← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

خادم رسول اللَّه ﷺ ، خَدَمَهُ عشر سنين، ومات ﵁ سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومختار، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ صاحب منقبة عظيمة، وهي خدمة النبيّ ﷺ عشر سنين، نال بسببها دعواته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ) -بفاءين مضمومتين، ولامين الأولى ساكنة- أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالَكٍ) ﵄ (عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: عن حكم صلاة التطوّع بعد أداء فريضة العصر (فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (يَضْرِبُ الْأَيْدِي عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: تعزيرًا لمن ارتكب ذلك مع علمه بالنهي (وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوب الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) أي: سنّة المغرب (فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا) أي: لَمْ يأمرنا ﷺ بهاتين الركعتين، ولم ينهنا عنهما، بل أقرّنا عليهما، ففي إقراره دليل على سنيّتهما. [فإن قلت]: كيف نَفَى أنسٌ ﵁ أمره ﷺ ، وقد ثبت ذلك في "صحيح البخاريّ" وغيره من حديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁؟. [قلت]: إنما نفَى أنس ﵁ علمه، لا أصل المشروعيّة بالأمر، فهو لَمْ

стр. 9592

يسمع أمره ﷺ ، وإنما رأى تقريره من صلاهما، فأخبر عما علمه، فلا ينافي ما ثبت من قوله ﷺ : "صلّوا قبل المغرب". قال النوويّ ﵀: في هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب، وفي المسألة وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يُستحبّ، وأصحهما عند المحققين يستحب، لهذه الأحاديث، وفي المسألة مذهبان للسلف، واستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين أحمد، وإسحق، ولم يستحبهما أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وآخرون من الصحابة، ومالك، وأكثر الفقهاء، وقال النخعيّ: هي بدعةٌ، وحجة هؤلاء أن استحبابهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلًا، وزعم بعضهم في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة، والمختار استحبابها؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وفي "صحيح البخاري"، عن رسول اللَّه ﷺ : "صَلُّوا قبل المغرب، صلُّوا قبل المغرب، صلُّوا قبل المغرب"، قال في الثالثة: "لمن شاء". وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب، فهذا خَيَالٌ منابذٌ للسنة، فلا يُلتَفَت إليه، ومع هذا فهو زَمَنٌ يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. وأما من زعم النسخ فهو مجازِفٌ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلَّا إذا عجزنا عن التأويل، والجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، وليس هنا شيء من ذلك، واللَّه أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة مستوفًى في المسألة الثالثة من الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵁. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 9593

أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٩٣٨] (٨٣٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١١٨ و ٢١١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٣٩] (٨٣٧) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ (١) رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمِي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (١٢٢) من رباعيّات الكتاب.

стр. 9594

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ، وأُبُلّة قرية من قرى البصرة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ) النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام (فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي رواية الإسماعيليّ: "إذا أخذ في أذان المغرب" (ابْتَدَرُوا) أي: تسارع الصحابة ﵃، وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس ﵁: "لقد رأيت كبار أصحاب النبيّ ﷺ يبتدرون السواري" وفي رواية النسائيّ: "قام ناس من أصحاب النبيّ ﷺ "، وفي "الكبرى" له: "فيبتدر لُبَابُ أصحاب رسول اللَّه ﷺ " (السَّوَارِيَ) جمع سارية، وهي الأُسطوانة، وكأنّ غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم؛ لكونهم يصلّون فرادى، قاله في "الفتح". (فَيَرْكَعُونَ) وفي نسخة: "فركعوا" بصيغة الماضي (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) أي: يصلّي كلّ واحد لنفسه ركعتين (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ) أي: الذي جاء من خارج المدينة (لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَيَحْسِبُ) بفتح السين المهملة عند الأكثرين، ويجوز كسرها عند بعضهم، قال الفيّوميّ ﵀: حسِبْتُ زيدًا قائمًا أحسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلَّا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حِسابًا، بمعنى ظننتُ. انتهى؛ أي: فيظنّ الرجل الغريب (أَنَّ الصَّلَاةَ) أي: فريضة المغرب (قَدْ صُلِّيَتْ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا) "من" الأولى بالكسر تعليليّة، و"مَن" الثانية بالفتح موصولة؛ أي: ذلك كائنٌ من أجل كثرة المصلّين. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ والنسائيّ في آخر هذا الحديث: "ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"، وهو من رواية عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك ﵁، ودونك نصّ البخاريّ: (٦٢٥) حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا غندر، قال: حدّثنا شعبة،

стр. 9595

قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك، قال: "كان المؤذّن إذا أذَّن، قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبيّ ﷺ ، وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"، قال عثمان بن جَبَلَة، وأبو داود، عن شعبة: "لَمْ يكن بينهما إلَّا قليل". انتهى. وقوله: "ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء" التنوين فيه للتكثير؛ أي: لَمْ يكن بين الأذان والإقامة شيء كثير من الزمن. قال الحافظ ﵀: وبالتقرير الذي ذكرناه يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبيِّنة لها، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرج المعلَّقة الإسماعيليّ موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة بلفظ: "وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ"، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنيِّر ﵀: يُجْمَع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة. وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دَلَّ قوله: "ولم يكن بينهما شيء" على أن عموم قوله: "بين كل أذانين صلاة" مخصوص بغير المغرب، فإنهم لَمْ يكونوا يصلّون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه، قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه مثل حديث عبد اللَّه بن مغفّل الآتي في الباب التالي، ولفظه: "بين كل أذانين صلاة -ثلاثًا- لمن شاء" الأول، وزاد في آخره: "إلَّا المغرب". انتهى. قال الحافظ ﵀: وفي قوله: "ويفرغون مع فراغه" نظرٌ؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان -وهو بفتح المهملة، والتحتانية- فشاذّة؛ لأنه، وإن كان صدوقًا عند البزار، وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد اللَّه بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه.

стр. 9596

وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيليّ: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظًا لَمْ يخالف بريدة روايته. وقد نقل ابن الجوزيّ في "الموضوعات" عن الفلاس أنه كذَّب حيانًا المذكور. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- تحقيق القول في رواية حَيَّان لن عبيد اللَّه المذكورة، وأن حيان الذي كذّبه الفلاس ليس هو، بل هو حيان بن عبد اللَّه مكبرًا، أبو جبلة الدارميّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٩٣٩] (٨٣٧)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٣) و"الأذان" (٦٢٥)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٢) و"الكبرى" (١٦٤٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٩ و ١٩٩ و ٢٨٠ و ٢٨٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٤٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٣٣٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في مذاهب أهل العلم في حكم الصلاة قبل المغرب: قال الإمام الترمذيُّ ﵀ في "جامعه": وقد اختلف أصحاب النبيّ ﷺ في الصلاة قبل المغرب، فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ : أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين، بين الأذان والإقامة، وقال أحمد وإسحاق: إن صلّاهما فحَسَنٌ، وهذا عندهما على الاستحباب. انتهى.

стр. 9597

وقال في "الفتح": وقال القرطبيّ وغيره: ظاهر حديث أنس ﵁: أن الركعتين بعد المغرب، وقبل صلاة المغرب كان أمرًا أقر النبيّ ﷺ أصحابه عليه، وعملوا به، حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدلّ على الاستحباب، وكأن أصله قوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة"، وأما كونه ﷺ لَمْ يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدلّ على أنهما ليستا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث. ورُوي عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبيّ ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. وهو قول مالك، والشافعيّ، وادَّعَى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نُهِي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبيّن لهم في ذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها. وتُعُقّب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها. والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه. والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعيّ عنهم، وهو منقطع، ولو ثبت لَمْ يكن فيه دليل على النسخ، ولا الكراهة. وقد أخرج البخاريّ في أبواب التطوع عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ، قال: "أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: إلا أعجبك من أبي تميم -يعني: الجيشاني- يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول اللَّه ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل"، فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد رَوَى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم: أنهم كانوا يواظبون عليهما. وأما قول أبي بكر ابن العربيّ: اختَلَف فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد

стр. 9598

بعدهم، فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، وعبد اللَّه بن بريدة، ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وعراك بن مالك، ومن طريق الحسن البصريّ أنه سئل عنهما؟ فقال: حسنتين -واللَّه- لمن أراد اللَّه بهما. وعن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: حقّ على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما. وعند الشافعية وجه رجحه النوويّ، ومن تبعه، وقال في "شرح مسلم": قول من قال: إن فِعْلَهُما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خَيَال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. قال الحافظ ﵀: ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء؛ لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. واستدل بحديث أنس ﵁ على امتداد وقت المغرب، وليس بواضح. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ثم بدا لي أن أنقل ما ذكره محمد بن نصر بتمامه من مختصره للعلامة أحمد بن علي المقريزي -رحمهما اللَّه تعالى- إتمامًا للفائدة، حيث إن المسألة مهمّة جدًّا، فلا بدّ من تحقيق ما ثبت عن السلف ﵏ فيها. قال ﵀: "باب الركعتين قبل المغرب": قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأجمع أهل العلم

стр. 9599

على أن الشمس إذا غربت فقد دخل الليل، وحَلّ فطر الصائم، وجاء الخبر عن النبي ﷺ بأنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد حلّت الصلاة، والصلاة في جميع الأوقات مندوب إليها، مرغب فيها، إلَّا الأوقات التي نهى النبيّ ﷺ عن الصلاة فيها، فإن الصلاة في الليل من أوله إلى آخره مباح مندوب إليه، لَمْ ينه عن الصلاة في شيء من ساعاته، فكل صلاة بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي من صلاة الليل، والفضائل التي جاءت لصلاة الليل مشتملة على صلاة الليل كله، وإن كانت الصلاة في بعض أوقاته أفضل منها في بعض. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون قبل المغرب ركعتين. وثبت عن النبيّ ﷺ أنه أَذِنَ في ذلك لمن أراد أن يصلي، وفُعِل على عهده بحضرته، فلم ينه عنه. حدثنا وهب بن بقية، أخبرني خالد بن عبد اللَّه، عن الجريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل المزنيّ ﵁: أن النبيّ ﷺ كان يقول: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء". حدثنا محمد بن عبيد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه المزني. قال: كتبته، فنسيته، لا أدري عبد اللَّه بن معقل، أو مغفل ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، لمن شاء" خشية أن يتخذها الناس سنة. حدثنا إسحاق، أخبرنا سويد بن عبد العزيز، ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر، عن عبد اللَّه بن الزبير، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صلاة مفروضة، إلَّا وبين يديها سجدتان"، قال محمد بن نصر: يعني: ركعتين. حدثنا إسحاق، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: "كان المؤذن يؤذن على عهد رسول اللَّه ﷺ لصلاة المغرب، فيبتدر لباب أصحاب

стр. 9600

رسول اللَّه ﷺ السواري، يصلون الركعتين قبل المغرب، حتى يخرج رسول اللَّه ﷺ ، وهم يصلون". زاد محمد بن يحيى: قال: وكان بين الأذان والإقامة يسير. وعن المختار بن فُلْفُل، قال: سألت أنس بن مالك ﵁، قلت: هل من صلاة بعد العصر؟ قال: لا، حتى تغيب الشمس، قلت: فإذا غابت؟ قال: ركعتين، قلت: قبل الصلاة؟ قال: نعم. قلت: هل رأيت رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فهل رآكم تصلّونهما؟ قال: نعم. قلت: أكان أمركم بهما؟ قال: لا، ولا نهانا عنهما، كان إذا أذن المؤذن قام أحدنا فصلى ركعتين. وعن ثابت، عن أنس: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يبتدرون السواري إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، يصلون الركعتين قبل المغرب". وعن ثابت، عن أنس: "كان رسول اللَّه ﷺ يخرج إلينا بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا يأمرنا". وفي رواية: "إن كان المؤذن ليؤذن، فيتبادر ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ السواري، فيصلون ركعتين، في يعاب ذلك عليهم". وفي أخرى: "كنا بالمدينة إذا أذن بالمغرب ابتدر القوم السواري، يصلّون الركعتين، حتى إن الغريب ليدخل المسجد فيرى أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما". وفي أخرى: "ثم إذا صليت العصر، فلا تصلّ حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس، فصلّ ركعتين، فإن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كذلك كانوا يفعلون". وعن أبي الخير: رأيت أبا تميم الجيشاني يركع الركعتين حين يسمع أذان المغرب، فأتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت له: إلا أعجبك من أبي تميم الجيشاني -عبد اللَّه بن مالك- يركع ركعتين قبل المغرب، وأنا أريد أن أغمصه، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول اللَّه ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنا نركعهما، إذا زاحمنا؛ يعني: بين الأذان والإقامة في المغرب.

стр. 9601

وعن زِرّ: قدمت المدينة، فلزمت عبد الرحمن بن عوف، وأُبي بن كعب، فكانا يصليان قبل صلاة المغرب، لا يدعان ذلك. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد ﷺ ، وهم يصلّون عند كل تأذين. وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة، قال: لقد رأيت أصحاب رسول اللَّه ﷺ يهبّون إليهما، كما يهبّون إلى المكتوبة؛ يعني: الركعتين قبل المغرب. وعن راشد بن يسار: أشهد على خمسة ممن بايع تحت الشجرة أنهم كانوا يصلّون ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن أيوب: حدثني ابن طاوس، عن أبيه طاوس: أن أبا أيوب الأنصاري صلى مع أبي بكر ﵁ بعد غروب الشمس قبل الصلاة، ثم لَمْ يصلّ مع عمر ﵁، ثم صلى مع عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فقال: إني صليت مع النبيّ ﷺ ، ثم صليت مع أبي بكر، وفَرِقْتُ من عمر، فلم أصلّ معه، وصليت مع عثمان، إنه ليّن. قال محمد بن نصر: وهذا عندي، وهمٌ، إنما الحديث في الركعتين بعد العصر، لا في الركعتين قبل المغرب؛ لأن المعروف عن عمر أنه كان ينكر ركعتين بعد العصر، ويضرب عليهما، فأما الركعتان قبل المغرب فلا، وقد رواه معمر، عن ابن طاوس على ما قلنا، وهو أحفظ من يحيى بن أيوب، وأثبت. وعن خالد بن معدان: أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، لَمْ يدعهما حتى لقي اللَّه، وكان يقول: إن أبا الدرداء كان يركعهما، ويقول: لا أدعهما، وإن ضربت بالسياط. وقال عبد اللَّه بن عمرو الثقفي: رأيت جابر بن عبد اللَّه يصلي ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن سعيد، أنه صحب أنس بن مالك إلى الشام، فلم يكن يترك ركعتين عند كل أذان. وسئل سعيد بن المسيب، عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت فقيهًا يصليهما، ليس سعد بن مالك، وفي رواية: كان المهاجرون لا يركعون

стр. 9602

الركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. وعن مجاهد: قالت الأنصار: لا نسمع أذانًا إلَّا قمنا فصلينا. وعن الحسن بن محمد بن الحنفية، أنه كان يقول: إن عند كل أذان ركعتين. وسئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: كان أبو برزة ﵁ يصليهما. وسأل رجل ابن عمر، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحي، فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب، فقال ابن عمر: كنا نحدَّث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان. وعن ابن عباس: صلاة الأوابين ما بين الأذان وإقامة المغرب. وعن سويد بن غفلة: كنا نصلي الركعتين قبل المغرب، وهي بدعة ابتدعناها في إمرة عثمان بن غفلة، وعن عبد اللَّه بن بريدة: كان يقال: ثلاث صلوات، صلاة الأوابين، وصلاة المنيبين، وصلاة التوابين، صلاة الأوابين ركعتان قبل صلاة الصبح، وصلاة المنيبين صلاة الضحي، وصلاة التوابين ركعتان قبل المغرب. وكان عبد اللَّه بن بريدة، ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين. وعن الحكم: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين. وسئل الحسن عنهما؟ فقال: حسنتين -واللَّه- جميلتين لمن أراد اللَّه بهما، وعن سعيد بن المسيب: حقّ على كل مؤمن إذا أذن المؤذن يركع ركعتين، وكان الأعرج، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير يركعهما. وأوصى أنس بن مالك ولده أن لا يدعوهما. وعن مكحول: على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين، وعن الحكم بن الصلت: رأيت عراك بن مالك إذا أذن المؤذن بالمغرب قام، فصلى سجدتين قبل الصلاة، وعن السكن بن حكيم: رأيت علباء بن أحمر اليشكري إذا غربت الشمس قام فصلى ركعتين قبل المغرب. وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: إن كان المؤذن ليؤذن بالمغرب، ثم تقرع المجالس من الرجال، يقومون يصلّونهما.

стр. 9603

وعن الفضل بن الحسن: أنه كان يقول: الركعتان اللتان تصليان بين يدي المغرب صلاة الأوابين. وقال أحمد بن حنبل: في الركعتين قبل المغرب أحاديث جياد، أو قال: صحاح عن النبيّ ﷺ ، وأصحابه، وذكر حديث النبيّ ﷺ ، فقال: إلَّا أنه قال: لمن شاء، فمن شاء صلي، قيل له: قبل الأذان، أم بين الأذان والإقامة؟ فقال: بين الأذان والإقامة، ثم قال: وإن صلى إذا غربت الشمس، وحلّت الصلاة؛ أي: فهو جائز، قال: هذا شيء ينكره الناس، وتبسم كالمتعجب ممن ينكر ذلك، وسئل عنهما؟ فقال: أنا لا أفعله، وإن فعله رجل لَمْ يكن به بأس. ذكر من لم يركعهما من الصحابة: عن النخعيّ، قال: كان بالكوفة من خيار أصحاب النبيّ ﷺ علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، فأخبرني من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصليهما قبل المغرب. وفي رواية: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يصلون الركعتين قبل المغرب. وقيل لإبراهيم: إن ابن أبي الهذيل كان يصلي قبل المغرب ركعتين، فقال: إن ذاك لا يعلم. قال محمد بن نصر: ليس في حكاية هذا الذي رُوي عن إبراهيم أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما دليل على كراهتهم لهما، إنما تركوهما؛ لأن تركهما كان مباحًا، ألا ترى أن النبيّ ﷺ نفسه لَمْ يرو عنه أنه ركعهما، غير أنه رغّب فيهما، وكان ترغيبه فيهما أكثر من فعله لو فعلهما من غير أن يرغّب فيهما، وقد يجوز أن يكون أولئك الذين حكى عنهم من حكى أنه رمقهم، فلم يرهم يصلّونهما قد صلوهما في غير الوقت الذي رمقهم هذا. ويجوز أن يكون النبيّ ﷺ قد ركعهما في بيته حيث لَمْ يره الناس؛ لأن أكثر تطوعه كان في منزله. وكذلك الذين رمقوا بعد النبيّ ﷺ يجوز أن يكونوا قد صلّوا في بيوتهم، ولذلك لَمْ يرهم الذي رمقهم يصلّونهما، فإن كثيرًا من العلماء كانوا لا يتطوعون في المسجد.

стр. 9604

عن زيد بن وهب، قال: لما أذَّن المؤذن للمغرب قام رجل، فصلى ركعتين، وجعل يلتفت في صلاته، فعلاه عمر بالدرة، فلما قضى الصلاة، قال: يا أمير المؤمنين، نعم ما كسوت، قال: رأيتك تتلفت في حلاتك، ولم يعب الركعتين. حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، ثني أبي، ثنا حسين، عن ابن بريدة: أن عبد اللَّه المزني حدثه أن رسول اللَّه ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال عند الثالثة: "لمن شاء"، خاف أن يحسبها الناس سنة. قال العلامة أحمد بن علي المقريزيّ في "مختصر قيام الليل": هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتجّ به مسلم، والباقون احتج بهم الجماعة. وقد صحّ في ابن حبان حديث آخر أن النبيّ ﷺ صلى ركعتين قبل المغرب. انتهى (١). [تنبيهات]: (الأول): وقع في سند محمد بن نصر سقَطٌ، وهو قول عبد الصمد: "حدثني أبي"، ونص "صحيح ابن حبان" (٣/ ٥٩): أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبي، حدثني أبي، حدثنا حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، أن عبد اللَّه المزني، حدثه "أن رسول اللَّه ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال عند الثالثة: "لمن شاء" خاف أن يحسبها الناس سنة. (الثاني): وقع في نسخة "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" نقص، وهو قوله: "ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين"، فألحقه المحقِّق من الأصل: "الأنواع والتقاسيم"، كما ذكر في تعليقه، جزاه اللَّه خيرًا على ذلك. (الثالث): في قول المقريزيّ: "وقد صح في ابن حبان حديث آخر" نظر؛

стр. 9605

فإن الحديث هو الحديث الذي أخرجه محمد بن نصر، وليس حديثًا آخر، كما ذكرته الآن، فتبصر. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحصَّل مما سبق من التحقيق أن المذهب الصحيح هو مذهب من يقول باستحباب الركعتين قبل صلاة المغرب؛ لما سمعت من الأدلة الصحيحة الصريحة، وأما ما ادّعاه بعضهم من النسخ لها فباطل، وأما ما نقل من كراهة بعض السلف لها فيحمل على أنه لَمْ يصل إليهم الخبر الصحيح، أو تأولوه، وليس قول أحد، ولا فعله حجة، إلَّا رسول اللَّه ﷺ الذي قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. جعلنا اللَّه وإياكم ممن يأخذ بهديه ﷺ ظاهرًا وباطنًا بمنّه وكرمه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٦) - (بَابُ "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ") وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٠] (٨٣٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ"، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٥١) وهو ابن ثمانين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] مات في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 9606

٤ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٥٢. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ) بن عبد نَهْم، أبو عبد الرحمن المزنيّ صحابيّ بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من كهمس، وابن بُريدة كان في البصرة، ثم انتقل إلى مرو، والباقون كوفيون. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: كهمس عن ابن بريدة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي: الأذان والإقامة، ولا يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير، لقوله: "لمن شاء". قاله في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إطلاق الأذان على الإقامة صحيح؛ لأن الأذان إعلام بدخول الوقت، وهي إعلام بحضور فعل الصلاة، ولذا قدّمنا أن الراجح أن قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" يشمل المقيم، فمن سمعه يقول مثل ما يقول، وقيل: هذا من باب التغليب، كقولهم: القمرين للشمس والقمر، وهو الذي توارد عليه الشرّاح، كما قال في "الفتح"، لكن الأول هو الأولى.

стр. 9607

(صَلَاةٌ") مبتدأ، خبره الظرف قبله؛ أي: وقتُ صلاةٍ، أو المراد صلاة نافلةٌ، أو نُكِّرت لكونها تتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة كركعتين، أو أربع، أو أكثر، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الحثّ على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة؛ لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله الزين ابن المنيِّر ﵀ (١). وقال في "النهاية": يريد بها السنن الرواتب التي تصلى بين الأذان والإقامة. انتهى (٢). (قَالَهَا ثَلَاثًا) ولفظ البخاريّ: "بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء"، ولفظ النسائيّ: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاةٌ، لمن شاء". قال القرطبيّ ﵀ أراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وغَلَّب عليهما اسم الأذان؛ لأن فيهما إعلامًا بالشروع في الصلاة، ووجه هذا الحديث أنه إذا أُذِّن للصلاة، فقد خرج وقتُ النهي، فتجوز الصلاة حينئذ. انتهى (٣). وقال ابن الملك ﵀: كَرّره تأكيدًا للحث على النوافل بينهما، وقال المظهر ﵀: إنما حرَّضَ ﷺ أمته على صلاة النفل بين الأذانين؛ لأن الدعاء لا يُرَدّ بين الأذان والإقامة؛ لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة أكثر. وقال القاري ﵀: وللمبادرة إلى العبادة، والمسارعة إلى الطاعة، وللفرق بين المخلص والمنافق، وليتهيأ لأداء الفرض على وجه الكمال. والحاصل أنه يسن أن يصلي بين الأذان والإقامة، وكَرِه أبو حنيفة النفل قبل المغرب؛ لحديث بريدة الأسلميّ ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب"، كذا ذكره بعض علمائنا. انتهى (٤). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث المذكور رواه الدارقطنيّ، ثم

стр. 9608

البيهقيّ في "سننيهما" عن حيان بن عبيد اللَّه العدوي، حدثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب"، وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا، قال العيني: الحديث رواه البزار في "مسنده"، فقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلَّا حيان بن عبيد اللَّه، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به. انتهى (١). قال الجامع: سيأتي الجواب عما قاله العيني في المسائل الآتية في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ") أي: لمن أراد أن يصلي، وفيه بيان أن قوله: "بين كل أذانين صلاة" على التخيير، لا على الإيجاب. ولفظ البخاريّ: "بين كل أذانين صلاة، ثلاثًا لمن شاء"، وفي لفظ: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة"، ثم قال في الثالثة: "لمن شاء". قال الحافظ ﵀: وهذا يبيّن أنه لَمْ يقل: "لمن شاء" إلَّا في المرة الثالثة، بخلاف ما يُشعر به ظاهر الرواية الأولى من أنه قيّد كل مرّة بقوله: "لمن شاء". وفي رواية لمسلم التالية، وهي رواية الإسماعيليّ: "قال في الرابعة: لمن شاء"، وكأن المراد بالرابعة في هذه الرواية المرة الرابعة؛ أي: اقتصر فيها على قوله: "لمن شاء"، فأطلق عليها بعضهم رابعة باعتبار مطلق القول، وبهذا توافق رواية البخاريّ (٢)، وفي حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا سلَّم سلّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، رواه البخاريّ، وكأنه قال: بعد الثلاث "لمن شاء" ليدلّ على أن التكرار لتأكيد الاستحباب. وقال ابن الجوزيّ: فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أُذّن لها، فبيّن أن التطوّع بين الأذان

стр. 9609

والإقامة جائز. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ١٩٤٠ و ١٩٤١] (٨٣٨)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٢٤ و ٦٢٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٨٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٥)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨١)، و"الكبرى" (١٦٤٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٦٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٥٤ و ٥٦ و ٥٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٥٩ و ١٥٦٠ و ١٥٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٧ و ١٨٨٨)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٧٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان حديث: "إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب": قال الحافظ أبو الحسن الدارقطنيُّ ﵀ في "سننه": حدّثنا عليّ بن محمد المصريّ، ثنا الحسن بن غليب، نا عبد الغفار بن داود، نا حيان بن عبيد اللَّه، نا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن عند كل أذانين ركعتين، ما خلا صلاة المغرب". قال: ونا عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حيان بن عبيد اللَّه العدويّ، قال: كنا جلوسًا عند عبد اللَّه بن بريدة، فأذّن مؤذن صلاة الظهر، فلما سمع الأذان قال: قوموا فصلُّوا ركعتين قبل الإقامة، فإن أبي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عند كل أذانين ركعتان قبل الإقامة، ما خلا

стр. 9610

أذان المغرب"، قال ابن بريدة: "لقد أدركت عبد اللَّه بن عمر يصلي تينك الركعتين عند المغرب، لا يَدَعُهما على حال، قال: فقمنا فصلينا الركعتين قبل الإقامة، ثم انتظرنا حتى خرج الإمام، فصلينا معه المكتوبة". خالفه حسين المعلّم، وسعيد الجريريّ، وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات، وحيان بن عبيد اللَّه ليس بقويّ، واللَّه أعلم. انتهى (١). وكتب العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني" ما نصه: والحديث أخرجه البيهقيّ في "سننه"، ورواه البزار في "مسنده"، وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلَّا حيان بن عبيد اللَّه، وهو رجل مشهور، من أهل البصرة، لا بأس به، وقال البيهقيّ في "المعرفة": أخطأ فيه حيان بن عبيد اللَّه في الإسناد والمتن جميعًا. أما السند، فأخرجاه في "الصحيح" عن سعيد الجريريّ، وكهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "بين كل أذانين صلاة" قال في الثالثة: "لمن شاء". وأما المتن، فكيف يكون صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، وفي رواية حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين"، وقال في الثالثة: "لمن شاء" خشيةَ أن يتخذها الناس سنة، رواه البخاري في "صحيحه". انتهى. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات"، ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. انتهى. وقال السيوطيّ في "اللآلئ المصنوعة": قال البزار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلَّا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": لكنه اختلط، وذكره ابن عديّ في "الضعفاء". انتهى. وحيان هذا غير الذي كذّبه الفلاس؛ ذاك حيان بن عبد اللَّه -بالتكبير- أبو جبلة الدارميّ، وهذا حيان بن عبيد اللَّه -بالتصغير- أبو زهير البصريّ،

стр. 9611

ذكرهما في "الميزان"، وقال في ترجمة البصريّ: قال البخاريّ: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وكذا قال في "اللسان"، وزاد في ترجمة البصريّ: وقال أبو حاتم: صدوق، وقال إسحاق ابن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب. انتهى. وفي "صحيح البخاريّ" من طريق كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة". انتهى (١). وقال البيهقيُّ ﵀ في "سننه" بعد أن أخرج حديث كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل: رواه حيان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن بريدة، فأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لَمْ يتابَع عليها، ثم أخرجه بسنده، ثم أخرج بسنده عن ابن خزيمة، أنه قال على إثر هذا الحديث: حيان بن عبيد اللَّه هذا قد أخطأ في الإسناد؛ لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريريّ، وعبد المؤمن الْعَتَكيّ رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي كان الشافعيُّ ﵀ يقول: أخذ طريق الْمَجَرَّة، فهذا الشيخ لَمَّا رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهّم أن هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه، ولعل لما رأى العامّة لا تصلي قبل المغرب توهّم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر، وازداد علمًا بأن هذه الرواية خطأ أن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه، عن النبيّ ﷺ هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد اللَّه في الخبر: "ما خلا صلاة المغرب" لَمْ يكن يخالف خبر النبيّ ﷺ ، ثم ساق نجر ابن المبارك بسنده، انظر: "السنن الكبرى" (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدم أن زيادة الاستثناء: "ما خلا صلاة المغرب" لا تصح، بل هي زيادة منكرة؛ لمخالفة حيان بن عبيد اللَّه للثقات فيها، فهو وإن قال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال ابن راهويه: رجل صدق، وقال البزار: ليس به بأس، إلَّا أن جرحه يقدَّم؛ لكونه مفسرًا، فقد قال البخاريّ: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وقال الدارقطني: ليس بقويّ، وذكره ابن

стр. 9612

عدي في "الضعفاء"، ومن المقرَّر عند المحدثين أن الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل على الراجح، بل رجّح بعضهم تقديم الجرح مطلقًا، قال الحافظ السيوطيُّ ﵀ في "ألفية الحديث": وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ … أَكْثَرُ فِي الْأَقْوَى فَإِنْ فَصَّلَهُ فَقَالَ مِنْهُ تَابَ أَوْ نَفَاهُ … بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ وبهذا تعلم ضعف ما قاله ابن التركمانيّ في "الجوهر النقيّ" بعد ذكر من وثقه: فهذه زيادة من ثقةٌ، فيُحْمَل على أن لابن بريدة فيه سندين، سمعه من ابن مغفل بغير تلك الزيادة، وسمعه من أبيه بالزيادة. انتهى (١). فإن هذا ليس من تحقيق المحدثين، بل من الواجب عليه أن يذكر قول من ضعّفه، ثم يعمل بمقتضى ما قاله المحدثون، من تقديم الجرح، أو التعديل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس الْجُرَيريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل حديث كهمس، عن عبد اللَّه بن بُريدة.

стр. 9613

وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ. . . إلخ) هذه الرواية مخالفة لما سبق من رواية كهمس من أنه قال ذلك في الثالثة، وقد أشار إلى الطعن فيها الحافظ أبو الحسن ابن القطّان في "بيان الوهم والإيهام"، فقال تعقّبه على الحافظ عبد الحقّ الإشبيليّ في "أحكامه" ما نصّه: وذكر من عند مسلم حديث ابن مغفل: "بين كل أذانين صلاة"، ثم قال: وفي رواية: "قال في الرابعة: لمن شاء"، ولم يبيّن أن هذه الزيادة من رواية سعيد الجريريّ على غير لفظ كهمس في أنها قالها في الثالثة. انتهى (١). وذكر أبو الحسن أيضًا في موضع آخر أن هذه الرواية مما اختلط فيها الْجُريريّ، فقال: وقد ذكروا أن حديث "بين كل أذانين صلاة" مما تبين فيه اختلاطه، قال عمرو بن عليّ الفلاس في "تاريخه": سمعت يحيى بن سعيد يقول: أتيت الْجُريريّ، فقال: حدّثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن عمرو: "بين كل أذانين صلاةٌ"، فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو عن عبد اللَّه بن المغفل، فرجعت إليه، فقلت له: فقال: عن عبد اللَّه بن المغفل. انتهى كلام ابن القطّان ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال أبو الحسن القطّان ﵀، ويعكُر عليه أن عبد الأعلى ممن أخذ عن الجُريريّ قبل اختلاطه، وتابعه عليه يزيد بن زريع، عند ابن خزيمة، وابن عليّة عند ابن حبّان، وهما أيضًا ممن روى عنه قبل الاختلاط، ولذا أخرجه مسلم هنا في "صحيحه". فالأولى أن يقال: إن معنى "في الرابعة" أن لفظ "لمن شاء" قالها ﷺ في الرابعة، يعنى أنه قال: "بين كل أذانين صلاة" ثلاث مرّات، ثم قال في الرابعة: "لمن شاء"، فتوافق معنى الرواية الأخرى: "ثم قال في الثالثة: لمن شاء"؛ أي: فهي رابعة في نفسها، مضافة إلى الثالثة قبلها حيث صدرت معها، فتبصرّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: رواية سعيد الجُريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة هذه بلفظ: "قال في

стр. 9614

الرابعة" لَمْ أجد من ساقها، وأوردها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" (٢/ ١٣٦) رقم (٧٣٨٤) ولم يسق متنها، بل أحاله على لفظ كهمس، كالمصنّف، ولم يذكر قوله: "إلَّا أنه قال في الرابعة: لمن شاء"، ورأيت ابن حبّان ﵀ ساق الحديث في "صحيحه" من طريق ابن عُليّة، بغير هذا اللفظ، ونصّه: (١٥٦٠) أخبرنا الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان، قال: حدّثنا أيوب بن محمد الوزان، قال: حدّثنا إسماعيل ابن علية، قال: حدّثنا سعيد الجريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بين كل أذانين صلاة لمن شاء". انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٧) - (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) قال العلامة ابن الملقّن ﵀: الخوف غمّ على ما سيكون، والحزن غمّ على ما مضي، قال: وليس المراد من هذه الترجمة أن صلاة الخوف تقتضي صلاة مستقلّة، كقولنا: صلاة العيد، ولا أنه يؤثّر في تغيير قدر الصلاة، أو وقتها، كقولنا: صلاة السفر، وحديث ابن عبّاس ﵄ في "صحيح مسلم": "إن اللَّه فرض الصلاة في الخوف ركعة" المراد للمأموم مع الإمام؛ جمعًا بين الأحاديث، وإنما المراد أنه يؤثّر في كيفيّة إقامة الفرائض، واحتمال أمور فيها كانت لا تُحتمل في غيرها، ثم هي في الأكثر لا تؤثّر في كيفيّة إقامة الفرائض، بل في إقامتها بالجماعة. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله في تأويل حديث ابن عبّاس ﵄: المراد للمأموم مع الإمام. . . إلخ هذا غير مسلّم، بل الصواب أن حديثه على ظاهره، وأن صلاة الخوف ركعة عند اشتداد الخوف، وقد قدّمنا هذا البحث مستوفًى

стр. 9615

في "كتاب صلاة المسافرين"، فراجعه (١) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (اعلم): أنه لما كان لصلاة الخوف أحكام، وصفات تختصّ بها عن غيرها من الصلوات الأَمْنِيَّة دعت الحاجة إلى تقديم تنبيهات مهمة؛ ليكون الطالب على بصيرة، ويمكن الإحالة إليها عند الحاجة في بيان الأحاديث الآتية، إن شاء اللَّه تعالى، فلنذكرها في مسائل: (المسألة الأولى): قال القرطبيُّ ﵀ في "المفهم": قولنا: صلاة الخوف، هي الصلاة المعهودة تَحْضُر، والمسلمون متعرّضون لحرب العدوّ، وقد اختلف العلماء، هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة، أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرًا في تغيير الصلاة على ما يأتي تفصيل مذاهبهم. وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المرويّ في ذلك، والذي عليه القرآن خاصًّا بالنبيّ ﷺ ، مستدلًّا بخصوصية خطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، قال: فإذا لَمْ يكن فيهم لَمْ تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه: (أحدها): أنّا أُمرنا باتباعه، والتأسي به، فيلزم اتباعه مطلقًا، حتى يدلّ دليل واضحٌ على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلًا على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلًا على الخصوصية للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، لكن قد تقرّر بدليل إجماعيّ أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، وكذلك ما يُخاطَبُ هو به، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه كثير. (وثانيها): أنه قد قال النبيّ ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي". متفق عليه.

стр. 9616

(وثالثها): أن الصحابة ﵃ اطّرحوا توهّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوْه إلى غير النبيّ ﷺ ، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادّعى الخصوصيّة. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] أي: سافرتم، ومفهومه أن القصر مختصّ بالسفر، وهو كذلك، وأما قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضًا، وقد سأل يعلى بن أميّة الصحابيُ عمرَ بن الخطّاب ﵁ عن ذلك، فذكر أنه سأل رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته"، أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنّة. واختُلف في صلاة الخوف في الحضر، فمنعه ابن الماجشون، أخذًا بالمفهوم أيضًا، وأجازه الباقون. وأما قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤيّ من أصحابه، وإبراهيم ابن عليّة، وحُكي عن المزنيّ صاحب الشافعيّ. واحتُجّ عليهم بإجماع الصحابة ﵃ على فعل ذلك بعد النبيّ ﷺ ، وبقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فعموم منطوقه مقدّم على ذلك المفهوم. وقال ابن العربيّ وغيره: شرط كونه ﷺ فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بيّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كلّ عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفيةُ وردت لبيان الحَذَر من العدوّ، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم. وقال الزين ابن المنيّر: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم، كالخوف في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]. وقال الطحاويّ: كان أبو يوسف قد قال مرةً: لا تُصلّى صلاةُ الخوف بعد رسول اللَّه ﷺ ، وزعم أن الناس إنما صلّوها معه لفضل الصلاة معه ﷺ ، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شُجاع يَعيبه، ويقول:

стр. 9617

إن الصلاة خلف النبيّ ﷺ ، وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا، إلَّا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): أنه قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجّح ابن عبد البرّ الكيفية الواردة في حديث ابن عمر ﵄ وهو الحديث الأول هنا برقم [١٩٤٢ و ١٩٤٣ و ١٩٤٤] (٨٣٩) - على غيرها لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يُتمّ صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث، أو سبعة أيّها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ الآتي برقم [١٩٤٧] (٨٤١)، وكذا رجحه الشافعيّ، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبريّ، وغير واحد، منهم ابن المنذر، وسَرَدَ ثمانية أوجه، وكذا ابن حبّان في "صحيحه"، وزاد تاسعًا. وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجهًا، وبيّنها في "جزء مفرد". وقال ابن العربي في "القبس": جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم يُبيّنها. وقال النوويّ نحوه في "شرح مسلم"، ولم يبيّنها أيضًا، وقد بيّنها الحافظ أبو الفضل العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وزاد وجهًا آخر، فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن يمكن أن تتداخل. وقال صاحب "الهدي": أصلها ستّ صفات، وبلّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبيّ ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا -يعني: الحافظ العراقي- بقوله: يمكن تداخلها. وحكى ابن القصّار المالكيّ أن النبيّ ﷺ صلاها عشر مرّات. وقال ابن العربيّ: صلاها أربعًا وعشرين مرّة. وقال الخطابيّ: صلاها النبيّ ﷺ في أيام مختلفة بأشكال متباينة، يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها

стр. 9618

متفقة المعنى. انتهى (١). وقال الحافظ الزيلعيّ ﵀: ذَكَر بعض الفقهاء أن النبيّ ﷺ صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقرّ عند أهل السير والمغازي أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعُسفان، وذي قَرَد. فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاريّ ومسلم، عن مالك، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّات، عن سهل بن أبي حَثْمَة، وفي لفظ للبخاريّ عمن صلى مع النبيّ ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه. . . الحديث. وحديث بطن نخلة أخرجه النسائيّ، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا مع النبيّ ﷺ بنخل، والعدوّ بيننا وبين القبلة. . . الحديث. وحديث عُسْفان أخرجه أبو داود، والنسائيّ، عن مجاهد، عن أبي عَيّاش الزُّرَقيّ، زيد بن الصامت، قال: كنا مع النبيّ ﷺ بعُسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. . . الحديث، ورواه البيهقيّ في "المعرفة" بلفظ: حدَّثنا أبو عَيّاش، قال، وفي هذا تصريح بسماع مجاهد، من أبي عياش. وحديث ذي قَرَد، أخرجه النسائيّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه ﷺ صلى بذي قَرَد. . . الحديث، وروى الواقديّ في "المغازي": حدّثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أول ما صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقَاع، ثم صلاها بعدُ بعُسفان بينهما أربع سنين، قال الواقديّ: وهذا عندنا أثبت من غيره. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: اختلف الجمهور في كيفيّة صلاة الخوف على أقوال كثيرة؛ لاختلاف الأحاديث المرويّة في ذلك، فلنذكر تلك الأحاديث، ونذكر مع كل حديث من قال به إن وجدنا ذلك -إن شاء اللَّه تعالى- فلنبدأ من ذلك بالحديث الأول، وهو حديث ابن عمر ﵄، ومضمون أنه ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعةً، والأخرى مواجِهَة العدوّ، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أصحابهم

стр. 9619

مقبلين على العدوّ، وجاء أولئك، وصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة. وبه أخذ الأوزاعيّ، وأشهب، وحُكي عن الشافعيّ، واختُلف في تأويل قضائهم، فقيل: قضَوا معًا، وهو تأويل ابن حبيب، وعليه حمَلَ قول أشهب، وقيل: قضوا مفترقين، مثل حديث ابن مسعود ﵁، وهو المنصوص لأشهب. الحديث الثاني: حديث جابر ﵁، وذلك أنه ﷺ صفّهم صفّين خلفه، والعدوّ بينهم وبين القبلة، وصلّى بهم جميعًا صلاة واحدةً، لكنه لَمّا سجد سجد معه الصفّ الأول الذي يليه، وقام الصفّ المؤخّر، ثم تقدّموا، وتأخّر المقدّم، ثم فعلوا في الركعة الثانية كما فعلوا في الأولى، ونحوه حديث ابن عبّاس ﵄، وبهذا قال ابن أبي ليلي، وأبو يوسف في قولٍ له، إذا كان العدوّ في القبلة، ورُوي عن الشافعيّ، واختاره بعض أصحابه، وأصحاب مالك. الحديث الثالث: حديث سهل بن أبي حَثْمَة، وهو أنه ﷺ صلى بالطائفة الأولى ركعةً، ثم ثبت قائمًا، فأتمّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصَفُّوا وِجاهَ العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم ركعةً، ثم ثبت جالسًا حتى أتمّوا، ثم سلّم بهم، ونحوه حديث صالح بن خَوَّات، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأبو ثور. الحديث الرابع: حديث أبي سلمة، عن جابر ﵁ أنه صلى أربع ركعات بكلّ طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذُكر عن الشافعيّ، ورواه غير مسلم من طريق أبي بكرة وجابر، وأنه سلّم من كل ركعتين، قال الطحاويّ: إنما كان هذا في أول الإسلام؛ إذ كان يجوز أن تُصلى الفريضة مرّتين، ثم نُسخ ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى النسخ غير صحيحة، وقد قدّمنا أن أصح المذاهب مذهب من يرى صحة اقتداء المفترض بالمتنفّل؛ لما صحّ من قصّة معاذ ﵁ حيث كان يصلي مع النبيّ ﷺ العشاء، ثم يذهب إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة، فتبصّر، وباللَّه تعالى التوفيق. الحديث الخامس: رواه أبو هريرة، وابن مسعود ﵄ أنه ﷺ صلى بالطائفة التي وراءه ركعة، ثم انصرفوا، ولم يُسلّموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعةً، ثم سلّم، فقضى هؤلاء ركعتهم، ثم سلّموا،

стр. 9620

وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك، فصلّوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلّموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر أن ظاهر قضاء أولئك في حديث ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وها هنا قضاؤهم متفرّقٌ على صفة صلاتهم، وقد تأوّل بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبهذا أخذ أبو حنيفة، وأصحابه، إلَّا أبا يوسف، وهو نصّ قول أشهب من المالكيّة، خلاف ما تأوّل عليه ابن حبيب. الحديث السادس: ذكره أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ كبّر، فكبّر معه الصفّان جميعًا، وفيه أن الطائفة الثانية لَمَّا صلّت معه ركعةً، وسلّمت رجعت إلى مقام أصحابهم، وجاءت الطائفة الأولى، فصلّوا ركعةً لأنفسهم، فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتمّ أولئك لأنفسهم. الحديث السابع: ذكره أبو داود من رواية أبي هريرة ﵁ أنها قامت مع النبيّ ﷺ مقابلة العدوّ، وظهورهم إلى القبلة، فكبّر جميعهم، ثم صلى بالذين معه ركعةً، والآخرون قيام، ثم قام، وذهبت الطائفة التي معه إلى العدوّ، وأقبلت تلك، فصلى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلّوا ركعةً، ورسول اللَّه ﷺ قائمٌ، ثم صلى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلّت ركعةً، ورسول اللَّه ﷺ قاعد ومن معه، ثم سلّم، وسلّموا جميعًا (١). الحديث الثامن: حديث عائشة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ أنه كبّر، وكبّرت معه الطائفة التي تليه، وصلّى بهم ركعةً وسجدةً، وثبت جالسًا، وسجدوا هم السجدة التي بقيت لهم، ثم انصرفوا القهقري، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى، فكبّروا، ثم ركعوا، يعني: لأنفسهم، ثم سجد النبيّ ﷺ ؛ يعني: سجدته التي بقيت عليه من الركعة الأولى، فسجدوا معه، ثم قام النبيّ ﷺ ، وأتموا هم السجدة التي بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان، فصلى بهم جميعًا ركعة كأسرع الإسراع (٢). الحديث التاسع: حديث ابن أبي حَثْمة من رواية صالح بن خَوّات عنه، أن الطائفة الأولى لَمّا صلّت ركعتها مع النبيّ ﷺ ، ثم صلّت الركعة الأخرى

стр. 9621

لنفسها سلّمت، ثم تقدّمت، وجاءت الأخرى، وهذا خلاف الحديث الآخر الذي ذُكر فيه آخرًا، ثم سلّم بهم جميعًا. ومن رواية القاسم في حديث ابن أبي حَثْمة أنه ﷺ سلّم عند تمام صلاته الركعة الثانية بالطائفة الثانية، وأتمّوا بعد سلامه خلاف الروايات الأُخَر عن القاسم، ويزيد بن رُومان أنه انتظرهم حتى قَضَوْا، ثم سلّم. وقد اختلف قول مالك لصحّة القياس أن القضاء إنما يكون بعد سلام الإمام، وهو اختيار أبي ثور، واختيار الشافعيّ في الرواية الأخرى. الحديث العاشر: ما رواه أبو داود من حديث حُذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر ﵃ أنه ﷺ صلّى بكل طائفة ركعةً، ولم يقضوا، ويؤيّده حديث ابن عبّاس ﵄: صلاة الخوف ركعةٌ، وبه قال إسحاق. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": هذه الأخبار ليس بينها تضادٌّ، ولا تهاتُرٌ، ولكن المصطفى ﷺ صلى صلاة الخوف مرارًا، في أحوال مختلفة، بأنواع متباينة، على حسب ما ذكرناها، أراد ﷺ به تعليم أمته صلاة الخوف، أنه مباح لهم أن يصلوا أَيَّ نوع من الأنواع التسعة التي صلاها رسول اللَّه ﷺ في الخوف، على حسب الحاجة إليها، والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع التي ذكرناها؛ إذ هي من اختلاف المباح، من غير أن يكون بينها تضادٌّ، أو تهاترٌ. انتهى (٢). وقال الإمام ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد": وكان من هديه ﷺ في صلاة الخوف أن أباح اللَّه قصرَ أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصرَ العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا كان من هديه ﷺ ، وبه تُعْلَم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف. وكان من هديه ﷺ في صلاة الخوف إذا كان العدوّ بينه وبين القبلة أن

стр. 9622

يَصُفَّ المسلمين كلهم خلفه، ويكبّر ويكبّرون جميعًا، ثم يركع فيركعون جميعًا، ثم يرفع ويرفعون جميعًا معه، ثم ينحدر بالسجود، والصف الذي يليه خاصّةً، ويقوم الصف المؤخر مُوَاجِهَ العدوّ، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ونَهَضَ إلى الثانية، سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا، فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم؛ لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف الثاني مع النبيّ ﷺ السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى، فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قَضَوْا لأنفسهم، وذلك غاية العدل، فإذا رَكَعَ صَنَعَ الطائفتان كما صنعوا أول مرّة، فإذا جلس للتشهد، سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلّم بهم جميعًا. وإن كان العدوّ في غير جهة القبلة، فإنه كان تارةً يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء العدوّ، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعةً، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلي معه الركعة الثانية، ثم تسلم وتقضي كل طائفة ركعةً ركعةً بعد سلام الإمام. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعةً، وهو واقفٌ، وتسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهد، قامت فقضت ركعةً، وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت يسلم بهم. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين، ويسلم بهم، فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، ويسلم بهم، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم، فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاةً. وتارةً كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، فتذهب ولا تقضي شيئًا، وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعةً، ولا تقضي شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعةً ركعةً، وهذه الأوجه كلُّها تجوز الصلاة بها.

стр. 9623

قال الإمام أحمد ﵀: كلُّ حديث يُرْوَى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائزٌ. وقال: ستةُ أوجه، أو سبعةٌ تروى فيها كلُّها جائزة. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟، قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلِّها فحسن. وظاهرُ هذا أنه جَوَّزَ أن تصلي كل طائفة معه ركعةً ركعةً، ولا تقضي شيئًا، وهذا مذهب ابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق ابن راهويه. قال صاحب "المغني": وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك، وأصحابنا ينكرونه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول هؤلاء الإئمة بجواز ركعة واحدة في شدّة الخوف هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وقد أسلفت تحقيقه في "كتاب صلاة المسافرين"، فارجع إليه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. قال ابن القيّم ﵀: وقد رُوي عنه ﷺ في صلاة الخوف صفات أُخَرُ ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفةً، والصحيح ما ذكرناه أَوّلًا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبيّ، وإنما هو من اختلاف الرواة، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه اختُلف في أيّ سنة شُرعت صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختَلَف أهل السير في أيّ سنة كانت هي؟، فقال عامّة أهل السير، ابن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما: إنها كانت بعد بني النضير، والخندق، في جمادى الأولى سنة أربع، وقال ابن سعد، وابن حبّان: في عاشر محرّم سنة خمس، وقال أبو معشر: بعد

стр. 9624

بني قريظة في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها، وقال البخاريّ: بعد خيبر في السنة السابعة، ورجحه الإمام ابن القيّم، والحافظ، وذهب ابن القيّم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعُسْفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق، وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضًا، فعلم أنها بعد الخندق، وبعد عُسفان، وقد بسط الكلام في "الهدي" في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في "الفتح"، حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرّر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعُسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعيّن تأخرها عن الخندق، وعن قريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيَقْوَى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنهم اتفقوا على أن النبيّ ﷺ لَمْ يصل صلاة الخوف في غزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخرها نسيانًا، يدلّ عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول اللَّه ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه، ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، قال الحافظ: وفي صحته نظر؛ لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لعمر: "واللَّه ما صليتها"، ويمكن الجمع بينهما بتكلف. وقيل: أخّرها عمدًا؛ لأنه كان مشغولًا بالقتال، والاشتغالُ بالقتال، والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب "الهداية"، والطحاويّ، وأبو بكر الجصاص. وقيل: لأنه لَمْ يكن أُمر حينئذ أن يصلي صلاة الخوف راكبًا، فقد رُوي عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق، فشُغِلنا. . . " الحديث، وفي آخره: "وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ

стр. 9625

فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] "، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والطيالسيّ، وعبد الرزاق، وغيرهم. وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان في الحضر، وشرط صلاة الخوف أن تكون في السفر (١)، قاله ابن الماجشون. وقيل: أخّرها عمدًا؛ لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإليه ذهب الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيّم في "الهدي"، والحافظ في "الفتح"، والقرطبيّ في "شرح مختصر مسلم"، وعياض في "الشفا"، وغيرهم، وهو الراجح (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١ - ١٠٢]. قد ذكر طائفة من السلف أنها نزلت في صلاة في السفر، لا في صلاة السفر بمجرده؛ ولهذا ذَكَر عقيبها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، ثم ذكر صفة صلاة الخوف، فكان ذلك تفسيرًا للقصر المذكور في الآية الأولى، وهذا هو الذي يشير إليه البخاريّ، وهو مروي عن مجاهد والسديّ والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير وغيره. وتقدير هذا من وجهين: أحدهما: أن المراد بقصر الصلاة قصر أركانها بالإيماء ونحوه، وقصر عدد الصلاة إلى ركعة. فأما صلاة السفر، فإنها ركعتان، وهي تمام غير قصر، كما قاله عمر ﵁. ورَوَى سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عمر يقول: الركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، أخرجه ابن جرير وغيره. وروى ابن المبارك عن المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يُسأل عن الركعتين في السفر: أقصرُهما؟ قالَ: إنما القصر ركعةٌ عندَ القتال، وإن الركعتين في السفر ليستا بقصرٍ.

стр. 9626

وأخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر؟ قال: إنها ليست بتقصير، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم. وأخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع، عن ابن عباس، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين ركعتين، وحين أقام أربعًا أربعًا. وقال ابن عباس: فمن صلى في السفر أربعًا كمن صلى في الحضر ركعتين. وقال ابن عباس: لَمْ تقصر الصلاة إلّا مرّة واحدة حيث صلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين، وصلى الناس ركعة واحدة. يعني: في الخوف. وروى وكيع، عن سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف ركعة ركعة. قال سعيد: كيف تكون مقصورة وهما ركعتان؟. والوجه الثاني: أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق، يدخل فيه قصر العدد، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر، فأما إذا انفرد أحد الأمرين -وهو السفر أو الخوف- فإنه يختص بأحد نوعي القصر، فانفراد السفر يختص بقصر العدد، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان. لكن هذا مما لم يفهم من ظاهر القرآن، وإنما بيّن دلالةً عليه رسول اللَّه ﷺ والآية لا تنافيه، وإن كان ظاهرها لا يدل عليه. واللَّه أعلم. وقيل: إن قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف، وإن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف. روي ذلك عن عَلِيّ ﵁، أخرجه ابن جرير، عنه بإسناد ضعيف جدًا، لا يصح. واللَّه أعلم. وقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف. فرَوَى منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقيّ، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بعُسفان -وعلى المشركين خالد بن الوليد- فصلينا الظهر، فقال

стр. 9627

المشركونَ: لقد أصبنا غرةً، لقد أصبنا غفلةً، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول اللَّه ﷺ مستقبل القبلة والمشرطون أمامه، فصفَّ خلف رسول اللَّه ﷺ صف، وصفّ بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول اللَّه ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول اللَّه ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول اللَّه ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا فسلّم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود -وهذا لفظه- والنسائي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم. وقال: على شرطهما. وفي رواية للنسائي وابن حبان، عن مجاهد: نا أبو عياش الزرقي، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ " فذكره. وردّ ابن حبان بذلك على من زعم: أن مجاهدًا لَمْ يسمعه من أبي عياش، وأن أبا عياش لا صحبة له. كأنه يشير إلى ما نقله الترمذيّ في "علله" عن البخاري، أنه قال: كل الروايات عندي صحيحةٌ في صلاة الخوف، إلَّا حديث مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، فإني أراه مرسلًا. قال الحافظ ابن رجب: وابن حبان لَمْ يفهم ما أراده البخاريّ، فإن البخاري لَمْ ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ، وقد عدَّه في "تاريخه" من الصحابة، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش، وإنما مراده: أن هذا الحديث الصواب: عن مجاهد إرساله عن النبي ﷺ من غير ذكر أبي عياش؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد، عنه بخلاف رواية منصور، عنه، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلًا من غير ذكر أبي عياش.

стр. 9628

وهذا أصح عند البخاريّ، وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ. وأما أبو حاتم الرازيّ، فإنه قال -في حديث منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش-: إنه صحيح. قيل له: فهذه الزيادة: "فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر" محفوظةٌ هي؟ قال: نعم. وقال الإمام أحمد: كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح. وقد جاء في رواية: فنزلت ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا لا ينافي رواية: "فنزلت آية القصر" بل تبيّن أنه لَمْ تنزل آية القصر بانفرادها في هذا اليوم، بل نزل معها الآيتان بعدها في صلاة الخوف. وهذا كله مما يشهد بأن آية القصر أريد بها قصر الخوف في السفر، وإن دلت على قصر السفر بغير خوف بوجه من الدلالة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٢] (٨٣٩) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.

стр. 9629

٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنِّفٌ، شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتَّفَق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّه بابيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وعبد كِسّيّ، والباقيان يمنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه جمّ المناقب، فهو ابن صحابيّ، وُلِد بعد المبحث بيسير، واستُصغِر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر ﵁، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9630

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ) من إضافة الحكم إلى سببه (بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نَجْد، فوازينا العدوّ، فصاففنا لهم، فقام رسول اللَّه ﷺ يصلّي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدوّ. . . " (وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ) أي: مقابلته للحراسة (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أي: رجع هؤلاء الذين صلّوا مع رسول اللَّه ﷺ ركعةً (وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ) أي: الذين لَمْ يصلّوا؛ لاشتغالهم بالحراسة (مُقْبلِينَ) حال من الضمير في "قاموا" (عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ) الذين لَمْ يصلَّوا (ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً) زاد عبد الرزاق عن ابن جريج، عن الزهريّ: "مثل نصف صلاة الصبح"، قال في "الفتح": وفي قوله: "مثل نصف صلاة الصبح" إشارة إلى أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح، فعلى هذا فهي رباعيةٌ، وسيأتي في "المغازي" ما يدلّ على أنها كانت العصر، وفيه دليل على أن الركعة المقضيّة لا بدّ فيها من القراءة لكل من الطائفتين خلافًا لمن أجاز للثانية ترك القراءة. انتهى. (ثمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً) وفي رواية البخاريّ: "فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه"، قال في "الفتح": لَمْ تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويَحْتَمِل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁، ولفظه: "ثم سَلَّم، فقام هؤلاء -أي: الطائفة الثانية- فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا". انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتصت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعيّ تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر ﵄ هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة الأولى، فأتموا ركعةً، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية، فأتموا.
следующие страницы →