح منه. . . "، و (١٥٠٩): "من أعتق رقبة مؤمنةً. . . ".
٤ - (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٥ - (بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٦ - (زيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ الشهير، أبو سعيد، وأبو خارجة، مات ﵁ سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣.
لطائف هذا الإسناد.
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵁.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبد اللَّه بن سعيد، والباقيان بصريان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، كان كاتب الوحي للنبيّ ﷺ ، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁ أنه (قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بالراء، قال النوويّ ﵀: معنى "احتجر حُجْرة" أي: حَوَّط موضعًا من المسجد بحصير؛ ليستره؛ ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مارٌّ، ولا يتهَوَّش بغيره، ويتوفر خشوعه، وفراغ قلبه. انتهى.
وفي رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر التالية: "أن النبيّ ﷺ اتّخذ حجرةً في المسجد من حصير".
стр. 9101
وفي رواية البخاريّ: "اتَّخَذَ حُجْرَةً، قال: حسبت أنه قال من حصير في رمضان. . . ".
قال في "الفتح": قوله: "حُجْرةً" كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن اثحمميهنيّ بالزاي؛ أي: شيئًا حاجزًا؛ يعني: مانعًا بينه وبين الناس.
(حُجَيْرَةً) بضمّ الحاء المهملة: تصغير حُجْرة، قال في "المصباح": "الحُجْرة" أي -بضمّ، فسكون-: البيتُ، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها. انتهى.
(بِخَصَفَةٍ) بفتحات، قال ابن الأثير ﵀: "الْخَصَفَةُ" بالتحريك: واحدة الْخَصَفِ، وهي الْجُلَّةُ التي يُكْنَز فيها التَّمْرُ، وكأنها فَعَلٌ بمعنى مفعول، من الْخَصْفِ، وهو ضمّ الشيء إلى الشيء؛ لأنه منسوجٌ من الْخُوص". انتهى (١).
وقال في "القاموس": "الْخَصَفَةَ" محرَّكةً: الْجُلّةُ تُعْمَل من الْخُوص للتمر، والثوبُ الْغَليظُ جدًّا، والجمع خَصَفٌ وخِصَافٌ، بالكسر (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الْخَصَفَة: حَصِيرٌ يُخْصَفُ؛ أي: يُخاط من السَّعَفِ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ أي: يَخِيطان، والْخَصَفَة: ما يُخْصَفُ، والْحَصِيرُ: ما يُنْسَجُ، وهو على الشك من الراوي، وكان هذا العمل منه ﷺ ، وهذا القول في رمضان، وقد تقدّم في حديث عائشة ﵂. انتهى (٣).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (حَصِيرٍ) وفي نسخة: "أو حصيرة"، قال النوويُّ ﵀: والْخَصَفَةُ والْحَصِير بمعنًى، شَكّ الراوي في المذكورة منهما. انتهى.
وقال في "القاموس": الْحَصِير: الباريّة، وقال في مادّة "بور": الباريّة: الحصير المنسوج. انتهى.
وقال في "المصباح": الحصير: الباريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. انتهى.
стр. 9102
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: من بيته (يُصَلِّي فِيهَا) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه مصلّيًا في تلك الْحُجْرة، وكان ذلك في رمضان، كما سبق بيانه في حديث عائشة ﵂.
واستُشْكِلَ صلاته ﷺ في المسجد؛ لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: "صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وأجيب عنه بأوجه:
[منها]: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ؛ لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد.
[ومنها]: أنه ﷺ كان معتكفًا، إذ ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد.
[ومنها]: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه.
[ومنها]: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبيّ ﷺ منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويظهر لي وجه آخر، وهو أنّ ذلك لبيان الجواز، والنبيّ ﷺ إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقّه، وإن كان في حقّنا أدون، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) زيد ﵁ (فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا هو في النسخ، وأصل التتبع الطلبُ، ومعناه هنا: طلبوا موضعه، واجتمعوا إليه. انتهى. وفي رواية موسى بن عقبة التالية: "حتى اجتمع إليه ناسٌ" (وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً) أي: غير هذه الليلة، وفي رواية موسى بن عقبة التالية: "فصلّى رسول اللَّه ﷺ فيها ليالي"؛ أي: من رمضان، وقد بُيّنت تلك الليالي في حديث عائشة ﵂، المتقدّم، من رواية عروة عنها، ولفظه: "عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، أن رسول اللَّه ﷺ خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل
стр. 9103
المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تُفْرَض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها".
فتبيّن بهذا أن هذه الليلة التي لم يخرُج فيها إليهم رسول اللَّه ﷺ ليست الليلة الثانية، بل هي الرابعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَحَضَرُوا) إلى المسجد (وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ) أي: تأخّر عن الخروج إليهم، فقوله: (قَالَ) زيد (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ) تأكيد لمعنى الإبطاء (فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ) أي: ليعلم بحضورهم، فيخرُج إليهم، وفي حديث عائشة ﵂ عند أحمد: "حتى سمعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة".
(وَحَصَبُوا الْبَابَ) أي: رَمَوهُ بالحصباء، وهي الحصى الصغار؛ حرصًا على خروجه إليهم ليصلّي بهم، وتنبيهًا له؛ لظنهم نسيانه، وهذا ظاهر في كونه ﷺ دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعدما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته؛ ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها.
(فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا) وكان خروجه ﷺ ذلك لصلاة الفجر، كما سبق في حديث عائشة ﵂ المذكور، لا عند رفع أصواتهم، وحصبهم بابه، كما يوهمه ظاهر هذا الرواية، فتنبّه، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: بعد صلاته الصبح، وتشهّده، وقوله: "أما بعدُ"، كما في حديث عائشة ﵂ المذكور ("مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ). قال في "الفتح": كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: "صُنْعكم" بضم الصاد، وسكون النون، قال: وليس المراد به صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم، وسبّحوا به؛ ليخرُج إليهم، وحصب بعضهم الباب؛ لظنّهم أنه نائمٌ (١)، وفي حديث عائشة ﵂: "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم".
стр. 9104
(حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ) أي: قيام الليل، وفي حديث عائشة ﵂: "ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها"، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في "الفتح".
زاد في رواية موسى بن عقبة التالية: "ولو كُتب عليكم ما قمتم به"؛ أي: لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: "ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجِزوا عنها"؛ أي: تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ؛ لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله.
(فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: الزموا أداء النوافل التي لا تستحبّ فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ للاستحباب، وإنما قيّدنا بالنوافل؛ لأن المكتوبة تؤدَّى في المساجد، لا في البيوت، كما بيّنه بالاستثناء في قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ) هذا عامّ في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختصّ بالمسجد، كركعتي تحية المسجد، كما ذكرناه آنفًا.
قال في "الفتح": المراد بالمكتوبة الصلوات الخمس لا ما وجب بعارض كالمنذورة، والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يرد استثناء النساء؛ لثبوت قوله ﷺ : "لا تمنعوهنّ المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ"، أخرجه مسلم (١).
وقال السنديّ ﵀: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده ﷺ ، فإذا كان صلاة رمضان في البيت خيرًا منها في مسجده ﷺ ، فكيف غيرها في مسجد آخر؟ نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث؛ لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن يقال: صار أفضل حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى
стр. 9105
صار أداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر ﵁ بعدما جمع الناس على إمام واحد: "نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون"، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، رواه البخاريُّ ﵀.
والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ") أي: المفروضة، قال النوويّ ﵀: وإنما حثّ على التنفّل في البيت؛ لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، ولتحصل البركة للبيت به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر منه الشيطان، قال في "الفتح": وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله: "في بيته" بيت غيره، ولو أَمِنَ فيه من الرياء. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت ﵁ عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٥ و ١٨٢٦] (٧٨١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٣١) و"الاعتصام" (٧٢٩٠) و"الأدب" (٦١١٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٤٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٥٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٥٩٨)، و"الكبرى" (١٢٩٢ و ١٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٢ و ١٨٣ و ١٨٤ و ١٨٦ و ١٨٧)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٢٥٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٠٣ و ١٢٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢١٠ و ٢٢١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٣ و ١٧٧٤ و ١٧٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده: