← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

وممن كان يختمه في كل سبعة أيام: تميمٌ الداري، وعبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعيّ، وعروة بن الزبير، وأبو مِجْلز، وأحمد بن حنبل، وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق. وممن كان يختمه في ثمان: أُبيّ، وأبو قلابة. وممن كان يختمه في ست: الأسود بن يزيد. وممن كان يختمه في خمس: علقمة بن قيس. وممن كان يختمه في ثلاث: ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من ثلاث فهو راجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيَّب بن رافع يختمه في كل ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائمًا، رواها كلها ابن أبي شيبة ﵀. وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال، وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين، وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك؛ لأن النبيّ ﷺ سأله عبد اللَّه بن عمرو في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يومًا"، ثم قال: "في شهر"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال: "في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، لم ينزل من سبع. رواه أبو داود. قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون به، قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له، واستحبوا أن يختمه في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ : إن بي قوّةً، قال: "اقرأه في ثلاث". رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من ثلاث، وذلك لقوله ﷺ : "لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث"، رواه أبو داود. وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حرامًا، فقال: يستحب أن يختم القرآن مرة في كل شهر، ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فإذا فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث المتقدم: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".

стр. 9172

قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولا حجة في ذلك على تحريمه، ولا يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرمًا، ومراد الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر لمعانيه، ولا يتسع الزمان لذلك. وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة، منهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن عليّ الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة، رواها كلها ابن أبي شيبة في "مصنفه". وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين، وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين، وفي سواه في ست، وكان بعضهم يزيد على ذلك. قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين وأكثر في ليلة. وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، والترتيل أفضل من العجلة. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن زيد بن ثابت: لَأَن أقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إليّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، أقِفُ، وأدعو. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في شهر؛ لما في رواية البخاري أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو ﵄: "اقرأ القرآن في شهر"، مع أنه يعلم أن له نشاطًا وقوة على القراءة، فلما استزاده، وألحّ عليه قال له: "اقرأه في عشرين"،. . . إلخ. فدلّ على أن الشهر هو الأولى، لكن من وجد قوة ونشاطًا فله أن يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل أن لا يزيد عليها؛ لأنها التي وقف عندها النبيّ ﷺ مع إلحاح عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في طلب الزيادة، وقال له: "ولا تزد على سبع"، فدل على أنه لا أفضل وراءها، ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي

стр. 9173

النبيّ ﷺ ، وأما ما تقدم نقله عن ابن حزم من تحريمه الختم في أقل من ثلاث فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم نصّ، ولا إجماع على ذلك، فتبصَّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَضيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ) جمع مُصحف مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ؛ أي: جُعِلت فيه الصحف، قاله في "القاموس"، والمراد به هنا القرآن، كما قال: "وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ").

стр. 9174

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قُريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٤] (٧٩١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا"، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٢ - (بُرَيْدُ) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقيان ذُكرا في الباب.

стр. 9175

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، على ما بيّنّاه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فعلّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ) قال الطيبيّ ﵀: تعاهد الشيء، وتعهّده: محافظته، وتجديد العهد به؛ أي: واظبوا على تلاوته، وداوموا على تكراره ودَرْسه كيلا يُنْسَى. انتهى (١). (فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) فيه مشروعيّة الحلف عند الخبر المقطوع بصدقه؛ مبالغةً في تثبيته في صدور سامعيه (٢). (لَهُوَ) اللام لتوكيد القسم؛ أي: القرآن (أَشَدُّ تَفَلُّتًا) أي: ذهابًا وخروجًا من الصدور بسُرْعة، قال في "النهاية": التفلُّتُ والإفلاتُ والانفلاتُ: التخلّص من الشيء فَجْأَةً من غير تمكُّثٍ. انتهى (٣). وقال في "القاموس": أفلتني الشيءُ، وتفلّت منّي: انفلت، وأفلته غيره. انتهى (٤). وقال في "المصباح": أفلتَ الطائرُ وغيره إفلاتًا: تخلّص، وأفلتُّهُ: إذا أطلقتَهُ وخلَّصته، يُستعمَلُ لازمًا ومتعدّيًا، وفَلَتَ فَلْتًا، من باب ضرب لُغَةٌ، وفَلَتُّهُ أنا، يستعمل أيضًا لازمًا ومتعدّيًا، وانفلت: خرج بسرعة، وكان ذلك فَلْتَةً: أي: فَجْأَةً حتى كأنه انفلت سرِيعًا. انتهى (٥).

стр. 9176

(مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا") تقدّم عن القرطبيُّ ﵀ أن "في" هنا بمعنى "من"، و"العُقُل" بضمتين، أو بضمّ، فسكون: جمع عقال، وهو الحبل الذي تربط به الدابّة. وقوله: (وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ) يعني: أن سياق متن الحديث هذا لشيخه عبد اللَّه بن بَرّاد، وأما شيخه أبو كُريب، فرواه بمعناه، وقد ساقه الإمام البخاريُّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٥٠٣٣) حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ تفصِّيًا من الإبل في عقلها". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٤٤] (٧٩١)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٣٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٧ و ٤١١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨١٠ و ٣٨١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٥] (٧٩٢) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ").

стр. 9177

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم أيضًا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخاه بغداديّان، وسفيان مكي. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهريّ، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) هكذا وقعت عند المصنّف رواية سفيان، عن الزهريّ، بلفظ: "يبلُغ"، ووقعت عند البخاريّ عن شيخه عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان بلفظ: "عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ " والظاهر أن سفيان نسي اللفظ الذي قاله الزهريّ حين حدّث به عمرًا الناقد وزُهيرًا، مع أنه رواه مرفوعًا، فَأَتَى بصيغة تَشْمَل جميع صيغ الرفع، وتذكّره حينما حدّث به ابن المدينيّ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9178

وفي الرواية الآتية من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة "أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول. . . " (قَالَ) أي: النبيّ ﷺ ("مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) -بكسر الذال المعجمة-؛ أي: ما استمع اللَّه لشيء مما يُسمَع، (مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ) أي: كاستماعه لنبيّ، فـ "ما" الأولى نافية، والثانية مصدرية، ونَكَّرَ "نبيًّا"؛ لأن المراد به الجنس، ووقع في رواية أبي ذرّ لـ "صحيح البخاريّ": "للنبيّ" بالتعريف، قال في "الفتح": فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووَهِمَ من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا محمد ﷺ ، فقال: ما أذن للنبيّ ﷺ ، وشرحه على ذلك. انتهى. زاد في رواية محمد بن إبراهيم الآتية: "حسن الصوت"، وهو بالجر صفة و"نبي". وقوله: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ") جملة فعلية في محل نصب حال من "نبي"؛ أي: يحسّن صوته به حال قراءته، أو هو بمعنى الجهر، فيكون قوله في الرواية الآتية: "يَجْهَر به" تفسيرًا له، أو بمعنى يُلَيّن، ويُرَقّق صوته؛ ليجلب به إلى نفسه وإلى السامعين الحزن والبكاء، وينقطع به عن الخلق إلى الخالق ، أفاده السنديُّ ﵀. وقال الإمام أبو حاتم بن حبّان ﵀ في "صحيحه": معنى: "يتغنى بالقرآن" يريد يتحزَّن به، وليس هذا من الْغُنْية، ولو كان ذلك من الغنية لقال: يتغانى به، ولم يقل: يتغنى به، وليس التحزُّن بالقرآن نقاء الْجِرْم (١)، وطيب الصوت، وطاعة اللهوات بأنواع النغم بوفاق الوقاع، ولكن التحزُّن بالقرآن، هو أن يقارنه شيئان: الأَسَفُ والتلهُّفُ، الأسف على ما وقع من التقصير، والتلهف على ما يُؤَمَّل من التوقير، فإذا تألم القلب، وتوجع، وتحزّن الصوت، ورَجَّعَ، بَدَرَ الْجَفْنُ بالدموع، والقلب باللموع، فحينئذ يستلذ المتهجّد بالمناجاة، وَيفِرُّ من الخلق إلى وَكْرِ الخلوات، رَجَاءَ غُفْران السالف من الذنوب، والتجاوز عن الجنايات والعيوب، فنسأل اللَّه التوفيق له. انتهى (٢).

стр. 9179

قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام البحث بذكر اختلاف العلماء في معنى التغني في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. ووقع في رواية عند البخاريّ من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة: "أن يتغنى" بزيادة "أن". قال في الفتح: وزعم ابن الجوزيّ أن الصواب حذف "أن"، وأن إثباتها وَهَمٌ من بعض الرواة؛ لأنهم كانوا يروون بالمعنى، فربما ظن بعضهم المساواة، فوقع الخطأ؛ لأن الحديث لو كان بلفظ "أن" لكان من الإذن بكسر الهمزة، وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادًا هنا، وإنما هو من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع. وقوله: "أَذِنَ"؛ أي: استمع. والحاصل أن لفظ "أَذِنَ" بفتحة، ثم كسرة في الماضي، من باب تَعِبَ: مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أَذِنْتُ آذَنُ بالمدّ، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة، ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عديّ بن زيد [من الرمل]: أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ … إِنَّ هَمّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ أي: في سماع، واستماع. وقال القرطبيّ: أصل الأَذَنِ -بفتحتين- أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حقّ اللَّه تعالى لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حقّ اللَّه تعالى إكرام القارئ، وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ في المعنى المراد بالأذَن هنا أنه بمعنى الإكرام، وإجزال الثواب أراد به أن الكلام من باب المجاز، لا من باب الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يستلزم عدم إثبات صفة الأَذَن للَّه ، وقد أثبتها له النبيّ ﷺ في هذا النصّ الصحيح، فالصواب إثباتها على حقيقتها اللائقة بجلاله ، ولا يلزم من ذلك تشبيهه بمخلوقاته؛ لأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، فلو لزم من إثباتها التشبيه للزم أيضًا في الإكرام، وإجزال المثوبة، اللذين أوّل بهما القرطبيّ؛ لأنهما يوصف بهما المخلوق

стр. 9180

أيضًا، فيقال: إن فلانًا لَمّا استحسن قراءة فلان أكرمه، وأجزل له العطاء، ونحو ذلك. والحاصل أن إثبات الصفات الواردة في القرآن، والأحاديث الصحيحة بمعناها الحقيقيّ، لا المجازيّ، على ما يليق بجلاله هو الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، الذين أثنى عليهم النبيّ ﷺ بقوله: "خير القرون قرني". . . الحديث، متّفقٌ عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٥/ ١٨٤٥ و ١٨٤٦ و ١٨٤٧ و ١٨٤٨ و ١٨٤٩ و ١٨٥٠] (٧٩٢)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٢٣ و ٥٠٢٤) و"التوحيد" (٧٥٤٤) وفي "خلق أفعال العباد" ص ٣٢، و (أبو داود) في "سننه" (١٤٧٣)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (١٠١٧ و ١٠١٨) و"الكبرى" (١٠٩٠ و ١٠٩١) وفي "فضائل القرآن" (٨٠٥٢ و ٨٠٤٨ و ٨٠٥٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤١٦٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧١ و ٢٨٥ و ٤٥٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٦٥ و ٣٨٦٧ و ٣٨٦٨ و ٣٨٦٩ و ٣٨٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٩٧ و ١٧٩٨ و ١٧٩٩ و ١٨٠٠ و ١٨٠١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن، قال القرطبي ﵀: فائدة هذا الخبر حثّ القارئ على إعطاء القراءة حقّها من ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن. ٢ - (ومنها): استحباب الاستماع لقراءة قارئ حَسَن الصوت، وسيأتي نقل الإجماع على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 9181

وقد أخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة، قال: "كان عمر ﵁ يُقَدِّم الشاب الحسن الصوت؛ لحسن صوته بين يدي القوم". ٣ - (ومنها): إثبات صفة الأذَن -بفتحتين- بمعنى الاستماع للَّه ما يليق بجلاله، وأما ما قاله السنديّ وغيره من أنه لما كان الاستماع على اللَّه تعالى محالًا؛ لأنه شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه، وقلّته، وسماعُهُ تعالى لا يختلف قالوا: هذا كناية عن تقريب القارئ، وإجزال مثوبته. انتهى، فغير صحيح؛ لأن قولهم هذا مبني على معنى الاستماع الذي ينسب إلى المخلوق؛ لأنهم لم يفهموا معنى الاستماع إلا بالمعنى الذي ذكروه، وهذا خطأ، فإن الاستماع الذي يكون للَّه غير الاستماع الذي يكون للمخلوق، وإننا إذ نثبت للَّه تعالى صفاته العلية لا نثبتها بمعناها الذي يكون للمخلوق، وإنما نثبتها بالمعنى الذي يليق بجلاله ، فتبصر، ولا تتهوّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٤ - (ومنها): استحباب التغني بقراءة القرآن، لكن بشرط أن لا يُخِلّ بقوانين الأداء، كما قرره أهل القراءة. قال القرطبيّ ﵀: تمسّك بهذا الحديث من يُجوّز قراءة القرآن بالألحان، وهو أبو حنيفة، وجماعة من السلف، وقال به الشافعيّ في التحزين، وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا أشكّ أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يُغيِّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو يُبْهِم معناه بترديد الأصوات، فلا يُفهم معنى القرآن، فإن هذا مما لا شكّ في تحريمه، فأما إذا سلم من ذلك، وحَذَى به حَذْوَ أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن نُنزِّه أذكار اللَّه، وقراءة القرآن عن التشبيه بأحوال المجون والباطل، فإنها حقّ وجِدّ وصدقٌ، والغناء هزلٌ ولهو ولَعِبٌ، وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح؛ بدليل ما ذُكر، وبأدلّة أخرى. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 9182

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير قوله ﷺ : "يتغنى بالقرآن": قال سفيان بن عيينة ﵀: تفسيره يستغني به، وإليه ميل البخاريُّ ﵀، قال الحافظ ﵀: ويمكن أن يُستأنس له بما أخرجه أبو داود، وابن الضُّريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة، عن عبيد اللَّه بن أبي نَهيك، قال: لقيني سعد بن أبي وقّاص ﵁، وأنا في السوق، فقال: تجار كسبة، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن"، وقد ارتضى أبو عبيد تفسير "يتغنى" بيستغني، وقال: إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى [من المتقارب]: وَكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بِالْعِرَاقِ … خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي أي: كثير الاستغناء. وقال المغيرة بن حَبْنَاء [من الطويل]: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ … وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا قال: فعلى هذا يكون المعنى: من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا، فليس منّا؛ أي: ليس على طريقتنا. واحتَجَّ أبو عبيد أيضًا بقول ابن مسعود ﵁: "من قرأ سورة آل عمران، فهو غني"، ونحو ذلك. وقال ابن الجوزيُّ ﵀: اختلفوا في معنى قوله: "يتغنى" على أربعة أقوال: (أحدها): تحسين الصوت. (والثاني): الاستغناء. (والثالث): التحزُّن. قاله الشافعي. (والرابع): التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به. قال الحافظ: وفيه قول آخر، حكاه ابن الأنباريّ في "الزهر" قال: المراد به التلذذ، والاستحلاء له، كما يَسْتَلِذُّ أهل الطرب بالغناء، فأَطْلَق عليه تغنيًا من حيث إنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة [من الوافر]: بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا … مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي أَطْلق على صوتها غِنَاء؛ لأنه يُطْرِب كما يُطْرِب الغناء، وإن لم يكن غناءً حقيقةً، وهو كقولهم: "العمائم تيجان العرب"، لكونها تقوم مقام التيجان. وفيه قول آخر حسن، وهو أن يجعله هِجِّيرَاه، كما يجعل المسافر والفارغ هِجّيراه الغناءَ، قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا

стр. 9183

جلست في أفنيتها، وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبيّ ﷺ أن يكون هِجِّيراهم القراءةَ مكانَ التغني. ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدِّم، فإنه أراد بقوله: "طويل التغني" طول الإقامة، لا الاستغناء؛ لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء؛ يعني: أنه كان ملازمًا لوطنه بين أهله، كانوا يتمدحون بذلك، كما قال حسان [من الكامل]: أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ … قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع، ولا يَبْرَحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث: الحثّ على ملازمة القرآن، وأن لا يُتَعَدَّى إلى غيره، وهو يؤول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاريّ من تخصيص الاستغناء، وأنه يُسْتَغنَى به عن غيره من الكتب. وقيل: المراد: من لم يغنه القرآن، وينفعه في إيمانه، ويُصَدِّق بما فيه من وعد ووعيد، وقيل: معناه: من لم يَرْتَحْ لقراءته وسماعه، وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع، إذا أريد به الغنى المعنويّ، وهو غنى النفس، وهو القناعة، لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر؛ لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة، إلا إذا كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث يأبى الحمل على ذلك، فإن فيه إشارة إلى الحثّ على تكلف ذلك، وفي توجيهه تكلف، كأنه قال: ليس منّا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته. قال الحافظ: وأما الذي نقله عن الشافعي، فلم أره صريحًا عنه في تفسير الخبر، وإنما قال في "مختصر المزنيّ": وأحب أن يقرأ حَدْرًا وتحزينًا. انتهى. قال أهل اللغة: حَدَرْتُ القراءة: أدرجتها، ولم أُمْطِطها، وقرأ فلان تحزينًا: إذا رقق صوته، وصيّره كصوت الحزين. وقد رَوَى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁: "أنه قرأ سورة، فحزنها شبه الرَّثْي"، وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد، قال: "يتغنى به، يتحزَّن به، ويُرَقِّق به قلبه". وذكر الطبريّ عن الشافعيّ أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني

стр. 9184

بالاستغناء، فلم يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت. قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبد اللَّه بن المبارك، والنضر بن شُميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: "ما أَذِنَ لنبي في الترنُّم في القرآن"، أخرجه الطبريّ، وعنده في رواية عبد الرزّاق، عن معمر: "ما أذن لنبيّ حسن الصوت"، وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، وعند أبي داود، والطحاويّ من رواية عمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "حسن الترنّم بالقرآن"، قال الطبري: "والترنم" لا يكون إلا بالصوت، إذا حسّنه القارئ، وطَرَّب به، قال: ولو كان معناه: الاستغناء لما كان لذكر الصوت، ولا لذكر الجهر معنى. وأخرج ابن ماجه، والكجيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث فَضالة بن عبيد ﵁ مرفوعًا: "لَلَّهُ أشدُّ أَذَنًا -أي: استماعًا- للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته"، و"القينة": المغنية. وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر ﵁ رفعه: "تعلموا القرآن، وغنُّوا به، وأفشوه"، كذا وقع عنده، والمشهور عند غيره في الحديث: "وتغنوا به"، والمعروف في كلام العرب أن التغني: الترجيع بالصوت، كما قال حسان [من البسيط]: تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ … إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ قال: ولا نعلم في كلام العرب "تغنى" بمعنى استغنى، ولا في أشعارهم، وبيت الأعشى لا حجة فيه؛ لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٨]. وقال: بيت المغيرة أيضًا لا حجة فيه؛ لأن التغاني تفاعل بين اثنين، وليس هو بمعنى "تغنى"، قال: وإنما يأتي "تغنى" من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعّل؛ أي: يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى. قال الحافظ: ويمكن أن يكون بمعنى تكَلَّفه؛ أي: تطلّبه، وحمل نفسه

стр. 9185

عليه، ولو شقّ عليه، كما تقدم قريبًا، ويؤيده حديث: "فإن لم تَبْكُوا، فتباكَوْا". وهو في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عند أبي عوانة. وأما إنكاره أن يكون "تغنى" بمعنى "استغنى" في كلام العرب، فمردود، ومن حَفِظَ حجة على من لم يحفظ، وقد صحّ في حديث الخيل: "ورجلٌ ربطها تَعَفُّفًا وتَغَنِّيًا"، وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد به: يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله: "تعفُّفًا". وممن أنكر تفسير "يتغنى" بيستغني أيضًا الإسماعيلي، فقال: الاستغناء إليه لا يحتاج إلى استماع؛ لأن الاستماع أمر خاصّ زائد على الاكتفاء به، وأيضًا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة، ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة، قال: يقولون: إذا رفع صوته، فقد تغنى. قال الحافظ: قلت: الذي نَقَلَ عنه أنه بمعنى استغنى أتقن لحديثه، وقد نقل أبو داود عنه مثله. ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير "يستغني" من جهته، و"يرفع" عن غيره. وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة، فقال: لم يصنع شيئًا، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، قال: "كان داود ﵇ يتغنى -يعني: حين يقرأ- ويَبكي، ويُبكي". وعن ابن عباس ﵄: إن داود ﵇ كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، ويقرأ قراءة يَطرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في برّ، ولا بحر إلا أنصتت له، واستمعت، وبكت". وفي الجملة ما فَسَّرَ به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار تُرَجِّح أن المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله: "يجهر به"، فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهًا، وقد جزم الحَلِيميّ بأنها من قول أبي هريرة ﵁، والعرب تقول: سمعت فلانًا يتغنى بكذا؛ أي: يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابنُ جريج، فأوقفني على أشعب، فقال:

стр. 9186

غَنِّ ابنَ أخي ما بلغ من طمعك، فذكر قصة، فقوله: غنّ؛ أي: أخبرني جهرًا صريحًا، ومنه قول ذي الرُّمَّة [من الطويل]: أحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي … بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ أي: أجهر، ولا أكني. والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يُحَسّن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزّن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، قال: وقد نظمت ذلك في بيتين: تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْ … تَ حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتُبِ الأُلَى طَالِبا … غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ انتهى ما في "الفتح" بتصرف يسير. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أرجح الأقوال في معنى: "يتغنى به" في هذا الحديث هو قول من فسّره بتحسين الصوت؛ لكون ظواهر الأخبار تؤيده. والحاصل أن ما دلت عليه ظواهر الأخبار، وكان واضحًا في استعمال العرب بدون خلاف، وهو كون "يتغنى" بمعنى يحسن صوته، أولى ما يُفَسَّر به هذا الحديث، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة بالألحان: قال في "الفتح": كان بين السلف اختلاف في جواز قراءة القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك. فَحَكَى عبدُ الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبريّ، والماورديّ، وابن حمدان الحنبليّ عن جماعة من أهل العلم، وحَكَى ابن بطال، وعياض، والقرطبيّ من المالكية، والماورديّ، والبندنيجيّ، والغزاليّ من الشافعية، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من الحنابلة. وحَكَى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعيّ، ونقله الطحاويّ عن الحنفية. وقال الفورانيّ من الشافعية في "الإبانة": يجوز، بل يستحب، ومحل هذا

стр. 9187

الاختلاف إذا لم يَخْتَلّ شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير قال النوويّ ﵀ في "التبيان": أجمعوا على تحريمه، ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا، أو أخفاه حَرُمَ، قال: وأما القراءة بالألحان، فقد نصّ الشافعيّ في موضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحَكَى الماورديّ عن الشافعيّ أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخرجها حَرُمَ، وكذا حَكَى ابن حمدان الحنبليّ في "الرعاية". وقال الغزاليّ، والبندنيجيّ، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية: إن لم يُفرِط في التمطيط الذي يشوش النظم استُحِبَّ، وإلا فلا. وأغرب الرافعيّ، فَحَكَى عن "أمالي السرخسي" أنه لا يضرّ التمطيط مطلقًا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ، لا يعرّج عليه. والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا، فليحسّنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النَّغَم، فإن الحَسَنَ الصوتِ يزداد حُسْنًا بذلك، وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حسنه، وغيرُ الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يَفِ تحسينُ الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وُجِد من يراعيهما معًا، فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء، واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التفصيل حسنٌ جدًّا، وحاصله أن القراءة بالألحان والأنغام الحسنة بشرط عدم الخروج عن قوانين القراءة مستحبّ؛

стр. 9188

لأحاديث الباب، وغيرها، وإن اختلّ شرط من شروط الأداء، كأن يمد حرفًا لا يستحقّ المدّ، أو تجاوز في الممدود من المقدار الذي وضعه القراء، أو زاد حرفًا، أو نقص، أو أخفى ما يُظْهَر، أو عكس، أو أدغم ما لا يدغم، أو عكس، أو نحو ذلك فحرام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسنَادِ، قَالَ: "كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣. ٢ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. والباقون تقدّموا قبل باب، ويونس هو: ابن يزيد الأيليّ، وابن شهاب ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الضمير ليونس، وعمرو بن الحارث. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد ابن شهاب الماضي. وقوله: (قَالَ: كَمَا يَأْذَنُ. . . إلخ) أي: بصيغة المضارع، لكن الذي يأتي في "مستخرج أبي نعيم" بصيغة الماضي، والظاهر أن المصنّف وقع له بلفظ المضارع، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يونس وعمرو بن الحارث هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣) فقال: (١٧٩٨) حدّثنا محمد بن الحسن بن عليّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن سالم المقدسيّ، ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس وعمرو بن الحارث،

стр. 9189

عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما أَذِن اللَّه لشيء كما أذن لنبي يتغنى بالقرآن". انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَم) بن حبيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ النيسابوريّ، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ٥٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) قال الإمام ابن حبّان ﵀: يريد ما استمع اللَّه لشيء كأَذَنه؛ كاستماعه للذي يتغنى بالقرآن يجهر به، يريد: يتحزَّن بالقراءة على

стр. 9190

حسب ما وصفنا نعته. انتهى (١). وقوله: (حَسَنِ الصَّوْتِ) بالجرّ صفة لـ "نبيّ". وقوله: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال من "نبيّ"؛ أي: يُحسّن صوته به حال قراءته. وقوله: (يَجْهَرُ بِهِ) جملة فعلية في محلّ نصب على الحال أيضًا، فتكون الحالان إما متداخلتين، أو مترادفتين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم، أبو عبد اللَّه المصريّ، لقبه بَحْشَلٌ، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في "المساجد" ١٩/ ١٢٧٧. ٢ - (عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ) الشَّرْعَبيّ -بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، وفتح العين المهملة، بعدها موحّدة- الْمَعَافريّ المصريّ، فقيهٌ لا بأس به [٧]. رَوَى عن يزيد بن الهاد، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وصفوان بن سليم، وخالد بن أبي عمران. ورَوَى عنه حَيْوَة بن شُرَيح، وضِمَام بن إسماعيل، وعبد الرحمن بن شُريح الإسكندرانيّ، ومغيرة بن الحسن.

стр. 9191

قال أبو حاتم: لا بأس به، ليس بالمعروف، وقال ابن شاهين: وَثَّقَه أحمد بن صالح؛ يعني: المصريّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وقال ضِمَام: سألت عُمَر بن مالك، وكان فقيهًا. أخرجه أبي داود والنسائي، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث مقرونًا بحَيْوَة بن شُريح. ٣ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ) بن صَفْوان التُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه زاهد [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن كلًّا من عمر بن مالك، وحَيْوة بن شُريح رويا هذا الحديث عن يزيد بن الهاد بسنده الماضي، وهو: عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الماضي. وقوله: (سَوَاءً) منصوب على الحال؛ أي: حال كون الحديثين مستويين في السياق، إلا ما أشار إلى استثنائه بقوله: "وقال:. . . إلخ". وقوله: (وَقَالَ. . . إلخ) الظاهر أن الفاعل ضمير شيخه ابن أخي ابن وهب؛ يعني: أنه لم يقل في روايته: "أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول. . . إلخ"، وإنما قال: "عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال. . . " إلخ، واللَّه أعلم. وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وقع في النسخ مضبوطًا بالقلم بكسر همزة "إِنَّ"، والظاهر أنه بفتحها، كما يدلّ عليه ظاهر السياق، وكما تدلّ عليه رواية أبي داود الآتية، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عمر بن مالك، وحَيْوَة بن شُريح كلاهما عن يزيد بن الهاد هذه ساقها أبو داود ﵀ في "سننه" (٢/ ٧٥) فقال: (١٤٧٣) حدّثنا سليمان بن داود الْمَهْريّ، أخبرنا ابن وهب، حدّثني عُمَر بن مالك، وحَيْوَة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيء، ما أَذِنَ لنبيٍّ حسنِ الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به". انتهى.

стр. 9192

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ (٢) [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ) بن زياد السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد اللَّه، وهِقْلٌ لقبه، ثقةٌ متقنٌ، وكان كاتب الأوزاعيّ [٩] (١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الفقيه المشهور، ثقةٌ ثبت فاضل [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) قال القرطبي ﵀: أي: ما استمع اللَّه، وأصغى، وأصله أن المستمع يَميل بأذنه إلى جهة الْمُسْتَمَع، تقول العرب: أَذِنَ بكسر الذال يَأْذَن بفتحها في المستقبل أَذَنًا بفتح الهمزة والذال في المصدر: إذا أصغى واستمع. انتهى (٣).

стр. 9193

وقوله: (كَأَذَنِهِ) بفتحتين: أي: كاستماعه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: "كَإِذْنِهِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن عَلْقَمَة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٤٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥. [تنبيه]: وقع في "برنامج الحديث" هنا غلط، وهو أنه تُرجم فيه لمحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، والصواب أنه محمد بن عمرو بن علقمة، كما هو في "تحفة الأشراف" (١٠/ ٣٧١). ومن العجيب أنه ليس لمحمد بن عمرو بن حَلْحَلة رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في الكتب الستّة أصلًا، بل كلّها لمحمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، كما يظهر من "تحفة الأشراف" (١٠/ ٣٧١ - ٤٠٤) فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 9194

والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) يعني: أن حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مثلُ حديث يحيى بن أبي كثير عنه، وقوله: "مثل" بالنصب على الحالية. وقول: (غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: كَإِذْنِهِ) أي: بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، قال النوويّ ﵀: هكذا في رواية ابن أيّوب بكسر الهمزة، وإسكان الذال، قال القاضي: هو على هذه الرواية بمعنى الحثّ على ذلك، والأمر به. انتهى (١). [تنبيه]: رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٣٨٤) فقال: (١٨٠١) حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو عُبيد، ثنا إسماعيل بن جعفر (ح) وثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع الزَّهْرانيّ، ثنا إسماعيل بن جعفر (ح) وثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا عليّ بن حُجْر، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيء، كإذنه (٢) لرجل"، وقال يوسف: "لنبيّ يتغنى بالقرآن، يجهر به". انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥١] (٧٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 9195

بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَوِ الْأَشْعَرِيَّ أُعْطيَ مِزْمَارًا، مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٣ - (أَبُوهُ) بُرَيدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو عبد اللَّه الصحابىّ المشهور، مات ﵁ سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى ابن بُريدة وأبيه، فمروزيّان، وفيه رواية الراوي عن أبيه في موضعين، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَوِ) للشكّ من الراوي (الْأَشْعَرِيَّ) بفتح الهمزة: نسبة إلى قبيلة مشهورة من اليمن، والأشهر هو: نبت بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته، والشعر على بدنه، قاله في "اللباب" (١):

стр. 9196

(أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول (مِزْمَارًا) بكسر الميم: آلة الزَّمْرِ، قال في "القاموس": زَمَرَ يَزْمُرُ، ويَزْمِرُ زَمْرًا، وزَمِيرًا، وزَمَّرَ تَزْمِيرًا: غَنَّى بالقَصَبِ، وهي زَامِرٌ، وهو زَمَّارٌ، وزَامِرٌ قليلٌ، وفِعلهما الزِّمَارةُ، كالكتابة. انتهى (١). وقال في "المصباح": زَمَرَ زَمْرًا، من باب ضَرَبَ وزَمِيرًا أيضًا، ويَزْمُرُ بالضمّ لغةٌ حكاها أبو زيد، ورجلٌ زَمّارٌ، قالوا: ولا يقال: زَامِرٌ، وامرأةٌ زَامرةٌ، ولا يقال: زَمَّارةٌ. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: الْمِزمار والْمَزمور: الصوت الحسن، وبه سُمّيت آلة الزَّمْر مزمارًا. انتهى (٣). (مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ") ﵇، زاد أبو عوانة في "مسنده" من طريق شعيب بن حرب، عن مالك بن مِغْوَل: "وهو مؤمنٌ مُنِيبٌ". والمراد بـ "آل داود" داود النبيّ ﵇ نفسه، و"آل" صلةٌ. ومزامير داود: ما كان يتغنَّى به من الزَّبُور، وضُرُوب الدُّعاء، وجمع مِزمار ومَزْمور. انتهى (٤). وقال ابن الأثير ﵀: المزمور، بفتح الميم وضمّها: هو الآلة التي يُزَمَّر بها، شبّه حسن تلاوته، وحلاوة نَغْمَته بصوت المزمار، وداود هو النبيّ ﵇، وإليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة، و"الآل" في قوله: "آل داود" مُقحمةٌ، قيل: معناه ها هنا الشخص. انتهى (٥). وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن، وأصل الزَّمْر الغِنَاء، و"آل داود" هو داود ﵇ نفسه، وآل فلان قد يُطْلَق على نفسه، وكان داود ﷺ حسن الصوت جِدًّا. انتهى (٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9197

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الحصيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٨٥١] (٧٩٣)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٨٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٦٣ و ١٢/ ١٢٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٩ و ٣٥١ و ٣٥٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٤٧٣)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٣٤٤ و ٤/ ١٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، فستأتي في المسألة الثالثة من شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: "لَوْ رَأَيْتَني، وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ (١) الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بالتصغير الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيّوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَلُ، صدوقٌ يُغْرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٣ - (طَلْحَةُ) بن يحيى بن طلحة بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦] (ت ١٤٨) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.

стр. 9198

والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وطلحة، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى شيخه، فخُوَارَزْميّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامرٌ، وقيل: اسمه كنيته (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: قال لي: ("لَوْ رَأَيْتَني، وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ) وفي بعض النسخ: "قراءتك" بحذف اللام، وكلاهما صحيح؛ لأن الفعل يتعدّى بنفسه، وباللام، قال الفيّوميّ ﵀: سَمِعته، وسَمِعتُ له سَمْعًا، وتسمّعتُ، واستمعت، كلُّها يتعدّى بنفسه، وبالحرف بمعنًى، واستَمَع لما كان بقصد؛ لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، وسَمِعَ يكون بقصد وبدونه. انتهى (١). وجواب "لو" محذوف، تقديره لفرحتَ، أو لتعجّبت، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (الْبَارِحَةَ) هي الليلة الماضية، قال الفيّوميّ ﵀: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَحُ، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: زال من مكانه، ومنه قيل للّيلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى (٢). (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ") المراد بالمزمار: الصوت الحسن، وأصله الآلة، أُطْلِق اسمه على الصوت للمشابهة، وقال الخطابيّ ﵀: المراد بـ "آل داود" داودُ نفسه؛ لأنه لم يُنقَل أن أحدًا من أولاد داود ﵇، ولا

стр. 9199

من أقاربه كان أُعطي من حسن الصوت ما أعطيه. انتهى (١). وذكر البغويّ ﵀ في "شرح السنّة" ما ذكره الخطّابيّ، ثم قال: وقيل: يجوز أن يكون أراد بآل داود أهل بيته، ولا يُنكر أن يكونوا أشجى أصواتًا من غيرهم، أكرمهم اللَّه به، فإنا نجد حسن الصوت يُتوارث. انتهى (٢). وزاد أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق أحمد بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد: "قال: أَمَ (٣) واللَّه يا رسول اللَّه لو عَلِمتُ أنك تسمع لقراءتي، لحَبّرته لك تحبيرًا". وأخرج أبو يعلى في "مسنده"، من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ وعائشة مَرّا بأبي موسى، وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا أبا موسى، مررت بك. . . " فذكر الحديث، فقال: أما إني لو عَلِمتُ بمكانك لَحَبَّرته لك تحبيرًا. وأخرج ابن سعد من حديث أنس ﵁ بإسناد على شرط مسلم أن أبا موسى قام ليلةً يصلي، فسمع أزواج النبيّ ﷺ صوته، وكان حُلْوَ الصوت، فقُمْنَ يستمعن، فلما أصبح قيل له: فقال: لو علمتُ لحبّرته لهنّ تحبيرًا. وللرُّويانيّ من طريق مالك بن مِغْوَل، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة، وقال فيه: لو علمتُ أن رسول اللَّه ﷺ يستمع قراءتي لحبّرتها تحبيرًا، وأصلها عند أحمد. وعند الدارميّ من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول لأبي موسى، وكان حسن الصوت بالقرآن: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود". وأصل هذا الحديث عند النسائيّ من طريق عمرو بن الحارث، عن الزهريّ موصولًا بذكر أبي هريرة ﵁ فيه، ولفظه: أن النبيّ ﷺ سمع قراءة أبي موسى، فقال: "لقد أوتي من مزامير آل داود".

стр. 9200

وقد اختُلِف فيه على الزهريّ، فقال معمر وسفيان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂، أخرجه النسائيّ، وقال الليث، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب مرسلًا. ولأبي يعلى من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجَةَ، عن البراء، سمع النبيّ ﷺ صوت أبي موسى، فقال: "كأن صوت هذا من مزامير آل داود". وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح، من طريق أبي عثمان النَّهْدِيّ، قال: دخلت دار أبي موسى الأشعريّ، فما سمعت صوت صَنْجٍ، ولا بَرْبَط، ولا نايٍ أحسن من صوته. وهو في "الحلية" لأبي نعيم. و"الصَّنْجُ" -بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها جيم-: هو آلة تُتَّخَذ من نحاس، كالطبقين، يُضْرَب أحدهما بالآخر. و"الْبَرْبَط" -بالموحدتين، بينهما راء ساكنة، ثم طاء مهملة- بوزن جَعْفَر: هو آلة تُشْبِه الْعُود، فارسيّ مُعَرَّبٌ. و"الناي" -بنون بغير همز-: هو المزمار، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٨٥٢] (٧٩٣)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٤٨)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٣)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٣٠ و ٢٣١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استماع قراءة القارئ الحسن الصوت.

стр. 9201

٢ - (ومنها): مدح الصوت الحسن. ٣ - (ومنها): استحباب تحسين الصوت في القراءة، وأن ذلك لا ينافي الإخلاص، فقد أخرج ابن حبان ﵀ في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: استمع رسول اللَّه ﷺ قراءتي من الليل، فلما أصبحت، قال: "يا أبا موسى استمعت قراءتك الليلة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، قلت: يا رسول اللَّه، لو علمت مكانك لَحَبّرت لك تحبيرًا (١)؛ أي: لحسّنته، ولجمّلته. وأخرج الضياء في "المختارة" عن أنس ﵁ أن أبا موسى ﵁ كان يقرأ ذات ليلة، فمشى رسول اللَّه ﷺ يسمع، فلما أصبح قيل له، قال: لو علمت لحبّرت لك تحبيرًا، ولشوّقت لك تشويقًا (٢). وأخرج أيضًا عن أنس ﵁ أن أبا موسى الأشعريّ ﵁ كان يقرأ ذات ليلة، فجعل أزواج النبيّ ﷺ يستمعن، فلما أصبحن أخبر بذلك، فقال: لو علمت لحبّرتكم تحبيرًا، ولشوّقتكم تشويقًا (٣). قال القرطبي ﵀: وهذا محمول على أن أبا موسى ﵁ كان يزيد في رفع صوته، وتحسين ترتيله، حتى يُسْمِع النبيَّ ﷺ ، ويُعرّفه أنه قَبِل عنه كيفيّة أداء القراءة، وأنه متمكّنٌ منها، فيَحمده النبيّ ﷺ ، ويدعو له، فتحصل له فضيلة ومنقبةٌ، كما فَعَلَ بأُبيّ بن كعب ﵁، حيث سأله، فأجابه، فقال: "لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر"، رواه مسلم. ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك ليبالغ في حالةٍ يُطَيّب بها القرآن له، فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره، ويَعتني بها عند مشاركة غيره فيها، وإن كان مُخلصًا في أصل عمله. انتهى (٤). ٤ - (ومنها): بيان ما أكرم اللَّه به أبا موسى الأشعريّ ﵁ حيث أعطاه

стр. 9202

صوتًا حسنًا، وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁ أنه حدّثه أن رسول اللَّه ﷺ سمع قراءة أبي موسى الأشعريّ، فقال: "قد أوتي هذا من مزامير آل داود"، قال أبو سلمة: وكان عمر بن الخطّاب يقول لأبي موسى -وهو جالسٌ في المجلس-: يا أبا موسى ذكِّرنا ربّنا، فيقرأ عنده أبو موسى، وهو جالسٌ في المجلس، ويتلاحن. ٥ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، والنهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا خيف افتتان الممدوح بالعجب ونحوه. ٦ - (ومنها): بيان ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه داود ﵇ من حسن الصوت، وقد تقدّم عن عبيد بن عمير قال: كان داود ﵇ يتغنى يعني: حين يقرأ، ويَبْكِي ويُبْكِي، وعن ابن عباس ﵄ أن داود ﵇ كان يقرأ الزبور بسبعين لَحْنًا، ويقرأ قراءةً يَطْرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يُبَكِّي نفسه لم تبق دابة في برّ ولا بحرّ إلا أنصتت له، واستمعت، وبكت. ٧ - (ومنها): بيان استحباب تحسين الصوت بالقراءة، قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق، قال: واختلفوا في القراءة بالألحان، فكرهها مالك والجمهور؛ لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف؛ للأحاديث، ولأن ذلك سبب للرقة وإثارةِ الخشية، وإقبال النفوس على استماعه. قال النوويّ: قال الشافعيّ في موضع: أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال أصحابنا: ليس له بينهما اختلاف، وإنما هو اختلاف حالين، فحيث كرهها أراد إذا مَطَّط، وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مدّ غير ممدود، وإدغام ما لا يجوز إدغامه، ونحو ذلك، وحيث أباحها أراد إذا لم يكن فيها تغيير لموضوع الكلام. انتهى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وقد تقدّم

стр. 9203

مستوفًى في شرح حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ "سُورَةَ الْفَتْحِ"، وَتَرْجِيعِهِ فِيهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٣] (٧٩٤) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فِي مَسِيرٍ لَهُ، سُورَةَ الْفَتْحِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ، لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين. ٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، ومَعْقِل بن يسار الْمُزَنيّ، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعبد اللَّه بن مُغَفَّل، وجماعة. ورَوَى عنه ابنه إياس، وابن ابنه المستنير بن أخضر بن معاوية، وثابت

стр. 9204

البنانيّ، وحزم بن أبي حزم، وخالد بن أيوب، وسماك بن حرب، وقتادة، وشعبة، وأبو عوانة، وآخرون. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال العجليّ، والنسائيّ، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عقلاء الرجال، وقال مطر الأعنق، عن معاوية بن قُرَّة: لقيت من الصحابة كثيرًا منهم خمسة وعشرون من مُزَينة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: معاوية بن قرة عن عليّ مرسلٌ، وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر، وقال الشافعيّ: روايته عن عثمان منقطعة. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وقال يحيى بن معين: مات، وهو ابن ست وسبعين سنةً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث، هذا برقم (٧٩٤) وأعاده بعده، وحديث (١٦٧١) و (١٨٠٥) و (٢٣٤١) و (٢٥٠٤) و (٢٩٤٨). ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الرحمن صحابيّ بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، ومات ﵁ سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والباقون كوفيّون، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بن إياس، وفي رواية للبخاريّ من طريق حجاج بن منهال، عن شعبة: أخبرنا أبو إياس، وأبو إياس كنية معاوية بن قُرّة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ) بضمّ الميم، وفتح الزاي: نسبة لولد عثمان وأوس ابني عمرو بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، نُسِبوا إلى مُزَينة بنت

стр. 9205

كلب بن وبرة، أم عثمان وأوس، قاله في "اللباب" (١). (يَقُولُ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) أي: في سنة فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة (فِي مَسِيرٍ لَهُ) أي: في حال سيره، فـ "مسير" بالفتح مصدر ميميّ لسار، يقال: سار يسير سَيْرًا ومَسِيرًا، يكون بالليل والنهار، ويُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، فيقال: سار البعيرُ، وسِرْتُهُ، فهو مَسِيرٌ، قاله في "المصباح" (٢). ويَحْتَمِل أن يكون "مسير" ظرف زمان، أو مكان، فيكون المعنى قرأ في وقت سيره، أو مكانه، واللَّه تعالى أعلم. (سُورَةَ الْفَتْحِ) زاد في رواية البخاريّ في "فضائل القرآن": "قراءةً لَيِّنةً" (عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي: ناقته التي ركبها، قال الفيّوميُّ ﵀: الراحلة: الْمَرْكَبُ من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهمِ يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَواحل. انتهى (٣). (فرَجَّعَ) بتشديد الجيم، من الترجيع، وهو: ترديد القارئ الحرف في الحلق، قاله في "الفتح"، وقال في "النهاية": الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو تقارب ضُرُوب الحركات في الصوت. انتهى (٤). (فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن قُرّة (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ، لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ) يشير به إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذّة الحكمة المهيمنة. وفي رواية البخاريّ من طريق شبابة، عن شعبة: "ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مُغفّل، وقال: لولا أن تجتمع الناس عليكم، لرَجَّعتُ كما رجَّع ابن مُغفَّل يحكي النبيّ ﷺ ، فقلت لمعاوية: كيف ترجيعه؟ قال: آآآ ثلاث مرّات"، وللحاكم في "الإكليل" من رواية وهب بن جرير، عن شعبة: "لقرأت بذلك اللحن الذي قرأ به النبيّ ﷺ " (٥).

стр. 9206

وفي رواية أبي عوانة: "رأيت النبيّ ﷺ يوم فتح مكة، وهو يقرأ سورة الفتح، وهو يُرجّع، والناس حول ناقته، وقال: لولا أن يستمع مني من حولي لرجّعت"، وفي رواية: "لأخذت لكم في ذلك الصوت"، وفي رواية: قال شعبة: "ورجّع أبو إياس، ورفع صوته" (١). قال في "الفتح": وفي قوله: "آ" بمدّ الهمزة والسكوت دلالة على أنه ﷺ كان يُراعي في قراءته المدّ والوقف. انتهى. وقال القرطبي ﵀: هو محمول على إشباع المدّ في موضعه، ويَحْتَمل أن يكون ذلك حكاية صوته عند هزّ الراحلة إذا كان راكبًا من انضغاط صوته، وتقطيعه لأجل هزّ المركوب. انتهى (٢). قال الحافظ: وهذا فيه نظرٌ؛ لأن في رواية عليّ بن الجعد، عن شعبة، عند الإسماعيليّ: "وهو يقرأ قراءة ليّنةً، فقال: لولا أن يجتمع علينا لقرأت ذلك اللحن"، وكذا أخرجه أبو عُبيدة في "فضائل القرآن" عن أبي النضر، عن شعبة. انتهى (٣). وقال في موضع آخر: ثم قالوا: يَحْتَمِل أمرين: أحدهما: أن ذلك حَدَثَ من هَزّ الناقة، والآخر أنه أشبع المدّ في موضعه، فحَدَثَ ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن"؛ أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذيّ في "الشمائل" والنسائيّ، وابن ماجه، وابن أبي داود، واللفظ له، من حديث أم هانئ ﵁: "كنت أسمع صوت النبيّ ﷺ ، وهو يقرأ، وأنا نائمة، على فراشي يُرَجِّع القرآن". قال: والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند ابن أبي داود، من طريق أبي إسحاق، عن علقمة، قال: بِتُّ مع عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيّه، لا يرفع صوته، ويُسْمِع مَن حوله، ويُرَتِّل، ولا يرجّع. انتهى.

стр. 9207

قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بما سبق أن الصواب أن النبيّ ﷺ رَجّع في قراءته قصدًا، لا من هزّ الراحلة، فيُستفاد منه استحباب الترجيع مع مراعاة قوانين القراءة، حتى لا يخرج منها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٨٥٣ و ١٨٥٤ و ١٨٥٥] (٧٩٤)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٨١) وفي "التفسير" (٤٨٣٥) و"فضائل القرآن" (٥٠٣٤ و ٥٠٤٧) و"التوحيد" (٧٥٤٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٦٧)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣١٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٥ - ٨٦) و (٥/ ٥٤ و ٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٨٤ و ٣٨٨٥ و ٣٨٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٥ و ١٨٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢١٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الترجيع في القراءة، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن ابن أبي جمرة ﵀ أراد بترجيع الغناء الترجيع الذي يُخرج القراءة عن سنّتها، بإخراج الحروف من غير مخارجها، أو مدّ لا يُمدّ، أو نحو ذلك، وإلا فقد ثبت أنه ﷺ رجّع في قراءته، فشرعه لأمته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان ملازمته ﷺ للعبادة في كلّ أحواله؛ لأنه كان في تلك الحالة راكبًا للناقة، وهو يسير، فلم يترك العبادة بالتلاوة. ٣ - (ومنها): أن في جهره ﷺ بذلك إرشادًا إلى أن الجهر بالعبادة قد

стр. 9208

يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وذلك عند التعليم، أو إيقاظ الغافل، أو نحو ذلك. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ﵀: فيه إجازة القراءة بالترجيع، والألحان الملذّذة للقلوب بحسن الصوت. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ (٣)، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ (٤)، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ، قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، وَرَجَّعَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا النَّاسُ لَأَخَذْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) تقدم في "المقدمة" (ع) ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببُنْدار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَلَى نَاقَتِهِ) وفي نسخة: "على ناقة". وقوله: (ورَجَّعَ) الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة،

стр. 9209

وأصله الترديد، وترجيع الصوت: ترديده في الحلق، وقد فسر الترجيع عبد اللَّه بن مغفل ﵁ لما سئل عنه بقوله: "آآ آ" بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى رَاحِلَةٍ يَسِيرُ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "المقدمة" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. و"شُعْبَةُ" ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة الماضي، وهو: عن معاوية بن قُرّة، عن عبد اللَّه بن مُغفّل ﵁. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9210

(٣٧) - (بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٦] (٧٩٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ، وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ (١)، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ، تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثر عابدٌ، لكنه يدلّس، واختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄.
следующие страницы →