← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

وفي رواية أبي عوانة: "رأيت النبيّ ﷺ يوم فتح مكة، وهو يقرأ سورة الفتح، وهو يُرجّع، والناس حول ناقته، وقال: لولا أن يستمع مني من حولي لرجّعت"، وفي رواية: "لأخذت لكم في ذلك الصوت"، وفي رواية: قال شعبة: "ورجّع أبو إياس، ورفع صوته" (١). قال في "الفتح": وفي قوله: "آ" بمدّ الهمزة والسكوت دلالة على أنه ﷺ كان يُراعي في قراءته المدّ والوقف. انتهى. وقال القرطبي ﵀: هو محمول على إشباع المدّ في موضعه، ويَحْتَمل أن يكون ذلك حكاية صوته عند هزّ الراحلة إذا كان راكبًا من انضغاط صوته، وتقطيعه لأجل هزّ المركوب. انتهى (٢). قال الحافظ: وهذا فيه نظرٌ؛ لأن في رواية عليّ بن الجعد، عن شعبة، عند الإسماعيليّ: "وهو يقرأ قراءة ليّنةً، فقال: لولا أن يجتمع علينا لقرأت ذلك اللحن"، وكذا أخرجه أبو عُبيدة في "فضائل القرآن" عن أبي النضر، عن شعبة. انتهى (٣). وقال في موضع آخر: ثم قالوا: يَحْتَمِل أمرين: أحدهما: أن ذلك حَدَثَ من هَزّ الناقة، والآخر أنه أشبع المدّ في موضعه، فحَدَثَ ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن"؛ أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذيّ في "الشمائل" والنسائيّ، وابن ماجه، وابن أبي داود، واللفظ له، من حديث أم هانئ ﵁: "كنت أسمع صوت النبيّ ﷺ ، وهو يقرأ، وأنا نائمة، على فراشي يُرَجِّع القرآن". قال: والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند ابن أبي داود، من طريق أبي إسحاق، عن علقمة، قال: بِتُّ مع عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيّه، لا يرفع صوته، ويُسْمِع مَن حوله، ويُرَتِّل، ولا يرجّع. انتهى.

стр. 9207

قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بما سبق أن الصواب أن النبيّ ﷺ رَجّع في قراءته قصدًا، لا من هزّ الراحلة، فيُستفاد منه استحباب الترجيع مع مراعاة قوانين القراءة، حتى لا يخرج منها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٨٥٣ و ١٨٥٤ و ١٨٥٥] (٧٩٤)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٨١) وفي "التفسير" (٤٨٣٥) و"فضائل القرآن" (٥٠٣٤ و ٥٠٤٧) و"التوحيد" (٧٥٤٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٦٧)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣١٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٥ - ٨٦) و (٥/ ٥٤ و ٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٨٤ و ٣٨٨٥ و ٣٨٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٥ و ١٨٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢١٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الترجيع في القراءة، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن ابن أبي جمرة ﵀ أراد بترجيع الغناء الترجيع الذي يُخرج القراءة عن سنّتها، بإخراج الحروف من غير مخارجها، أو مدّ لا يُمدّ، أو نحو ذلك، وإلا فقد ثبت أنه ﷺ رجّع في قراءته، فشرعه لأمته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان ملازمته ﷺ للعبادة في كلّ أحواله؛ لأنه كان في تلك الحالة راكبًا للناقة، وهو يسير، فلم يترك العبادة بالتلاوة. ٣ - (ومنها): أن في جهره ﷺ بذلك إرشادًا إلى أن الجهر بالعبادة قد

стр. 9208

يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وذلك عند التعليم، أو إيقاظ الغافل، أو نحو ذلك. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ﵀: فيه إجازة القراءة بالترجيع، والألحان الملذّذة للقلوب بحسن الصوت. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ (٣)، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ (٤)، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ، قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، وَرَجَّعَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا النَّاسُ لَأَخَذْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) تقدم في "المقدمة" (ع) ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببُنْدار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَلَى نَاقَتِهِ) وفي نسخة: "على ناقة". وقوله: (ورَجَّعَ) الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة،

стр. 9209

وأصله الترديد، وترجيع الصوت: ترديده في الحلق، وقد فسر الترجيع عبد اللَّه بن مغفل ﵁ لما سئل عنه بقوله: "آآ آ" بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى رَاحِلَةٍ يَسِيرُ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "المقدمة" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. و"شُعْبَةُ" ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة الماضي، وهو: عن معاوية بن قُرّة، عن عبد اللَّه بن مُغفّل ﵁. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9210

(٣٧) - (بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٦] (٧٩٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ، وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ (١)، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ، تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثر عابدٌ، لكنه يدلّس، واختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄.

стр. 9211

شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ﵄، وفي رواية الترمذيّ، من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت البراء، فزالت عنه تُهمة التدليس، أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) قيل: هو أُسَيد بن حُضَير كما سيأتي من حديث نفسه بعد ثلاثة أحاديث، لكن فيه أنه كان يقرأ "سورة البقرة"، وفي هذا أنه كان يقرأ "سورة الكهف"، وهذا ظاهره التعدد. وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شَمّاس، لكن في "سورة البقرة" أيضًا. وأخرج أبو داود، من طريق مرسلة، قال: قيل للنبيّ ﷺ : ألم تر ثابتَ بن قيس، لم تزل داره البارحةَ تُزْهِر بمصابيح؟ قال: فلعله قرأ "سورة البقرة؟ "، فسئل، قال: قرأت "سورة البقرة". ويَحْتَمِل أن يكون قرأ "سورة البقرة"، و"سورة الكهف" جميعًا، أو من كل منهما، أفاده في "الفتح" (١). (يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ) جمع شَطَني -بفتح المعجمة- وهو الحبل، وقيل: بشرط طوله، وكأنه كان شديد الصعوبة (فتَغَشَّتْهُ) أي: غطّته، غَشِيَهُ الأمر، وتغشّاه، وأغشيته إياه، وغَشّته، قاله في "القاموس" (٢)، وقال في "المصباح": والْغِشَاء: الْغِطاءُ وزنًا ومعنًى، وهو اسم من غَشَّيْتُ بالتثقيل: إذا غطّيته، والْغِشَاءُ بالكسر: الْغِطاء أيضًا. انتهى (٣). وقوله: (سَحَابَةٌ) مرفوع على الفاعليّة، وهو بالفتح: الغيم، والجمع سَحَابٌ، وسُحُبٌ بضمّتين، وسَحائب؛ سُمّي بذلك لانسحابه في الهواء (٤). (فَجَعَلَتْ) أي: السحابة (تَدُورُ، وَتَدْنُو) أي: تقرب من ذلك الرجل (وَجَعَلَ فَرَسُهُ) الفرس يُذكّر وبؤنّث، ولذا ذكر الفعل هنا، وأنّثه فيما يأتي، قال

стр. 9212

الفيّوميُّ ﵀: الفرس يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر فُرَيسٌ، والأنثى فُرَيسةٌ على القياس، وجُمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خيلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث. انتهى (١). وقوله: (يَنْفِرُ مِنْهَا) هنا بالفاء والنون، والراء، بلا خلاف، وفي الرواية الآتية: "يَنْقُز"، وسيأتي الكلام عليه (فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي: دخل ذلك الرجل في الصباح، و"الصباح": خلاف المساء، قال الْجُوَالقيّ: الصباح عند العرب من نصف الليل الآخر إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول، هكذا روى ثَعْلبٌ (٢). (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) وفي نسخة بحذف "له"؛ أي: ذكر الرجل ما حصل له في تلك الليلة حال قراءته سورة الكهف (فَقَالَ) ﷺ ("تِلْكَ السَّكِينَةُ) بمهملة وِزَانُ عظيمة، وحَكَى ابن قرقول والصغانيّ فيها كسر أولها والتشديد بلفظ المرادف لِلْمُدْية، وقد نسبه ابن قرقول للحربيّ، وأنه حكاه عن بعض أهل اللغة. قال النوويُّ ﵀: قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء، المختار أنها شيء من مخلوقات اللَّه تعالى، فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: السكينة مأخوذة من السكون، وهو القار والطُّمأنينة، وهي هنا اسم للملائكة، كما فسّرها في الرواية الأخرى، وسمّاهم بذلك؛ لشدّة وقارهم، وسكونهم؛ تعظيمًا لقراءة هذه السورة. واختلَفَ المفسّرون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٨] على أقوال كثيرة، فقيل: السكون: الرحمة، وقيل: حيوان كالهِرّ، له جناحان وذَنَبٌ، ولعينيه شُعاعٌ، فإذا نظر للجيش انهزم، وقيل: آيات يسكنون لها، وقال ابن وهب: رُوح من اللَّه يتكلّم معهم، ويُبيِّن لهم إذا اختلفوا، وهذا القول أشبهها؛ لأنه موافقٌ لما في هذا الحديث. انتهى (٤).

стр. 9213

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "موافق لما في هذا الحديث"، محلّ نظر؛ إذ لا يظهر وجه موافقته، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح": قد تَكَرَّر لفظ "السكينة" في القرآن والحديث، فرَوَى الطبري وغيره عن عليّ ﵁ قال: هي ريح هَفّافةٌ، لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: لها رأسان، وعن مجاهد: لها رأس كرأس الْهِرّ، وعن الربيع بن أنس: لعينها شعاع، وعن السديّ: السكينة طَسْتٌ من ذهب من الجنة، يُغْسَل فيها قلوب الإنبياء، وعن أبي مالك قال: هي التي أَلْقَى فيها موسى الألواح والتوراة والعصا، وعن وهب بن مُنَبِّه: هي روح من اللَّه، وعن الضحاك بن مُزاحم قال: هي الرحمة، وعنه: هي سكون القلب، وهذا اختيار الطبريّ، وقيل: هي الطمأنينة، وقيل: الوقار، وقيل: الملائكة، ذكره الصغانيّ. قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني، فَيُحْمَل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بحديث الباب هو الأول، وليس قول وهب ببعيد. وأما قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، فَيَحْتَمِل الأولَ، ويَحْتَمِل قولَ وهب والضحاك. وأما التي في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فيَحْتَمِل قولَ السديّ وأبي مالك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الصواب تفسير السكينة بالملائكة، كما تقدّم عن القرطبيّ ﵀؛ لأن أولى ما يُفسّر به الغريب ما جاء في رواية أخرى، وهنا صحّ عنه ﷺ أنه قال في الرواية الآتية: "تلك الملائكة. . . إلخ"، فلا أقرب، ولا أظهر، ولا أولى من حملها عليها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (تَنَزَّلَتْ) وللبخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "تَنَزَّلُ" بضم اللام، بغير تاء، والأصل تتنزل، وفي رواية الترمذيّ: "نزلت مع القرآن، أو على القرآن". وقوله: (لِلْقُرْآنِ") أي: لاستماع تلاوة القرآن، كما قال في الرواية الآتية: "تلك الملائكة، كانت تستمع لك"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9214

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٧/ ١٨٥٦ و ١٨٥٧ و ١٨٥٨] (٧٩٥)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٦١٤) و"التفسير" (٤٨٣٩) و"فضائل القرآن" (٥٠١١)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٨٨٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨١ و ٢٨٤ و ٢٩٣ و ٢٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٣٨ و ٣٩٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٧ و ١٨٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢٠٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نزول السكينة لقراءة القرآن، وقد تقدّم الاختلاف في معناها، وأن الصحيح أنها الملائكة، كما بُيّن في الرواية الأخرى، ويحصُل عند نزولها طمأنينة القلب، والوقار والسكينة. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة قراءة القرآن، وأنها سبب نزول الرحمة، وحضور الملائكة. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة استماع قراءة القرآن. ٤ - (ومنها): بيان إكرام اللَّه تعالى عبده المؤمن المخلص في قراءته الخاشع المنيب، حيث يُنزل اللَّه تعالى ملائكته ليستمعوا قراءته، ويؤانسوه بما معهم من النور والطمأنينة، كرامة له، ليزداد يقينًا مع يقينه، واجتهادًا مع اجتهاده. ٥ - (ومنها): بيان جواز رؤية آحاد الأمّة ممن ليس بنبيّ الملائكة عيانًا، ويشاهدهم، فقد قال ﷺ : "لو قرأت لأصبحت يراها الناس، من تستتر منهم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى، وَابْن بَشَّارٍ، وَاللَّفْظ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا محَمَّد بْن جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 9215

الْبَرَاءَ، يَقُولُ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ دَابَّة، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَنَظَرَ، فَإذَا ضَبَابَةٌ، أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ غَشِيَتْهُ، قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "اقْرَأْ فُلَانُ (١)، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ، تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبله، فمن قبل أبي إسحاق فتقدّموا في الباب الماضي، والبراء ﵁ تقدّم في السند الماضي. وقوله: (ضَبَابَة) بالفتح: واحد الضَّبَاب، مثلُ سحابة وسَحَاب، وهو نَذى، كالغبار يُغشي الأرض بالغدوات، قاله في "المصباح" (٢). وقال في "القاموس" ما معناه: "الضَّباب" بالفتح: ندًى كالغيم، أو سحاب رقيقٌ كالدخان. انتهى (٣). وقال في "النهاية": "الضبابة": هي البخار المتصاعد من الأرض في يوم الدَّجْنِ، يصير كالظُّلّة، تحجب الأبصار؛ لظلمتها. انتهى (٤). وقوله: (أَوْ سَحَابَةٌ) "أو" الظاهر أنها هنا للشكّ من الراوي. وقوله: (اقْرَأْ فُلَانُ) أي: استمرّ على قراءتك، و"فلانُ" منادى بحذف حرف النداء، وقد ثبت في بعض النسخ، حيث قال: "اقرأ يا فلانُ". قال النوويُّ ﵀: قوله ﷺ : (اقرأ فلانُ) وفي الرواية الأخرى: "اقرأ" ثلاث مرات، معناه: كان ينبغي أن تستمرّ على قراءة القرآن، وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هى سبب بقائها. انتهى. [فائدة]: قال الفيّوميُّ ﵀: فلانٌ وفُلانةٌ بغير ألف ولام كناية عن الأَنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: رَكِبتُ الفلانَ، وحَلَبتُ الفلانة. انتهى (٥).

стр. 9216

وقوله: (فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ) الفاء للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بالاستمرار على القراءة؛ لأن الذين شاهدتهم هم الملائكة، لا تخاف منهم محذورًا، فينبغي أن تستمرّ على قراءتك، حتى لا ينقطع حضورهم عندك. (تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ) "أو" للشكّ من الراوي، شكّ هل قال: "عند القرآن"، أو قال: "للقرآن"؟. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: فَذَكَرَا نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: تَنْقُزُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجةٌ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَا) ضمير التثنية لعبد الرحمن بن مهديّ وأبي داود الطيالسيّ. وقوله: (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث محمد بن جعفر، عن شعبة الماضي. وقوله: (تَنْقُزُ) بالقاف المضمومة، وبالزاي، قال النوويُّ ﵀: هذا هو المشهور، ووقع في بعض نسخ بلادنا: "يَنْفِزُ" بالفاء والزاي، وحكاه القاضي عياض عن بعضهم، وغَلَّطه، ومعنى "يَنْقُزُ" بالقاف والزاي يَثِبُ. انتهى.

стр. 9217

وقال القرطبي ﵀: والرواية المشهورة "تنفر" من النفور، وعند أبي بحر "تَنْقُزُ" بالقاف والزاي، ومعناه: تَثِبُ، يقال: نَقَزَ الصبيُّ، وقَفَزَ: إذا وَثَبَ. انتهى (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": وقد وقع في رواية لمسلم "يَنْقُزُ" بقاف وزاي، وخَطَّاه عياض، فإن كان من حيث الرواية فذاك، وإلا فمعناها هنا واضح. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وخطّاه عياض" خطأٌ؛ لأن الذي خطّأه عياض إنما هو ما وقع لبعضهم بلفظ: "ينفز" بالفاء والزاي، لا بالقاف والزاي، كما تقدّم في عبارة النوويّ ﵀، فتبصّر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥٩] (٧٩٦) - (وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيُّ الْحُلْوَانِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ، إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، قَالَ أُسَيْدٌ (٢): فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، قَالَ: فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي (٣)، إِذْ جَالَتْ فَرَسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ"، قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ"، قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ"، قَالَ:

стр. 9218

فَانْصَرَفْتُ، وَكَانَ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ، كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ، مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد، تقدّم قبل باب. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ) الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٩. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. ٨ - (أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ) -بتصغير الاسمين- ابن سماك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى الصحابيّ الجليل، مات ﵁ سنة (٢١) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٧٠٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء.

стр. 9219

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له النسائيّ، والثانى تفرّد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول مكيّ، والثاني بغداديّ، ويعقوب وأبوه مدنيّان وبغداديّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: أبي سعيد، عن البراء ﵄، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن عبد اللَّه بن خبّاب، ورواية الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّاب) ﵀ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (حَدَّثَهُ) أي: عبدَ اللَّه بنَ خبّاب (أَنَّ أُسَيْدَ) مصغّرًا (ابْنَ حُضَيْرٍ) -بضمّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، آخره راء-. [تنبيه]: ظاهر قوله: "أن أُسيد بن حضير. . . إلخ" يدلّ على أن الحديث من مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، لكن الصواب أنه من مسند أُسيد بن حُضير ﵁، لا من مسند أبي سعيد ﵁، والدليل على ذلك قوله: "قال أسيدٌ: فخشيث أن تطأ يحيى. . . " إلى أن قال: "قال: فغدوت على رسول اللَّه ﷺ "، فإنه ظاهر في كون أبي سعيد ﵁ أخذه من أُسيد ﵁. وقد أورد الإمام البخاريّ الحديث في "صحيحه"، فقال معلّقًا: "وقال الليث: حدّثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حُضير. . . " فساق الحديث. ثم قال: "قال ابن الهاد: وحدّثني هذا الحديث عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ، عن أُسيد بن حُضير". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "وقال الليث. . . إلخ" وصله أبو عبيد، في "فضائل القرآن"، عن يحيى بن بكير، عن الليث بالإسنادين جميعًا.

стр. 9220

وقوله: "حدثني يزيد بن الهاد"، هو ابن أسامة بن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد. وقوله: "عن محمد بن إبراهيم" هو التيميّ، وهو من صغار التابعين، ولم يُدرك أُسيد بن حُضير، فروايته عنه منقطعةٌ، لكن الاعتماد في وصل الحديث المذكور على الإسناد الثاني. قال الإسماعيليّ: محمد بن إبراهيم، عن أُسيد بن حُضير مرسلٌ، وعبد اللَّه بن خَبّاب، عن أبي سعيد متصلٌ، ثم ساقه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، بالإسنادين جميعًا، وقال: هذه الطريق على شرط البخاريّ. قال الحافظ: وجاء عن الليث فيه إسناد ثالث، أخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن الليث، وداود بن منصور كلاهما عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني فقط. وأخرجه مسلم، والنسائيّ أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني، لكن وقع في روايته: عن أبي سعيد، عن أُسَيد بن حُضَير، وفي لفظ عن أبي سعد، أن أسيد بن حضير قال، لكن في سياقه ما يدلّ على أن أبا سعيد إنما حمله عن أُسيد، فإنه قال في أثنائه: قال أسيد: فخَشِيت أن يطأ يحيى، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ ، فالحديث من مسند أسيد بن حضير. وليحيى بن بكير فيه عن الليث إسناد آخر، أخرجه أبو عبيد أيضًا من هذا الوجه، فقال: عن ابن شهاب، عن أُبي بن كعب بن مالك، عن أُسيد بن حُضير. انتهى (١). (بَيْنَمَا) تقدّم أن أصلها "بين" الظرفيّة زيدت عليها "ما" (هُوَ لَيْلَةً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ (يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ) بكسر الميم، وفتح الموحّدة: هو الموضع الذي تُجَفَّف فيه التمر، كالْبَيْدر للحنطة ونحوها (٢).

стр. 9221

ووقع في رواية أُبي بن كعب المذكورة: "أنه كان يقرأ على ظهر بيته"، وهذا مغاير للقصة التي فيها أنه كان في مِرْبَدِهِ. وكذا ما جاء أن ابنه كان إلى جانبه، وفرسه مربوطة، فخَشِيَ أن تطأه، وهذا كله مخالفٌ لكونه كان حينئذ على ظهر البيت، إلا أن يراد بظهر البيت خارجه، لا أعلاه فتتحد القصتان، أفاده الحافظ ﵀. وفي رواية محمد بن إبراهيم، عن أُسيد بن حُضير عند البخاريّ: "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة"، وفي رواية ابن أبي ليلى، عن أُسيد بن حُضير: "بينا أنا أقرأ سورة، فلما انتهيت إلى آخرها"، أخرجه أبو عُبيد، ويستفاد منه أنه ختم السورة التي ابتدأ بها. (إِذْ) هي الْفُجائيّة، قال ابن هشام ﵀ في تعداد معاني "إذ": والرابع أن تكون للمفاجأة، نصّ على ذلك سيبويه، وهي الواقعة بعد "بينا"، أو "بينما"، كقوله [من البسيط]: اسْتَقْدِرِ اللَّهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ … فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ وهل هي ظرف مكان، أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجأة، أو حرف توكيد؛ أي: زائد؟ أقوال، راجع تفاصيلها في "المغني" (١). (جَالَتْ فَرَسُهُ) أي: وَثَبَت، قال النوويّ ﵀: قال هنا: "جالت"، فأنّث الفرس، وفي الرواية السابقة: "وعنده فرسٌ مربوط"، فذكّره، وهما صحيحان، والفرس يقع على الذكر والأنثى. انتهى (٢). زاد في رواية البخاريّ: "فَسَكَتَ، فَسَكَنَتْ". (فَقَرَأَ) أي: مرّة أخرى، بعد قطعه القراءة (ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى) أي: مرّةً أخرى (فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا) أي: مرّة ثالثةً، وعند ابن حبّان من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسيد ﵁: "بينما أنا أقرأ الليلةَ سورةَ البقرة إذ سمعت وَجْبَةً من خلفي، فظننت أن فرسي انطلق. . . ". (قَالَ) وفي نسخة: "فقال" (أُسَيْدٌ) ﵁ (فَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة،

стр. 9222

ومضارعه يَخْشَى، أي: خِفْتُ (أَنْ تَطَأَ يَحْيَى) اسم ولده الذي كان نائمًا إلى جنبه (فَقُمْتُ إِلَيْهَا) أي: إلى الفرس؛ ليمنعها من وطئ ولده بيده، أو بإحكام رباطها (فَإِذَا) هي الْفُجائيّة، أي: ففاجأني وجود مثلِ الظلّة. . . إلخ (مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضمّ الظاء، وتشديد اللام: هي السحابة فوق الرأس، مأخوذة من الظلّ، فقوله: (فَوْقَ رَأْسِي) ذُكر توكيدًا (فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ) بضمّتين: جمعُ سِرَاج، وهو: المصباح، شَبّه الأنوار التي راَها في السحابة بالمصابيح، بجامع الإضاءة، ووضوح الأشياء بها، واللَّه تعالى أعلم. (عَرَجَتْ) بفتح الراء: من باب نصر: أي: صَعِدت (فِي الْجَوِّ) -بفتح الجيم، وتشديد الواو- هو: ما بين السماء والأرض، ويُطلق أيضًا على ما اتّسع من الأودية، والجمع: الْجِوَاءُ، بالكسر، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ (١)، والإطلاق الأول هو المراد هنا. وقوله: (حَتَّى مَا أَرَاهَا) "حتّى" غاية لعروجها في الجوّ، و"ما" نافية (قَالَ) أُسيد ﵁ (فَغَدَوْتُ) أي: ذهبت أول النهار، قال الفيّوميّ ﵀: غَدّا غُدُوًّا، من باب قَعَدَ: ذَهَبَ غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الْغُدُوّ غُدًى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدًى، هذا أصله، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِلَ في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، وكمثل قوله ﷺ : "واغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا. . . " الحديث، متّفقٌ عليه؛ أي: وانطلق إليها. انتهى (٢). (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ) تقدّم قريبًا أنها الليلة الماضية، وأن العرب تقول: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة كذا (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض (أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي) وفي نسخة: "في مِرْبَدٍ لي"، وتقدّم أنه مكان تجفيف التمر (إِذْ جَالَتْ فَرَسِي) أي: وثبت، وأنّث الفعل، لما تقدّم. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ") منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا ابن حُضير، وفي رواية البخاريّ بإثباتها. والمعنى؛ أنه كان ينبغي أن تستمرّ على قراءتك، وليس أمرًا له بالقراءة

стр. 9223

في حالة التحديث، وكأنه استحضر صورةَ الحال، فصار كأنه حاضر عنده لَمّا رأى ما رأى، فكأنه يقول: استَمِرّ على قراءتك؛ لتستمر لك البركة بنزول الملائكة، واستماعها لقراءتك، وفَهِمَ أسيد ﵁ ذلك، فأجاب بعذره في قطع القراءة، وهو قوله: "فخَشِيتُ أن تطأ يحيى"؛ أي: خِفْتُ إن استمررت على القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودلّ سياق الحديث على محافظة أسيد ﵁ على خشوعه في صلاته؛ لأنه كان يمكنه أوّلَ ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء، فلم يرفعه حتى اشتد به الْخَطْبُ. ويَحْتَمِلُ أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات. وقال القرطبي ﵀: قوله ﷺ لابن حُضير: "اقرأ" عند إخباره له بما رأى، هو أمر له بالمداومة على القراءة فيما يستأنفه فرحًا بما أطلعه اللَّه تعالى عليه، وكرّر ذلك تأكيدًا. انتهى (١). وفي رواية ابن حبّان من طريق ابن أبي ليلى، عن أُسيد المذكورة: "فقال رسول اللَّه ﷺ : اقرأ يا أبا عَتِيك"، فالتفتّ، فإذا مثل المصباح مُدَلًّى بين السماء والأرض، وأبو عتيك كُنية أُسيد ﵁. (قَالَ) أُسيد ﵁ (فَقَرَأْتُ) أي: مرّةً ثانيةً (ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرِ"، قَالَ) أُسيد ﵁ (فَقَرَأتُ) أي: مرّةً ثالثةً (ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ"، قَالَ) أسيدٌ ﷺ (فَانْصَرَفْتُ) أي: رجعت من صلاتي، والظاهر أنه بعد الخروج منها بالسلام (وَكَانَ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الفرس (خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ) أي: الظلّة التي رأيتها هي الملائكة التي (كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ) أي: لسماع قراءتك، وفي رواية البخاريّ: "تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك"، وفي رواية أُبيّ بن كعب: "وكان أُسيد حسن الصوت"، وفي رواية يحيى بن أيوب، عن

стр. 9224

يزيد بن الهاد، عند الإسماعيليّ أيضًا: "اقرأ أُسَيْدُ، فقد أوتيت من مزامير آل داود"، وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته، وأنها إنما دنت منه؛ لحسن صوته، وجودة قراءته، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَوْ قَرَأْتَ) وفي رواية ابن أبي ليلى: "أما إنك لو مَضَيتَ" (لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ، مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ") قال القرطبي ﵀: يعني: لو دُمت على حالتك في قراءتك لأصبحت على تلك الحال ظاهرةً للناس، لكنه قطع القراءة، فارتفعت الملائكة، وغابت لتخصيص الكرامة به، وليعمَلَ الناس على التصديق بالغيب. انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: "لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم"، وفي رواية ابن أبي ليلى: "لرأيت العجائب"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُسيد بن حُضير ﵁ هذا متّفقٌ عليه، لكن البخاريّ أورده معلّقًا، فقال: وقال الليث: حدّثني يزيد بن الهاد. . . إلخ. [تنبيه]: قد قدّمنا أن هذا الحديث من مسند أُسيد بن حُضير، لكن الحافظ أبو الحجّاج المزيُّ جعله من مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، والحقّ أنه من مسند أُسيد، رواه عنه أبو سعيد ﵁؛ لدلالة سياق الحديث عليه، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٨٥٩] (٧٩٦)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠١٨)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة" (١٤٠) و"فضائل القرآن" (٤١ و ٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٦٦)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٠٤ و ٣٩٠٥ و ٣٩٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٠٩ و ١٨١٠)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9225

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله النوويُّ ﵀: في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، قال الحافظ: كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلًا، والحسن الصوت. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ القراءة، وأنها سبب نزول الرحمة، وحضور الملائكة. قال الحافظ ﵀: الحكم المذكور أعمّ من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة، من سورة خاصة بصفة خاصة، ويَحْتَمِل من الخصوصية ما لم يُذْكَر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ. ٣ - (ومنها): أنه قد أشار في آخر الحديث بقوله: "ما تستتر منهم" إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع، كانوا يستمرّون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم. ٤ - (ومنها): بيان منقبةً عظيمة لأُسيد بن حُضير ﵁. ٥ - (ومنها): بيان فضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا، ولو كان من المباح قد يُفَوِّت الخير الكثير، فكيف لو كان بغير الأمر المباح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٨) - (بابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٠] (٧٩٧) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنْ

стр. 9226

أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا، وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك ﵁ تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) ﵁، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وأبو كامل علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٣ - (ومضها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير قُتيبة، فبغلانيّ، وأبي عوانة، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) بن مالك خادم رسول اللَّه ﷺ الصحابيّ المشهور ﵁، ووقع في رواية البخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا قتادة، قال: حدّثنا أنس بن

стр. 9227

مالك، فصرّح قتادة بالتحديث، فسلم من تُهمة التدليس، على أنه في الرواية من طريق شعبة، عن قتادة، وشعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما صرّحوا بالسماع، وقد قلت في ذلك: شُعْبَةُ لَا يَرْوي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوَا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) عبد اللَّه بن قيس بن حضّار بن سُليم الصحابيّ المشهور ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ) أي: صفةُ (الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما وقع في رواية للبخاريّ من طريق شعبة، عن قتادة، بلفظ: "المؤمن الذي يقرآ القرآن، ويَعْمَل به"، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه، من أمر، ونهي، لا مطلق التلاوة. وعبّر بصيغة المضارع لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يَقري الضيف، ويحمي الحريم، ويُعطي اليتيم. وقال الطيبيّ ﵀: إثبات القراءة في قوله ﷺ : "يقرأ القرآن" على صيغة المضارع، ونفيها في قوله: "لا يقرأ القرآن" ليس المراد منها حصولها مرّة، ونفيها بالكلّية، بل المراد منها الاستمرار، والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هِجّيراه، كقولك؛ فلان يَقْرِي الضيفَ، وَيحمِي الحريم. انتهى (١). (مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية، قاله في "الفتح" (٢). وقال في "القاموس": الأُتْرُجُّ، والأُتْرُجَّةُ، والتُّرُنْجُ، والتُّرُنْجَةُ: معروف. انتهى.

стр. 9228

(رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ) قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه. ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجّة بالتمثيل، دون غيرها من الفاكهة، التي تجمع طيب الطعم والريح، كالتفاحة لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مفرِّحٌ بالخاصية، ويُستخرج من حَبّها دُهن له منافع. وقيل: إن الجنّ لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثَّل به القرآن، الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حَبّه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا، كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ مَعِدة، وجَودة هضم، ولها منافع أخرى، مذكورة في "المفردات". وقال المظهر ﵀: المؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ، طيّب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه مثلُ الأترجّة، يستريح الناس برائحتها. وقال التوربشتيّ ﵀: الْمَثَلُ عبارة عن المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهّم عن المشاهَد، وكان النبيّ ﷺ يُخاطب بذلك العرب، ويُحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعلَ ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه، وعرفوه؛ ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء، ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لا سيما من الثمار الشجريّة التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جِرْمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، وذكاء أَرَجها، تملأ الأكفّ بكبر جِرْمها، وتكسيها لينًا، وتُفعم الخياشيم طيبًا، وتأخذ بالأبصار صبغةً ولوثًا، فاقعٌ لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذواقها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوّة هضم،

стр. 9229

اشتركت الحواسّ الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشمّ، واللمس، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائعَ، فقشرها حارّ يابسٌ، ولحمها حارّ رَطْبٌ، وحماضها باردٌ يابسٌ، وبذرها حارّ مجفّفٌ، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبيّة، وأيّةُ ثمرة تبلُغ هذا المبلغ في كمال الخِلْقة، وشمول المنفعة؟. ثم إنه ﷺ ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويُخرجه الشجر؛ للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخصّ ما يُخرجه الشجر من الأُتْرُجّة والتمر بالمؤمن، وما تُنبته الأرض من الحنظلة والريحانة بالمنافق؛ تنبيهًا على علوّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفًا على ضَعَةِ شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه. قال الطيبيّ ﵀: اعلم أن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوفٍ اشتَمَلَ على معنى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرِزُهُ عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام اللَّه تعالى المجيد له تأثيره في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيب له البتّةَ، وهو المنافق الحقيقيّ، ومن تأثر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني، وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب، ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبّهات والمنبّه بها ورادة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمنٌ، أو غير مؤمن، والثاني إما منافقٌ صِرْفٌ، أو مُلحقٌ به، والأول إما مواظبٌ على القراءة، أو غير مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبّه بها، ووجه الشبه في المذكورات مركّبٌ منتزعٌ من أمرين محسوسين: طعمٌ وريحٌ، وليس بمفرّق، كما في قول امرئ القيس [من الطويل]: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا … لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).

стр. 9230

وقال في "الفتح": [فإن قيل]: لو كان لكثرة التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ، ويعمل، وعكسه، والذي يعمل، ولا يقرأ، وعكسه، والأقاسم الأربعة، ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق، فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله، إذا كان نفاقه نفاق كفر. [وكأن الجواب عن ذلك]: أن الذي حُذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا (١). (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما في الرواية الأخرى (مَثَلُ التَّمْرَةِ) بالتاء المثنّاة، وسكون الميم (لَا رِيحَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: "لا ريح فيها" (وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ) -بفتح الراء- هي: كلّ نبت طَيِّبِ الريح من أنوع المشموم (رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) وفي همّام، عن قتادة: "ومثل الفاجر" بدل المنافق، كما سيشير إليه المصنّف ﵀ (الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ) هي: كلّ نبات يمتدّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يُشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدًّا، ويُضرب المئل بمرارته (٢). (لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ") وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعبة، عن قتادة: "وريحها مر". [واستُشْكِلت]: هذه الرواية من جهة أن المرارة، من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح؟. [وأجيب]: بأن ريحها لما كان كريهًا، استُعير له وصف المرارة. وأطلق الزركشيّ هنا أن هذه الرواية وَهَمٌ، وأن الصواب ما في رواية هذا الباب: "ولا ريح لها"، ثم قال في "كتاب الأطعمة" لَمّا جاء فيه: "ولا ريح لها"، هذا أصوب من رواية الترمذي: "طعمها مر، وريحها مر"، ثم ذكر توجيهها، وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب، وتكلّم عليها، فلذلك نسبها

стр. 9231

للترمذي، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٨٦٠ و ١٨٦١] (٧٩٧)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٢٠ و ٥٠٥٩) و"الأطعمة" (٥٤٢٧) و"التوحيد" (٧٥٦٠)، و (أبو داود) في "الأدب" (٤٨٢٩ و ٤٨٣٠)، و (الترمذيّ) في "الأمثال" (٢٨٦٥)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٥٥٤٠) و"فضائل القرآن" من "الكبرى" (١٠٦ و ١٠٧)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢١٤)، وأخرجه (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٩٣٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٥٩ و ٥٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٧ و ٤٠٣ و ٤٠٤ و ٤٠٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٦٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٠)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١١٧٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة حاملي القرآن، وقارئيه. ٢ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دلّ عليه، لا مطلق التلاوة؛ لقوله في الزيادة السابقة: "ويعمل به". ٣ - (ومنها): تشبيه القرآن بالأترجّة؛ لأنها من أفضل الثمار؛ لكبر جِرمها، وحسن منظرها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، ولونها يسرّ الناظرين. ٤ - (ومنها): أن فيه تشبيه الإيمان بالطعم الطيبّ؛ لكونه خيرًا باطنيًّا، لا يظهر لكلّ أحد، وتشبيه القرآن بالريح الطيّب، ينتفع بسماعه كلُّ أحد، ويظهر سمحًا لكلّ سامع.

стр. 9232

٥ - (ومنها): ما قال التوربشتيّ ﵀ تعالى: إن النبيّ ﷺ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يَهتدِي إليها إلا من أُيِّدَ بالتوفيق: فمنها أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض، ويُخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضُرب للمؤمن نفسِهِ، فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه؛ لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجّة والتمرة، وهما مما يُخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهًا على علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفًا على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه، وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها، فيسقيها، ويُصلح أودها، ويربيها، وكذلك المؤمن يقيّض له من يؤدّبه، ويُعلّمه، ويُهذّبه، ويلُمّ شَعْثه، ويسوّيه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء، والمنافق الذي وُكِلَ إلى شيطانه وطبعه وهواه (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ بَدَلَ "الْمُنَافِقِ": "الْفَاجِرِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.

стр. 9233

٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن ديار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. و"قتادة" ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن أنس، عن أبي موسى الأشعريّ ﵁. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ ﵀، في "صحيحه"، فقال: (٥٠٢٠) حدّثنا هُدْبة بن خالد أبو خالد، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "مثل الذي يقرأ القرآن كالأُتْرُجّة، طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مرّ، ولا ريح لها". ورواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ ﵀ أيضًا، فقال: (٥٠٥٩) حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ قال: "المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ويعمل به كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة، ريحها طيب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة، طعمها مرّ أو خبيث، وريحها مرّ"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9234

(٣٩) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٢] (٧٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامَ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] مات فجأة في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامِ) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ [٣] استُشهد بالهند (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٥/ ١٦٨٨. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) أو بعد ذلك (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.

стр. 9235

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما، ثم قال: "قال ابن عُبيد: حدّثنا أبو عوانة. . . إلخ"؛ إشارة إلى اختلافهما في صيغة الأداء، وأن قُتيبة لم يصرّح بالتحديث. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن عُبيد، فتفرّد به هو وأبو داود والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو قتيبة، وواسطيّ، وهو أبو عوانة، ومدنيّين، وهما: عائشة وسعد، وبصريين، وهم الباقون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: قتادة، عن زُرارة، عن سعد. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ أفقه نساء الأمة، وأكثرهنّ روايةً، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) أي: الحاذق بها، يقال: مَهَرَ في العلم وغيره يَمْهَرُ بفتحتين مُهُورًا ومَهَارَةً، فهو ماهرٌ؛ أي: حاذقٌ عالمٌ بذلك، ومَهَرَ في صناعته، ومَهَر بها، ومَهَرَهَا: أتقنها معرفةً، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). قال القرطبيُّ ﵀ نقلًا عَن الهرويُّ ﵀: أصل المهارة: الحِذْقُ بالسباحة، قال: ومنه قول امرئ القيس [من الرمل]: وَتَرَى الضَّبَّ خَفِيفًا مَاهِرًا … ثَانِيًا بُرْثُنَهُ مَا يَنْعَفِرْ قال المهلّب ﵀: المهارة في القرآن: جَوْدة التلاوة بجودة الحفظ، ولا يتردّد فيه؛ لأنه يسّره اللَّه تعالى عليه، كما يسّره على الملائكة، فهو على مثلها في الحفظ والدرجة. انتهى (٢).

стр. 9236

وقال النوويّ ﵀: الحاذق: الكاملُ الحفظِ الذي لا يَتَوَقَّف، ولا تَشُقّ عليه القراءة بجودة حفظه، وإتقانه. انتهى. (مَعَ السَّفَرَةِ) بفتحات: جمع سافر ككاتب وكتبة، قال في "الخلاصة": . . . . . . . . . . . . . … وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ والسافر: الرسول، والسَّفَرَةُ: الرُّسُلُ؛ لأنهم يَسْفِرُون إلى الناس برسالات اللَّه، وقيل: السَّفَرةُ: الكتبة، قاله النوويُّ ﵀. وفعله من باب ضَرَبَ، يقال: سَفَرْتُ بين القوم سِفَارَةً بالكسر: إذا أصلحت بينهم. وقال البخاريُّ ﵀ في "صحيحه" في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] الآية، ما حاصله: السَفَرةُ هم: الملائكة، واحدهم سافر، سَفَرْتُ: أصلحت بينهم، وجُعِلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللَّه وتأديته، كالسفير الذي يُصْلِح بين القوم. انتهى. قال في "الفتح": هو قول الفراء بلفظه، وزاد: قال الشاعر [من الوافر]: وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … وَمَا أَمْشِي بِغَشٍّ إِنْ مَشَيْتُ وقد تمسك به من قال: إن جميع الملائكة رسل اللَّه، وللعلماء في ذلك قولان، الصحيح أن فيهم الرسل وغير الرسل، وقد ثبت أن منهم الساجد فلا يقوم، والراكع فلا يعتدل. . . الحديث. واحتج الأول بقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ الآية [فاطر: ١]. وأجيب بقول اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. انتهى (١). وقال القرطبي ﵀: "السَّفَرَةُ": جمع سافر، وهم ملائكة الوحي، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يسفرون بين اللَّه وبين خلقه، وقيل: هم الملائكة، والكاتب يُسمَّى سافرًا، ومنه أسفار الكاتب، وعلى هذا فيكون وجهُ كونهم مع الملائكة أن حَمَلَة القرآن يُبلّغون كلام اللَّه تعالى إلى خلقه، فهم سُفَراءُ بين رُسُل اللَّه وبين خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة، ويستفيد من هذا حملة

стр. 9237

القرآن: التجوّز في التبليغ والتعليم والاجتهاد في تحصيل الصدق، وإخلاص النيّة للَّه تعالى حتى تصحّ لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازلَ، يكون فيها رفيقًا للملائكة السَّفَرَة؛ لاتصافه بصفتهم، من حمل كتاب اللَّه تعالى، قال: ويَحْتَمِلُ أن يراد أنه عامِلٌ بعملهم، وسالِكٌ مسلكهم. انتهى. (الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) بفتحات: جمع بارّ، وهم: المطيعون من الْبِرِّ، وهو الطاعة. (وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ) أي: يتردّد في تلاوته؛ لضعف حفظه، والتعتعة في الكلام: هو الْعِيّ، وقوله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن القرآن شاقّ وصَعْبٌ على القارئ (لَهُ أَجْرَانِ") أجر بالقراءة، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته، وقال القرطبيّ ﵀: إنما كان له أجران، من حيث التلاوة، ومن حيث المشقّة، ودرجات الماهر فوق ذلك كلّه؛ لأنه قد كان القرآن متعتعًا عليه، ثم تَرَقَّى عن ذلك إلى أن تشبّه بالملائكة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). وقال النوويّ: قال القاضي عياض وغيره من العلماء: ليس معناه أن الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا؛ لأنه مع السَّفَرَة، وله أجور كثيرة، ولم تُذكَر هذه المنزلة لغيره، وكيف يُلْحَق به من لم يَعْتَنِ بكتاب اللَّه تعالى، وحفظه، وإتقانه، وكثرة تلاوته، وروايته كاعتنائه حتى مَهَرَ فيه؛ واللَّه أعلم. انتهى. [تنبيه]: وقع هذا الحديث عند البخاريّ بلفظ: "مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السَّفَرَة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "مَثَلُ" -بفتحتين- أي: صفته، وهو كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥].

стр. 9238

وقوله: وهو حافظ له مع السَّفَرة الكرام البررة، قال ابن التين: معناه: كأنه مع السَّفَرَة فيما يستحقه من الثواب. قال الحافظ: أراد بذلك تصحيح التركيب، وإلا فظاهره أنه لا ربط بين المبتدأ الذي هو "مَثَلُ" والخبر الذي هو "مع السفرة"، فكأنه قال: المثل بمعنى الشبيه، فيصير كأنه قال: شبيه الذي يحفظ كائن مع السفرة، فكيف به؟. وقال الخطابيّ: كأنه قال: صفته، وهو حافظ له، كأنه مع السفرة، وصفته وهو عليه شديد أن يستحق أجرين. وقوله: "ومثل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران"، قال ابن التين: اختُلِف هل له ضعف أجر الذي يقرأ القرآن حافظًا، أو يضاعف له أجره، وأجر الأول أعظم؟ قال: وهذا أظهر، ولمن رجّح الأول أن يقول: الأجر على قدر المشقة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٨٦٢ و ١٨٦٣] (٧٩٨)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٩٣٧)، و (أبو داود) في (١٤٥٤)، و (الترمذيّ) في (٢٩٠٤)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٧٠ و ٧١ و ٧٢)، و (ابن ماجه) في "الأدب" (٣٧٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٨ و ٩٤ و ٩٨ و ١١٠ و ١٧٠ و ١٩٢ و ٢٣٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٤٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٠٠ و ٣٨٠١ و ٣٨٠٢ و ٣٨٠٣ و ٣٨٠٥ و ٣٨٠٦ و ٣٨٠٧ و ٣٨٠٨ و ٣٨٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨١٤

стр. 9239

و ١٨١٥ و ١٨١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٧٣ و ١١٧٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على حفظ القرآن، وإتقانه، وبيان علوّ منزلة من فعل ذلك. ٢ - (ومنها): بيان فضل الماهر بالقرآن. ٣ - (ومنها): بيان مضاعفة أجر من يتتعتع بالقرآن بسبب كثرة نصبه، وشدّة معاناته؛ إذ الثواب على قدر النصب، فقد قال النبيّ ﷺ لعائشة ﵂ في عمرتها: "إن لك من الأجر على قدر نصبك، ونفقتك"، رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وهو كما قال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: "وَالَّذِي يَقْرَأُ (١)، وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل حديث. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،

стр. 9240

ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (هِشَام الدَّسْتَوَائِيُّ) ابن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. و"قتادة" ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) الضمير لسعيد بن أبي عَرُوبة، وهشام الدستوائيّ. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد قتادة السابق، وهو: عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام ابن ماجه ﵀، فقال: (٣٧٧٩) حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السَّفَرَة الكرام البررة، والذي يقرؤه يتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران اثنان". انتهى. وأما رواية هشام، عن قتادة هذه، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٥٠٦٣) حدّثنا وكيع، حدّثنا هشام، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو يَشْتَدُّ عليه، له أجران". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9241

(٤٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْحَذْقِ (١) فَيهِ، وَإنْ كَانَ الْقَارِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٤] (٧٩٩) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ"، قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "اللَّهُ سَمَّاكَ لِي"، قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قبل باب، و"همّام" هو: ابن يحيى، ومن لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيِّ) بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ النجاريّ، يكنى أبا المنذر، وأبا الطُّفَيل، كان من السابقين من الأنصار، شَهِدَ العقبة، وبدرًا، وما بعدهما، ومات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦. ("إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) زاد في الرواية التالية: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البينة: ١]، وزاد الحاكم من وجه آخر عن زِرّ بن حُبَيش، عن أُبَيّ بن كعب، أن النبيّ ﷺ قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، وقرأ فيها: "إن ذات الدين عند اللَّه الحنيفية، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية، من يَفْعَل خيرًا، فلم يكفره"، قاله في "الفتح" (٢).

стр. 9242

وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن نبي اللَّه ﷺ قال لأُبي بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرئك القرآن"، قال: آللَّه سماني لك؟ قال: "نعم"، قال: وقد ذُكِرتُ عند رب العالمين؟ قال: "نعم"، فذَرَفَت (١) عيناه. قال في "الفتح": قوله: "أن أُقرئك" أي: أُعلّمك بقراءتي عليك كيف تقرأ، حتى لا تتخالف الروايتان، وقيل: الحكمة فيه؛ لتحقّق قوله تعالى فيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ [البينة: ٢]. انتهى (٢). (قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟) بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ باسمي، أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال له: "نعم" بَكَى، إما فرَحًا وسُرُورًا بذلك، وإما خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة، قاله في "الفتح" (٣). وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "آللَّه سمّاني لك؟ " بهمزة الاستفهام على التعجّب منه؛ إذ كان ذلك عنده مستبعدًا؛ لأن تسمية اللَّه تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبيّ ﷺ تشريف عظيمٌ، وتأهيلٌ لم يَحصُل مثله لأحد من الصحابة ﵃، ولذلك لَمّا أخبره بذلك بَكَى من شدّة الفرح والسرور؛ لحصول تلك المنزلة الشريفة، والرتبة المنيفة. انتهى (٤). (قَالَ) ﷺ ("اللَّهُ سَمَّاكَ لِي") وفي رواية للطبراني من وجه آخر، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: "نعم باسمك، ونسبك في الملأ الأعلى" (قَالَ) أنس ﵁ (فَجَعَلَ) أي: شَرَع وأخذ (أُبَيٌّ) ﵁ (يَبْكِي) قال القرطبيُّ: تَعَجَّب أُبَيٌّ ﵁ من ذلك؛ لأن تسمية اللَّه له، ونصَّه عليه؛ ليقرأ عليه النبيّ ﷺ تشريف عظيمٌ، فلذلك بَكَى، إما فرحًا، وإما خشوعًا. وقال أبو عبيد ﵀: المراد بالعرض على أُبَيّ ﵁؛ ليتعلم أُبَيّ منه القراءة، ويتثبت فيها، وليكون عَرْضُ القرآن سنةً، وللتنبيه على فضيلة أُبَيّ بن

стр. 9243

كعب، وتقدُّمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبيّ ﷺ شيئًا بذلك العرض. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٨٦٤ و ١٨٦٥ و ١٨٦٦] (٧٩٩)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٠٩) و"التفسير" (٤٩٥٩ و ٤٩٦٠ و ٤٩٦١)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٢)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١٣٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٤١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠ و ١٣٧ و ٢١٨ و ٢٣٣ و ٢٧٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨١٧ و ١٨١٨) وفي "الحلية" (١/ ٢٥١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٩٥ و ٣٢٤٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب قراءة القرآن على الْحُذّاق فيه، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه. ٢ - (ومنها): استحباب تواضع الإنسان في أخذ العلم من أهله، وإن كان دونه. ٣ - (ومنها): بيان المنقبة الشريفة لأُبَيّ بن كعب ﵁ بقراءة النبيّ ﷺ عليه، ولا يُعْلَم أحدٌ من الناس شاركه في هذا. ٤ - (ومنها): بيان منقبة أخرى لأُبيّ ﵁ أيضًا، وهي أنه ذكره اللَّه تعالى، ونصَّ عليه في هذه المنزلة الرفيعة. ٥ - (ومنها): بيان جواز البكاء للسرور والفرح مما يُبَشَّر الإنسان به، ويعطاه من معالي الأمور. ٦ - (ومنها): أنه إنما قال أُبيّ ﵁: "آللَّه سماني لك؟ "؛ لأنه يجوز أن

стр. 9244

يكون اللَّه تعالى أمر النبيّ ﷺ أن يقرأ على رجل من أمته، ولم يَنُصّ على أُبَيّ، فأراد أُبَيّ أن يتحَقَّق، هل نَصّ عليه، أو قال: على رجل؟ فيؤخذ منه الاستثبات في المحتَمِلات. ٧ - (ومنها): أنه اختُلِف في الحكمة في قراءته ﷺ على أُبَيّ ﵁، والمختار أن سببها أن تَسْتَنَّ الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل، ويتعلموا آداب القراءة، ولا يَأْنَفَ أحدٌ من ذلك. وقيل: للتنبيه على جلالة أُبَيّ ﵁، وأهليته لأخذ القرآن عنه، وكان بعده ﷺ رأسًا، وإمامًا في إقراء القرآن، وهو أجلّ ناشرته، أو من أجلّهم، ويتضمن معجزة لرسول اللَّه ﷺ . ٨ - (ومنها): ما قيل: إن تخصيص هذه السورة، فلأنها وَجِيزةٌ جامعةٌ لقواعد كثيرة من أصول الدين، وفروعه ومهماته، والإخلاص، وتطهير القلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله النوويّ ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: خَصّ هذه السورة بالذكر؛ لما اشتملت عليه من التوحيد، والرسالة، والإخلاص، والصُّحُف، والكُتُب المنزلة على الأنبياء ﵈ وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار مع وَجَازتها، ذكره في "الفتح" (١). ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: إنما قرأ النبيّ ﷺ على أُبيّ ﵁؛ ليتلقّن عنه أُبيّ كيفيّة القراءة وصفتها مشافهةً، وليُبيّن طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه، وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قراءة التلميذ على الشيخ، وكلاهما طريق صحيحٌ. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ

стр. 9245

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَبَكَى). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل بابين، و"قتادة، وأنس ﵄" ذُكرا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيٍّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي. [تنبيه]: قال النوويُّ ﵀: هذه الأسانيد الثلاثة رواتها كلهم بصريّون، وهذا من المستطرفات أن يجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد، وقد سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريّ، كما سبق بيانه غير مرة. وفي الطريق الثالث فائدةٌ حسنةٌ، وهي أن قتادة صَرَّح بالسماع من أنس ﵁، بخلاف الأولين، وقتادةُ مدلِّسٌ، فينتفي أن يُخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم غير مرّة أن شعبة إذا روى عن شيخه المدلّسين، كقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، والأعمش، لا يروي عنهم إلا ما
следующие страницы →