عن يحيى القطّان، وأما أبو بكر، وأبو كريب، عن أبي أسامة، فروياه بالمعنى، لكن بيّن هنا أن في رواية أبي أُسامة زيادةً، وهي قوله: "وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ"، فإن القطّان رواه بلفظ: "وعندي امرأة"، فليس فيه: "من بني أسد"، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِأَنْ يَرْقُدَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٥] (٧٨٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة الإمام الفقيه المشهور، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
стр. 9137
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة أسانيد فرّق بينها بالتحويل، لاختلاف صيغ أدائهم، كما أوضحته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، ومن عداه كلّهم كوفيّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "إذا نَعَسَ الرجل"، وهو بفتح النون والعين المهملة، من باب منع، كما في "القاموس"، وقال في "المصباح": نَعَسَ، يَنْعُسُ من باب قَتَلَ، والاسم: النُّعَاس، فهو ناعسٌ، والجمع نُعَّس، مثلُ رَاكِعٍ ورُكَّعٍ، والمرأة ناعسةٌ، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسَان ونَعْسَى، حملوه على وسَنان ووَسْنَى.
وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَلُ النعاس، ثم التَّرْنيقُ، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْض، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليَقْظان، ثم العَفْق، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُود، والهُجُوع. انتهى.
(فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "نَعَسَ"، وفي رواية النسائيّ: "وهو في الصلاة"، وعليه فالجملة حاليّة (فَلْيَرْقُدْ) بضم القاف، يقال: رَقَدَ يَرْقُدُ رَقَدًا من باب نصر، ورُقَادًا ورُقُودًا: إذا نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى.
وفي رواية النسائيّ من طريق أيوب، عن هشام: "فلينصرف"، والمراد أنه ينصرف بالتسليم بعد إكمالها.
стр. 9138
وقال الحافظ ﵀: وحمله المهلَّب على ظاهره، فقال بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدلّ على أنه إذا كان النعاس أقلّ من ذلك عُفِي عنه، قال: وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف في ذلك الْمُزَنيّ فقال: ينقض قليله وكثيره، فخرق بذلك الإجماع، كذا قال المهلَّب، وتبعه ابن بطال، وابن التين، وغيرهما وقد تحاملوا على المزنيّ في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر، وغيره عن بعض الصحابة ﵃ والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، قال ابن المنذر: وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ﵁؛ يعني: الذي صححه ابن خزيمة، وغيره، ففيه: "إلا من غائط، أو بول، أو نوم"، فسوّى بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه وقصره لا مباديه.
والذين ذهبوا إلى أن النوم مظنة الحدث اختلفوا على أقوال: التفرقة بين قليله وكثيره، وهو قول الزهريّ، ومالك، وبين المضطجع وغيره، وهو قول الثوريّ، وبين المضطجع والمستند وغيرهما، وهو قول أصحاب الرأي، وبينهما والساجد بشرط قصده النوم وبين غيرهم، وهو قول أبي يوسف، وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقًا، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا، وفَصَّل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض. انتهى (١).
وقد تقدّم البحث عن هذه الأقوال مستوفى في "كتاب الحيض"، مع ترجيح ما ذهب إليه الشافعيُّ في الجديد؛ لقوّة حجته، فراجعه برقم [٨/ ٨٣٩] (٣٧٦) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ) غاية للرقاد؛ أي: يرقُد إلى أن يذهب عنه نومه الذي منعه من الصلاة.
ثم بيّن سبب أمره بالرقاد، وتركه الصلاة بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (لَعَلَّهُ يَذْهَبُ) أي: يقصد، يقال: ذَهَبَ مَذْهَبَ فُلانٍ: أي: قَصَدَ قَصْدَهُ، قاله في "المصباح" (٢)، وقوله: (يَسْتَغْفِرُ)
стр. 9139
جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، قال القاضي عياض ﵀: معنى "يستغفر" يدعو. انتهى. وبدلّ عليه رواية ابن حبّان في "صحيحه" (١) من طريق أيوب، عن هشام بلفظ: "إذا نَعَس الرجل، وهو يصلّي، فلينصرف، لعله يكون يدعو في صلاته، فيدعو على نفسه، وهو لا يدري" (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) بنصب "يسُبّ" على جواب الترجّي، وهو مذهب الكوفيين، ورجحه ابن مالك، حيث قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الرَّجَا نُصِبْ … كَنَصْبِ مَا إِلَى التَّمَنِّي يَنْتَسِبْ
وعليه قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ الآية [غافر: ٣٦، ٣٧] في قراءة من نصب ﴿أَطَّلِعَ﴾، وهو حفص، عن عاصم (٢).
ويجوز رفعه؛ أي: فهو يسبُّ نفسه.
وقال القرطبي ﵀: رويناه برفع الباء من "يسُبُّ" ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على "يذهبُ"، ومن نصب فعلى جواب "لعل"، وكأنه أشربها معنى التمنّي، كما قرأ حفص: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] بنصب العين. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: "فإن أحدكم إذا صلّى، وهو ناعسٌ، لا يدري لعلّه يستغفر، فيسبَّ نفسه".
قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، قاله ابن أبي جمرة (٤).
وقال في "العمدة": فإن قلت: كيف يصح ههنا معنى الترجي؟ قلت: الترجي فيه عائد إلى المصلي، لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر، أم سابّ مترجيًا للاستغفار، فهو بضدّ ذلك، أو استعمل بمعنى التمكن بَيْنَ الاستغفار والسب؛ لأن الترجي بين حصول المرجوّ وعدمه، فمعناه لا يدري:
стр. 9140
أيستغفر، أم يسبّ؟ وهو متمكن منهما على السوية. انتهى (١).
[تنبيه]: [فإن قلت]: قد جاء في حديث ابن عباس ﵄ في نومه في بيت ميمونة ﵂: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني"، ففيه أنه لم يأمره بالنوم.
[قلت]: أجيب عن ذلك بأنه إنما لم يأمره بالنوم؛ لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه، فتركه، وهو ينعس، ولكن كان ينبّهه بفرك أذنه؛ ليكون أثبت له، أفاده في "العمدة" (٢).
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": قال المهلَّب: فيه إشارة إلى العلة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في مثل هذه الحال، فقد انتقض وضوؤه بالإجماع.
كذا قال، وفيه نظرٌ؛ فإن الإشارة إنما هي إلى جواز قطع الصلاة، أو الانصراف إذا سلم منها، وأما النقض فلا يتبين من سياق الحديث؛ لأن جريان ما ذُكِر على اللسان ممكن من الناعس، وهو القائل إن قليل النوم لا ينقض فكيف بالنعاس، وما ادّعاه من الإجماع مُنتقَضٌ، فقد صح عن أبي موسى الأشعريّ، وابن عمر ﵄، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقًا، وفي "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود": "وكان أصحاب النبيّ ﷺ ينتظرون الصلاة مع النبيّ ﷺ فينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون"، فحُمِل على أن ذلك كان، وهم قعود.
لكن في "مسند البزار" بإسناد صحيح في هذا الحديث: "فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة". انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 9141
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٨٣٥] (٧٨٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٠)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٦٢) و"الكبرى" (١٥٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٧٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١١٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٨٣ و ٢٥٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢١٩ و ٢٢٢٠ و ٢٢٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٨٤ و ١٧٨٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٢٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٦ و ٢٠٢ و ٢٠٥ و ٢٥٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحث على الخشوع وحضور القلب في العبادة، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه، والخشوع إنما يكون بحضور القلب.
٢ - (ومنها): الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه، قال المهلَّب ﵀: إنما هذا في صلاة الليل؛ لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك.
ورُدّ عليه بأن العبرة بعموم اللفظ، فيُعْمَل به أيضًا في الفرائض إن وقع ما أُمنَ بقاءُ الوقت، أفاده في "الفتح" (١).
وقال النوويُّ ﵀: هذا عامّ في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، لكن لا يُخرِج فريضة عن وقتها، قال القاضي عياض: وحمله مالك وجماعةٌ على نفل الليل؛ لأنه محلّ النوم غالبًا. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): بيان عدم انتقاض الوضوء بالنعاس، حيث إن النبيّ ﷺ بيَّنَ سبب الأمر بالانصراف، وهو الدعاء على نفسه، ولو كان النعاس ناقضًا للوضوء لعلَّل الأمر بالنوم به.
٤ - (ومنها): الأخذ بالاحتياط؛ لأنه عَلَّل بأمر مُحْتَمِلٍ.
٥ - (ومنها): أن فيه جواز الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية.
стр. 9142
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيُّ ﵀: الحديث نبّه في آخره على علّة الأمر بالنوم، وهو أنه توقّع منه ما يكون منه من الغلط فيما يقرأ، أو يقول، ولم يجعل علّة ذلك نقض طهارته، فدلّ على أن النوم ليس بحدث على ما تقدّم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٦] (٧٨٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ، فَاستَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِعْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عقبة، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن قوله: "فذكر أحاديث. . . إلخ" إشارة إلى أن هذا الحديث من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
стр. 9143
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا) الإشارة إلى ما تضمّنته صحيفته المشهورة من الحديث (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ) الفاعل ضمير همّام (أَحَادِيثَ، مِنْهَا) أي: من جملة تلك الأحاديث، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم وقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) مبتدأ مؤخّر؛ محكيّ؛ لقصد لفظه ("إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ) أي: في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ أي: بعض الليل.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "إذا قام أحدكم من الليل" يَحْتَمِل وجهين:
[أحدهما]: أن القيام هنا على بابه، والمراد القيام للصلاة، ثم يَحْتَمِل على هذا أن يكون القيام على ظاهره، وإن لم يَشْرَع في الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد به القيام للصلاة مع الدخول فيها، ويدل لذلك قوله في حديث عائشة وأنس ﵄: "إذا نَعَسَ أحدكم في الصلاة".
[ثانيهما]: أن يراد بالقيام من الليل نفس صلاة الليل، فإنه يقال لصلاة الليل: قيام الليل. انتهى (١).
(فَاسْتَعْجَمَ) بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، وقوله: (الْقُرْآنُ) مرفوع على الفاعليّة (عَلَى لِسَانِهِ) متعلّق بـ "استَعْجَمَ"؛ أي: استغلق القرآن، ولم ينطق به لسانه لغلبة النعاس، كأنه صارت به عجمة؛ لاختلاط حروف الناعس، وعدم بيانها، قال في "الصحاح": استَعْجَمَ عليه الكلامُ: استَبْهَمَ، وقال في "المحكم": استَعْجَم الرجلُ: سَكَت، واستَعجمت عليه قراءته: انقطعت، فلم يقدر على القراءة من نعاس، وقال في "المشارق": استَعجم عليه القرآن: لم يُفصح به لسانه، ثم قال: استعجم القرآن على لسانه: أي ثقلت عليه القراءة، كالأعجميّ، وقال في "النهاية": استَعجم القرآن على لسانه: أي أُرْتِجَ عليه (٢)
стр. 9144
فلم يقدر أن يقرأ، كأنه صار به عجمة (١).
وقوله: (فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ) يَحْتَمِل معناه أوجهًا:
[أحدها]: أنه لنعاسه صار لا يَفهم ما ينطق به.
[والثاني]: أنه لا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ الذي نطق به، حتى يأتي به.
[والثالث]: أنه لشدة نعاسه لا يقدر على النطق أصلًا، وهذه مراتب أخفها الأول، وأشدها الأخير، قاله وليّ الدين ﵀ (٢).
(فَلْيَضْطَجِعْ") أي: فلينم، وهذا الأمر بالاضطجاع في هذه الصورة، هل هو على سبيل الاستحباب، أو الإيجاب؛ قال الحافظ العراقيّ ﵀: ظواهر الأحاديث تقتضي وجوب ذلك، فأما من حيث المعنى، فإن كان النعاس خفيفًا بحيث يعلم المصلي الناعس أنه أتى بواجبات الصلاة، فإن صلاته صحيحة، فلا يجب عليه الخروج منها، وإن كان بحيث لا يعلم ما أتى به من الواجبات فصلاته غير صحيحة، فيجب الخروج منها، ثم إن ذهب عنه النوم بأمر آخر غير الاضطجاع من تبرد بماء، أو غير ذلك فلا شك أنه لا يجب ذلك؛ لأنه وسيلة إلى ذهاب النوم، وقد ذهب، فإذا حصل المقصد سقطت الوسائل، وإن لم يذهب ذلك إلا بالاضطجاع وجب عليه؛ لأنه مقدمة للواجب.
وقال القاضي عياض ﵀: إن من اعتراه ذلك في الفريضة، وكان في وقت سعة لزمه أن يفعل مثل ذلك، وينام حتى يتفرغ للصلاة. انتهى، فحمل الأمر في ذلك على الوجوب. انتهى كلام العراقيّ.
قال وليّ الدين ﵀: والظاهر حمل الأمر في ذلك على الاستحباب مطلقًا، وما دام النعاس خفيفًا فلا وجه للوجوب، وإذا اشتد النعاس انقطعت الصلاة؛ لشدته، فلا يحتاج إلى إيجاب القطع؛ لأنه يحصل بغير اختيار المصلي، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بوجوب الاضطجاع، هو الظاهر؛ لظاهر
стр. 9145
الأمر، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٨٣٦] (٧٨٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١١)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٨٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٣٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٤١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على الإقبال على الصلاة بخشوع، وفراغ قلب، ونشاط، وتعقل لما يقرأه، ويدعو به.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن النعاس لا ينقض الوضوء، فإنه لم يعلل قطع صلاة الناعس ببطلان طهارته، وإنما علله بتوقع الغلط منه، والنعاس دون النوم، وحقيقة النوم استرخاء البدن، وزوال الاستشعار، وخفاء الكلام، وليس ذلك في النعاس، وأما قول صاحب "المحكم": إن النعاس النوم، فهو مخالف لكلام أكثر أهل اللغة، وقد صرح الشاعر بأنه دونه في قوله [من الكامل]:
وَسْنَانُ أَثْقَلَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ … فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
وقد قال صاحب "المحكم" بعد ذلك: وقيل: مقاربته، وهذا هو الموافق لكلام غيره، واللَّه أعلم.
٣ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به صاحب "المفهم" على أن النوم ليس بحدث، من حيث إنه لم يجعل ذلك علة نقض طهارته.
وتعقّبه العراقيّ، فقال: وفيه نظر من حيث إنه لا تعرّض في الحديث
стр. 9146
للنوم، وقد يؤدي النعاس إلى النوم، وقد لا يؤدي إليه بأن يستمر المصلي على صفة الناعس حتى يفرغ. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أنه إنما أمره بالاضطجاع؛ لأنه الهيئة المحمودة في النوم، والمعهودة غالبًا، فلو استلقى، أو نام قاعدًا حصل الغرض بذلك.
٥ - (ومنها): أن ظاهر لفظ الحديث اختصاص ذلك بصلاة الليل؛ لأنه قال: "إذا قام أحدكم من الليل"، لكن المعنى يقتضي أن سائر الصلوات في ذلك سواء، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل، والتقييد بالقيام من الليل إنما هو لأن الغالب عليه النعاس في صلاة الليل دون صلاة النهار، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، وقد يقال: إن المعنى يقتضي اختصاص ذلك بصلاة النفل؛ لجواز الخروج من صلاة النفل دون الفرض، حكى القاضي عياض عن ممالك، وجماعة مش العلماء أنهم حملوا الحديث على صلاة الليل؛ لأن الغالب غلبة النوم إنما هي في الليل، وحكى النووي عن مذهب الشافعيّ، والجمهور أنه عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، قاله وليّ الدين ﵀.
٦ - (ومنها): قال وليّ الدين ﵀: محل هذا الأمر ما إذا لم يكن في فريضة قد ضاق وقتها، فإن ضاق الوقت بأن لم يبق منه زمن يسع صلاة الفرض، فليس له الخروج منها، كذا حمله على ذلك القاضي عياض، وقال: إنه يصلي على ما أمكنه، ويجاهد نفسه، ويدافع النوم جهده، ثم إن تحقق أنه أداها وعقلها أجزأته، وإلا أعادها.
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذي": وما ذكره هو الذي يمشي على قواعد مذهبنا كما في مسألة ما إذا قُدِّم الطعام، وقد بقي من الوقت ما يسع قدر الصلاة، وفيه وجه حكاه المتولي، أنه يأكل وإن خرج الوقت، وهو قول أهل الظاهر، وقد يفرق بين البابين بأن الصلاة بحضرة الطعام لا تؤدي إلى حالة الناعس الذي لا يدري ما يقول، وأن من أداه النعاس إلى هذه الحالة لا يستمر في صلاة الفرض، ولا يسرع فيها حتى يكون على حالة يدري أنه أتى بواجبات الصلاة، وقد روى ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناده إلى الضحاك في
стр. 9147
قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، قال: سكر النوم، قال ابن عبد البرّ: ولا أعلم أحدًا قال ذلك غير الضحاك، قال العراقيّ: إلا أن الآية دلت على أن من لا يعلم ما يقول لا يدخل في الصلاة، فمن أداه غلبة النوم إلى ذلك، فهو منهي عن الدخول فيها، ومن إتمامها بعد الشروع حتى يعلم ما يقول". انتهى (١).
٧ - (ومنها): أنه على تقدير أن يُحمل القيام من الليل على نفس الصلاة، فإذا أمر بإبطال الصلاة بعد الشروع فيها عند طروء النعاس، فعدم الدخول أولى بذلك؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
٨ - (ومنها): أنه على تقدير أن يُحمَل القيام من الليل على القيام للصلاة، وإن لم يشرع في الصلاة ففيه منع الناعس من قراءة القرآن، ولو كان في غير صلاة، والمعنى فيه ما يُحذَر من تغييره لكلام اللَّه تعالى، وإن كان في الصلاة قدر زائد، وهو أنه إذا لم يعلم ما قرأ من الواجب لم يؤدّ فرضه (٢).
٩ - (ومنها): أنه عَلَّل الأمر في الرُّقاد في حديث عائشة ﵂ بأنه "لعله يذهب، يستغفر، فيسب نفسه"، وقال في حديث آخر: "حتى يعلم ما يقرأ"، والقدر المشترك بين العلتين خشية التخليط فيما يأتي به من القراءة والدعاء، والأمر في القراءة أشدّ؛ لوجوبها، ولعظم المفسدة في تغيير القرآن.
[فإن قلت]: كيف يؤاخذ العبد بما لا يقصد النطق به من تغيير نظم القرآن أو دعائه على نفسه، وهو ناعس؟.
[أجيب]: من وجهين: أحدهما: أن من عَرَّض نفسه للوقوع في ذلك بعد النهي عنه، فهو متعدّ بالصلاة في هذه الحالة، فجنايته على نفسه، وهذا إذا كان عالمًا بالنهي.
والوجه الثاني: إنا وإن قلنا: إنه غير آثم؛ لعدم قصده، إلا أن المقصود من الصلاة أداؤها على ما أمر به، وتحصيل الدعاء لنفسه؛ لكونه أقرب ما يكون من ربه، وهو ساجد، فإذا فات المقصود بكونه لم يعلم ما أتى به من
стр. 9148
الواجبات، ولم يحصل له إجابة ما قصد أن يدعو به لنفسه، فهو منهي عن تكليف نفسه ما لا فائدة فيه، قاله العراقيّ ﵀.
١٠ - (ومنها): قد يُدَّعَى أن في حديث أبي هريرة ﵁ هذا زيادة على حديث عائشة ﵂ المذكور قبله؛ لأن عدم درايته لما يقول قد يكون لنعاس، وقد يكون لشغل فكر، أو لغير ذلك من الأسباب، لكن الأغلب كونه لنعاس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا، وَجَوَازِ قَوْلِ: أُنْسِيتُهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٧] (٧٨٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا قبل حديث، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ) أي: سمع صوت رجل يقرأ في الليل، وذكر عبد الغني بن سعيد ﵀ في "المبهمات" أن الرجل هو عبد اللَّه بن يزيد الأنصاريّ، فروى من طريق عمرة، عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ سمع صوت قارئ يقرأ، فقال: "صوت من هذا؟ " قالوا: عبد اللَّه بن يزيد، قال: "لقد ذَكَّرني آيةً -يرحمه اللَّه- كنت أنسيتها". انتهى.
(فَقَالَ) ﷺ ("يَرْحَمُهُ اللَّهُ) هذا منه ﷺ دعاء للرجل على تذكيره له الآية
стр. 9149
(لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آيةً؛ لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أَقَرّ أن عليه كذا وكذا درهمًا أنه يلزمه أحد وعشرون درهمًا، وقال الداوديّ: يكون مقرًّا بدرهمين؛ لأنه أقل ما يقع عليه ذلك، قال: فإن قال: له علي كذا درهمًا كان مُقِرًّا بدرهم واحد. انتهى.
(كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا) وفي لفظ البخاريّ: "أسقطتهنّ (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا") وفي الرواية التالية: "كنت أُنسيتها"، وهي مفسِّرة لقوله: "أسقطتها"، فكأنه قال: أسقطتها نسيانًا لا عمدًا، وعند الإسماعيليّ: "كنت نَسِيتها" بفتح النون، ليس قبلها همزة، قال الإسماعيليّ: النسيان من النبيّ ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قُرْب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ في السهو: "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون".
والثاني: أن يرفعه اللَّه عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، قال: فأما القسم الأول فعارضٌ سريع الزوال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٣٧ و ١٨٣٨] (٧٨٨)، و (البخاريّ) في
стр. 9150
"الشهادة" (٢٦٥٥)، و"فضائل القرآن" (٥٠٣٧ و ٥٠٣٨ و ٥٠٤٢)، و"الدعوات" (٦٣٣٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٣١)، و"الحروف والقراءات" (٣٩٧٠)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٣٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٣٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل، وفي المسجد، ولا كراهة فيه إذا لم يؤذ أحدًا، ولا تعرّض للرياء والإعجاب، ونحو ذلك.
٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء من أصاب الإنسان من جهته خيرًا، وإن لم يقصده ذلك الإنسان.
٣ - (ومنها): بيان أن الاستماع للقراءة سنة.
٤ - (ومنها): بيان جواز قول سورة كذا، كسورة البقرة، ونحوها، ولا التفات إلى من خالف في ذلك، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله.
٥ - (ومنها): جواز قول المرء: أسقطت آية كذا من سورة كذا، إذا وقع ذلك منه، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ قال: لا تقل: أسقطت كذا، بل قل: أغفلت، وهو أدبٌ حسنٌ، وليس واجبًا (١).
٦ - (ومنها): أنه دليل على جواز النسيان على النبيّ ﷺ فيما قد بلّغه إلى الأمة، وقد تقدم في باب سجود السهو الكلام فيما يجوز من السهو عليه ﷺ ، وما لا يجوز، قال القاضي عياض ﵀: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه ﷺ ابتداءً فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جَوَّز قال: لا يُقَرّ عليه، بل لا بدّ أن يتذكره، أو يُذَكَّره، واختلفوا هل من شروط ذلك الفور، أم يصح على التراخي قبل وفاته ﷺ ؟ قال: وأما نسيان ما بَلَّغَه، كما في هذا الحديث فيجوز، قال: وقد سبق بيان سهوه ﷺ في
стр. 9151
الصلاة، قال: وقال بعض الصوفية، ومتابعيهم: لا يجوز السهو عليه ﷺ أصلًا في شيء، وإنما يقع منه صورته ليس إلّا، وهذا تناقض مردودٌ، ولم يقل بهذا أحد ممن يُقْتَدى به إلا الأستاذ أبو المظفر الإسفرايينيّ، فإنه مال إليه، ورجحه وهو ضعيف متناقضٌ، ذكره النوويّ ﵀ (١).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نسيان القرآن بعد حفظه:
قال في "الفتح": اختَلَف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا قال: ما من أحد تعلم القرآن، ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ونسيان القرآن من أعظم المصائب.
واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود، والترمذيّ من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "عُرِضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أوتيها رجل، ثم نسيها"، وفي إسناده ضعف.
وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: "أعظم من حامل القرآن وتاركه".
ومن طريق أبي العالية موقوفًا: "كنا نَعُدّ من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه حتى ينساه"، وإسناده جيّد.
ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن: كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولًا شديدًا.
ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: "من قرأ القرآن، ثم نسيه، لقي اللَّه وهو أجذم" (٢)، وفي إسناده أيضًا مقال.
стр. 9152
وقد قال به من الشافعية أبو المكارم، والرويانيّ، واحتَجّ بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به، والتهاون بأمره.
وقال القرطبي: من حفظ القرآن، أو بعضه، فقد عَلَت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أَخَلّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها، ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يُفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد.
وقال إسحاق ابن راهويه: يُكره للرجل أن يمرّ عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بكون النسيان من الكبائر على إطلاقه غير صحيح؛ لأنه مما لا دليل عليه، إذ لا تصح الأحاديث فيه، ففي إسناد حديث أنس المذكور عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، وهو مختلف فيه، والمطلب بن عبد اللَّه بن حنطب، صدوق كثير التدليس والإرسال -كما قال في "التقريب"- وقد عنعنه عن أنس. فالحديث ضعيف.
وأما حديث سعد بن عبادة ففيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى بن أبي عيسى قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من سعد بن عبادة، ولا أدركه (٢).
وبالجملة: إن الأحاديث في هذا الباب لا تصح، وعلى تقدير صحتها تُحْمَل على من أعرض عن القرآن عملًا وتلاوة، فيكون معنى الحديث على معنى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦].
وأما الذي يعمل بالقرآن، وهو حافظ له، ثم عرض له مانع يمنعه عن استذكاره، وشغل يشغله عن مراجعته حتى نسيه، فليس داخلًا في الوعيد،
стр. 9153
بدليل أنه ﷺ كان ينسى بعض الآيات، فلو كان نسيانه معصية لما نسي ﷺ .
والحاصل أن نسيان القرآن بعد حفظه بعذر ليس بمعصية، فضلًا عن أن يكون من الكبائر، وأما نسيانه بدون عذر فإنه من الكبائر؛ لأنه يدل على إعراضه عنه، وعدم مبالاته به، فيدخل تحت الوعيد المذكور في الآية المذكورة، هذا ما ظهر لي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أُنْسِيتُهَا) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣٩] (٧٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ، كَمَثَلِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطلقَهَا ذَهَبَتْ").
стр. 9154
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄، تقدّم أيضًا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١١٤) من رباعيات الكتاب، وهي أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء الثقات المدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا، إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وغيره.
٤ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد مطلقًا، على ما نقل عن الإمام البخاري ﵀، كما قال الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث" عند تعداد أصح الأسانيد:
فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ … وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِي فَأحْمَدِهْ
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد فقهاء الصحابة ﵃، واللَّه أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) وفي رواية النسائيّ في "فضائل القرآن" من "الكبرى" من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما مثل القرآن كمثل الإبل المعقّلة، إذا عاهدها صاحبها على عُقُلِها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه"، والجزء الأخير سيأتي في رواية المصنّف.
قال في "الفتح": وقوله: "إنما" يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر
стр. 9155
مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك. انتهى (١).
وقال الحافظ ولي الدين ﵀:
[إن قلت]: مقتضى الحديث على القول بدلالة "إنما" على الحصر أنه لا مئل لصاحب القرآن سوى المثل المذكور في هذا الحديث، مع أنه ﷺ قد ضرب له أمثالًا أخرى، فمنها: قوله ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأتْرُجّة، ريحها طيب، وطعمها طيب".
[قلت]: المراد حصر مَثَله في هذا بالنسبة إلى أمر مخصوص، وهو دوام حفظه بالدرس، ونسيانه بالترك، فهو بالدرس كحافظ البعير بالعقل، وفي نسيانه بالترك، كمضيّع البعير بعدم العقل، وأما بالنسبة إلى أمور أخرى فله أمثلة أخرى، والحصر، وإن كان ظاهره العموم، فهو حصر مخصوص، وله نظائر معروفة، واللَّه أعلم. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (٢).
و"الْمَثَلُ" -بفتحتين، وبكسر، فسكون، وكأمير- الشبْهُ، جمعه: أمثال. والمَثَلُ أيضًا: الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥]. أفاده في "القاموس".
والمراد أن مثل صاحب القرآن مع القرآن، كمثل صاحب الإبل. . . إلخ.
وقال القاضي عياض ﵀: ومعنى صاحب القرآن: أي الذي ألِفَه، والمؤالفة: المصاحبة، ومنه: فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وأصحاب الصُّفَّة، وأصحاب إبل وغنم، وصاحب كنز، وصاحب عبادة.
وقال في "الفتح": وقوله: ألفه؛ أي: ألف تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظرًا من المصحف، أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذلّ له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة، وشقت عليه. انتهى (٣).
(كَمَثَلِ الابِلِ الْمُعَقَّلَةِ) أي: المشدودة بالعِقَال، والتشديد فيه للتكثير، قاله
стр. 9156
ابن الأثير ﵀، والمعنى أن حاله كحال صاحب الإبل المعقلة معها، وفي رواية البخاري: "كمثل صاحب الإبل المعقلة".
و"الإبل" -بكسرتين-: اسم جمع، لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صغر، نحو أُبَيْلَةٍ، وغُنَيْمَة، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيث، وإسكان الباء قولُ أبي النجم [الرجز]:
وَالإبْلُ لَا تَصْلُحُ لِلْبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإبْلُ إلَى الأَوْطَانِ
والجمع آبال، وأبِيلٌ، كَعِبيدٍ، وإذا ثنُيِّ أو جُمع فالمراد قطيعان، أو قطيعات، وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام، والإبل بناء نادر، قال سيبويه: لم يجئ على فِعِلٍ -بكسر الفاء والعين- من الأسماء إلا حرفان، إبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو الْقَلَحُ، ومن الصفات إلا حرف، وهي امرأة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه. قاله في "المصباح".
والْمُعَقَّلَة: بضم الميم، وفتح العين، وتشديد القاف، بصيغة اسم المفعول: أي: المشدودة بالعِقَال، وهو الحبل الذي يُشَدُّ في ركبة البعير.
شَبَّهَ النبيّ ﷺ دَرْسَ القرآن، واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يُخشَى من الشِّرَاد، فما زال التعاهد موجودًا فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدودًا بالعقال، فهو محفوظ. وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوان الإنسيِّ نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (١).
(إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا) أي: إن تفقدها، وأحدث العهد بها، قال ابن منظور ﵀: والمُعاهدة، والاعتِهَادُ، والتَّعَاهُدُ، والتَّعَهُّدُ واحد، وهو إحداث العهد بما عَهِدته، ويقال للمُحافظ على العهد: مُتَعَهِّد، ومنه قول أبي عَطَاءٍ السِّندِيّ، وكان فصيحًا، يَرْثي ابنَ هُبَيْرَة [من الطويل]:
وَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاءِ فَرُبَّمَا … أقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ
فَإِنَّكَ لَمْ تَبْعُدْ عَلَى مُتَعَهّدٍ … بَلَى كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرَابِ بَعِيدُ
стр. 9157
قال: وتَعَهَّدَ الشَّيءَ، وتعَاهده، واعتهده: تفقّده، وأحدث العهد به، قال الطِّرِمَّاح [من الخفيف]:
وَيُضِيعُ الَّذِي قَدَ أوْجَبَهُ اللَّهُ … عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَعْتَهِدُهْ
وتَعَهَّدْتُ ضَيْعَتي، وكُلَّ شيء، وهو أفصح من قولك: تعاهدته؛ لأن التعاهد إنما يكون بين اثنين. وفي "التهذيب": ولا يقال: تعاهدته. قال: وأجازها الفراء. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١).
(أَمْسَكَهَا) أي: استمرّ إمساكه لها، وفي رواية أيوب عن نافع: "فإن عقلها حفظها".
(وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ") أي: إن حَلَّ وِثَاقَها وتركها انفلتت، وشَرَدَت منه، فلا يقدر على إمساكها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٣٩ و ١٨٤٠] (٧٨٩)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٣١)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٥٤)، و"الكبرى" (١٠١٤ و ٨٠٤١)، و (ابن ماجه) في "الأدب" (٣٧٨٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٢٠١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٩٧١ و ٥٩٧٢ و ٦٠٣٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٠٠ و ١٠/ ٤٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧ و ٢٣ و ٣٠ و ٦٤ و ١١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٦٤)، وفوائد الحديث تأتي في حديث ابن مسعود الآتي بعده -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9158
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، جَمِيعًا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: "وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ").
رجال هذا الإسناد: عشرون:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (غ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٦ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضَمْرة، أبو ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا في الباب وفي البابين قبله.
و"عبيد اللَّه" هو: ابن عمر ﵄ الْعُمريّ، و"أَيُّوبُ" هو: ابن أبي تميمة السختيانيّ، و"عبد الرحمن بن يعقوب" هو: القاريّ -بالتشديد- المدنيّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي: كل هؤلاء الثلاثة: يحيى القطّان، وأبو خالد الأحمر، وعبد اللَّه بن نُمير رووا عن عبيد اللَّه العمريّ.
стр. 9159
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: عبيد اللَّه العمريّ، وأيوب السختيانيّ، وموسى بن عُقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ .
[تنبيه]: عبيد اللَّه العمريّ، عن نافع ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ١٧) فقال:
(٤٦٦٥) - حدّثنا عبد اللَّهِ، حدّثني أبي، ثنا يحيى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أخبرني نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النبيّ ﷺ قال: "مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ مَثَلُ صَاحِبِ الإِبِلِ المعقلة، إن عَقَلَهَا صَاحِبُهَا حَبَسَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ". انتهى.
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع، فقد ساقها عبد الرزّاق ﵀ في "مصنّفه" (٣/ ٣٦٠) فقال:
(٥٩٧١) - عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه، يقرؤه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عَقَلها حَفِظها، وإن أطلق عُقُلها ذهبت، وكذلك صاحب القرآن". انتهى.
وأما رواية يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٢٠) فقال:
(٨٠٤٣) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما مثل القرآن، كمثل الإبل المعقلة، إذا عاهدها صاحبها على عُقُلها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه". انتهى.
وأما رواية أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٨٠) فقال:
(١٧٩٢) - حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يَقُم به نسيه". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9160
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤١] (٧٩٠) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في السند الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود، تقدّم أيضًا قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه زهير، فبغداديّ، وإسحاق فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، منصور، عن أبي وائل، فإن منصورًا تابعي صغير، كما قاله الحافظ في "الفتح"، وقال الحافظ الذهبيّ في ترجمته: وما علمت له روايةً عن أحد من الصحابة، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا من الصحابة، وهو رجل شابّ، مثل عبد اللَّه بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث. انتهى كلام الذهبيّ بتصرف.
стр. 9161
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن لما لم يتحقق لقاؤه الصحابة ينبغي أن يجعل من الطبقة السادسة. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه عبد اللَّه مهملًا، والمراد به عند الكوفيين ابن مسعود، كما هو القاعدة في اصطلاح المحدثين، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، بقوله:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّه فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا اطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) قد صرح أبو وائل بالسماع عن عبد اللَّه عند البخاريّ تعليقًا: "قال: سمعت عبد اللَّه، سمعت النبيّ ﷺ . . . ".
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ)، وفي رواية الأعمش، عن شقيق التالية: "لا يقل أحدكم: نَسِيتُ آية كيت".
و"بئس" هي أخت "نِعم"، فالأولى للذَّمّ، والثانية للمدح، وهما -على الصحيح من أقوال النحاة- فعلان غير متصرفين، يرفعان الفاعل ظاهرًا، أو مضمرًا.
ثم إذا كان الفاعل ظاهرًا فإما يكون مُحَلًّى بالألف واللام للجنس، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وإما أن يكون مضافًا إلى ما هما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وإن كان الفاعل مضمرًا، فلا بدّ من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
وقد يكون هذا التفسير "ما" على ما نَصّ عليه سيبويه، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
стр. 9162
فـ "ما" في هذا الحديث نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل "بئس" ضمير مستتر، على الأصح، وقيل: "ما" هي الفاعل، وقوله: "لأحدهم" متعلق بحال محذوف؛ أي: حال كونه كائنًا لأحدهم، أو متعلق بـ "بئس" على رأي بعضهم، وقوله: "أن يقول" في تأويل المصدر مخصوص بالذّمّ، أي: بئس شيئًا قوله.
وإلى ما ذَكَرنَاه من أحوال "نعم" وبئس أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ
مُقَارِنَيْ "ألْ" أوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كَـ "نِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا"
وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزٌ كَـ "نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ"
وَجَمْعُ تَمْيِيزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَرْ … فِيهِ خِلَافٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ
وَ"مَا" مُمَيِّز وَقِيلَ فَاعِلُ … فِي نَحْوِ "نِعْمَ مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ"
وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفى … كَـ "الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى"
(نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) بفتح النون، وتخفيف السين اتفاقًا، وإنما نَهَى عنه لما فيه من التشبه بمن ذمه اللَّه تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، فالاحتراز عن مثل هذا القول أحسن. أفاده السندي رحمه اللَّه تعالى.
قال النوويّ ﵀: (قوله: "كيت وكيت") أي: كذا وكذا، وهو بفتح التاء على المشهور، وحكى الجوهريّ فتحها وكسرها عن أبي عبيد. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: "كيتَ وكيتَ" يُعَبَّر بهما عن الْجُمَل الكثيرة، والحديثِ الطويل، ومثلهما "ذَيْتَ وذَيْتَ"، وقال ثعلب: كَيْتَ للأفعال، وذيتَ للأسماء.
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن هذه الكلمة مثل كذا، إلا أنها خاصة بالمؤنث، قال في "الفتح": وهذا من مفردات الداودي. انتهى.
وقال ابن منظور ﵀ ما نصه: وكان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وإن شئت كسرت التاء، وهي كناية عن القِصَّةِ، أو الأحْدُوثةِ، حكاه سيبويه، وقال الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيتَ وكيتَ، قال: وهذه التاء في الأصل
стр. 9163
هاءٌ مثل ذَيْتَ وذيتَ، أصلها كَيَّه، وذَيَّه، بالتشديد، فصارت تاء في الوصل. انتهى (١).
(بَلْ هُوَ نُسّيَ) بضم النون، وتشديد المهملة المكسورة، قال القرطبيّ ﵀: رواه بعض رواة مسلم مخففًا، قال الحافظ: وكذا هو في "مسند أبي يعلى"، وكذا أخرجه ابن أبي داود في "كتاب الشريعة" من طُرُق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كلّ سين علامة التخفيف، وقال عياض: كان الكناني -يعني أبا الوليد الوقشي- لا يجيز في هذا غير التخفيف.
قال الحافظ: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاريّ، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في "الغريب" بعد قوله: "كيت وكيت": ليس هو نَسِيَ، ولكنه نُسّيَ، الأول بفتح النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون، وتثقيل السين.
قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه، لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل تُرِكَ غيرَ ملتفَتٍ إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.
وسيأتي الخلاف في متعلق الذم من قوله: "بئس" في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أي: واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة له، ورواية المصنّف بدون عاطف، وكذا هو عند النسائيّ، وفي رواية البخاريّ: "واستذكروا" بواو العطف، قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله: "بئسما لأحدهم"؛ أي: لا تقصروا في معاهدته.
وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل في هذا الموضع: "فإن هذا القرآن وَحْشِيّ"، وكذا أخرجها من طريق المسيَّب بن رافع، عن ابن مسعود، قاله في "الفتح".
(فَلَهُوَ) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (أَشَدُّ تَفَصِّيًا)، وفي رواية النسائيّ: "أسرع
стр. 9164
تفصيًا"، بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة الثقيلة، بعدها تحتانية خفيفة: أي خروجًا وتخلُّصًا.
وأصل التَّفَصِّي: أن يكون الشيءُ في مَضِيقٍ، ثم يخرج إلى غيره، قال ابن الأعرابي: أفْصَى: إذا تخلّص من خير، أو شرّ، وقال الجوهري: أصْلُ الفَصْيَةِ الشيءُ تكون فيه، ثم تخرج منه، ويقال: ما كدت أتَفَصَّى من فلان: أي ما كدت أتخلص منه، وتفصّيت من الديون: إذا خرجت منها، وتخلصت. انتهى ملخصًا من "اللسان" (١).
قال في "الفتح": ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ: "تَفَلُّتًا"، وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى، ونصب على التمييز. انتهى.
(مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) متعلق بـ "تفصّيًا"؛ أي: أشدّ، وأسرع خروجًا من قلوبهم.
(مِنْ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا") الجار والمجرور الأول متعلق بـ "أشدّ"، وهو على حذف مضاف؛ أي: من تفصي النعم، وقوله: "بعُقُلها" متعلق بحال مقدّر؛ أي: حال كونها كائنة بعقلها، وفي رواية النسائيّ: "من عُقُلها"، فيكون متعلّقًا بالمضاف المقدّر.
و"النَّعَمُ" -بفتحتين-: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: "النعم" الجِمَال فقط، ويؤنث، ويذكّر، وجمعه نُعْمَانٌ، مثلُ حَمَلٍ، وحُمْلَان، وأنْعام أيضًا، وقيل: "النعم" الإبل خاصة، والأنعام ذوات الخُفّ، والظّلْفِ، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فماذا انفردت الإبل فهي نَعَم، وإن انفردت البقر والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢).
قال النوويّ ﵀: "النعم" أصلها الإبل، والبقر، والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة؛ لأنها التي تُعقل.
و"العُقُلُ" بضم العين، والقافِ، ويجوز إسكان القاف، وهو كنظائره، وهو جمع عِقَالٍ، ككتاب وكُتُب، والنعم تذكّر، وتؤنّث، ووقع في هذه
стр. 9165
الرواية: "بعقلها"، وفي الرواية الثانية: "من عُقُله"، وفي الثالثة: "في عُقُلها"، وكله صحيح، والمراد برواية الباء: "من"، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبي ﵀: من رواه: "من عُقُلِها" فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلُّت. وأما من رواه بالباء، أو بـ "في"، فيَحْتَمِل أن يكون بمعنى "من"، أو للمصاحبة، أو الظرفية.
والحاصل تشبيه من يتفلّت منه القرآن بالناقة التي تتفلَّت من عقالها، وبقيت متعلقة به، قال الحافظ: كذا قال.
والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شُبِّهَ بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط.
وقال الطيبيُّ ﵀: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه قديم، وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٤١ و ١٨٤٢ و ١٨٤٣] (٧٩٠)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٣٢ و ٥٠٣٩)، و (الترمذيّ) في "القراءات" (٢٩٤٢)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" وفي "الكبرى" (١٠١٥)، و"فضائل القرآن" (٨٠٣٩)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٢٦ و ٧٢٧ و ٧٢٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٩٦٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٧٨)، و (الحميدي) (٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٧ و ٤٢٣ و ٤٢٩ و ٤٣٨ و ٤٦٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠٨ و ٤٣٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٣٨١)،
стр. 9166
و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٧٣٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠/ ١٣٩ و ١٦٧ و ١٨٩ و ١٩٨ و ٢٩٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٦٩)، و (البزّار) في "مسنده" (٥/ ٨٣ و ٨/ ١٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٥)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإسماعيلي ﵀: روى حماد بن زيد، عن منصور، وعاصم الحديثين معًا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور، وأما ابن عيينة، فأسند الأول، ووقف الثاني، قال: ورفعهما جميعًا إبراهيم بن طهمان، وعَبِيدَةُ بنُ حُمَيد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري.
قال الحافظ ﵀: ورواية عَبِيدَة أخرجها ابن أبي داود، ورواية سفيان أخرجها البخاريّ مرفوعة، لكن اقتصر على الحديث الأول، وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه مرفوعًا الحديثين معًا، وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله: "سمعت رسول اللَّه ﷺ "، وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور، واللَّه تعالى أعلم (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديثين رويا مرفوعين، وموقوفين، والراجح الرفع؛ لكونه زيادة من الثقات الضابطين، مثل شعبة، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وعَبِيدة بن حُمَيد، وغيرهم، فلا التفات إلى قول من أعلّ الحديثين بالوقف، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائد الحديثين (٢):
١ - (منها): الحَثُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، والتحذير من تعريضه للنسيان.
٢ - (ومنها): ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان.
٣ - (ومنها): مشروعيّة القسم عند الخبر المقطوع بصدقه؛ مبالغةً في تثبيته في صدور سامعيه، فقد أقسم النبيّ ﷺ في هذا الحديث، وحديث أبي موسى
стр. 9167
الأشعريّ الآتي مرفوعًا بلفظ: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها".
قال في "الفتح": وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن في حديث ابن مسعود حجةً من قال فيمن ادُّعِي عليه بمال، فأنكر، وحَلَفَ، ثم قامت عليه البينة، فقال: كنت نسيت، أو ادَّعَى بينةً، أو إبراءً، أو التمس يمين المدَّعِي أن ذلك يكون له، ويُعْذَر في ذلك، كذا قال. انتهى (١).
٤ - (ومنها): بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]؛ لأن تيسيره بالنسبة من أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة من لم يتعاهده، ولم يُجهِدْ نفسه فيه.
٥ - (ومنها): النهي عن قول الإنسان: نَسِيتُ آية كذا وكذا، وإنما يقول: نُسِّيتها، وإنما نُهِي عن الأول دون الثاني؛ لأنه يتضمن التساهل فيها، والتغافل عنها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٦].
وقال القاضي عياض ﵀: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذمّ الحال، لا ذم القول؛ أي: بئست الحالة، حالة من حفظ القرآن، فغفل عنه حتى نسيه. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: الكراهية للتنزيه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يؤيد ما قاله النوويّ ﵀ ما ثبت في "الصحيحين" عن النبيّ ﷺ أنه سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: "يرحمه اللَّه، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا"، وفي رواية الإسماعيلي: "كنت نَسِيتُها" - بفتح النون، ليس قبلها همزة، فإنه صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في متعلق الذمّ من قوله: "بئس":
стр. 9168
قال في "الفتح": واختُلِف في متعلق الذم من قوله: "بئس" على أوجه:
[الأول]: قيل: هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان، وهو لا صنع له فيه، فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول: أنسيت، أو نُسّيت -بالتثقيل- على البناء للمجهول فيهما؛ أي: إن اللَّه هو الذي أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ الآية [الأنفال: ١٧]، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٤]، وبهذا الوجه جزم ابن بطال، فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها؛ لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية، والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة، ثم ذكر الحديث الآتي في [باب نسيان القرآن] (١)، قال: وقد أضاف موسى؛ النسيان مرة إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان، فقال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى اللَّه بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس؛ لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة. انتهى.
قال الحافظ: ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما هو كلام فتاه.
وقال القرطبي ﵀: ثبت أن النبيّ ﷺ نسب النسيان إلى نفسه -يعني حيث قال حينما سمع رجلًا يقرأ سورة: "يرحمه اللَّه لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها، من سورة كذا وكذا"، وفي رواية الإسماعيلي: نَسِيتها - وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وموسى إلى نفسه حيث قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وقد سيق قول الصحابة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مساق المدح، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦].
فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذمّ، وجنح إلى اختيار:
[الوجه الثاني]: وهو كالأول، لكن سبب الذمّ ما فيه من الإشعار بعدم
стр. 9169
الاعتناء بالقرآن؛ إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد، وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته، والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت الآية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد؛ لأنه الذي يورث النسيان.
[الوجه الثالث]: قال الإسماعيليّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون كره له أن يقول: نسيت بمعنى تركت، لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهذا اختيار أبي عبيد، وطائفة.
[الوجه الرابع]: قال الإسماعيلي أيضًا: يَحْتَمِل أن يكون فاعل نَسِيتُ النبيَّ ﷺ ، كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن اللَّه هو الذي نسّاني ذلك، لحكمة نسخه، ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع، بل اللَّه هو الذي يُنسيني لما تُنسخ تلاوته، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فإن المراد بالمنسيّ ما يُنسَخ تلاوته، فيُنسِي اللَّه نبيه ﷺ ما يريد نسخ تلاوته.
[الوجه الخامس]: قال الخطابي: يَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًا بزمن النبيّ ﷺ ، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل، ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته، فيقول القائل: نسيت آية كذا، فنُهُوا عن ذلك؛ لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن اللَّه لما رآه من الحكمة والمصلحة.
[الوجه السادس]: قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر، وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز؛ لأنه عارض له لا عن قصد منه؛ لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرًا له في حال قصده، فهو كما قال: ما مات فلان، ولكن أميت.
قال الحافظ: هو قريب من الوجه الأول، وأرجح الأوجه الوجه الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. انتهى ما في "الفتح" (١).
стр. 9170
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأوجه عندي هو الثاني كما رجحه الحافظ ﵀، فيكون سبب الذم هو عدم الاعتناء باستذكار القرآن، وتعاهده، فإذا قال: نسيت آية كيت وكيت فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون مشابهًا للذين ذمهم اللَّه تعالى بسبب إعراضهم عن آياته، بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): ليس في حديث ابن مسعود هذا، ولا في حديث ابن عمر ﵄ المتقدّم تقدير مدة مخصوصة للزمن الذي يُختَم فيه القرآن، لكن مقتضاهما أنه يتلوه على وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه، أو نسيان شيء منه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ، وفي سرعة النسيان وبطئه.
وقد كان الصحابة ﵃ يختمونه في كل سَبْعٍ.
وفي "سنن أبي داود" وغيره عن أوس بن حذيفة، قال: قلنا لرسول اللَّه ﷺ : لقد أبطأت عنا الليلة، قال: "إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أختمه" (١)، قال أوس: سألت أصحاب رسول اللَّه ﷺ كيف يُحَزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده (٢).
وفي "صحيح البخاري": أن النبيّ ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو: "واقرأ القرآن في شهر" قلت: إني أجد قوة، حتى قال: "فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك".
стр. 9171
وممن كان يختمه في كل سبعة أيام: تميمٌ الداري، وعبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعيّ، وعروة بن الزبير، وأبو مِجْلز، وأحمد بن حنبل، وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق.
وممن كان يختمه في ثمان: أُبيّ، وأبو قلابة.
وممن كان يختمه في ست: الأسود بن يزيد.
وممن كان يختمه في خمس: علقمة بن قيس.
وممن كان يختمه في ثلاث: ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من ثلاث فهو راجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيَّب بن رافع يختمه في كل ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائمًا، رواها كلها ابن أبي شيبة ﵀.
وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال، وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين، وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك؛ لأن النبيّ ﷺ سأله عبد اللَّه بن عمرو في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يومًا"، ثم قال: "في شهر"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال: "في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، لم ينزل من سبع. رواه أبو داود.
قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون به، قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له، واستحبوا أن يختمه في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ : إن بي قوّةً، قال: "اقرأه في ثلاث". رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من ثلاث، وذلك لقوله ﷺ : "لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث"، رواه أبو داود.
وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حرامًا، فقال: يستحب أن يختم القرآن مرة في كل شهر، ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فإذا فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث المتقدم: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".
стр. 9172
قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولا حجة في ذلك على تحريمه، ولا يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرمًا، ومراد الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر لمعانيه، ولا يتسع الزمان لذلك.
وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة، منهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن عليّ الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة، رواها كلها ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين، وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين، وفي سواه في ست، وكان بعضهم يزيد على ذلك.
قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين وأكثر في ليلة.
وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، والترتيل أفضل من العجلة.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن زيد بن ثابت: لَأَن أقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إليّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، أقِفُ، وأدعو. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في شهر؛ لما في رواية البخاري أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو ﵄: "اقرأ القرآن في شهر"، مع أنه يعلم أن له نشاطًا وقوة على القراءة، فلما استزاده، وألحّ عليه قال له: "اقرأه في عشرين"،. . . إلخ. فدلّ على أن الشهر هو الأولى، لكن من وجد قوة ونشاطًا فله أن يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل أن لا يزيد عليها؛ لأنها التي وقف عندها النبيّ ﷺ مع إلحاح عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في طلب الزيادة، وقال له: "ولا تزد على سبع"، فدل على أنه لا أفضل وراءها، ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي
стр. 9173
النبيّ ﷺ ، وأما ما تقدم نقله عن ابن حزم من تحريمه الختم في أقل من ثلاث فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم نصّ، ولا إجماع على ذلك، فتبصَّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَضيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ) جمع مُصحف مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ؛ أي: جُعِلت فيه الصحف، قاله في "القاموس"، والمراد به هنا القرآن، كما قال: "وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ").
стр. 9174
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قُريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٤] (٧٩١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا"، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (بُرَيْدُ) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
стр. 9175
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، على ما بيّنّاه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فعلّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ) قال الطيبيّ ﵀: تعاهد الشيء، وتعهّده: محافظته، وتجديد العهد به؛ أي: واظبوا على تلاوته، وداوموا على تكراره ودَرْسه كيلا يُنْسَى. انتهى (١). (فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) فيه مشروعيّة الحلف عند الخبر المقطوع بصدقه؛ مبالغةً في تثبيته في صدور سامعيه (٢). (لَهُوَ) اللام لتوكيد القسم؛ أي: القرآن (أَشَدُّ تَفَلُّتًا) أي: ذهابًا وخروجًا من الصدور بسُرْعة، قال في "النهاية": التفلُّتُ والإفلاتُ والانفلاتُ: التخلّص من الشيء فَجْأَةً من غير تمكُّثٍ. انتهى (٣).
وقال في "القاموس": أفلتني الشيءُ، وتفلّت منّي: انفلت، وأفلته غيره. انتهى (٤).
وقال في "المصباح": أفلتَ الطائرُ وغيره إفلاتًا: تخلّص، وأفلتُّهُ: إذا أطلقتَهُ وخلَّصته، يُستعمَلُ لازمًا ومتعدّيًا، وفَلَتَ فَلْتًا، من باب ضرب لُغَةٌ، وفَلَتُّهُ أنا، يستعمل أيضًا لازمًا ومتعدّيًا، وانفلت: خرج بسرعة، وكان ذلك فَلْتَةً: أي: فَجْأَةً حتى كأنه انفلت سرِيعًا. انتهى (٥).