← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

وأخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر؟ قال: إنها ليست بتقصير، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم. وأخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع، عن ابن عباس، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين ركعتين، وحين أقام أربعًا أربعًا. وقال ابن عباس: فمن صلى في السفر أربعًا كمن صلى في الحضر ركعتين. وقال ابن عباس: لَمْ تقصر الصلاة إلّا مرّة واحدة حيث صلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين، وصلى الناس ركعة واحدة. يعني: في الخوف. وروى وكيع، عن سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف ركعة ركعة. قال سعيد: كيف تكون مقصورة وهما ركعتان؟. والوجه الثاني: أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق، يدخل فيه قصر العدد، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر، فأما إذا انفرد أحد الأمرين -وهو السفر أو الخوف- فإنه يختص بأحد نوعي القصر، فانفراد السفر يختص بقصر العدد، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان. لكن هذا مما لم يفهم من ظاهر القرآن، وإنما بيّن دلالةً عليه رسول اللَّه ﷺ والآية لا تنافيه، وإن كان ظاهرها لا يدل عليه. واللَّه أعلم. وقيل: إن قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف، وإن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف. روي ذلك عن عَلِيّ ﵁، أخرجه ابن جرير، عنه بإسناد ضعيف جدًا، لا يصح. واللَّه أعلم. وقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف. فرَوَى منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقيّ، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بعُسفان -وعلى المشركين خالد بن الوليد- فصلينا الظهر، فقال

стр. 9627

المشركونَ: لقد أصبنا غرةً، لقد أصبنا غفلةً، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول اللَّه ﷺ مستقبل القبلة والمشرطون أمامه، فصفَّ خلف رسول اللَّه ﷺ صف، وصفّ بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول اللَّه ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول اللَّه ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول اللَّه ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا فسلّم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود -وهذا لفظه- والنسائي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم. وقال: على شرطهما. وفي رواية للنسائي وابن حبان، عن مجاهد: نا أبو عياش الزرقي، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ " فذكره. وردّ ابن حبان بذلك على من زعم: أن مجاهدًا لَمْ يسمعه من أبي عياش، وأن أبا عياش لا صحبة له. كأنه يشير إلى ما نقله الترمذيّ في "علله" عن البخاري، أنه قال: كل الروايات عندي صحيحةٌ في صلاة الخوف، إلَّا حديث مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، فإني أراه مرسلًا. قال الحافظ ابن رجب: وابن حبان لَمْ يفهم ما أراده البخاريّ، فإن البخاري لَمْ ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ، وقد عدَّه في "تاريخه" من الصحابة، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش، وإنما مراده: أن هذا الحديث الصواب: عن مجاهد إرساله عن النبي ﷺ من غير ذكر أبي عياش؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد، عنه بخلاف رواية منصور، عنه، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلًا من غير ذكر أبي عياش.

стр. 9628

وهذا أصح عند البخاريّ، وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ. وأما أبو حاتم الرازيّ، فإنه قال -في حديث منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش-: إنه صحيح. قيل له: فهذه الزيادة: "فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر" محفوظةٌ هي؟ قال: نعم. وقال الإمام أحمد: كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح. وقد جاء في رواية: فنزلت ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا لا ينافي رواية: "فنزلت آية القصر" بل تبيّن أنه لَمْ تنزل آية القصر بانفرادها في هذا اليوم، بل نزل معها الآيتان بعدها في صلاة الخوف. وهذا كله مما يشهد بأن آية القصر أريد بها قصر الخوف في السفر، وإن دلت على قصر السفر بغير خوف بوجه من الدلالة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٢] (٨٣٩) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.

стр. 9629

٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنِّفٌ، شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتَّفَق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّه بابيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وعبد كِسّيّ، والباقيان يمنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه جمّ المناقب، فهو ابن صحابيّ، وُلِد بعد المبحث بيسير، واستُصغِر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر ﵁، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9630

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ) من إضافة الحكم إلى سببه (بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نَجْد، فوازينا العدوّ، فصاففنا لهم، فقام رسول اللَّه ﷺ يصلّي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدوّ. . . " (وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ) أي: مقابلته للحراسة (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أي: رجع هؤلاء الذين صلّوا مع رسول اللَّه ﷺ ركعةً (وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ) أي: الذين لَمْ يصلّوا؛ لاشتغالهم بالحراسة (مُقْبلِينَ) حال من الضمير في "قاموا" (عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ) الذين لَمْ يصلَّوا (ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً) زاد عبد الرزاق عن ابن جريج، عن الزهريّ: "مثل نصف صلاة الصبح"، قال في "الفتح": وفي قوله: "مثل نصف صلاة الصبح" إشارة إلى أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح، فعلى هذا فهي رباعيةٌ، وسيأتي في "المغازي" ما يدلّ على أنها كانت العصر، وفيه دليل على أن الركعة المقضيّة لا بدّ فيها من القراءة لكل من الطائفتين خلافًا لمن أجاز للثانية ترك القراءة. انتهى. (ثمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً) وفي رواية البخاريّ: "فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه"، قال في "الفتح": لَمْ تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويَحْتَمِل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁، ولفظه: "ثم سَلَّم، فقام هؤلاء -أي: الطائفة الثانية- فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا". انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتصت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعيّ تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر ﵄ هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة الأولى، فأتموا ركعةً، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية، فأتموا.

стр. 9631

قال الحافظ ﵀: ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب، والأوزاعيّ، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حَثْمَة من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٢ و ١٩٤٣ و ١٩٤٤] (٨٣٩)، و (البخاريّ) في "صلاة الخوف" (٩٤٢ و ٩٤٣) و"المغازي" (٤١٣٢ و ٤١٣٣) و"التفسير" (٤٥٣٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٤٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٦٤)، و (النسائيّ) في "صلاة الخوف" (١٥٣٨ و ١٥٣٩ و ١٥٤٠ و ١٥٤١) و"الكبرى" (١٩٢٨ و ١٩٢٩ و ١٩٣٠)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٢٤١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٨٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣٢ و ١٤٧ و ١٥٠ و ١٥٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٨٠ و ٩٨١ و ١٣٥٤ و ١٣٥٥ و ١٣٦٦ و ١٣٦٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٧٩)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٣١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤١١ و ٢٤١٢ و ٢٤١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٨٩ و ١٨٩٠ و ١٨٩١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٦٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٩٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة صلاة الخوف. ٢ - (ومنها): بيان عِظَم أمر صلاة الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها؛ لارتكاب أمور كثيرة، لا تُغتفر في غيرها، ولو صلى كلُّ امرئ منفردًا لَمْ يقع الاحتياج إلى معظم ذلك.

стр. 9632

٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "طائفة" على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل، حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة، ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد، ويحرس واحد، ثم يصلي الآخر، وهو أقلّ ما يُتَصَوَّر في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقًا، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون كل طائفة أقلّ من ثلاثة؛ لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ذكره النوويّ وغيره (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفية صلاة الخوف: قال الحافظ أبو عمر ﵀: كان مالك يقول بحديثه عن يزيد بن رُومان أن الإمام ينتظر تمام الطائفة الثانية، ويسلّم بهم، وهو قول الشافعيّ، واختياره، ثم رجع مالك عن ذلك إلى حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم أن الإمام يسلّم إذا أكمل صلاته، ويقوم مَن وراءه، فيأتون بركعة، ويسلّمون، وقد زاد ابن القاسم في "الموطأ" في آخر حديث يحيى بن سعيد: وقال مالك: هذا الحديث أحبّ إليّ، قال أحمد بن خالد: وبه قال جماعة أصحاب مالك، إلَّا أشهب، فإنه أخذ بحديث ابن عمر في صلاة الخوف. ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم بن محمد القياسُ على سائر الصلوات في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدًا سبقه بشيء، وأن السنّة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون ما سُبقوا به بعد سلام الإمام. وقول أبي ثور في ذلك كقول مالك سواءً؛ لحديث القاسم، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة. وقال الشافعي: حديث يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوّات مسندٌ، والمصير إليه أولى من حديث القاسم؛ لأنه موقوف (٢)، قال: وهو أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب اللَّه .

стр. 9633

ومن حجته أن اللَّه ذكر استفتاح الإمام ببعضهم لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وذكر انصراف الطائفتين، والإمامِ من الصلاة معًا بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] ذلك للجميع، لا للبعض، ولم يذكر أن على واحد منهم قضاءً، قال: وفي الآية دليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلَّا بانصراف الأولى، لقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾، وفي قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ دليل على أن الطائفة الثانية تنصرف، ولم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام. هذا كله نَزَعَ به بعض أصحاب الشافعيّ بالاحتجاج له على الكوفيين وغيرهم. ولم يختلف قول مالك، والشافعيّ، وأبي ثور أن الإمام إذا قرأ في الركعة الثانية بأم القرآن وسورة قبل أن تأتي الطائفة الأخرى، ثم أتته، فركع بها حين دخلت معه، قبل أن تقرأ شيئًا أنه يجزئهم، إلَّا أن الشافعي قال: إن أدركوا معهم ما يمكنهم فيه قراءة فاتحة الكتاب فلا يجزئهم إلَّا أن يقرؤوها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدم في باب القراءة أن الراجح أن المسبوق إذا أدرك الركوع ولم يدرك القراءة لا تجزئه تلك الركعة، بل لا بدّ من قضائها بعد سلام الإمام؛ لأنه لا صلاة إلَّا بأم القرآن. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال ابن عبد البرّ: وقول أحمد بن حنبل في صلاة الخوف كقول الشافعيّ سواءً على حديث سهل بن أبي حَثْمَة، وروايةُ يزيد بن رُومان هو المختار عند أحمد، وكان لا يَعيب مَن فعل شيئًا من الأوجه المروية في صلاة الخوف، قال: ولكني أختار حديث سهل بن أبي حثمة؛ لأنه أنكى للعدوّ. وقال الأثرم: قلت له: حديث سهل بن أبي حثمة تستعمله، والعدوّ مستقبلُ القبلة، وغيرُ مستقبلها؟ قال: نعم هذا أنكى لهم؛ لأنه يصلي بطائفة، ثم يذهبون، ثم يصلي بأخرى، ثم يذهبون.

стр. 9634

واختار داود بن عليّ وأصحابه أيضًا حديث سهل بن أبي حثمة من رواية يزيد بن رومان، وغيره، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي حثمة. قال: وأما أبو حنيفة وأصحابه، إلَّا أبا يوسف، فإنهم ذهبوا إلى ما رواه الثوريّ، وشريك، وزائدة، وابن فضيل، عن خُصيف، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف بطائفة، وطائفة مستقبلو العدوّ، صلى بالذين وراءه ركعة وسجدتين، وانصرفوا، ولم يسلّموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، ثم جاء الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلى بهم ركعة، ثم سلّم، فقام هؤلاء، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي القبلة، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا (١). وروى أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن مروان، عن أبي هريرة ﵁، قال: صليت مع النبيّ ﷺ صلاة الخوف، فذكر مثل حديث ابن مسعود سواء (٢). وأما الثوري فخَيَّرَ في صلاة الخوف على ثلاثة أوجه: (أحدها): حديث ابن مسعود ﵁ الذي ذهب إليه أبو حنيفة. (والثاني): حديث أبي عياش الزُّرقي، وإليه ذهب ابن أبي ليلى جملةً، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه إذا كان العدوّ في القبلة. (والثالث): حديث ثعلبة بن زَهْدَم، عن حُذيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ بتصرف (٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ أن كل ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه فعله، يجوز العمل به، كما قال الإمام أحمد وغيره، وأن اختيار بعض الكيفيات يكون على حسب المصالح المترتبة عليه، فأيّ كيفية كانت أحوط في

стр. 9635

الحراسة، فهي الأولى بالنسبة لتلك الحالة، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَوْفِ، وَيَقُولُ: صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا الْمَعْنَى). رجال هذا الحديث: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ لَمْ يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (فُلَيْحُ) بن سليمان بن أبي المغيرة الْخُزَاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، ويقال: فُليح لقبٌ، واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِهَذَا الْمَعْنَى) أي: بمعنى الحديث الماضي؛ يعني: أن فُليحًا روى حديث صلاة الخوف عن الزهري بمعنى حديث معمر عنه، لا بلفظه. [تنبيه]: رواية فُليح، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٣٠) فقال: (١٨٩٠) حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الربيع، ثنا فُليح (١)، عن الزهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، أنه كان يحدِّث عن صلاة الخوف، ويقول: صليتها مع رسول اللَّه ﷺ قال: كبّر رسول اللَّه ﷺ ، وصفٌ وراءه، فركع رسول اللَّه ﷺ ركعةً مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا، فأقبلوا على الحدوّ، وأقبلت طائفة أخرى، فصلَّوا مع رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 9636

ففعل مثل ذلك، ثم سلَّم رسول اللَّه ﷺ ، فقام كل رجل من الطائفتين، فصلى لنفسه ركعة وسجدتين. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْض أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الْآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَلِّ رَاكِبًا، أَوْ قَائِمًا تُومِئُ إِيمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] وكان ربما دلس (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش -بتحتانية، ومعجمة- الأسديّ، مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥] لَمْ يصحّ أن ابن معين ليّنه (ت ١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر ﵄، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. و"ابن عمر" ﵄ ذُكر قبله.

стр. 9637

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وتقدَّم الكلام في ابن عمر ﵄ السند الماضي. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: صلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ) أي: في بعض غزواته، وأيام حروبه العدوّ، وقد سبق في رواية سالم أنه قال: "غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قبل نجد"، وهذه الغزوة غزوة غطفان، وكانت في ربيع سنة ثلاث (١). ولفظ البخاريّ في "التفسير" من طريق مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ كان إذا سئل عن صلاة الخوف، قال: يتقدّم الإمام، وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعةً، وتكون طائفةٌ منهم بينهم وبين العدو لَمْ يصلوا، فماذا صلى الذين معه ركعةً استأخروا مكان الذين لَمْ يصلوا، ولا يسلّمون، ويتقدم الذين لَمْ يصلوا فيصلّون معه ركعةً، ثم ينصرف الإمام، وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلّون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين. . . إلخ. (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ) الطائفة هي القطعة من الناس، قيل: أقلّ ما تُطلق عليه أربعة، وقال الشافعيّ: أقلها ثلاثة، وقال مجاهد: الواحد في فوقه، وهو قول قتادة، وأكثرها أربعون (٢). (وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ) بكسر الهمزة، ممدودًا: هو المقابل، والعدوّ ضدّ الصديق، يُطلق على الواحد وغيره، والمذكّر والمؤنّث، وربّما قيل: عدوّةٌ، وهو خلاف القياس؛ لأن فَعُولًا بمعنى فاعل لا

стр. 9638

يؤنّث، لكن حَمَلوه على مقابله، وهو صديق وصديقة (١). (فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا) إلى مكان الطائفة الذين لَمْ يصلّوا (وَجَاءَ الْآخَرُونَ) بفتح الخاء والمدّ جمع آخَر بوزن أَفْعَل (فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً) وفي رواية البخاريّ المتقدّمة: " فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعةً بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين". (قَالَ) أي: نافع (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ) أي: شديد، فالتنوين للتعظيم (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) بأن لا يمكن معه الانقسام والاصطفاف، وغير ذلك (فَصَلِّ) حال كونك (رَاكِبًا) على دابّة (أَوْ) صلّ حال كونك (قَائِمًا) على قدميك، حال كونك (تُومِئُ إِيمَاءً) ولفظ البخاريّ: "فإن كان خوفٌ هو أشدُّ من ذلك صَلَّوا رِجَالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها". قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد اللَّه بن عمر ذكر ذلك إلَّا عن رسول اللَّه ﷺ . انتهى. وحاصل المعنى أنه إذا اشتدّ الخوف، والتحم القتال، ووقعت المسايفة، أو اشتدّ الخوف من غير التحام القتال والمسايفة، صلَّوا كيفما أمكنهم، رجالًا، أو ركبانًا، إلى القبلة، أو إلى غيرها، يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ولا يؤخّرون الصلاة عن وقتها، وبهذا قالت الحنابلة، فيجوز عندهم الصلاة في شدّة الخوف، وحالة المسايفة، والتحام القتال، ماشيًا وراكبًا، وطالبًا ومطلوبًا، وكذا عند الشافعيّة، إلَّا لطالب عدوّ لا يخشى كرّهم عليه، أو انقطاعًا من رفقته، وكذا عند المالكيّة، ولكنهم قالوا: لا يصنعون ذلك حتى يخشوا فوت الوقت، وأيضًا اختلفوا في الطالب، فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي إلَّا بالأرض صلاة الأمن، وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك، وإن كان طالبًا، وحُكي ذلك عن مالك. وقالت الحنفيّة: لا تجوز الصلاة في حال المسايفة والقتال، ولا في حالة المشي مطلقًا؛ أي: لا طالبًا ولا مطلوبًا، وتجوز الصلاة راكبًا للمطلوب، ولو كانت الدابّة سائرةً، لا للطالب. قيل: قول ابن عمر في هذا الحديث: قيامًا

стр. 9639

على أقدامهم يؤيّد الحنفيّة في نفي الصلاة في حالة المشي، وإليه يظهر ميل البخاريّ حيث قال: "باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا" راجل: قائمٌ، قال الحافظ: يريد به أن المراد به ههنا القائم، ويُطلق على الماشي أيضًا، وهو المراد في "سورة الحجّ" ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ الآية. انتهى (١). وقال في "الفتح": قال ابن المنذر ﵀: كلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماءً، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعيّ: إلا أن ينقطع عن أصحابه، فيخاف عود المطلوب عليه، فيجزئه ذلك. قال: وعُرِف بهذا أن الطالب فيه التفصيل، بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرةٌ؛ لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدوّ. قال: وما نقله ابن المنذر متعقَّب بكلام الأوزاعيّ، فإنه قيّده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبًا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وذكر أبو إسحاق الفزاريّ في "كتاب السير" له عن الأوزاعيّ، قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صَلَّوا حيث وَجَّهوا على كل حال. انتهى (٢). وقال القرطبيُّ ﵀ بعد ذكره كلام ابن عمر المذكور ما نصّه: قال في "الموطّأ": مستقبل القبلة، وغير مستقبلها، وبهذا أخذ مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وعامّة الفقهاء، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، قال بعض علمائنا: بحسب ما يتمكّن منه، وقال جماعة من الصحابة، والسلف: يصلّي في الخوف ركعةً يومئ إيماءً، وقاله الضحّاك، قال: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتين حيث كان وجهه، وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إنما يصلي سجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة، وقال الأوزاعيّ نحوه، إذا تهيّأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعة، ولا على سجدة لم تجزه التكبيرة، وأخّرها حتى يأمنوا.

стр. 9640

ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة الخائف جملة متى تهيّأ له أن يأتي بها على وجهها، ويؤخّرها إلى أن يتمكّنوا من ذلك، واحتجّوا بتأخير النبيّ ﷺ يوم الخندق، ولا حجة لهم فيه؛ لأن صلاة الخوف إنما شُرِعت بعد ذلك على ما تقدّم. واختلف الذين قالوا بجواز ذلك للمطلوب في جواز ذلك للطالب، فمالك، وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما، وقال الشافعي، والأوزاعيّ، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن عبد الحكم: لا يصلّي الطالب إلا بالأرض. ثم اختلفوا فيما يباح له من العمل في الصلاة، فجمهورهم على جواز كل ما يحتاج إليه في مطاردة العدوّ، وما يضطرّ إليه من ذلك من مشيٍ ونحوه، وقال الشافعيّ: إنما يجوز من ذلك الشيء اليسير، والطعنة، والضربة، فأما ما كثُر فلا تجزئه الصلاة، ونحوه عن محمد بن الحسن. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب الأقوال القول بجوازه مطلقًا، سواء كان مطلوبًا أو طالبًا على حسب الإمكان راكبًا كان، أو ماشيًا، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: "قال ابن عمر. . . إلخ" ظاهره أن هذا الكلام موقوف على ابن عمر ﵄، قال الحافظ في "الفتح": وقد أخرج مسلم حديث ابن عمر، من طريق سفيان الثوريّ، عن موسى بن عقبة، فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهريّ، عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصلّ راكبًا أو قائمًا يومئ إيماءً. ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة موقوفًا كله، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أن عبد اللَّه بن عمر كان يخبر بهذا عن النبيّ ﷺ ، فاقتضى ذلك رفعه كله. وروى مالك في "الموطأ"، عن نافع كذلك، لكن قال في آخره: قال نافع: لا أرى عبد اللَّه بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبيّ ﷺ ، وزاد في آخره: "مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها"، وقد أخرجه البخاريّ من هذا الوجه في "تفسير سورة البقرة".

стр. 9641

ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا كله بغير شكّ، أخرجه ابن ماجه، ولفظه: قال رسول اللَّه ﷺ في صلاة الخوف: "أن يكون الإمام يصلي بطائفة"، فذكر نحو سياق سالم، عن أبيه، وقال في آخره: "فإن كان خوفٌ أشدّ من ذلك فرجالًا وركبانًا"، وإسناده جيد. والحاصل أنه اختُلِف في قوله: "فإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك" هل هو مرفوعٌ، أو موقوف على ابن عمر، والراجح رفعه، واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح"، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وفوائده في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٥] (٨٤٠) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ (٢) الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَالصَّفُ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا، قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ

стр. 9642

حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ) (١). رجال هذا الإِسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسَرة الْعَرْزميّ -بفتح المهملة، وسكون الراء، وبالزاي المفتوحة- الكوفيّ، ثقة (٢) [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، واسم أبيه أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَة، ولم يكثر ذلك منه (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ

стр. 9643

الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ) أي: جعلنا خلفه صفّين (صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وفي الرواية التالية تعيين العدوّ الذين حاربوهم، قال: "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم مَيْلةً لاقتطعناهم، فأخبر جبريل النبيّ ﷺ ، فذكر لنا رسول اللَّه ﷺ ، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاةٌ هي أحبّ إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفّنا صفّين، والمشركون بيننا وبين القبلة. . . " الحديث. وروى أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي عيّاش الزُّرَقيّ ﵁ مثل حديث جابر ﵁، وزاد تعيين محلّ الصلاة أنها كانت بعُسفان، فالظاهر أن جابرًا ﵁ روى القصّتين معًا؛ أي: قصّة صلاة الخوف بغزوة ذات الرّقاع، وكان العدوّ فيها في غير جهة القبلة، وقصّة صلاة الخوف بغزوة عُسفان، وكان العدوّ فيها وجاه القبلة، واللَّه تعالى أعلم (١). (فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي: للدخول في الصلاة (وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا) أي: كبّر الصفان كلاهما معه ﷺ (ثُمَّ رَكَعَ) أي: بعد القراءة (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ) أي: هبط وخرّ لأجل السجود (وَالصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ) أي: وانحدر الصفّ الذي يقرب منه ﷺ ، وهو عطف على الضمير المتصّل من دون تأكيد؛ لوجود الفصل (وَقَامَ) أي: بقي قائمًا (الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) أي: في مقابلتهم، ونحر كل شيء أوله (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ) أي: أدّاه، وفرغ منه (وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ) أي: رفعوا رؤوسهم من السجود، وقاموا معه ﷺ إلى الركعة الثانية (انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا) من سجودهم (ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أي: إلى مكان الصفّ الأول (وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ) قيل: الحكمة في التقدّم والتأخّر حيازةُ فضيلة المعيّة في الركعة الثانية؛ جبرًا لما فاتهم من المعيّة في الركعة الأولى، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9644

(ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي: بعد أن قام، وقرأ الفاتحة والسورة (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفَّ الْمُؤَخَّرُ) أي: الذي كان مقدّمًا في الركعة الأولى (فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ) هكذا في بعض النسخ "نحور" بلفظ الجمع، وفي بعضها "نحر" بالإفراد (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا) وفي الرواية التالية: "فلما سجد الصفّ الثاني، ثم جلسوا جميعًا سلّم عليهم رسول اللَّه ﷺ ". والحديث دليلٌ على أنه إذا كان العدوّ في جهة القبلة فإنه يُخالف ما إذا لم يكن كذلك، فإنها تُمكن الحراسة مع دخولهم جميعًا في الصلاة، وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط؛ لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدوّ، فيتابعون الإمام جميعًا في القيام والركوع، ويَحرِس الصفّ المؤخّر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصفّ الأول، ويتقدّم الصفّ المؤخّر إلى محلّ الصفّ المقدّم، ويتأخّر المقدّم ليتابع المؤخّر الإمام في السجدتين الأخيرتين، فيصحّ مع كل من الطائفتين المتابعة في سجدتين. قال النوويّ ﵀: وحديث ابن عباس -أي: عند البخاريّ وغيره- نحو حديث جابر، لكن ليس فيه تقدم الصفّ، وتأخر الآخر، وبهذا الحديث قال الشافعيّ، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف إذا كان العدو في جهة القبلة، ويجوز عند الشافعيّ تقدم الصف الثاني، وتأخر الأول، كما في رواية جابر، ويجوز بقاؤهما على حالهما، كما هو ظاهر حديث ابن عباس. انتهى. قال في "المرعاة": والصفة المذكورة في حديث جابر ﵁ لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن ابن عمر، ولا رواية يزيد بن رُومان، ولا رواية جابر في غزوة ذات الرقاع، إلا أنه قد يقال: إنها تختلف باختلاف الأحوال. وقال الطحاويّ ﵀: ليس هذا بخلاف القرآن؛ لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدوّ في غير القبلة،

стр. 9645

وذلك ببيانه ﷺ ، ثمّ بيّن كيفيّة الصلاة إذا كان العدوّ في جهة القبلة. انتهى (١). (قَالَ جَابِرٌ) ﵁ (كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ) الجار والمجرور متعلّق بـ "يصنع" مقدّرًا؛ أي: صنع النبيّ ﷺ مثل ما يصنع الْحَرَس الآن بأمرائهم. و"الْحَرَسُ" بفتحتين: جمع حارس، هم: خَدَم السلطان المرتَّبون لحفظه وحِرَاسته، قال الفيّوميّ ﵀: حَرَسَهُ يَحْرُسُه، من باب قتل: حَفِظَه، والاسم: الْحِرَاسة، فهو حارسٌ، والجمع حَرَسٌ، وحُرَّاسٌ، مثلُ خادم وخَدَمٍ، وخُدَّام، وحَرَسُ السلطان: أعوانه، جُعِلَ عَلَمًا على الجمع لهذه الحالة المخصوصة، ولا يُستَعْمَل له واحد من لفظه، ولهذا نُسِب إلى الجمع، فقيل: حَرَسِيٌّ، ولو جُعِل الْحَرَسُ هنا جمعَ حارس لقيل: حارسيٌّ، قالوا: ولا يقال: حارسيّ، إلا إذا ذُهِبَ به إلى معنى الْحِرَاسة دون الجنس. انتهى (٢). وقوله: (هَؤُلَاءِ) بدل من "حَرَسُكم"، وقوله: (بِأُمُرَائِهِمْ) متعلّق بـ "يصنع"، وفي نسخة: "بأمرائكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وعلّقه البخاريّ في "المغازي" رقم (٤١٣٠). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٥ و ١٩٤٦] (٨٤٠)، و (النسائيّ) في "صلاة الخوف" (١٥٤٧ و ١٥٤٨) و"الكبرى" (١٩٣٥ و ١٩٣٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٣٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٩ و ٣٧٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٧٧)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٣٧٧)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٣١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤١٤ و ٢٤١٥ و ٢٤١٦ و ٢٤١٧

стр. 9646

و ٢٤١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٩٢ و ١٨٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أورد الإمام البخاريُّ ﵀ حديث جابر ﵁ في "صحيحه" هذا من طريق أبي الزبير معلّقًا مختصرًا، ولفظه: وقال معاذ: حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "كنّا مع النبيّ ﷺ بنخل. . . "، فذكر صلاة الخوف، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. انتهى. قال الحافظ ﵀ في "الفتح": أورده مختصرًا معلّقًا؛ لأن غرضه الإشارة إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة "ذات الرِّقاع"، لكن فيه نظر؛ لأن سياق رواية هشام، عن أبي الزبير هذه تدلّ على أنه حديث آخر في غزوة أخرى. وبيان ذلك أن في هذا الحديث عند الطيالسيّ وغيره: "أن المشركين قالوا: دعوهم، فإن لهم صلاةً هي أحبّ إليهم من أبنائهم، قال: فنزل جبريل، فأخبره، فصلى بأصحابه العصر، وصفّهم صفّين. . . "، فذكر صفة صلاة الخوف، وهذه القصّة إنما هي في غزوة عُسفان. وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زُهير بن معاوية، عن أبي الزبير، بلفظ يدلّ على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه: عن جابر ﵁، قال: "غزونا مع النبيّ ﷺ قومًا من جُهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما أن صلينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم مَيلَة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل النبيّ ﷺ بذلك، قال: وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحبّ إليهم من الأولاد. . . "، فذكر الحديث. وروى أحمد، والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ نزل بين ضَجْنَان وعُسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبّ إليهم من أبنائهم. . . "، فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف. وروى أحمد، وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقيّ ﵁، قال: "كنا مع النبيّ ﷺ بعُسفان، فصلّى بنا الظهر، وعلى

стр. 9647

المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلةً، ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه، هي أحبّ إليهم من أموالهم، وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر، ففرّقنا فرقتين. . . " الحديث، وسياقه نحو رواية زُهير، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو ظاهر في اتحاد القصّة. وقد روى الواقديّ من حديث خالد بن الوليد، قال: "لَمّا خرج النبيّ ﷺ إلى الحُديبية لقيته بعُسفان، فوقفت بإزائه، وتعرّضت له، فصلّى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نُغير عليهم، فلم يُعزَم لنا، فأطلع اللَّه نبيه ﷺ على ذلك، فصلى بأصحابه العصرَ صلاةَ الخوف. . . " الحديث، وهو ظاهر فيما قرّرته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصّتين معًا. فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصّة عُسفان، وأما رواية أبي سلمة، ووهب بن كيسان، وأبي موسى البصريّ عنه، ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب، وثعلبة. وإذا تقرّر أن أول ما صلّيت صلًا الخوف في عُسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صلّيت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عُسفان، فتعيّن تأخرها عن الخندق، وعن قُريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيَقْوَى القولُ بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر عقب الرجوع من الحديبية. وأما قول الغزاليّ: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات فهو غلطٌ واضحٌ، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره. وقال بعض من انتصر للغزاليّ: لعله أراد آخر غزوة صُلّيت فيها صلاة الخوف، وهذا انتصار مردود أيضًا؛ لما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان من حديث أبي بكرة ﵁ أنه صلّى مع النبيّ ﷺ صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة في غزوة الطائف باتفاق، وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 9648

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَقَالُوا إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَوْلَادِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنِ، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا (١)، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي، فَقَامُوا مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَالَ: كَمَا يُصَلِّي أُمَرَاؤُكمْ هَؤُلَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ،، إلا أنه يدلِّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. و"جَابِرٌ" ﵁ ذُكر قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢٣) من رباعيّات الكتاب.

стр. 9649

وقوله: (قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ) بضمّ الجيم، وفتح الهاء: اسم قبيلة من قُضاعة، وهو: جُهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، قاله في "اللباب" (١). وقوله: (ثُمَّ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض النسخ "الصفُّ الأول"، ولم يقع في أكثرها ذكر "الأول"، والمراد الصفُّ المقدم الآن. انتهى (٢). والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٧] (٨٤١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا، حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا، وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الثقة الحافظ المتقن العابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.

стр. 9650

٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه [٦] (ت ١٢٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢. ٥ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيميّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥. ٦ - (صالِحُ بْنُ خَوَّاتِ (١) بْنِ جُبَيْرٍ) بن جبير بن النعمان الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ع). رَوَى عن أبيه، وخاله، وسهل بن أبي حَثْمة، وروى عنه ابنه خَوّات، ويزيد بن رُومان، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، والقاسم بن محمد. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: قليل الحديث. رَوَى له الجماعة حديث صلاة الخوف هذا فقط. ٧ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) واسمه عبد اللَّه، وقيل: عامر، وقيل: هو سهل بن عبد اللَّه بن أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر بن عديّ بن جُشَم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يحيى، ويقال: أبو محمد المدنيّ. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن زيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة. وروى عنه ابنه محمد، وابن أخيه محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وبُشَير بن يسار، وصالح بن خوَّات، ونافع بن جبير بن مُطْعِم، وعروة بن الزبير، وأرسل عنه الزهريّ. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: بايع تحت الشجرة، وشَهِد المشاهد كلها إلا بدرًا، وكان دليل النبيّ ﷺ ليلة أُحد، قال ابن أبي حاتم: سمعت رجلًا من ولده سأله أبي عن ذلك، وأخبره به. وقال الواقديّ: مات النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه.

стр. 9651

قال ابن منده: قول الواقديّ أصحّ، وكذا جزم به ابن حبان، وأبو جعفر الطبريّ، وابن السكن، والحاكم أبو أحمد وغيرهم، ومنهم مَن عَيَّن مولده سنة ثلاث من الهجرة، وقال ابن القطان: قول أبي حاتم لا يصح عندهم البتة، والغلط فيه من هذا الرجل الذي لا يُدْرَى من هو؟ وإنما الذي بعثه النبيّ ﷺ خارِصًا أبوه أبو حثمة، وهو الذي كان دليل النبيّ ﷺ إلى أُحد، كذا ذكره ابن جرير وغيره. وتُوُفِّي ﵁ في أول خلافة معاوية ﵁ وهكذا ذكر ابن عبد البرّ. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اشتبه بسهل بن الحنظلية، فإنه مذكور بهذا الوصف، قال: وقرأت بخط الذهبيّ أظنّ سهلًا مات زمن معاوية. قال الحافظ: ويقويه حكمهم على رواية الزهريّ عنه بالإرسال، لكن الذي جزم به الطبري أن الذي مات في خلافة معاوية هو أبوه أبو حَثْمة، واللَّه أعلم. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٨٤١) و (١٥٤٠) وأعاده بعده و (١٦٦٩) وكرّره أربع مرّات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وأن القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو ستة أحاديث، راجع "تحفة الأشراف" (٣/ ٦١٢ - ٦١٩). شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح المهملة، وسكون المثناة، وقد سبق آنفًا الخلاف في اسمه، واسم أبيه، فلا تغفل.

стр. 9652

واتَّفَق أهل العلم بالأخبار على أن سهلًا كان صغيرًا في زمن النبيّ ﷺ ، إلا ما ذكر ابن أبي حاتم، عن رجل من ولد سهل أنه حدّثه أنه بايع تحت الشجرة، وشهد المشاهد، إلا بدرًا، وكان الدّليلَ للنبيّ ﷺ ليلة أُحُد. وقد تعقّب هذا جماعة من أهل المعرفة، وقالوا: إن هذه الصفة لأبيه، وأما هو فمات النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين، وممن جزم بذلك الطبريّ، وابن حبّان، وابن السكن،، وغير واحد، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلةً، ويتعيّن أن يكون مراد صالح بن خوّات في الرواية التالية: "عمن صلى مع رسول اللَّه ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف" غيرَهُ، والذي يظهر أنه أبوه، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى. أفاده في "الفتح" (١). [تنبيه]: الذي يظهر مما سبق أن هذه الرواية مرسلة؛ لأن الراجح أن سهل بن أبي حثمة لم يشهدها؛ حيث إنه كان صغيرًا في زمن النبيّ ﷺ ؛ لأنه كان ابن ثمان سنين حين موته ﷺ ، فلم يكن إذ ذاك في سنّ من يخرج في تلك الغزوة، فتكون روايته من مراسيل الصحابة، ومما يقوّي قول من قال: إن سهل بن أبي حثمة لم يشهد ذلك، قول صالح بن خوّات في الرواية التالية: "أن رسول اللَّه ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف"، ولم يقل: "صلى بنا" كما هو في رواية غيره، فيكون مراد صالح بن خوّات في الرواية التالية: "عمن صلى مع رسول اللَّه ﷺ . . . إلخ" غيره، واستظهر الحافظ ﵀ أن يكون أبوه (٢)، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ) الظاهر أن تلك الصلاة كانت في غزوة ذات الرّقاع، كما صُرّح به في الرواية التالية (فَصَفهُمْ خَلْفَهُ صَفيْنِ) ظاهر هذه الرواية يخالف الرواية التالية فإن في هذه يدلّ على أنه ﷺ جعلهم صفّين خلفه، وصلى بهم، وتلك ظاهرة في أنه جعلهم طائفتين: طائفة صفّت خلفه، وطائفة ذهبت لمواجهة العدوّ، ويُمكن أن يُجمع بينهما بالحمل على تعدّد الواقعة، ففي صلاة لَمّا كان العدوّ في جهة القبلة جعلهم صفّين،

стр. 9653

وصلّى بهم، وفي صلاة أخرى لَمّا كانوا في غير جهة القبلة، جعلهم طائفتين، واللَّه تعالى أعلم. (فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا، حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ) أي: خلف النبيّ ﷺ ، والصفّ الذي يليه؛ أي: صلّى أهل الصفّ الثاني لأنفسهم (رَكْعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا) أي: تقدّم أهل الصفّ الثاني على أهل الصفّ الأول (وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ) أي: وهم الذين صلّى بهم النبيّ ﷺ الركعة الأولى (فَصَلَّى بِهِمْ) أي: بأهل الصفّ الثاني الذين تقدّموا إليه (رَكْعَةً) أي: وهي الركعة الثانية (ثُمَّ قَعَدَ) النبيّ ﷺ (حَتَّى صَلّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا) أي: إلى أن صلّى أهل الصفّ الذين تأخّروا لأنفسهم (رَكْعَةً) أخرى (ثُمَّ سَلَّمَ) النبيّ ﷺ بهم جميعًا؛ أي: بأهل الصفّين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن أبى حثمة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٧] (٨٤١)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤١٣١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٣٧ و ١٢٣٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٦٥ و ٥٦٦)، و (النسائيّ) في "صلاة الخوف" (١٥٣٦ و ١٥٥٣) وفي "الكبرى" (١٩٢٤ - ١٩٤١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٥٩)، و (مالك) في "الموطأ" (١٦٤)، و (الشافعيّ) في "الرسالة" (ص ١٨٣ - ٢٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٤٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٤ و ٢٤٢٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٤٣٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣١٠)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٣٢٥ و ١٠٣٣١ و ١٠٣٤٦ و ١٠٣٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٩٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 9654

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٨] (٨٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ (١)، وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأثمُّوا لأنفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢١٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) الأسديّ، أبو رَوْح المدنيّ، مولى آل الزبير، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن ابن الزبير، وأنس، وعبيد اللَّه وسالم ابني عبد اللَّه بن عمر، وصالح بن خَوَّات بن جبير، وعروة بن الزبير، والزهريّ، وهو من أقرانه، وأرسل عن أبي هريرة. ورَوَى عنه هشام بن عروة، وعبيد اللَّه بن عمر، وأبو حازم سلمة بن دينار، ومعاوية بن أبي مُزَرِّد، وابن إسحاق، وخارجة بن عبد اللَّه بن سليمان بن زيد بن ثابت، ومالك، ويزيد بن عبد الملك النَّوْفليّ، وجرير بن حازم، وجماعة. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال

стр. 9655

غيره: قرأ القرآن على عبد اللَّه بن عباس بن أبي ربيعة، وقرأ عليه نافع بن أبي نُعَيم، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد عن الواقديّ وغيره: مات سنة ثلاثين ومائة، وكان عالِمًا كثير الحديث، ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (٨٤٢) و (١٥٠٤) و (٢٥٥٥) و (٢٩٧٢). ٤ - (صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ) ذُكر قبله. ٥ - (مَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قال في "الفتح": قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حَثْمة؛ لأن القاسم بن محمد رَوَى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاريّ، ولكن الراجح أنه أبوه خوّات بن جُبير؛ لأن أبا أويس رَوَى هذا الحديث عن يزيد بن رُومَان شيخ مالك فيه، فقال: عن صالح بن خوّات، عن أبيه، أخرجه ابن مَنْدَهْ في "معرفة الصحابة" من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوّات، عن أبيه، وجزم النوويّ في "تهذيبه" بأنه خوّات بن جُبير، وقال: إنه محقَّقٌ من رواية مسلم وغيره، وسبقه لذلك الغزاليّ، فقال: إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوّات بن جُبير، وقال الرافعيّ في "شرح الوجيز": اشتهر هذا في كتب الفقه، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حَثْمَة، وعمن صلى مع النبيّ ﷺ ، قال: فلعلّ المبهم هو خوّات والد صالح. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على رواية خوّات التي ذكرتها، وباللَّه تعالى التوفيق. ويَحْتَمِل أن صالحًا سمعه من أبيه، ومن سهل بن أبي حثْمة، فلذلك يُبهمه تارة، ويعيّنه أخرى، إلا أن تعيين كونها كانت ذات الرقاع إنما هو في روايته عن أبيه، وليس في رواية صالح، عن سهل أنه صلاها مع النبيّ ﷺ ، وينفع هذا فيما سنذكره قريبًا من استبعاد أن يكون سهل بن أبي حثمة كان في سنّ تاريخ من يَخْرُج في تلك الغَزَاة، فإنه لا يلزم من ذلك أن لا يرويها، فتكون روايته إياها مرسل صحابيّ، فبهذا يقوى تفسير الذي صلى مع النبيّ ﷺ -

стр. 9656

بِخَوّات، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو، آخره مثناة- أي: ابن جبير بن النعمان الأنصاريّ، وصالح تابعيّ ثقة، ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، وأبوه أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وهو صحابيّ جليل، أولُ مشاهده أُحدٌ، ومات بالمدينة سنة أربعين، أفاده في "الفتح" (٢). (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) سبق آنفًا أن الراجح أنه أبوه خَوّات ﵁ (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) -بكسر الراء-: جمع الرُّقعة، بمعنى الخِرْقة، وهي القطعة من الثوب، سُمِّيت هذه الغزوة ذات الرقاع؛ لأن الظَّهر كان قليلًا، وأقدام المسلمين نَقِبَت من الحَفَاء، فلفّوا عليها الخِرَق، وهي الرقاع، رواه البخاريّ ومسلم عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، وهو الصحيح في تسميتها، وقيل: لأنهم رقّعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجرة في ذلك الموضع، يقال لها: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تُشبه الرقاع. وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبّان، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك، فيه بُقَع، وهذا لعله مستند ابن حبّان، ويكون قد تصحّف جبل بِخَيْل.

стр. 9657

وقد رجّح السُّهيليّ، والنوويّ السبب الذي ذكره أبو موسى ﵁، ثم قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن تكون سُميت بالمجموع، وأغرب الداوديّ، فقال: سميت ذات الرِّقاع؛ لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، كذا في "الفتح" (١). [تنبيه]: اختُلف في هذه الغزوة متى كانت، فجنح البخاريّ في "الصحيح" إلى أنها كانت بعد خيبر، وعن ابن إسحاق أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، سنة أربع، وعند ابن سعد، وابن حبّان أنه كان في المحرّم سنة خمس، وقد تقدم الكلام في هذا في المسائل التي سبقت في أوّل "باب صلاة الخوف". ثم رأيت الإمام ابن القيّم ﵀ أجاد في هذا البحث، وأفاد، حيث قال ﵀: ثم غزا رسول اللَّه ﷺ بنفسه غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة، وقيل: في المحرم يريد محاربَ، وبني ثعلبة بن سعد بن غَطَفان، واستَعْمَل على المدينة أبا ذرّ الغفاريّ، وقيل: عثمان بن عفان، وخرج في أربعمائة من أصحابه، وقيل: سبعمائة، فلقي جمعًا من غَطَفان، فتواقفوا، ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف. هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغَزَاة، وصلاة الخوف بها، وتلقاه الناس عنهم، وهو مشكل جدًّا، فإنه قد صح أن المشركين حَبَسُوا رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. وفي "السنن"، و"مسندي أحمد والشافعيّ" -رحمهما اللَّه- أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فصلاهنّ جميعًا، وذلك قبل نزول صلاة الخوف، والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس. والظاهر أن النبيّ ﷺ أول صلاة صلاها للخوف بعُسفان، كما قال أبو

стр. 9658

عياش الزُّرَقيّ ﵁: كنا مع النبيّ ﷺ بعسفان، فصلى بنا الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غَفْلَةً، ثم قالوا: إن لهم صلاةً بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر، ففرَّقنا فرقتين، وذكر الحديث، رواه أحمد، وأهل "السنن". وقال أبو هريرة ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ نازلًا بين ضَجْنان وعُسفان محاصرًا للمشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم، أَجْمِعُوا أمركم، ثم ميلوا عليهم مَيْلَةً واحدةً، فجاء جبريل، فأمره أن يَقْسِم أصحابه نصفين، وذكر الحديث، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. ولا خلاف بينهم أن غزوة عُسفان كانت بعد الخندق، وقد صحّ عنه أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع، فعلم أنها بعد الخندق، وبعد عسفان. ويُؤَيِّد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شَهِدا ذات الرقاع، كما في "الصحيحين" عن أبي موسى، أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يَلُفُّون على أرجلهم الْخِرَق لَمَّا نَقِبَت. وأما أبو هريرة، ففي "المسند"، و"السنن" أن مروان بن الحكم سأله، هل صليت مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد. وهذا يدلّ على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد وَهِمَ وَهْمًا ظاهرًا، ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادَّعَى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرةً قبل الخندق، ومرةً بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها أو تاريخها، ولو صح لهذا القائل ما ذكره، ولا يصحّ لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى؛ لما تقدم من قصة عُسفان، وكونِها بعد الخندق، ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ، وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ﵀ وغيره، لكن لا حيلة لهم في قصة عُسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق.

стр. 9659

فالصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع إلى ما بعد الخندق، بل بعد خيبر، وإنما ذكرناها ها هنا تقليدًا لأهل المغازي والسير، ثم تبيّن لنا وهمهم، وباللَّه التوفيق. ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق، ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر ﵁ قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول اللَّه ﷺ ، فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول اللَّه ﷺ معلَّق بالشجرة، فأخذ السيف فاخترطه، فذكر القصّة، وقال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. وصلاة الخوف إنما شُرِعت بعد الخندق، بل هذا يدل على أنها بعد عُسفان، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره ابن القيّم ﵀ بحثٌ نفيسٌ جدًّا، وحاصله أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد الخندق، بل بعد خيبر، وأنه ﷺ صلى فيها صلاة الخوف، وصلاها قبلها بعُسفان، وأول ما شُرعت صلاةُ الخوف بعُسفان، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (صَلَاةَ الْخَوْفِ) مفعول "صلى" (أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ) بالفاء هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعضها: "صَلَّت معه"، وهما صحيحان، قاله النوويّ (٢). (وَطَائِفَةٌ) يَحْتَمل النصب عطفًا على "طائفةً"، والرفع على الابتداء؛ أي: وطائفة أُخرى، وقوله: (وُجَاهَ الْعَدُوِّ) بكسر الواو، وضمّها؛ أي: مقابله، منصوب على الظرفيّة، وهو معطوفٌ على "معه" في الوجه الأول، ومتعلّق بخبر المبتدأ على الوجه الثاني. قال النوويّ ﵀: قوله: "وطائفة وجاه العدو" هو بكسر الواو وضمها، يقال: وجاهه، وتُجاهه: أي: قبالته، والطائفة: الفِرْقة، والقطعة من الشيء، تقع على القليل والكثير، لكن قال الشافعيّ: أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقلّ من ثلاثة، فينبغي أن تكون الطائفة التي مع الإمام ثلاثة فأكثر،

стр. 9660

والذين في وجه العدوّ كذلك، واستَدَلَّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٠٢]، فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع، وأقل الجمع ثلاثة على المشهور. انتهى (١). (فَصَلَّى) النبيّ ﷺ (بالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ) لَمّا قام ﷺ إلى الركعة الثانية (ثَبَتَ) حال كونه (قَائِمًا، وَأَتَمُّوا) أي: أتمّت هذه الطائفة التي صلّت معه الركعة الأولى (لِأَنْفُسِهِمْ) بإضافة الركعة الثانية (ثُمَّ) بعد سلامهم من صلاتهم (انْصَرَفُوا) إلى العدّو (فَصَفُّوا) من باب نصر، يتعدّى ويلزم، والمراد هنا اللازم (وُجَاهَ الْعَدُوِّ) أي: وهم في غير حالة الصلاة، حيث انتهوا منها، وسلّموا (وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى) التي كانت مواجهة العدوّ إلى مكان الطائفة الأولى، فاقتدوا بالنبيّ ﷺ (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ) من صلاته ﷺ ، وهي الركعة الثانية له (ثُمَّ ثَبَتَ) ﷺ حال كونه (جَالِسًا) للتشهّد، ولم يخرج من صلاته بسلام (وَأَتَمُّوا) أي: الطائفة الثانية (لأَنْفُسِهِمْ) الركعة الأخرى، وجلسوا معه في التشهّد (ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) أي: معهم؛ ليحصل لهم فضيلة التسليم معه ﷺ ، كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه، وقد صلى كل طائفة معه ﷺ ركعةً، وركعة لأنفسهم وُحدانًا، وهذه إحدى الكيفيات الثابتة في صلاة الخوف عن النبيّ ﷺ ، وقد اختارها الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وقد تقدّم تحقيق ذلك قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صالح بن خَوّات، عمن صلّى مع رسول اللَّه ﷺ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٨] (٨٤٢)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤١٢٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٣٨)، و (النسائيّ) في "صلاة الخوف"

стр. 9661

(١٥٣٧) و"الكبرى" (١٩٢٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٠)، و (الشافعيّ) في "الرسالة" في الفقرة (٥٠٩ و ٦٧٧) بتحقيق أحمد محمد شاكر، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٩٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٤٩] (٨٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ (١)، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ"، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٢ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو زيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلِّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه

стр. 9662

عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأبان، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه ﵄ أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق ابن شهاب، عن سِنَان بن أبي سِنَان الدُّؤَليّ، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أخبره أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد، فلما قَفَلَ رسول اللَّه ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثيرِ الْعِضَاه، فنزل رسول اللَّه ﷺ ، وتفرّق الناس في العضاه، يستظلون بالشجر، ونزل رسول اللَّه ﷺ تحت سَمُرة، فعلَّق بها سيفه. . . الحديث، وسيأتي نحوه للمصنّف في "الفضائل". (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ) أي: بالمكان الذي كانت به غزوة ذات الرقاع، وقد تقدّم الكلام في سبب تسميتها في الحديث الماضي (قَالَ) جابر ﵁ (كُنَّا) أي: معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل (إِذَا أَتَيْنَا) أي: مررنا (عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أي: مظلّلة؛ أي: ذات ظلّ كثيف؛ يعني: كثيرة الظلّ (تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي: لينزل تحتها، ويستظلّ بظلّها الكثيف؛ يعني: ففعلنا بذات الرقاع هذا الفعل، ونزل النبيّ ﷺ تحت شجرة؛ للاستراحة (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اسمه غَوْرث بفتح الغين المعجمة، وسكون الواو، وفتح الراء، وبالثاء المثلثة، وقيل: بضم أوله، مأخوذ من الغَرَث (١)، وهو

стр. 9663

الجوع، وحَكَى الخطابيّ فيه غُوَيرث بالتصغير، قاله في "العمدة" (١). وقال في "الفتح": و"غَوْرَث" وزانُ جَعْفَر، وقيل: بضم أوله، وهو بغين معجمة، وراء، ومثلثة، مأخوذ من الغرث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحَكَى الخطابيّ فيه غويرث بالتصغير، وحَكَى عياض أن بعض المغاربة قال في البخاري بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة. انتهى (٢). (وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ) الواو فيه للحال، والجملة الاسميّة في محلّ نصب على الحال (بِشَجَرَةٍ) أي: وهي الشجرة التي استظلّ بها النبيّ ﷺ (فَأَخَذَ) الرجل المشرك (سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ) لكونه وجده نائمًا (فَاخْتَرَطَهُ) -بالخاء المعجمة، والمثنّاة الفوقيّة، والراء، آخره طاء مهملة- أي: سلّه من غِمده، وهو غلافه (فَقَالَ) الرجل (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ) ﷺ : ("لَا") أي؟ لا أخافك (قَالَ) الرجل (فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟) برفع "يمنعُ"؛ لأن "من" استفهاميّة، تتضمّن معنى النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وكرّر ذلك في رواية البخاريّ ثلاث مرات. (قَالَ) ﷺ ("اللَّهُ) الذي سلّطك عليّ (يَمْنَعُني مِنْكَ) أي: يخلّصني من أذاك لي؛ إذ لا حول ولا قوّة إلا به. قال الطيبيّ ﵀: كان يكفي في الجواب أن يقول رسول اللَّه ﷺ : اللَّه، فبسط اعتمادًا على اللَّه، واعتضادًا بحفظه وكَلَئِه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. انتهى. وقال في "العمدة": قوله: "من يمنعك مني؟ " استفهام يتضمن النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وقوله: "اللَّه" أي: يمنعك اللَّه، قاله ثلاث مرات، فلم يبالِ ﷺ بقوله، ولا عَرَّج عليه؛ ثقة باللَّه، وتوكلًا عليه، فلما شاهد هذا الرجل تلك القوّة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحالة، تحقّق صدقه، وعَلِمَ أنه لا يصل إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدوٌّ متمكنٌ،

стр. 9664

بيده سيفٌ مشهورٌ، وموتٌ حاضرٌ، ولم يتَغَيَّرْ له ﷺ بحال، ولا حَصَلَ له رَوْعٌ ولا جَزَعٌ، وهذا من أعظم الكرامات، ومع اقتران التحدِّي يكون من أوضح المعجزات. انتهى (١). (قَالَ) جابر ﵁ (فَتَهَدَّدَهُ) أي: خوّفه (أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ظاهره يُشعر بأنهم حضروا القصّة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، فإنه وقع في رواية للبخاريّ بعد قوله: "فعلّق بها سيفه"، قوله: "قال جابرٌ: فنِمنا نومةً، فإذا رسول اللَّه ﷺ يدعونا، فجئنا، فإذا عنده أعرابيّ جالسٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده صَلْتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه ثلاثًا، ولم يعاقبه، وجلس"، فقد بيّنت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبيّ ﷺ بعد أن دعاهم، واستيقظوا من نومهم. ووقع في رواية أخرى للبخاريّ بعد قوله: "قلت: اللَّه، فشام السيف"، والمراد أغمده، وكأن الأعرابيّ لَمّا شاهد ذلك الثبات العظيم، وعَرَفَ أنه حيل بينه وبينه تحقّق صدقه، وعَلِمَ أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح، وأمكن من نفسه، واللَّه تعالى أعلم. (فَأَغْمَدَ السَّيْفَ) من الإغماد؛ أي: أدخله في غلافه (وَعَلَّقَهُ) أي: على مكانه. وعند ابن إسحاق: لَمّا نزل رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة نَزَعَ ثوبيه، ونَشَرَهما على الشجرة؛ لِيَجِفَّا من مطر أصابه، واضطجع تحتها، فقال الكفار لدعثور، وكان سيدهم، وكان شجاعًا: قد انفرد محمد، فعليك به، فأقبل ومعه صارمٌ حتى قام على رأسه، فقال: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : اللَّه، فدفع جبريل ﵊ في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه النبيّ ﷺ ، وقال: من يمنعك أنت مني اليوم؟ قال: لا أحد، فقال: قم، فاذهب لشأنك، فلما وَلَّى قال: أنت خير مني، فقال ﷺ : أنا أحق بذلك منك، ثم أسلم بعدُ، وفي لفظ: قال: وأنا أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأنك

стр. 9665

رسول اللَّه، ثم أتى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، وفي رواية البيهقيّ: فسقط السيف من يد الأعرابيّ، فأخذه رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "من يمنعك مني؟ "، قال: كن خير آخذ، قال: فتُسْلِمُ؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس. انتهى. ويُجمع بين قوله: "فها هو جالسٌ، ثم لم يُعاقبه"، وبين رواية ابن إسحاق بأن قوله: "فاذهب لشأنك" كان بعد أن أخبره الصحابة بقصّته، فمنّ عليه؛ لشدّة رغبته ﷺ في استئلاف الكفّار؛ ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤاخذه بما صنع، بل عفا عنه، وقد تقدّم أنه أسلم بعد ذلك، وأنه رجع إلى قومه، واهتدى به خلق كثير (١). (قَالَ) جابر ﵁ (فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذّن، وأقيم للصلاة (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) ثم سلّم وسلّموا (ثُمَّ تَأَخَّرُوا) أي: إلى جهة العدوّ (وَصَلَّى) النبيّ ﷺ متنفّلًا (بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى) أي: التي كانت في مواجهة العدوّ بعد مجيئها إليه ﷺ (رَكْعَتَيْنِ) ثم سلّم وسلّموا (قَالَ) جابرٌ ﵁ (فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) أي: بتسليمتين فرضًا ونفلًا (وَللْقَوْمِ رَكْعَتَانِ) فرضًا، واستُدِلّ به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفّل، كذا قرّره النوويّ وغيره، وهو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٩ و ١٩٥٠] (٨٤٣) وفي "الفضائل" ٥٩٥٠ (٢)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩١٠ و ٢٩١٣) و"المغازي" (٤١٣٤
следующие страницы →