وفي رواية البخاريّ: "اتَّخَذَ حُجْرَةً، قال: حسبت أنه قال من حصير في رمضان. . . ".
قال في "الفتح": قوله: "حُجْرةً" كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن اثحمميهنيّ بالزاي؛ أي: شيئًا حاجزًا؛ يعني: مانعًا بينه وبين الناس.
(حُجَيْرَةً) بضمّ الحاء المهملة: تصغير حُجْرة، قال في "المصباح": "الحُجْرة" أي -بضمّ، فسكون-: البيتُ، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها. انتهى.
(بِخَصَفَةٍ) بفتحات، قال ابن الأثير ﵀: "الْخَصَفَةُ" بالتحريك: واحدة الْخَصَفِ، وهي الْجُلَّةُ التي يُكْنَز فيها التَّمْرُ، وكأنها فَعَلٌ بمعنى مفعول، من الْخَصْفِ، وهو ضمّ الشيء إلى الشيء؛ لأنه منسوجٌ من الْخُوص". انتهى (١).
وقال في "القاموس": "الْخَصَفَةَ" محرَّكةً: الْجُلّةُ تُعْمَل من الْخُوص للتمر، والثوبُ الْغَليظُ جدًّا، والجمع خَصَفٌ وخِصَافٌ، بالكسر (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الْخَصَفَة: حَصِيرٌ يُخْصَفُ؛ أي: يُخاط من السَّعَفِ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ أي: يَخِيطان، والْخَصَفَة: ما يُخْصَفُ، والْحَصِيرُ: ما يُنْسَجُ، وهو على الشك من الراوي، وكان هذا العمل منه ﷺ ، وهذا القول في رمضان، وقد تقدّم في حديث عائشة ﵂. انتهى (٣).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (حَصِيرٍ) وفي نسخة: "أو حصيرة"، قال النوويُّ ﵀: والْخَصَفَةُ والْحَصِير بمعنًى، شَكّ الراوي في المذكورة منهما. انتهى.
وقال في "القاموس": الْحَصِير: الباريّة، وقال في مادّة "بور": الباريّة: الحصير المنسوج. انتهى.
وقال في "المصباح": الحصير: الباريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. انتهى.
стр. 9102
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: من بيته (يُصَلِّي فِيهَا) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه مصلّيًا في تلك الْحُجْرة، وكان ذلك في رمضان، كما سبق بيانه في حديث عائشة ﵂.
واستُشْكِلَ صلاته ﷺ في المسجد؛ لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: "صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وأجيب عنه بأوجه:
[منها]: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ؛ لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد.
[ومنها]: أنه ﷺ كان معتكفًا، إذ ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد.
[ومنها]: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه.
[ومنها]: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبيّ ﷺ منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويظهر لي وجه آخر، وهو أنّ ذلك لبيان الجواز، والنبيّ ﷺ إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقّه، وإن كان في حقّنا أدون، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) زيد ﵁ (فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا هو في النسخ، وأصل التتبع الطلبُ، ومعناه هنا: طلبوا موضعه، واجتمعوا إليه. انتهى. وفي رواية موسى بن عقبة التالية: "حتى اجتمع إليه ناسٌ" (وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً) أي: غير هذه الليلة، وفي رواية موسى بن عقبة التالية: "فصلّى رسول اللَّه ﷺ فيها ليالي"؛ أي: من رمضان، وقد بُيّنت تلك الليالي في حديث عائشة ﵂، المتقدّم، من رواية عروة عنها، ولفظه: "عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، أن رسول اللَّه ﷺ خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل
стр. 9103
المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تُفْرَض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها".
فتبيّن بهذا أن هذه الليلة التي لم يخرُج فيها إليهم رسول اللَّه ﷺ ليست الليلة الثانية، بل هي الرابعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَحَضَرُوا) إلى المسجد (وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ) أي: تأخّر عن الخروج إليهم، فقوله: (قَالَ) زيد (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ) تأكيد لمعنى الإبطاء (فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ) أي: ليعلم بحضورهم، فيخرُج إليهم، وفي حديث عائشة ﵂ عند أحمد: "حتى سمعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة".
(وَحَصَبُوا الْبَابَ) أي: رَمَوهُ بالحصباء، وهي الحصى الصغار؛ حرصًا على خروجه إليهم ليصلّي بهم، وتنبيهًا له؛ لظنهم نسيانه، وهذا ظاهر في كونه ﷺ دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعدما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته؛ ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها.
(فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا) وكان خروجه ﷺ ذلك لصلاة الفجر، كما سبق في حديث عائشة ﵂ المذكور، لا عند رفع أصواتهم، وحصبهم بابه، كما يوهمه ظاهر هذا الرواية، فتنبّه، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: بعد صلاته الصبح، وتشهّده، وقوله: "أما بعدُ"، كما في حديث عائشة ﵂ المذكور ("مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ). قال في "الفتح": كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: "صُنْعكم" بضم الصاد، وسكون النون، قال: وليس المراد به صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم، وسبّحوا به؛ ليخرُج إليهم، وحصب بعضهم الباب؛ لظنّهم أنه نائمٌ (١)، وفي حديث عائشة ﵂: "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم".
стр. 9104
(حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ) أي: قيام الليل، وفي حديث عائشة ﵂: "ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها"، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في "الفتح".
زاد في رواية موسى بن عقبة التالية: "ولو كُتب عليكم ما قمتم به"؛ أي: لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: "ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجِزوا عنها"؛ أي: تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ؛ لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله.
(فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: الزموا أداء النوافل التي لا تستحبّ فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ للاستحباب، وإنما قيّدنا بالنوافل؛ لأن المكتوبة تؤدَّى في المساجد، لا في البيوت، كما بيّنه بالاستثناء في قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ) هذا عامّ في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختصّ بالمسجد، كركعتي تحية المسجد، كما ذكرناه آنفًا.
قال في "الفتح": المراد بالمكتوبة الصلوات الخمس لا ما وجب بعارض كالمنذورة، والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يرد استثناء النساء؛ لثبوت قوله ﷺ : "لا تمنعوهنّ المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ"، أخرجه مسلم (١).
وقال السنديّ ﵀: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده ﷺ ، فإذا كان صلاة رمضان في البيت خيرًا منها في مسجده ﷺ ، فكيف غيرها في مسجد آخر؟ نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث؛ لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن يقال: صار أفضل حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى
стр. 9105
صار أداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر ﵁ بعدما جمع الناس على إمام واحد: "نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون"، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، رواه البخاريُّ ﵀.
والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ") أي: المفروضة، قال النوويّ ﵀: وإنما حثّ على التنفّل في البيت؛ لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، ولتحصل البركة للبيت به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر منه الشيطان، قال في "الفتح": وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله: "في بيته" بيت غيره، ولو أَمِنَ فيه من الرياء. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت ﵁ عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٨٢٥ و ١٨٢٦] (٧٨١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٣١) و"الاعتصام" (٧٢٩٠) و"الأدب" (٦١١٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٤٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٥٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٥٩٨)، و"الكبرى" (١٢٩٢ و ١٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٢ و ١٨٣ و ١٨٤ و ١٨٦ و ١٨٧)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٢٥٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٠٣ و ١٢٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢١٠ و ٢٢١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٣ و ١٧٧٤ و ١٧٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 9106
١ - (منها): الحثّ على الصلاة في البيوت، وبيان فضل ذلك، ووجهه أنه ﷺ فَضَّلَ الصلاة في البيت على الصلاة في مسجده، مع أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
٢ - (ومنها): بيان جواز اتّخاذ حجرة ونحوه في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم، ولم يتخذه دائمًا؛ لأن النبيّ ﷺ كان يحتجرها بالليل، يصلي فيها، ويُنَحِّيها في النهار ويبسطها كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ في الباب التالي، ثم ترك ذلك النبيّ ﷺ بالليل والنهار، وعاد إلى الصلاة في البيت.
٣ - (ومنها): مشروعيّة قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛ لأن الخشية الّتي علّل بها النبيّ ﷺ عدم خروجه إليهم أُمنت بعده ﷺ ، ولذا جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيّ بن كعب، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا لا ينافي أفضلية الصلاة في البيت، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن الكبير إذا فعل شيئًا، خلافَ ما اعتاده منه أتباعه يَذْكُر لهم عذره، وحكمه، والحكمة فيه.
٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الزهادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم، ومراعاة مصالحهم، فينبغي لولاة الأمور، وكبار الناس، والمتبوعين في علم وغيره الاقتداء به ﷺ في ذلك.
٦ - (ومنها): ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين.
٧ - (ومنها): جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة.
٨ - (ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلّيتْ جماعةً.
٩ - (ومنها): الإنكار على من يتكلّف ما لم يكلَّف به، فقد أنكر النبيّ ﷺ عليهم صنيعهم هذا حيث تكلّفوا ما لم يأمرهم به من التجمّع في المسجد لصلاة الليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9107
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ، مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: "وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١١٢.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥] (ت ١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى، فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه النسائيّ في "الكبرى" (٢/ ١٢٩١).
قال الحافظ ﵀: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد، لكن لم يرفعه في "الموطأ"، وقد أخرجه من طريقه النسائيّ في "الكبرى" أيضًا (٢/ ١٢٩٢)، ورُوي عنه خارج "الموطأ" مرفوعًا. انتهى (٢).
стр. 9108
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير موسى بن عُقبة.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر هذه ساقها الإمام البخاريُّ ﵀ في "كتاب الاعتصام" من "صحيحه"، فقال:
(٧٢٩٠) حدّثنا إسحاق (١)، أخبرنا عفّان، حدّثنا وهيب، حدّثنا موسى بن عقبة، سمعت أبا النضر يحدّث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبيّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرةً في المسجد من حَصير، فصلى رسول اللَّه ﷺ فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم، فقال: "ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَكَرَاهِيَةِ التَّعَمُّقِ وَالتَّشَدُّدِ فِي الْعِبَادَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٧] (٧٨٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ"، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ).
стр. 9109
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عبيد اللَّه، والأولان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ابن عجلان عبيد اللَّه، عن سعيد، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- جمعه حُصُر، مثل بَرِيد وبُرُد: هو البساط الصغير من
стр. 9110
النبات، وقيل: سَفِيفَة تُصنع من بَرْديّ، وأسَل، ثم تُفْرَش؛ سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، وقيل: الحصير المنسوج، سُمِّي حصيرًا؛ لأنه حُصِرت طاقاته بعضُهَا مع بعض، أفاده في "اللسان".
(وَكَانَ يُحَجِّرُهُ) بتشديد الجيم، من التحجير؛ أي: يتّخذه كالحُجْرَة؛ لئلا يمر عليه مارّ، وليتوفر خشوعه (مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض (فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ) أي: شرعوا وأخذوا (يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ) أي: مقتدين بصلاته ﷺ (وَيَبْسُطُهُ) أي: ذلك الحصير (بِالنَّهَارِ) الباء بمعنى "في"؛ أي: يجعله بساطًا يجلس عليه في النهار (فَثَابُوا) -بالثاء المثلَّثة، ثم موحدة- أي: اجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري: "فثاب إليه ناس"، ووقع عند الخطابيُّ: "آبُوا" أي: رجعوا، وفي روا ية الكشميهني والسرخسي: "فثاروا" -بالمثلثة، والراء- أي: قاموا، قاله في "الفتح".
وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلة من الليالي، وقد تقدّم أنه الليلة الرابعة (فَقَالَ) هذا معطوف على محذوف تبيّنه الروايات الأخرى؛ أي: فلم يخرُج إليهم حتى طلع الفجر، فخرج إليهم، وصلى بهم الفجر، فلما سلّم قال لهم: ("يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) أي: الزَمُوا من الأعمال ما تستطيعون المداومة عليه، فـ "عليكم" اسم فعل بمعنى "الزموا"، و"ما" موصولة مفعول به و"عليكم"، و"تطيقون" صلته، حُذف منه العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والمعنى: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق، وقال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون خاصًّا بصلاة الليل، ويَحْتَمِل أن يكون عامًّا في الأعمال الشرعيّة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: سبب وروده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9111
(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، مضارع مَلّ، يقال: مَلِلْته، ومَلِلتُ منه مَلَلًا، من باب تَعِبَ، وملالةً: سئِمْتُ، وضَجِرْتُ، والفاعل مَلُولٌ، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أمللته الشيءَ، قاله في "المصباح" (١).
وفي الرواية الآتية: "لا يسأم حتى تسأموا"، والمعنى واحد.
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق اللَّه تعالى، فيجب تأويل الحديث، قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِّ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم.
وقيل: معناه لا يملّ إذا مَلِلْتم، قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابيّ وغيره، وأنشدوا فيه شعرًا، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه: لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو كان معناه: ينقطع إذا انقطع خصومه، لم يكن له فضل على غيره. انتهى (٢).
وقال السيوطيّ ﵀ في شرح النسائيّ: الْمَلالُ: استثقال الشيء والنفور عنه بعد محبته، وهو محال على اللَّه تعالى باتفاق، قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أُطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال القرطبيُّ ﵀: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه، وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه، وهذا كله بناء على أن "حتى" على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم.
وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل اللَّه إذا مَلِلْتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى يَشِيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية، وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛
стр. 9112
لأن شَيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف الملال من العابد.
وقال المازريّ ﵀: قيل: "حتى" هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يملّ، وتملّون، فنَفَى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: "حتى" بمعنى "حين"، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية.
وقال ابن حبان في "صحيحه": هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جميع المتشابه. انتهى كلام السيوطيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليس في هذا الحديث إثبات الملل للَّه صريحًا، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن "حتى" هنا بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى: إن اللَّه لا يمل، وأنتم تملون، أو يكون المعنى: لا يمل إذا مللتم.
والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع، ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن اللَّه تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي مَلَلُهُ إلى إعراض اللَّه عنه، فإن من أعرض عن اللَّه أعرض اللَّه عنه، فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثيّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فأوى إلى اللَّه، فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض اللَّه عنه"، متفق عليه.
ثم عطف عَلَى العلّة المذكورة علّةً أخرى، فقال (وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَما دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ") ولأن الأحبّ من الأعمال إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن كان ذلك العمل قليلًا.
قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه: "دُووِمَ عليه"، وكذا هو في معظم النسخ "دُووِم" بواوين، ووقع في بعضها: "دُوِم" بواو واحدة، والصواب الأول. انتهى (٢).
стр. 9113
وقال ابن العربيّ: معنى المحبة من اللَّه تعالى تعلق الإرادة بالثواب؛ أي: أكثر الأعمال ثوابًا أدومها، وإن قل.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ تأويل لمعنى المحبة بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن اللَّه تعالى بمعناها الحقيقيّ اللائق به ، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به ، كسائر صفاته العليّة، من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق، ولا يلزم في ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ، وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بتقليد ذوي الاعتساف، واسلك سبيل السلف، تسلم من الضلال والتَّلَف.
وقال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
وقال ابن الجوزيُّ: إنما أحب العمل الدائم؛ لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرِض بعد الوصول، فهو متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا تتعين عليه.
والثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا ما كمن لازم يومًا كاملًا ثم انقطع. انتهى (١).
زاد في رواية النسائيّ: "ثم ترك مصلّاه ذلك، فما عاد له حتى
стр. 9114
قبضه "؛ يعني: أنه ﷺ ترك الصلاة في المكان الذي اتخذ فيه حجرة؛ خوفأ من حرصهم على ذلك أوّلًا، ثم تركهم له عجزًا آخرًا.
(وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ) أي: لازموه، وداوموا عليه، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته ﷺ ، وخواصه من أزواجه، وقرابته، ونحوهم، كما تدلّ عليه الرواية الاتية عن القاسم بن محمد، قال: "وكانت عائشة إذا عَمِلت العمل لزمته" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٧ و ١٨٢٨] (٧٨٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٣٠) و"اللباس" (٥٨٦١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٦٨)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٧٦٢) و"الكبرى" (٨٣٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٤٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠ و ٦١ و ٨٤ و ٢٤١ و ٢٦٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٦٢ و ٣٠٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٦ و ١٧٧٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز أن يحتجر الإنسان موضعًا في المسجد؛ ليصلي فيه، لكن إذا لم يضرّ بأحد.
٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء بمن كان بينه وبين الإمام حاجز، جدارٌ أو غيره، إذا لم تشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل.
стр. 9115
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه ﷺ من الزهد في الدنيا، والتقلّل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهارًا، ويتخذه حُجْرة ليلًا.
٥ - (ومنها): بيان جواز النافلة في المسجد، وإن البيت أفضل منه.
٦ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في النافلة.
٧ - (ومنها): بيان أن العبادة التي يُداوم عليها الإنسان أفضل، وإن قلّت من العبادة التي لا يداوم عليها، وإن كثُرت.
٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص في تتبع أفعال النبيّ ﷺ ، للاقتداء به.
٩ - (ومنها): بيان كمال شفقته ﷺ ، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يُصلِحُهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحًا، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم اللَّه من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية، وقد نَدِمَ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ في آخر حياته لَمّا شقّ عليه القيام بما التزمه من العبادات على تركه قبول رخصة رسول اللَّه ﷺ .
١٠ - (ومنها): بيان فضل أهل بيت النبيّ ﷺ حيث إنهم يعتنون بإثبات أيّ عمل من أعمال الخير بدؤوا به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ").
стр. 9116
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، وهو عمّه (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تعيين السائل عن ذلك (١). (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ") قال في "الفتح": فيه سؤالٌ، وهو أن المسئول عنه أحبّ الأعمال، وظاهره السؤال عن ذات العمل، فلم يتطابقا، ويُمكن أن يقال: إن هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث الماضي في الصلاة، وفي الحجّ، وفي الوالدين حيث أجاب بالصلاة، ثم بالبرّ. . . إلخ، ثم خَتَمَ ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البرّ، ولو كان مفضولًا أحبّ إلى اللَّه تعالى من عمل يكون أعظم أجرًا، لكن ليس فيه مداومة. انتهى (٢).
وهذا الحديث سيأتي للمصنّف ﵀ في "كتاب صفة القيامة والجنّة" مطوّلًا، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "سَدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يُدْخِل الجنةَ أحدًا عمَلُهُ"، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى اللَّه أدومه وإن قلّ" (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9117
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٨] (٧٨٢)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٦٤ و ٦٤٦٥ و ٦٤٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٥ و ١٧٦ و ١٨٠ و ٢٧٣)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٥١٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٧)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٢٩] (٧٨٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
стр. 9118
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد (٦٠) أو بعد (٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٧ - (عَائِشَةُ) ﵂ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال زهير: حدّثنا جرير" وفائدته بيان تصريح زهير بالتحديث بخلاف إسحاق، فلم يصرّح، وَيحتمل أن يكون المراد أن لفظ الحديث لزهير، وأما إسحاق فرواه بمعناه، وقد تقدّم هذا في "شرح المقدّمة" مفصّلًا، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه أيضًا، كما مرّ آنفًا، وعائشة ﵂ مدنيّة.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما يُعدّ من أصحّ الأسانيد، كما قاله في "الفتح".
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين، وفيه رواية الراوي عن خاله، فعلقمة خال لإبراهيم.
٧ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس ﵀ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) ﵂، مقتبس من قوله : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقوله: (عَائِشَةَ) بالنصب على البدليّة وقوله: (قَالَ: قُلْتُ) بيان لكيفيّة سؤاله إياها (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ
стр. 9119
عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) أي: من الصلاة، والصوم وغيرهما؟ وقوله: (هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟) بدل من "كيف كان. . . إلخ"؛ يعني: أنه ﷺ هل كان يخصّ بحض الأيام بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره؟ (قَالَتْ) عائشة ﵂: (لَا) أي: ما كان يخصّ بعض الأيام بشيء من العبادة.
قال في "الفتح": وقد استُشكل قولها هذا بما ثبت عنها أن أكثر صيامه كان في شعبان كما سيأتي تقريره في "كتاب الصيام"، وبأنه كان يصوم أيام البيض، كما ثبت في "السنن".
وأجيب بأن مرادها تخصيص عبادة معينة في وقت خاص، وإكثاره الصيام في شعبان إنما كان؛ لأنه كان يعتريه الْوَعْك كثيرًا، وكان يكثر السفر في الغزو، فيفطر بعض الأيام التي كان يريد أن يصومها، فيتفق أن لا يتمكن من قضاء ذلك إلا في شعبان، فيصير صيامه في شعبان بحسب الصورة أكثر من صيامه في غيره، وأما أيام البيض فلم يكن يواظب على صيامها في أيام بعينها، بل كان ربما صام من أول الشهر، وربما صام من وسطه، وربما صام من آخره، ولهذا قال أنس ﵁: ما كنت تشاء أن تراه صائمًا من النهار إلا رأيته، ولا قائمًا من الليل إلا رأيته. انتهى (١).
(كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً) -بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية- أي: دائمًا، والدِّيمة في الأصل: المطر المستمرُّ مع سكون، بلا رَعْد ولا بَرْق، ثم استُعْمِل في غيره، وأصلها الواو، فقُلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها.
(وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ) وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الصوم": "يُطيق" في الموضعين (مَا) موصولة مفعول "يستطيع" (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟) هكذا في النسخ بحذف العائد، وهو جائزٌ، كما نبّهت عليه قريبًا، وفي بعض النسخ: "ما كان يستطيع رسول اللَّه ﷺ "؛ أي: الذي يستطيعه ﷺ ، من العبادة كميّةً كانت، أو كيفيةً، من خشوع، وخضوع، وإخبات، وإخلاص.
[تنبيه]: أخرج المصنّف ﵀ في "كتاب الصيام" ما يعارض حديث عائشة ﵂ هذا من حديث عائشة ﵂ نفسِها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما
стр. 9120
أخرجه من طريق أبي سلمة، ومن طريق عبد اللَّه بن شقيق جميعًا، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن صيام رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: "كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر"، وأخرج نحوه البخاريّ من حديث ابن عباس ﵂، ومن حديث أنس ﵁.
ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: "كان عمله ديمة" معناه: أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم، ثم من الفطر كان مُستدامًا مستمِرًّا، وبأنه ﷺ كان يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل، فيقضيها على التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة ﵂: "كان عمله ديمة" مُنَزَّلٌ على التوظيف، وقولها: "كان يصوم حتى نقول: قد صام. . . إلخ" مُنَزَّل على الحال الثاني.
وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلًا ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يومًا بعينه كالخميس مثلًا داوم على صومه (١)، والجمع الأول أوضح، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال ابن التين ﵀: استَدَلَّ بعضهم بحديث عائشة هذا على كراهة تحري صيام يوم من الأسبوع.
وأجاب الزين ابن الْمُنَيِّر بأن السائل في حديث عائشة ﵂ إنما سأل عن تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أيامًا، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام، فإنما خُصِّص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام، كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، وجميع ما عُيّن لمعنى خاصّ، وإنما سأل عن تخصيص يوم؛ لكونه مثلًا يوم السبت.
قال الحافظ ﵀: ويُشْكِل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس، فقد وردت فيهما أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة ﵂، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان من طريق رَبِيعة الْجُرَشيّ عنها، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس"، وحديث أسامة ﵁: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته،
стр. 9121
فقال: إن الأعمال تُعْرَض يوم الاثنين والخميس، فأُحِبّ أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم"، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة.
ويُجاب عن هذا الإشكال أن يقال: لعلّ المراد بالأيام المسئول عنها الأيامُ الثلاثةُ من كل شهر، فكأن السائل لَمّا سمع أنه ﷺ كان يصوم ثلاثة أيّام، ورَغَّب في أنها تكون أيام البيض، سأل عائشة ﵂، هل كان يخصها بالبيض؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، تعني لو جعلها البيض لتعينت، وداوم عليها؛ لأنه كان يحب أن يكون عمله دائمًا، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها، فكان لا يبالي من أيّ الشهر صامها، فقد رَوَى مسلم من حديث عائشة ﵂ أنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أيّ الشهر صام. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جمع الحافظ ﵀، وأحسن منه ما جمع به القرطبيُّ ﵀، حيث قال: جواب عائشة ﵂ هذا بقولها: "لا" محمول على غير الصيام؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ أنه كان يخصّ الاثنين والخميس بالصيام، فتعيّن صرف حمله إلى غير ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي جمع به القرطبيّ ﵀ جمع حسنٌ جدًّا، وحاصله أن جواب عائشة ﵂ سؤال علقمة هل كان النبيّ ﷺ يخصّ شيئًا من الأيام؟ بقولها: "لا، كان عمله ديمة" محمول على غير الصوم؛ لأنه ﷺ كان يخصّ بعض الأيام بصوم، كيومي الاثنين والخميس.
ثم وجدت ما يوضّح هذا الجمع، فقد أخرج الحديث أبو عوانة في "مسنده" من طريق أبي النضر، عن شعبة، ولفظه: "سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: كانت صلاته ديمة"، فتبيّن بهذا أن السؤال ليس عن عموم أعماله ﷺ ، بل كان عن صلاته فقط، فزال الإشكال من أصله -وللَّه الحمد- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9122
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٩ و ١٨٣٠] (٧٨٣)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٧) و"الرقاق" (٦٤٦٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٧٠) و (النسائيّ) في "الرقائق" من "الكبرى" (١)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣٠٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣ و ٥٥ و ١٧٤ و ١٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٢ و ٣٦٤٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل العمل الدائم من قيام الليل وغيره.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من كثرة الاجتهاد في الوفاء بما التزمه من العبادة، قال القرطبي ﵀: هذا يدلّ على شدّة ما كان النبيّ ﷺ فيه من كثرة التكاليف والاجتهاد في الوفاء بها، وذلك أنه ﷺ كُلّف بتكاليف خاصّةً به، كما خُصّ به من الواجبات زيادةً على ما ساوى فيه جميع المكلّفين، ثم إنه قد كُلّف مراعاة مصالح أهل بيته، ومصالح الخلق كلّهم خاصّةً وعامّةً الدينيّة والدنيويّة، هذا بالنظر إلى ظاهر أمره، وأما بالنظر إلى خواصّ باطنه مما لا يُدْرَكُ، ولا يمكن وصفه، وغاية العبارة عنه قوله: "إني أعلمكم باللَّه، وأشدّكم له خشيةً"، متّفقٌ عليه، ولذلك كان ﷺ متواصل الأحزان والعبادات والمشقّات، ليست له راحة، وقال في لفظ آخر: "إني أخشاكم للَّه، وأعلمكم به وبحدوده"، رواه أحمد، وقد كان يتفطّر قدماه من القيام، ويُجهد نفسه من الجوع، ويَربِط على بطنه الحجر والحجرين، وكان ينتهي من إجهاد نفسه إلى
стр. 9123
أن يَرِقّ عليه وليّه، ويرحمه الناظر إليه. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإنْ قَلَّ"، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ (٢) لَزِمَتْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمَير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ سيئ الحفظ [٤] (ت ١٤١) (خت م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٥.
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥، وشرح الحديث تقدّم في الأحاديث السابقة، وكذا بيان مسائله.
وقوله: (قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير القاسم.
وقوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ) وفي نسخة: "إذا عملت عملًا لزمته"، وهو بمعنى قولها الماضي: "وكان آل محمد ﷺ إذا عَمِلُوا عملًا أثبتوه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣١] (٧٨٤) - (وَحَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ (ح)
стр. 9124
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُود بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: لِزَيْنَبَ، تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ، أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: "حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فَتَرَ قَعَدَ"، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: "فَلْيَقْعُدْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقِسَم الأسديّ مولاهم، المعروف بابن عليّة، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (١١٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن له فيه شيخين، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة تحمّله عنهما، حيث أخذه عن أبي بكر مع جماعة، وعن زهير وحده، وأيضًا اختلفا في شيخهما، فأبو بكر قال: حدثنا ابن عُليّة، وزهير قال: حدّثنا إسماعيل، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكان من المعمّرين، وقد
стр. 9125
تشرّف بخدمة النبيّ ﷺ عشر سنين، ونال دعوته المباركة، كما تقدّم غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيتَيْنِ) هكذا بالتنكير في رواية المصنّف، وفي رواية البخاريّ: "بين الساريتين" بالتعريف؛ أي: اللتين في جانب المسجد، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب، والجملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية النسائيّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا، بَيْنَ سَارِيتَيْن".
(فَقَالَ) ﷺ ("مَا هَذَا؟ ") وفي رواية البخاريّ: "ما هذا الحبل؟ "؛ أي: ما فائدة مدّه بين الساريتين؟ (قَالُوا: لِزَيْنَبَ) قال الحافظ ﵀ في "الفتح": جزم كثير من الشرّاح، تبعًا للخطيب في "مبهماته" بأنها بنت جحش، أم المؤمنين ﵂، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحًا، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكنّي لم أر في "مسنده"، و"مصنّفه" زيادة على قوله: "قالوا: لزينب"، أخرجه عن إسماعيل ابن عُليّة، عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم عنه، وأبو نُعيم في "المستخرج" من طريقه، وكذلك رواه أحمد في "مسنده" عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود عن شيخين له، عن إسماعيل، فقال عن أحدهما: "زينب"، ولم يَنسُبها، وقال عن آخر: "حَمْنَة بنت جحش"، فهذا قرينة في كون زينب هي بنت جحش.
ورَوَى أحمد من طريق حماد، عن حُميد، عن أنس ﵁ أنها حمنة بنت جحش أيضًا، فلعلّ نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإحداهما، والأخرى المتعلّقة به، وقد تقدّم في "كتاب الحيض" أن بنات جحش كانت كل واحدة منهنّ تُدعَى زينب، فيما قيل، فعلى هذا فالحبل لحمنة، وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر.
ووقع في "صحيح" ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز: "قالوا: لميمونة بنت الحارث"، وهي رواية شاذّة، وقيل: يَحْتَمِل تعدد القصّة، ووهِمَ
стр. 9126
من فسّرها بجويرية بنت الحارث، فإن لتلك قصة أخرى. انتهى (١).
(تُصَلِّي) أي: صلاة الليل قائمةً (فَإِذَا كَسِلَتْ) بكسر السين، قال في "القاموس": الْكَسَلُ محرَّكةً: التثاقُلُ عن الشيء، والفُتُورُ فيه، كَسِلَ كَفَرِحَ، فهو كَسِلٌ، وكَسْلَانٌ، جمعه كِسَالَى مثلّثة الكاف، وكَسَالِي بكسر اللام، وكَسْلَى، كقَتْلَى، وهي كَسِلَةٌ، وكَسْلانَةٌ، وكَسُولٌ، ومِكْسَالٌ. انتهى (٢).
وقوله: (أَوْ فَتَرَتْ) "أو" هنا للشكّ من الراوي، و"فَتَرَت" بفتح الفاء، والتاء الفوقانيّة، يقال: فَتَرَ عن العمل، من باب قعد: انكسرت حِدّته، ولان بعد شِدّته، ومنه فَتَرَ الحرُّ: إذا انكسر فترةً، وفُتُورًا، قاله في "المصباح" (٣).
وقال في "القاموس": فَتَرَ يفتُر -أي: بضمّ التاء- ويَفْتِرُ -أي بكسرها- فُتُورًا وفُتَارًا: سَكَنَ بعد حِدّة، ولان بعد شدّة. انتهى (٤)، فأفاد أنه من بابي قعد، وضرب.
والمعنى هنا: أنها إذا كَسِلت عن القيام للصلاة (أَمْسَكَتْ بِهِ) أي: تعلّقتْ به، قال في "اللسان": مَسَكَ بالشيء، وأمسك به، وتَمَسَّك، وتماسك، واستمسك، ومَسَّكَ: كله احتَبَسَ، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، قال خالد بن زُهَير [من الطويل]:
فَكُنْ مَعْقِلًا فِي قَوْمِكَ ابْنَ خُوَيْلِدٍ … وَمَسِّكْ بِأَسْبَابٍ أَضَاعَ رُعَاتُهَا
قال في "التهذيب" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ بسكون الميم، وسائر الْقُرّاء يُمَسِّكون بالتشديد، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإن أبا عمرو، وابن عامر، ويعقوب الحضرميّ، قرأوا: (وَلَا تمسِّكُوْا) بتشديدها، وخففها الباقون، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: أي: يؤمنون به، ويَحْكُمون بما فيه، وقال الجوهريّ: أمسكتُ بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت: كلُّه بمعنى اعتصمت، وكذلك مَسَّكتُ به تمسيكًا، وقُرِئ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ
стр. 9127
الْكَوَافِرِ﴾، وفي التنزيل: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: "تعلّقت به".
(فَقَالَ) ﷺ ("حُلُّوهُ) -بضم الحاء- أمرٌ من حَلَّ العُقْدَةَ يحُلُّها، من باب قتل: نَقَضَها، وزاد في رواية البخاريّ لفظة "لا" قبله، ولفظه: "لا، حُلُّوه"، قال في "الفتح": يَحْتَمِل النفي؛ أي: لا يكون هذا الحبل، أو لا يُحْمَد، ويَحْتَمِل النهي؛ أي: لا تفعلوه. انتهى (٢).
(لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ) -بفتح النون-؛ أي: مدّة نشاطه (فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فتَرَ قَعَدَ") بصيغة الماضي، وهو خبر بمعنى الأمر (وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: "فَلْيَقْعُدْ") يعني: أن رواية "قَعَد" بصيغة الماضي لفظ شيخه أبي بكر، وأما شيخه زُهير، فرواه بلفظ: "فليقعد" بصيغة الأمر، وهذا الأمر يَحْتَمِل أن يكون أمرًا بالقعود عن القيام، فيُستدلّ به على جواز افتتاح الصلاة قائمًا، والقعود في أثنائها، وفيه اختلاف بين العلماء، والصحيح جوازه، ويَحْتَمِل أن يكون أمرًا بالقعود عن الصلاة؛ أي: بترك ما كان عَزَم عليه من التنفّل، ويمكن أن يستدلّ به على قطع النافلة بعد الدخول فيها (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في "الفتح": يُستدلّ به على قطع النافلة، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فالأولى أن يُحْمَل على تخفيف الصلاة، والانتهاء منها بالسلام، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٣١ و ١٨٣٢] (٧٨٤)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٥٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٢)، و (النسائيّ) في "قيام
стр. 9128
الليل" (١٦٤٣) و"الكبرى" (١٣٠٦ و ١٣٠٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٨٠ و ١١٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٨٠ و ١٧٨١)، واللَّه أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمّق فيها.
٢ - (ومنها): الأمر بالإقبال على العبادة بنشاط، وأنه إذا فَتَر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور.
٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد واللسان من تمكن من ذلك.
٤ - (ومنها): جواز التنفّل للنساء في المسجد من غير كراهة، فإنها كانت تصلي النافلة فيه، فلم يُنكِر النبيّ ﷺ عليها ذلك، وإنما أنكر عليها التكلُّف لذلك، وجوازه للرجال يكون من باب أولى.
٥ - (ومنها): كراهة التعلّق بالحبل في الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) (١).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
стр. 9129
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: "بمثله"؛ أي: بمثل حديث إسماعيل ابن عليّة الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صُهيب هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١١٥٠) حدّثنا أبو معمر (١)، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك ﵁، قال: دخل النبي ﷺ ، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فَتَرَت تَعَلَّقَت، فقال النبيّ ﷺ : "لا، حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نَشاطه، فإذا فَتَرَ فليقعد". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٣] (٧٨٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ (٢): هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتى تَسْأَمُوا").
رجال هذا الإسناد:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
стр. 9130
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني مُسلسَلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) بنصب "زوجَ" على البدليّة (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْحَوْلَاءَ) بالحاء المهملة، والمدّ (بِنْتَ تُوَيْتِ) بمثنّاتين مصغّرًا (ابْنِ حَبِيبِ) بفتح الحاء المهملة، مكبّرًا (ابْنِ أَسَدِ) بفتحتين (ابْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) بضم العين المهملة، وتشديد الزاي، مقصورًا، من رهط خديجة أم المؤمنين ﵂.
قال في "الإصابة": الحَوْلاءُ بنت تُوَيت بن حبيب بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصيّ القرشيّة الأسديّة، ذكرها ابن سعد، وقال: أسلمت، وبايعت. انتهى (١).
стр. 9131
وقال في "العمدة": كانت الْحَوْلاء امرأة صالحةً، عابدةً، مهاجرةً ﵂ انتهى (١).
(مَرَّتْ بِهَا) هكذا، في رواية الزهريّ: "مرّت بها"، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه التالية: "قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ"، فظاهره التغاير، فيَحْتَمِل أن تكون المارّة امرأة غيرها من بني أسد أيضًا، أو أن قصتها تعددت، والصواب أن القصة واحدةٌ، ويُبَيِّن ذلك روايةُ محمد بن إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مَرَّت برسول اللَّه ﷺ الحولاء بنت تُويت"، أخرجه محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" له، فَيُحْمَلُ على أنها كانت أوّلًا عند عائشة ﵂، فلما دخل النبيّ ﷺ على عائشة ﵂ قامت المرأة، فلما قامت لتخرج مَرَّت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات، أفاده في "الفتح" (٢).
(وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "مرّت" (فَقُلْتُ) وفي نسخة: "فقالت"؛ أي: بعد أن سألها النبيّ ﷺ عنها، ففي رواية هشام التالية: "فقال: من هذه؟ " (هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُويتٍ، وَزَعَمُوا) تقدّم أنه يُستعمل للقول المحقّق، وإن كان أكثر استعماله فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب (أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ) أي: كلّه، وفي رواية للبخاريّ: "لا تنام بالليل"، ولأحمد عن يحيى القطّان: "لا تنام تصلّي" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ!) هذا قاله النبيّ ﷺ إنكارًا عليها، وكراهة فعلها، وتشديدها على نفسها، يوضّح ذلك ما وقع لمالك في "الموطّأ" في هذا الحديث، ولفظه: "وكَرِه ذلك حتى عُرِفتِ الكراهةُ في وجهه"، قاله النوويُّ ﵀ (٣).
(خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وفي رواية هشام: "قال: عليكم من العمل ما تُطيقون" أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق.
стр. 9132
وقال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل أن يكون هذا خاصًّا بصلاة الليل، ويَحْتَمِل أن يكون عامًّا في الأعمال الشرعية. انتهى.
قال الحافظ ﵀: سبب وروده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
(فَوَاللَّهِ) فيه مشروعيّة الحلف من غير استحلاف، وقد يُستحبّ إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حثّ عليه، أو تنفير من محذور (لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا") بفتح أوله، وثالثه، مضارع سئم، بفتح فكسر، يقال: سَئِمتُه أسأمه مهموزًا، من باب تَعِبَ سَأْمًا، وسآمةً: بمعنى ضَجِرْتُهُ، ومَلِلْتُهُ، ويُعدَّى بالحرف أيضًا، فيقال: سَئِمْتُ منه، وفي التنزيل: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، قاله في "المصباح" (١).
وقد تقدّم معناه في حديث عائشة ﵂ المذكور أول الباب بلفظ: "فإن اللَّه لا يملّ حتى تملّوا"، فإنه بمعناه، وقد استوفيت شرحه هناك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٣٣ و ١٨٣٤] (٧٨٥)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٣) و"التهجّد" (١١٥١)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣١١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٤٢) و"الإيمان" (٥٠٣٧) و"الكبرى" (١٣٠٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٤٢٣٨)، و (أحمد) (٦/ ٤٦ و ٥١ و ١٩٩ و ٢١٢ و ٢٣١ و ٢٤٧ و ٢٦٨)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٤٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٩ و ٢٥٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و ٢٢٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٨٢ و ١٧٨٣)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9133
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمّن الزجر عن التشدّد والغلوّ فيها، قال القرطبي ﵀: وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب؛ لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاقّ منها، فإنه يكون معه التشويش، والانقطاع غالبًا. انتهى (١).
٢ - (ومنها): كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه، ونقل في "الفتح" أن الشافعيّ ﵀ سئل عن قيام جميع الليل؟ فقال: لا أكرهه إلا من خَشِي أن يضُرّ بصلاة الصبح. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه إلى الشافعيُّ ﵀ من عدم كراهته قيام جميع الليل لعله لا يصحّ عنه، كما يرشد إليه ما سيأتي عن النوويّ، وإن صحّ فلا وجه؛ لأنه ﷺ كرهه، وأنكره على هذه المرأة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير، إذا لم يُخش عليه الافتتان، وما ورد من النهي يُحمل على خوف الفتنة.
٤ - (ومنها): استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها.
٥ - (ومنها): أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائمًا، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا.
٦ - (ومنها): أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله ﷺ ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلًا.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويُّ ﵀: في هذا دليلٌ لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين: أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح. انتهى.
стр. 9134
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبيّ ﷺ ذلك على هذه المرأة، فقد تقدّم عن "موطّأ" مالك ﵀ في هذا الحديث زيادةُ: "وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في وجهه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةً، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي، قَالَ: "عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَني أَسَدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (وَعِنْدِي امْرَأَةٌ) جملة في محل نصب على الحال، وتقدّم في الحديث الماضي أنها الْحَولاء بنت تُويت ﵂.
وقولها: (فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "قَالَتْ: فُلَانَةُ"، وهذه اللفظة كناية عن كل عَلَم مؤنث، فلا تنصرف، وزاد عبد الرزّاق، عن معمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنةُ الهيئة"، قاله في "الفتح".
стр. 9135
وقولها: (لَا تَنَامُ، تُصَلِّي) وفي رواية للبخاريّ: "تذكر من صلاتها". قال في "الفتح": بفتح الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يُسمّ فاعله؛ أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة. انتهى.
وقوله: (عَلَيْكُم مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وفي رواية البخاريّ: "قال: مَهْ عليكم بما تُطيقون"، فقَوله: "مَهْ" قال الجوهريّ: هي كلمة مبنيّة على السكون، وهي اسمِ، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَهْتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن وصلتَ نوَّنْتَ، فقلت: مَيما، وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة "ما هذا؟ "، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَهْ، فصيّروا الكلمتين كلمة، وهذا الزجر يَحْتَمِل أن يكون لعائشة ﵂، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل، قاله في "الفتح" (١).
وإنما عبّر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلّب الذكور على الإناث، واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أي: إلى اللَّه تعالى، أو إلى رسوله ﷺ ، قال في "الفتح": في رواية المستملي وحده "إلى اللَّه"، وكذا في رواية عبدة، عن هشام، عند إسحاق ابن راهويه في "مسنده"، وكذا عند البخاريّ ومسلم من طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم، كلاهما عن عائشة ﵂، وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحبّ الدين إليه"؛ أي: إلى رسول اللَّه ﷺ ، وصرح به البخاريّ في "الرقاق" في رواية مالك، عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف، لأن ما كان أحبّ إلى اللَّه تعالى، كان أحبّ إلى رسوله ﷺ . انتهى.
وقولها: (مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) أي: الذي استمرّ عليه، ولم ينقطع عنه، "وإن كان قليلًا، ففي الرواية السابقة من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "وإن أحبّ الأعمال إلى اللَّه ما دُووم عليه، وإن قلّ".
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ. . . إلخ) تقدّم أن هذا السياق ليحيى القطّان، حيث قال المصنّف: "واللفظ له"؛ يعني: أن لفظ المتن لشيخه زهير،
стр. 9136
عن يحيى القطّان، وأما أبو بكر، وأبو كريب، عن أبي أسامة، فروياه بالمعنى، لكن بيّن هنا أن في رواية أبي أُسامة زيادةً، وهي قوله: "وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ"، فإن القطّان رواه بلفظ: "وعندي امرأة"، فليس فيه: "من بني أسد"، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِأَنْ يَرْقُدَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٥] (٧٨٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة الإمام الفقيه المشهور، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
стр. 9137
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة أسانيد فرّق بينها بالتحويل، لاختلاف صيغ أدائهم، كما أوضحته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، ومن عداه كلّهم كوفيّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "إذا نَعَسَ الرجل"، وهو بفتح النون والعين المهملة، من باب منع، كما في "القاموس"، وقال في "المصباح": نَعَسَ، يَنْعُسُ من باب قَتَلَ، والاسم: النُّعَاس، فهو ناعسٌ، والجمع نُعَّس، مثلُ رَاكِعٍ ورُكَّعٍ، والمرأة ناعسةٌ، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسَان ونَعْسَى، حملوه على وسَنان ووَسْنَى.
وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَلُ النعاس، ثم التَّرْنيقُ، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْض، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليَقْظان، ثم العَفْق، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُود، والهُجُوع. انتهى.
(فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "نَعَسَ"، وفي رواية النسائيّ: "وهو في الصلاة"، وعليه فالجملة حاليّة (فَلْيَرْقُدْ) بضم القاف، يقال: رَقَدَ يَرْقُدُ رَقَدًا من باب نصر، ورُقَادًا ورُقُودًا: إذا نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى.
وفي رواية النسائيّ من طريق أيوب، عن هشام: "فلينصرف"، والمراد أنه ينصرف بالتسليم بعد إكمالها.
стр. 9138
وقال الحافظ ﵀: وحمله المهلَّب على ظاهره، فقال بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدلّ على أنه إذا كان النعاس أقلّ من ذلك عُفِي عنه، قال: وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف في ذلك الْمُزَنيّ فقال: ينقض قليله وكثيره، فخرق بذلك الإجماع، كذا قال المهلَّب، وتبعه ابن بطال، وابن التين، وغيرهما وقد تحاملوا على المزنيّ في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر، وغيره عن بعض الصحابة ﵃ والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، قال ابن المنذر: وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ﵁؛ يعني: الذي صححه ابن خزيمة، وغيره، ففيه: "إلا من غائط، أو بول، أو نوم"، فسوّى بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه وقصره لا مباديه.
والذين ذهبوا إلى أن النوم مظنة الحدث اختلفوا على أقوال: التفرقة بين قليله وكثيره، وهو قول الزهريّ، ومالك، وبين المضطجع وغيره، وهو قول الثوريّ، وبين المضطجع والمستند وغيرهما، وهو قول أصحاب الرأي، وبينهما والساجد بشرط قصده النوم وبين غيرهم، وهو قول أبي يوسف، وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقًا، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا، وفَصَّل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض. انتهى (١).
وقد تقدّم البحث عن هذه الأقوال مستوفى في "كتاب الحيض"، مع ترجيح ما ذهب إليه الشافعيُّ في الجديد؛ لقوّة حجته، فراجعه برقم [٨/ ٨٣٩] (٣٧٦) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ) غاية للرقاد؛ أي: يرقُد إلى أن يذهب عنه نومه الذي منعه من الصلاة.
ثم بيّن سبب أمره بالرقاد، وتركه الصلاة بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (لَعَلَّهُ يَذْهَبُ) أي: يقصد، يقال: ذَهَبَ مَذْهَبَ فُلانٍ: أي: قَصَدَ قَصْدَهُ، قاله في "المصباح" (٢)، وقوله: (يَسْتَغْفِرُ)
стр. 9139
جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، قال القاضي عياض ﵀: معنى "يستغفر" يدعو. انتهى. وبدلّ عليه رواية ابن حبّان في "صحيحه" (١) من طريق أيوب، عن هشام بلفظ: "إذا نَعَس الرجل، وهو يصلّي، فلينصرف، لعله يكون يدعو في صلاته، فيدعو على نفسه، وهو لا يدري" (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) بنصب "يسُبّ" على جواب الترجّي، وهو مذهب الكوفيين، ورجحه ابن مالك، حيث قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الرَّجَا نُصِبْ … كَنَصْبِ مَا إِلَى التَّمَنِّي يَنْتَسِبْ
وعليه قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ الآية [غافر: ٣٦، ٣٧] في قراءة من نصب ﴿أَطَّلِعَ﴾، وهو حفص، عن عاصم (٢).
ويجوز رفعه؛ أي: فهو يسبُّ نفسه.
وقال القرطبي ﵀: رويناه برفع الباء من "يسُبُّ" ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على "يذهبُ"، ومن نصب فعلى جواب "لعل"، وكأنه أشربها معنى التمنّي، كما قرأ حفص: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] بنصب العين. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: "فإن أحدكم إذا صلّى، وهو ناعسٌ، لا يدري لعلّه يستغفر، فيسبَّ نفسه".
قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، قاله ابن أبي جمرة (٤).
وقال في "العمدة": فإن قلت: كيف يصح ههنا معنى الترجي؟ قلت: الترجي فيه عائد إلى المصلي، لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر، أم سابّ مترجيًا للاستغفار، فهو بضدّ ذلك، أو استعمل بمعنى التمكن بَيْنَ الاستغفار والسب؛ لأن الترجي بين حصول المرجوّ وعدمه، فمعناه لا يدري:
стр. 9140
أيستغفر، أم يسبّ؟ وهو متمكن منهما على السوية. انتهى (١).
[تنبيه]: [فإن قلت]: قد جاء في حديث ابن عباس ﵄ في نومه في بيت ميمونة ﵂: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني"، ففيه أنه لم يأمره بالنوم.
[قلت]: أجيب عن ذلك بأنه إنما لم يأمره بالنوم؛ لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه، فتركه، وهو ينعس، ولكن كان ينبّهه بفرك أذنه؛ ليكون أثبت له، أفاده في "العمدة" (٢).
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": قال المهلَّب: فيه إشارة إلى العلة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في مثل هذه الحال، فقد انتقض وضوؤه بالإجماع.
كذا قال، وفيه نظرٌ؛ فإن الإشارة إنما هي إلى جواز قطع الصلاة، أو الانصراف إذا سلم منها، وأما النقض فلا يتبين من سياق الحديث؛ لأن جريان ما ذُكِر على اللسان ممكن من الناعس، وهو القائل إن قليل النوم لا ينقض فكيف بالنعاس، وما ادّعاه من الإجماع مُنتقَضٌ، فقد صح عن أبي موسى الأشعريّ، وابن عمر ﵄، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقًا، وفي "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود": "وكان أصحاب النبيّ ﷺ ينتظرون الصلاة مع النبيّ ﷺ فينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون"، فحُمِل على أن ذلك كان، وهم قعود.
لكن في "مسند البزار" بإسناد صحيح في هذا الحديث: "فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة". انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: