أحدها: أن معناه أن يرتفع الظل معه، ولا يقع منه شيء على الأرض، من قولهم: استقلَّت السماءُ: ارتفعت.
وثانيها: أن يقدر المضاف؛ أي: يُعْلَم قلة الظل بواسطة ظل الرمح.
وثالثها: أن يكون من باب عَرَضتُ الناقةَ على الحوض، وطَيَّنتُ بالفَدَن السياعا، و"السياع": الطين، و"الفَدَنُ": القَصْرُ.
قال صاحب "المفتاح": ولا يشجع على القلب إلَّا كمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح. انتهى (١).
ووقع في رواية لأحمد: "حتى يستقل الرمح بالظل"، وفي أخرى: "حتى يقوم الظل قيام الرمح"، وفي رواية أبي داود: "حتى يعدل الرمح ظله"، وفي رواية لأحمد، وهي عند ابن ماجه أيضًا: "حتى يقوم العمود على ظله".
قال السنديّ: العمود: خشبة يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلَّا تحت العمود، ومحلّ قيامه، فيصير كأن العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. انتهى (٢).
(ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ) أي: حين يستقلّ الظلّ بالرمح.
قال الطيبيّ ﵀: وفي اسم "إنّ" وجهان: أحدهما "تُسْجَرُ" على إضمار "أن" المصدريّة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].
والثاني: ضمير الشأن محذوفًا من "إنّ" المكسورة المشدّدة، كقول الشاعر [من الطويل]:
فَلَا تَخْذُلِ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا … فَإِنَّ بِهِ تَنَالُ الأُمُورَ وَتَرْأَبُ (٣)
فالتقدير فإنه، يقول: لا تخذل مولاك، وإن ظلمك، فربّما تحتاج إليه، وترجع إلى معاونته في بعض الأمور، فيجبر كسرك، قيل: لا حذف؛ لأن المقصود من الكلام المصدّر به التعظيم والفخامة، فلا يلائمه الاختصار.
стр. 9557
وأجيب بأن ضمير الشأن إنما ينبئ عن التعظيم لإبهامه، وحذفه أدلّ على الإبهام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، حَذَف اسم "كاد" وضميرَ الشأن؛ ليزيد التفخيم والتهويل، وله في الأحاديث نظائر، سنذكرها - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ (١).
(تُسْجَرُ) بالتخفيف والتشديد مبنيًّا للمجهول؛ أي: يوقد عليها إيقادًا بليغًا، من سجر التَّنُّور -بالتخفيف والتشديد-: ملأه وَقُودًا، وأحْمَاهُ، قال الراغب: السَّجْرُ: تهييج النار، يقال: سَجَرْتُ التّنّور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. انتهى.
وقال ابن الملك: أي: تُملأ نيران جهنم، وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها.
وقال الخطابيّ ﵀: ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تُذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الْحِسّ والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق للمخبِر بها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها. انتهى (٢).
(جَهَنَّمُ) قال النوويّ ﵀: اختَلَف أهل العربية، هل جهنم اسم عربي، أم عجمي؟ فقيل: عربي، مشتقّ من الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهام؛ أي: عميقة، فعلى هذا لَمْ تصرف للعلمية والتأنيث، وقال الأكثرون: هي عجمية مُعَرَّبة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. انتهى (٣).
(فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ) أي: ظهر إلى جهة المشرق، و"الفيء" مختصّ بما بعد الزوال، وأما "الظلّ" فيقع على ما قبل الزوال وما بعده، قاله النوويّ، وقال القاري: أي: رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر، و"الفيء": ما نسخ الشمسَ، وذلك بالعشيّ، و"الظلُّ": ما نسخته الشمس، وذلك بالغدوّ. انتهى.
стр. 9558
(فَصَلِّ) أي: أيَّ صلاة تريدها (فَإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ) أي: فرضه، قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلاة غير المصلّي، وإنما يكره لكلّ إنسان بعد صلاته العصر، حتى لو أخّرها عن أول الوقت لَمْ يكره التنفّل قبلها. انتهى.
(ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) أي: بالكلّيّة (فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ") أي: فلا يجوز مشابهة أهل النار في عبادتهم فضلًا عن غيرها.
(قَالَ) عمرو بن عبسة ﵁ (فَقُلْتُ: يَا نَبِي اللَّهِ، فَالْوُضُوءُ) بالرفع، وقيل: بالنصب (حَدِّثْنِي عَنْهُ) أي: أخبرني عن فضله (قَالَ) ﷺ ("مَا) نافية (مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ) بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء، من التقريب، مبنيًّا للفاعل، قيل: أو للمفعول (وَضُوءَهُ) بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به (فَيَتَمَضْمَضُ) وفي نسخة: "فيُمَضْمِضُ"، يقال: مَضْمَضْتُ الماءَ في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمض بالماء: إذا فعل ذلك، قال الفارابيّ: المضمضمة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها، قاله الفيّوميّ (١).
(وَيَسْتَنْشِقُ) أي: يُدخل الماء في الأنف، ويجذبه بالنفس؛ ليُنزل ما في الأنف، قال ابن الأثير ﵀: أي: يُبلغُ الماءَ خياشيمه، وهو من استنشقتُ الريحَ: إذا شَمَمتها مع قوّة. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: نَشِقْتُ منه رائحةً أَنْشَقُ، من باب تَعِبَ نَشْقًا، مثلُ فلس، واستنشقتُ الريحَ: شَمِمْتُها، واستنشقتُ الماءَ، وهو جعله في الأنف، وجذبه بالنّفَسِ؛ ليُنْزِل ما في الأنف، فكأن الماء مجعول للاشتمام، مجازٌ، والفقهاءُ يقولون: استَنْشَقتُ بالماء بزيادة الباء. انتهى (٣).
(فَيَنْتَثِرُ) وفي نسخة: "فيستنثر"، أي: يُخرج ما في الخيشوم من الأوساخ، قال الفيّوميّ ﵀: نَثَرَ المتوضئ، واستَنْثَرَ بمعنى استنشق، ومنهم من يفرّق، فيجعل الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إخراج ما في الأنف من
стр. 9559
مخاط وغيره، ويدلّ عليه الحديث: "كان ﷺ يستنشق ثلاثًا في كلّ مرّة يستنثر"، وفي حديث: "إذا استنشقت فانتثر" بهمزة وصل، وتُكسر الثاء وتضمّ، وأنثر المتوضئ إنثارًا لغةٌ، وحَمَل أبو عبيد الحديث على هذه اللغة. انتهى (١).
(إِلَّا خَرَّتْ) استثناء مفرغّ، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "إلّا خرّت" خبر "ما"، والمستثنى منه مقدّرٌ؛ أي: ما منكم رجلٌ متّصفٌ بهذه الأوصاف، كائنٌ على حال من الأحوال إلَّا على هذه الحالة، وعلى هذا المعنى ينزَّل سائر الاستثناءات، وإن لَمْ يصرّح بالنفي فيها؛ لكونها في سياق النفي بواسطة "ثُمّ" العاطفة؛ أي: سقطت (خَطَايَا وَجْهِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "خَرّت" بالخاء المعجمة، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، إلَّا ابن أبي جعفر، فرواه "جَرَت" بالجيم. انتهى. ومعنى "خَرَّت" بالخاء: أي: سقطت، وهو كناية عن مغفرة الذنوب، ومعنى"جَرَت" أي؛ ذهبت ذنوب وجهه مع ماء الوضوء.
والمراد من الخطايا هي الصغائر عند عامّة العلماء.
والمراد بالخطايا الصغائر كما سبق في "كتاب الطهارة" قوله ﷺ : "ما اجتنبت الكبائر".
وقوله: (وَفِيهِ) أي: خطايا فمه من جهة الكلام والطعام (وَخَيَاشِيمِهِ) أي: أنفه، وهو: جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف، وقيل: الخياشيم: عِظام رِقَاقٌ في أصل الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل: غير ذلك.
والمراد: ما اكتسبه من الإثم من جهة رائحة طيبة محرّمة على جهة القصد، والظاهر أن عطف "فيه وخياشيمه" على "وجهه" تفسيريّ؛ لقوله: (ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) بأن استوعب بالغسل جميعه (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ) بكسر اللام: هو الشعر النازل على الذَّقَنِ، والجمع: لِحًى، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضًا، مثلُ حِلْية وحُلًى (٢). (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) أي: منضمّتين إليهما، أو "إلى" بمعنى "مع"، و"المرفق" بفتح الميم وكسر الفاء، كالمسجِد، وبالعكس لغتان، وهو كما في
стр. 9560
"القاموس" موصل الذراع في العَضُد (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ) أي: رؤوس أصابعه، وهي: جمع أَنْمَلة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل الضم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم، فيصير تسع لغات، وهي من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول: الأنامل رءوس الأصابع، وعليه قول الأزهريّ: الأنملةُ: الْمَفْصِل الذي فيه الظفر، أفاده الفيّوميُّ ﵀ (١).
وقال في "شرح القاموس" نقلا عن شيخه: وقد جمع العزّ القسطلانيّ اللغات التسعة في البيت المشهور مع لغات الإصبع، فقال [من البسيط]:
وَهَمْزَ أنْمَلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالثَةً … وَالتّسْعُ في أُصْبُع وَاخْتمْ بأُصْبُوع (٢)
(مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ظاهر الاستيعاب، وقد سبق في أبواب الوضوء بيان الخلاف في وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وأن الراجح هو القول بالوجوب، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ) ومنها خطايا الأذنين؛ لأنهما من الرأس (مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ) بفتح العين وسكونها (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لمذهب العلماء كافّةً أن الواجب غسل الرجلين، وقال الشيعة: الواجب مسحهما، وقال ابن جرير: هو مُخَيَّرٌ، وقال بعض الظاهرية: يجب الغسل والمسح. انتهى (٣).
(إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ) قال الطيبيّ ﵀: "إن" شرطيّة، ورافع "هو" فعلٌ مضمرٌ يفسّره قوله: "قام"، فلما حُذف أُبرز الضمير المستكنّ فيه، وجواب الشرط محذوفٌ، وهو المستثنى منه؛ أي: فلا ينصرف من شيء من الأشياء إلَّا من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، وجاز تقدير النفي لما مرّ من أن الكلام في سياق النفي، قال: هذا مذهب ابن مالك، وصاحب "الكشّاف"، وأما ابن الحاجب فيجيز الاستثناء المفرّغ في الموجب
стр. 9561
بشرط كونه فضلةً، وأن تحصل به فائدةٌ، كما يقال: قرأت إلَّا يوم الجمعة، ونظير هذا الشرط قول الحماسيّ [من الطويل]:
وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا … فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ
انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ بزيادة (١).
أي فإن قام بعد الفراغ من الوضوء (فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) أي: ذكر اللَّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وقيل: فائدته الإعلام بأنّ لفظ الحمد غير متعيّن (وَمَجَّدَهُ) أي: عظّمه بالقلب واللسان، فهو تعميم بعد تعميم، فهو تأكيد لما قبله.
(بِالَّذِي) متعلّق بما قبله على سبيل التنازع؛ أي: بالتحميد والثناء والتمجيد (الذي هُوَ لَهُ أَهْلٌ) أي: يليق بجلاله وعظمته وكماله ، وضمير "هو" عائد على اللَّه تعالى، وضمير "له" عائد على الموصول (وَفَرَّغَ) بتشديد الراء، من التفريغ (قَلْبَهُ لِلَّهِ) أي: جعل قلبه حاضرًا مع اللَّه تعالى، وخاليًا عما سواه، فهو كقوله في الحديث الآخر: "لا يُحدّث فيهما نفسه" (إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ) أي: كصفته وحالته (يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ") يجوز في "يوم" البناء على الفتح؛ لإضافته إلى جملة فعليّة فعلها ماض، ويجوز إعرابه بالكسرة، والأول أولى، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
قال القرطبيّ : معناه: لا يبقى عليه شيء، لا كبيرة، ولا صغيرةٌ، هذا ظاهره، وقد بيّنّا هذا المعنى في الطهارة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في "كتاب الطهارة" أن الجمهور على أن إطلاق هذا الحديث ونحوه مقيّد بالصغائر، جمعًا بينه وبين الأحاديث التي قيّدته بذلك، كحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهنّ، إذا اجتنب الكبائر"، رواه مسلم.
стр. 9562
(فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) ﵁ (بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ) الباهليّ ﵁ (صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ) أي: فَكِّر، وتَأنَّ فيما تتكلم به من هذا الفضل الجزيل على هذا الفعل القليل (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟) ولفظ النسائيّ: "أكلَّ هذا يُعطَى في مجلس واحد؟ "، وليس هذا اتهامًا من أبي أمامة لعمرو ﵄، وإنما هو استغراب، وتعجُّب من عظيم فضل اللَّه تعالى.
(فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي) يقال: كَبِرَ الصبيُّ يَكْبَر، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثلُ مَسْجِد، وكِبَرًا وزان عِنَبٍ، فهو كَبِير، وجمعه كِبَار، قاله في "المصباح" (١). وفي "القاموس"، وكَبِرَ كفَرِحَ كِبَرًا كعنب، ومَكبِرًا، كمنزل: طعن في السنّ. انتهى.
والسنّ -بكسر السين وتشديد النون-: مقدار العمر، مؤنثة في الناس وغيرهم جمعه أسنان، قاله في "القاموس".
(وَرَقَّ عَظْمِي) كناية عن ضعفه (وَاقْتَرَبَ أَجَلِي) أي: وقت موتي، قال في "القاموس": الأجل محركة: غاية الوقت في الموت. انتهى.
(وَمَا بِي حَاجَةٌ) وفي رواية النسائيّ: "وما بي من فقر"؛ أي: ليس بي حاجة إلى الناس (أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ) ، وفي رواية النسائيّ: "فأكذب على رسول اللَّه (وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) وفي بعض النسخ: "ولا على رسوله ﷺ ".
والمعنى أن الأسباب الحاملة على الكذب عادةً منتفيةٌ عني، فلست كاذبًا.
(لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا) وفي نسخة: "ما حدّثت به أحدًا أبدًا".
وفي رواية النسائيّ: "ولقد سمعته أُذناي، ووعاه قلبي، من رسول اللَّه ﷺ "؛ يعني: أنه متثبت في ثقل هذا الكلام من رسول اللَّه ﷺ ، ثم إن قلبه وعاه له، ولم يطرأ عليه نسيان.
(وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال النوويّ ﵀: هذا الكلام قد يُسْتَشكل
стр. 9563
من حيث إن ظاهره أنه لا يرى التحديث إلَّا بما سمعه أكثر من سبع مرات، ومعلوم أن من سمع مرةً واحدةً جاز له الرواية، بل تجب عليه إذا تعيّن لها.
وجوابه أن معناه: لو لَمْ أتحققه، وأجزم به لَمَا حدثت به، وذَكَر المرّات بيانًا لصورة حاله، ولم يُرِدْ أن ذلك شرطٌ. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمرو بن عبَسَةَ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٣٠] (٨٣٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٧٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٧٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤٧)، وفي "الصلاة" (٥٧٢ و ٥٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١١ و ١١٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٢٩٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٤٧)، والدارقطني في "سننه" (١/ ١٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤٦ و ١١٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما لقيه النبيّ ﷺ من جراءة قومه عليه، وأذاهم له، وصدّهم عن سبيل اللَّه تعالى، فكان يستخفي عنهم حال أداء العبادة.
٢ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر وبلال ﵄، حيث كانا سابقين إلى الإسلام.
٣ - (ومنها): بيان فضل عمرو بن عَبَسَة ﵁ وكمال عقله حيث كان يدرك في الجاهليّة أن الناس في ضلال حيث يعبدون الأوثان من دون اللَّه تعالى، فلما سمع ببعثة النبيّ ﷺ خرج إليه مستخبرًا عنه، فلما علم أنه نبيّ من عند اللَّه بادر بالإسلام ﵁.
٤ - (ومنها): بيان مشروعية سؤال الشخص العلماء عن أحكام دينه، وعَمَّا لَه في ذلك عند اللَّه من الأجر؛ لأن ذلك يبعثه على العمل به، وتزداد رغبته، ويَقْوَى نشاطه.
стр. 9564
٥ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للمسلم أن يسأل عن أفضل الأوقات والأماكن ليتقرب فيها إلى ربه، ويكثر من طاعته.
٦ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وبيان تسلط الشيطان في ذلك الوقت للإغواء.
٧ - (ومنها): النهي عن مشابهة الكفار في عبادتهم.
٨ - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الاستواء؛ لأنه وقت فتح أبواب جهنم، وتسجيرها.
٩ - (ومنها): النهي عن الصلاة وقت الغروب؛ للعلة المتقدمة في الطلوع، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة في هذه الأوقات، وترجيح القول بجواز ذوات الأسباب؛ جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): بيان فضل الوضوء، وأنه من مكفّرات الذنوب.
١١ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمذهب العلماء كافّة أن الواجب غسل القدمين، خلافًا للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحهما، ولابن جرير حيث قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بيّنه النوويُّ ﵀.
١٢ - (ومنها): بيان فضل الصلاة بعد الوضوء.
١٣ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص، وفضل حضور القلب في حال العبادة.
١٤ - (ومنها): مشروعيّة الاستثبات في الإخبار، وإن كان المخْبِر صادقًا؛ إذ ربما يطرأ له نسيان، أو نحوه.
١٥ - (ومنها): أن في كلام عمرو بن عَبَسَةَ ﵁ هنا ما يدلّ على أن الحاجة ربما حملت الشخص على التزيد في الخبر، كما اطُّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على الأحاديث ما ليس منها، ليتكسبوا بذلك أموال الأمراء وغيرهم.
مثل ما وقع لغياث بن إبراهيم حيث زاد الجناح في حديث: "لا سبق إلَّا في نصل، أو خف، أو حافر"؛ إرضاءً للمهديّ حيث إنه كان يلعب بالحمام،
стр. 9565
ويُحِبّ ذلك، فأمر له ببَدْرَة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: أنا حملته على هذا، فأمر بذبح الحمام، ورَفَضَ ما كان عليه، وغير ذلك من الحكايات العجيبة المذكورة في كتب من ألّف في الضعفاء والموضوعات، وقد ذكر ابن عراق ﵀ في مقدمة "تنزية الشريعة" أشياء من ذلك، وقَسَمَ أصناف الوضأعين إلى سبعة أقسام (١)، ونظمت ذلك في منظومة سميتها تذكرة الطالبين، في بيان الموضوع وأصناف الوضاعين وهي (١٥١) بيتًا، وقلت في القسم الخامس، وفيه القصة المذكورة:
وَخَامسُ الأقْسَام أهْلَ الْغَرَض … كَمَنْ يَقْصُّ كَاذبًا ذَا مَرَضٍ
وَالشَّاحذينَ وَكَذا مَنْ يَقْرُبُ … للأمَرَاء آخذًا مَا يَطْلُب
كَبَعْض مَنْ قَصَّ بأنَّ عُمَرَا … نُورٌ للإِسْلَام فَبئْسَمَا افْتَرَى
وَمنْهْ مَا افْتَرَاهُ بَعْضُ المُعْتَدي … عَلى ابْن حَنْبَل وَيَحْيَى المُهْتَدي
وَالذَهَبيُّ أنْكَرَ الحكَايَهَ … وَاللَّهُ أعَلَمُ لنَا حمَايَهْ
كَذَاكَ تَكْبيرٌ أَتَى منْ سَائل … ثَلَاثًا افْتَرَاهُ غَيْرُ عَاقل
كَذَا غيَاثٌ لحديث "لَا سَبَقْ" … زَادَ جنَاحًا بئَسَمَا لَهُ اخْتَلَقْ
وَصلَهُ المَهْديْ ببدْرَة فَمَا … أَحْسَنَ في هَذَا وَلَكنْ عنْدَمَا
قَدْ ذَبَحَ الْحَمَامَ وَالَّلهْوَ رَفَضْ … خَفَّفَ مَا لَهُ مِنَ الَّلوْمِ عَرَضْ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٣) - (بَابٌ "لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣١] (٨٣٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: وَهِمَ عُمَرُ، إِنَّمَا نَهَى
стр. 9566
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ وَغُرُوبُهَا) (١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، صدوقٌ، رُبَّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمِّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) -بالتصغير- ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأخرة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ٦٠١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (عَائِشَه) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: وَهِمَ عُمَرُ) تعني ابن الخطّاب ﵁، ووَهِمَ، كغَلِطَ وزنًا ومعنًى.
стр. 9567
ووقع في رواية النسائيّ بلفظ "أوهَمَ"، وكذا هو عند أبي عوانة في "مسنده"، وأبي نعيم في "مستخرجه".
قال السنديُّ ﵀ في "شرح النسائيّ": هكذا في النسخ بالألف، والصواب "وَهِمَ" -بكسر الهاء- أي: غَلِطَ، أو بفتح الهاء: أي: ذهب وَهْمُهُ إلى ما قال، كما صرَّحوا في مثله، وهو المشهور في رواية هذا الحديث، يقال: أوْهَمَ في حلاته، أو في الكلام: إذا أسقط منها شيئًا، وَوَهِمَ بالكسر: إذا غَلِطَ، وَوَهَمَ بالفتح يَهِمُ: إذا ذهب وَهْمُهُ، إلَّا أن يقال: المراد أن الحديث كان مقيَّدًا، فأسقط القيد من الكلام نسيانًا، ثم تبع إطلاقه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا اعتراض السنديُّ ﵀ على رواية "أوهم"، لكن قال في "القاموس" بعدما ذكر نحْوَ هذا ما نصُّه: وَهَمَ، كَوَعَدَ، وَوَرِثَ، وأوْهَمَ، بمعنى. انتهى.
وقال في "اللسان": وقال ابن الأعرابيّ: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ سواء، وأنشد [من الوافر]:
فَإنْ أخْطَاتُ أَوْ أوْهَمْتُ شَيْئًا … فَقَدْ يَهِمُ الْمُصَافِي بِالْحَبيبِ
وقال الزّبْرِقان بن بَدْر [من الكامل]:
فَبِتِلْكَ أقْضي الْهَمَّ إذْ وَهِمَتْ بِهِ … نَفْسِي وَلَسْتُ بِنَأْنَإٍ عُوَّارِ
وقال شَمِرٌ: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ بمعنًى، قال: ولا أرى الصحيح إلَّا هذا. انتهى.
أقول: فعلى هذا إن "أوْهَمَ" بالألف في رواية النسائيّ صواب، وليس بخطإٍ، فتبصّر، واللَّه -تعالى- أعلم.
قال النوويّ ﵀: قولها: "وَهِمَ عمرُ" تعني عمر بن الخطاب ﵁ في روايته النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقًا، وإنما نُهِي عن التحري.
وقال القاضي عياض ﵀: إنما قالت عائشة ﵂ هذا، لِمَا روته من صلاة النبيّ ﷺ الركعتين بعد العصر، قال: وما رواه عمر قد رواه أبو سعيد، وأبو هريرة ﵁، وقد قال ابن عباس ﵄ في مسلم أنه أخبره به غير واحد.
قال النوويّ ﵀: ويُجمع بين الروايتين، فرواية التحري محمولة على
стр. 9568
تأخير الفريضة إلى هذا الوقت، ورواية النهي محمولة على غير ذوات الأسباب. انتهى (١).
وقال السنديّ ﵀: ومقصود عائشة ﵂ أن عمر ﵁ كادْ يَرَى المنع بعد العصر مطلقًا، وهو خطأ، والصواب أن الممنوع هو التحري بالصلاة.
وفي "النهاية": التحري: هو القصد، والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. فالمنهيّ عنه تخصيص الوقتين المذكورين بالصلاة، واعتقادهما أولى وأحرى للصلاة.
أو أرادت عائشة ﵂ أن المنهيّ عنه هو الصلاة عند الطلوع والغروب بخصوصهما، لا بعد العصر والفجر مطلقًا، وعلى كل تقدير فقد وافق عمر على رواية الإطلاق الصحابة، فالوجه أن روايته صحيحة، والإطلاق مراد، والتقييد في بعض الروايات لا يدلّ على نفيه، بل لعله كان للتغليظ في النهي، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديُّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأولى كون التقييد مرادًا؛ على ما تقدم تفصيله، فقد تقدّم أنه يجوز أن يصلي بعد العصر ما دامت الشمس مرتفعةً؛ لثبوت حديث عليّ ﵁ في ذلك، وكذلك يجوز أن يصلّي ذوات الأسباب؛ لصحّة الأدلة على ذلك، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ) "أن" بالفتح مصدرّية، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل مجرور بـ "عن" محذوفةً؛ أي: عن تحرّي طلوع الشمس (وَغُرُوبُهَا) وفي نسخة: "أو غروبها"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 9569
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ١٩٣١ و ١٩٣٢] (٨٣٣)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٤ و ٢٠٠ و ٢٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٣٤ و ١١٣٥ و ١١٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧٨ و ١٨٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَدَع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلّال الْحُلْوانيّ، بضم المهملة، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمْ يَدَعْ) أي: لَمْ يترك.
وقوله: (لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا) وفي نسخة: "لا تتحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها".
قُومِي بِجَنْبِهِ، فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُكَ (١) تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "يَا بِنْتَ (٢) أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ (٣) بِالإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ").
رجال هذا الإسناد:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارَثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (بُكَيْرُ) بن عبد اللَّه بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (١٢٥) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٥ - (كُرَيْبٌ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كُريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم المدنيّ، أبو رشْدِين، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٦ - (أُمُّ سَلمَةَ) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، ماتت ﵂ سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة إحدي، وقيل: قبل ذلك، والأول أصحّ (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 9572
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكير، عن كريب.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوي، وقد سبق هذا كلّه غير مرّة، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ) الزهريّ، أبو جُبير المدنيّ، ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقيل: غير ذلك، شَهِدَ حُنينًا، وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن جُبير بن مُطْعِم، وروى عنه ابناه: عبد اللَّه، وعبد الحميد، والزهريّ، وآخرون.
قال ابن سعد: هو نحو ابن عباس في السنّ، بَقِي إلى فتنة ابن الزبير، وقال ابن منده: مات قبل الحرّة، تفرّد به أبو داود، والنسائيّ، وله ذكر في "الصحيحين" في هذا الحديث فقط.
(وَالْمِسْوَرَ) بكسر الميم، وفتح الواو (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، ابن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة (٦٤) تقدّم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
(أَرْسَلُوهُ) أي: أرسلوا كريبًا (إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بجرّ "زوج" على البدليّة (فَقَالُوا: اقْرَأْ ﵍ مِنَّا) "اقرأ" فعل أمر من قرأ، فهمزته همزة وصل، يقال: قرأت على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلت: اقرأ ﵇، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقرأه السلام؛ لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحَكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقرئك السلامَ، قاله الفيّوميُّ ﵀ (١).
وقوله: (جَمِيعًا) حال من الضمير في "منّا" (وَسَلْهَا) أمر سأل يسأل،
стр. 9573
دخله التخفيف، وأصله اسألها، أو هو أمر من سأل يسأل، من باب خاف يخاف، وهو لغة في سأل يسأل (عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: عن حكم صلاة الركعتين بعد أداء فريضة العصر (وَقُلْ: إِنَّا أُخْبِرْنَا) بالبناء للمفعول (أَنَّكِ) بفتح الهمزة، لسدّها مسدّ المفعول الثاني والثالث و"أُخبر"؛ لأنَّها تتعدّى إلى ثلاث مفاعيل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَكَأَي السَّابِقِ نَبَّا أَخْبَرَا … حَدّثَ أَنْبَأَ كَذَاكَ خَبَّرَا
والمفعول الأول هنا هو النائب عن الفاعل، وهو "نا".
[تنبيه]: قوله: "أخبرنا" على صيغة المجهول، قيل: كان المخبِر عبد اللَّه بن الزبير، ورَوَى ابن أبي شيبة، من طريق عبد اللَّه بن الحارث، قال: دخلت مع ابن عباس على معاوية ﵂، فأجلسه معاوية على السرير، ثم قال: ما ركعتان يصليهما الناس بعد العصر؟ قال: ذلك ما يُفتي به الناسَ ابنُ الزبير، فأرسل إلى ابن الزبير، فسأله، فقال: أخبرتني بذلك عائشة، فأرسل إلى عائشة، فقالت: أخبرتني أم سلمة، فأرسل إلى أم سلمة، فانطلقت مع الرسول، فذكر القصّة.
واسم الرسول كثير بن الصَّلْت، سماه الطحاويّ في روايته، قال: حدّثنا أحمد بن داود، قال: حدّثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن أبي لَبِيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن معاوية بن أبي سفيان، قال وهو على المنبر لكثير بن الصَّلْت: اذهب إلى عائشة، فسلها عن ركعتي النبي ﷺ بعد العصر، فقال أبو سلمة: فقمت معه، قال ابن عباس لعبد اللَّه بن الحارث: اذهب معه، فجئناها، فسألناها، فقالت: لا أدري سلوا أم سلمة، قال: فسألناها، فقالت: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ذات يوم بعد العصر، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول اللَّه، ما كنت تصلي هاتين الركعتين، فقال: قَدِمَ عليّ وفد من بني تميم، أو جاءتني صدقةٌ، فشغلوني عن ركعتين، كنت أصليهما بعد الظهر، وهما هاتان (١).
وكثير بن الصلت بن معدي كرب الكنديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، قيل: إنه أدرك النبيّ ﷺ ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وكان كاتبًا لعبد الملك بن
стр. 9574
مروان، وهو أخو زبيد بن الصَّلت، وعبدِ اللَّه بنِ الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي الصحابيّ، ذكره في "العمدة" (١).
(تُصَلِّينَهُمَا) أي: الركعتين، ووقع في بعض النسخ: "تصلينها" بالإفراد؛ أي: الصلاة (وَقَدْ بَلَغَنَا) قال الحافظ ﵀: فيه إشارةٌ إلى إنهم لَمْ يسمعوا ذلك منه ﷺ ، فأما ابن عباس، فقد سَمَّى الواسطة، وهو عمر، كما تقدّم من قوله: "شَهِدَ عندي رجال مرضيُّون، وأرضاهم عندي عمر. . . " الحديث (٢)، وأما الْمِسْوَر، وابن أزهر فلم أقف عنهما على تسمية الواسطة. انتهى (٣).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا) أي: عن الركعتين، ووقع في بعض النسخ: "عنها"؛ أي: عن الصلاة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (وَكُنْتُ أَضْرِبُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول: "أضرب الناس عليها" -أي: بالضاد المعجمة- وفي بعضها: "أصرف الناس عنها" -أي: بالصاد المهملة- وكلاهما صحيح، ولا منافاة بينهما، وكان يضربهم عليها في وقت، ويَصرِفهم عنها في وقت من غير ضرب، أو يصرفهم مع الضرب، ولعله كان يضرب مَن بلغه النهيُ، ويصرف من لم يبلغه من غير ضرب، وقد جاء في غير مسلم أنه كان يَضْرِب عليها بالدّرَّة، وفيه احتياط الإمام لرعيته، ومنعهم من الْبِدَع والمنهيات الشرعيّة، وتعزيرهم عليها. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": قوله: "وقال ابن عباس: كنت أضرب الناس مع عمر عنها"؛ أي: لأجلها، وفي رواية الكشميهنيّ "عنه"، وكذا في قوله: "نَهَى عنها"، وكأنه ذكَّر الضمير على إرادة الفعل، وهذا موصول بالإسناد المذكور، وقد رَوَى ابن أبي شيبة، من طريق الزهريّ، عن السائب، هو ابن يزيد، قال: رأيت عمر يضرب المنكدر على الصلاة بعد العصر. انتهى (٥).
стр. 9575
(قَالَ كُرَيْبٌ) هو موصول بالإسناد المذكور (فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا) أي: على عائشة ﵂ (وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي بِهِ، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ) وفي رواية الطحاويّ: "فقالت عائشة: ليس عندي، ولكن حدثتني أم سلمة".
وفي رواية أخرى للطحاويّ أن معاوية أرسل إلى عائشة، يسألها عن السجدتين بعد العصر، فقالت: ليس عندي صلاهما، ولكن أم سلمة حدثتني أنه صلاهما عندها، فأرسل إلى أم سلمة، فقالت: صلاهما رسول اللَّه ﷺ عندي، لَمْ أره صلاهما قبلُ ولا بعدُ، فقلت: يا رسول اللَّه ما سجدتان رأيتك صليتهما بعد العصر؟ ما رأيتك صليتهما قبلُ ولا بعدُ، فقال: هما سجدتان كنت أصليهما بعد الظهر، فقَدِمَ عليّ قلائص من الصدقة، فنسيتهما حتى صليت العصر، ثم ذكرتهما، فكَرِهت أن أصليهما في المسجد، والناس يرونني، فصليتهما عندك.
والقلائص: جمع قَلُوص، وهو من النُّوق الشابّة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، قاله في "العمدة" (١).
(فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا) أي: بقول عائشة ﵂ (فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂، قال النوويّ ﵀: هذا فيه أنه يستحب للعالم إذا طُلِب منه تحقيق أمر مُهِمّ، ويَعْلَم أن غيره أعلم به، أو أعرف بأصله أن يرشد إليه إذا أمكنه، وفيه الاعتراف لأهل الفضل بمزيتهم، وفيه إشارة إلى أدب الرسول في حاجة، أنه لا يستقل فيها بتصرف لَمْ يؤذن له فيه، ولهذا لَمْ يستقلَّ كريب بالذهاب إلى أم سلمة؛ لأنهم إنما أرسلوه إلى عائشة، فلما أرشدته عائشة إلى أم سلمة، وكان رسولًا للجماعة، لَمْ يستقلّ بالذهاب حتى رجع إليهم فأخبرهم، فأرسلوه إليها. انتهى.
(بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا) أي: صلاة الركعتين بعد العصر (ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أمَّا حِينَ صَلَّاهُمَا، فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ) أي: في المسجد (ثُمَّ دَخَلَ) أي: في بيت أم سلمة ﵂ (وَعِنْدِي نِسْوَةٌ) لا يعرف أسماؤهنّ (مِنْ بَنِي حَرَامٍ) -بحاء، وراء
стр. 9576
مهملتين، مفتوحتين-، وهم من الأنصار، وفائدة قولها: (مِنَ الْأَنْصَارِ) مع أن بني حرام من الأنصار الاحتراز من غير الأنصار، فإن في العرب عِدَّة بطون، يقال لهم: بنو حرام، بطن في تميم، وبطن في جُذَام، وبطن في بَكْر بن وائل، وبطن في خُزَاعة، وبطن في عُذْرة، وبطن في بَلِيّ، أفاده في "العمدة" (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "من بني حرام"، قد سبق مرّات أن بني حرام بالراء في الأنصار، وحزامًا بالزاي في قُريش. انتهى.
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
كُلُّ قُرَيْشِيٍّ حِزَامٌ وَهْوَ جَمْ … وَمَا فِي الَانْصَارِ حَرَامٌ مِنْ عَلَمْ
(فَصَلَّاهُمَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارَيةَ) لا يُعرف اسمها، ووقع في رواية البخاريّ في "المغازي": "فأرسلت إليه الخادم"، فبه يبطل قول من قال: يَحْتَمِل أن تكون ابنتها زينب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ ﵀: فيه قبول خبر الواحد، والمرأةِ، مع القدرة على اليقين بالسماع من لفظ رسول اللَّه ﷺ . انتهى.
(فَقُلْتُ) وفي نسخة: "قالت: فقلت" (قُومِي بِجَنْبِهِ) ﷺ (فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ) قال النوويّ ﵀: إنما قالت عن نفسها: "تقول أم سلمة"، فكَنَت نفسها، ولم تقل: هند باسمها؛ لأنَّها معروفة بكنيتها، ولا بأس بذكر الإنسان نفسه بالكنية، إذا لَمْ يعرف إلَّا بها، أو اشتَهَرَ بها بحيث لا يُعْرَف غالبًا إلَّا بها، وكنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة، وكان صحابيًّا ﵁.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُكَ) قال النوويّ ﵀: معنى "أسمعك" سَمِعتك في الماضي، وهو من إطلاق لفظ المضارع لإرادة الماضي، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. انتهى.
وفي بعض النسخ: "سَمِعْتُك" بلفظ الماضي، واللَّه تعالى أعلم.
(تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ) أي: اللتين بعد العصر (وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا) أي: فما السرّ في ذلك، وفيه أنه ينبغي للتابع إذا رأى من المتبوع شيئًا يخالف المعروف من طريقته، والمعتاد من حاله، أن يسأله بلطف عنه، فإن كان ناسيًا
стр. 9577
رجع عنه، وإن كان عامدًا، وله معنى مُخَصَّصٌ عرفه التابع، واستفاده، وإن كان مخصوصًا بحال يعلمها، ولم يتجاوزها، وفيه مع هذه الفوائد فائدة أخرى، وهي أنه بالسؤال يَسْلَم من إرسال الظنّ السيئ بتعارض الأفعال، أو الأقوال، وعدم الارتباط بطريق واحد. انتهى (١).
(فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ) أي: تأخّري عن جنبه ﷺ (قَالَ) كريبٌ ناقلًا عن أم سلمة ﵂ (فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ) ما أمرتها به أم سلمة ﵂ (فَأَشَارَ) ﷺ (بِيَدِهِ) أي: لتتأخّر عنه، حتى لا تَشغله عن صلاته، وفيه أن إشارة المصلي بيده ونحوها من الأفعال الخفيفة لا تبطل الصلاة.
(فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ) أي: تأخرت الجارية عن جنبه ﷺ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: سلّم من صلاته (قَالَ) ﷺ للجارية لتقول لأم سلمة، أو خاطبها نفسها ("يَا بِنْتَ) وفي نسخة: "يا ابنة" (أَبِي أمَيَّةَ) هو والد أم سلمة، واسمه حُذيفة، وقيل: سُهيل بن المغيرة المخزوميّ، وكان يلقّب زاد الراكب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لا يترك أحدًا يرافقه، ومعه زادٌ، بل يكفي رُفقته من الزاد (٢). (سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ) اسم وُضع للجمع، كالقوم والرهط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس إذا تدلَّي، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، كما قال اللَّه : ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثُّم فسّر الناس بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ (٣). (مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) وفي بعض النسخ: "من بني عبد القيس" (بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ) وللطحاويّ من وجه آخر: "قَدِمَ عليّ قلائص من الصدقة، فنسيتهما، ثم ذكرتهما، فكرهت أن أصليهما في المسجد، والناس يرون، فصليتهما عندك"، وله من وجه آخر: "فجاءني مالٌ، فشغلني"، وله من وجه آخر: "قَدِمَ عليّ وفد من بني تميم، أو جاءتني صدقة".
قال الحافظ: وقوله: "من بني تميم" وَهَمٌ، وإنما هم من عبد القيس، وكأنهم حضروا معهم بمال المصالحة من أهل البحرين، فقد ثبت من طريق
стр. 9578
عمرو بن عوف: "أن النبيّ ﷺ كان صالح أهل البحرين، وأَمَّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، وأرسل أبا عبيدة، فأتاه بجزيتهم"، ويؤيده أن في رواية عبد اللَّه بن الحارث: أنه كان بعث ساعيًا، وكان قد أهمه شأن المهاجرين، وفيه: فقلت: ما هاتان الركعتان؛ فقال: "شغلني أمر الساعي". انتهى (١).
(فَشَغَلُونِي) تقدّم في "شرح المقدّمة" أن شَغَلَ ثلاثيّ، وأشغل بالألف لَمْ يثبُت عند المحقّقين، فلا يُغترّ بما اشتهر منه على الألسنة، فتنبّه (عَنِ الرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ) أي: فقضيتهما بعد العصر (فَهُمَا هَاتَانِ) أي: الركعتان اللتان صلّيتهما بعد العصر هما الركعتان اللتان كنت أصليهما بعد صلاة الظهر، قضيتهما الآن بعد العصر.
وفي رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أم سلمة، عند الطحاويّ من الزيادة: فقلت: أُمِرت بهما؟ فقال: "لا، ولكن كنت أصليهما بعد الظهر، فشُغَلتُ عنهما، فصليتهما الآن"، وله من وجه آخر عنها: "لَمْ أره صلاهما قبلُ ولا بعدُ".
لكن هذا لا ينفي الوقوع، فقد ثبت في مسلم، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة ﵂ عنهما؟ فقالت: "كان يصليهما قبل العصر، فشُغِل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها"؛ أي: داوم عليها.
ومن طريق عروة عنها: "ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قطّ".
ومن ثَمَّ اختَلَفَ نظر العلماء، فقيل: تقضى الفوائت في أوقات الكراهة؛ لهذا الحديث، وقيل: هو خاصّ بالنبيّ ﷺ ، وقيل: هو خاصّ بمن وقع له نظير ما وقع له، وقد تقدم البحث في ذلك مبسوطًا قبل بابين، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9579
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١٩٣٣] (٨٣٤)، و (البخاريّ) في "السهو" (١٢٢٣٣) وفي "المغازي" (٤٣٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٧٣)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٢ - ٥٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣٩٧١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و (الدارميّ) في "الصلاة" (١٤٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٧٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٠٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٨٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز استماع المصلي إلى كلام غيره، وفهمه له، ولا يقدح ذلك في صلاته.
٢ - (ومنها): أن الأدب فيمن يكلّم المصلي أن يقوم المتكلم إلى جنبه، لا خلفه، ولا أمامه؛ لئلا يشوش عليه، بأن لا تمكنه الإشارة إليه إلَّا بمشقة.
٣ - (ومنها): أن إشارة المصلي بيده ونحوها من الأفعال الخفيفة لا تبطل الصلاة.
٤ - (ومنها): أنه يستحب للعالم إذا طُلِب له تحقيق أمر مهمّ، وعَلِم أن غيره أعلم أو أعرف بأصله أن يُرسل إليه إذا أمكنه.
٥ - (ومنها): الاعتراف لأهل الفضل بمزيتهم.
٦ - (ومنها): أن من أدب الرسول أن لا يستقلّ بتصرف شيء لَمْ يؤذن له فيه، فإن كُريبًا لَمْ يستقلّ بالذهاب إلى أم سلمة ﵂ حتى رجع إليهم.
٧ - (ومنها): أن فيه البحثَ عن علة الحكم، وعن دليله.
٨ - (ومنها): الترغيب في علوّ الإسناد، والفحص عن الجمع بين المتعارضين.
стр. 9580
٩ - (ومنها): أن الصحابي إذ! عَمِل بخلاف ما رواه لا يكون كافيًا في الحكم بنسخ مرويّه.
١٠ - (ومنها): أن الحكم إذا ثبت لا يزيله إلَّا شيء مقطوع به.
١١ - (ومنها): أن الأصل اتباع النبيّ ﷺ في أفعاله كلّها إلَّا ما خُصّ به بدليل صحيح صريح.
١٢ - (ومنها): أن بعض أكابر الصحابة ﵃ قد يخفى عليه ما اطلع عليه غيره.
١٣ - (ومنها): أنه لا يُعْدَل إلى الفتوى بالرأي مع وجود النصّ.
١٤ - (ومنها): أن العالم لا نقص عليه إذا سئل عما لا يدري، فوَكَلَ الأمر إلى غيره، من هو أعلم منه.
١٥ - (ومنها): أن فيه قبول أخبار الآحاد، والاعتماد عليه في الإحكام، ولو كان شخصًا واحدًا رجلًا، أو امرأة؛ لاكتفاء أم سلمة ﵂ بإخبار الجارية.
١٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً على فطنة أم سلمة ﵂، وحسن تأتيها بملاطفة سؤالها، واهتمامها بأمر الدين، وكأنها لَمْ تباشر السؤال؛ لحال النسوة اللاتي كُنّ عندها، فيؤخذ منه إكرام الضيف واحترامه.
١٧ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة زيارةَ النساء المرأة، ولو كان زوجها عندها.
١٨ - (ومنها) مشروعيّة التنفل في البيت، ولو كان فيه من ليس منهم.
١٩ - (ومنها) إثبات سنّة الظهر بعدها.
٢٠ - (ومنها) كراهة القرب من المصلي لغير ضرورة.
٢١ - (ومنها) ترك تفويت طلب العلم، وإن طرأ ما يَشْغَل عنه.
٢٢ - (ومنها) جواز الاستنابة في طلب العلم، وأن الوكيل لا يشترط أن يكون مثل موكله في الفضل.
٢٣ - (ومنها) تعليم الوكيل التصرُّف إذا كان ممن يَجهل ذلك.
٢٤ - (ومنها) أن فيه إلاستفهامَ بعد التحقُّق؛ لقولها: "وأراك تصليهما".
٢٥ - (ومنها) المبادرة إلى معرفة الحكم المشكل فرارًا من الوسوسة.
٢٦ - (ومنها) أن النسيان جائز على النبيّ ﷺ ؛ لأن فائدة استفسار أم
стр. 9581
سلمة ﵂ عن ذلك تجويزها إما النسيان، وإما النسخ، وإما التخصيص به، فظهر وقوع الثالث، واللَّه أعلم.
٢٧ - (ومنها): أنه إذا تعارضت المصالح والمهمات بدأ بأهمها، ولهذا بدأ النبيّ ﷺ بحديث القوم في الإسلام، وترك سنة الظهر حتى فات وقتها؛ لأن الاشتغال بإرشادهم وبهدايتهم إلى الإسلام أهمّ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٤] (٨٣٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ (٢)، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَل عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: تَعْنِي دَاوَمَ عَلَيْهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابري بفتح الميم والقاف ثم موحدة مكسورة، البغدادي العابد، ثقةٌ من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين وله سبع وسبعون (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن إياس السَّعْديّ
стр. 9582
المروزي، أبو الحسن نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُوَيطب، وقد ينسب إليه، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وكريب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، والنعمان بن أبي عياش.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، ومالك، وابن أبي حازم، وموسى بن يعقوب الزَّمَعيّ، وإسماعيل بن جعفر، وابن عيينة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: تُوُفِّي في أول خلافة أبي جعفر المنصور، وكان كثير الحديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٨٣٥) و (١٠٨٧) و (١٢٨٠) و (١٢٨١) و (١٥٧٤) و (٢٤٠١).
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ ثبتٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (عَائِشَةُ) ﵂، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فصّل في كيّفية أدائهم؛ لاختلافهم فيه.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، فالأول مصريّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ.
стр. 9583
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀ (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ السَّجْدَتَيْنِ) أي: الركعتين، فهو من إطلاق الجزء، وإرادة الكلّ (اللَّتَيْنِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: أداء فريضة العصر، فليس المراد به بعد خروج وقت العصر (فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ) ﷺ (شُغِلَ عَنْهُمَا) ببناء الفعل للمفعول (أَوْ نَسِيَهُمَا) يَحْتَمِل أن يكون الشك من عائشة ﵂؛ يعني: أنها شَكَّت في سبب تأخيره لهما، هل هو الشغل، أو النسيان؟ ويَحْتَمِل أن يكون من أبي سلمة؛ يعني: أنه شك فيما ذكرت عائشة ﵂ من سبب التأخير، وقد بُيّن في حديث أم سلمة ﵂ المذكور قبل هذا أن السبب هو الشغل بوفد عبد القيس، حيث قَدِموا عليه باسلام قومهم، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث ظاهر في أن المراد بالسجدتين ركعتان، هما سنة العصر قبلها، وقال القاضي عياض ﵀: ينبغي أن تُحْمَل على سنة الظهر، كما في حديث أم سلمة ﵂؛ ليتفق الحديثان، وسنة الظهر تصحّ تسميتها أنها قبل العصر. انتهى (١).
(فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: قضاء عمّا فاته (ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا) أي: داوم على صلاتهما كل يوم بعد ذلك (وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا) أي: داوم عليها (قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، الشيخ الأول للمصنِّف في روايته (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابن جعفر (تَعْنِي) عائشة ﵂ بقولها: "أثبتهما" (دَاوَمَ عَلَيْهَا).
[تنبيه]: قول عائشة ﵂ هنا: "أثبتهما" وفي رواية البخاريّ: "ما تركهما حتى لقي اللَّه "، وفي لفظ: "لَمْ يكن يَدَعُهما"، وفي لفظ: "ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلَّا صلى ركعتين"، مرادها من الوقت الذي شُغِل عن الركتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم تُرِد أنه كان يصلي بعد العصر
стр. 9584
ركعتين، من أول ما فُرِضت الصلواتُ مثلًا إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة ﵂ ما يدلّ على أنه لَمْ يكن يفعلهما قبل الوقت الذي ذَكَرَت أنه قضاهما فيه، ذكره في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١٩٣٤ و ١٩٣٥ و ١٩٣٦ و ١٩٣٧] (٨٣٥)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٩٠ و ٥٩١ و ٥٩٢ و ٥٩٣) و"الحجِّ" (١٦٣١)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٧٨) وفي "الكبرى" (١٥٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨١ و ١٨٨٢ و ١٨٨٣ و ١٨٨٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٨٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث عائشة ﵂ هذا في شأن الركعتين بعد العصر ورد بروايات كثيرة، فقد أورده هنا المصنّف بلفظ: "كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شُغِل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها"، وبلفظ: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قطّ"، وبلفظ: "صلاتان ما تركهما رسول اللَّه ﷺ في بيتي قط سرًّا، ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر"، وبلفظ: "ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلَّا صلاهما رسول اللَّه ﷺ في بيتي، تعني الركعتين بعد العصر".
وأخرجه البخاريّ بلفظ: "قالت: والذي ذَهَب به (٢) ما تركهما حتى
стр. 9585
لقي اللَّه، وما لقي اللَّه تعالى حتى ثَقُل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا، تعني الركعتين بعد العصر، وكان النبيُّ ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد؛ مخافة أن يَثْقُل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم"، وبلفظ: "ما ترك النبيّ ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قطّ"، وبلفظ: "ركعتان لَمْ يكن رسول اللَّه ﷺ يَدَعُهما سرًّا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر"، وبلفظ: "ما كان النبيّ ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر، إلَّا صلى ركعتين".
قال في "الفتح": تمسّك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقًا، ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد تقدم نقل المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدلّ على جواز استدراك ما فات من الرواتب، من غير كراهة، وأما مواظبته ﷺ على ذلك، فهو من خصائصه ﷺ ، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة ﵂ أنها حدثته أنه ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال، رواه أبو داود، ورواية أبي سلمة، عن عائشة في نحو هذه القصّة، وفي آخره: "وكان إذا صلى صلاة أثبتها"، رواه مسلم، قال البيهقيّ: الذي اختَصَّ به ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء، وأما ما رُوِي عن ذكوان، عن أم سلمة في هذه
стр. 9586
القصة، أنها قالت: فقلت: يا رسول اللَّه أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: "لا"، فهي رواية ضعيفة، لا تقوم بها حجة (١).
قال الحافظ ﵀: أخرجها الطحاويّ، واحتجّ بها على أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، وفيه ما فيه.
[فائدة]: رَوَى الترمذيّ من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبيّ ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال، فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لَمْ يَعُدْ، قال الترمذيّ: حديث حسن.
قال الحافظ: وهو من رواية جرير، عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صحّ فهو شاهد لحديث أم سلمة ﵂، لكن ظاهر قوله: "ثم لَمْ يعد" معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فَيُحْمَل النفي على علم الراوي، فإنه لَمْ يَطَّلِع على ذلك، والمثبت مقدَّم على النافي.
وكذا ما رواه النسائيّ، من طريق أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرّة واحدة. . . الحديث، وفي رواية له عنها: "لَمْ أره يصليهما قبلُ ولا بعد"، فيُجْمَع بين الحديثين بأنه ﷺ لَمْ يكن يصليهما إلَّا في بيته، فلذلك لَمْ يره ابن عباس، ولا أم سلمة ﵃، ويشير إلى ذلك قول عائشة ﵂ في الرواية الأولى: "وكان لا يصليهما في المسجد؛ مخافةَ أن يَثْقُل على أمته". انتهى.
[تنبيه]: رَوَى عبد الرزاق، من حديث زيد بن خالد سبب ضرب عمر ﵁
стр. 9587
الناسَ، على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: إن عمر رآه، وهو خليفة، ركع بعد العصر، فضربه، فذكر الحديث، وفيه: فقال عمر: يا زيدُ لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى اللمل، لَمْ أضرب فيهما، فلعل عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر، إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وهذا يوافق قول ابن عمر الماضي، وما نقلناه عن ابن المنذر وغيره.
وقد رَوَى يحيى بن بكير، عن الليث، عن أبي الأسود، عن عروة، عن تميم الداريّ، نحو رواية زيد بن خالد، وجوابِ عمر له، وفيه: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلّون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمروا بالساعة التي نَهَى رسول اللَّه ﷺ أن يُصَلَّى فيها، وهذا أيضًا يدل لما قلناه واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بهذا يتبيّن أن ضرب عمر ﵁ الناس على الصلاة بعد العصر كان لخوف أن يستمرّوا حتى يأتي وقت النهي، وهو غروب الشمس، فعلى هذا يكون مذهبه أن وقت النهي غروب الشمس، لا بعد العصر، وإنما يضرب عليه، خوفًا من الاستمرار إلى وقت النهي، وقد سبق أن هذا مذهب بعض أهل العلم، فراجع ما سبق، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[فائدة]: فَهِمَت عائشة ﵂ من مواظبته ﷺ على الركعتين بعد العصر، أن نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس مُختصّ بمن قصد الصلاة عند غروب الشمس، لا إطلاقه، فلهذا قالت ما تقدم نقله عنها، وكانت تتنفل بعد العصر، وقد أخرجه البخاريّ في الحجِّ، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، قال: رأيت ابن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، ويخبر أن عائشة ﵂ حدّثته أن النبيّ ﷺ لَمْ يدخل بيتها إلَّا صلاهما، وكأنّ ابن الزبير فَهِمَ من ذلك ما فهمته خالته عائشة ﵂، واللَّه أعلم.
وقد رَوَى النسائيّ أن معاوية سأل ابن الزبير عن ذلك، فرَدَّ الحديث إلى أم سلمة ﵂، فذكرت أم سلمة قصة الركعتين حيث شُغِل عنهما، فرجع الأمر إلى ما تقدم، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9588
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم قبل بابين أيضًا.
و"عائشة" ﵂ ذكرت قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ع) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: صَلَاتَانِ مَا تَرَكهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي قَطُّ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
стр. 9589
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) -بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان، واسم أبيه فَيْرُوز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود [١٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٦.
٦ - (أَبُوهُ) الأسود بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَمَسْرُوقٍ، قَالَا: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا كَانَ يَوْمُهُ الَّذِي كَانَ (١) يَكُونُ عِنْدِي إِلَّا صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد المعروف بالزَّمِن، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببُندار، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندار، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
стр. 9590
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ)
[١٩٣٨] (٨٣٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ فُضَيْل، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الْأَيْدِي عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصلِ، أبو بكر الكوفيّ ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْلِ) بن غَزْوان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- الضبيّ مولاهم، أبو عبد الَرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمِي بالتشيع [٩] (ت ١٩٥) (ع) ٦ تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (مُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث، ثقةٌ له أوهامٌ [٥] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير،
стр. 9591
خادم رسول اللَّه ﷺ ، خَدَمَهُ عشر سنين، ومات ﵁ سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومختار، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ صاحب منقبة عظيمة، وهي خدمة النبيّ ﷺ عشر سنين، نال بسببها دعواته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ) -بفاءين مضمومتين، ولامين الأولى ساكنة- أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالَكٍ) ﵄ (عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: عن حكم صلاة التطوّع بعد أداء فريضة العصر (فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (يَضْرِبُ الْأَيْدِي عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: تعزيرًا لمن ارتكب ذلك مع علمه بالنهي (وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوب الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) أي: سنّة المغرب (فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا) أي: لَمْ يأمرنا ﷺ بهاتين الركعتين، ولم ينهنا عنهما، بل أقرّنا عليهما، ففي إقراره دليل على سنيّتهما.
[فإن قلت]: كيف نَفَى أنسٌ ﵁ أمره ﷺ ، وقد ثبت ذلك في "صحيح البخاريّ" وغيره من حديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁؟.
[قلت]: إنما نفَى أنس ﵁ علمه، لا أصل المشروعيّة بالأمر، فهو لَمْ
стр. 9592
يسمع أمره ﷺ ، وإنما رأى تقريره من صلاهما، فأخبر عما علمه، فلا ينافي ما ثبت من قوله ﷺ : "صلّوا قبل المغرب".
قال النوويّ ﵀: في هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب، وفي المسألة وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يُستحبّ، وأصحهما عند المحققين يستحب، لهذه الأحاديث، وفي المسألة مذهبان للسلف، واستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين أحمد، وإسحق، ولم يستحبهما أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وآخرون من الصحابة، ومالك، وأكثر الفقهاء، وقال النخعيّ: هي بدعةٌ، وحجة هؤلاء أن استحبابهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلًا، وزعم بعضهم في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة، والمختار استحبابها؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وفي "صحيح البخاري"، عن رسول اللَّه ﷺ : "صَلُّوا قبل المغرب، صلُّوا قبل المغرب، صلُّوا قبل المغرب"، قال في الثالثة: "لمن شاء".
وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب، فهذا خَيَالٌ منابذٌ للسنة، فلا يُلتَفَت إليه، ومع هذا فهو زَمَنٌ يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها.
وأما من زعم النسخ فهو مجازِفٌ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلَّا إذا عجزنا عن التأويل، والجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، وليس هنا شيء من ذلك، واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة مستوفًى في المسألة الثالثة من الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵁.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 9593
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٩٣٨] (٨٣٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١١٨ و ٢١١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٩] (٨٣٧) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ (١) رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمِي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (١٢٢) من رباعيّات الكتاب.
стр. 9594
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ، وأُبُلّة قرية من قرى البصرة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ) النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام (فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي رواية الإسماعيليّ: "إذا أخذ في أذان المغرب" (ابْتَدَرُوا) أي: تسارع الصحابة ﵃، وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس ﵁: "لقد رأيت كبار أصحاب النبيّ ﷺ يبتدرون السواري" وفي رواية النسائيّ: "قام ناس من أصحاب النبيّ ﷺ "، وفي "الكبرى" له: "فيبتدر لُبَابُ أصحاب رسول اللَّه ﷺ " (السَّوَارِيَ) جمع سارية، وهي الأُسطوانة، وكأنّ غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم؛ لكونهم يصلّون فرادى، قاله في "الفتح".
(فَيَرْكَعُونَ) وفي نسخة: "فركعوا" بصيغة الماضي (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) أي: يصلّي كلّ واحد لنفسه ركعتين (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ) أي: الذي جاء من خارج المدينة (لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَيَحْسِبُ) بفتح السين المهملة عند الأكثرين، ويجوز كسرها عند بعضهم، قال الفيّوميّ ﵀: حسِبْتُ زيدًا قائمًا أحسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلَّا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حِسابًا، بمعنى ظننتُ. انتهى؛ أي: فيظنّ الرجل الغريب (أَنَّ الصَّلَاةَ) أي: فريضة المغرب (قَدْ صُلِّيَتْ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا) "من" الأولى بالكسر تعليليّة، و"مَن" الثانية بالفتح موصولة؛ أي: ذلك كائنٌ من أجل كثرة المصلّين.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ والنسائيّ في آخر هذا الحديث: "ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"، وهو من رواية عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك ﵁، ودونك نصّ البخاريّ:
(٦٢٥) حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا غندر، قال: حدّثنا شعبة،
стр. 9595
قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك، قال: "كان المؤذّن إذا أذَّن، قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبيّ ﷺ ، وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"، قال عثمان بن جَبَلَة، وأبو داود، عن شعبة: "لَمْ يكن بينهما إلَّا قليل". انتهى.
وقوله: "ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء" التنوين فيه للتكثير؛ أي: لَمْ يكن بين الأذان والإقامة شيء كثير من الزمن.
قال الحافظ ﵀: وبالتقرير الذي ذكرناه يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبيِّنة لها، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرج المعلَّقة الإسماعيليّ موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة بلفظ: "وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ"، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه.
وقال ابن المنيِّر ﵀: يُجْمَع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة.
وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دَلَّ قوله: "ولم يكن بينهما شيء" على أن عموم قوله: "بين كل أذانين صلاة" مخصوص بغير المغرب، فإنهم لَمْ يكونوا يصلّون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه، قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه مثل حديث عبد اللَّه بن مغفّل الآتي في الباب التالي، ولفظه: "بين كل أذانين صلاة -ثلاثًا- لمن شاء" الأول، وزاد في آخره: "إلَّا المغرب". انتهى.
قال الحافظ ﵀: وفي قوله: "ويفرغون مع فراغه" نظرٌ؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك.
وأما رواية حيان -وهو بفتح المهملة، والتحتانية- فشاذّة؛ لأنه، وإن كان صدوقًا عند البزار، وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد اللَّه بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه.