← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ومن غيره من الصحابة، فقد ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ولا سيما مع اختلاف المتون. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرف (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَفوا في وجوب الغسل يوم الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أَعْجَزُ إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حقّ على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل، والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده، وتقاول عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شَعَرت أن أحدًا يرى أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني: البصرة-. وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به، وكان مالك يقول: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي عنه حتى يغتسل لرواحه. وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبد اللَّه بن مسعود: غسل يوم الجمعة سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يُؤَثِّم من تركه، وهو الراوي للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم. وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا: الأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، والنعمان، وأصحابه. ثم مال ابن المنذر ﵀ إلى ترجيح القول بالندبية، راجع كلامه في "الأوسط".

стр. 9697

وقال في "الفتح": واستُدلّ بقوله: "واجبٌ" على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمعٍ جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه. قال ابن دقيق العيد: قد نصّ مالك على وجوبه، فَحَمَلَهُ من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه. انتهى. والرواية عن مالك بذلك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب. وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم. وحكاه شارح "الغنية" لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب، وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتَمَلَ قوله: "واجب" معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتَمَل أنه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار. انتهى. وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري، والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وهَلُمَّ جَرّا. وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.

стр. 9698

وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان. والجواب أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن حُمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل. وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول، نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب "الهدي". وحَكَى ابن المنذر عن إسحاق ابن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم. قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أوّلوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر. وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعصت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه تأويلًا مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط. انتهى.

стр. 9699

فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، ولهذا الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه. وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر، وكلها ضعيفة. وعارضوا أيضًا بأحاديث: (منها): الحديث: "وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا". قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير: الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقًا، فدلّ على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصحّ تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد. انتهى. وقد سبق إلى ذلك الطبريّ والطحاويّ، وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما، ولم يقع التصريح بحكم المعطوف. وقال ابن المنيّر في الحاشية: إن سُلّم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أن يقول: أُخرج بدليل، فَيَبْقَى ما عداه على الأصل، وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيينة في "جامعه" عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر. (ومنها): حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غفر له". أخرجه مسلم. قال القرطبي: ذَكَرَ الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحّة، فدلّ على أن الوضوء كاف.

стр. 9700

وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في "الصحيحين" بلفظ: "من اغتسل"، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفيه نظر، بل ما قاله القرطبيّ هو الظاهر، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): حديث ابن عباس ﵄ أنه سئل عن غسل يوم الجمعة، أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبيّ ﷺ : "أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا"، قال ابن عباس: ثم جاء اللَّه بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسّع المسجد. أخرجه أبو داود، والطحاويّ، وإسناده حسن. لكن الثابت عن ابن عباس خلافه، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس. وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به. (ومنها): حديث طاوس، قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جنبًا. . . " الحديث. قال ابن حبان بعد أن أخرجه: فيه أن غسل الجمعة يُجزئ عنه غسل الجنابة، وأن غسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يُجز عنه غيره. انتهى. وهذه الزيادة: "إلا أن تكونوا جنبًا" تفرّد بها ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه شعيب عن الزهري بلفظ: "وإن لم تكونوا جنبًا"، وهذا هو المحفوظ عن الزهريّ. (ومنها): حديث عائشة ﵂، بلفظ: "لو اغتسلتم"، ففيه عرض وتنبيه، لا

стр. 9701

حتم ووجوب. وأجيب بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام بوجوبه. ونقل الزين ابن المنيّر بعد قول الطحاويّ لمّا ذكر حديث عائشة: "فدلّ على أن الأمر بالغسل لم يكن للوجوب، وإنما كان لعلة، ثم ذهبت تلك العلّة، فذهب الغسل": وهذا من الطحاوي يقتضي سقوط الغسل أصلًا، فلا يُعدّ فرضًا، ولا مندوبًا، لقوله: زالت العلة إلخ، فيكون مذهبًا ثالثًا في المسألة. انتهى. ولا يلزم من زوال العلة سقوط الندب تعبّدًا، ولا سيما مع احتمال وجود العلة المذكورة. ثم إن هذه الأحاديث كلها لو سُلّمت لما دلّت إلا على نفي اشتراط الغسل، لا على الوجوب المجرد، كما تقدّم. وأما ما أشار إليه ابن دقيق العيد من أن بعضهم أوّله بتأويل مُستَكره، فقد نقله ابن دحية عن القدوريّ من الحنفية، وأنه قال: قوله: "واجب": أي: ساقط، وقوله: "على" بمعنى "عن"، فيكون المعنى أنه غير لازم. ولا يَخفَى ما فيه من التكلّف. وقال الزين ابن المنيّر: أصل الوجوب في اللغة: السقوط، فلما كان في الخطاب على المكلف عبء ثقيل كان كلُّ ما أُكّد طلبه منه يُسمّى واجبًا، كأنه سقط عليه، وهو أعمّ من كونه فرضًا أو ندبًا. وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثم تعقبه بأن اللفظ الشرعيّ خاصّ بمقتضاه شرعًا، لا وضعًا، وكأن الزين استشعر هذا الجواب، فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث. وأجيب بأن "وجب" في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى "مات"، وبمعنى "اضطرب"، وبمعنى "لزم"، وغير ذلك، والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى "لزم"، لا سيما إذا سيقت لبيان الحكم. وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر: "الجمعة واجبة على كل محتلم"، وهو بمعنى اللزوم قطعًا، ويؤيده أن في بعض طرق حديث الباب: "واجب كغسل الجنابة". أخرجه ابن حبان من طريق الدراورديّ عن صفوان بن سُليم، وظاهره اللزوم.

стр. 9702

وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية، لا في الحكم. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون لفظة "الوجوب" مغيّرة من بعض الرواة، أو ثابتة، ونسخ الوجوب. وردّ بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذي لا مستند له لا يُقبل، والنسخ لا يُصار إليه إلا بدليل. ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإن حديث عائشة أن ذلك كان في أول الحال، حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة، وابن عباس إنما صحبا النبي ﷺ بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أوّلًا، ومع ذلك، فقد سمع كل منهما منه ﷺ الأمر بالغسل، والحثّ عليه، والترغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النسخ بعد ذلك؟. انتهى ما في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر كلام الحافظ ﵀ أنه يميل إلى ترجيح القول بوجوب غسل الجمعة، وهو الواضح من الأدلّة المتقدّمة، لكن لمّا قامت الأدلة الصارفة عن الوجوب -كما تقدم تفصيلها، فيما سبق من البحث- تعيّن القول بالاستحباب الأكيد. وتلك الأدلّة وإن كان في بعضها مقال، إلا أن مجموعها صالح لصرف الوجوب إلى الاستحباب، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، ولا سيما حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة. . . " الحديث، فإنه صريح في الاجتزاء بالوضوء عن الغسل، وكقصة عمر مع عثمان ﵄ بمحضر جمٍّ غفير من الصحابة ﵃، وغير ذلك من الأدلة المتقدم ذكرها فيما سبق آنفًا. ولقد أجاد القول في هذه المسألة العلامة الشوكانيُّ ﵀ في كتابه "السيل الجرّار" فقال: الأحاديثُ الصحيحة في "الصحيحين" وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضيةٌ بالوجوب، كحديث: "غسلُ الجمعة واجب على كل محتلم"، وحديث: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، ونحوهما، وكحديث أبي هريرة في "الصحيحين" وغيرهما مرفوعًا: "حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام".

стр. 9703

ولكنه ورد ما يدلّ على عدم الوجوب، وهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن ماجه وابن خزيمة، من حديث الحسن البصريّ، عن سمرة مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فإن دلالة الحديث على عدم الوجوب ظاهرة واضحة، وقد أُعلّ بما وقع من الخلاف في سماع الحسن من سمرة، ولكنه قد حسنه الترمذيّ. ويُقوّي هذا الحديث أنه قد رُوي من حديث أبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد، وابن عباس، وجابر ﵃، كما حكى ذلك الدارقطني. قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس. وأخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد، وجابر. ويقوّيه أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفِرَ له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام". فإن اقتصاره ﷺ على الوضوء في هذا الحديث يدلّ على عدم وجوب الغسل، فوجب تأويل حديث: "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم" بحمله على أن المراد بالوجوب تأكيد المشروعيّة، جَمْعًا بين الأحاديث، وإن كان لفظ الوجوب لا يُصرَف عن معناه، إلا إذا ورد ما يدلّ على صرفه كما نحن بصدده، لكن الجمع مقدّم على الترجيح، ولو كان بوجه بعيد. انتهى كلام الشوكانيُّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حققه الشوكانيُّ ﵀ هو التحقيق الحقيق بالقبول، فإنه حسنٌ جدًّا؛ لأن الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن هو المتعيّن، ولا سيما إذا كان طريق الجمع واضحًا، كما نحن فيه. والحاصل أن غسل يوم الجمعة مستحب استحبابًا أكيدًا بحيث يستحقّ تاركه التعنيف، والإنكار الشديد عليه، كما تقدم من قصّة عمر، وعمار بن ياسر، وغيرهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، وعدمه: ذهب الجمهور إلى أن ذلك مستحبّ، ولا يشترط اتصاله به، بل متى اغتسل بعد الفجر أجزأه.

стр. 9704

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، والحكم، والشعبيّ، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال ابن وهب صاحب مالك (١). وقال الأثرم: سمعت أحمد سُئل عمن اغتسل، ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. يُشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وله صحبة: "أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يُحدث، فيتوضأ، ولا يُعيد الغسل" (٢). وذهب مالك إلى أنه يشترط أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب إلى الجمعة. وحكى ابن المنذر عن الأوزاعيّ، أنه قال: يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة، وحكى ابن حزم عن الأوزاعيّ أنه قال كقول مالك: لا يُجزئ غسل الجمعة إلا متصلًا بالرواح، قال: إلا أن الأوزاعي قال: إن اغتسل قبل الفجر، ونهض إلى الجمعة أجزأه، وحكى إمام الحرمين في "النهاية" وجهًا أنه يُجزئ قبل الفجر، كغسل العيد، قال النووي: وهو شاذ منكر (٣). واحتُجّ لمالك بحديث الباب: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل". قال ولي الدين ﵀: وجواب الجمهور عن هذا الحديث أنه تبيّن برواية مسلم تعليق الأمر بالغسل على إرادة إتيان الجمعة، وليس يلزم أن يكون إتيان الجمعة متصلًا بإرادة ذلك، فقد يريد عقب الفجر إتيانها، ويتأخر الإتيان إلى ما بعد الزوال، ولا شكّ أن كل من تجب عليه الجمعة، وهو مواظب على الواجبات إذا خطر له عقب الفجر أمر الجمعة أراد إتيانها، وإن تأخر الإتيان زمنًا طويلًا، وذلك يدلّ على أنه ليس المدار على نفس الإتيان، بل على إرادته، ليحترز به عمن هو مسافر، أو معذور بغير ذلك من الأعذار القاطعة عن الجمعة، واللَّه أعلم. انتهى (٤).

стр. 9705

وقال في "الفتح": ومقتضى النظر أن يقال: إذا عُرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتنظيف رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يُزيل تنظيفه، استُحبّ له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعلّ هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط اتصال الذهاب بالغسل، ليحصل الأمن مما يُغاير التنظيف، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن دقيق العيد ﵀: ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد أن يكون مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده، تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم -يعني: قوله: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"- وقد تبيّن من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة. قال: وفُهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة. وكذلك أقول: لو قدّمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لم يُعتدّ به. والمعنى إذا كان معلومًا كالنصّ قطعًا، أو ظنًّا مقارنًا للقطع، فاتباعه، وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ. وقد حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا فَعَل ما أمر به. وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، وأطال في تقرير ذلك بما هو بصدد المنع، والرّدُّ يفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، ولم يورد عن أحد ممن ذُكر التصريحَ بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد عنهم ما يدلّ على أنه لا يُشترط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال، أو بعده، والفرق بينهما ظاهر كالشمس، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحرّر مما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاغتسال بعد الفجر، وأن اتصاله بالذهاب غير لازم، وأنه

стр. 9706

لا يجزئ بعد صلاة الجمعة هو المذهب الحقّ؛ لوضوح أدلته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اغتسال من لا تجب عليه الجمعة، كالمسافر، والنساء، والصبيان: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَفَ أهل العلم في اغتسال المسافر يوم الجمعة، فقالت طائفة: ليس على المسافر يوم الجمعة غسل، هكذا قال عطاء، وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر يوم الجمعة. وقالت طائفة: يغتسل، وإن كان مسافرًا، روينا عن طلحة بن عُبيد اللَّه أنه اغتسل في السفر يوم الجمعة، وروي عن طاوس، ومجاهد، أنهما كانا يفعلان ذلك، وكان أبو ثور يقول: ولا يجب (١) ترك الغسل يوم الجمعة في سفر، ولا حضر. قال ابن المنذر ﵀: ليس على المسافر الاغتسال يوم الجمعة؛ لأن المأمور بالاغتسال من أتى الجمعة، وليس ذلك على من لا يأتيها. وقال أيضًا ﵀: واختلفوا في اغتسال النساء، والصبيان، والعبيد إذا حضروا الصلاة، فكان مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد، فليغتسل، وقال الشافعي في النساء والعبيد، والمسافرين، وغير المحتلمين إن شهدوا الجمعة أجزأتهم، وليغتسلوا، كما يفعل بهم إذا شهدوها (٢). وقالت طائفة: إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة. قال ابن المنذر: ظاهر قوله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل" يدلّ على أن الأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، فلا معنى لاغتسال من لا يأتي الجمعة من المسافرين، وسائر من رُخّص له في التخلف عن إتيان الجمعة. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، فظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال لليوم أتى، أو

стр. 9707

لم يأتها، وقول من أمر المسافر بالاغتسال يوم الجمعة يوافق ظاهر هذا الحديث. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول من قال: إن الغسل لمن أراد الإتيان إلى الجمعة هو الراجح عندي؛ لأن إطلاق حديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، مقيَّد بمفهوم حديث: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل"، وقد جاء مصرحًا به فيما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه" من طريق عثمان بن واقد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل، من الرجال والنساء"، قال ولي الدين ﵀: وإسناده صحيح. فدل على أن الاغتسال لصلاة الجمعة، لا لليوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الغسل للجنابة والجمعة واحد، أم لا؟: قال الإمام ابن المنذر ﵀: قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إن المغتسل للجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا يجزئه. وروينا هذا القول عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزئه. وأخرج عن ابن عمر ﵁، أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا. قال: وروينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه، مغتسلًا، فقال: للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال: فأعد غسلًا للجمعة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مذهب الجمهور في كون الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة إذا نواهما هو الحقّ، ويدلّ عليه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن مسلم الزهري، عن

стр. 9708

طاوس اليماني، قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جُنُبًا، ومسُّوا من الطيب"، قال: فقال ابن عباس: أما الطيب، فلا أدري، وأما الغسل، فنعم. انتهى. وجاء في هامش "الإحسان": هذا رواه شعيب، عن الزهري بلفظ: "وإن لم تكونوا جنبًا"، وروايته أصح (١). وقال في "الفتح": معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة، وأُخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة، سواء نواه أو لا، وفي الاستدلال على ذلك بُعْد. نعم رَوَى ابنُ حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهري في هذا الحديث: "اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا"، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية شعيب عن الزهري أصح. انتهى. والحاصل أن هذا الحديث يدل على أن الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة، إذا نواه عنهما. والظاهر أن استبعاد الحافظ الاستدلال به إنما هو في قوله: "نواه للجمعة أم لا"، لا في الاجتزاء بغسل واحد عنهما، وهو ظاهر؛ لأن العبادة المشتركة لا بد من نيّتهما معًا حال أدائها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن أحدث بعد الاغتسال: قال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في الرجل يغتسل للجمعة، ثم يُحدث، فاستحبت طائفة أن يعيد الاغتسال له. وبه قال طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وقال الحسن البصري: يعيد الغسل، وقال إبراهيم التيمي: كانوا يقولون: إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حالته التي كان عليها قبل أن يغتسل. وقالت طائفة: يُجزيه الوضوء، كذلك قال الحسن، ومجاهد، وكذلك

стр. 9709

كان يفعل عبد الرحمن بن أبزى، وقال مالك، والأوزاعي: يجزيه الوضوء. قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، وقد أتى من أحدث بعد الاغتسال بالغسل. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسن جدًّا. وحاصله: أن من اغتسل يوم الجمعة للجمعة، ثم طرأ عليه الحدث، فقد أتى بما أُمِر به، فإنه لم يؤمر بالصلاة بذلك الغسل، وإنما أمر بالنظافة في حال حضوره للجمعة، فإذا حصلت فقد امتثل الأمر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، كان وصيّ أبيه، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأخيه حمزة، وأبي هريرة، وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وإياس بن عبد اللَّه بن أبي ذُباب على خلاف فيه. ورَوَى عنه ابنه عبد العزيز، وابن أخيه عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن القاسم، والزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، وعبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمد بن عباد بن جعفر، وغيرهم.

стр. 9710

قال وكيع: كان ثقةً، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: وكان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن أبي عاصم في الصحابة، من أجل حديث أرسله، وقال يزيد بن هارون: كان أكبر ولد عبد اللَّه بن عمر، وقال الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش ووجوهها. قال الحافظ: وصفيّة كانت في عهد النبيّ ﷺ صغيرةً، فيكون مولده بعد وفاة النبيّ ﷺ (١). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس ومائة، وقال الهيثم بن عديّ: مات أول خلافة هشام (٢). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ (٣)، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٤٤)، وحديث (١٢٨٤): "غدونا مع رسول اللَّه ﷺ من منهى إلى عرفات. . . "، وأعاده بعده. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة؛ أي: حال كونه قائمًا على المنبر، يخطب الناس. [تنبيه]: قال الإمام النسائيُّ ﵀ بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: ما أعلم أحدًا تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهريّ يقولون: عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، بدل عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر. انتهى. أراد النسائيُّ ﵀ أن أكثر أصحاب الزهريّ يجعلونه عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، إلا الليث، فإنه جعله عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، وتابعه عليه ابن جريج، فرواه عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، وروايته أخرجها النسائيّ في "الكبرى" (٨/ ١٦٧٤) عن إبراهيم بن الحسن المِصِّيصيّ، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به.

стр. 9711

وقد أخرج مسلم أيضًا روايته في السند التالي، لكنه قرنه بسالم، كما يأتي. والحاصل أن الحديث صحيح عن الزهريّ بالطريقين: طريق سالم، عن أبيه، وطريق عبد اللَّه بن عبد اللَّه عن أبيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٣] (. . .).- (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي (٢) ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه، ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (١/ ٢٩٣) فقال: (١٣٠٢) أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفّار ببغداد، أنبأ أبو عبد اللَّه الحسين بن يحيى بن عياش القطّان، ثنا الحسن بن أبي الربيع، ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل".

стр. 9712

قال: وحدّثني ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال -وهو قائم على المنبر-: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". (١٣٠٣) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، فذكره عنهما جميعًا مدرجًا على اللفظ الأول، رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن رافع. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يَقُولُ بِمِثْلِهِ) يعني: أن يونس حدّث الزهريّ بمثل ما حدّث به الليث، عنه. [تنبيه]: رواية يونس عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٣٤ - ٤٤٥) فقال:

стр. 9713

(١٩٠٠) حدّثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم (ح) وثنا محمد بن إبرأهيم، ثنا أبو العباس بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو قائم على المنبر- يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٥] (٨٤٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وهم المذكورون في السند السابق، سوى: ١ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، مشهورٌ جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّاته. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه مرّتين.

стр. 9714

٥ - (ومنها): أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الراشدين جمّ المناقب، وأن عبد اللَّه أحد العبادلة الأربعة، وأكثر المكثرين من الرواية، جمّ المناقب أيضًا، وأن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبدًا للَّه بن عمر ﵄ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁. [تنبيه]: قال في "الفتح" ما حاصله: أورد البخاريّ هذا الحديث من رواية جويرية بن أسماء، عن مالك، وهو عند رواة "الموطأ" عن مالك ليس فيه ذكر "ابن عمر"، فحَكَى الإسماعيليّ، عن البغويّ بعد أن أخرجه من طريق رَوْح بن عُبادة عن مالك، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك، عبدَ اللَّه بن عمر غير رَوْح بن عُبادة، وجُوَيرية. انتهى. وقد تابعهما أيضًا عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه، بذكر ابن عمر. وقال الدارقطنيّ في "الموطأ": رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات عنه خارج "الموطأ" موصولًا عنهم، فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: وأبو عاصم النبيل، وإبراهيم بن طَهْمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب بن عطاء، وذكر جماعةً غيرهم، في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك. وزاد ابن عبد البرّ فيمن وصله عن مالك: القعنبيّ في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه. ورواه عن الزهريّ موصولًا بونس بن يزيد عند مسلم، ومعمر عند أحمد، وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ. ولِجُويرية بن أسماء فيه إسناد آخر أعلى من روايته عن مالك، أخرجه الطحاويّ وغيره من رواية أبي غَسّان، عنه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. انتهى (١).

стр. 9715

(بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تزاد فيها "ما"، فتصير "بينما"، وهما ظرف زمان، فيه معنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة فعليّة، أو اسميّة، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجواب "بينا" هنا قوله: "دخل رجلٌ". (هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية للبخاريّ: "إذ دخل رجل"، وفي بعض روايته: "إذ جاء رجلٌ". [تنبيه]: الرجل المذكور هو عثمان بن عفّان ﵁، كما سمّاه أبو هريرة ﵁ في الرواية التالية، وكذا سمّاه ابنُ وهب، وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطأ"، وكذا سماه معمرٌ في روايته عن الزهريّ، عند الشافعيّ وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك (١). (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأولين، من أصحاب النبيّ ﷺ ". وقوله: "من المهاجرين الأولين" قيل في تعريفهم: مَن صَلَّى إلى القبلتين، وقيل: مَن شَهِدَ بدرًا، وقيل: من شهد بيعة الرضوان، ولا شك أنها مراتب نسبية، والأول أولى في التعريف؛ لسبقه، فمن هاجر بعد تحويل القبلة وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة إلى من هاجر قبل التحويل، قاله في "الفتح" (٢). وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيُّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ … فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتِيْنِ أَوْ هُمُ … بَدْرِيَّةٌ أَقَبْلَ فَتْح أَسْلَمُوا (فَنَادَاهُ عُمَرُ) أي: قال له يا فلان (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟) "أَيَّةُ" بتشديد التحتانية تأنيث "أَيّ" يُستفهَم بها، وأنّث "أيّة" لأجل "ساعة"، ويجوز تذكيرها وتأنيثها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقرى في الشاذّ: "بأيّة أرض تموت"، وتقول: أيُّ امرأة جاءتك؟، وأيّةُ امرأة جاءتك؟، وشبّه سيبويه تأنيث "أيّة" بتأنيث "كل" في قولهم: "كلّهنّ"، قاله في "العمدة" (٣).

стр. 9716

و"الساعة": اسم لجزء من النهار مُقَدَّرٍ، وتُطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ، ولفظه: "فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟ "، وفي رواية مسلم التالية: "فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء". قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن عمر ﵁ قال ذلك كله، فَحَفِظ بعضُ الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طَوَت الملائكة الصحف، كما سيأتي قريبًا، وهذا من أحسن التعريضات، وأرشق الكنايات، وفَهِمَ عثمان ﵁ ذلك، فبادر إلى الاعتذار عن التأخر. انتهى (١). (فَقَالَ) عثمان ﵁: (إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ) ببناء الفعل للمفعول، وقد بَيَّنَ جهة شغله في رواية عبد الرحمن ابن مهدي حيث قال: "انقلبت من السوق، فسمعت النداء". (فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي) أي: لم أرجع إليهم، قال في "العمدة": الانقلاب: الرجوع من حيث جاء، وهو انفعال، من قَلَبْتُ الشيءَ: إذا كببته، أو رددته. انتهى (٢). (حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ) بكسر النون أشهر من ضمّها، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب (فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ) أي: لم أشتغل بشيء بعد أن سماعي للنداء إلا بالوضوء، وهذا يدل على أنه دخل المسجد في ابتداء شروع عمر ﵁ في الخطبة. (قَالَ عُمَرُ) ﵁ (وَالْوُضُوءَ أَيْضًا) فيه إشعار بأنه قَبِلَ عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتَّجَهَ له عليه فيه إنكار ثانٍ مضاف إلى الأول. قال في "الفتح": وقوله: "والوضوء" في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر النوويّ في "شرح مسلم": أي: والوضوءَ أيضًا اقتصرت عليه، أو اخترته دون

стр. 9717

الغسل، والمعنى: ما اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء. وجَوَّز القرطبيّ الرفع، على أنه مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: والوضوءُ أيضًا يُقْتَصَرُ عليه. وأغرب السُّهَيليّ، فقال: اتَّفَقَ الرواة على الرفع؛ لأن النصب يخرجه إلى معنى الإنكار؛ يعني: والوضوء لا ينكر، وجوابه ما تقدم، والظاهر أن الواو عاطفةٌ، وقال القرطبيّ: هي عوض عن همزة استفهام، كقراءة ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. انتهى (١). وقال في "العمدة": قوله: "والوضوء أيضًا" جاءت الرواية فيه بالواو، وحذفها، وبنصب "الوضوء" ورفعه، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول، وهو قوله: "أيّةُ ساعة هذه؟ "؛ لأن معنى الإنكار: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفَوَّتَّ فضيلة السبق، حتى أتبعته بترك الغسل، والقناعة بالوضوء؟، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولًا عليها بتلك اللفظة. وأما وجه حذف الواو فظاهر، ولكن يكون لفظ "الوضوءُ" بالرفع والنصب، أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حُذِف خبره، تقديره الوضوءُ أيضًا يُقْتَصَر عليه، ويجوز أن يكون خبرًا محذوفَ المبتدأ، تقديره: كفايتك الوضوءُ أيضًا، وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل، والتقدير: أتتوضأ الوضوءَ فقط؛ يعني: اقتصرتَ على الوضوء وحده. انتهى (٢). وقوله: (أَيْضًا) منصوب على أنه مصدرٌ، من آض يئيض؛ أي: عاد ورجع، قال ابن السِّكِّيت: تقول: فعلته أيضًا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. انتهى. وقال في "الفتح": وقوله: "أيضًا"؛ أي: ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل المرغَّب فيه. قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان ﵁ عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه؛ اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان

стр. 9718

ذاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل؛ لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالغسل، وكلٌّ منهما مُرَغَّبٌ فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره، واللَّه أعلم. انتهى (١). وقوله: (وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أنك قد علمت أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة، قاله في "العمدة" (٢). وقال في "الفتح": قوله: "كان يأمر بالغسل" كذا في جميع الروايات، لم يُذكَر المأمور، إلا أن في رواية جويرية، عن نافع، بلفظ: "كنا نؤمر"، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند الطحاويّ في هذه القصة: أن عمر قال له: لقد عَلِمَ أَنَّا أُمِرنا بالغسل، قلت: أنتم المهاجرون الأولون، أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، ورواته ثقات، إلا أنه معلول. وقد وقع في رواية أبي هريرة ﵁ في هذه القصة: أن عمر ﵁ قال: ألم تسمعوا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، كذا هو في "الصحيحين" وغيرهما، وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين الأولين. انتهى (٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى) حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٩٥٥] (٨٤٥)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٧٨)، و (الترمذيّ) في "الجمعة" (٤٩٤ و ٤٩٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٥٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩ و ٤٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠١)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9719

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالغسل للجمعة. ٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة القيام للخطبة، وأنه من سننها، وأنه على المنبر. ٣ - (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على من خالف السنّة، وإن كان عظيم القدر. ٤ - (ومنها): أن فيه مواجهةَ الإمام بالإنكار للكبير في مجمع من الناس؛ ليرتدع من هو دونه بذلك. ٥ - (ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها، وأنه يسقط منع الكلام عن المخاطب بذلك. ٦ - (ومنها): الاعتذار إلى ولاة الأمور. ٧ - (ومنها): إباحة الشغل والتصرّف يوم الجمعة قبل النداء، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر ﵁ لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصّة. ٨ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به مالك على أن السوق لا تُمنع يوم الجمعة قبل النداء؛ لكونها كانت في زمن عمر ﵁، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان ﵁ وإنما يجب السعي، وحرمة البيع والشراء بالأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر؛ لأنه هو الأصل، وبهذا قال الشافعيّ وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار، ثم اختَلَف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت، فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعيّ يجوز البيع مع الكراهة، وعند مالك، وأحمد، والظاهرية البيع باطل، ذكره في "العمدة" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأهل الظاهر هو الحقّ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): جواز شهود الفضلاء السوق، ومزاولة التجارة فيها. ١٠ - (ومنها): أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين.

стр. 9720

١١ - (ومنها): أنه قال القاضي عياض ﵀: فيه حجة لكون السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية. وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من التأخُّر إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل تقدم ما يدلّ على أنه لم يفت عثمان ﵁ من الخطبة شيءٌ، وعلى تقدير أن يكون فاته منها شيء فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهودها على من تنعقد به الجمعة، قاله في "الفتح" (١). ١٢ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ بعضهم بقوله: "كان يأمر بالغسل" أن الغسل يوم الجمعة واجب، وهذا الاستدلال ضعيفٌ؛ لأنه لو كان واجبًا لرجع عثمان حين كلمه عمر ﵄، أو لَرَدّه عمر حين لم يرجع، فلما لم يرجع، ولم يؤمر بالرجوع، وبحضرتهما المهاجرون والأنصار دَلّ على أنه ليس بواجب، وهذه قرينة على أن المراد من قوله ﷺ في الحديث الذي فيه: "فليغتسل" ليس أمر إيجاب، بل هو للندب الأكيد، وكذا المراد من قوله: "واجب" أنه في التأكّد كالواجب جمعًا بين الأدلة، قاله في "العمدة" (٢)، واللَّه تعالى أعلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٣) يَقُولُ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ").

стр. 9721

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) وله اثنتان وسبعون (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. و"عمر" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ) بتشديد الراء، من التعريض، يقال: عرّضتُ به تعريضًا: إذا قلت قولًا، وأنت تعنيه، فالتعريض خلاف التصريح من القول، قاله في "المصباح" (١). وقوله: (فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟) قال القرطبيّ ﵀: هذا إنكار منه على عثمان تأخّره عن وقت وجوب السعي، ثم عَذَرَ عثمان حين اعتذر بقوله: "ما زدت على أن توضّأت" يعني: أنه ذَهِلَ عن الوقت، ثم تذَكَّرَه، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مسوّغ. انتهى (٢). وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 9722

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٩٥٦] (٨٤٥)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٣٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ") [١٩٥٧] (٨٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْغُسْلُ يَومَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) الزهريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مُفْتٍ عابدٌ رُمِي بالقدر [٤] (ت ١٣٢) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] مات سنة أربع وتسعين، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، استُصْغِر بأُحُد، ثم شَهِدَ ما بعدها، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.

стр. 9723

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صفوان، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ﵄. [تنبيه]: لم تَخْتَلِف رواة "الموطأ" على مالك في إسناد هذا الحديث، وأنه من مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، وقد تابع مالكًا على روايته الدَّرَاوَرْديّ، عن صفوان، عند ابن حبان، وخالفهما عبد الرحمن بن إسحاق، فرواه عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أخرجه أبو بكر الْمَرُّوذيّ في "كتاب الجمعة"، له، قاله في "الفتح". (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) ظاهره أن الغسل حيث وُجِدَ فيه كَفَى؛ لكون اليوم جُعِل ظرفًا للغسل، وفي رواية للبخاريّ: "غسلُ يومِ الجمعة" بالإضافة، فيُستَدَلُّ به لمن قال: الغسل لليوم؛ للإضافة إليه، وقد تقدم ما فيه، واستُنْبِط منه أيضًا أن ليوم الجمعة غُسلًا مخصوصًا، حتى لو وُجدت صورة الغسل فيه لم يُجْزِ عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أَخَذ بذلك أبو قتادة، فقال لابنه، وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن جنابة فأَعِد غسلًا آخر للجمعة، أخرجه الطحاويّ، وابن المنذر، وغيرهما. ويَحْتَمِل أن تكون "أل" في رواية المصنّف للعهد، فتتفق الروايتان، أفاده في "الفتح". وقوله: (وَاجِبٌ) قال النوويّ ﵀: معناه: متأكّدٌ في حقّه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقّك واجبٌ عليّ؛ أي: متأكّد، لا أن المراد الواجب

стр. 9724

المتحتّم المعاقَبُ عليه. انتهى (١). (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ") أي: بالغ مُدرك، يقال: حَلَمَ الصبيّ، من باب نصر، واحْتَلَمَ: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالم، ومحتلمٌ (٢). وإنما ذَكَرَ الاحتلام؛ لكونه الغالبَ، وإلا فلو بلغ بالسنّ، أو غير ذلك، كان عليه الغسل. وقال القرطبيّ ﵀: خصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل، وهذا كما قال في حقّ النساء: "لا تُقبل صلاةُ حائض إلا بخمار" (٣)، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ، وفيه دليلٌ على أن الجمعة لا تجب على صبيّ، ولا امرأة؛ لأنه بَيّن محلّ وجوبها. انتهى (٤). قال الحافظ ابن رجبُّ ﵀ في "شرح البخاريّ": وقد اختَلَف العلماء في غسل الجمعة: هل هو واجبٌ -بمعنى: أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر، أم هو مستحبٌ- فلا ياثم بتركه بحال؟، ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة، وأنها تصح بدونه، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل، ولم يأمروه بالخروج للغسل. وقد استَدَلَّ -أيضًا- بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمر عمر عثمان ﵄ بالخروج له. وأجاب بعضهم عن ذلك: بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت. وأكثر العلماء على أنه يستحب، وليس بواجب. وذكر الترمذي في "جامعه" أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.

стр. 9725

وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك. وقد حُكِي عن عمر وعثمان، ومستند من حكاه عنهما: قصة عمر مع الداخل إلى المسجد؛ فإنه قد وقع في روايةٍ أنه كان عثمان. وممن قال: هو سنة: ابن مسعودٍ، وروي عن ابن عباسٍ، أنه غير واجبٍ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار: الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد -في ظاهر مذهبه-، وإسحاق، ورواه ابن وهبٍ عن مالكٍ، وأنه قيل له: في الحديث: هو واجبٌ؟ قال: ليس كل ما في الحديث: هو واجبٌ يكون كذلك، وهو اختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه. واستَدَلَّ من قال: ليس بواجبٍ: بما روي عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذي، وحسنَّه، وقد اختُلِف في سماع الحسن من سمرة، وأخرجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس -مرفوعًا- أيضًا، ويزيد، ضعيف الحديث. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن- النبي ﷺ ، قال: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام". وهذا يدل على أن الوضوء كافٍ، وأن المقتصر عليه غير آثمٍ ولا عاصٍ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب. وقد رُوي من حديث عائشة وابن عباسٍ ما يدلّ على ذلك، وسيأتي ذكره -إن شاء اللَّه تعالى-. وأما رواية الوجوب، فالوجوب نوعان: وجوب حتم، ووجوب سنةٍ وفضل. وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل، وروي عن أبي هريرة، والحسن، وروي -أيضًا- عن سعدٍ، وعمارٍ، وابن عباسٍ -في رواية أخرى عنه-، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن سليمٍ وغيرهم من المتقدمين.

стр. 9726

وحكي رواية عن أحمد، قال أحمد -في رواية حربٍ وغيره-: أخاف أن يكون واجبًا، إلا أن يكون بردٌ شديدٌ، وهذا لا يدل على لوجوب جزمًا، وهو رواية عن مالكٍ، ولم يذكر في "تهذيب المدونة" سواها. وذكر ابن عبد البر: أنه لا يعلم أحدًا قال: إنه يأثم بتركه، غير أهل الظاهر، وأن من أوجبه، قال: لا يأثم بتركه، وحَكَى -أيضًا- الإجماع على أنه ليس بفرض واجب. وذكر عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاءٍ: غسل الجمعة واجبٍ؟ قال: نعم، من تركه فليس بآثمٍ، قال عبد الرزاق: وهو أحب القولين إلى سفيان، يقول: هو واجبٌ؛ يعني: وجوب سنةٍ. وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء، وذكر أنه أشهر الروايتين عن مالكٍ. والثاني: أنه مستحب وليس بسنةٍ، بل كالطيب والسواك، وحكاه رواية عن مالكٍ. وحكى عن بعضهم: أن الطيب يغني عنه، حكاه عن عطاء الخراساني، وعن عبد الكريم بن الحارث المصري، وعن موسى بن صهيبٍ، قالَ: كانوا يقولون ذَلِكَ. وعن النخعيّ، قالَ: ما كانوا يرون غسلًا واجبًا إلا غسل الجنابة، وكانوا يستحبون غسل الجمعة. فابن عبد البر لم يُثبت في وجوب غسل الجمعة -بمعنى كونه فرضًا يأثم بتركه- اختلافًا بين العلماء المعتبرين، وإنما خَصَّ الخلاف في ذَلِكَ بأهل الظاهر. والأكثرون: أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف، كما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة وعمار، وعن مالكٍ -أيضًا-. والذي ذكره ابن عبد البر هوَ التحقيق في ذَلِكَ -واللَّه أعلم-، وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذَلِكَ ما جاء عن النَّبيّ ﷺ من إطلاق اسم الواجب عليهِ، وقد صرَّح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه، كما حمل أكثر العلماء كلام النَّبيّ ﷺ على مثل ذَلِكَ -أيضًا-.

стр. 9727

وممن صرح بهذا: عطاءٌ، كما سبق ذكره عنه، ومنهم: يحيى بن يحيى النيسابوري، والجوزجاني. وقد تبيّن بهذا أن لفظ الواجب ليس نصًا في الإلزام بالشيء والعقاب على تركه، بل قد يراد به ذَلِكَ -وهو الأكثر-، وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب. ولهذا قالَ إسحاق: إن كل ما في الصَّلاة فهوَ واجبٌ، وإن كانت الصَّلاة تعاد من ترك بعضه، كما سبق ذكره عنه، وسبق -أيضًا- عن الشافعي وأحمد في لفظ: الفرض ما يدل على نحو ذَلِكَ، فالواجب أولى؛ لأنه دون الفرض. ونص الشافعي -في رواية البويطي- على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ، ولكنها واجبةٌ وجوب السنة. وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجبًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب ﵀ بحث نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح حمل الوجوب المذكور في هذا الحديث على الأمر المتأكد، لا على الواجب الذي يأثم تاركه؛ جمعًا بين الأدلّة الظاهرة في ذلك. [فمنها]: حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم مرفوعًا: "من توضّأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا". [ومنها]: حديث عائشة ﵂ الآتي: فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، فإن هذا عرض وتحضيضٌ، وإرشاد، لا يقال مثله في الواجب. [ومنها]: تقرير عمر عثمان بمحضر من الصحابة ﵃ على اكتفائه بالوضوء، كما سبق بيانه.

стр. 9728

[ومنها]: حديث الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، قال الترمذيّ: حديث حسن، وقد اختُلف في سماع الحسن، عن سمرة في غير حديث العقيقة، لكن يشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم. والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة هو قول الجمهور، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، إلا عن الظاهريّة، كما سبق آنفًا عن ابن عبد البرّ، ومال إليه ابن رجب في كلامه السابق آنفًا، وقد استوفيت البحث في هذا في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٩٥٧] (٨٤٦)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٨)، و"الجمعة" (٨٧٩ و ٨٨١ و ٨٩٥ و ٢٦٦٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٤١ و ٣٤٤)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٧٥)، و"الكبرى" (١٦٦٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٨٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (٨٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٥٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٣٠٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٩٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و ٣٠ و ٦٠ و ٦٥)، و (الدارميّ) في "مسنده" (١٥٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٤٢ و ١٧٤٣ و ١٧٤٤ و ١٧٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٥٧ و ٢٥٥٨ و ٢٥٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٢٨ و ١٢٢٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٩٤ و ٣/ ١٨٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 9729

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٨] (٨٤٧) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي (١)، فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَان مِنْهُمْ، وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية- السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله ثلاث وثمانون سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعْرَف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكُلِّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، مولى بني كنانة، أو أمية، أبو بكر المصريّ، قيل: اسم أبيه يسار -بتحتانية، ومهملة- ثقةٌ، وكان فقيهًا عابدًا، قال أبو حاتم: هو مثل يزيد بن أبي حبيب [٥] (ت ٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن عميه: عبد اللَّه، ولم يسمع منه، وعروة، وعن ابن عمه،

стр. 9730

عباد بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وأخيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، والوليد بن كثير، وجماعة. قال ابن سعد: كان عالِمًا، وله أحاديث، وقال البخاريّ: قال لي زهير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم، وقال الدارقطنيّ: مدنيّ ثقةٌ، وذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٨٤٧)، وحديث (١١١٢): "تصدّق تصدّق، قال: ما عندي شيء. . . " الحديث، وأعاده بعده، و (١١٤٧): "من مات وعليه صيام صام عنه وليّه". ٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريبًا. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَنَ بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عبيد اللَّه، ومن بعده مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ) أي: يحضرونها نُوَبًا، والانتياب: افتعالٌ من النوبة، وهو المجيء مرّة بعد أخرى،

стр. 9731

قال في "القاموس": وانتابهم انتيابًا: أتاهم مرّةً بعد أُخرى. انتهى (١). وقال في "المصباح": وناوبته مناوبةً: بمعنى ساهمته مساهمةً، والنَّوْبةُ اسمٌ منه، والجمعُ نُوَبٌ، مثلُ قَرْيةٍ وقُرَى. انتهى (٢). وفي رواية: "يتناوبون" (مِنْ مَنَازِلهِمْ مِنَ الْعَوَالِي) بدل مما قبله، وفي بعض النسخ: "ومن العوالي" بالعطف، وهو: جمع العالية، وهي مواضع وقُرى بقرب المدينة، من جهة المشرق، من ميلين إلى ثمانية أميال، وقيل: أدناها من أربعة أميال (٣). (فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ) بفتح المهملة والمد: جمِع عباءة، وعباية، لغتان مشهورتان، وهو كساءٌ غليظٌ (٤). (وَيُصِيبُهُم الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ) وفي الرواية التالية: "كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكانوا يكون لهم تَفَلٌ" (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، وللإسماعيليّ: "ناس منهم " (وَهُوَ عِنْدِي) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه ﷺ جالس في بيتي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا") وفي الرواية التالية: "فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة"، و"لو" هنا للتمني، فلا تَحتاج إلى جواب، أو هي للشرط، والجوابُ محذوف، تقديره: لكان حسنًا، وقد وقع في حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود أن هذا كان مبدأ الأمر بالغسل للجمعة، ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه، وصَرَّح في آخره بأنه ﷺ قال حينئذ: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". قال في "الفتح": استدَلّت به عمرة -يعني: بنت عبد الرحمن- (٥) على أن غسل الجمعة شُرع للتنظيف لأجل الصلاة، فعلى هذا فمعنى قوله: "ليومكم هذا" أي: في يومكم هذا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9732

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٩٥٨ و ١٩٥٩] (٨٤٧)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٠٢ و ٩٠٣ و ٢٠٧١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٥٢)، و"الصلاة" (١٠٥٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٦٠٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٥٣ و ١٧٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٤ و ١٩٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٨٩ - ١٩٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب الأمر بالغسل للجمعة، وهو دفع التأذّي بالرائحة الكريهة ممن يحضر المسجد للجمعة. ٢ - (ومنها): رفق العالم بالمتعلم. ٣ - (ومنها): استحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير واجتناب أذى المسلم بكل طريق. ٤ - (ومنها): حرص الصحابة ﵃ على امتثال الأمر، ولو شق عليهم. ٥ - (ومنها): ما قال القرطبيُّ ﵀: فيه ردٌّ على الكوفيين حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر. وتُعُقّب بأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا، واللَّه أعلم (١). وقد اختلف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة؟، فالذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على من سمع النداء، أو كان في قوة السامع، سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله كما صَرّح به الشافعيّ ما إذا كان المنادي صَيِّتًا، والأصوات هادئةٌ، والرجل سميعًا.

стр. 9733

وفي "السنن" لأبي داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ مرفوعًا: "إنما الجمعة على من سمع النداء"، وقال: إنه اختُلِف في رفعه ووقفه. وأخرجه الدارقطنيّ من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا، ويؤيده قوله ﷺ لابن أم مكتوم: "أتسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "فأجب"، وقد تقدّم في صلاة الجماعة ذكر من احتج به على وجوبها، فيكون في الجمعة أولى؛ لثبوت الأمر بالسعي إليها. وأما حديث: "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله"، فأخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن أحمد أنه لم يره شيئًا، وقال لمن ذَكَره له: استغفر ربك. ومعناه: أنها تجب على من يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل، واستُشكِل بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجمعة تجب على من سمع النداء على الوصف الذي ذكره الشافعيُّ ﵀ في كلامه السابق هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، وأما حديث الترمذيّ: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، فحديث ضعيف جدًّا، ففي سنده عبد اللَّه بن سعيد متروك، والراوي عنه ضعيف أيضًا، فلا وجه لاستشكاله مع الآية، وقد استوفيت المسألة في المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا (٢) اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ (٣)، فَقِيلَ لَهُمْ: "لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ").

стр. 9734

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (اللَّيْثُ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصاريةّ المدنية، أكثرت عن عائشة ﵂، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧. و"عَائِشَةُ" ﵂ ذُكرت قبله. وقوله: (كانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ) أي: كانوا يزاولون الأعمال من الزراعة ونحوها بأنفسهم. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ) بضمّ الكاف: جمع كافٍ، كقاض وقُضاة، وهم الْخَدَمُ الذين يكفونهم العمل. (فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ) وفي نسخة: "التفل" معرّفًا، وهو بتاء مثنّاة من فوقُ، ثم فاء مفتوحتين: أي: رائحة كريهة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٠] (٨٤٦) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ"، إِلَّا

стр. 9735

أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ فِي الطِّيبِ: "وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، ولا سلف لابن حزم في تضعيفه، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختلط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، نسب لجدّه، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، وكان أسنّ من أخيه محمد [٤]. رَوَى عن عمه ربيعة بن عبد اللَّه بن الهدير، وعثمان بن عبد الرحمن التيميّ، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار. وروى عنه أخوه محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن الهاد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وبكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال، وإبراهيم بن عمرو، وشعبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا يُسَمَّى، وكذا قال النسائيّ: لا يوقف على اسمه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، قليل الحديث. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
следующие страницы →