٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، ويزيد بن كيسان، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْشُدُوا) أي اجتَمعوا، فهو أمر من حشد اللازم، يقال: حَشَدتُ القوم حَشْدًا، من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب: إذا جَمَعتهم، وحَشَدُوا: أي اجتمعوا، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، أفاده الفيّوميُّ (١).
وقال ابن الأثير ﵀: معنى "احشُدوا": أي اجتمعوا واستحضروا الناس، والْحَشْدُ: الجماعة، واحتشد القوم لفلان: تجمّعوا له، وتأهّبوا. انتهى (٢).
(فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتكم بالحشد؛ لأني (سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ) أي اجتمع من اجتمع ممن سمع هذا الأمر (ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) أي من حجرته إلى الناس في المسجد (فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)
стр. 9347
أي هذه السورة بتمامها، ففي الرواية التالية: "فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ حتى ختمها" (ثُمَّ دَخَلَ) ﷺ بيته (فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى) بضمّ الهمزة، وفتح الراء بمعنى أظنّ، ويجوز أيضًا فتح همزته، فهو كقول الشاعر [من الطويل]:
وَكُنْتُ أَرَى زَيْدًا كَمَا قِيلَ سَيِّدًا … إِذَ إنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا وَاللَّهَازِمِ
قال الخضريُّ في "حاشيته": قوله: "وكنتُ أُرَى" أي أظنّ، والغالب في استعماله بمعنى الظنّ ضمّ همزته، كما قاله يس، وقد تُفْتَحُ، ويتعدّى لمفعولين فقط، فُتِح، أو ضُمّ، والضمير المستتر فاعلٌ، لا نائبه. انتهى كلامه باختصار (١).
وهنا مفعولها الأول قوله: (هَذَا) ومفعولها الثاني قوله: (خَبَرًا) بالنصب على ما في بعض النسخ، وهي النسخة التي شرح عليها الأبيّ، ووقع في معظم النسخ "خبر" بصورة المرفوع، وفيه إشكال، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا رُسِم بصورة المرفوع، على لغة ربيعة، وعادة قدماء المحدّثين، فإنهم يرسمون المنصوب المنوّن بصورتي المرفوع والمجرور، ويَقِفون عليه بالسكون، فيزول الإشكال، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ) جملة في محلّ نصب صفة لـ "خبرًا" (فَذَاكَ) وفي نسخة: "فذلك" (الَّذِي أَدْخَلَهُ) يعني أن سبب دخوله البيت قبل يقرأ علينا ثلث القرآن هو وحي جاءه من السماء، وهذا قالوه ظنًّا منهم أنه سيقرأ عليهم ثلث القرآن المعروف (ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) أي وقد قرأته (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (تَعْدِلُ) تقدّم أنه من باب ضرب، أي تساوي (ثُلُثَ الْقُرْآنِ") وقد تقدّمت أقوال العلماء في المراد من الثلث هنا، ورجحت قول من قال: إنه من متشابه الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9348
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٨٨٨ و ١٨٨٩] (٨١٢)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٩٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٤٦ و ٣٩٤٧ و ٣٩٤٨ و ٣٩٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٣٩ و ١٨٤٠)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٤٩)، وبقيّة المسائل تقدّمت في حديث أبي الدرداء ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٨٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَشِيرٍ أَبِي إِسمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾، حَتَّى خَتَمَهَا) (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.
٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمِي بالتشيع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (بَشِيرٌ أَبُو إِسْمَاعِيلَ) هو: بشير بن سلمان الكنديّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، والد الحكم، ثقةٌ، يُغْرِب [٦].
رَوَى عن أبي حازم الأشجعيّ، وخيثمة بن أبي خيثمة، وسَيّار أبي الْحَكَم، وقيل: عن سيار أبي حمزة، ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم.
стр. 9349
ورَوَى عن ابنه الحكم، والسفيانان، وابن المبارك، وابن فضيل، ووكيع، والفريابيّ، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وهو أحبّ إليّ من يزيد بن كيسان، وقال ابن سعد: كان شيخًا قليل الحديث، وقال البزار: حَدَّث بغير حديث، لم يشاركه فيه أحدٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٢) وحديث (١٥٧): "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على قبر، فيتمرّغ عليه. . . " الحديث، وحديث (٢٩٥٨): "لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قَتَل. . . " الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى خَتَمَهَا) وفي نسخة: "حتى ختم"، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٠] (٨١٣) - (حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِيَ هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا (٢) ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ
стр. 9350
يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ " فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ) بن مسلم المصريّ، لقبه بَحْشَل، يكنى أبا عبيد اللَّه، صدوقٌ تغير بأَخَرَةٍ [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في "المساجد" ١٩/ ١٢٧٧.
٢ - (عمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدُ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ ضعّفه ابن حزم، ولا سلف له فيه [٦] مات بعد (١٣٠) أو قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (أَبُو الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة الأنصاريّ، أبو الرجال -بكسر الراء، وتخفيف الجيم- مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن، ثقة [٥].
روى عن أمه عمرة، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد اللَّه وغيرهم، وعنه بنوه: حارثة، وعبد الرحمن، ومالك وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ووثقه أبو داود والنسائي، وابن حبان، وابن معين، وقال البخاري: ثبت.
أخرج له (خ م س ق)، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط.
٦ - (أُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٧ - (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) ﵂ ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
стр. 9351
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأبا الرجال، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم مصريون إلى سعيد، والباقون مدنيون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعي، عن تابعية.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالنصب على البدليّة من "أبا الرجال"، وهو لقب بصورة الكنية، لُقّب به؛ لأنه وُلد له عشرة رجال، وكنيته أبو عبد الرحمن (حَدَّثَهُ) أي حدّث سعيدًا (عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ﵂ الأنصاريّة (وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ) بفتح الحاء، وقد تكسر، وسكون الجيم، وهو في الأصل حِضْنُ الإنسان، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، والمراد هنا أنها كانت في حضانتها، يقال: هو في حِجْره، أي كَنَفه، وحمايته، والجمع حُجُورٌ، أفاده الفيّوميّ (١)، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة من "عائشة" (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه، وقيل: هو كلثوم بن الْهِدْم، وفيه نظر؛ لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول القتال، وقيل: هو كُرز بن زهدم الأنصاريّ، وسمّاه بعضهم كلثوم بن زهدم، وأما من فسّره بأنه قتادة بن النعمان، فأبعد جدًّا، وهذا ظاهرٌ، قاله في "المرعاة" (٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح" في شرح حديث أنس ﵁: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء إلخ" ما نصّه: هو كُلْثُوم بن الْهِدْم، رواه ابن منده في "كتاب التوحيد" من طريق أبي صالح، عن ابن عباس، كذا أورده
стр. 9352
بعضهم، و"الْهِدْمُ" بكسر الهاء، وسكون الدال، وهو من بني عمرو بن عوف، سُكّان قباء، وعليه نزل النبيّ ﷺ حين قدم في الهجرة إلى قباء.
قيل: وفي تعيين المبهم به هنا نظرٌ؛ لأن في حديث عائشة ﵂ في هذه القصة أنه كان أمير سرية، وكلثوم بن الهدم مات في أوائل ما قدم النبيّ ﷺ المدينة فيما ذكره الطبريّ وغيره من أصحاب المغازي، وذلك قبل أن يبعث السرايا، ثم رأيت بخط بعض من تكلم على رجال "العمدة": كلثوم بن زَهْدَم، وعزاه لابن منده، لكن رأيت أنا بخط الحافظ رشيد الدين العطار، في حواشي "مبهمات الخطيب" نقلًا عن "صفة التصوف" لابن طاهر: أخبرنا عبد الوهاب بن أبي عبد اللَّه بن منده، عن أبيه، فسماه كُرز بن زهدم، فاللَّه أعلم.
وعلى هذا فالذي كان يؤم في مسجد قباء غير أمير السرية، ويدلّ على تغايرهما أن في رواية الباب أنه كان يبدأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وأمير السرية كان يختم بها، وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة الآخر، وفي هذا أن النبيّ ﷺ سأله، وأمير السرية أمر أصحابه أن يسألوه، وفي هذا أنه قال: إنه يحبها، فبَشَّره بالجنة، وأمير السرية قال: إنها صفة الرحمن، فبشره بأن اللَّه يحبه، والجمع بين هذا التغاير كله ممكن، لولا ما تقدم من كون كلثوم بن الهدم مات قبل البعوث والسرايا.
وأما من فسره بأنه قتادة بن النعمان فأبعد جدًّا، فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها، ليس فيه أنه أَمَّ بها، لا في سفر ولا في حضر، ولا أنه سئل عن ذلك، ولا بُشِّرَ. انتهى (١).
(عَلَى سَرِيَّةٍ) أي جعله أميرًا عليها، فقوله: "على سريّة" متعلّق بـ "بعَثَ"، ولا يتعلّق بصفةٍ لـ "رجلًا" كما لا يخفى، ولا بحال منه؛ لأنه بكرةٌ، وإنما لم يقل: "في سريّة"؛ لأن "على" تفيد معنى الاستعلاء.
و"السَّريِة": القِطعَةُ من الجيش، وهي فَعِيلَةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسْرِي في خُفْيَة، والجمع سَرَايا، وسَرِيَّات، مثل عَطِيَّة وَعطَايَا، وعَطِيَّات (٢).
стр. 9353
(وَكَانَ) ذلك الرجل (يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ) أي لأنه كان إمامهم (فِي صَلَاتِهِمْ) أي التي يصليها بهم (فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾) أي يختم القراءة في الصلاة بها، يعني أنه يقرأ بعد الفاتحة ما شاء من القرآن، ثم إذا أراد أن يركع قرأ هذه السورة، وختم القراءة بها.
قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا يدلّ على أنه كان يقرأ بغيرها، ثم يقرؤها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر.
ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته، فيختص بالركعة الأخيرة، وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة. انتهى.
(فَلَمَّا رَجَعُوا) أي من غزوهم ذلك (ذَكَرُوا ذَلِكَ) وفي بعض النسخ: "ذُكر ذلك" بالبناء للمفعول، (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) يعني أن الصحابة ذكروا له ﷺ ما كان يفعله أميرهم ذلك من ختم قراءته بهذه السورة، وهذا يدلّ على أن صنيعه ذلك لم يكن موافقًا لما أَلِفُوه من النبيّ ﷺ (فَقَالَ) ﷺ ("سَلُوهُ) فعل أمر من سأل، قال الفيّوميُّ: الأمر من سأل اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واوٌ جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف للتخفيف، نحو اسألوا، وسَلُوا، وفيه لغة: سال يسال، من باب خاف يخاف، والأمر من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع: سَلَا، وسَلُوا على غير قياس. انتهى (١).
(لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ ") أي التزام ختم القراءة بهذه السورة (فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، دلّ عليه السؤال، أي إنما أفعل ذلك لأنها صفة الرحمن .
و"الصِّفَةُ" من الوَصْف، مثل العِدَةِ من الوَعْدِ، والجمع صِفَات، يقال: وَصَفْتُه وَصْفًا، من باب وَعَدَ: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وَصَفَ الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حالَهُ، وبَيَّنَ هَيْئَته، ويقال: الصفة هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُق، أفاده الفيوميّ (٢).
وقال في "الفتح": قال ابن التين: إنما قال: إنها صفة الرحمن؛ لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون
стр. 9354
الصحابي المذكور، قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبيّ ﷺ ، إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط.
وقد أخرج البيهقيُّ في "كتاب الأسماء والصفات" بسند حسن عن ابن عباس ﵄: أن اليهود أتوا النبيّ ﷺ ، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، فأنزل اللَّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخرها، فقال: "هذه صفة ربي ". وعن أبي بن كعب ﵁، قال: قال المشركون للنبيّ ﷺ : انسُبْ لنا ربك، فنزلت "سورة الإخلاص". . . الحديث.
وهو عند ابن خزيمة في "كتاب التوحيد"، وصححه الحاكم، وفيه: أنه ليس شيء يولد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، واللَّه لا يموت، ولا يورث، ولم يكن له شِبْهٌ ولا عَدْلٌ، وليس كمثله شيء.
قال البيهقيّ: معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ليس كهو شيء، قاله أهل اللغة، قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] يريد بالذي آمنتم به، وهي قراءة ابن عباس، قال: والكاف في قوله: "كمثله" للتأكيد، فنفى اللَّه عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي، وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات:
وَدِينُكَ دِينٌ لَيْسَ دِينٌ كَمِثْلِهِ
ثم أسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس كمثله شيء، وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] هل تعلم له شبهًا أو مثلًا؟.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "لأنها صفة الرحمن": يَحْتَمِل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما لو ذكر وصف، فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف.
ويَحْتَمِل غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعل تخصيصها بذلك؛ لأنه ليس فيها إلا صفات اللَّه ، فاختصت بذلك دون غيرها. انتهى.
(فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا) أي أقرأ هذه السورة التي هي صفة الرحمن ، يعني أنه لذلك يُحبّ أن يقرأ بها دائمًا؛ لأن من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره (فَـ)
стр. 9355
لَمّا أخبروه ﷺ بما قاله الرجل (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) قال ابن دقيق العيد ﵀: يَحْتَمِل أن يكون سبب محبة اللَّه له محبته لهذه السورة، ويَحْتَمِل أن يكون لما دلّ عليه كلامه؛ لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر الموافق لظاهر النصّ، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٨٩٠] (٨١٣)، و (البخاريّ) في "التوحيد" (٧٣٧٥)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٩٠١)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٩٩٣)، و"الكبرى" (١٠٦٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل "سورة الإخلاص"؛ حيث كانت محبتها موجبةً لمحبة اللَّه التي هي أُمْنِيّة كل قاصد، ورغبة كل راغب، اللهم ارزقنا حبك، وحب من ينفعنا حبه عندك، والعمل الذي يبلغنا حبك، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
٢ - (ومنها): بيان جواز الجمع بين سُوَر متعددة غير الفاتحة؛ لأنه ﷺ قرر الرجل على فعله، وبَشَّره بما بشره به.
٣ - (ومنها): بيان جواز خصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يُعدّ ذلك هِجرانًا لغيره من القرآن، قاله ابن المنيِّر ﵀.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر ﵀ أيضًا في هذا الحديث أن المقاصد تُغَيِّر أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتَلّ بحبها، فظهرت صحة
стр. 9356
قصده فصوّبه، قال: وفيه ما يُشْعِر بأن سورة الإخلاص مكية. انتهى.
٥ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة المحبّة للَّه على ما يليق بجلاله، وقد ذكر في "الفتح" اختلاف العلماء المتأخرين في معنى المحبة، أعرضت عن ذكرها هنا؛ لكونها أقوالًا مخالفة لما كان عليه السلف رحمهم اللَّه تعالى، من إثبات صفات اللَّه تعالى التي وصف بها نفسه في كتابه الكريم، أو وصفه بها رسوله ﷺ فيما صحَّ من أحاديثه، على ما جاءت به من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
فالحق أن صفة المحبة ثابتة للَّه على حقيقتها على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه، ولا يلزم من إثباتها له على هذا الوجه تشبيهه بمخلوقاته، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أنه لا يلزمنا ذلك حينما نثبت سائر صفات المولى سبحانه، كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، وسائر صفاته، سواءً بسواء، وكما لا يلزمنا أيضًا حينما نثبت له ذاته المقدسة، فإن إثبات الصفات فرع إثبات الذات، فافهم هذا وتحققه، فإنه مما زلَّت فيه أقدام كثير من المتأخرين ممن يشتغل بعلم الكلام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، نسأل اللَّه تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، بمنّه وفضله العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في "الفتح": وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن للَّه صفة، وهو قول الجمهور، وشذّ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطَلَحَ عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، فإن اعترضوا بحديث الباب، فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، قال: وعلى تقدير صحته، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهر أو عرض، كذا قال.
قال الحافظ ﵀: وسعيد مُتّفَقٌ على الاحتجاج به، فلا يُلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال بعد أن
стр. 9357
ذكر منها عدة أسماء في "سورة الحشر": ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته؛ لأنه إذا ثبت أنه حي مثلًا، فقد ثبت وصفه بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠] فنزّه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع.
وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميعَ الأسماء المذكورة في القرآن، وفي الأحاديث الصحيحة على قسمين:
[أحدهما]: صفات ذاته، وهي ما استحقَّه فيما لم يزل، ولا يزال.
[والثاني]: صفات فعله، وهي ما استحقَّه فيما لا يزال دون الأزل. قال: ولا يجوز وصفه إلا بما دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، أو أجْمِعَ عليه.
ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل، كالحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، من صفات ذاته، وكالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، من صفات فعله.
ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة، كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته، وكالاستواء، والنزول، والمجيء من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له؛ لثبوت الخبر بها على وجه ينفي التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، وصفة فعله ثابتة عنه، ولا يحتاج في الفعل إلى مباشرة، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وقال القرطبيُّ في "المفهم": اشتملت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال، وهما: الأحد، والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإن الواحد والأحد -وإن رجعا إلى أصل واحد- فقد افترقا استعمالًا وعرفًا؛ فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا يستعملونه في النفي، ويستعملون الواحد في الإثبات، ويقال: ما رأيت أحدًا،
стр. 9358
ورأيت واحدًا، فالأحد في أسماء اللَّه تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال؛ لأن معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يُصمَد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا للَّه. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٧) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩١] (٨١٤) - (وَحَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ (٣)، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب، [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
٣ - (بَيَانُ) بن بِشْر الأحمسيّ البجليّ المعلم، أبو بِشْر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
стр. 9359
رَوَى عن أنس، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ ووَبَرَة بن عبد الرحمن الْمُسْلِيّ، وإبراهيم التيميّ، وحُمران بن أبان، وعكرمة، وأبي عمرو الشيبانيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والسفيانان، وشَرِيك، وزائدة، وزهير، ومعتمر، وأبو عوانة، وهاشم بن الْبَرِيد، ومحمد بن فُضيل، وجرير، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: له نحو سبعين حديثًا، وقال أحمد: ثقة من الثقات، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: وهو أعلى من فِرَاس، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وليس بكثير الحديث، رَوَى أقل من مائة حديث، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وقال أبو ذَرّ الْهَرَويّ، عن الدارقطنيّ: هو أحد الثقات الأثبات.
وفرّق أبو الفضل الهرويّ، والخطيب، في "المتفق والمفترق" بينه وبين بيان بن بِشْر المعلِّم، يروي عنه هاشم بن الْبَرِيد، زاد الخطيب: ليس لهاشم رواية عن البجليّ.
قال الحافظ: ومما يدلّ على أنهما اثنان أن المعلِّم طائيّ، والآخر بَجَليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٤) وحديث (١٠٤٢) و (١٢٢٤) و (١٢٣٣) و (١٩٢٩) و (٢٤٧٥) و (٢٤٧٦).
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتَغَيَّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
٥ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهَنِيّ، صحابيّ مشهورٌ، اختُلِف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، وَلِيَ إِمْرَةَ مصر لمعاوية ﵁ ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات ﵁ في قرب الستين (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
стр. 9360
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: بيان، عن قيس.
٤ - (ومنها): أن قيسًا تابعيّ مخضرمٌ ويقال: له رؤية، وهو الذي انفرد من بين التابعين بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة، على الأصح في عبد الرحمن بن عوف، وليس ذلك لأحد من التابعين غَيرِهِ، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيُّ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
شرح الحديث:
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهنيّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ) الرؤية المراد بها هنا العلم، والاستفهام تقريريّ، حاصله إثبات ما بعد النفي، أي اعْلَمْ آيات.
وقال الطيبيّ: قوله: "ألم تر" هي كلمة تعجّب وتعجيب، ولذلك بيّن معنى التعجّب بقوله: "لم يُر مثلهنّ".
(أُنْزِلَتِ) بالبناء للمفعول (اللَّيْلَةَ) وفي نسخة: "هذه الليلة"، وفي أخرى: "أُنزِلن الليلة" بنون الجماعة، أي أنزلهنّ اللَّه تعالى عليّ في هذه الليلة (لَمْ يُرَ) قال النوويُّ: ضبطناه بالنون المفتوحة، وبالياء المضمومة مبنيًّا للمفعول، وكلاهما صحيح، وقوله: (مِثْلُهُنَّ) على الأول منصوب على المفعوليّة، وعلى الثاني مرفوع على أنه نائب الفاعل، والجملة في محل نصب صفة بعد صفة، أو حال.
وقوله: (قَطُّ) من ظروف الزمان تُستَعْمَل للماضي، وقد تقدم قول شيخنا عبد الباسط المِنَاسِيُّ ﵀ تعالى في ضبطها:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قَطُ قَطْ
والمعنى أنه لم يُنْزِل اللَّه تعالى عليّ فيما مضى من الزمان مثل هؤلاء الآيات في بابهنّ، وهو الاستعاذة، يعني أنه لم يكن آياتُ سورةٍ كُلُّهُنَّ تعويذٌ للقارئ غير هاتين السورتين، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يتعوذ من أعين الجانّ، وأعين الإنسان، فلما نزلت
стр. 9361
المعوّذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما"، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وقال الطيبيُّ: قوله: "لم يُرَ مثلهنّ" أي لم تكن آيات سورة كلّهنّ تعويذات للقارئ من شرّ الأشرار غير هاتين السورتين.
ولذلك كان رسول اللَّه ﷺ يتعوّذ من عين الجانّ، وعين الإنس، فلما نزلت المعوّذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما، ولَمّا سُحِر استشفى بهما، وإنما كان كذلك؛ لأنهما من الجوامع في هذا الباب، فتأمّل في أولاهما كيف خصّ وصف المستعاذ به بربّ الفلق، أي بفالق الإصباح؛ لأن هذا الوقت وقت فَيَضَان الأنوار، ونزول الخيرات والبركات، وخصّ المستعاذ منه بما خلق، فابتدأ بالعامّ من قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، أي من شرّ خلقه، وشرّ ما يفعله المكلّفون من المعاصي، ومضارّة بعضهم بعضًا، من ظلم وبغي، وقتل، وضرب، وشتم، وغيره، وما يفعله غير المكلّفين من الحيوان، كالسباع والحشرات، من الأكل، والنَّهْش، واللَّدْغِ، والعضّ، وما وضعه اللَّه تعالى في غير الحيوان، من أنواع الضرر، كالإحراق في النار، والقتل في السمّ.
ثم ثنّى بالعطف عليه ما هو شرّه أخفى من الزمان، ما هو نقيض انفلاق الصبح، من دخول الظلام، واعتكاره المعنِيّ بقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾؛ لأن انبثاث الشرّ فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب، ومنه قولهم: "الليل أخفى للويل"، وخصّ ما يمكن في الزمان بما غائلته خفيّة من النفّاثات والحاسد.
قال الطيبيّ: وقد خصّ شرّ هؤلاء من كل شرّ؛ لخفاء أمره، وأنه يَلْحَق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به، وقيّد الحاسد بـ ﴿إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأن الحاسد إذا أظهر حسده، وعَمِلَ بمقتضاه من بَغْي الغوائل للمحسود كان شرّه أتمّ، وضرّه أكمل.
ثم تأمّل في ثانيتهما كيف وصف المستعاذ به بالربّ، ثم بالملك، ثم بالإله، وأضافها إلى الناس، وكرّره، وخصّ المستعاذ منه بالوسواس الْمَعْنِيّ به الموسوس من الجنة والناس.
قال: هذه المبالغة في جانب المستعاذ به، والترقّي في الصفات يقتضي
стр. 9362
المبالغة في المستعاذ منه، ولعمري إن هذه الوسوسة إما أن تكون في صدر المستعيذ، وهي رأس كلّ شرّ، ومنشأ كلّ ضلالة وكفر وبدعة، أو في صدر من يضادّه، وهي معدن كلّ مضرّة، ومنبع كلّ نكال وعقوبة، فيدخل فيه نفثة كلّ نافث، وحسد كلّ حاسد. انتهى (١).
وقوله: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ") بدل من "آيات"، أو خبر لمحذوف محكيّ لقصد لفظه، أي هنّ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ إلخ، أو مفعول لفعل مقدّر محكي، أي أعني، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٧/ ١٨٩١ و ١٨٩٢ و ١٨٩٣] (٨١٤)، و (الترمذيّ) في "فضائل القرآن" (٢٩٠٢) و (٣٣٦٧)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٩٥٤)، و"كتاب الاستعاذة" (٥٤٤٠)، و"الكبرى" (١٠٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٤٤ و ١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٥٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٥٣ و ٣٩٥٤ و ٣٩٥٥ و ٣٩٥٦ و ٣٩٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤٢ و ١٨٤٣ و ١٨٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٣٥٠ و ٣٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عظم فضل هاتين السورتين، وقد سبق اختلاف أهل العلم في جواز إطلاق تفضيل بعض سور القرآن على بعض، وترجيح الراجح من ذلك -وهو الجواز- بدليله في الباب الماضي.
وقال الشوكانيُّ: فيه دليل على مزيد فضلهما، ولا تعارض بين هذا وبين
стр. 9363
ما ورد فيه مثل ذلك من السور والآيات، بل ينبغي أن يُحْمَل ما ورد تفضيله على أنه فاضل على ما عدا ما قد وقع تفضيله بدليل آخر، فالتفضيل من هذه الحيثية إضافيّ لا حقيقيّ، وهذا جمع حسنٌ، فإن مَنَعَ مانع من ذلك فالمرجع الترجيح بين الأدلة القاضية بالتفضيل. انتهى (١).
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا واضحًا على كون هاتين السورتين من القرآن، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): أن لفظة "قل" من القرآن ثابتة في أول السورتين بعد البسملة، وقد أجمعت الأمة على ذلك، كما قاله النوويُّ.
وقال الإمام ابن القيّم ﵀: [فإن قلت]: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر، والمأمور به، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ومعلوم أنه إذا قيل: قل: الحمد للَّه، وقل: سبحان اللَّه، فإن امتثاله أن يقول: الحمد للَّه، وسبحان اللَّه، ولا يقول: قل: سبحان اللَّه؟.
[قلت]: هذا هو السؤال الذي أورده أُبَيّ بن كعب ﵁ على النبيّ ﷺ بعينه، وأجابه عنه رسول اللَّه ﷺ ، فقال البخاريّ في "صحيحه": حدّثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عاصم، وعبدة، عن زِرّ، قال: سألت أُبيّ بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قيل لي، فقلت"، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: حدّثنا علي بن عبد اللَّه، ثنا سفيان، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، وحدّثنا عاصم، عن زِرّ قال: سألت أُبيّ بن كعب، قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قيل لي، فقلت: قل"، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن القيّم ﵀: مفعول القول محذوف، وتقديره قيل لي: قل، أو قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي، وتحت هذا السرّ أن النبيّ ﷺ ليس له في القرآن إلا بلاغه، لا أنه هو أنشأه من قِبَلِ نفسه، بل هو المبلغ له عن اللَّه، وقد قال اللَّه له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، فكان يقتضي البلاغُ التامُّ أن
стр. 9364
يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ كما قال اللَّه، وهذا هو المعنى الذي أشار النبيّ ﷺ إليه بقوله: "قيل لي، فقلت"، أي إني لست مبتدئًا، بل أنا مُبَلِّغٌ، أقول كما يقال لي، وأُبَلِّغ كلام ربي كما أنزله إليّ -فصلوات اللَّه وسلامه عليه- لقد بلغ الرسالة، وأَدَّى الأمانة، وقال كما قيل له، فكفانا وشفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول هذا القرآن العربيّ، وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به، ففي هذا الحديث أبين الردّ لهذا القول، وأنه ﷺ بَلَّغَ القول الذي أُمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى لِمَا قيل له: قل؛ لأنه مبلغ مَحْضٌ، وما على الرسول إلا البلاغ. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في كون هاتين السورتين من القرآن الكريم:
أخرج النسائيُّ في "سننه"، وصححه ابن خزيمة عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سأل النبيّ ﷺ عن المعوِّذتين، قال عقبة: فأمّنا بهما رسول اللَّه ﷺ في صلاة الفجر.
وفي رواية ابن خزيمة: "سألت رسول اللَّه ﷺ عن المعوّذتين، أمن القرآن هما؟ " الحديث.
هذا الحديث يدلّ على أن هاتين السورتين من القرآن العظيم، وهو الذي استقر عليه الإجماع أخيرًا، وكان عبد اللَّه بن مسعود ﵁ يخالف في ذلك.
فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسنده عن زرّ بن حُبَيش، قال: قلت لأبَيّ بن كعب: إن ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال: أشهد أن رسول اللَّه ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] فقلتها، فنحن نقول ما قال النبيّ ﷺ .
ورواه أبو بكر الحميدي في "مسنده"، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زِرّ بن حبيش، قال: سألت أبي بن
стр. 9365
كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يَحُكُّ المعوذتين من المصحف؟ فقال: إني سألت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قيل لي: قل، فقلت"، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ .
وأخرج البخاري في "صحيحه" عن زرّ، قال: سألت أبي بن كعب، فقلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت النبيّ ﷺ ، فقال: "قيل لي، فقلت"، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ .
وأخرج أبو يعلى بسنده عن علقمة، قال: كان عبد اللَّه يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أُمِرَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد اللَّه يقرأ بهما.
وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كان عبد اللَّه يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب اللَّه.
قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: سألنا عنهما رسول اللَّه ﷺ ، قال: "قيل لي، فقلت".
أورد هذه الأحاديث ابن كثير ﵀ في "تفسيره"، ثم قال ما نصه:
وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود ﵁ كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبيّ ﷺ ، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃ أثبتوهما في المصاحف الأئمة، ونَفَّذُوهما إلى سائر الآفاق كذلك، وللَّه الحمد والمنة. انتهى كلام ابن كثير ملخصًا (١).
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدم من الأحاديث نقلًا عن البزار ما نصّه: ولم يُتابِع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة.
وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه قرأ بهما في الصلاة.
قال الحافظ: وهو في "صحيح مسلم" عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن
стр. 9366
حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر: "فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل".
وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن رجل من الصحابة: أن النبيّ ﷺ أقرأه المعوذتين، وقال له: "إذا أنت صليت، فاقرأ بهما". وإسناده صحيح.
ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل: "أن النبيّ ﷺ صلى الصبح، فقرأ بالمعوذتين".
وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلانيّ في كتاب "الانتصار" -وتبعه عياض وغيره- ما حُكِي عن ابن مسعود ﵁، فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا، إلا إذا كان النبيّ ﷺ أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، قال: فهذا تأويل منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا.
قال الحافظ: وهو تأويل حسن، إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها: "ويقول: إنهما ليستا من كتاب اللَّه".
نعم يمكن حمل لفظ كتاب اللَّه على المصحف، فيتمشى التأويل المذكور.
وقال غير القاضي: لم يكن اختلاف ابن مسعود مع غيره في قرآنيتهما، وإنما كان في صفة من صفاتهما. انتهى.
وغاية ما في هذا أنه أبهم ما بيّنه القاضي، ومن تأمل سياق الطرق التي أوردتها للحديث استبعد هذا الجمع.
وأما قول النووي في "شرح المهذب": أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منهما شيئًا كَفَرَ، وما نُقِل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح، ففيه نظر.
وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم، فقال في أوائل "المحلَّى": ما نُقِل عن ابن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين، فهو كذب باطل.
وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره: الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل.
стр. 9367
والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يُقبل، بل الرواية صحيحة، والتأويل مُحْتَمِل، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر، فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول.
وقد قال ابن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة: وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة، ولم يقل: إنهم كفروا بذلك، وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر، قال: ونحن الآن نكفر من جحدها، قال: وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين، يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك.
وقد استَشْكَل هذا الموضع الفخر الرازيّ، فقال: إن قلنا: إن كونهما من القرآن كان متواترًا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر، قال: وهذه عُقْدة صعبة.
وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعود، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلت العُقْدة بعون اللَّه تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو كلام نفيس، وبحث أنيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قد ذكر الإمام ابن القيّم ﵀ بحثًا نفيسًا يتعلّق بحديث الباب، أحببت إيراده لغزارة فوائده، ونفاسة عوائده، قال ﵀ بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في هاتين السورتين ما نصّه:
والمقصود الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة، بل الضرورةِ إليهما، وأنه لا يَستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًّا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النَّفَس والطعام والشراب واللباس.
فنقول -واللَّه المستعان-: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول، وهي أصول الاستعاذة: أحدها: نفس الاستعاذة، والثانية المستعاذ به، والثالثة المستعاذ منه، فبمعرفة ذلك تُعْرَف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين،
стр. 9368
فلنعقد لهما ثلاثة فصول: الفصل الأول في الاستعاذة، والثاني في المستعاذ به، والثالث في المستعاذ منه:
[الفصل الأول]: الاستعاذة، وبيان معناها:
(اعلم): أن لفظ عاذ، وما تصرف منها يدلّ على التحرّز والتحصّن والنجاة، وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى مَن يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به مَعَاذًا، كما يسمى ملجأً ووَزَرًا.
وفي الحديث أن ابنة الْجَوْن لما أدخلت على النبيّ ﷺ ، فوضع يده عليها، قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: "قد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك"، رواه البخاريّ.
فمعنى أعوذ ألتجئ، وأعتصم، وأتحرز، وفي أصله قولان:
[أحدهما]: أنه مأخوذ من السَّتْر، والثاني أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، فأما من قال: إنه من الستر، قال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها: عُوَّذ -بضم العين، وتشديد الواو، وفتحها- فكأنه لما عاذ بالشجرة، واستتر بأصلها وظلها سَمَّوه عُوَّذًا، فكذلك العائذ قد استتر من عدوّه بمن استعاذ به منه، واستجَنَّ به منه.
ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للَّحم إذا لَصِقَ بالعظم، فلم يتخلص منه: عُوَّذ؛ لأنه اعتصم به، واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به ولزمه، والقولان حقّ، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، متمسك به، معتصم به، قد استَمْسَك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا، وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يُلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هَرَب من عدوه الذي يَبْغَى هلاكه إلى ربه ومالكه، وفَرّ إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه.
وبَعْدُ فمعنى الاستعاذة القائمُ بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الربّ، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه أمرٌ لا تحيط به العبارة.
ونظير هذا التعبيرُ عن معنى محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة
стр. 9369
تقصر عن وصف ذلك، ولا يُدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لِعِنِّين لم تُخْلَق له شهوة أصلًا، فلو قرّبتها وشبّهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خُلِقت فيه، ورُكِّبت فيه عَرَفها بالوجود والذوق.
وأصل هذا الفعل أَعْوُذُ بتسكين العين، وضم الواو، ثم أُعل بنقل حركة الواو إلى العين، وتسكين الواو، فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذٌ، وأصله عاوِذٌ، فوقعت الواو بعد ألف فاعلٍ، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم وخائف، وقالوا في المصدر: عياذًا باللَّه، وأصله عِوَاذًا كَلِوَاذًا، فقلبوا الواو ياء؛ لكسرة ما قبلها، ولم تَحْصُنها حركتها؛ لأنها قد ضَعُفَتْ بإعلالها في الفعل، وقالوا: مستعيذٌ، وأصله مُستَعْوِذٌ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، ثم قلبت الواو قبلها كسرة، فقلبت ياءً على أصل الباب.
[فإن قلت]: فَلِمَ دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ باللَّه، وعُذْت باللَّه، دون أستعيذ، واستعذت؟.
[قلت]: السين والتاء دالّة على الطلب، فقوله: أستعيذ باللَّه، أي أطلب العياذ به، كما إذا قلت: أستخير اللَّه، أي أطلب خيرته، وأستغفره، أي أطلب مغفرته، وأستقيله، أي أطلب إقالته، فدخلت في الفعل إيذانًا لطلب هذا المعنى من المعاذ، فإذا قال المأمور: أعوذ باللَّه، فقد امتثل ما طُلب منه؛ لأنه طُلب منه الالتجاء والاعتصام، وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربًا ملتجئًا معتصمًا باللَّه، أَتَى بالفعل الدالّ على ذلك، دون الفعل الدالّ على طلب ذلك، فتأمله.
وهذا بخلاف ما إذا قيل: استَغْفِرِ اللَّهَ، فقال: أستغفر اللَّه، فإنه طُلِب منه أن يطلب المغفرة من اللَّه، فإذا قال: أستغفر اللَّه كان ممتثلًا؛ لأن المعنى أطلب من اللَّه تعالى أن يغفر لي.
وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين، فيقول: أستعيذ باللَّه تعالى، أي أطلب منه أن يعيذني، ولكن هذا معنًى غيرُ نفس
стр. 9370
الاعتصام والالتجاء والهرب إليه، فالأول يخبر عن حاله وعياذه بربه، وخبرُه يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه، والثاني طالب سائل من ربه أن يعيذه، كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني، فحال الأول أَكمَل مَجِيء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر.
ولهذا جاء عن النبيّ ﷺ في امتثال هذا الأمر: "أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم"، و"أعوذ بكلمات اللَّه التامات"، و"أعوذ بعزة اللَّه وقدرته"، دون أستعيذ، بل الذي علمه اللَّه إياه أن يقول: أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس، دون أستعيذ فتأمل هذه الحكمة البديعة.
[الفصل الثاني]: في المستعاذ به:
المستعاذُ به وهو اللَّه وحده ربّ الفلق، ورب الناس، ملك الناس، إله الناس الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شرّ ما استعاذوا من شره.
وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانًا ورَهَقًا، فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر، فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح، أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رَهَقًا، أي طغيانًا وإثمًا وشرًّا، يقولون: سُدْنا الإنس والجنّ، والرهق في كلام العرب الإثم، وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن.
واحتَجَّ أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات اللَّه غير مخلوقة، بأن النبيّ ﷺ استعاذ بقوله أعوذ بكلمات اللَّه التامات، رواه مسلم، وهو ﷺ لا يستعيذ بمخلوق أبدًا.
ونظير ذلك قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك"، رواه مسلم، فدلَّ على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق، وكذلك قوله: "أعوذ بعزة اللَّه وقدرته"، أخرجه مسلم، وقوله: "أعوذ بنور وجهك الذي
стр. 9371
أشرقت له الظلمات"، إسناده قابل للتحسين، وما استعاذ به النبيّ ﷺ غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا باللَّه، أو صفة من صفاته.
وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الربّ والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفَلَق، وإلى الناس، ولا بدّ من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها، وقد قرَّرنا في مواضع متعددة أن اللَّه يُدْعَى بأسمائه الحسنى، فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه.
وقد قال النبيّ ﷺ في هاتين السورتين: إنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما، فلا بدّ أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيًا للمطلوب، وهو دفع الشرّ المستعاذ منه، أو رفعه، وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث، وهو الشيء المستعاذ منه، فتتبين المناسبة المذكورة، فنقول:
[الفصل الثالث]: في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين، الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه، يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشرّ هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرّين وأدومهما، وأشدّهما اتصالًا بصاحبه، وإما شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلف، أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجنيّ، وغير المكلف مثل الهوامّ، وذوات الْحُمَّى، وغيرها.
فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها، بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذةً، بحيث لم يبق شرّ من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما.
فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة: أحدها: شر المخلوقات التي لها شرّ عمومًا، الثاني: شر الغاسق إذا وقب، الثالث: شر النفاثات في العقد، الرابع: شر الحاسد إذا حسد، فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها قبل وقوعها، وبماذا تُدفع بعد وقوعها.
стр. 9372
وقبل الكلام في ذلك لا بدّ من بيان الشرّ ما هو؟ وما حقيقته؟ فنقول: الشرّ يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يُفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك.
فالشرور هي الآلام وأسبابها، فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذّة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب الآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والْخَنْق بالْحَبْل وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها ولا بدّ ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه، وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها، فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب، فيدفع الأقوى للأضعف.
وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف والقوة، والمقصود أن هذه الأسباب التي فيها لذّةٌ ما هي شرّ، وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة، وهي بمنزلة طعام لذيذ شهيّ لكنه مسموم إذا تناوله الآكل لذّ لآكله، وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل، فهكذا المعاصي والذنوب ولا بدّ، حتى لو لم يُخْبِر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة الخاصة والعامة من أكبر شهوده، وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته، فإن اللَّه إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
ومن تأمل ما قَصّ اللَّه تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال اللَّه عنهم من نعمه، وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل [من المتقارب]:
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا … فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
стр. 9373
فما حُفظت نعمة اللَّه بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه، فإنها نار النِّعَم التي تَعْمَل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس.
ومن سافر بفكره في أحوال العالم، استغنى عن تعريف غيره له، والمقصود أن هذه الأسباب شرور ولا بدّ وأما كون مسبباتها شرورًا، فلأنها آلام نفسية وبدنية، فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسيّ ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات.
ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حقَّ التفطن لأعطاه حقّه من الحذر والجدّ في الهرب، ولكن قد ضُرِب على قلبه حجاب الغفلة؛ ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولًا، فلو تيقظ حقّ التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من اللَّه تعالى، وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطلاع على عالم البقاء، فحينئذ يقول: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، و ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
مَدارُ المستعاذات على الآلام وأسبابها:
ولما كان الشرّ هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبيّ ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين، فكلُّ ما استعاذ منه، أو أمر بالاستعاذة منه، فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهنّ، وهي عذاب القبر، وعذاب النار، فهذان أعظم المؤلمات، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، رواه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ.
وهذان سبب العذاب المؤلم، فالفتنة سبب العذاب، وذكر الفتنة خصوصًا وعمومًا، وذكر نوعي الفتنة؛ لأنها إما في الحياة، وإما بعد الموت، ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدةً، وأما فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ، فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها، وهذا من آكد
стр. 9374
أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يَدْعُ به في التشهد الأخير، وأوجبه ابن حزم في كل تشهد، فإن لم يأت به بطلت صلاته.
استعاذة النبي ﷺ من ثمانية أشياء:
ومن ذلك قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والْحَزَن، والعجز والكسل، والْجُبْن والبخل، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال". رواه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ.
فاستعاذ من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان، فالهم والحزن قرينان، وهما من آلام الروح ومعذباتها، والفرق بينهما أن الهمّ توقع الشر في المستقبل، والحزن التألم على حصول المكروه في الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يَرِدُ على الروح، فإن تعلق بالماضي سُمّي حَزْنًا، وإن تعلق بالمستقبل سمي هَمًّا.
والعجز والكسل قرينان، وهما من أسباب الألم؛ لأنهما يستلزمان فوات المحبوب، فالعجز يستلزم عدم القدرة، والكسل يستلزم عدم إرادته، فتتألم الروح؛ لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه، لو حصل.
والجبن والبخل قرينان؛ لأنهما عدم النفع بالمال والبدن، وهما من أسباب الألم؛ لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تنال إلا بالبذل والشجاعة، والبخل يحول بينه وبينها أيضًا فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام.
وضَلَع الدين، وقهر الرجال قرينان، وهما مؤلمان للنفس، معذبان لها، أحدهما قهر بحقّ، وهو ضلع الدين، والثاني قهر بباطل، وهو غلبة الرجال، وأيضًا فضلع الدين قهر بسبب من العبد في الغالب، وغلبة الرجال قهر بغير اختياره.
ومن ذلك تعوذه ﷺ من المأثم والمغرم، رواه البخاريّ، فإنهما يسببان الألم العاجل.
ومن ذلك قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك"،
стр. 9375
رواه مسلم، فالسخط سبب الألم، والعقوبة هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام، وأقوى أسبابها.
وهكذا طوّل نفسه الإمام ابن القيّم ﵀ في هذا الموضوع بما لم يُسبَق إلى جمعه، وتحقيقه، وإيراده في محلّ واحد، فللَّه درّه من إمام محقّق، وجهبذ مدقّق، فإن أردت استيفاء هذا البحث، فارجع إلى كتابه الممتع "بدائع الفوائد" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ، أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، الْمُعَوِّذَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيُ الكوفيّ، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد اللَّه بن نُمَير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد الأحمسيّ مولاهم البجليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَوْ أُنْزِلَتْ) "أو" للشكّ من الراوي.
وقوله: (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) قال النوويُّ: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيحٌ، وهو منصوب بفعل محذوف، أي أعني المعوّذتين، وهو بكسر الراء. انتهى.
стр. 9376
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله سبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد إسماعيل الماضي، وهو: عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ إلخ) يعني أن وكيعًا اقتصر على قوله: "عن عقبة بن عامر"، وأما أبو أسامة فزاد في روايته قوله: "الجهني، وكان من رُفعاء أصحاب محمد ﷺ "، والرّفعاء بضم، ففتح: جمع رفيع، أي مرفوع القدر والرتبة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9377
(٤٨) - (بَابُ بَيانِ قَوْلِهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلّا في اثْنَتَيْنِ"، وقَوْلِهِ: "إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أقوامًا، ويَضَعُ بِهِ آخَرِينَ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٤] (٨١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ (١): رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصل، أبو بكر بنْ أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدَّاد، أبو خيثمة النسائيّ نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابنَ (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب (١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زُهْرة بن كلاب القرشيّ الزهريّ، أبو بكر الفقيه الحافظ
стр. 9378
المدنيّ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) أو قبل ذلك بسنة أو سنتين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّهُ بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٧ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما سبق آنفًا في تراجمهم.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، وذو مناقب جمّة، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصْغِر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة الأربعة، وكان من أشدّ الناس اتّباعًا للأثر، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا حَسَدَ) كلمة "لا" لنفي الجنس، و"حَسَدَ" اسمها مبنيّ على الفتح، وخبره محذوف، أي لا حسد جائزٌ، أو صالحٌ، أو نحو ذلك، قاله في "العمدة" (١).
стр. 9379
وقال في "القاموس": حَسَدَهُ الشيءَ، وعليه، يَحْسُدُهُ، من باب ضرب ونصر، حَسَدًا بالتحريك، وحُسُودًا بالضمّ، وحَسَادة بالفتح، وحَسَّدّه بالتشديد: تَمَنّى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو يُسْلَبَهما، وهو حاسدٌ من حُسَّد، وحُسّاد، وحَسَدَة، وحَسُودٌ بالفتح من حُسُد بضمتين، وحَسَدَني اللَّهُ إن كنت أَحْسُدُك، أي عاقبني على الْحَسَد، وتحاسدوا حَسَدَ بعضهم بعضًا. انتهى بإيضاح (١).
وقال في "المصباح": حَسَدتُهُ على النعمة، وحَسَدته النعمةَ حَسَدًا بفتح السين أكثر من سكونها، يتعدى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كَرِهتها عنده، وتمنيت زوالها عنه، وأما الحسد على الشجاعة ونحو ذلك، فهو الْغِبْطة، وفيه معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّاه فهو القسم الأول، وهو حرام، والفاعل حاسد، وحَسُود، والجمع حُسّادٌ وحَسَدَةٌ. انتهى (٢).
قال في "الفتح": أي لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين، أو لا يحسن الحسد إن حَسُن، أو أُطلق الحسد مبالغةً في الحثّ على تحصيل الخصلتين، كأنه قيل: لو لم يحصلا إلا بالطريق المذموم لكان ما فيهما من الفضل حاملًا على الإقدام على تحصيلهما به، فكيف والطريق المحمود بمكن تحصيلهما به، وهو من جنس قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فإن حقيقة السبق أن يتقدّم على غيره في المطلوب. انتهى (٣).
وقال النوويُّ: قال العلماء: الحسد قسمان: حقيقيّ ومجازيّ، فالحقيقيّ تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة، مع النصوص الصحيحة، وأما المجازيّ، فهو الْغِبْطة، وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره، من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث: لا غِبْطَةَ محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، وما في معناهما. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": الحسد تمني زوال النعمة عن الْمُنْعَم عليه، وخصّه
стр. 9380
بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحقّ أنه أعمّ، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحبّ أن يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه، أو مطلقًا ليساويه، وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك، من تصميم، أو قول، أو فعل، وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وُضِع في طبعه من حبّ المنهيات، واستَثْنَوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق، يستعين بها على معاصي اللَّه تعالى، فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته.
وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الْغِبْطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسةً، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وإن كان في المعصية فهو مذموم، ومنه: "ولا تنافسوا"، وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم، أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين.
ووجه الحصر أن الطاعات إما بدنية، أو مالية، أو كائنة عنهما، وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة، والقضاء بها وتعليمها.
ويجوز حمل الحسد في الحديث على حقيقته، على أن الاستثناء منقطع، والتقدير نفي الحسد مطلقًا، لكن هاتان الخصلتان محمودتان، ولا حسد فيهما، فلا حسد أصلًا، أفاده في "الفتح" (١). وقال أيضًا:
[فائدة]: زاد أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث ما يدلّ على أن المراد بالحسد المذكور هنا الغبطة، كما ذكرناه ولفظه: "فقال رجل: ليتني أُوتيت مثل ما أوتي فلانٌ، فعَمِلت مثل ما يعمل"، أورده البخاريّ في "فضائل القرآن".
وعند الترمذيّ من حديث أبي كَبْشة الأنماريّ -بفتح الهمزة، وإسكان النون- أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول، فذكر حديثًا طويلًا فيه استواء العامل في المال بالحقّ والمتمني في الأجر، ولفظه: "وعبدٌ رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادقُ النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت مثل ما يعمل فلان، فأجرهما سواء"، وذكر في ضدّهما أنهما في الوزر سواءٌ، وقال فيه: حديث
стр. 9381
حسنٌ صحيحٌ، وإطلاق كونهما سواءً يرُدّ على الخطابيّ في جزمه بأن الحديث يدلّ على أن الغنيّ إذا قام بشروط المال، كان أفضل من الفقير، نعم يكون أفضل بالنسبة إلى مَن أعرض، ولم يَتَمَنَّ، لكن الأفضلية المستفادة منه هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط، لا مطلقًا. انتهى (١).
(إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) كذا في معظم النسخ "اثنتين" بتاء التأنيث، أي لا حسد محمود في شيء إلا في خصلتين، وعلى هذا فقوله: "رجلٌ" بالرفع، والتقدير خصلةُ رجلٍ، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه، ووقع في بعض النسخ "إلا في اثنين" بالتذكير، وعلى هذا فقوله: "رجلٍ" بالجرّ على البدلية، أي خصلة رجلٍ، ويجوز النصب بإضمار "أعني"، وهي رواية ابن ماجه، كما قاله في "الفتح".
و"في" سببيّة، أي بسبب حصول خصلتين اثنتين، ووقع عند البخاريّ بلفظ "على اثنتين" بـ "على" يقال: حسدته على كذا، أي على وجود ذلك له.
وقال في "العمدة": قوله: (رَجُلٌ) يجوز فيه الأوجه الثلاثة من الإعراب: الرفع على تقدير: إحدى الاثنين خصلةُ رجلٍ، فلما حذف المضاف اكتَسَى المضاف إليه إعرابه، والنصبُ على إضمار: أعني رجلًا، وهي رواية ابن ماجه، والجرّ على أنه بدل من "اثنين"، وأما على رواية "اثنتين" بالتاء فهو بدل أيضًا على تقدير حذف المضاف، أي خصلةُ رجلٍ؛ لأن الاثنتين معناه خصلتين على ما يجيء. انتهى (٢).
(آتَاهُ) بمدّ الهمزة، كأعطاه وزنًا ومعنًى (اللَّهُ الْقُرْآنَ) جملة من الفعل والفاعل والمفعولين، أحدهما الضمير المنصوب، والآخر "القرآن"، وهي في محل الرفع، أو الجرّ، أو النصب، على تقدير إعراب "رجل"؛ لأنها وقعت صفةً له.
(فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) أي ساعاته، قال الفيّوميُّ: "الآناء" على أفعال، هي الأوقات، وفي واحدها لغتان: إِنًى بكسر الهمزة والقصر، وإِنْيٌ، وزانُ حِمْلٍ. انتهى (٣).
стр. 9382
وقال في "القاموس": و"الأَنْيُ" ويُكسر، و"الأَنَاءُ"، و"الإِنْوُ" بالكسر: الوَهْنُ، والساعة من الليل، أو ساعةٌ مّا منه، والإِنَى، كـ "إِلَى"، و"عَلَى" كلُّ النهار، جمعه آناءٌ، وأُنِيٌّ، وإِنِيٌّ، وأُنَا، كهُنَا. انتهى (١).
(وَآنَاءَ النَّهَارِ) المراد بالقيام به العمل به مطلقًا، أعمّ من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه، والحكم والفتوى بمقتضاه، وعند أحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلميّ: "رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ويتّبع ما فيه".
(وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا) نكّره؛ ليشمل القليل والكثير (فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ") وفي الرواية التالية: "فتصدّق به آناء الليل، وآناء النهار"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٨٩٤ و ١٨٩٥] (٨١٥)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٢٥)، و"التوحيد" (٧٥٢٩)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٣٦)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٩٧)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٠٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥٥٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨ و ٣٦ و ٨٨ و ١٥٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٧٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٥٤ و ٣٨٥٥ و ٣٨٥٦ و ٣٩٥٧ و ٣٨٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤٥ و ١٨٤٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣١٦٢ و ١٣٣٥١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ١٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٣٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 9383
١ - (منها): بيان فضل من يقوم بالقرآن آناء الليل وآناء النهار.
٢ - (ومنها): بيان فضل إنفاق المال في وجوه الخير آناء الليل وآناء النهار.
٣ - (ومنها): الحثّ على الاغتباط في العلم، وعمل الخير، وأن ذلك ليس من التنافس المذموم.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: فيه من الفقه أن الغنيّ إذا قام بشروط المال، وفَعَلَ ما يُرْضِي ربه ﵎، فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا.
٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيُّ: معنى الحديث: الترغيب في طلب العلم، وتعلمه، والتصدق بالمال، وقيل: إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، كما رُخِّص في نوع من الكذب، قال ﷺ : "إن الكذب لا يحل إلَّا في ثلاث. . . " الحديث (١).
والحسد على ثلاثة أضرب: محرَّم، ومباحٌ، ومحمودٌ، فالمحرم تمنّي زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها، وانتقالها إلى الحاسد، وأما القسمان الآخران، فغبطة، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ أن يكون له مثله، فإن كانت في أمور الدنيا فمباحٌ، وإن كانت من الطاعات فمحمودٌ، قال النوويّ: الأول حرام بالإجماع.
وقال بعض الفضلاء: إذا أنعم اللَّه تعالى على أخيك نعمةً، فكَرِهتها، وأحببت زوالها فهو حرامٌ بكل حال، إلّا نعمة أصابها كافرٌ، أو فاجرٌ، أو من يستعين بها على فتنة أو فساد. انتهى (٢).
стр. 9384
٦ - (ومنها): ما قاله الطيبيُّ: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، فينبغي أن يُتَحَرَّى ويُجْتَهَد في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟، بل أقول: هو الطريق المحمود لذاته، والمأمور في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، فإن السبق هو رَوْمُ نَيْلِ ما لصاحبك، واختصاصك به، قالت الخنساء [من الطويل]:
وَمَا بَلَغَتْ كَفُّ امْرِئٍ مُتَنَاوَلًا مِنَ الْمَجْدِ … إِلَّا وَالَّذِي نَالَ أَطْوَلُ
وهو الحسد المباح الذي سبق ذكره، وكيف لا؟ وكلُّ واحدة من هاتين الخصلتين بلغت غايةً لا أمد فوقها، ولو اجتمعتا في امرئ بلغ من العَلْياء كل مكان. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عِمْران، أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النَّجَاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح وقيل: (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
стр. 9385
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) أي على خصلتين اثنتين، و"على" هنا سببيّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩٦] (٨١٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بهَا وَيُعَلِّمُهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ) بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء، مناقبه جمة، وأمَّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، فـ "إسماعيل": هو ابن أبي خالد، و"قيس": هو ابن أبي حازم، و"ابن نُمير": هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.