(١٥٣٧) و"الكبرى" (١٩٢٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٠)، و (الشافعيّ) في "الرسالة" في الفقرة (٥٠٩ و ٦٧٧) بتحقيق أحمد محمد شاكر، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٩٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٤٩] (٨٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ (١)، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ"، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٢ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو زيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلِّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
стр. 9662
عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأبان، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه ﵄ أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق ابن شهاب، عن سِنَان بن أبي سِنَان الدُّؤَليّ، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أخبره أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد، فلما قَفَلَ رسول اللَّه ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثيرِ الْعِضَاه، فنزل رسول اللَّه ﷺ ، وتفرّق الناس في العضاه، يستظلون بالشجر، ونزل رسول اللَّه ﷺ تحت سَمُرة، فعلَّق بها سيفه. . . الحديث، وسيأتي نحوه للمصنّف في "الفضائل".
(حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ) أي: بالمكان الذي كانت به غزوة ذات الرقاع، وقد تقدّم الكلام في سبب تسميتها في الحديث الماضي (قَالَ) جابر ﵁ (كُنَّا) أي: معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل (إِذَا أَتَيْنَا) أي: مررنا (عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أي: مظلّلة؛ أي: ذات ظلّ كثيف؛ يعني: كثيرة الظلّ (تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي: لينزل تحتها، ويستظلّ بظلّها الكثيف؛ يعني: ففعلنا بذات الرقاع هذا الفعل، ونزل النبيّ ﷺ تحت شجرة؛ للاستراحة (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اسمه غَوْرث بفتح الغين المعجمة، وسكون الواو، وفتح الراء، وبالثاء المثلثة، وقيل: بضم أوله، مأخوذ من الغَرَث (١)، وهو
стр. 9663
الجوع، وحَكَى الخطابيّ فيه غُوَيرث بالتصغير، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": و"غَوْرَث" وزانُ جَعْفَر، وقيل: بضم أوله، وهو بغين معجمة، وراء، ومثلثة، مأخوذ من الغرث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحَكَى الخطابيّ فيه غويرث بالتصغير، وحَكَى عياض أن بعض المغاربة قال في البخاري بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة. انتهى (٢).
(وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ) الواو فيه للحال، والجملة الاسميّة في محلّ نصب على الحال (بِشَجَرَةٍ) أي: وهي الشجرة التي استظلّ بها النبيّ ﷺ (فَأَخَذَ) الرجل المشرك (سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ) لكونه وجده نائمًا (فَاخْتَرَطَهُ) -بالخاء المعجمة، والمثنّاة الفوقيّة، والراء، آخره طاء مهملة- أي: سلّه من غِمده، وهو غلافه (فَقَالَ) الرجل (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ) ﷺ : ("لَا") أي؟ لا أخافك (قَالَ) الرجل (فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟) برفع "يمنعُ"؛ لأن "من" استفهاميّة، تتضمّن معنى النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وكرّر ذلك في رواية البخاريّ ثلاث مرات.
(قَالَ) ﷺ ("اللَّهُ) الذي سلّطك عليّ (يَمْنَعُني مِنْكَ) أي: يخلّصني من أذاك لي؛ إذ لا حول ولا قوّة إلا به.
قال الطيبيّ ﵀: كان يكفي في الجواب أن يقول رسول اللَّه ﷺ : اللَّه، فبسط اعتمادًا على اللَّه، واعتضادًا بحفظه وكَلَئِه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "من يمنعك مني؟ " استفهام يتضمن النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وقوله: "اللَّه" أي: يمنعك اللَّه، قاله ثلاث مرات، فلم يبالِ ﷺ بقوله، ولا عَرَّج عليه؛ ثقة باللَّه، وتوكلًا عليه، فلما شاهد هذا الرجل تلك القوّة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحالة، تحقّق صدقه، وعَلِمَ أنه لا يصل إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدوٌّ متمكنٌ،
стр. 9664
بيده سيفٌ مشهورٌ، وموتٌ حاضرٌ، ولم يتَغَيَّرْ له ﷺ بحال، ولا حَصَلَ له رَوْعٌ ولا جَزَعٌ، وهذا من أعظم الكرامات، ومع اقتران التحدِّي يكون من أوضح المعجزات. انتهى (١).
(قَالَ) جابر ﵁ (فَتَهَدَّدَهُ) أي: خوّفه (أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ظاهره يُشعر بأنهم حضروا القصّة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، فإنه وقع في رواية للبخاريّ بعد قوله: "فعلّق بها سيفه"، قوله: "قال جابرٌ: فنِمنا نومةً، فإذا رسول اللَّه ﷺ يدعونا، فجئنا، فإذا عنده أعرابيّ جالسٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده صَلْتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه ثلاثًا، ولم يعاقبه، وجلس"، فقد بيّنت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبيّ ﷺ بعد أن دعاهم، واستيقظوا من نومهم.
ووقع في رواية أخرى للبخاريّ بعد قوله: "قلت: اللَّه، فشام السيف"، والمراد أغمده، وكأن الأعرابيّ لَمّا شاهد ذلك الثبات العظيم، وعَرَفَ أنه حيل بينه وبينه تحقّق صدقه، وعَلِمَ أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح، وأمكن من نفسه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَغْمَدَ السَّيْفَ) من الإغماد؛ أي: أدخله في غلافه (وَعَلَّقَهُ) أي: على مكانه.
وعند ابن إسحاق: لَمّا نزل رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة نَزَعَ ثوبيه، ونَشَرَهما على الشجرة؛ لِيَجِفَّا من مطر أصابه، واضطجع تحتها، فقال الكفار لدعثور، وكان سيدهم، وكان شجاعًا: قد انفرد محمد، فعليك به، فأقبل ومعه صارمٌ حتى قام على رأسه، فقال: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : اللَّه، فدفع جبريل ﵊ في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه النبيّ ﷺ ، وقال: من يمنعك أنت مني اليوم؟ قال: لا أحد، فقال: قم، فاذهب لشأنك، فلما وَلَّى قال: أنت خير مني، فقال ﷺ : أنا أحق بذلك منك، ثم أسلم بعدُ، وفي لفظ: قال: وأنا أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأنك
стр. 9665
رسول اللَّه، ثم أتى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، وفي رواية البيهقيّ: فسقط السيف من يد الأعرابيّ، فأخذه رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "من يمنعك مني؟ "، قال: كن خير آخذ، قال: فتُسْلِمُ؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس. انتهى.
ويُجمع بين قوله: "فها هو جالسٌ، ثم لم يُعاقبه"، وبين رواية ابن إسحاق بأن قوله: "فاذهب لشأنك" كان بعد أن أخبره الصحابة بقصّته، فمنّ عليه؛ لشدّة رغبته ﷺ في استئلاف الكفّار؛ ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤاخذه بما صنع، بل عفا عنه، وقد تقدّم أنه أسلم بعد ذلك، وأنه رجع إلى قومه، واهتدى به خلق كثير (١).
(قَالَ) جابر ﵁ (فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذّن، وأقيم للصلاة (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) ثم سلّم وسلّموا (ثُمَّ تَأَخَّرُوا) أي: إلى جهة العدوّ (وَصَلَّى) النبيّ ﷺ متنفّلًا (بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى) أي: التي كانت في مواجهة العدوّ بعد مجيئها إليه ﷺ (رَكْعَتَيْنِ) ثم سلّم وسلّموا (قَالَ) جابرٌ ﵁ (فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) أي: بتسليمتين فرضًا ونفلًا (وَللْقَوْمِ رَكْعَتَانِ) فرضًا، واستُدِلّ به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفّل، كذا قرّره النوويّ وغيره، وهو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٩٤٩ و ١٩٥٠] (٨٤٣) وفي "الفضائل" ٥٩٥٠ (٢)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩١٠ و ٢٩١٣) و"المغازي" (٤١٣٤
стр. 9666
و ٤١٣٥ و ٤١٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٦٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٥٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٨٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٦٠ و ٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٧ و ٢٤٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٩٦ و ١٨٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٥٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٩٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة حبّهم للنبيّ ﷺ ، وتعظيمهم له غاية التعظيم، وإيثارهم له على أنفسهم.
٢ - (ومنها): جواز تفرّق الناس عن الإمام في القائلة، وطلبهم الظلّ والراحة، ولكن ليس ذلك في غير رسول اللَّه ﷺ إلَّا بعد أن يبقى معه مَن يَحْرُسه من أصحابه؛ لأن اللَّه تعالى قد كان ضَمِنَ لنبيه ﷺ بأن يعصمه من أذى الناس.
٣ - (ومنها): جواز تعليق السيف بالشجرة في السفر عند النوم وقت القائلة.
٤ - (ومنها): أن حراسة الإمام في القائلة، وفي الليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.
٥ - (ومنها): بيان فرط شجاعته ﷺ ، وقوّة يقينه بربّه، وصبره على الأذى، وصفحه عن الجهال.
٦ - (ومنها): بيان أعظم معجزة للنبيّ ﷺ ، وعظيمِ عناية اللَّه بعصمته من أعدائه، فقد سقط السيف من يد ذلك الأعرابيّ دون أن يقاومه أحد من الناس، بل محض فضل من اللَّه تعالى، كما وعده بذلك، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٧ - (ومنها): جواز نوم المسافر إذا أَمِنَ، وأن المجاهد أيضًا إذا أَمِنَ نام ووضع سلاحه، وإن خاف فلا؛ لأن اللَّه تعالى أمر بأخذه، حيث قال: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].
стр. 9667
٨ - (ومنها): أن الإمام يدعو أتباعه إذا أنكر شخصًا.
٩ - (ومنها): جواز ترك الإمام معاقبة من جفا عليه، وتوعّده إن شاء، وإن أحب العفو عفا.
١٠ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل، كذا قرّره النوويّ في "شرحه"؛ جمعًا بينه وبين حديث جابر ﵁ الذي أخرجه النسائيّ (١٥٥٢) عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ "أن النبيّ ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلّم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلم".
وأخرجه أيضًا البغويّ في "شرح السنّة"، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخزف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلّم، ثم جاءت طائفة أخرى، فصلّى بهم ركعتين، ثم سلّم".
ومثله حديث أبي بكرة ﵁ أخرجه النسائيّ أيضًا (١٥٥١) ولفظه: "أن رسول اللَّه ﷺ صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلم، فصلى النبيّ ﷺ أربعًا".
فدلّ على أنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفّل؛ لأنه ﷺ متنفّل في الركعتين الأخيرتين قطعًا، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث قصّة معاذ ﵁، في "باب القراءة في العشاء" رقم [١٠٤٥] (٤٦٥) فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا (٢) مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ
стр. 9668
الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقَنْديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ، فاضلٌ، متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التَّنِّيسيّ، أصله من البصرة، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) وله (٦٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
والباقون ذُكروا قبله، و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
والحديث قد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الرابع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة الفجر ليلة الاثنين المباركة (٢٧/ ٧/ ١٤٢٧ هـ) الموافق (٢١ أغسطس - آب ٢٠٠٦ م).
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
стр. 9669
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السابع عشر مفتتحًا بـ ٧ - (كتاب الجمعة)، (١) - (بَابُ الأَمْرِ بِالغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ) رقم الحديث [١٩٥١] (٨٤٤).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 9670
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يوم الاثنين المبارك وقت أذان صلاة الفجر ١/ ٨/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء السابع عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.
٧ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:
(المسألة الأولى): في ضبط لفظ "الجمعة"، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به:
قال ابن منظور ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف "جُمْعَة"، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة -أي: بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرئ بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة -أي: بالضم- ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة -بسكون الميم- والْجُمُعَة -بضمها- والجُمَعَة -بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جُمُعات وجُمَع، وقيل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضُحَكَة يُكثر الضحك.
وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي ﷺ ، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في "الرَّوْض الأُنُف" أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإسلام، وهو أول من سمّاها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويُعْلِمهم أنه من
стр. 9671
ولده، ويأمرهم باتباعه ﷺ ، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها: [من البسيط]:
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ … إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلَانَا
انتهى المقصود من كلام ابن منظور ﵀ (١).
وقال في "الفتح": و"الجمعة" بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضًا.
واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يُسمّى في الجاهليّة العَرُوبةَ -بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة- فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جُمع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في "المبتدأ" عن ابن عباس ﵄، وإسناده ضعيف.
وقيل: لأن خلق آدم جُمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان ﵁، أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة ﵁، ذكره ابن أبي حاتم، موقوفًا بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعًا باسناد ضعيف.
وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه. ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا.
وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في "كتاب النسب" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره.
وقيل: إن قُصَيًّا هو الذي كان يَجمعهم. ذكره ثعلب في "أماليه".
وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهليّة، وإنما كان يُسمّى العَرُوبة. انتهى.
وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.
стр. 9672
وقال الجوهري: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن، كالسبت، والأحد، إلى آخرها.
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفرّاء وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاصّ (١).
وقال ولي الدين ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم مع حواء في الأرض، رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث سلمان الفارسيّ ﵁، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا سلمان ما يوم الجمعة؟ "، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "يا سلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم".
قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في أسماء الجمعة:
قال ولي الدين ﵀: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه اللَّه تعالى به، وله أسماء أُخر:
(الأول): يوم العروبة -بفتح العين المهملة-، وكان هو اسمه في الجاهلية، قال أبو جعفر النحّاس في كتابه "صناعة الكتاب": لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذًا، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملّة.
ثم اعترضه وليّ الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له هذه الأمة، كما في حديث الباب.
وقال أبو موسى المديني في "ذيله" على "الغريبين": والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي.
(الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحّاس؛ أي: مرتفع عال كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب.
стр. 9673
(الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" بإسناد ضعيف عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ ، عن جبريل ﵇ أنه قال: "ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد"، ذكره في أثناء حديث طويل.
(الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذيّ": وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أُسامة في "مسنده" من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضحّاك سمع من ابن عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحدًا من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس، وقد وُهِّمَ. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة.
واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]؛ لأن هذه السورة مدنيّة، وأنه لم يثبت أن النبيّ ﷺ كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ونصّ الإمام أحمد ﵀ على أن أول جمعة جُمّعت في الإسلام هي التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عُمير ﵁، وكذا قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما.
وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن النبيّ ﷺ كان يُصليها بمكة قبل أن يُهاجر.
واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في "الكبرى" (٣/ ١٦٥٥) من حديث مُعافَى بن عمران، عن إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، قال: "إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة مع رسول اللَّه ﷺ بمكة بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس".
وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس ﵄: "إن أوّل جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول اللَّه ﷺ في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين".
стр. 9674
وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: "إن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام بعد جمعة جُمّعت في مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة لَجُمعة جُمّعت بجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين". أخرجه أبو داود.
وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان.
فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية الجماعة عن إبراهيم بن طهمان.
ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمّع فيه بعد مسجد المدينة مسجد جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمّعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جُمّعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفَدُوا على رسول اللَّه ﷺ عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به -أيضًا- أن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمّعت بالمدينة في نَقيع الخَضِمَات قبل أن يقدَمَ النبيّ ﷺ المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ.
يدلّ على ذلك حديث كعب بن مالك ﵁ أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زُرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول اللَّه ﷺ من مكة في نقيع الخَضِمات في هَزْم النَّبيت من حَرَّة بني بياضة، قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال ﵀: أربعين رجلًا، أَخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلًا.
وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب "السير" له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه، قال: بَعَثَ رسولُ اللَّه ﷺ مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ ﷺ ، فقال: "اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى اللَّه بركعتين".
قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار، فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمّع بالناس.
قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني -أظنه في "أفراده"- من رواية أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، نا محمد بن عبد اللَّه، أبو زيد المدني، نا المغيرة بن عبد الرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن
стр. 9675
ابن عباس ﵄، قال: أذن رسول اللَّه ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يَستطع رسول اللَّه ﷺ أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عُمير: "أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى اللَّه بركعتين".
قال: فأوّل من جَمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك.
قال ابن رجب ﵀: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة.
وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمَّعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ ، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عُمير.
وروى عبد الرزاّق في "كتابه"، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن رسولَ اللَّه ﷺ أن يُجمّع بهم، فأذن له رسول اللَّه ﷺ ، وليس يومئذ بأمير، ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة.
وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جَمَّع؟ قال: رجل من بني عبد الدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي ﷺ ؟ قال: فمَهْ؟!.
وأخرجه الأثرم من رواية ابن عُيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم، فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير.
ولذلك نصّ الإمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبيّ ﷺ هو أَمَرَ مصعبَ بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونصّ أحمد أيضًا على أن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عمير، وقد تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ.
فتبيّن بهذا أن النبيّ ﷺ أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة، وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة.
وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في "خلافه الكبير"، وابن عَقيل في "عُمدة الأدلّة" وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره.
стр. 9676
وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة.
وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم من غير أمر النبي ﷺ بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله" ﵀: نا أبي، نا إسماعيل -هو ابن عُليّة- نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبّئت أن الأنصار قبل قُدوم رسول اللَّه ﷺ عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يومًا، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم اللَّه علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العَرُوبة -قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا في بيت أبي أُمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَتهم.
وروى عبد الرزّاق في "مُصَنَّفه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمّع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول اللَّه ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه كلّ ستة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يومًا نجتمع فيه، ونذكر اللَّه ، ونصلي، ونشكره، أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة، -وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكّرهم، فسمَّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زُرارة لهم شاة، فتغدَّوا، وتعَشَّوا من شاة واحدة ليلتهم، فأنزل اللَّه بعد: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩].
فوقع في كلام الإمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمّعها مصعب بن عُمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلًا.
قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا نظر، ويَحْتَمِل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهادهم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم
стр. 9677
جمّع بهم بأمر النبيّ ﷺ ، وكان الإسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن إقامة شعار الإسلام في المدينة.
وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيت أسعد بن زُرارة قبل ظهور الإسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبيّ ﷺ . انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ باختصار (١)، وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في خواص يوم الجمعة:
ذكر الإمام ابن قيّم الجوزية ﵀ للجمعة ثلاثًا وثلاثين خصوصية مفصَّلة، ودونك ملخّصها:
١ - قراءة سورة السجدة في فجره.
٢ - استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبيّ ﷺ فيه، وفي ليلته.
٣ - صلاة الجمعة.
٤ - الأمر بالاغتسال في يومها.
٥ - التطيب فيه.
٦ - السواك فيه.
٧ - التبكير للصلاة.
٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام.
٩ - الإنصات للخطبة وجوبًا لمن يسمعها على الأصحّ.
١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح.
١١ - عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
١٢ - قراءة "سورة الجمعة"، و"المنافقين"، أو "سبح"، و"الغاشية" في صلاة الجمعة.
١٣ - أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع.
١٤ - استحباب لبس أحسن الثياب فيه.
стр. 9678
١٥ - استحباب تجمير المسجد فيه.
١٦ - أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز للجهاد فقط.
١٧ - أن للماشي إلى الجمعة بكلّ خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها، وفيه حديث صححه ابن خزيمة.
١٨ - أنه يوم تكفير السيئات.
١٩ - أن جهنم تُسجر كل يوم إلا يوم الجمعة.
٢٠ - فيه ساعة الإجابة.
٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك.
٢٢ - أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على اللَّه تعالى، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالرسالة، وتذكير العباد بأيام اللَّه، وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها.
٢٣ - أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغ فيه للعبادة.
٢٤ - أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل اللَّه تعالى التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه.
٢٥ - أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام.
٢٦ - أنه يوم يتجلّى اللَّه فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربُهم إلى الإمام أقربَهم إلى الجنة.
٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم اللَّه به في كتابه بيوم الجمعة.
٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، إلا الإنس والجنّ، من أجل أن القيامة تقوم فيه.
٢٩ - أنه اليوم الذي ادّخره اللَّه لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب قبلهم.
стр. 9679
٣٠ - أنه خِيرَة اللَّه من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد ﷺ خيرته من خلقه.
٣١ - أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم (١).
٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. انتهى ما قاله ابن القيم ﵀ تعالى باختصار، وقد توسّع ﵀ تعالى في هذا الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك فليراجعه (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم. انتهى.
وقال ابن العربيّ ﵀: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة ﵀ في "المغني": أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وقد حَكَى الخطابي الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارميّ: وغلّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقيّ: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادّعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالوا: إن الجمعة فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب.
стр. 9680
وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، ثم قال: قلنا: له تأويلان:
أحدهما: أن مالكًا يطلق السنة على الفرض.
الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول اللَّه ﷺ ، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء. انتهى.
[ومن جملة الأدلّة] على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول اللَّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
[ومنها]: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرِضَ عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه له، فهم لنا فيه تبَعٌ، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد"، متّفق عليه.
وقد استنبط منه البخاري في "صحيحه" فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه "باب فرض الجمعة"، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية.
[ومنها]: حديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبيّ ﷺ ، قال: "الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض"، رواه أبو داود. وصححه غير واحد.
[ومنها]: حديث حفصة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، قال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم"، وهو حديث صحيح (١).
[ومنها]: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هَمَمت أن آمر رجلًا يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم"، رواه أحمد، ومسلم.
[ومنها]: حديث أبي هريرة، وابن عمر ﵃، أنهما سمعا رسول اللَّه ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين"، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره (٢).
стр. 9681
[ومنها]: حديث أبي الجَعْد الضَّمْري -وله صحبة- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ترك ثلاث جُمَع تهاونًا، طبع اللَّه على قلبه"، حديث صحيح، رواه الخمسة.
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: والحقّ أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة المذكورين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال قد رُدّ بأنه إرسال صحابيّ، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور.
وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبيّ ﷺ كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده ﷺ بأمره إلا في مسجده، وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر اللَّه تعالى به، وأمر رسوله ﷺ ، والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض تقريره ﷺ للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته ﷺ من المسلمين، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همّه بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين.
وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه ﷺ بأن ذلك الوعيد للمتخلفين.
وضيق مسجده ﷺ لا يدلّ على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل.
أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضًا، لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا.
لا يقال: عدم أمره ﷺ بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنا نقول: الطلب العامّ يقضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده ﷺ ، لا يمكنه الوفاء بما طلبه
стр. 9682
الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه، كما تقرر في الأصول. انتهى كلام الشوكانيُّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكانيُّ ﵀ في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا مرية فيه.
وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر لهم؛ لوضوح أدلته المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة:
(اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة -على ما ذكره في "الفتح"- خمسة عشر قولًا:
(الأول): تصحّ من الواحد، نقله ابن حزم، وحكاه الدارميّ عن القاشانيّ، وحُكي عن الحسن بن صالح.
(الثاني): اثنان كالجماعة، وهو قول النخعيّ، وأهل الظاهر.
(الثالث): اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحُكي عن الأوزاعيّ، وأبي ثور.
(الرابع): ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، ورُوي عن الأوزاعيّ، وأبي ثور أيضًا، واختاره المزنيّ، والسيوطيّ، وحكاه عن الثوريّ، والليث.
(الخامس): سبعة، وحكي عن عكرمة.
(السادس): تسعة، وحكي عن ربيعة.
(السابع): اثنا عشر، وحكي عن ربيعة في رواية، ونُقل عن الزهريّ، والأوزاعيّ، ومحمد بن الحسن.
(الثامن): مثله غير الإمام، نقل عن إسحاق.
(التاسع): عشرون، وهو رواية ابن حبيب عن مالك.
(العاشر): ثلاثون، في روايته أيضًا عن مالك.
(الحادي عشر): أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة.
(الثاني عشر): أربعون غير الإمام، رُوي عن الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة.
стр. 9683
(الثالث عشر): خمسون، رُوي عن أحمد، وفي رواية عن عمر بن عبد العزيز.
(الرابع عشر): ثمانون، حكاه المازريّ.
(الخامس عشر): جمع كثير بغير قيد، حُكي عن مالك، قال الحافظ: ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيُّ ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد.
وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث، والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصّ من رسول اللَّه ﷺ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع، والجمعة صلاة، فلا تختصّ بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها، وقد قال عبد الحقّ: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيُّ حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا: "الجمعة حقّ واجب على كل مسلم في جماعة. . . " الحديث، وقد تقدم أنه حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا؛ إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب الجمعة على أهلها:
стр. 9684
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَفوا في الأمصار والقرى التي يجب على أهلها الجمعة:
فقال طائفة: على كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمّعت بجُوَاثَى من البحرين".
وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمّعون، ولا يعيب ذلك عليهم.
وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة أن يُجمّعوا.
وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فيها، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع فيها، وقال الأوزاعي: كل مدينة، أو قرية عليها أمير، أُمرُوا بالجمعة، فليجمّع بهم أميرهم، وقال الليث بن سعد: كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم أمير أُمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم.
وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا القول عن عليّ ﵁، وبه قال النخعيّ، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، يقولان: لا جمعة إلا في مصر، أو قال: في الأمصار.
وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصّر الأمصار سبعة: المدينة، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر.
وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار، والمدائن، وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كل مصر، ومدينة فيها منبر وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود، قال: فهذا مصر جامع، فيه الجمعة.
وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلًا، والقرية: البناء بالحجارة، واللبن، والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يظعنون شتاءً، ولا صيفًا، إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلًا أحرارًا بالغين رأيت -واللَّه أعلم- أن عليهم الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت.
стр. 9685
هذا قول الشافعيّ، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم يشترطا الشروط التي اشترطها الشافعيّ.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز قولًا ثالثًا، أنه قال: أيما قرية فيها أربعون، فصاعدًا، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي هذه الرواية عن عمر أنه ذكر إمامًا يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واشترط الشافعيّ شروطًا لم يذكرها عمر بن عبد العزيز، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز، كتب عمر: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلًا، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب عليهم، وليصل بهم الجمعة.
وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام الجمعة، قال الوليد: سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟ قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال: نعم. وحكى غير الوليد عن الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة فليُجمّعوا، إذا كان فيهم أميرهم.
وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصرًا من الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة.
واحتجّ بحديث أبي هريرة ﵁، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله عن الجمعة بالبحرين، فكتب إليه أن جمّعوا حيثما كنتم.
وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا الجمعة ركعتين.
وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا نقول: إذا كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة، وبيوتها متصلة، ليس كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في القرية التي اتصل دُورها: فأرى أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم يكن.
стр. 9686
قال ابن المنذر: ورأيت في حكاية الميموني، عن أحمد أنه قال: كان عكرمة يقول: إذا كانوا سبعة جمّعوا، قال: ورأيته كأنه يعجبه.
وحكاية أحمد قولَ عكرمة قولٌ سابع.
قال ابن المنذر ﵀: أوجب اللَّه تعالى على الخلق اتباع كتابه، وسنن نبيه ﷺ ، قال اللَّه جلّ ذكره: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقال اللَّه جلّ ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، فاتباع ظاهر كتاب اللَّه يجب، ولا يجوز أن يُستثنى من ظاهر الكتاب جماعة، دون عدد جماعة بغير حُجّة، ولو كان للَّه في عدد دون عدد مرادٌ لبيّن ذلك في كتابه، أو على لسان نبيه ﷺ ، فلما عمّ، ولم يخصّ كانت الجمعة على كل جماعة في دار إقامة على ظاهر الكتاب، وليس لأحد مع عموم الكتاب أن يُخرج قومًا من جملته بغير حجة يُفزَعُ إليها، وهذا يلزم مَن مذهبُهُ القول بعموم الكتاب، وأن لا يُحال ظاهر منه إلى باطن، ولا عامّ إلى خاصّ، إلا بكتاب، أو سنة، أو اتفاق.
وقد اختلفت الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وقد ذكرناها، ولو لم تختلف الروايات عنه ما وجب الاستثناء من ظاهر الكتاب بقوله.
وليس لاحتجاج من احتجّ بقصة أسعد في أن لا تجزئ جمعة بأقلّ من أربعين حجةٌ؛ إذ ليس في شيء من الأخبار أن النبيّ ﷺ أمرهم إذا كان عددهم كذا أن يُصلّوا، وإن نقصوا من ذلك العدد لم يُصلّوا، إنما كتب أن يصلي بمن معه، ولو ورد كتاب النبيّ ﷺ ، وعددهم أقلّ من أربعين، فترك أن يصلي بهم لكان تاركًا لما أمره به.
ودفع بعض أهل العلم قول من زعم أن الجمعة إنما تُصَلّى في مصر، أو مدينة يكون فيها قاض ينَفِّذ الأحكام، ويقيم الحدود بأن بعض أصحابه قد صلى بالمدينة الجمعة، وليس فيها منبر، ولا قاض، ولا كانت الحدود تُقام بها في ذلك الوقت.
وقد صلى رسول اللَّه ﷺ أول ما قدم المدينة، وليس فيها منبر، وليس المنبر، والقاضي، والحدود من أمر الصلاة بسبيل.
стр. 9687
وقال أحمد بن حنبل في قول عليّ ﵁: "لا جمعة، ولا تشريق، إلا في مصر جامع": الأعمش لم يسمعه من سعد. انتهى كلام ابن المنذر ﵀-﵀ مختصرًا (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن المنذر ﵀ من وجوب الجمعة على كل جماعة في مكان، سواء كان مدينة، أو قرية بدون عدد معين، هو المذهب الراجح عندي؛ لوضوح أدلته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن يجب عليه شهود الجمعة:
ذهبت طائفة إلى أنه تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، روي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، وعطاء، ونافع، وعكرمة، والحكم، والأوزاعيّ.
واحتجوا بحديث "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله"، وهو حديث ضعيف جدًّا، فيه مُعارك بن عبّاد ضعيف، وعبد اللَّه بن سعيد المقبري، متروك، فلا يصح الاحتجاج به، كما قال الحافظ العراقيُّ ﵀.
وذهبت طائفة إلى أنها تجب على من سمع النداء، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، حكاه عنهم الترمذيّ، وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو، ومالك.
واحتجوا بحديث: "الجمعةُ على من سمع النداء"، رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عنعنةَ الوليد بن مسلم، وهو مدلّس، قاله العراقيُّ ﵀.
وروي عن مالك أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيّت من سور البلد، وعن عطاء تلزم مَن على عشرة أميال، وقال الزهريّ: مَن على ستة أميال، وقال ربيعة: مَن على أربعة أميال، وروي عن مالك ثلاثة، وروي عن الشافعيّ فرسخ، وكذا روي عن أحمد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي القول بوجوبها على من سمع النداء، أو كان في قوّة من يسمع؛ لكونه داخل المدينة؛ لعموم قوله
стр. 9688
تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية، ولحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم وغيره، قال: أتى النبيّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ اللَّه ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ "، قال: نعم، قال: "فأجب"، ورَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن ابن أم مكتوم، قال الحافظ العراقيّ ﵀: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة، فالقول به في خصوصية الجمعة أولى. انتهى، وهو بحث نفيسٌ.
وأما من لا يسمع النداء لبعد مكانه، أو لكونه خارج المدينة، فلا يجب عليه إتيانها؛ لعدم السماع، بل يجب عليهم إقامتها في محلهم؛ لكونهم من أهل وجوب الجمعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة الجمعة:
(اعلم): أنهم قد اختلفوا في وقت صلاة الجمعة، فذهب الجمهور، إلى أن وقتها بعد الزوال، فلا تصحّ قبله.
وذهب الإمام أحمد، وطائفة من السلف إلى أنها تجوز قبل الزوال.
قال الإمام البخاري ﵀: "بابٌ وقتُ الجمعة إذا زالت الشمس"، وكذلك يُروَى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حُريث ﵃.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهو قول أكثر الفقهاء، منهم الحسن، والنخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال.
قال: وحكى الماوردي في كتابه "الحاوي" عن ابن عباس ﵄ أنه تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور، وهو مشهور عن أحمد، حتى نُقل عنه أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، كذا قاله غير واحد من أصحابه.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في حديث أنس ﵁: "كنا نُبكّر بالجمعة، ونَقيل بعد الجمعة":
هذا مما يَستدلّ به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال؛ لأن التبكير، والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال، وقد ثبت أنهم كانوا في عهد عمر
стр. 9689
يُصلّون معه الجمعة، ثم يرجعون، فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدلّ على أن وقت الضحى كان باقيًا.
وكل ما استدل به من قال: تُمنع الجمعة قبل الزوال ليس نصًّا صريحًا في قوله، وإنما يدلّ على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال، أو على استحبابه، أما منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويَجمع بينها كلِّها، ولا يردّ منها شيئًا.
فروى جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجاج ﵀، عن عبد اللَّه بن سِيدَان، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصدّيق، فكانت خطبته، وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: مال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره. أخرجه وكيع في كتابه، عن جعفر به، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه، وخرّجه عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن جعفر به، وخرّجه الأثرم، والدارقطنيّ.
ورواه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه، عن وكيع، عن جعفر، واستدلّ به.
وهذا إسناد جيّد، وجعفر حديثه عن غير الزهري حجة يُحتجّ به. قاله الإمام أحمد، والدارقطني، وغيرهما.
وثابت بن الحجاج جزريّ تابعيّ معروف، لا نعلم أحدًا تكلم فيه، وقد خرّج له أبو داود.
وعبد اللَّه بن سيدان السلمي المطْرُديّ قيل: إنه من الربَذَة، وقيل: إنه جَزَريّ، يروي عن أبي بكر، وحُذيفة، وأبي ذرَ، وثقه العجليّ، وذكره ابن سعد في طبقة الصحابة، ممن نزل الشام، وقال: ذكروا أنه رأى النبيّ ﷺ ، وقال القُشيريّ في "تاربخ الرقّة": ذكروا أنه أدرك النبيّ ﷺ .
وأما البخاريّ، فقال: لا يُتابع على حديثه، كأنه يشير إلى حديثه هذا.
وقول ابن المنذر: إن هذا الحديث لا يثبت هو متابعة لقول البخاريّ، وأحمد أعرف بالرجال من كلّ من تكلّم في هذا الحديث، وقد استدلّ به، واعتمد عليه.
стр. 9690
وقد عَضَدَ هذا الحديث أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر، وعثمان، كانت بعد صلاة الجمعة، وصحّ عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة، وصلى العصر بمَلَل. خرجه مالك في "الموطأ".
وبين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر، ويبعد أن يلحق هذا السير بعد زوال الشمس.
وروى شعبة عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن سَلمَة، قال: صلى بنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الجمعة ضُحًى، وقَال: خشيت عليكم الحرّ.
وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا مُعاوية الجمعة ضحى.
وروى إسماعيل بن سميع، عن بلال العَبْسي، أن عمارًا صلى للناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تَزُل.
أخرج هذه الآثار كلها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ٢/ ١٠٧ - ١٠٨. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ باختصار وتصرف.
قال العلّامة الشوكاني ﵀ في كتابه "السيل الجَرَّار".
(اعلم): أن الأحاديث الصحيحة، قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال، كحديث سلمة بن الأكوع ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، قال: "كنّا نُجَمّع مع رسول اللَّه ﷺ إذا زالت الشمس".
وبعضها فيه التصريح بايقاعها قبل الزوال، كما في حديث جابر ﵁ عند مسلم، وغيره: "أن النبيّ ﷺ كان يصلي الجمعة، ثمّ يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول الشمس".
وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال، وحالَه، كما في حديث سهل بن سعد ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، قال: "ما كنّا نَقيلُ، ولا نتغدّي إلا بعد الجمعة". وكما في حديث أنس ﵁ عند البخاريّ، وغيره، قال: "كنّا نصلي مع النبيّ ﷺ الجمعة، ثمّ نرجع إلى القائلة، فنَقيل".
ومجموع هذه الأحاديث يدلّ على أنّ وقت صلاة الجمعة حال الزوال، وقبله، ولا موجب لتأويل بعضها.
стр. 9691
وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال، وذلك يدلّ على تقرر الأمر لديهم، وثبوته. انتهى (١).
وقال في "نيل الأوطار" عند شرح حديث سهل بن سعد ﵁: "ما كنا نَقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" ما حاصله: فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال، ووجه الاستدلال به أن الغداء، والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكوا عن ابن قُتيبة أنه قال: لا يُسمَّى غداء، ولا قائلة بعد الزوال، وأيضًا قد ثبت أن النبيّ ﷺ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكّر الناس، كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: "ما حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلا من فِي رسول اللَّه ﷺ ، وهو يقرؤها على المنبر كلّ جمعة".
وعند ابن ماجه من حديث أُبيّ بن كعب ﵁: "أن النبيّ ﷺ قرأ تبارك يوم الجمعة، وهو قائم يذكّر بأيام اللَّه"، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث عليّ، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃.
ولو كانت خطبته، وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ يُستظلّ به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة.
وأصرح من هذا حديث جابر ﵁ المتقدّم، فإنه صرّح بأن النبيّ ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها عند الزوال، ولا مُلجئ إلى التأويلات المتعَسَّفَة التي ارتكبها الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلامة الشوكانيُّ ﵀ هو الحق الذي ينبغي التمسك به؛ لوضوح أدلته.
وحاصله أنّ صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعده؛ لأنه غالب فعل النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين ﵃، ومن بعدهم، وهذا هو الصواب الذي لا يؤدي إلى التكلّف بتأويل كثير من النصوص، وإخراجه عن ظواهره، مع أنه لا مُلجئ إلى ذلك بعد أن ثبت عن كثير من السلف العمل
стр. 9692
بما دلّ عليه، كما أسلفناه في سوق تحقيق ابن رجب ﵁، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) - (بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥١] (٨٤٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلاني يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب ﵄، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢٣) من رباعيات الكتاب.
стр. 9693
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن البخاريُّ ﵀، وأنه هو السند المسمَّى بسلسلة الذهب: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وقد تقدم البحث فيه، غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) وفي رواية ابن وهب، عن مالك: أن نافعًا حدّثهم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) وفي نسخة: "عن عبد اللَّه بن عمر ﵄" أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ) المراد به الصلاة، أو المكان الذي تقام فيه الصلاة، وذَكَر الإتيان؛ لكونه هو الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورًا للمسجد، أو معتكفًا فيه.
وقال ولي الدين ﵀: ليس المراد بالمجيء إلى الجمعة أن يكون بينه وبين المكان الذي تقام فيه الجمعة مسافة، يَحتاج إلى قطعها، بل المقيم في المكان الذي يُجمَّع فيه حكمه كذلك، فالمجيء من مكان آخر ليس مقصودًا، وإنما المراد من أراد أن يُصلي الجمعة، فليغتسل، وإن كان سبب ورود الأمر بالغسل للجمعة أنهم كانوا ينتابون الجمعةَ من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في الغبار، فقال لهم النبيّ ﷺ : "لو تطهرتم ليومكم هذا"، كما في حديث عائشة ﵂ الآتي في الباب التالي، ولكن الحكم يعم الآتي مَن بَعُدَ، ومَن قَرُبَ، ومَن هو مقيم في مكان الجمعة، واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يؤيد ذلك حديث أبي سعيد ﵁ الآتي في الباب التالي: "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، فإنه أطلق الغسل، فعَمَّ من كان بعيدًا من الجمعة، ومن كان قريبًا لها، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9694
(فَلْيَغْتَسِلْ") ولفظ البخاريّ: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل"، ورواية المصنّف بلفظ: "إذا أراد" تبيّن أن المراد من "جاء" في هذه الرواية إرادة المجيء، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإن المعنى: إذا أردتم المناجاة، بلا خلاف.
ويقوِّي هذا حديثُ أبي هريرة ﵁ الآتي قريبًا: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح. . . " فإنه صريح في تأخير الرواح عن الغسل.
وعُرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجّ به على أن الغسل لليوم، لا للصلاة؛ لأن الحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد بيّن المرادُ في هذه الرواية، وقوّاه حديث أبي هُريرة ﵁ الآتي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا متَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١/ ١٩٥١ و ١٩٥٢ و ١٩٥٣ و ١٩٥٤] (٨٤٤)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٧٧ و ٨٩٤ و ٩١٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٩٢ و ٤٩٣)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٧٦ و ١٤٠٥) و"الكبرى" (١٦٧٦ و ١٦٧٨ و ١٦٧٧ و ١٦٧٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (٨٥)، و (الحميدي) في "مسنده" (٦٠٨ و ٦١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و ٤١ و ٤٢ و ٤٨ و ٥٥ و ٦٤ و ٧٥ و ٧٧ و ٧٨ و ١٠١ و ١٠٥ و ١١٥ و ١٤١ و ١٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٤٩ و ١٧٥٠ و ١٧٥١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": رواية نافع، عن ابن عمر ﵄ لهذا الحديث مشهورة جدًّا، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في "صحيحه"، فساقه من طريق سبعين نفسًا، رووه عن نافع.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما فاته، وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء
стр. 9695
مفرد؛ لغرض اقتضى ذلك، فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا.
(فمما يُستفاد منه هنا): ذكر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع عند أبي عوانة، وقاسم بن أصبغ: كان الناس يَغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة، جاءوا، وعليهم ثياب متغيّرة، فَشَكَوا ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل".
(ومنها): ذكر محلّ القول، ففي رواية الحَكَم بن عُتيبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول. . . ". أخرجه يعقوب الجصاص في "فوائده" من رواية اليسع بن قيس، عن الحكم، وطريق الحكم عند النسائيّ (٢٥/ ١٤٠٥) وغيره من رواية شعبة عنه بدون هذا السياق بلفظ حديث الباب، إلا قوله: "جاء"، فعنده "راح"، وكذا رواه النسائي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، ومنصور، ومالك، ثلاثتهم عن نافع.
(ومنها): ما يدلّ على تكرار ذلك، ففي رواية صخر بن جُويرية، عن نافع، عند أبي مسلم الكجيّ، بلفظ: "كان إذا خطب يوم الجمعة قال. . . " الحديث.
(ومنها): زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد، عن نافع، عند أبي عوانة، وابن خُزيمة، وابن حبان في "صحاحهم"، بلفظ: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل، ومن لم ياتها، فليس عليه غسل"، ورجاله ثقات، لكن قال البزّار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وَهِمَ فيه.
(ومنها): زيادة في المتن، والإسناد أيضًا، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، وابن حبان، وغيرهم من طُرُق، عن مفضّل بن فَضَالة، عن عيّاش بن عباس القتبانيّ، عن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجمعة واجبة على كل محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل".
قال الطبرانيّ في "الأوسط": لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بُكير، ولا عنه إلا عيّاش، تفرد به مفضل.
стр. 9696
قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ومن غيره من الصحابة، فقد ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ولا سيما مع اختلاف المتون. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرف (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَفوا في وجوب الغسل يوم الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أَعْجَزُ إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حقّ على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل، والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده، وتقاول عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شَعَرت أن أحدًا يرى أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني: البصرة-.
وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به، وكان مالك يقول: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي عنه حتى يغتسل لرواحه.
وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبد اللَّه بن مسعود: غسل يوم الجمعة سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يُؤَثِّم من تركه، وهو الراوي للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم.
وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا: الأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، والنعمان، وأصحابه.
ثم مال ابن المنذر ﵀ إلى ترجيح القول بالندبية، راجع كلامه في "الأوسط".
стр. 9697
وقال في "الفتح": واستُدلّ بقوله: "واجبٌ" على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمعٍ جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نصّ مالك على وجوبه، فَحَمَلَهُ من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه. انتهى.
والرواية عن مالك بذلك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب.
وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم.
وحكاه شارح "الغنية" لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب، وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتَمَلَ قوله: "واجب" معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتَمَل أنه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار. انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري، والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وهَلُمَّ جَرّا.
وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.
стр. 9698
وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن حُمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول، نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب "الهدي".
وحَكَى ابن المنذر عن إسحاق ابن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أوّلوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعصت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه تأويلًا مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط. انتهى.
стр. 9699
فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، ولهذا الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان:
إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه.
وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر، وكلها ضعيفة.
وعارضوا أيضًا بأحاديث:
(منها): الحديث: "وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا". قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير: الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقًا، فدلّ على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصحّ تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد. انتهى.
وقد سبق إلى ذلك الطبريّ والطحاويّ، وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما، ولم يقع التصريح بحكم المعطوف.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: إن سُلّم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أن يقول: أُخرج بدليل، فَيَبْقَى ما عداه على الأصل، وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيينة في "جامعه" عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر.
(ومنها): حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غفر له". أخرجه مسلم.
قال القرطبي: ذَكَرَ الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحّة، فدلّ على أن الوضوء كاف.
стр. 9700
وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في "الصحيحين" بلفظ: "من اغتسل"، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفيه نظر، بل ما قاله القرطبيّ هو الظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): حديث ابن عباس ﵄ أنه سئل عن غسل يوم الجمعة، أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبيّ ﷺ : "أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا"، قال ابن عباس: ثم جاء اللَّه بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسّع المسجد. أخرجه أبو داود، والطحاويّ، وإسناده حسن.
لكن الثابت عن ابن عباس خلافه، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس.
وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به.
(ومنها): حديث طاوس، قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جنبًا. . . " الحديث. قال ابن حبان بعد أن أخرجه: فيه أن غسل الجمعة يُجزئ عنه غسل الجنابة، وأن غسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يُجز عنه غيره. انتهى.
وهذه الزيادة: "إلا أن تكونوا جنبًا" تفرّد بها ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه شعيب عن الزهري بلفظ: "وإن لم تكونوا جنبًا"، وهذا هو المحفوظ عن الزهريّ.
(ومنها): حديث عائشة ﵂، بلفظ: "لو اغتسلتم"، ففيه عرض وتنبيه، لا