(٤٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْحَذْقِ (١) فَيهِ، وَإنْ كَانَ الْقَارِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٤] (٧٩٩) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ"، قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "اللَّهُ سَمَّاكَ لِي"، قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قبل باب، و"همّام" هو: ابن يحيى، ومن لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٩) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيِّ) بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ النجاريّ، يكنى أبا المنذر، وأبا الطُّفَيل، كان من السابقين من الأنصار، شَهِدَ العقبة، وبدرًا، وما بعدهما، ومات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
("إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) زاد في الرواية التالية: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البينة: ١]، وزاد الحاكم من وجه آخر عن زِرّ بن حُبَيش، عن أُبَيّ بن كعب، أن النبيّ ﷺ قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، وقرأ فيها: "إن ذات الدين عند اللَّه الحنيفية، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية، من يَفْعَل خيرًا، فلم يكفره"، قاله في "الفتح" (٢).
стр. 9242
وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن نبي اللَّه ﷺ قال لأُبي بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرئك القرآن"، قال: آللَّه سماني لك؟ قال: "نعم"، قال: وقد ذُكِرتُ عند رب العالمين؟ قال: "نعم"، فذَرَفَت (١) عيناه.
قال في "الفتح": قوله: "أن أُقرئك" أي: أُعلّمك بقراءتي عليك كيف تقرأ، حتى لا تتخالف الروايتان، وقيل: الحكمة فيه؛ لتحقّق قوله تعالى فيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ [البينة: ٢]. انتهى (٢).
(قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟) بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ باسمي، أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال له: "نعم" بَكَى، إما فرَحًا وسُرُورًا بذلك، وإما خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة، قاله في "الفتح" (٣).
وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "آللَّه سمّاني لك؟ " بهمزة الاستفهام على التعجّب منه؛ إذ كان ذلك عنده مستبعدًا؛ لأن تسمية اللَّه تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبيّ ﷺ تشريف عظيمٌ، وتأهيلٌ لم يَحصُل مثله لأحد من الصحابة ﵃، ولذلك لَمّا أخبره بذلك بَكَى من شدّة الفرح والسرور؛ لحصول تلك المنزلة الشريفة، والرتبة المنيفة. انتهى (٤).
(قَالَ) ﷺ ("اللَّهُ سَمَّاكَ لِي") وفي رواية للطبراني من وجه آخر، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: "نعم باسمك، ونسبك في الملأ الأعلى" (قَالَ) أنس ﵁ (فَجَعَلَ) أي: شَرَع وأخذ (أُبَيٌّ) ﵁ (يَبْكِي) قال القرطبيُّ: تَعَجَّب أُبَيٌّ ﵁ من ذلك؛ لأن تسمية اللَّه له، ونصَّه عليه؛ ليقرأ عليه النبيّ ﷺ تشريف عظيمٌ، فلذلك بَكَى، إما فرحًا، وإما خشوعًا.
وقال أبو عبيد ﵀: المراد بالعرض على أُبَيّ ﵁؛ ليتعلم أُبَيّ منه القراءة، ويتثبت فيها، وليكون عَرْضُ القرآن سنةً، وللتنبيه على فضيلة أُبَيّ بن
стр. 9243
كعب، وتقدُّمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبيّ ﷺ شيئًا بذلك العرض. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٨٦٤ و ١٨٦٥ و ١٨٦٦] (٧٩٩)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٠٩) و"التفسير" (٤٩٥٩ و ٤٩٦٠ و ٤٩٦١)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٩٢)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١٣٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٤١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠ و ١٣٧ و ٢١٨ و ٢٣٣ و ٢٧٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨١٧ و ١٨١٨) وفي "الحلية" (١/ ٢٥١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٩٥ و ٣٢٤٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب قراءة القرآن على الْحُذّاق فيه، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه.
٢ - (ومنها): استحباب تواضع الإنسان في أخذ العلم من أهله، وإن كان دونه.
٣ - (ومنها): بيان المنقبة الشريفة لأُبَيّ بن كعب ﵁ بقراءة النبيّ ﷺ عليه، ولا يُعْلَم أحدٌ من الناس شاركه في هذا.
٤ - (ومنها): بيان منقبة أخرى لأُبيّ ﵁ أيضًا، وهي أنه ذكره اللَّه تعالى، ونصَّ عليه في هذه المنزلة الرفيعة.
٥ - (ومنها): بيان جواز البكاء للسرور والفرح مما يُبَشَّر الإنسان به، ويعطاه من معالي الأمور.
٦ - (ومنها): أنه إنما قال أُبيّ ﵁: "آللَّه سماني لك؟ "؛ لأنه يجوز أن
стр. 9244
يكون اللَّه تعالى أمر النبيّ ﷺ أن يقرأ على رجل من أمته، ولم يَنُصّ على أُبَيّ، فأراد أُبَيّ أن يتحَقَّق، هل نَصّ عليه، أو قال: على رجل؟ فيؤخذ منه الاستثبات في المحتَمِلات.
٧ - (ومنها): أنه اختُلِف في الحكمة في قراءته ﷺ على أُبَيّ ﵁، والمختار أن سببها أن تَسْتَنَّ الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل، ويتعلموا آداب القراءة، ولا يَأْنَفَ أحدٌ من ذلك.
وقيل: للتنبيه على جلالة أُبَيّ ﵁، وأهليته لأخذ القرآن عنه، وكان بعده ﷺ رأسًا، وإمامًا في إقراء القرآن، وهو أجلّ ناشرته، أو من أجلّهم، ويتضمن معجزة لرسول اللَّه ﷺ .
٨ - (ومنها): ما قيل: إن تخصيص هذه السورة، فلأنها وَجِيزةٌ جامعةٌ لقواعد كثيرة من أصول الدين، وفروعه ومهماته، والإخلاص، وتطهير القلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله النوويّ ﵀.
وقال القرطبيّ ﵀: خَصّ هذه السورة بالذكر؛ لما اشتملت عليه من التوحيد، والرسالة، والإخلاص، والصُّحُف، والكُتُب المنزلة على الأنبياء ﵈ وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار مع وَجَازتها، ذكره في "الفتح" (١).
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: إنما قرأ النبيّ ﷺ على أُبيّ ﵁؛ ليتلقّن عنه أُبيّ كيفيّة القراءة وصفتها مشافهةً، وليُبيّن طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه، وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قراءة التلميذ على الشيخ، وكلاهما طريق صحيحٌ. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ
стр. 9245
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَبَكَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل بابين، و"قتادة، وأنس ﵄" ذُكرا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيٍّ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
[تنبيه]: قال النوويُّ ﵀: هذه الأسانيد الثلاثة رواتها كلهم بصريّون، وهذا من المستطرفات أن يجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد، وقد سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريّ، كما سبق بيانه غير مرة.
وفي الطريق الثالث فائدةٌ حسنةٌ، وهي أن قتادة صَرَّح بالسماع من أنس ﵁، بخلاف الأولين، وقتادةُ مدلِّسٌ، فينتفي أن يُخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم غير مرّة أن شعبة إذا روى عن شيخه المدلّسين، كقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، والأعمش، لا يروي عنهم إلا ما
стр. 9246
صرّحوا فيه بالسماع، فلا تضرّ عنعنتهم، وقد نظمت ذلك مع زيادة رواية الليث عن أبي الزبير، ويحيى القطّان عن شيوخه، فقلت:
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا
مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ
كَذَلِكَ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعًا يُؤْتَمَنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ تَخْشَى يَا فَطِنْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاغْتَنِمَا
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ … يَصْبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن خالد بن الحارث حدّث عن شعبة بمثل حديث محمد بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ، وَالْبُكَاءِ عِنْدَ سَمَاعِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٧] (٨٠٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ"، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرَأُ (١) عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
стр. 9247
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة وَرعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) عن (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السلمانيّ -بسكون اللام، ويقال: بفتحها- المراديّ، أبو عمر الكوفيّ، التابعيّ الكبير ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ [٢] مات قبل (٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٩/ ٤٦٨.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ الصحابيّ الشهير، أبو عبد الرحمن، نزل الكوفة، ومات سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما، ثم فصل بقوله: "قال أبو بكر. . . إلخ" يعني: أن شيخه الأول صرّح بتحديث حفص له، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
стр. 9248
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، ورواية الأولين من رواية الأقران.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جَمّة، فإنه من مشاهير الصحابة ﵃، ومن السابقين الأولين، ومن كبار العلماء المفتين، وأمّره عمر ﵁ على الكوفة، وكان من أقرأ الصحابة ﵃، أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، قال النبي ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا، كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
وأخرج الإمام أحمد، عن معاوية بن عمرو، قال: حدّثنا زائدة، حدّثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ، عن عبد اللَّه، أن النبيّ ﷺ أتاه بين أبي بكر وعمر، وعبد اللَّه يصلي، فافتتح "النساء"، فسَحَلَها (١)، فقال النبيّ ﷺ : "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا، كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، ثم تقدم يسأل، فجعل النبيّ ﷺ يقول: "سل تعطه، سل تعطه، سل تعطه"، فقال فيما سأل: "اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتدّ، ونعيمًا لا يَنفَد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد"، قال: فأتى عمر ﵁ عبد اللَّه ليبشّره، فوجد أبا بكر ﵁ قد سبقه، فقال: إن فعلتَ، لقد كنت سَبّاقًا بالخير.
وهذا حديث حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ) أي: بعضه، وفي زيادة هنّاد الآتية: "قال لي رسول اللَّه ﷺ : وهو على المنبر: اقرأ عليّ"، (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرَأُ (٢)
стр. 9249
عَلَيْكَ) هكذا في معظم النسخ: "أقرأ" بهمزة واحدة، وهو بتقدير همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ: "أأقرأ عليك" بهمزتين (وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والجملة حال من الكاف في "عليك" الأول؛ أي: والحال أن القرآن أنزله اللَّه عليك، فأنت أحقّ بقراءته من غيرك؛ إذ جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى (قَالَ) ﷺ : ("إِنِّي أَشْتَهِي) وفي الرواية الآتية: "إني أحبّ" (أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي") قال ابن بطّال ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون أحبّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عرض القرآن سنّةً، ويَحْتَمِلُ أن يكون لكي يتدبّره، ويتفهّمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على أُبيّ بن كعب ﵁، فإنه أراد أن يُعلّمه كيفيّة أداء القراءة، ومخارج الحروف، ونحو ذلك. انتهى (١).
(فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ) أي: قرأت عليه ﷺ سورة النساء من أولها، كما يأتي في الرواية التالية بلفظ: "فقرأ عليه من أول سورة النساء" (حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]) يشهد على كفرهم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ الآية [المائدة: ١١٧].
فـ "كيف" في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل في "إذا" هو هذا المقدّر، أو في محلّ نصب بفعل محذوف؛ أي: فكيف يكونون، أو يصنعون، ويجري فيه الوجهان: النصب على التشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرفيّة، كما هو مذهب الأخفش، وهو العامل في "إذا" أيضًا.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ متعلّق بـ ﴿جِئْنَا﴾، والمعنى أنه يؤتى بنبيّ كلّ أمّة يشهد عليها ولها (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمد (﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾) أي: أمّتك (﴿شَهِيدًا﴾) حال أي: شاهدًا لمن آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق، وقيل: أي: تشهد على صدق هؤلاء الشهداء؛ لحصول علمك بعقائدهم؛ لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم.
стр. 9250
وقال أبو حيّان: الأظهر أن هذه الجملة في موضع جرّ؛ عطفًا على ﴿جِئْنَا﴾ الأول؛ أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئين.
وقال المظهر ﵀: قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ الآية [النساء: ٤١] يعني: فكيف حال الناس في يوم تحضر أمة كلّ نبيّ، ويكون نبيّهم شهيدًا بما فَعَلُوا من قبولهم له، أو ردّهم إياه؟ وكذلك نفعل بك يا محمد وبأمتك. انتهى.
وتعقّبه الطيبيُّ ﵀ بأن هذا المعنى ينافي قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: حفيظًا ومزكّيًا لكم، فالشهادة لهم لا عليهم، فكيف يُفسّر هذا بما يناقضه، بل المعنِيُّ بهؤلاء أشخاصٌ معيّنون من الكفرة.
وقال في "الكشّاف": المعنى: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فَعَلوا، وهو نبيّهم؟.
قال: وأما بكاؤه ﷺ فلفَرط رأفته، ومزيد شفقته، حيث عزّ عليه عَنَتُهُم، فعزّى عليهم، وبَكَى، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أنه لا تنافي بين الآيتين على تفسير المظهر ﵀؛ لأنه ﷺ يشهد على أمته بما لهم وما عليهم كما يشهد الأنبياء على أممهم، ثم الذين شهد لهم النبيّ ﷺ بالخير والصلاح من أمته يكونون شهداء على أمم الأنبياء، فلا تعارض بين الآيتين، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال ابن أبي حاتم ﵀ في "تفسيره": حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا الصَّلْتُ بن مسعود الْجَحْدريّ، حدّثنا فُضيل بن سليمان، حدّثنا يونس بن محمد بن فَضَالة الأنصاريّ، عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ أتاهم في بني ظَفَر، فجلس على الصخرة التي في بني ظَفَر اليوم، ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر النبيّ ﷺ قارئًا، فقرأ حتى أتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
стр. 9251
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، فبكى رسول اللَّه ﷺ حتى اضطرب لَحْيَاه وجنباه، فقال: "يا رب هذا شهدتُ على من أنا بين أظهرهم، فكيف بمن لم أره". انتهى (١).
وأخرج ابن المبارك في "الزهد" من طريق سعيد بن المسيِّب قال: ليس من يوم إلا تُعرض على النبيّ ﷺ أمته غُدْوةً وعشيةً، فَيَعْرِفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكره هذا الأثر ما نصّه: ففي هذا المرسل ما يَرْفَع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أثر ابن المسيِّب ﵀ هذا ضعيف، فلا يرفع الإشكال المذكور، وقد أوضح ضعفه الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره"، حيث قال:
وأما ما ذكره أبو عبد اللَّه القرطبيّ في "التذكرة" حيث قال: "باب ما جاء في شهادة النبيّ ﷺ على أمته"، قال ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو، أنه سمع سعيد بن المسيِّب يقول: ليس من يوم إلا تُعْرَض فيه على النبيّ ﷺ أمته غُدْوةً وعشيّةً، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يَشهَد عليهم، يقول اللَّه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، فإنه أَثَرٌ، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يُسَمّ، وهو من كلام سعيد بن المسيِّب لم يرفعه، وقد قبله القرطبيّ، فقال بعد إيراده: قد تقدَّم أن الأعمال تُعْرَض على اللَّه كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يَحْتَمِل أن يُخَصّ نبينا ﷺ بما يُعْرَض عليه كلَّ يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الأثر مع ضعفه يعارض الحديث الذي
стр. 9252
أخرجه الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تُحْشَرُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فأول من يُكْسَى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين، وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح، عيسى ابن مريم: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
فهذا الحديث الصحيح المتّفق عليه يردّ على أثر ابن المسيّب المذكور؛ إذ هو نصّ في كونه ﷺ لا يَعرف أعمال أمته بالتفصيل بعد موته.
وكذلك يردّه ما تقدّم من حديث فضالة الأنصاريّ ﵁، ففيه قوله ﷺ : "يا رب هذا شَهِدتُ على من بين أظهرهم، فكيف بمن لم أره؟ ".
وكذا ما أخرجه ابن جرير الطبريّ، بسنده عن جعفر بن عمرو بن حُرَيث، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : "شهيد عليهم ما دمتُ فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" (١).
والحاصل أن عرض أعمال الأمة كلّها على النبيّ ﷺ بعد موته ليس عليه دليلٌ صحيح، إلا ما ورد من عرض الصلاة عليه ﷺ ، فقد أخرج الطبرانيّ عن عمار بن ياسر ﵄، مرفوعًا: "إن للَّه تعالى ملكًا أعطاه سَمْعَ العباد، فليس من أحد يصلي عليّ، إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي أن لا يصلي عليّ عبد صلاةً إلا صلى عليه عشر أمثالها" (٢)، وهو حديث حسنٌ.
وكذا ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود بسند حسن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من أحد يُسَلِّم عليّ إلا ردّ اللَّه عليّ روحي، حتى أردّ ﵇"، واللَّه تعالى أعلم.
(رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي (غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي) يَحْتَمل أن يكون من الغمز بمعنى الإشارة بالعين، وغيرها، ويَحْتَمل أن يكون من الغمز
стр. 9253
باليد، وهو الجسّ، قال الفيّوميّ ﵀: غَمَزَه غَمْزًا، من باب ضَرَبَ: أشار إليه بعين، أو حاجب، وليس فيه غَمِيزَةٌ، ولا مَغْمَزٌ: أي: عَيْبٌ، وغَمَزْتُهُ بيدي، من قولهم: غَمَزتُ الكبش بيدي: إذا جسسته؛ لتعرف سِمَنَهُ. انتهى (١).
(فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) وفي رواية البخاريّ: "فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، قال: "أَمْسِكْ"، فإذا عيناه تَذْرِفان"، وفي رواية له: "قال: حسبك الآن، فالتفتُّ، إليه فإذا عيناه تَذْرِفان".
ومعنى "تَذْرفان" أي: تُطلِقان دمعهما.
قال ابن بطال ﵀: إنما بَكَى ﷺ عند تلاوته هذه الآية؛ لأنه مَثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشِدَّة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمرٌ يَحِقّ له طول البكاء. انتهى.
وقال الحافظ ﵀: الذي يظهر أنه بَكَى رحمةً لأمته؛ لأنه عَلِمَ أنه لا بُدّ أن يشهد عليهم بعَمَلهم، وعَمَلُهُم قد لا يكون مُستقيمًا، فقد يفضي إلى تعذيبهم، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا تنافي بين ما ذكره ابن بطّال ﵀ من أسباب البكاء، وبين ما استظهره الحافظ ﵀، فالأولى أن المجموع أسباب للبكاء، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "المرعاة": بكاؤه ﷺ لفرط رحمته على الْمُفَرِّطين، أو لعظم ما تضمّنته الآية من هول المطلع، وشدّة الأمر.
وقيل: إن هذا البكاء بكاء فَرَح، لا بكاء جَزَعٍ؛ لأنه تعالى جعل أمته شُهداء على سائر الأمم، كما قال الشاعر [من الكامل]:
طَفَحَ السُّرُورُ عَلَيَّ حَتَّى إِنَّهُ … مِنْ عُظْمِ مَا قَدْ سَرَّنِي أَبْكَانِي (٢)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون هذا البكاء من نوع بكاء الفرح مما لا يخفى بعده، فالحقّ أنه بكاء خوف وشفقة، كما أسلفناه آنفًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9254
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٨٦٧ و ١٨٦٨ و ١٨٦٩] (٨٠٠)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٨٢) و"فضائل القرآن" (٥٠٤٩ و ٥٠٥٠ و ٥٠٥٥ و ٥٠٥٦)، وأبو داود في "العلم" (٣٦٦٨)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٢٥) وفي "الشمائل" (٣١٦)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١٠٠ و ١٠٣ و ١٠٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٠ و ٤٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٣٥ و ٧٠٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٣١ و ٣٨٣٢ و ٣٨٣٣ و ٣٨٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨١٩ و ١٨٢٠ و ١٨٢١) وفي "الحلية" (٧/ ٢٠٣)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٣١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٣١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٨٤٦٠ و ٨٤٦١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥٢٢٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢٢٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب استماع القراءة، والإصغاء إليها، والبكاء عندها، والتدبّر فيها.
٢ - (ومنها): استحباب طلب القراءة من الحافظ المجوّد لقراءته للاستماع إليه، وهي أبلغ في التفهّم والتدبّر من القراءة بنفسه.
٣ - (ومنها): أن فيه تواضعَ أهل العلم والفضل، ولو مع أتباعهم.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان منقبة عبد اللَّه بن مسعود ﵁، حيث طلب النبيّ ﷺ أن يقرأ عليه القرآن.
٥ - (ومنها): استحباب البكاء عند قراءة القرآن، قال النوويُّ ﵀: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشِعار الصالحين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، والأحاديث فيه كثيرة، قال: فإن عزّ عليه البكاء تباكى؛ لحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ مرفوعًا: "إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة، فإذا قرأتموه فابكُوا،
стр. 9255
فإن لم تبكُوا فتباكَوْا. . . " الحديث (١).
وقال الغزاليّ ﵀: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يُحضر قلبه الحزن، والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والوثائق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزنٌ فَلْيَبك على فقد ذلك؛ فإنه من أعظم المصائب (٢).
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: إنما بكى النبيّ ﷺ لعِظَم ما تضمّنته هذه الآية من هول المطلع، وشدّة الأمر، قال: ووقع في غير "صحيح مسلم" أنه قال: لما بلغتها قال: "حسبك"، واحتجّ به أهل التجويد على جواز الوقف الكافي من الآي والمقاطع؛ لأن الكلام حيث قال له: "حسبك" غير تامّ، بل تمامه فيما بعده، وقد قيل: إن قوله لعبد اللَّه: "حسبك" تنبيهٌ على ما في الآية، لا أنه وقفةٌ هناك. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ هَنَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ لِي (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "اقْرَأْ عَلَيَّ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّريِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) عن (٩١) سنة (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٢ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
стр. 9256
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: إسناد الأعمش السابق، وهو عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد اللَّه ﵁.
[تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٩١) فقال:
(١٨٢٠) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا هناد، ثنا عليّ بن مُسْهِر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وهو على المنبر: "اقرأ"، قلت: أقَرأ، وعليك أُنْزِل؟ فقرأ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، فرأيت عيني رسول اللَّه ﷺ تَذْرِفَان. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي (١) مِسْعَرٌ، وَقَالَ (٢) أَبُو كُرَيْبٍ: عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قَالَ: أَقْرَأُ (٣) عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، فَبَكَى، قَالَ مِسْعَرٌ: فَحَدَّثَنِي مَعْنٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، أَوْ مَا كُنْتُ فِيهِمْ"، شَكَّ مِسْعَرٌ).
стр. 9257
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهَير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٤ - (مَعْنُ) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذَليّ المسعوديّ، أبو القاسم الكوفيّ القاضي، ثقةٌ، من كبار [٧] (خ م) تقدم في "الصلاة" ٣٤/ ١٠١٦.
٥ - (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) المخزوميّ، ثقةٌ (١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وعديّ بن حاتم، وهو جدّه لأمه.
وروى عنه مُساور الورّاق، والمسيَّب بن شريك، ومعن بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٠)، وحديث (١٣٥٩): "خطب الناس، وعليه عمامة سوداء".
٦ - (أَبُوهُ) عمرو بن حُريث بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ صحابيّ صغير، مات ﵁ سنة (٨٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٢٨.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
وقوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) هذا الطريق فيه انقطاع؛ لأن إبراهيم النخعيّ لم يلق ابن مسعود ﵁، ولكنه تقدّم موصولًا
стр. 9258
من رواية الأعمش عنه، وأيضًا أتبعه بطريق معن بن عبد الرحمن، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، فإنه متّصل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ مِسْعَرٌ: فَحَدَّثَنِي مَعْنٌ. . . إلخ) غرض المصنّف به بيان أن لمسعر في هذا الحديث طريقين: طريق فيه انقطاع، وهو عن عمرو بن مرّة، عن إبراهيم، كما أسلفته آنفًا، وطريق فيه اتّصال، وهو المطلوب هنا، وهو: عن معن، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧٠] (٨٠١) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ الْقَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ (١) مِنَ الْقَوْمِ: وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا (٢) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: أَحْسَنْتَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ، إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَجْلِدَكَ، قَالَ: فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قريبًا.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 9259
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق على ما روي عن ابن معين ﵀، وإليه أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
٦ - (ومنها): أنه وقع عبد اللَّه هنا مهملًا، وهو ابن مسعود؛ لأن القاعدة أنه إذا أُهمِل عبد اللَّه في أسانيد الكوفيين، فهو ابن مسعود، كما أنه إذا أُطلق في المدنيين فهو ابن عمر، وفي المكيين، فهو ابن الزبير، وفي البصريين، فهو ابن عبّاس، وفي الشاميين والمصريين، فهو ابن عمرو بن العاص ﵃، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ أيضًا في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ "عَبْدُ اللَّهِ" فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ) ظاهر رواية المصنّف ﵀ هذه يدلّ على أن علقمة لم يحضر القصّة، وإنما نقلها عن ابن مسعود ﵁، وكذا أخرجه أبو عوانة، ولفظه: "عن علقمة، قال: قال عبد اللَّه: كنت جالسًا بحمص، فقالوا لي: اقرأ"، وعند أحمد، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، قال: عن عبد اللَّه، أنه قرأ سورة يوسف.
ووقع في رواية البخاريّ: "عن علقمة قال: كنّا بحمص، فقرأ ابن مسعود"، قال في "الفتح": هذا ظاهره أن علقمة حضر القصّة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، عن أبي خليفة، عن محمد بن كثير، شيخ البخاريّ فيه، وأخرجه
стр. 9260
أبو نعيم من طريق يوسف القاضي، عن محمد بن كثير، فقال فيه: "عن علقمة، قال: كان عبد اللَّه بحمص". انتهى.
[تنبيه]: "حِمْص" بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، آخره صاد مهملة: كُورةٌ بالشام، أهلها يمانيون، وقد تُذكَّر، قاله في "القاموس" (١).
وقال في "المصباح": "حِمْصُ": البلد المعروف بالصرف وعدمه. انتهى (٢).
(فَقَالَ لِي بَعْضُ الْقَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا) أي: أسمعنا القرآن بصوتك (فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ) وفي رواية لأبي عوانة، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: خرج إلى الشام في حاجة له، فبينا هو جالس في حَلْقة إذ قالوا له: يا أبا عبد الرحمن اقرأ علينا سورة يوسف، فقرأ. (قَالَ) عبد اللَّه ﵁ (فَقَالَ رَجُلٌ) وفي بعض النسخ: "فقال لي رجلٌ"، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، وقد قيل: إنه نَهِيك بن سِنَان الذي تقدَّمت له مع ابن مسعود في القرآن قصة غير هذه، لكن لم أر ذلك صريحًا، وفي رواية مسلم: "فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت"، فإن كان السائل هو القائل، وإلا ففيه مبهم آخر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٣).
(مِنَ الْقَوْمِ: وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ) بالبناء للمجهول (قَالَ) عبد اللَّه (قُلْتُ: وَيْحَكَ) قال ابن الأثير ﵀: وَيْحَ كلمة ترحّم وتوجّع، تقال لمن وقع في هَلَكَة لا يستحقّها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفَع، وتضاف، ولا تضاف، يقال: وَيْحَ زيدٍ، وويحًا له، وويحٌ له. انتهى.
وقال في "القاموس": وَيْحٌ لزيد، وويْحًا له كلمة رحمة، ورفعه على الابتداء (٤)، ونصبه بإضمار فعل، ووَيْحَ زيد، وويحَهُ نصبهما به أيضًا، وويحَما
стр. 9261
زيد بمعناه، أو أصله وَيْ، فوُصلت بحاء مرّةً، وبلام مرّةً، وبباء مرّةً، وبسين مرّةً. انتهى (١).
(وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا) وفي بعض النسخ: "لقرأتها" بحذف "قد" (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أراد ابن مسعود ﵁ بذلك أنه متأكّد من حفظها، ولم يلحن فيها؛ لشدّة ضبطه، وكثرة مراجعته لها منذ أن سمعها من رسول اللَّه ﷺ ، فلا سبيل إلى إنكارها (فَقَالَ لِي) ذلك الرجل (أَحْسَنْتَ) هذا يدلّ على أنه غلبه السُّكْر، ولذلك ما كان حاله منتظمًا؛ فسرعان ما أنكر عليه، قال له: أحسنت (فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ) أي: بين أوقات تكليمي إياه (إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، قَالَ) عبد اللَّه ﵁ (فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟) قال النوويُّ ﵀: معناه: تُنكر بعضه جاهلًا، وليس المراد التكذيب الحقيقيّ، فإنه لو كذّب حقيقةً لكفر، وصار مرتدًّا يجب قتله، وقد أجمعوا على أن من جحد حرفًا مُجمَعًا عليه في القرآن، فهو كفر، تُجرَى عليه أحكام المرتدّين، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
(لَا تَبْرَحُ) أي: لا تذهب من مكانك هذا، يقال: بَرَحَ الشيءُ يَبْرَحُ، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: زال من مكانه (٣) (حَتَّى أَجْلِدَكَ) أي: أضربك بالسوط ضربَ حدّ الْجَلْد، يقال: جلدت الجاني جَلْدًا، من باب ضَرَبَ: ضربته بالْمِجْلَد بكسر الميم، وهو السوط، الواحدة جَلْدَةٌ، مثلُ ضَرْبٍ وضَرْبَةٍ (٤).
(قَالَ) عبد اللَّه ﵁ (فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ) أي: حدّ شرب الخمر، والحدّ في اللغة: الفصل، والمنع، فمن الأول قوله:
وَجَاعِلِ الشَّمْسِ حَدًّا لَا خَفَاءَ بِهِ
ومن الثاني: حددته عن أمره: إذا منعته، فهو محدودٌ، ومنه: الحدود المقدّرة في الشرع؛ لأنها تمنع من الإقدام، قاله الفيّوميّ ﵀ (٥).
стр. 9262
وقال ابن الأثير ﵀: الحدود هي محارم اللَّه وعقوباته التي قَرَنها بالذنوب، وأصل الحدّ: المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فَصَلَت بين الحلال والحرام، فمنها ما لا يُقرب، كالفواحش المحرّمة، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومنها ما لا يُتعدّى، كالمواريث المعيَّنة، وتزويج الأربع. انتهى (١).
زاد أبو عوانة في روايته ما نصّه: "قال الأعمش: كانوا أمراء حيث كانوا". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام الأعمش ﵀ هذا يدلّ على أن الصحابة ﵃ مفوّضٌ إليهم من قِبَل الإمام إقامة الحدّ حيثما كانوا، ولذا أقام ابن مسعود ﵁ الحدّ على هذا الرجل، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: هذا الحدّ محمول على أن ابن مسعود ﵁ كانت له ولاية إقامة الحدود؛ نيابةً عن الإمام، إما عمومًا، وإما خصوصًا، وعلى أن الرجل اعتَرَفَ بشربها بلا عذر، وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها، وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلًا؛ إذ لو كَذّب به حقيقةً لكفر، فقد أجمعوا على أن مَن جَحَد حرفًا مجمعًا عليه من القرآن كَفَرَ. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والاحتمال الأول جَيِّدٌ، ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون قوله: "فضربه الحدّ"؛ أي: رفعه إلى الأمير، فضربه فأسند الضرب إلى نفسه مجازًا؛ لكونه كان سببًا فيه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب، يؤيّده ما تقدّم عن الأعمش، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: إنما أقام عليه الحدّ؛ لأنه جَعَل له ذلك مَن له الولاية، أو لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو لأنه كان ذلك في زمان ولايته الكوفة، فإنه وَلِيَها في زمن عمر، وصدرًا من خلافة عثمان ﵄. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والاحتمال الثاني مُوَجَّه، وفي الأخير غفلةٌ عما في
стр. 9263
أول الخبر أن ذلك كان بِحِمْصَ، ولم يَلِها ابن مسعود ﵁، وإنما دخلها غازيًا، وكان ذلك في خلافة عمر ﵁.
وأما الجواب الثاني عن الرائحة فَيَرُدّه النقل عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يرى وجوب الحدّ بمجرد وجود الرائحة، وقد وقع مثلُ ذلك لعثمان ﵁ في قصة الوليد بن عقبة.
ووقع عند الإسماعيليّ إِثْرَ هذا الحديث النقل عن عليّ ﵁ أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها؛ إذ لم يُقِرّ، ولم يُشْهَد عليه.
قال: وأما الجواب عن الثالث فجَيِّد أيضًا، لكن يَحْتَمِل أن يكون ابن مسعود ﵁ كان لا يرى بمؤاخذة السكران بما يصدر منه من الكلام في حال سكره.
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون الرجل كَذَّب ابن مسعود، ولم يُكَذّب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله: "ما هكذا أُنزلت"، فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها، ونَفَى الكيفية التي أوردها ابن مسعود ﵁، وقال الرجل ذلك إما جهلًا منه، أو قلة حفظ، أو عدم تثبت بعثه عليه السُّكْر، وسيأتي مزيد بحث في ذلك في "كتاب الطلاق" -إن شاء اللَّه تعالى- (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٨٧٠ و ١٨٧١] (٨٠١)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٠١)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١٠٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩/ ٢٣١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٨ و ٤٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٣٥ و ٣٨٣٦ و ٣٨٣٧ و ٣٨٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٢)، و (أبو يعلى) في
стр. 9264
"مسنده" (٥٠٦٨ و ٥١٩٣)، و (البزّار) في "مسنده" (١٤٩٩ و ١٧٧٥)، و (سعيد بن منصور) في "سننه" (١١٥٢)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٩/ ٣٤٤) (٩٧١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة طلب القراءة من القارئ المجوّد الحسن الصوت، للاستماع إليها.
٢ - (ومنها): الإنكار على من أنكر القراءة الصحيحة، ظنًّا منه أنها غير صحيحة، أو جهلًا بالحكم، وأما إذا أنكر عالِمًا، فإنه يرتدّ بذلك، قال القرطبيُّ ﵀: نسبه عبد اللَّه إلى التكذيب بالكتاب على جهة التغليظ، وليس على حقيقته؛ إذ لو كان ذلك لحَكَم بردّته، وقتله؛ إذ هذا حُكم من كذّب بحرف منه، وكأن الرجل إنما كذّب عبد اللَّه لا القرآن، وهو الظاهر من قول الرجل: "ما هكذا أُنزلت"؛ جهالةً منه، أو قلّة حفظ، أو قلّة تثبّت لأجل السكر، واللَّه أعلم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: حدّ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ للرجل الذي وَجَدَ منه ريح الخمر حجة على من منع وجوب الحدّ بالرائحة، كالحنفية، وقد قال به مالكٌ، وأصحابه، وجماعة من أهل الحجاز.
قال الحافظ ﵀: والمسألة خلافيّة شهيرةٌ، وللمانع أن يقول إذا احتَمَل أن يكون أقرّ سقط الاستدلال بذلك.
ولَمّا حَكَى الموفَّق ﵀ في "المغني" الخلاف في وجوب الحدّ بمجرد الرائحة، اختار أن لا يُحَدّ بالرائحة وحدها، بل لا بُدّ معها من قرينة، كأن يوجد سكران، أو يتقيأها، ونحوه أن يوجد جماعة شُهِروا بالفسق، ويوجد معهم خمر، ويوجد من أحدهم رائحة الخمر.
وحَكَى ابن المنذر ﵀ عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحدّ بمجرد الرائحة مَن يكون مشهورًا بإدمان شرب الخمر، وقيل بنحو هذا التفصيل فيمن شكّ، وهو في الصلاة، هل خَرَج منه ريح أو لا؟ فإن قارن ذلك وجود
стр. 9265
رائحة دلّ ذلك على وجود الحدث فيتوضأ، وإن كان في الصلاة فلينصرف، ويُحْمَل ما ورد من ترك الوضوء مع الشكّ على ما إذا تجرد الظن عن القرينة، وسيكون لنا عودة إلى هذه المسألة في "كتاب الحدود" - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (٢) عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَقَالَ لِي: أَحْسَنْتَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قَالَا) ضمير التثنية في الأول لإسحاق وعليّ بن خشرم، وفي الثاني لأبي بكر، وأبي كريب.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ) يعود إلى عيسى بن يونس، وأبي معاوية؛ يعني: أنهما رويا جميعًا عن الأعمش.
стр. 9266
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعمش السابق، وهو: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٣٥٨٠) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، أنه قرأ سورة يوسف بحمص، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فدنا منه عبد اللَّه، فوجد منه ريح الخمر، فقال: أتُكَذِّب بالحقّ، وتشرب الرِّجْسَ؟ لا أَدَعُك، حتى أَجْلِدَك حدًّا، قال: فضربه الحدّ، وقال: واللَّه لهكذا أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ .
وأما رواية عيسى بن يونس، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٢) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَعَلُّمِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧٢] (٨٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
стр. 9267
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى أبي هريرة ﵁، وأبي صالح، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي صالح.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ) أي: في أهله؛ يعني: في محلّهم، وقيل: أي: في رجوعه إليهم، وقيل: أي: في طريقه (ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام: جمع خَلِفَةٍ، وهي الحامل من النوق، وهي من أعزّ أموال العرب، من خَلِفَتِ الناقةُ: إذا حَمَلَت، وأخلفت: إذا حالت، وتُجمَع أيضًا على خلائف (١)، وقيل: الخلفة: الحامل من النوق إلى أن يمضي عليها نصف أمدها، ثم هي عُشَرَاء، جمعها عِشَار (٢).
стр. 9268
وقال في "القاموس": "الْخَلِفُ" ككَتِفٍ: الْمَخَاضُ، وهي الحوامل من النوق، الواحدة بالهاء. انتهى (١).
وقال في "المصباح": الْخَلِفَةُ بكسر اللام: هي الحوامل من الإبل، وجمعها مَخَاضٌ، من غير لفظها، كما تُجمَع المرأة على النساء، من غير لفظها، وهي اسم فاعل، يقال: خَلِفَتْ خَلَفًا، من باب تَعِبَ: إذا حَمَلَت، فهي خَلِفَةٌ، مثلُ تَعِبَةٍ، ورُبّما جُمِعت على لفظها، فقيل: خَلِفَاتٌ، وتُحذف الهاءُ أيضًا، فقيل: خَلِفٌ. انتهى (٢).
(عِظَامٍ) في الكمّيّة، وهي بالكسر: جمع عظيمة (سِمَانٍ) في الكيفيّة، وهي أيضًا بالكسر: جميع سَمينة؛ أي: كثيرة الشحم والدسم (قُلْنَا: نَعَمْ) أي: نحبّ ذلك بمقتضى الطبيعة، أو على وفق الشريعة؛ ليكون ذريعة للآخرة (قَالَ) ﷺ : فإذا قلتم ذلك، وغفلتم عما هو أولى ("فَثَلَاثُ آيَاتٍ) أي: فاعلموا أن قراءة ثلاث آيات خير من ثلاث خَلِفَات.
قال الطيبيُّ ﵀: الفاء في "فثلاث" جزاء شرط محذوف، فالمعنى: إذا تقرّر ما زعمتم أنكم تُحبّون ما ذكرت لكم، فقد صحّ أن تفضّلوا عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث آيات؛ لأن هذا من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائلات الفانيات. انتهى (٣).
(يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ) قال الطيبيُّ ﵀: الباء زائدة، أو للإلصاق (فِي صَلَاتِهِ) بيان للأكمل، وتقييد للأفضل، وإلا فالقراءة في غير الصلاة أيضًا خير من الخَلِفات، كما لا يخفى على بصير (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ) قال الطيبيُّ ﵀: فإن قلت: كان من حقّ الظاهر أن يُعرّف "خَلِفات"، وصفتيها؛ ليعود إلى تلك المذكورات.
قلت: لا يُستبعد أن يخالف بين التنكيرين، فإن التنكير في الأولى للشيوع، وبيان الأجناس، وفي الثاني للتفخيم والتعظيم، ولو ذهب إلى
стр. 9269
التعريف لم يَحْسُن حُسنَه. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٨٧٢] (٨٠٢)، و (ابن ماجه) في "كتاب الأدب" (٣٧٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٧ و ٤٦٦ و ٤٩٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٤٣١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٣)، وفوائد الحديث تأتي في شرح حديث عقبة بن عامر ﵁ التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧٣] (٨٠٣) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ "، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ (٣)، قَالَ: "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسجِدِ، فَيَعْلَمَ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي.
стр. 9270
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) اسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول، أبو نعيم الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٨) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ) بالتصغير ابن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، وَلِيَ إِمْرَةَ مصر سنة ستّين، ثقةٌ (١) [٧].
رَوَى عن أبيه، والزهريّ، وابن المنكدر، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن أبي منصور.
ورَوَى عنه أسامة بن زيد الليثيّ، وهو أكبر منه، وابن لَهِيعة، والليث، ويحيى بن أيوب، وابن المبارك، وابن مهديّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، وابن وهب، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم.
ذَكَره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مصر، وقال: كان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى، وقال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، يُتقن حديثه، لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، وكان من ثقات المصريين، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: كان ثقةً، وقال الساجيّ: صدوقٌ، قال: وقال ابن معين: لم يكن بالقويّ، وقال ابن عبد البر: ما انفرد به، فليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده بالغرب سنة تسع وثمانين، وقال ابن يونس: وُلد بإفريقية سنة تسعين، ومات بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٨٠٣) وحديث (٨٣١) و (١٠٩٦) و (٢٨٩٨).
٤ - (أَبُوهُ) عَليّ بن رَبَاح بن قَصِير -ضدّ الطويل- بن الْقَشِيب بن يينع بن
стр. 9271
أردة بن حُجْر بن جَزِيلة بن لَخْم اللَّخْميّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو موسى المصريّ، والمشهور فيه عُلَيّ بالضمّ مصغَّرًا، وكان يغضب منها، من صغار [٣].
رَوَى عن عمرو بن العاص، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُم، وفَضالة بن عُبيد، والمستورِد بن شداد، وعتبة بن الندّر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاوية بن حُديج، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وعبد العزيز بن مروان، وجنادة بن أبي أمية، وأبي قيس مولى عمرو بن العاص.
وروى عنه ابنه موسى، وأبو هانئ حميد بن هانئ، ويزيد بن أبي حبيب، ومعروف بن سُويد الجذاميّ، والحارث بن يزيد الحضرميّ، ويزيد بن محمد القرشيّ، وغيرهم، وفد على معاوية ﵁.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر، قال: كان ثقةً، وقال أبو عبد الرحمن المقرئ، عن موسى بن عُليّ، عن أبيه: كنت خلف معلمي فبكى، فقلت له: ما لك؟ فقال: قُتِل عثمان، وقال غيره: كنت مع عمي، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال الأثرم عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا، وقال يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين: من أهل مصر عُليّ بن رَباح، وُلد بالمغرب، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الليث: قال عَليّ بن رباح: لا أجعل في حِلّ من سماني عُليّ، فإن اسمي عَليّ، وقال المقرئ: كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَليّ، قتلوه فبلغ ذلك رَباحًا، فقال: هو عليّ، وكان يغضب من عُليّ، ويُحَرِّج (١) على من سماه به، وقال ابن يونس: وُلِد سنة (١٥) وذهبت عينه يوم ذي الصّواري في البحر مع ابن أبي سَرْح سنة (٣٤)، وكان له من عبد العزيز منزلة، ثم عَتَبَ عليه عبد العزيز، فأغزاه إفريقية، فلم يزل بها إلى أن مات، ويقال: إن وفاته كانت سنة (١١٤)، وقال العَدّاس: تُوُفّي سنة (١١٧).
стр. 9272
قال البخاريّ في "باب غزوة ذات الرِّقَاع": وقال بكر بن سوادة: ثنا زياد بن نافع، عن أبي موسى، أن جابرًا حدّثهم قال: صلّى النبيّ ﷺ يوم محارب، يعني صلاة الخوف، وقال أبو مسعود في "الأطراف": أبو موسى هو علي بن رباح، ويقال: إنه الغافقيّ.
قال الحافظ: وذكر ابن سعد، وابن معين: أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضم، وقال الساجيّ: كان ابن وهب يروي عنه، ولا يُصَغِّره، وغَلِطَ ابن منجويه وغيره، فقال: هو عليّ بن رَباح ابن معاوية بن حُديج، فلعله كان في سند علي بن رباح "عن"، فتصحفت "ابن". انتهى (١).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٠٣) و (٨٣١) و (١٠٩٦) و (١٥٩١) و (٢٨٩٨).
٥ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ الصحابيّ المشهور، اختُلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبو حمّاد، وَليَ إمرة مصر لمعاوية ﵄ ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات ﵁ في قرب الستين (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين من موسى، والباقيان كوفيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع.
شرح الحديث:
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَنيّ ﵁ أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي من بعض حُجَره إلى المسجد (وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو، كما قال في "الخلاصة":
стр. 9273
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ "جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ"
و"الصُّفَّةُ" بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: مكان مُظَلَّلٌ في مؤخّر المسجد النبويّ، أُعدّ لنزول الغرباء فيه، قال ابن الأثير ﵀: أهل الصفّة: هو فقراء المهاجرين ممن لم يكن له منزلٌ يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مُظَلَّل في مسجد المدينة، يسكنونه (١).
قال الفيّوميُّ: الصُّفّة من البيت: جمعها صُفَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": صُفّةُ الدار والسَّرْج معروف، جمعه كصُرَد، قال: وأهل الصفّة كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في مسجده ﷺ ، وهي موضعٌ مُظَلَّلٌ من المسجد. انتهى (٣).
وقال ابن حجر الهيتميُّ: كانت الصّفَّةُ في مؤخّر المسجد معدّة لفقراء الصحابة غير المتأهّلين، وكانوا يكثرون تارةً حتى يبلغوا نحو المائتين، ويَقِلّون تارةً لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن.
وقال الجزريُّ: وكانوا سبعين، ويقلّون أحيانًا ويكثرون، وقال السيوطيُّ: عدّهم أبو نُعيم في "الحلية" أكثر من مائة. انتهى (٤).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ) أي يذهب في الْغُدْوة، وهي أول النهار، يقال: غدا غُدُوًّا، من باب قَعَدَ: ذهب غُدْوةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوة غُدًى، مثلُ مُدْيَة ومُدًى، هذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمِل في الذهاب والانطلاق أَيَّ وقت كان (٥)، ومنه قوله ﷺ : "واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا. . . " الحديث، متّفقٌ عليه (٦). (كُلَّ يَوْمٍ) منصوب
стр. 9274
على الظرفيّة متعلّق بـ "يَغْدو" (إِلَى بُطْحَانَ) -بضم الموحّدة، وسكون الطاء المهملة-: اسم وادٍ بالمدينة، سُمّي بذلك لسعته، وانبساطه، من البَطْح، وهو البسط (١).
وقال ابن الأثير ﵀: "بَطْحَانُ" بفتح الباء: اسم وادي المدينة، والبَطْحانيّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ. انتهى (٢).
وقال في "القاموس" و"شرحه": "وبُطْحانُ" بضمّ الموحّدة، وسكون الطاء، وهو الأكثر، قال ابن الأثير في "النهاية": ولعلّه الأصحّ، وقال عياضٌ في "المشارق": هكذا يرويه المحدّثون، وكذا سمعناه من المشايخ، أو الصواب الفتح، وكسر الطاء، كقَطِرَانٍ، كذا قَيّده القالي في "البارع"، وأبو حاتم، والبكريّ في "المعجم"، وزاد الأخير: ولا يجوز غيره، وهو: موضع بالمدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وهو أحد أودية المدينة الثلاثة، وهي العقيق، وبطحان، وقناةُ، وروى ابن الأثير فيه الفتح أيضًا، وغيره الكسر، فإذًا هو بالتثليث. انتهى (٣).
(أَوْ) الظاهر أن "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ، لكن قال في "جامع الأصول": "أو قال: إلى العقيق"، فدلّ على أنه شكّ من الراوي، قاله القاري ﵀ (إِلَى الْعَقِيقِ) بفتح العين المهملة، وبقافين الأولى مكسورة، بينهما ياء تحتانيّة ساكنة، قال الطيبيُّ: أراد العَقِيق الأصغر، وهو وادٍ على ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة، عليه أموال أهلها، وإنما خصّهما
стр. 9275
بالذكر؛ لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: "العقيق": هو وادٍ من أودية المدينة، مسيلٌ للماء، وهو الذي ورد ذكْرُهُ في الحديث أنه وادٍ مباركٌ، قال: وفي بلاد العرب مواضع كثير، تُسمّى العَقِيق، وكلُّ موضع شَقَقْتَهُ في الأرض، فهو عَقِيقٌ، والجمع أَعِقّةٌ، وعَقَائِق. انتهى (٢).
وقال الفيّوميُّ: "العَقِيقُ": الوادي الذي شقّه السيل قديمًا، وهو في بلاد العرب عِدّة مواضع، منها العقيق الأعلى عند مدينة النبيّ ﷺ مما يلي الْحَرّة إلى منتهى البقيع، وهو مقابر المسلمين، ومنها العقيق الأسفل، وهو أسفل من ذلك، ومنها العقيق الذي يجري ماؤه من غَوْرَيْ تِهَامةَ، وأوسطه بحذاء ذات العرق، قال بعضهم: ويتّصل بعقيق المدينة، وهو الذي ذكره الشافعيُّ، فقال: لو أهلّوا من العقيق كان أحبّ إليّ، وجمعُ العقيق أَعِقّة. انتهى (٣).
(فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ) تثنية ناقة، وهي الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيد: ولا تُسمَّى ناقةً حتى تُجْذع، والجمعُ أَيْنُقٌ (٤)، ونُوقٌ، ونِيَاقٌ، قاله في "المصباح" (٥).
(كَوْمَاوَيْنِ) تثنية كَوْماء -بفتح الكاف، وسكون الواو، وبالمدّ- قُلبت الهمزة واوًا، وهي الناقة العظيمة السنام.
قال في "المصباح": الْكَومَةُ: الْقِطعةُ من التراب وغيره، وهي الصُّبْرَة، بفتح الكاف وضمّها، وكَوّمتُ كَومةً من الحصى: أي جمعتها، ورفعت لها رأسًا، وناقةٌ كَوْمَاءُ: ضخْمَةُ السنام، وبعيرٌ أَكْوَمُ، والجمع كُومٌ، من باب أحمر. انتهى.
والمعنى: أنه يأتي بناقتين مشرفتي السنام عاليتيه عظيمتيه، وإنما ضرب
стр. 9276
المثل بها؛ لأنها كانت من أحبّ الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم (فِي غَيْرِ إِثْمٍ) أي في غير ما يوجب إثمًا، كسرقة، وغصب، سمّي موجِب الإثم إثمًا مجازًا (وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ") أي وفي غير ما يوجب قطع رحم، وهو تخصيص بعد تعميم (فَقُلْنَا: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ) هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ بإثبات لفظة "كلّنا"، ووقع في نسخة شرح النوويّ بحذفها، و"نحبّ" بالنون، ووقع في "جامع الأصول" لابن الأثير: "كلّنا يُحبّ ذلك" بالياء، قاله القاري (قَالَ) ﷺ ("أَفَلَا يَغْدُو) أي أيترك ذلك، فلا يغدو (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمَ) بالنصب على جواب النفي، والرفع بالعطف على "يغدو"، وهو بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، مضارع عَلِمَ ثلاثيًّا، ووقع في "المصابيح": "فيتعلّم"، وقال الطيبيّ: صحّح في "جامع الأصول" بفتح الياء، وسكون العين، أي فيتعلّم آيتين (أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي. انتهى.
وقال في "المرعاة": "فَيعلم" بالتشديد، وفي نسخة صحيحة بالتخفيف، قاله القاري، قلت: وقع في بعض النسخ من "صحيح مسلم": "فيتعلّم"، وهكذا في "المصابيح".
"أو يقرأ" بالرفع والنصب فيهما، قال القاري: قال ميرك: هذه الكلمة يَحْتَمِل أن تكون عَرْضًا، أو نفيًا، وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض، ثم قال: وقوله: "فيعلم، أو يقرأ" منصوبان على التقدير الأول، مرفوعان على الثاني، قلت: ويجوز نصبهما على الثاني أيضًا؛ لأنه جواب النفي.
ثم قال: "ويُعَلِّمُ" من التعليم في أكثر نسخ "المشكاة"، وصحَّح في "جامع الأصول" كونه من العلم، وكلمة "أو" تَحْتَمِلُ الشكّ والتنويع. انتهى.
وفي الشرح أنه صحّح في "جامع الأصول" "فيَعْلَم" بفتح الياء، وسكون العين، فـ "أو" شكّ من الراوي؛ دفعًا لتوهّم كونه من التعليم، فيكون "أو" للتنويع، كذا ذكره الطيبيّ، وعلى التنويع قوله: (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تنازع فيه الفعلان، وقوله: "خير" خبر مبتدأ محذوف: أي هما خيرٌ له، أو الغُدُوّ خير له (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) أي من الإبل (وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ) بفتح الهمزة: جمع عدد (مِنَ الْإِبِلِ") بيان لـ "الأعداد".
فقوله: "من أعدادهنّ" متعلّقٌ بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير
стр. 9277
من أعدادهنّ من الإبل، فخمس آيات خير من خمس من الإبل، وكذلك الستّ، والسبع، إلى ما فوقُ، من الأعداد.
وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين، ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهنّ من الإبل، وكذا أربعٌ.
والحاصل أن الآيات تُفَضَّل على أعدادهنّ من النوق، وعلى أعدادهنّ من الإبل، كذا ذكره الطيبيُّ (١).
قال القاري ﵀: ويوضّحه ما قيل: إنه متعلّق بقوله: "آيتين، وثلاث، وأربعٌ"، ومجرور "أعدادهنّ" عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها، و"من الإبل" بدلٌ من "أعدادهنّ"، أو بيانٌ له، يعني: آيتان خير من عدد كثير من الإبل، وكذلك ثلاث وأربعُ آيات منه؛ لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعًا عظيمًا، بخلاف الإبل. انتهى.
والحاصل أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات، وتزهيدهم عن الفانيات، فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفة آية من كتاب اللَّه تعالى، أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا في "المرقاة" (٢).
وقال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: هذا الخبر أُضْمِر فيه كلمة، وهي: لو تَصَدَّق بها، يريد بقوله: فيتعلم آيتين من كتاب اللَّه خير من ناقتين وثلاث، لو تصدَّق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب اللَّه أكبر من فضل ناقتين وثلاث، وعِدَادهن من الإبل، لو تصدق بها؛ إذ محال أن يُشَبَّهَ مَن تعلم آيتين من كتاب اللَّه في الأجر بمن نال بعض حُطام الدنيا، فَصَحّ بما وصفتُ صحة ما ذكرتُ. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9278
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٨٧٣] (٨٠٣) و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥٠٣ و ٥٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٧٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٧٨ و ٣٧٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن في حديثي الباب بيانَ فضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.
٢ - (ومنها): بيان فضل تعلّم القرآن، وتعليمه، وأنه خير من كثير من حُطام الدنيا، بل ومن الدنيا، وجميع ما عليها.
٣ - (ومنها): الحثّ والترغيب في ثواب الآخرة الباقية مقارنًا بمنافع الدنيا الفانية.
٤ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ تقريبًا إلى الأفهام، وتوضيحًا للأحكام، قال القرطبيُّ: مقصود الحديث الترغيب في تعلّم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقلّ جزء من ثواب القرآن، وتعليمه خير من الدنيا، وما فيها، وقد قال ﷺ : "موضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدنيا وما عليها"، رواه البخاريّ (١).
٥ - (ومنها): الحثّ في كسب الحلال الخالي من الإثم وقطيعة الرحم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9279
(٤٣) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٧٤] (٨٠٤) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ (١) عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ"، قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الْحَلَبيّ، نزيل طَرَسوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٣ - (مُعَاوِيَة بْنَ سَلَّامِ) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
٥ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ) صُدَيّ -بالتصغير- ابن عَجْلان بن الحارث،
стр. 9280
ويقال: ابن وهب، ويقال: ابن عمرو بن وهب بن عَرِيب بن وهب بن رِياح بن الحارث بن مَعْن بن مالك بن أَعْصُر الباهليّ الصحابيّ مشهور بكنيته.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم.
ورَوَى عنه سليمان بن حبيب المحاربيّ، ومحمد بن زياد الألهانيّ، وأبو سَلّام الأسود، ومكحول الشامي، وشهر بن حوشب، والقاسم بن عبد الرب، ورجاء بن حَيْوة، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن معدان، وأبو غالب الراسبي، وسليم بن عامر، وجماعة.
قال ابن سعد: سكن الشام، ورَوَى أبو يعلى من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى قوم فانتهيت إليهم، وأنا طَاوٍ، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هَلُمّ، قلت: إنما جئتُ أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب، فأخذته وشربته، فكَظَّني بطني، فشَبِعتُ ورَوِيتُ، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم، فلم تُتحفوه، فأتوني بلبن، فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم، ورواه البيهقي في "الدلائل"، وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة. وقال ابن حبان كان مع عليّ بصِفّين، مات أبو أمامة الباهليّ سنة ست وثمانين، قال ابن الْبَرقيّ: بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف، فقيل: سنة إحدى، قاله محمد بن سعد، وقال عبد الصمد بن سعيد: ولما مات خَلَف ابنًا يقال له: المغلس، وله -يعني صاحب الترجمة- مائة وست سنين، فقد صحّ عنه أن النبي ﷺ مات، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأخرج البخاريّ في "تاريخه" من طريق حُميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين، ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين، قال: وقال الحسن -يعني ابن رافع- عن ضمرة في "فضائل الصحابة" لخيثمة من طريق وهب بن صدقة، سمعت جدي يوسف بن حزن الباهليّ، سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: لما نزلت: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨] قلت: يا رسول اللَّه أنا ممن بايعك تحت الشجرة، قال: "أنت مني وأنا منك"، وأخرج أبو يعلى من طريق رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة: أنشأ