← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

المثل بها؛ لأنها كانت من أحبّ الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم (فِي غَيْرِ إِثْمٍ) أي في غير ما يوجب إثمًا، كسرقة، وغصب، سمّي موجِب الإثم إثمًا مجازًا (وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ") أي وفي غير ما يوجب قطع رحم، وهو تخصيص بعد تعميم (فَقُلْنَا: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ) هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ بإثبات لفظة "كلّنا"، ووقع في نسخة شرح النوويّ بحذفها، و"نحبّ" بالنون، ووقع في "جامع الأصول" لابن الأثير: "كلّنا يُحبّ ذلك" بالياء، قاله القاري (قَالَ) ﷺ ("أَفَلَا يَغْدُو) أي أيترك ذلك، فلا يغدو (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمَ) بالنصب على جواب النفي، والرفع بالعطف على "يغدو"، وهو بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، مضارع عَلِمَ ثلاثيًّا، ووقع في "المصابيح": "فيتعلّم"، وقال الطيبيّ: صحّح في "جامع الأصول" بفتح الياء، وسكون العين، أي فيتعلّم آيتين (أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي. انتهى. وقال في "المرعاة": "فَيعلم" بالتشديد، وفي نسخة صحيحة بالتخفيف، قاله القاري، قلت: وقع في بعض النسخ من "صحيح مسلم": "فيتعلّم"، وهكذا في "المصابيح". "أو يقرأ" بالرفع والنصب فيهما، قال القاري: قال ميرك: هذه الكلمة يَحْتَمِل أن تكون عَرْضًا، أو نفيًا، وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض، ثم قال: وقوله: "فيعلم، أو يقرأ" منصوبان على التقدير الأول، مرفوعان على الثاني، قلت: ويجوز نصبهما على الثاني أيضًا؛ لأنه جواب النفي. ثم قال: "ويُعَلِّمُ" من التعليم في أكثر نسخ "المشكاة"، وصحَّح في "جامع الأصول" كونه من العلم، وكلمة "أو" تَحْتَمِلُ الشكّ والتنويع. انتهى. وفي الشرح أنه صحّح في "جامع الأصول" "فيَعْلَم" بفتح الياء، وسكون العين، فـ "أو" شكّ من الراوي؛ دفعًا لتوهّم كونه من التعليم، فيكون "أو" للتنويع، كذا ذكره الطيبيّ، وعلى التنويع قوله: (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تنازع فيه الفعلان، وقوله: "خير" خبر مبتدأ محذوف: أي هما خيرٌ له، أو الغُدُوّ خير له (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) أي من الإبل (وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ) بفتح الهمزة: جمع عدد (مِنَ الْإِبِلِ") بيان لـ "الأعداد". فقوله: "من أعدادهنّ" متعلّقٌ بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير

стр. 9277

من أعدادهنّ من الإبل، فخمس آيات خير من خمس من الإبل، وكذلك الستّ، والسبع، إلى ما فوقُ، من الأعداد. وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين، ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهنّ من الإبل، وكذا أربعٌ. والحاصل أن الآيات تُفَضَّل على أعدادهنّ من النوق، وعلى أعدادهنّ من الإبل، كذا ذكره الطيبيُّ (١). قال القاري ﵀: ويوضّحه ما قيل: إنه متعلّق بقوله: "آيتين، وثلاث، وأربعٌ"، ومجرور "أعدادهنّ" عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها، و"من الإبل" بدلٌ من "أعدادهنّ"، أو بيانٌ له، يعني: آيتان خير من عدد كثير من الإبل، وكذلك ثلاث وأربعُ آيات منه؛ لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعًا عظيمًا، بخلاف الإبل. انتهى. والحاصل أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات، وتزهيدهم عن الفانيات، فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفة آية من كتاب اللَّه تعالى، أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا في "المرقاة" (٢). وقال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: هذا الخبر أُضْمِر فيه كلمة، وهي: لو تَصَدَّق بها، يريد بقوله: فيتعلم آيتين من كتاب اللَّه خير من ناقتين وثلاث، لو تصدَّق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب اللَّه أكبر من فضل ناقتين وثلاث، وعِدَادهن من الإبل، لو تصدق بها؛ إذ محال أن يُشَبَّهَ مَن تعلم آيتين من كتاب اللَّه في الأجر بمن نال بعض حُطام الدنيا، فَصَحّ بما وصفتُ صحة ما ذكرتُ. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9278

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٨٧٣] (٨٠٣) و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥٠٣ و ٥٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٧٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٧٨ و ٣٧٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن في حديثي الباب بيانَ فضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. ٢ - (ومنها): بيان فضل تعلّم القرآن، وتعليمه، وأنه خير من كثير من حُطام الدنيا، بل ومن الدنيا، وجميع ما عليها. ٣ - (ومنها): الحثّ والترغيب في ثواب الآخرة الباقية مقارنًا بمنافع الدنيا الفانية. ٤ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ تقريبًا إلى الأفهام، وتوضيحًا للأحكام، قال القرطبيُّ: مقصود الحديث الترغيب في تعلّم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقلّ جزء من ثواب القرآن، وتعليمه خير من الدنيا، وما فيها، وقد قال ﷺ : "موضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدنيا وما عليها"، رواه البخاريّ (١). ٥ - (ومنها): الحثّ في كسب الحلال الخالي من الإثم وقطيعة الرحم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9279

(٤٣) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٤] (٨٠٤) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ (١) عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ"، قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الْحَلَبيّ، نزيل طَرَسوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢. ٣ - (مُعَاوِيَة بْنَ سَلَّامِ) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٦ - (أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ) صُدَيّ -بالتصغير- ابن عَجْلان بن الحارث،

стр. 9280

ويقال: ابن وهب، ويقال: ابن عمرو بن وهب بن عَرِيب بن وهب بن رِياح بن الحارث بن مَعْن بن مالك بن أَعْصُر الباهليّ الصحابيّ مشهور بكنيته. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. ورَوَى عنه سليمان بن حبيب المحاربيّ، ومحمد بن زياد الألهانيّ، وأبو سَلّام الأسود، ومكحول الشامي، وشهر بن حوشب، والقاسم بن عبد الرب، ورجاء بن حَيْوة، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن معدان، وأبو غالب الراسبي، وسليم بن عامر، وجماعة. قال ابن سعد: سكن الشام، ورَوَى أبو يعلى من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى قوم فانتهيت إليهم، وأنا طَاوٍ، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هَلُمّ، قلت: إنما جئتُ أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب، فأخذته وشربته، فكَظَّني بطني، فشَبِعتُ ورَوِيتُ، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم، فلم تُتحفوه، فأتوني بلبن، فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم، ورواه البيهقي في "الدلائل"، وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة. وقال ابن حبان كان مع عليّ بصِفّين، مات أبو أمامة الباهليّ سنة ست وثمانين، قال ابن الْبَرقيّ: بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف، فقيل: سنة إحدى، قاله محمد بن سعد، وقال عبد الصمد بن سعيد: ولما مات خَلَف ابنًا يقال له: المغلس، وله -يعني صاحب الترجمة- مائة وست سنين، فقد صحّ عنه أن النبي ﷺ مات، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأخرج البخاريّ في "تاريخه" من طريق حُميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين، ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين، قال: وقال الحسن -يعني ابن رافع- عن ضمرة في "فضائل الصحابة" لخيثمة من طريق وهب بن صدقة، سمعت جدي يوسف بن حزن الباهليّ، سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: لما نزلت: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨] قلت: يا رسول اللَّه أنا ممن بايعك تحت الشجرة، قال: "أنت مني وأنا منك"، وأخرج أبو يعلى من طريق رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة: أنشأ

стр. 9281

رسول اللَّه ﷺ غَزْوًا، فأتيته، فقلت: ادع اللَّه لي بالشهادة، فقال: "اللهم سَلِّمْهم، وغنّمهم. . . " الحديث (١)، وأخرج البيهقيّ من طريق سليمان بن عامر: جاء رجل إلى أبي أمامة، فقال: إني رأيت في منامي الملائكة تصلّي عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست. الحديث سنده صحيح، ذكره في "الإصابة" (٢). وقال في "تهذيب التهذيب": وقال سُلَيم بن عامر: قلت له: مثلُ مَن أنت يومئذ -يعني يوم حجة الوداع-؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة، قال ابن عيينة: هو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقال إسماعيل بن عيّاش، وأبو اليمان، وأحمد بن محمد بن عيسى، صاحب "تاريخ حمص": مات سنة إحدى وثمانين بحمص، وقال عمرو بن عليّ، وخليفة، وأبو عبيد، وغير واحد: مات سنة (٨٦)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩١) سنة. قال الحافظ: لا يستقيم هذا القدر من سِنِّه مع قوله: إنه كان يوم حجة الوداع ابن ثلاثين، بل مقتضاه أن يكون جاوز المائة بست سنين، أو أكثر، وقال ابن حبان: كان مع عليّ بصِفِّين، وقال البخاريّ: قال خالد بن خَلِيّ عن محمد بن حرب، عن حميد بن ربيعة: رأيت أبا أُمامة خارجًا من عند الوليد في ولايته. وقال ضمرة: مات عبد الملك سنة (٨٦)، وهذا يُقَوّي قول مَن قال: إن أبا إمامة مات سنة (٦). وفي الطبراني من طريق راشد بن سعد وغيره، عن أبي أُمامة ما يدلّ على أنه شَهِدَ أحُدًا، لكن إسناده ضعيف (٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط (٤)، برقم (٨٠٤) و (٨٣٢) و (١٠٣٦) و (٢٠٧٤) و (٢٧٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9282

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، سوى شيخيه، فالأول حلوانيّ، نزيل مكة، والثاني طرسوسيّ، نزيل بغداد. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره، غير موضع. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي، عن أخيه، عن أبيهما. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه مشهور بكنيته، وهو من أفاضل الصحابة ﵃، وهذا أول محلّ ذكره، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالشام، ومن المعمّرين، عاش أكثر من تسعين سنة، أو جاوز المائة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أبي سلّام (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ) أباه، وهو ممطور (يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان (الْبَاهِلِيُّ) منسوب إلى قبيلة باهلة (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ) أي اغتنموا قراءته، وداوموا عليه (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، أي لأن القرآن (يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ) أي لمَلازمي قراءته، وذلك بأن يتمثّل بصورة يراه الناس، كما يجعل اللَّه تعالى لأعمال العباد صورةً ووزنًا لتوضع في الميزان، واللَّه على كلّ شيء قدير. وبالجملة فما دلّ عليه ظاهر النصّ لا ينبغي العدول عنه، فعلى المؤمن أن يقبل هذا وأمثاله، ويعتقد أنه لا دخل للعقل في مثل هذا، بل يُسلّم تسليمًا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ) تثنية الزهراء، تأنيث الأزهر، وهو المضيء الشديد الضوء، أي السورتين المنيرتين، سُمّيتا بالزهراوين؛ لنورهما وهدايتهما، وعِظَم أجرهما لقارئهما، قال في "القاموس": وزَهَرَ السراج، والقمرُ، والوجه كمَنَعَ زُهُورًا: تلألأ كازدهر، والنار أضاءت، وقال أيضًا: وقد زَهُرَ، كفَرِحَ، وكَرُمَ. انتهى (١).

стр. 9283

وقال في "المصباح": وزَهَرَ الشيءُ يَزْهَرُ بفتحتين: صفا لونه وأضاء، وقد يُستعمل في اللون الأبيض خاصّةً، وزَهِرَ الرجل، من باب تَعِبَ: ابيَضَّ، فهو أزهر. انتهى (١). فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما من السور كنسبة القمرين إلى سائر الكواكب، ولا شكّ أن نور كلام اللَّه أشدّ وأكثر ضياء من جميع الأنوار الكونيّة، وكلّ سورة من سُوَر القرآن زهراء؛ لما فيها من نور بيان الأحكام والمواعظ وغير ذلك من الفوائد، ولما فيها من شفاء الصدور وتنوير القلوب، وتكثير الأجر لقارئها، إلا أن النور الذي في هاتين السورتين أشدّ وأقوى، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ) بالنصب على البدليّة، أو بتقدير "أعني"، ويجوز رفعهما، وسُمّيتا زهراوين؛ لكثرة أنوار الأحكام الشرعيّة، والأسماء الحسنى الإلهيّة فيهما، وذكر السورة في الثانية دون الأولى إشارة إلى بيان جواز كل منهما (فَإِنَّهُمَا) أي السورتان، وقيل: ثوابهما الذي استحقّه التالي لهما العامل بهما، والأول هو الصواب، فإنهما يتصوّران، ويتشكّلان، ويتجسّدان على الحقيقة على ما أسلفناه (تَأْتِيَانِ) أي تحضران (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ) بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الميم: أي سحابتان تظلّان صاحبهما عن حرّ الموقف، وإنما سُمّي غَمَامًا؛ لأنه يَغُمّ السماء، أي يسترها (أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ) تثنية غَيَاية، بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الياءين من تحتُ، وهي كل شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، من سحابة، أو غَبَرَة، أو غيرهما، قاله الجزريُّ. وقال المناويُّ: هي ما أظلّ الإنسان فوقه، وأراد به ما له صفاء وضوء؛ إذ الغياية ضوء شُعاع الشمس. وقال القاري ﵀: قيل: الغمامة ما يغُمّ الضوء، ويمحوه؛ لشدّة كثافته، والغياية ما يكون أدون من الغمامة في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبه، كما يُفعل بالملوك، فيحصُل عنده الظلّ والضوء جميعًا.

стр. 9284

وقال الحفنيُّ: "غيايتان": أي لهما نورٌ وضياء زيادةً على حصول الاستظلال بهما فهو أبلغ مما قبله؛ لأن غايته إنهما يُظلّان كالسحابتين، وليس فيهما نور. انتهى. (أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ) تثنية فِرْق -بكسر الفاء، وسكون الراء-: أي قَطِيعان، يعني طائفتان وجماعتان (مِنْ طَيْرٍ) جمع طائر (صَوَافَّ) جمع صافّة، وهي الجماعة الواقفة على الصفّ، تقول: صَفَفْتُ القومَ: إذا أقمتهم في الحرب وغيرها على خطّ مستوٍ، وَصَفّت الإبل قوائمها: أي وضعتها صفًّا، فهي صافّةٌ، وصوافُّ، وصفّ الطائر جناحيه: أي بسطهما، ولم يُحرِّكهما. والمعنى: باسطات أجنحتها متّصلًا بعضها ببعض، بحيث لا يكون بينها فرجة، والمراد أنهما يقيان قارئهما من حرّ الموقف، وكَرْب يوم القيامة، وليست "أو" للشكّ، ولا للتخيير في تشبيه السورتين، ولا للترديد، بل للتنويع، وتقسيم القارئين، فالأول لمن يقرؤهما، ولا يفهم المعنى، والثاني للجامع بين التلاوة ودراية المعنى، والثالث لمن ضمّ إليهما التعليم والإرشاد. وقال الطيبيُّ: "اقرءوا الزهراوين" الزهراء تأنيث الأزهر، وهو المضيء، ويقال للنيّرين: الأزهران، مَثَّلَ حِرَاسة السورة إياه، وخلاصه ببركتهما عن حرّ الموقف، وكرب القيامة بإظلال أحد هذه الأشياء الثلاثة. و"الغمامة": السحابة، و"الغيايةُ": كلُّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، مثلُ السحابة وغيرها، يقال: غياي القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلّوه، كذا في "الغريبين"، و"الْفِرْقَان": القطعتان، والْفِرْق، والفريق، والْفِرْقة: القطعة، و"الصّوَافُّ": الباسطات أجنحتها متّصلًا بعضها ببعض، جمع صافّة. وقال البغويُّ في "شرح السنّة": "أو" في الحديث للتنويع لا لشكّ الراوي؛ لاتّساق الروايات كلِّها على هذا الوجه، قالوا: الأول لمن يقرؤهما ولا يفهم معناهما، والثاني لمن وُفّق للجمع بين تلاوة اللفظ دراية المعنى، والثالث لمن ضمّ إليهما تعليم المستعدّين، وبيان حقائقهما لهم، لا جَرَمَ تتمثّل له يوم القيامة مساعيه طُيُورًا صَوَافّ يحرسونه ويُحاجّون عنه. انتهى. قال الطيبيُّ: وإذا تحقّق التفاوت في المشبّهات يلزم التفاوت في المشبّه بها، فالتظليل بالغمامة دون التظليل بالغياية، فإن الأول عامّ في كلّ أحد،

стр. 9285

والثاني مختصّ بمثل الملوك، والثالث مختصّ بمن دعا بقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية [ص: ٣٥]، ثم في هذا التشبيه من الغرابة أن شبّههما أوّلًا بالنيّرين في الإشراق، وسطوع النور، وثانيًا بالغمامة والغياية، وبما يُنبئ عما يخالف النور من الظلّ والسواد، كما في الحديث الذي يلي هذا الحديث: "أو ظُلّتان سَوْداوان"، فآذن بهما أن تينك المظلّتين على غير ما عليه المظلّة المتعارفة في الدنيا، فإنها وإن كانت لدفع كرب الحرّ عن صاحبها ولتكرمته، لكن لم تخلُ عن نوع كدورة وشائبة نَصَب، وتلك -رزقنا اللَّه منها- مبرّأةٌ عن ذلك؛ لكونها كالنيّرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب، وآذن بالتشبيه الثالث أنهما مع كونهما مشرقتين مشبّهتين بمظلّة نبيّ اللَّه، ثم بولغ فيه فزيد "تحاجّان"؛ ليُنبّه به على أن ذينك الفريقين من الطير على غير ما عليه طير نبيّ اللَّه من كونهما حامتين صاحبهما عما يسوؤه، شبّههما أوّلًا بالنيّرين؛ ليُنبّه على أن مكانهما مما عداهما مكان القمرين بين سائر النجوم فيما ينشعب منهما لذوي الأبصار، ثم أوقع قوله: "البقرة وآل عمران" بدلًا منهما مبالغة في الكشف والبيان، كما تقول: هل أدلّك على الأكرم الأفضل فلان، وهو أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلّك على فلان الأكرم الأفضل؛ لأنك ثَنَّيتَ ذِكْرَهُ مجملًا أوّلًا، ومفصّلًا ثانيًا، وأوقع البقرة وآل عمران تفسيرًا وإيضاحًا لـ "الزهراوين"، فجعلهما عَلَمين في الإشراق والإضاءة، ثم إن هذا البيان أخرج "الزهراوين" من الاستعارة إلى التشبيه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وهو مع كونه تشبيهًا أبلغ من الاستعارة؛ لادّعاء أنه مفسّر مبيّن للمبهم. انتهى كلام الطيبيُّ (١). (تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) وفي بعض النسخ: "يُحاجّان" بالياء: أي تدافع السورتان عن قارئهما الجحيم والزبانية، أو تُجادلان، وتخاصمان الربّ ، وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة، قاله القاري. وقال التوربشتيّ: الأصل في الْمُحاجّة أن يطلُب كل واحد من

стр. 9286

المتخاصمين أن يردّ صاحبه عن حجّته ومَحَجّته، وأريد به ها هنا مُدافعة السورتين عن صاحبهما، والذّبّ عنه. وقال الشوكانيّ: "يُحاجّان" أي يُقيمان الحجّة لصاحبهما، ويُجادلان عنه، وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما. وظاهر الحديث أنهما يتجسّمان حتى تكونا كأحد هذه الأشياء الثلاثة التي شبّههما بها النبيّ ﷺ ، ثم يُقدرهما اللَّه تعالى على النطق بالحجة، وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القويّ الذي يقول للشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الشوكانيُّ من كونهما يتصوّران حقيقة، هو الحقّ، وأما ما قاله النووي من أن المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، ففيه نظر لا يخفى، فما الذي أدّاه إلى ترك ما دلّ عليه ظاهر النصّ؟، ومثله ما طوّل به القرطبيّ نفسه في "المفهم" مما لا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه. والحاصل أن حمل ظواهر الكتاب والسنّة على ما يقتضيه ظاهرها إذا أمكن هو الحقّ، ولا يصار إلى التأويل إلا أن يأتي دليل يصرفها عن الظاهر، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: لَمّا نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية، فقد فهم الصحابة ﵃ من الآية عموم الظلم، وأقرّهم النبي ﷺ على فهمهم، ولكن بيّن لهم المراد هنا بأنه الشرك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) قال الطيبيُّ: هذا تخصيص بعد تخصيص، بعد تعميم، عَمّم أوّلًا بقوله: "اقرءوا القرآن"، وعلَّق به الشفاعة، ثم خَصّ الزهراوين، وأناط بهما التخليص من كرب حرّ يوم القيامة والمحاجّة عن أصحابهما، وأفرد ثالثًا "البقرة"، وضمّ إليها المعاني الثلاثة الآتية؛ إشارةً إلى أن لكل خاصّيّةً لا يَقِف عليها إلا صاحب الشرع. انتهى (١). (فَإِنَّ أَخْذَهَا) أي المواظبة على تلاوتها، والتدبّر في معانيها، والعمل بما فيها (بَرَكَةٌ) أي زيادة ونماء، وقيل: أي منفعةٌ عظيمة (وَتَرْكَهَا) بالنصب،

стр. 9287

ويجوز الرفع (حَسْرَةٌ) أي تلَهُّفٌ وتأسّفٌ على ما فات من الثواب، وقيل: ندامة يوم القيامة (وَلَا تَسْتَطِيعُهَا) أي لا يقدر على تحصيلها (الْبَطَلَةُ") -بفتح الباء الموحّدة، والطاء المهملة- أي أصحاب البطالة والكسالة؛ لطولها، ولتعوّدهم الكسل (قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن سلّام الراوي عن زيد بن سلّام، موضّحًا معنى "الْبَطَلَة" (بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ) بفتحات: جمع ساحر، ككافر وكفَرَة، كما قال في "الخلاصة": وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ قال في "الكاشف": "الْبَطَلَةُ": السّحرة، عبّر عن السَّحَرَة بالبَطَلَة؛ لأن ما يأتون به باطلٌ، فسمّوا باسم فعلهم الباطل، وإنما لم يقدروا على حفظها، ولم يستطيعوا قراءتها، لزيغهم عن الحقّ، واتّباعهم للوساوس، وانهماكهم في الباطل. قال الطيبيّ: ويَحْتَمِل أن يراد بـ "البطَلَةِ" المؤاخذون من سَحَرَة البيان، حيث تحدّى فيها بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣] فأُفحموا، وعَجَزوا، وهو من قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، رواه البخاريّ. وقيل: أراد بـ "البَطَلَة" أصحاب البطالة، أي لا يستطيع قراءة ألفاظها، وتدبّر معانيها، والعمل بأوامرها ونواهيها أصحاب البطالة والكسالة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أُمامة الباهليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٨٧٤ و ١٨٧٥] (٨٠٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٩٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٤٩ و ٢٥٤ و ٢٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٥٤٤)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٦٤)،

стр. 9288

و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل قراءة القرآن، وأنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه الملازمين لتلاوته العاملين به. أخرج الإمام أحمد، والدارميّ بسند حسن، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البَطَلَة"، قال: ثم مكث ساعةً، ثم قال: "تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يُظِلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فِرْقان من طير صَوَافّ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كلَّ تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كلِّ تجارةٍ، فيُعْطَى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكْسَى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها، فهو في صعودٍ ما دام يَقْرَأ هَذًّا كان أو ترتيلًا" (١). ٢ - (ومنها): بيان فضل سورة البقرة، وآل عمران، وبيان محاجّتهما عن أصحابهما. ٣ - (ومنها): بيان فضل قراءة سورة البقرة، وأن أخذها بركة لأصحابها، وتركة حسرة، وأن البَطَلَة لا يستطيعونها.

стр. 9289

٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ قول "سورة البقرة"، و"سورة آل عمران"، و"سورة النساء"، و"سورة المائدة"، وشبهها، ولا كراهة في ذلك، وكرهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذْكَر فيها آل عمران، والصواب الأول، وبه قال الجمهور؛ لأن المعنى معلوم، قاله النوويُّ (١). وقال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب من لم يَرَ بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا". قال في "الفتح": أشار بذلك إلى الردّ على من كَرِه ذلك، وقال: لا يقال إلا: السورة التي يُذْكَر فيها كذا. قال القاضي عياض: حديث أبي مسعود ﵁ حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختُلِف في هذا، فأجازه بعضهم، وكرهه بعضهم، وقال: تقول: السورة التي تُذكر فيها البقرة. وأقوى في ذلك قول النبيّ ﷺ المذكور في هذا الحديث: "اقرءوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران"، وقوله: "اقرءوا سورة البقرة"، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبيّ ﷺ . قال النوويُّ في "الأذكار": يجوز أن يقول: "سورة البقرة"، إلى أن قال: "وسورة العنكبوت"، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك، وقال بعض السلف: يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول اللَّه ﷺ أكثر من أن تُحْصَر، وكذلك عن الصحابة، فمن بعدهم. قال الحافظ ﵀: وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه البعض المشار إليه حديثٌ مرفوعٌ عن أنس ﵁ رفعه: "لا تقولوا: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء"، وكذلك القرآن كله، أخرجه أبو الحسين بن قانع في "فوائده"، والطبرانيّ في "الأوسط"، وفي سنده عُبيس بن ميمون العطار، وهو ضعيف، وأورده ابن الجوزيّ في "الموضوعات"، ونَقَلَ عن أحمد أنه قال: هو حديث منكر. قال: وقد تقدّم في "باب تاليف القرآن" حديثُ يزيد الفارسيّ، عن ابن

стр. 9290

عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ كان يقول: "ضَعُوها في السورة التي يُذكر فيها كذا". قال ابن كثير في "تفسيره": ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقرّ الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير. قال: وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين، منهم أبو محمد بن أبي حاتم، ومن المتقدمين الكلبيّ، وعبد الرزاق. ونقل القرطبيّ في "تفسيره" عن الحكيم الترمذيّ أن من حرمة القرآن أن لا يقال: سورة كذا، كقولك "سورة البقرة"، و"سورة النحل"، و"سورة النساء"، وإنما يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا. وتعقبه القرطبيّ بأن حديث أبي مسعود ﵁ يعارضه. قال: ويمكن أن يقال: لا معارضة مع إمكان الجمع، فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالًّا على الجواز، وحديث أنس إن ثبت محمول على أنه خلاف الأولى. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من الحافظ عجيب، فكيف يجمع بين حديث ضعيف، وبين أحاديث صحيحة أخرجها الشيخان وغيرهما؟ على أن ما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة قال به الجماهير، وما ذهب إلى الكراهة إلا قوم شذوذ، إن هذا لهو العجب العُجاب. والحاصل أن قول "سورة البقرة"، و"سورة آل عمران"، و"سورة النساء"، ونحو ذلك جائز بلا كراهة، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوَيةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَكَأَنَّهُمَا" فِي كِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ: بَلَغَنِي).

стр. 9291

رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجة [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣. و"معاوية" بن سلّام ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد معاوية بن سلّام الماضي، وهو: عن زيد، عن أبي سلّام، عن أبي أمامة ﵁. [تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أجد ما ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٦] (٨٠٥) - (حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ"، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ، مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: "كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ، بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.

стр. 9292

٢ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ) الزُّبَيدِيّ، أبو الفضل الْحِمْصيّ المؤذن الْجُرْجُسِيّ -بجيمين مضمومتين، بينهما راء ساكنة، ثم مهملة- ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، ومحمد بن حرب الْخَولانيّ، وعقبة بن علقمة البيروتيّ، وبقية بن الوليد، ووكيع، والمعافى بن عمران، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وروى مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه له بواسطة إسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعمران بن بكار الحمصيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، ومحمد بن عوف الطائيّ، وحدث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وعثمان الدارميّ، ومحمد بن مسلم بن وَارَةَ، وحفص بن عمر شيخه، وغيرهم. قال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عنه، فأثنى عليه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا إله إلا إللَّه ما كان أثبته، ما كان فيهم مثله، يعني أهل حمص، وقال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين عن حيوة بن شُريح، ويزيد بن عبد ربه، فقال: ثقتان، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، صاحب حديث، وقال محمد بن عوف: سمعت حيوة بن شُريح يقول: أنا ويزيد بن عبد ربه مَن خالفنا عَطِبَ، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا أيقظ من حيوة بن شُريح، وقال أبو بكر بن أبي داود: حمصيّ ثقةٌ، أوثق مَن روى عن بقية، وقال ابن أبي حاتم: كان ينزل بحمص عند كَنِيسة جُرْجُس، فنُسب إليها، وقال يعقوب بن سفيان: سمعته يقول: أنا رجل من العرب، وقد ابتُلِيت بهذه الكنيسة، أنسَبُ إليها، ووثقه العجليّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال يزيد بن عبد ربه: وُلدتُ سنة ثمان وستين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٥)، وحديث (١٤٧١): "مره فليُراجعها حتى تحيض حيضة أخرى. . . ". ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.

стр. 9293

٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ) بن أبي مسلم دينار الأنصاريّ الشاميّ، أخو عمرو بن مهاجر، مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن أخيه عمرو، وأبيه مهاجر، والوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، والعباس بن سالم، وعُروة بن رُوَيم اللَّخْميّ، وربيعة بن يزيد، ويحيى بن يزيد الرُّهاويّ، وجماعة. ورَوَى عنه عبد الملك بن أبي عُتبة، وإسماعيل بن عياش، وابن عيينة، وعثمان بن سعيد الحمصيّ، وأبو مُسهِر عبد الأعلى، ومسكين بن بكير، ومروان بن محمد الطَّاطَريّ، والوليد بن مسلم، وهشام بن سعيد الطالقاني، ويحيى بن صالح الوُحَاظيّ، وأبو تَوْبة الربيع بن نافع الحلبيّ، وآخرون. قال أحمد، وابن معين، ودُحَيم، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وأخوه عمرو ثقة، ولهما أحاديث كِبَار حِسَانٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: شاميّ ثقةٌ، وأخوه عمرو شاميّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا. وقال الهيثم بن خارجة وغيره: مات سنة سبعين ومائة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيُّ) -بضمّ الجيم، وبالشين المعجمة- الْحِمصيّ الزّجّاج، كان على خراج الْغُوطَة أيام هشام، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي أُمامة، وجُبير بن نُفير، والحارث بن أوس الثقفيّ، وعياض بن غُطَيف، وغيرهم. ورَوَى عنه يعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وداود بن أبي هند، وبشار بن أبي سيف، وإبراهيم بن سليمان الأفطس، ومحمد بن مهاجر، وعبد اللَّه بن العلاء بن زَبْر، وغيرهم. قال الغلابيّ، عن ابن معين: رَوَى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، وهو ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ، وكان ممن قَدِمَ على الحجاج، وقال أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة الثالثة: قديمٌ جَيِّد الحديث، وقال أبو حاتم، ومحمد بن عون: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 9294

وقال البخاريّ: الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ مولى لأبي سفيان الأنصاريّ، قاله أبو شعيب، وأراه الوليد بن أبي مالك، قال ابن عساكر: هذا وَهَمٌ، وكذا قوله: مولى لأبي سفيان، فإنه عربيّ. قال الحافظ: ويجوز أن يكون مولى بالْحِلْف، وإن كان عربيّ الأصل، فقد تابع البخاريَّ على ما قال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان. أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) -مصغّر الاسمين- ابن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ [٢١] ولأبيه صحبة (ت ٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٧ - (النَّوَّاسُ (١) بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ) ويقال: الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، قال بعضهم: هو ابن سمعان بن خالد بن عبد اللَّه بن أبي بكر بن كلاب. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أبو إدريس الخولانيّ، وجُبير بن نُفير الحضرميّ. قال ابن عبد البرّ: يقال: أبوه وفد على النبيّ ﷺ ، فدعا له وتزوج أخته، فلما دخلت على النبيّ ﷺ تعوّذت منه، فتركها، وهي الكلابية، وقال أبو حاتم الرازيّ، وأبو أحمد العسكريّ: إن النّوّاس سكن الشام. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٨٠٥)، وحديث (٢٥٥٣): "البرّ حسن الخلق. . . "، وأعاده بعده و (٢٩٣٧): "ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول اللَّه ذكرتَ الدجّال. . . " الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.

стр. 9295

٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس لى في الكتب الخمسة إلا خمسة أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (٨/ ٢٩٧ - ٢٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ) بفتح النون، وتشديد الواو (ابْنَ سَمْعَانَ) قال النوويُّ: يقال: سَمْعان بكسر السين وفتحها. انتهى (١). وقال في "القاموس" و"شرحه": "وسِمْعانُ" بكسر السين، والعامّة تفتحها (٢). (الْكِلَابِيَّ) بكسر الكاف، وتخفيف اللام: نسبة إلى قبيلة معروفة (٣). (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ") بالبناء للمفعول، قيل: مصوّرًا بثوابه، والصواب كما سبق إبقاء النصّ على ظاهره، فيأتي القرآن نفسه، وفي رواية الترمذيّ: "يأتي القرآن" (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلِهِ) بالجرّ عطفًا على "القرآن" (الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ) هذا إعلام بأن من قرأ القرآن، ولم يعمل به، فلم يُحرِّم حرامه، ولم يُحلِّل حلاله، ولم يعتقد عَظَمته ليس من أهله، ولا يكون القرآن شفيعًا له يوم القيامة، بل يكون حجة عليه، كما تقدّم في حديث أبي مالك الأشعريّ ﵁ مرفوعًا: "القرآن حجة لك أو عليك". وأخرج الدارميّ عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ أنه قال: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم ذكرًا، وكائن بكم نورًا، وكائن عليكم وِزْرًا، اتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يَتَّبعِ القرآن يَهْبِط به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يَزُخُّ (٤) في قفاه، فيقذفه في جهنم". (تَقْدُمُهُ) بضمّ الدال، يقال: قَدَمتُ القومَ قَدْمًا، من باب نصر: إذا تقدّمتهم، أي تتقدّم القرآنَ، قال الطيبيُّ: الضمير في "تقدُمهُ" للقرآن، أي يتقدّم

стр. 9296

ثوابُهما ثوابَ القرآن، وقيل: يُصوّر القرآن صورة تجيء يوم القيامة بحيث يراها الناس كما تُصوّر أعمال العباد خيرها وشرّها صورةً توضع في الميزان، ومثل ذلك يجب اعتقاده إيمانًا، فإن العقل يعجَزُ عن أمثاله. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول الثاني هو الصواب، وأما القول بأن الذي يأتي هو ثواب القرآن، فقدّمنا ضعفه، فلا تغفل، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ") بالجرّ عطفًا على "البقرةِ"، وقيل: بالرفع عطفًا على "سورةُ" (وَضَرَبَ لَهُمَا) أي للسورتين (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ) قال القرطبيُّ: هذا يدلّ على أن "أو" ليست للشكّ؛ لأنه مثّل السورتين بالأمثال الثلاثة، فيَحْتَمِل أن يكون بمعنى الواو كما يقول به الكوفيّون، وأنشدوا عليه قوله [من البسيط]: نَالْ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا … كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وقوله [من الطويل]: وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ … لِنْفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا وحملوا عليه في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٩]. وقال البصريّون: إنها بمعنى الإباحة، فكأنه قال: شَبّهُوهم بكذا وبكذا، وهذا الخلاف جارٍ في هذا الحديث؛ لأنها أمثالٌ معطوفة بـ "أو"، فهي مثل ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. انتهى (١). (مَا) نافية (نَسِيتُهُنَّ) أي الأمثال الثلاثة (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي ما سمعت ضربه ﷺ لها، وقوله: (قَالَ) مبيّنًا لتلك الأمثال ("كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ) تثنية غَمَامة، كسحابة وزنًا ومعنى، أو هي البيضاء، جمعه غَمَامٌ، وغَمَائم (٢). (أَوْ ظُلَّتَانِ) بالضمّ: أي سحابتان (سَوْدَاوَانِ) تثنية سوداء، وُصِفتا بالسواد لكثافتهما، وتراكم بعضهما على بعض، وذلك أنفع من يكون من الظلال (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، بعدها قاف-، وقد روي بفتح الراء، والأول أشهر، كما قال النوويُّ، أي ضياء، ونور (٣).

стр. 9297

وقال في "المفهم": قال القاضي عياضٌ ﵀: رويناه بسكون الراء وفتحها، قيل: هو الضياء والنور، قال القرطبيّ: والأشبه أن الشرق بالسكون بمعنى المشرق، يعني أن بين تلك الظلّتين السوداوين مشارق أنوار، وبالفتح هو الضياء نفسه، وإنما نبّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لَمّا قال: سوداوان قد يُتَوَّهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: "بينهما شرق"، أي مشارق أنوار، أو أنوار حسبما قرّرناه، ويعني بهما سوداوين، أي من كثافتهما التي بسببهما حالتا بين من تحتهما، وبين حرارة الشمس، وشدّة اللَّهَب. انتهى (١). وقال في "الكاشف": قوله: "بينهما شرق": أي ضوء، وهو الشمس والشقّ أيضًا، وفي "الفائق": هو من قولهم: شاة شرقاء: أي بينهما فرجة وفصلٌ؛ لتميّزهما بالبسملة. وقال التوربشتيّ: إنما وصفهما بالسواد؛ لكثافتهما، وارتكام بعضهما على بعض، وذلك أجدى ما يكون من الظلال في الأمر المطلوب عنهما، ثم بيّن ﷺ بقوله: "بينهما شرق" أنهما مع ارتكامهما وكثافتهما لا يستُران الضوء، ولا يمحوانه، فعلى هذا الأشبه أن لا يراد بالشرق الشقّ، ولأنه استغنى بقوله: "ظلّتان" عن بيان البينونة. انتهى (٢). (أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي: أي جماعة، قال في "القاموس": الْحِزْقُ والْحِزْقَةُ بكسرهما، والحازِقَة، والْحَزِيقُ، والْحَزِيقةُ، والْحَزَاقَةُ: الجماعة، والْحَزِيقةُ: الْحَدِيقةُ، والقِطْعة من كل شيء، جمعه: حَزَائق، وحَزِيقٌ، وحُزُقٌ. انتهى (٣). فهو بمعنى قوله في الحديث الماضي: "فِرْقَان". وقوله: (مِنْ طَيْرٍ) بيان لـ "حِزْقان" (صَوَافَّ) جمع صافّة: أي باسطات أجنحتهنّ متلاصقات بعضها ببعض، كما كانت تظلّ سليمان ﵇ (تُحَاجَّانِ عَنْ

стр. 9298

صَاحِبِهِمَا") أي تدافعان بالحجة عن قارئهما الملازم لتلاوتهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النّوّاس بن سِمْعان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٨٧٦] (٨٠٥)، و (الترمذيّ) في "كتاب فضائل القرآن" (٢٨٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٣٤ و ٣٩٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁ الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْحَثِّ عَلَى قِرَاءَتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٧] (٨٠٦) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "بَيْنَمَا جِبْرِيلُ (١) قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ (٢) قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ (٣) قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ").

стр. 9299

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ) أبو عاصم الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٤ - (عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) -بتقديم الراء، مصغّرًا- الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٩) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقةٌ فيه تشيّعٌ [٦]. رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزنيّ، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن أبي الجعد الغطفانيّ، والزهريّ، وموسى بن عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد اللَّه بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم. قال عليّ بن حكيم: سمعت شريكًا يُثْني على عبد اللَّه بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسبًا، وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما، وقال ابن معين: ثقة، وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع، وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى، وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر أبو إسحاق الحربيّ في "العلل" أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جدّه في "الصحيح". قال جعفر الطيالسيّ عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة.

стр. 9300

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٦)، وحديث (٨٢٠): "أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف. . . " الحديث. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، مات (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أحمد بن جوّاس، فانفرد به هو، وأبو داود، وعمار بن رُزيق، فما أخرج له البخاريّ، والترمذي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدم غير مرة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: "بَيْنَمَا جِبْرِيلُ) وفي نسخة: "جبرائيل"، وقد تقدم الكلام على "بينما" غير مرة، وهي "بين" زيدت عليها "ما"، وتضاف إلى جملة، وتتضمّن معنى الشرط، فتحتاج إلى جواب يتم به معناها، وهو قوله: "سمع نقيضًا"، أي بين أوقات وحالات كون جبريل ﵇ عنده ﷺ . [تنبيه]: قال القاضي ناصر الدين ﵀: لعلّ ابن عبّاس ﵄ ترك الإسناد إلى النبيّ ﷺ ؛ لوضوحه، ولا يبعُد أن يقال: قد اتَّفَقَ له وقتٌ، فانكشف له الحال، وتمثّل له جبريل والملك النازل، كما تمثّل لرسول اللَّه ﷺ ، فشاهدهما، وسَمِع مقالتهما مع الرسول ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بحقائق ذلك. انتهى (١).

стр. 9301

قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب والأوضح، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "جبريل" مبتدأ، خبره قوله: (قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ) الظاهر أن الضمير لجبريل ﵇، وفي رواية النسائيّ: "بينما رسول اللَّه ﷺ ، وعنده جبريل ﵇ إذ سمع"، والظاهر عليه أن الضمير في "سمع" للنبيّ ﷺ ، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما سمع النقيض، واللَّه تعالى أعلم. وقال الطيبيُّ: قوله: "سَمِعَ" مسندٌ إلى جبريل ﵇، ويَحْتَمِل الإسناد إلى النبيّ ﷺ على بُعْد فيها؛ لما يدلّ نسق الكلام، وكذا قال القاضي (١): الضمائر الثلاثة في "سَمِعَ"، و"رَفَعَ"، و"قال" راجعة إلى جبريل ﵇؛ لأنه أكثر اطّلاعًا على أحوال السماء، وأحقّ بالإخبار عنها، واختار المظهر أن يكون الضمير في "سَمِعَ"، و"رفع" راجعًا إلى النبيّ ﷺ ، وفي "فقال" إلى جبريل، ولعلّ المختار هذا. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله القاضي هو الأولى، كما لا يخفى على من تامّل سياق الكلام، واللَّه تعالى أعلم. (نَقِيضًا) -بالقاف والضاد المعجمتين- أي صوتًا شديدًا كصوت نقض خشب البناء عند كسره، قاله القاري ﵀، وقال النوويُّ: أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. وقال في "اللسان": وكل صوت لمِفْصَل، وإصبع، فهو نقيض، وقد أنقض ظهرُ فلان: إذا سُمِعَ له نَقِيضٌ، قال الشاعر [من الوافر]: وَحُزْنٍ تُنْقِضُ الأضْلاع مِنْهُ … مُقِيمٍ فِي الْجَوَانِحِ لَنْ يَزُولَا ونَقِيضُ الْمِحْجَمَة: صوتُها، إذا شَدّها الحجّامُ بِمَصِّهِ، يقال: أنقض المِحْجَمَةَ؛ قال الأعشى [من الطويل]: زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نَقِيضُ الْمَحَاجِمِ وأنقض الرَّحْلُ: إذا أطَّ. انتهى (٣)

стр. 9302

وقال التوربشتيُّ: انتقاض الشيء صوت المحامل والرحال، وما أشبه ذلك، وحقيقة الانتقاض ليست الصوت، وإنما هي انتقاض الشيء في نفسه حتى يكون منه الصوت. انتهى (١). (مِنْ فَوْقِهِ) متعلق بمحذوف صفةٍ لـ "نقيضًا"، أي كائنًا من فوقه، وفي رواية الحاكم: "من السماء"، أي من جهة السماء (فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي لينظر إلى سبب النقيض المسموع، وفي رواية النسائيّ: "فرفع جبريل ﵇ بصره إلى السماء" (فَقَالَ: هَذَا) أي هذا الصوت (بَابٌ) أي صوت باب (مِنَ السَّمَاءِ) أي من سماء الدنيا (فُتِحَ الْيَوْمَ) بالبناء للمفعول، أي الآن، والجملة في محل رفع صفة لـ "باب" (لَمْ يُفْتَحْ) وفي نسخة: "ولم يُفتح" (قَطُّ) أي في الزمان الماضي، وفيها لغات، يقال: ما رأيته قَطُّ -بفتح القاف، وضمها، وضم الطاء المشددة، ويخففان-، وقَطٍّ -بفتح القاف، وكسر الطاء المشددة-: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. أفاده في "القاموس"، وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد البُورَنِيّ الْمِنَاسِيُّ هذه اللغات، فقال: وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ (إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ) أي نزل من ذلك الباب الذي لم يُفتح قبل ذلك الوقت ملك، وقال في "المرعاة": هذا من قول الراوي في حكايته لحال سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، أو بلغه عنه. انتهى (٢). (فَقَالَ) جبريل ﵇ (هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ) وفي نسخة: "ولم يَنْزِل" (قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ) هذا يدلّ على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم سورة البقرة ملك غير جبريل ﵇، وقيل: إن جبريل نزل قبل هذا الملك معلّمًا، ومخبرًا بنزول الملك، فهو مشارك له في إنزالها، قاله في "المرعاة". قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأوجه أن يقال: إن جبريل ﵇ نزل بهما أوّلًا قبل ذلك، ثم نزل ذلك الملك في ذلك اليوم ثانيًا لبيان فضلهما، وثوابهما، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9303

(فَسَلَّمَ) ذلك الملك النازل على النبيّ ﷺ وعلى الحاضرين (وَقَالَ: أَبْشِرْ) بقطع الهمزة أمر من الإبشار رباعيًا (بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا) بالبناء للمفعول، أي افَرحْ بسبب نورين أعطيتهما، قيل: سماهما نورين؛ لأن كلًّا منهما يكون لصاحبه نورًا يسعى أمامه، ولأنه يُرشَدُ، ويهتدي بالتأمّل فيهما إلى الطريق القويم، والمنهج المستقيم. انتهى (١). وقال القرطبيُّ: قوله: "بنورين" أي بأمرين عظيمين نَيِّرين مبيِّنين لقارئهما، ومنوّرين له، وخُصّت "الفاتحة" بهذا؛ لتضمّنها جملة معاني الإيمان والإسلام والإحسان، فهي آخذة بأصول القواعد الدينيّة، والمعاقد المعارفيّة. وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك؛ لما تضمّنته من الثناء على النبي ﷺ وعلى أصحابه ﵃ بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى اللَّه تعالى، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولمَا حَصَل فيها من إجابة دعواتهم بعد أن عَلِموها، فخَفَّف عنهم، وغَفَرَ لهم، ونصرهم، وفيها غير ذلك مما يطول تتبّعه. انتهى (٢). (لَمْ يُؤْتَهُمَا) بالبناء للمفعول أيضًا، أي لم يُعطهما (نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) بالجرّ بدل من "نورين"، ويَحْتَمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي أحدهما فاتحة الكتاب، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني (وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) جمع خاتمة، أي أواخرها، وهي من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى آخر السورة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قيل، وظاهر قوله: "وخواتيم سورة البقرة" بصيغة الجمع يقتضي أن يكون من قوله تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيات الثلاث، وهذا هو الذي استظهره في "المرعاة" (٣)، واللَّه تعالى أعلم. (لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ) الباء للتعدية؛ لأن قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، يقال: قرأت أمّ الكتاب، وبأم الكتاب، قاله الفيّوميُّ (٤).

стр. 9304

وقال التوربشتيُّ: الباء زائدة، كقولك: أخذت بزمام الناقة، وأخذت زمامها، وأراد بالحرف -واللَّه أعلم- الطَّرَف منها، فإن حرف الشيء طرفه، وكَنَى به عن كل جملة مستقلّة بنفسها، أي أعطيت ما اشتَمَلت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾، وكقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، ونظائره. انتهى (١). (مِنْهُمَا) أي من فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، قال السنديّ: أي مما فيه من الدعاء (إِلَّا أُعْطِيتَهُ") أي أُعطيت مقتضاه، من العون، والهداية إلى الصراط المستقيم، في الفاتحة، ومن المغفرة، وعدم المؤاخذة في النسيان، والخطأ، وعدم تحميل الإصر، وما لا يطاق، والعفو، والرحمة، والنصر على الكفار، في خواتيم سورة البقرة. وقال الطيبيُّ: قوله: "إلا أعطيته" حال، والمستثنى منه مقدّر، أي مستعينًا بهما على قضاء ما يَسْنَح من الحوائج كما يفعله الناس إلا أُعطيته، أو يُقدّر صفةً، أي لم تقرأ حرفًا منهما مشتملًا على دعاء وسؤال إلا أُعطيته، أما الحمد والثناء والتمجيد فيُعطى ثوابها، وأما الدعاء والسؤال، فيُسعَفُ بمطلوبه، ويُستجاب، فيوافق هذا التأويل حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". وتحرير معنى الدعاء في الفاتحة هو أن المطلوب فيها الهداية المشتملة على النعمة المطلقة، فيتناول نعمة الدارين، ظاهرها وباطنها، جليلها ودقيقها، حتى لا يشذّ منها شيء، وعلى التوقّي من غضب اللَّه وسخطه مطلقًا، دنيا وعُقبى، ومن جميع الأخلاق الذميمة، والضلالات المتنوّعة، وما يعوجه عن الطريق المستقيم، وعلى هذا خاتمة سورة البقرة، فإن قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ اشتَمَل على معنى التصديق والاعتقاد، ومنه إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ على بيان الانقياد بالسمع والطاعة لما أمر اللَّه تعالى به، ونهى عنه، ومنه إلى آخره على الدعاء الجامع لفلاح الدارين، والفوز

стр. 9305

بالحسنيين. انتهى (١). [تنبيه]: (اعلم): أن هذا العطاء ليس خاصًا بالنبيّ ﷺ ، كما يوهمه ظاهر السياق هنا، بل يعمّ أمته أيضًا بسببه ﷺ ؛ إذ الأصل مشاركتهم له ﷺ في كل ما أنزل عليه، إلا ما اختَصّ به، ومما يؤيّد هذا ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"، فإنه عام لكل مصلّ، وما تقدّم أيضًا في "كتاب الإيمان" من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبيّ ﷺ : "قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسَلَّمْنَا"، قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، وفيه: قال: "قد فعلت. . . " الحديث، ونحوه من حديث أبي هريرة ﵁، عند المصنّف أيضًا. والحاصل أن هذا الفضل عامّ لكلّ مخلص في عبادته، متّبع لهديه ﷺ ، نسأل اللَّه أن يجعلنا من أتباعه المهتدين بسنته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٨٧٧] (٨٠٦)، و (النسائيّ) في "المجتبى" (٩١٢)، وفي "الكبرى" (٩٨٤)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٢٢)، وفي "فضائل القرآن" (ج ٥ ص ١٢ - ١٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢٢٥٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢٠٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ١ - (منها): بيان فضل فاتحة الكتاب.

стр. 9306

٢ - (ومنها): بيان فضل خواتيم سورة البقرة. ٣ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ ﷺ على ربه، حيث أكرمه بما لم يكرم الأنبياء الذين قبله، فأعطاه هذين النورين. ٤ - (ومنها): إثبات الأبواب للسماء، وأنها تُفْتَح، وتُغْلَق، وأن بعض الملائكة لا ينزل إلى الأرض إلا لمثل هذه البشارة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من فضائل فاتحة الكتاب غير حديث الباب: (فمنها): ما تقدم للمصنف من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، الحديث. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁ قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ ، فلم أُجبه، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤] "، ثم قال لي: "لأُعَلِّمنّك سورةً، هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: "لأعلمنك سورة، هي أعظم سورة في القرآن؟ "، قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته". (ومنها): ما أخرجه الشيخان، وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَليم، وإن نفرنا غَيْب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كُنَّا نَأبُنُهُ (١) برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رَقَيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تُحْدِثُوا شيئًا حتى نأتي، ونسأل رسول اللَّه ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "وما كان يُدريه أنها رقية؟ اقسموا لي بسهم"، وفي بعض

стр. 9307

روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدريّ هو الذي رقى ذلك السَّلِيم، يعني اللَّدِيغ، يسمونه بذلك تفاؤلًا. (ومنها): ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن ابن جابر، قال: انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يَرُدّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يردّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يردّ عليّ، قال: فانطلق رسول اللَّه ﷺ يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليّ رسول اللَّه ﷺ ، وقد تطهّر، فقال: "عليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه"، ثم قال: "أَلَا أخبرك يا عبد اللَّه بن جابر بخير سورة في القرآن؟ " قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: "اقرأ الحمد للَّه رب العالمين حتى تختمها". قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا إسناد جيّد، وابن عَقِيل هذا احتج به الأئمة الكبار، وعبد اللَّه بن جابر هذا الصحابيّ ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، واللَّه أعلم، ويقال: إنه عبد اللَّه بن جابر الأنصاريّ البياضيّ، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال العلامة القرطبيُّ: اختَلَفَ العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء اللَّه تعالى الحسنى على بعض: فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام اللَّه، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها، وذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البُسْتيّ، وجماعة من الفقهاء، ورُوِي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض على بعض خطأ؛ وكذلك كَرِهَ مالك أن تعاد سورة، أو تردد دون غيرها، وقال عن مالك

стр. 9308

في قول اللَّه تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: مُحكمة مكان منسوخة، ورَوَى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك. واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام اللَّه، وكلام اللَّه تعالى لا نقص فيه. قال البُسْتِيّ: ومعنى هذه اللفظة: "ما في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن" أن اللَّه تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن؛ إذ اللَّه بفضله فضّل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة، قال: ومعنى قوله: "أعظم سورة" أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقال قوم: بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته، وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق. وممن قال بالتفضيل إسحاق ابن راهويه، وغيره من العلماء، والمتكلمون، وهو اختيار القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وابن الحصار؛ لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى، وحديث أبَيّ بن كعب ﵄. قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص، وقال ابن العربيّ: قوله: "ما أنزل اللَّه في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها" وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة، والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكلّ، كقولك: زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس. وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن اللَّه قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القُربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 9309

أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد، وأحكام، ووعظ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله ﷺ لأبي: "أي آية في القرآن أعظم؟ " قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإنما كانت أعظم آية؛ لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" أفضل الذكر؛ لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد، والعبادة، والوعظ، والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة اللَّه تعالى. انتهى كلام القرطبيّ، وهو بحثٌ نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٨] (٨٠٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ فِي الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، نُسب لجدّه التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠] (٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.

стр. 9310

٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥. ٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨. [تنبيه]: اختُلِف في نسبة أبي مسعود ﵁ إلى بدر، هل هو لشهود غزوة بدر، أو لسكناه بدرًا؟ فالأكثر على أنه لم يشهدها، ولم يذكره محمد بن إسحاق ومن اتبعه من أصحاب المغازي في البدريين، وقال الواقديّ، وإبراهيم الحربيّ: لم يشهد بدرًا، وإنما نزل بها، فنُسِب إليها، وكذا قال الإسماعيليّ: لم يصحّ شهود أبي مسعود بدرًا، وإنما كانت مسكنه، فقيل له البدريّ، فأشار إلى أن الاستدلال بأنه شهدها بما يقع في الروايات أنه بدريّ ليس بقويّ؛ لأنه يستلزم أن يقال لكل من شهد بدرًا البدريّ، وليس ذلك مُطّرِدًا. وممن جزم بأنه شهد بدرًا الإمام البخاريُّ حيث عدّه في "صحيحه" في جملة من شهد بدرًا من الصحابة ﵃. قال الحافظ: لم يَكْتَفِ البخاريّ في جزمه بأنه شهد بدرًا بوقوعه في الروايات أنه بدريّ، بل بقوله في الحديث الذي يليه: إنه شَهِدَ بدرًا (١)، فإن الظاهر أنه من كلام عروة بن الزبير، وهو حجة في ذلك؛ لكونه أدرك أبا مسعود، وإن كان رَوَى عنه هذا الحديث بواسطة، ويُرجَّح اختيار البخاريّ ذلك

стр. 9311

بقول نافع حين حدثه أبو لبابة البدريّ، فإنه نسبه إلى شهود بدر، لا إلى نزولها. وقد اختار أبو عبيد القاسم بن سلام أنه شهدها، ذكره البغويّ في "معجمه" عن عمه، عليّ بن عبد العزيز عنه، وبذلك جزم ابن الكلبيّ، ومسلم في "الكنى"، وقال الطبرانيّ، وأبو أحمد الحاكم: يقال: إنه شَهِدها، وقال الْبَرْقيّ: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وفي غير هذا الحديث أنه شَهِدها. انتهى. والقاعدة أن المثبت مقدَّم على النافي، وإنما رَجَّح من نَفَى شهوده بدرًا باعتقاده أن عمدة من أثبت ذلك وصفه بالبدريّ، وأن تلك نسبة إلى نزول بدر، لا إلى شهودها، لكن يُضَعِّف ذلك تصريح مَن صَرَّح منهم بأنه شَهِدها، كما في الحديث الذي أورده البخاريّ، وقال فيه: "فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ، جدُّ زيد بن حسن، شَهِدَ بدرًا". انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح أن أبا مسعود ﵁ شهد غزوة بدر، فنُسب إليها، كما هو رأي البخاريّ ومسلم، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وابن الكلبيّ، ورجّحه الحافظ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، عند من جعل منصورًا من صغار التابعين.

стр. 9312

٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ممن شهِد بدرًا على ما ذهب إليه البخاريّ ومسلم، وجماعة، كما أسلفناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس النخعيُّ أنه (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ) وفي الرواية التالية من طريق عليّ بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة بن قيس، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"، قال عبد الرحمن: فلقيت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدّثني به، عن النبيّ ﷺ . وفي الرواية الثالثة من طريق عيسى بن يونس، وعبد اللَّه كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبيّ ﷺ مثله. قال في "الفتح": فكأن إبراهيم حمله عن علقمة أيضًا بعد أن حدّثه به عبد الرحمن عنه، كما لَقِيَ عبدُ الرحمن أبا مسعود، فحمله عنه بعد أن حدّثه به علقمة. انتهى (١). [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: أبو مسعود هذا هو عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ، قال: ووقع في رواية عبدوس بدله ابن مسعود، وكذا عند الأصيليّ، عن أبي زيد المروزيّ، وصَوّبه الأصيليّ، فأخطأ في ذلك، بل هو تصحيف، قال أبو عليّ الْجَيّانيّ: الصواب عن أبي مسعود، وهو عقبة بن عمرو، وقد أخرجه أحمد من وجه آخر، عن الأعمش، فقال فيه: عن عقبة بن عمرو. انتهى (٢). (عِنْدَ الْبَيْتِ) وفي رواية الأعمش التالية: "فلقيت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت" (فَقُلْتُ: حَدِيث بَلَغَنِي عَنْكَ) قد تبيّن بما سبق أن الذي حدّثه به عنه هو

стр. 9313

علقمة بن قيس (فِي الْآيَتَيْنِ) أي فضلهما، وفضل قراءتهما، وقوله: (فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ؟) متعلّق بصفة لـ "الآيتين"، أو بحال منهما (فَقَالَ) أبو مسعود ﵁ (نَعَمْ) أي ما بلغك عنّي صحيح، ثم بيّن له الحديث بقوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) يعني من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة، وآخر الآية الأولى ﴿الْمَصِيرُ﴾ ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وأما ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فليست رأس آية باتّفاق العادّين. فقوله: "الآيتان" مبتدأ أول، وقوله: "من آخر سورة البقرة" متعلّق بصفة له، أي الكائنتان من آخرها، وقوله: (مَنْ قَرَأَهُمَا) "من" مبتدأ ثانٍ، (فِي لَيْلَةٍ) متعلّق بـ "قرأ"، وقوله: (كَفَتَاهُ") بتخفيف الفاء: أي أغنتاه، خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، ويَحْتَمِل أن يكون "من قرأهما" من "الآيتان". ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "من قرأ بهما" قيل: هذه الباء زائدة، وقيل: ضُمّن الفعل معنى التبرّك، فعُدّي بالباء، وعلى هذا تقول: قرأت بالسورة، ولا تقول: قرأت بكتابك؛ لفوات معنى التبرّك، قاله السهيلي (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم عن "المصباح" أن قرأ يعدى بنفسه، وبالباء، فلا حاجة إلى دعوى التضمين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلى أعلم. وأخرج عليّ بن سعيد العسكريّ في "ثواب القرآن" حديث الباب، من طريق عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيش، عن علقمة بن قيس، عن عقبة بن عمرو، بلفظ: "من قرأهما بعد العشاء الآخرة، أجزأتا، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة". ومن حديث النعمان بن بشير ﵄ رفعه: "إن اللَّه كتب كتابًا أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة" وقال في آخره: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، وأصله عند الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم. ولأبي عبيد في "فضائل القرآن" من مرسل جُبير بن نُفير نحوه، وزاد: "فاقرءوهما، وعَلِّمُوهما أبناءكم ونساءكم، فإنهما قرآن وصلاة ودعاء".

стр. 9314

[تنبيه]: اختُلِف في المراد بقوله: "كفتاه"، فقيل: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان، والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كلَّ سوء، وقيل: كفتاه شرّ الشياطين، وقيل: دفعتا عنه شرّ الثقلين: الإنس والجنّ، وقيل: معناه كفاه ما حَصَلَ له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختَصَّتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى اللَّه، وابتهالهم، ورجوعهم إليه، وما حَصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. قال في "الفتح": ذَكَرَ الكرمانيّ عن النوويّ أنه قال: كفتاه عن قراءة "سورة الكهف"، و"آية الكرسي"، كذا نقل عنه جازمًا به، ولم يقل ذلك النوويّ، وإنما قال ما نصه: قيل: معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويَحْتَمِل من الجميع، هذا آخر كلامه، وكأن سبب الوهم أن عند النوويّ عقب هذا "باب فضل سورة الكهف"، و"آية الكرسي"، فلعل النسخة التي وقعت للكرمانيّ سقط منها لفظ "باب" وصُحِّفت "فضل"، فصارت: وقيل، واقتصر النوويّ في "الأذكار" على الأول، والثالث نقلًا، ثم قال: قلت: ويجوز أن يراد الأوّلان. انتهى. وعلى هذا فأقول: يجوز أن يراد جميع ما تقدم، واللَّه أعلم، والوجه الأول وَرَدَ صريحًا من طريق عاصم، عن علقمة، عن أبي مسعود ﵁ رفعه: "من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة". ويؤيد الرابع حديث النعمان بن بشير ﵁ رفعه: "إن اللَّه كتب كتابًا، وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يُقرآن في دار، فيقرَبَها الشيطان ثلاث ليال"، أخرجه الحاكم، وصححه. وفي حديث معاذ ﵁ لما أمسك الجنيّ: "وآية ذلك لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة، فيدخل أحد منها بيته تلك الليلة"، أخرجه الحاكم أيضًا. انتهى (١).

стр. 9315

وقال الشوكانيُّ في "تحفة الذاكرين" بعد ذكره الأقوال المذكورة ما نصّه: ولا مانع من إرادة هذه الأمور جميعها، ويؤيّد ذلك ما تقرّر في علم المعاني والبيان من أن حذف المتعلّق مشعرٌ بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كلّ شرّ، أو من كل ما يُخاف، وفضل اللَّه واسع. انتهى، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٨٧٨ و ١٨٧٩] (٨٠٧) و [٤٤/ ١٨٨٠ و ١٨٨١ و ١٨٨٢] (٨٠٨)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٠٨ و ٥٠٠٩ و ٥٠٤٠ و ٥٠٥١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٩٧)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٨٨١)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٧١٨ و ٧١٩ و ٧٢٠ و ٧٢١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٦٨ و ١٣٦٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١٨ و ١٢١ و ١٢٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٤٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٤١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٩٥ و ٣٨٩٦ و ٣٨٩٧ و ٣٨٩٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٢٨ و ١٨٢٩ و ١٨٣٠ و ١٨٣١ و ١٨٣٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٩٩). وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
следующие страницы →