قال في "القاموس": وانتابهم انتيابًا: أتاهم مرّةً بعد أُخرى. انتهى (١). وقال في "المصباح": وناوبته مناوبةً: بمعنى ساهمته مساهمةً، والنَّوْبةُ اسمٌ منه، والجمعُ نُوَبٌ، مثلُ قَرْيةٍ وقُرَى. انتهى (٢). وفي رواية: "يتناوبون" (مِنْ مَنَازِلهِمْ مِنَ الْعَوَالِي) بدل مما قبله، وفي بعض النسخ: "ومن العوالي" بالعطف، وهو: جمع العالية، وهي مواضع وقُرى بقرب المدينة، من جهة المشرق، من ميلين إلى ثمانية أميال، وقيل: أدناها من أربعة أميال (٣). (فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ) بفتح المهملة والمد: جمِع عباءة، وعباية، لغتان مشهورتان، وهو كساءٌ غليظٌ (٤). (وَيُصِيبُهُم الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ) وفي الرواية التالية: "كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكانوا يكون لهم تَفَلٌ" (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، وللإسماعيليّ: "ناس منهم " (وَهُوَ عِنْدِي) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه ﷺ جالس في بيتي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا") وفي الرواية التالية: "فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة"، و"لو" هنا للتمني، فلا تَحتاج إلى جواب، أو هي للشرط، والجوابُ محذوف، تقديره: لكان حسنًا، وقد وقع في حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود أن هذا كان مبدأ الأمر بالغسل للجمعة، ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه، وصَرَّح في آخره بأنه ﷺ قال حينئذ: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
قال في "الفتح": استدَلّت به عمرة -يعني: بنت عبد الرحمن- (٥) على أن غسل الجمعة شُرع للتنظيف لأجل الصلاة، فعلى هذا فمعنى قوله: "ليومكم هذا" أي: في يومكم هذا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9732
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٩٥٨ و ١٩٥٩] (٨٤٧)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٠٢ و ٩٠٣ و ٢٠٧١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٥٢)، و"الصلاة" (١٠٥٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٦٠٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٥٣ و ١٧٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٤ و ١٩٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٨٩ - ١٩٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب الأمر بالغسل للجمعة، وهو دفع التأذّي بالرائحة الكريهة ممن يحضر المسجد للجمعة.
٢ - (ومنها): رفق العالم بالمتعلم.
٣ - (ومنها): استحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير واجتناب أذى المسلم بكل طريق.
٤ - (ومنها): حرص الصحابة ﵃ على امتثال الأمر، ولو شق عليهم.
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيُّ ﵀: فيه ردٌّ على الكوفيين حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر.
وتُعُقّب بأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا، واللَّه أعلم (١).
وقد اختلف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة؟، فالذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على من سمع النداء، أو كان في قوة السامع، سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله كما صَرّح به الشافعيّ ما إذا كان المنادي صَيِّتًا، والأصوات هادئةٌ، والرجل سميعًا.
стр. 9733
وفي "السنن" لأبي داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ مرفوعًا: "إنما الجمعة على من سمع النداء"، وقال: إنه اختُلِف في رفعه ووقفه.
وأخرجه الدارقطنيّ من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا، ويؤيده قوله ﷺ لابن أم مكتوم: "أتسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "فأجب"، وقد تقدّم في صلاة الجماعة ذكر من احتج به على وجوبها، فيكون في الجمعة أولى؛ لثبوت الأمر بالسعي إليها.
وأما حديث: "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله"، فأخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن أحمد أنه لم يره شيئًا، وقال لمن ذَكَره له: استغفر ربك.
ومعناه: أنها تجب على من يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل، واستُشكِل بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجمعة تجب على من سمع النداء على الوصف الذي ذكره الشافعيُّ ﵀ في كلامه السابق هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، وأما حديث الترمذيّ: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، فحديث ضعيف جدًّا، ففي سنده عبد اللَّه بن سعيد متروك، والراوي عنه ضعيف أيضًا، فلا وجه لاستشكاله مع الآية، وقد استوفيت المسألة في المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا (٢) اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ (٣)، فَقِيلَ لَهُمْ: "لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ").
стр. 9734
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (اللَّيْثُ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصاريةّ المدنية، أكثرت عن عائشة ﵂، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
و"عَائِشَةُ" ﵂ ذُكرت قبله.
وقوله: (كانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ) أي: كانوا يزاولون الأعمال من الزراعة ونحوها بأنفسهم.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ) بضمّ الكاف: جمع كافٍ، كقاض وقُضاة، وهم الْخَدَمُ الذين يكفونهم العمل.
(فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ) وفي نسخة: "التفل" معرّفًا، وهو بتاء مثنّاة من فوقُ، ثم فاء مفتوحتين: أي: رائحة كريهة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٠] (٨٤٦) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ"، إِلَّا
стр. 9735
أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ فِي الطِّيبِ: "وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، ولا سلف لابن حزم في تضعيفه، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختلط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، نسب لجدّه، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، وكان أسنّ من أخيه محمد [٤].
رَوَى عن عمه ربيعة بن عبد اللَّه بن الهدير، وعثمان بن عبد الرحمن التيميّ، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار.
وروى عنه أخوه محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن الهاد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وبكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال، وإبراهيم بن عمرو، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يُسَمَّى، وكذا قال النسائيّ: لا يوقف على اسمه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، قليل الحديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 9736
٧ - (عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ) بن خَلْدة -بسكون اللام- الأنصاريّ الزُّرَقي -بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- ثقةٌ، من كبار التابعين [٢] (ت ١٠٤) ويقال: له رؤية (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٨ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك الأنصاريّ الخزرجيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١١٢) وله سبع وسبعون سنةً (خت م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٩ - (أَبُوهُ) أبو سعيد الخدريّ ﵄، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى بُكير، وبعده بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: بكير، عن أبي بكر، عن عمرو بن سُليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وفيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) هكذا في رواية المصنّف هنا "غسل الجمعة على كل محتلم" دون ذكر لفظًة "واجب"، قال النوويُّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول. انتهى. وقد سبق في الباب الماضي بلفظ: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، ووقع في رواية البخاريّ والنسائيّ ذكره هنا أيضًا، ولفظ البخاريّ: "الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم"، ولفظ النسائيّ: "غسل الجمعة واجب".
والمراد بالمحتلم البالغ، فيشمل مَن بلغ بالسنّ، أو الإحبال، والمراد بالبالغ من كان خاليًا عن عذر يُبيح الترك، وإلا فالمعذور مُستثنى بالأدلّة الأخرى.
стр. 9737
والمراد الذَّكَر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضًا الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون الإناث، وفيهنّ الحيض أكثر.
وعمومه يشمل المصلي وغيره، لكن الحديث الذي تقدّم بلفظ: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" يخصّه بالمصلي.
(وَسِوَاكٌ) بالرفع عطف على "غسلُ"، ولفظ النسائيّ: "والسواك" بالتعريف، وأفاد في شرح النوويّ أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي: ويُسنّ سواك.
(وَيَمَسُّ) بفتح الميم أفصح من ضمها، قال الفيوميُّ ﵀: مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة: مَسَسْتُهُ مَسًّا من باب قَتَلَ: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم: المَسيس، قال: ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ، وأمسستُ الجسد ماءً. انتهى.
قال السنديُّ ﵀: وهو خبر بمعنى الأمر.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه عطف على "الغسل" بحذف "أن" المصدريّة، وحذف "أن" ورفع الفعل جائز عند بعض النحاة، وهو الأصح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والتقدير هنا: والمسُّ منَ الطّيب.
وقوله: (مِنَ الطِّيبِ) "من" بيان مقدم لـ "ما" في قوله: (مَا قَدَرَ عَلَيْه") و"ما" مفعول "يمسّ"؛ أي: ومسُّ الشيء الذي قدر عليه من الطيب.
قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل إرادة التأكيد حتى يفعله بما أمكنه، ويَحْتَمِل إرادة التكثير، والأول أظهر، ويؤيده قوله: "ولو من طيب المرأة"، وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخَفِي ريحه، فإباحته للرجل هنا للضرورة؛ لعدم غيره، وهذا يدلّ على تأكده، واللَّه أعلم.
وقوله: (إلَّا أَنَّ بُكَيْرًا) استثناء منقطع؛ أي: لكن بُكير بن الأشجّ خالف سعيدَ بنَ أبي هلال في سند هذا الحديث، فـ (لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَن) بن أبي سعيد، بل جعله عن عمرو بن سُليم، عن أبي سعيد (و) خالف في متنه أيضًا بالزيادة، فـ (قَالَ في الطِّيب: "وَلَوْ منْ طيب الْمَرْأَة") يعني: أنه قال: ويَمُسُّ من الطيب، ولو من طيب المرأة.
و"لو" هنا وصلية، فلا تحتاج إلى جواب، والجار والمجرور خبر
стр. 9738
لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، وهو كثير في الاستعمال، كما قال في "الخلاصة":
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ … وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
أي ولو كان الممسوسُ كائنًا من طيب المرأة.
[فائدة]: "لو" تأتي للتقليل، كحديث: "رُدُّوا السائل ولو بظِلْف مُحْرَق"، حديث صحيح، رواه النسائيّ وغيره.
والمراد: ردّه بالإعطاء، ولو يسيرًا.
وإلى هذا أشار السيوطيُّ ﵀ في "الكوكب الساطع" بقوله:
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
وقلت في "التحفة المرضيّة":
وَجَا لِقِلَّةٍ كَـ "رُدُّوا السَّائِلَا" … وَمَصْدَرِيًّا عِنْدَ بَعْضِ النُّبَلَا
وقريب من هذا المعنى ما وقع في هذا الحديث، فكأنه يقول: لا تتركوا الطيب، ولو بأقلّ ما يُمكن، وهو أن يستعمل طيب النساء، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: في رواية البخاريُّ ﵀ في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجبٌ، وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم، أواجب هو أم لا؟، ولكن هكذا في الحديث. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال عمرو" أي: ابن سُليم راوي الخبر، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه.
وقوله: "وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم. . . إلخ" هذا يؤيد ما تقدم من أن العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، وكأن القدر المشترك تأكيد الطلب للثلاثة، وكأنه جزم بوجوب الغسل دون غيره؛ للتصريح به في الحديث، وتوقف فيما عداه؛ لوقوع الاحتمال فيه.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "وأن يستنّ" معطوفًا على الجملة المصرِّحة بوجوب الغسل، فيكون واجبًا أيضًا، ويَحْتَمِل أن يكون مستأنفًا، فيكون التقدير: وأن يستنّ، ويتطيب استحبابًا، ويؤيد الأول رواية الليث، عن خالد بن يزيد، حيث قال فيها: إن الغسل واجب، ثم قال:
стр. 9739
والسواك، وأن يمس من الطيب، وفي حديث ابن عباس: "وأصيبوا من الطيب"، وفيه تردد ابن عباس في وجوب الطيب.
وقال ابن الجوزيّ: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "وأن يستنّ. . . إلخ" من كلام أبي سعيد، خلطه الراوي بكلام النبيّ ﷺ . انتهى.
قال الحافظ: وإنما قال ذلك؛ لأنه ساقه بلفظ: "قال أبو سعيد: وأن يستن"، وهذا لم أره في شيء من نسخ "الجمع بين الصحيحين" الذي تكلم ابن الجوزي عليه، ولا في واحد من "الصحيحين"، ولا في شيء من المسانيد والمستخرجات، بل ليس في جميع طرق هذا الحديث "قال أبو سعيد"، فدعوى الإدراج فيه لا حقيقة لها.
قال: ويَلْتَحِق بالاستنان والتطيب التزينُ باللباس، واستعمالُ الخمس التي عُدَّت من الفطرة، وقد صرَّح ابن حبيب من المالكية به، فقال: يلزم الآتي الجمعة جميعُ ذلك، أفاده في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٩٦٠] (٨٤٦)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٨٠)، و (أبو داود) في "الغسل" (٣٤٤)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٧٥ و ١٣٧٧ و ١٣٨٣)، و"الكبرى" (١٦٦٧ و ١٦٦٨ و ١٦٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (٨٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٤٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٣١٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و ٣٠ و ٦٠ و ٦٥ - ٦٦ و ٦٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٤٢ و ١٧٤٣ و ١٧٤٤ و ١٧٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٥٩)، و (أبو نعيم) في
стр. 9740
"مستخرجه" (١٩٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٤٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن رواية بُكير بن الأشج التي قال فيها المصنّف ﵀ أنه لم يذكر فيها "عبد الرحمن" وافقه فيها شعبة، فقد رَوَى الحديث البخاري في "صحيحه" عن علي -هو ابن المديني- عن حَرَميّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عَمرو بن سليم الأنصاريّ، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول اللَّه ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا، إن وجده".
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم عن المصنّف ما حاصله: وكذلك أخرجه أحمد من طريق ابن لَهيعة، عن بُكير، ليس فيه عبد الرحمن.
وغَفَل الدارقطنيّ في "العلل" عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بُكيرًا وسعيدًا خالفا شُعبة، فزادا في الإسناد "عبدَ الرحمن"، وقال: إنهما ضبطا إسناده، وجوّداه، وهو الصحيح.
وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة "عبد الرحمن" هو سعيد بن أبي هلال، وقد وافق شعبةَ، وبُكيرًا على إسقاطه محمدُ بنُ المنكدر، أخو أبي بكر، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
والذي يظهر أن عمرو بن سُليم سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، ثم لقي أبا سعيد، فحدّثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم، وُلد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ولم يوصف بالتدليس. وحَكَى الدارقطنيّ في "العلل" فيه اختلافًا آخر على عليّ ابن المدينيّ شيخ البخاري فيه، فذكر أن الباغنديّ حدّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضًا، وخالفه تمّام عنه، فلم يذكر عبد الرحمن. وفيما قاله نظر، فقد أخرجه الإسماعيلي، عن الباغنديّ بإسقاط عبد الرحمن، وكذا أخرجه أبو نُعيبم في "المستخرج" عن أبي إسحاق بن حمزة، وأبي أحمد الغطريفيّ، كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ حدّثوا به عن الباغنديّ، فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد، فلعلّ الوهم فيه ممن حدَّث به الدارقطنيَّ عن الباغنديّ.
وقد وافق البخاريّ على ترك ذكره محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ عند الجوزقيّ،
стр. 9741
ومحمدُ بنُ عبد الرحيم صاعقةُ عند ابن خُزيمة، وعبدُ العزيز بن سلام عند الإسماعيليّ، وإسماعيلُ القاضي عند ابن منده في "غرائب شعبة"، كلهم عن عليّ ابن المدينيّ، ووافق عليَّ ابنَ المدينيّ على ترك ذكره أيضًا إبراهيمُ بنُ محمد بن عَرْعَرَة، عن حرميّ بن عُمَارة، عند أبي بكر المرّوذيّ في "كتاب الجمعة" له.
قال: ولم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرميّ، وأشار ابن منده إلى أنه تفرّد به. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكّد الغسل للجمعة، وقد صرّح بلفظ الواجب في رواية البخاريّ هنا، ولفظه: "الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم"، وقد تقدّم أن الراجح حمل الوجوب على تأكُّد الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطابيُّ ﵀: ذهب مالك ﵀ إلى إيجاب الغسل، وأكثر الفقهاء إلى أنه غير واجب، وتأولوا الحديث على معنى الترغيب فيه، والتوكيد لأمره، حتى يكون كالواجب على معنى التشبيه، واستدلوا فيه بأنه قد عُطِف عليه الاستنان والطيب، ولم يختلفوا أنهما غير واجبين، قالوا: وكذلك المعطوف عليه، وقال النوويُّ ﵀: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ، سواء أراد الجمعة أو لا، وحديث: "إذا جاء أحدكم" في أنه من أرادها، سواء البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما: إنه مستحبّ للكل، ومتأكد في حق المريد، وآكد في حق البالغ ونحوه، ومذهبنا المشهور أنه مستحب لكل مريد أتى، وفي وجه للذكور خاصّة، وفي وجه من تلزمه الجمعة، وفي وجه لكل أحد.
وفي "المصنف": وكان ابن عمر يُجَمِّر ثيابه كل جمعة، وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك، وحكاه مجاهد، عن ابن عباس، وعن أبي سعيد، وابن مغفل، وابن عمر، ومجاهد نحوه، وخالف ابن حزم لَمّا ذكر فرضية الغسل على الرجال والنساء قال: وكذلك الطيب
стр. 9742
والسواك، وشُرع الطيب؛ لأن الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه، أو لمسوه.
واختُلِف في الاغتسال في السفر، فممن يراه عبد اللَّه بن الحارث، وطلق بن حبيب، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وطلحة بن مُصَرِّف، وقال الشافعيّ: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن اشتريته بدينار.
وممن كان لا يراه علقمة، وعبد اللَّه بن عمرو، وابن جبير بن مطعم، ومجاهد، وطاووس، والقاسم بن محمد، والأسود، وإياس بن معاوية، وفي كتاب ابن التين، عن طلحة، وطاووس، ومجاهد، أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في السفر، واستحبه أبو ثور، ذكر هذا كلّه في "العمدة" (١).
٢ - (ومنها): الحثّ على استعمال السواك يوم الجمعة، وحمله العلماء على الاستحباب.
٣ - (ومنها): الحثّ أيضًا على استعمال الطيب للجمعة؛ إزالةً للرائحة الكريهة، وبُعْدًا عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.
٤ - (ومنها): بيان أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفي ريحه.
وقد جاء فيه حديث صريح صحيح، وهو ما أخرجه الترمذيّ والنسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "طيب الرجل ما ظهر ريحه، وخَفِي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه".
وأخرجه الطبرانيّ، والضياء المقدسيّ من حديث أنس ﵁.
٥ - (ومنها): اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولا سيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة، والعيدين، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9743
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦١] (٨٤٨) - (خدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيَمَسُّ طِيبًا، أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ "، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو علي الخلال الْحُلْوانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيّر، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢/ ١٥٨٢.
٧ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسي، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 9744
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيّفية التحمّل والأداء، فحيث سمع من الحسن الحلوانيّ مع جماعة قال: "حدّثنا حسن. . . إلخ"، وحيث سمع من محمد بن رافع وحده قال: "وحدّثني محمد بن رافع"، وكذا الخلاف في روح وعبد الرزّاق في التحديث والإخبار.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ جمّ المناقب، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وابن عم رسول اللَّه ﷺ ودعا له رسول اللَّه ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر ﵁: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عَشَرَهُ منّا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ﵃، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُسِ) بن كيسان ﵀ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ) أي: ابن عبّاس ﵄ (ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ولفظ البخاريّ من طريق الزهريّ، عن طاوس، قال: قلت لابن عبّاس: ذَكَروا أن النبيّ ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رءوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب"، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. انتهى.
قال في "الفتح" (١): قوله: "ذَكَروا" لم يُسَمِّ طاوس مَن حدثه بذلك، والذي يظهر أنه أبو هريرة، فقد رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاويّ من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة نحوه، وثبت ذكر الطيب أيضًا في حديث أبي سعيد، وسلمان، وأبي ذرّ، وغيرهم ﵃.
стр. 9745
وقوله: "اغتسلوا يوم الجمعة، وإن لم تكونوا جنبًا"، معناه: اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا، للجنابة وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة.
وأُخِذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة سواءٌ نواه للجمعة أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك بُعْدٌ.
نعم رَوَى ابن حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ في هذا الحديث: "اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا"، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية شعيب، عن الزهري أصحّ.
قال ابن المنذر ﵀: حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. انتهى. والخلاف في هذه المسألة منتشر في المذاهب.
واستُدِلَّ به على أنه لا يجزئ قبل طلوع الفجر؛ لقوله: يوم الجمعة، وطلوع الفجر أول اليوم شرعًا.
وقوله: "واغسلوا رءوسكم" هو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للتنبيه على أن المطلوب الغسل التامّ؛ لئلا يُظَنّ أن إفاضة الماء دون حَلّ الشعر مثلًا يجزئ في غسل الجمعة، وهو موافق لقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "كغسل الجنابة".
ويَحْتَمِل أن يراد بالثاني المبالغة في التنظيف.
وقوله: "وأصيبوا من الطيب"، ليس في هذه الرواية ذكر الدهن المترجم به (١)، لكن لما كانت العادة تقتضي استعمال الدهن بعد غسل الرأس أشعر ذلك به، كذا وجّهه الزين ابن الْمُنَيِّر جوابًا لقول الداوديّ: ليس في الحديث دلالة على الترجمة.
قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاريّ أراد أن حديث طاوس، عن ابن عباس واحد، ذَكَر فيه إبراهيم بن ميسرة الدهن، ولم يذكره الزهريّ وزيادة الثقة الحافظ مقبولةٌ، وكأنه أراد بإيراد حديث ابن عباس عقب حديث سلمان الإشارة إلى أن ما عدا الغسل، من الطيب، والدهن، والسواك، وغيرها ليس هو في
стр. 9746
التأكد كالغسل، وإن كان الترغيب ورد في الجميع، لكن الحكم يَختَلِف إما بالوجوب عند من يقول به، أو بتأكيد بعض المندوبات على بعض (١).
(قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَيَمَسُّ طِيبًا، أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟) معناه: هل ذكر النبيّ ﷺ حين ذكر غسل يوم الجمعة مسّ الطيب، أو الدهن إن وُجد عند أهله معه؟ (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (لَا أَعْلَمُهُ) أي: لا أعلم ذكره ﷺ له معه.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: مضمون هذا أن ابن عبّاس ﵄ روى عن النبيّ ﷺ الغسل للجمعة، وأنه لم يكن عنده من ذكر الطيب والدهن علم، فيَحْتَمِل أنه نفى أن يكون يعلم ذلك عن النبيّ ﷺ ، ويَحْتَمِل أنه نفى أن يكون ذلك مستحبًّا بالكلّيّة، فإنه إذا لم يكن عنده عن النبيّ ﷺ فيه شيءٌ، فإنه يقتضي التوقّف في استحبابه. انتهى (٢).
وفي رواية البخاريّ المذكورة: "قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري"، قال في "الفتح": هذا يخالف ما رواه عُبيد بن السَّبّاق عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيب فليَمَسَّ منه"، أخرجه ابن ماجه من رواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، عن عُبيد، وصالحٌ ضعيف، وقد خالفه مالك، فرواه عن الزهريّ، عن عُبيد بن السبّاق بمعناه مرسلًا، فإن كان صالح حَفِظَ فيه ابنَ عباس احتَمَلَ أن يكون ذَكَرَه بعدما نسيه، أو عكسَ ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٩٦١ و ١٩٦٢] (٨٤٨)، و (البخاريّ) في
стр. 9747
"الجمعة" (٨٨٤ و ٨٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٦٥ و ٣٣٠ و ٣٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١١٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، قد يخطئ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مَرْوان الْحَمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
و"ابنُ جريج" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. . . إلخ) أي: روى كلٌّ من محمد بن بكر، والضحّاك بن مَخْلد هذا الحديث عن ابن جريج بسنده الماضي، وهو: عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٦٧) مقرونًا بعبد الرزّاق، فقال:
(٣٤٧١) حدّثنا عبد اللَّهِ، حدّثني أبي، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، وابن بَكْرٍ قَالَا: أنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني إِبْرَاهِيمُ بن مَيْسَرَةَ، عن طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أنه ذَكَرَ قَوْلَ النبيّ ﷺ في الْغُسْلِ يوم الْجُمُعَةِ، قال طَاوُسٌ: فقلت لِابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيَمَسُّ طِيبًا، أو دُهْنًا، إن كان عِنْدَ أَهْلِهِ؟ "، قال: لَا أَعْلَمُهُ. انتهى.
стр. 9748
وأما رواية الضحّاك، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٣] (٨٤٩) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَقٌّ للَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأَخَرَة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان، ذُكر قبله.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وأخرجه الطحاويّ من طريق عمرو بن دينار، عن
стр. 9749
طاوس، وصرّح فيه بسماعه له من أبي هريرة ﵁، وزاد فيه: "ويمسّ طيبًا إن كان من لأهله" (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "حَقٌّ للَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وفي رواية للبخاريّ: "حقٌّ على كلّ مسلم"، وفي لفظ: "للَّه تعالى على كل مسلم حقٌّ" (أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ) زاد في رواية البخاريّ: "يومًا"، قال في "الفتح": هكذا أُبْهِم "يومًا" في هذا الطريق، وقد عَيَّنه جابر ﵁ في حديثه عند النسائيّ بلفظ: "الغسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يومًا، وهو يوم الجمعة"، وصححه ابن خزيمة، ولسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، من حديث البراء بن عازب ﵄ مرفوعًا نحوه، ولفظه: "إن من الحقّ على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة. . . " الحديث، ونحوه للطحاويّ، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الصحابة أنصاريّ، مرفوعًا. انتهى (١).
وقوله: (يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ") بيان وتوضيح لكيفيّة غسل يوم الجمعة، وإنما ذكر الرأس، وإن كان ذكر الجسد يُغني عنه؛ للاهتمام بتنظيفه، ولأنه قوام البدن، والعمدة فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٩٦٣] (٨٤٩)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٩٦)، وفي "ذكر بني إسرائيل" (٣٤٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٨٨ - ١٨٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ١٩٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١١٥ - ١١٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9750
(٤) - (بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ) (١)
[١٩٦٤] (٨٥٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
- (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُدَيد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) الزيات هو: ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلُب الزيت إلى الكَوفة [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة.
стр. 9751
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يدخل فيه كلُّ مَن يصحّ التقرب منه، من ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد (غُسْلَ الْجَنَابَةِ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا كغسل الجنابة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
وفي رواية ابن جريج، عن سُميّ، عند عبد الرزاق: "فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة".
وظاهره أن التشبيه للكيفية، لا للحكم، وهو قول الأكثر، وقيل فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة؛ ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تَسْكُن نفسه في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضًا على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث: "مَن غَسَّلَ، واغتسل"، المخرَّج في "السنن" على رواية من رَوَى "غَسَّلَ" بالتشديد.
قال النوويّ ﵀: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا، وهو ضعيف، أو باطل والصواب الأول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ادّعاء النوويّ بطلان هذا القول عجيبٌ، فقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وثبت أيضًا عن جماعة من التابعين، اللهم إلا أن يريد أنه باطل في المذهب، كما أبداه الحافظ في "الفتح" (١).
والحاصل أن حمل "غسّل، واغتسل"، وكذا حمل قوله في هذا الحديث: "من اغتسل غسلَ الجنابة" على الإشارة إلى الجماع؛ للعلّة المذكورة واضحٌ لا خفاء فيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبي ﵀: قوله: "غسل الجنابة" يعني: في الصفة، والأغسال الشرعيّة كلها على صفة واحدة، وإن اختلفت أسبابها، وهكذا رواية الجمهور، ووقع عند ابن ماهان: "غسل الجمعة" مكان "غسل الجنابة"، وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس ﵁ مرفوعًا: "من غسّل، واغتسل" الأول مشدّد السين، وذكر نحو حديث مسلم، وقد رُوي مخفّف السين، وروايتنا التشديد.
стр. 9752
واختُلف في معناه، فقيل: معناه جامع، يقال: غَسَلَ، وغَسَّلَ: إذا جامع، قالوا: ليكون أغضّ لبصره في سعيه إلى الجمعة، وقيل: في التشديد: أوجب الغسل على غيره، أو حمله عليه، وقيل: غسّل للجنابة، واغتسل للجمعة، وقيل: غسّل رأسه، واغتسل بقيّة جسده، وقيل: غسّل بالغ في النظافة والدلك، واغتسل صبّ الماء عليه، وأنسب ما في هذه الأقوال قول من قال: حمل غيره على الغسل بالحثّ، والترغيب، والتذكير، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
(ثُمَّ رَاحَ) أي: في الساعة الأولى، بدليل قوله الآتي: "ومن راح في الساعة الثانية"، وقد أخرجه مالك في "الموطأ" بهذا الإسناد، بلفظ: "في الساعة الأولى".
قال النوويُّ ﵀: المراد بالرواح الذهاب أول النهار، وفي المسألة خلاف مشهور.
مذهب مالك، وكثيرٍ من أصحابه، والقاضي حسين، وإمام الحرمين من أصحابنا، أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح عندهم بعد الزوال، وادَّعَوا أن هذا معناه في اللغة.
ومذهب الشافعيّ، وجماهير أصحابه، وابن حبيب المالكيّ، وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهريّ: لغة العرب الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى؛ لأن النبيّ ﷺ أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى، وهو كالمهدي بدنةً، ومن جاء في الساعة الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، وفي رواية النسائيّ السادسة، فإذا خرج الإمام طَوَوُا الصحف، ولم يكتبوا بعد ذلك أحدًا، ومعلوم أن النبيّ ﷺ كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال، وهو بعد انفصال السادسة، فدل على أنه لا شيء من الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحثّ في
стр. 9753
التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصفّ الأول، وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة من أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرُم التخلّف بعد النداء، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي البحث في هذه المسألة مستوفًى، مع ترجيح مذهب الجمهور في كون المراد بالرواح هو الذهاب في أول النهار في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً) بتشديد الراء: أي: تَصَدَّق بها متقربًا إلى اللَّه تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربان؛ لأن القربان لم يُشْرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة.
وفي رواية ابن جريج المذكورة: "فله من الأجر مثل الْجَزُور"، وظاهره أن المراد أن الثواب لو تجسّد لكان قدر الجزور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا فسّر في "الفتح" هذه الرواية بهذا التفسير، وفيه نظر لا يخفى، فالصواب أن رواية ابن جريج هذه بمعنى رواية مالك، فالمراد أن ثوابه كثواب من قرّب جزورًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدلّ عليه أن في مرسل طاوس، عند عبد الرزاق: "كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة".
ووقع في رواية الزهري الآتية بلفظ: "كمثل الذي يُهْدِي بَدَنَةً"، فكأن المراد بالقربان في هذه الرواية الإهداء إلى الكعبة.
قال الطيبيُّ ﵀: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي، والمراد بالبدنة البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة، لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذُكِرَ.
وحَكَى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى، وقال الأزهريّ في شرح ألفاظ "المختصر": البدَنَةُ لا تكون إلا من الإبل، وصحّ ذلك عن عطاء، وأما الهديُ فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه.
стр. 9754
وحَكَى النوويّ عنه أنه قال: الْبَدَنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأٌ نشأ عن سقط.
وفي "الصحاح": البدنة ناقة، أو بقرة، تُنْحَر بمكة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها. انتهى.
والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستُدِلّ به على أن البدنة تختص بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه. أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة، وسبعًا من الغنم.
وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: للَّه عليّ بدنة، وفيه خلاف، والأصح تعيّن الإبل إن وُجدت، وإلا فالبقرة، أو سبع من الغنم، وقيل: تتعين الإبل مطلقًا، وقيل: يتخير مطلقًا (١).
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: ذَكَر في "الصحاح" و"المحكم" أن البدنة من الإبل والبقر ما أُهدي إلى مكة، وكذا قال في "النهاية": إنها تطلق عليهما، قال: وهي بالإبل أشبه. وذكر القاضي عياض أنها تختصّ بالإبل. وقال النووي ﵀: قال جمهور أهل اللغة، وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصّها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق، لتصريح الحديث بذلك. انتهى (٢).
وقال الفيّوميُّ ﵀: والبَدَنَةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، سميت بذلك لعظم بَدَنِها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسُّنة، وهو قوله ﷺ : "تُجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول اللَّه ﷺ
стр. 9755
في الحجّ والعمرة سبعة منّا في بدنة"، فقال رجل لجابر ﵁: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدْن (١)، والمعنى: في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لما جهلها أهل اللسان، ولفُهمت عند الإطلاق أيضًا. انتهى (٢).
وقيل: المراد كالذي يُهدي البدنة إلى مكة، وفيه أنه لا يناسبه ذكر الدجاجة، والبيضة.
(وَمَنْ رَاحَ) أي: ذهب (فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) بفتحات، تقع على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للواحدة، كقَمْحَة، وشَعِيرة، ونحوهما، من أفراد الجنس، وسُمِّيت بقرة؛ لأنها تبقُر الأرض: أي: تَشُقُّها بالحراثة، والْبَقْر الشقّ، ومنه قولهم: بَقَرَ بطنه، ومنه سُمِّي محمد الباقر ﵀؛ لأنه بقر العلم، ودخل فيه مدخلًا بليغًا، ووصل منه غايةً مرضيةً (٣).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا) بفتح، فسكون: هو الْحَمَلُ (٤) إذا أثنى، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ، قاله في "القاموس" (٥).
ووصفه بقوله: (أَقْرَنَ) لأنه أكمل، وأحسن صورة، ولأن قرنه يُنتفع به (٦).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) بكسر الدال وفتحها، لغتان مشهورتان، ويقع على الذكر والأنثى، قاله النوويّ، وقال في "المصباح": الدجاج: معروفٌ، وتُفتح الدال، وتُكسر، ومنهم من يقول: الكسر لغة قليلةٌ، والجمع دُجُجٌ بضمّتين، مثلُ عَنَاق وعُنُق، أو كتاب وكُتُب، ورُبّما
стр. 9756
جُمع على دَجَائج. انتهى (١).
وفي "القاموس": والدَّجاجة معروفة للذكر والأنثى، ويُثلّث. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "دجاجة" بالفتح، ويجوز الكسر، وحَكَى الليث الضم أيضًا، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس. انتهى (٣).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) بفتح، فسكون: واحدة البَيْضَات بسكون الياء أيضًا، وهُذيلٌ تفتحها، يقال: باض الطائر يَبيض بَيْضًا، فهو بائضٌ، والْبَيْضُ له بمنزلة الولد للدوابّ، وجمع الْبَيْض بُيُوضٌ، ويُحكى عن الجاحظ أنه صنّف كتابًا فيما يَبِيض وَيلِد من الحيوان، فتوسّع في ذلك، فقال له أعرابيّ: يَجْمَع ذلك كلّه كلمتان: كلُّ أَذُونٍ وَلُودٌ، وكلُّ صَمُوخٍ بَيُوضٌ، أفاده الفيّوميُّ ﵀ (٤).
[تنبيه]: قال في "الفتح": واستُشْكِل التعبيرُ في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهريّ: "كالذي يُهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما.
وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطال بأنه لَمّا عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ، فيكون من الإتباع، كقوله: "مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا".
وتَعَقَّبه ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية" بأن شرط الإتباع أن لا يُصَرَّح باللفظ في الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقلدًا سيفًا ومتقلدًا رُمْحًا، والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربيّ بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: "قَرَّبَ بيضةً"، وفي الرواية الأخرى: "كالذي يُهْدِي" يدلّ على أن المراد بالتقريب الهديُ، وينشأ منه أن الهدي يُطلق على مثل هذا، حتى لو التزم هديًا، هل يكفيه ذلك أو لا؟. انتهى.
والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية، والحنابلة، وهذا ينبني على أن النذر هل يُسْلَك به مُسْلَك جائز الشرع، أو واجبِهِ؟، فعلى الأول يكفي
стр. 9757
أقل ما يُتَقَّرب به، وعلى الثاني يُحْمَل على أقلّ ما يُتقرَّب به من ذلك الجنس، ويُقَوي الصحيح أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدّق، كما دل عليه لفظ التقرُّب، واللَّه أعلم. انتهى (١).
(فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) أي: من مكانه، وفيه إشارة إلى أن الإمام ينبغي له أن يتّخذ مكانًا خاليًا قبل صعوده المنبر؛ تعظيمًا لشأنه، قاله الطيبيُّ ﵀ (٢).
(حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ) بفتح الضاد، وكسرها، لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، قاله النوويُّ ﵀ (٣)، وقال في "القاموس": حَضَرَ، كنصر، وعَلِمَ حُضُورًا، وحضارةً: ضدُّ غاب، كاحتضر، وتحضّر، ويُعَدَّى، يقال: حَضَرَه، وتحضّره. انتهى (٤).
وقال الفيّوميُّ ﵀: حَضَرتُ مجلسَ القاضي حُضورًا، من باب قعد: شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضورًا: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرت الصلاةُ، فهي حاضرة، والأصل حَضَر وقتُ الصلاة، والْحَضَرُ بفتحتين: خلاف الْبَدْو، والنسبة إليه حَضَريٌّ على لفظه، وحَضَرَ: أقام بالحضر، والْحِضَارة بفتح الحاء وكسرها: سكون الْحَضَر، وحَضَرني كذا: خطر ببالي، وحَضَره الموتُ واحتضره: أشرف عليه، فهو في النَّزْع، وهو محضور، ومُحْتَضرٌ بالفتح، وكَلَّمته بحضرة فلان: أي: بحضوره، وحَضْرَةُ الشيءِ: فَنَاؤُهُ وقربه، وكَلَّمته بِحَضَر فلان وزانُ سَبَبٍ، لغةٌ، وبمحضره: أي: بمشهده، وَحَضِيرةُ التمرٍ: الْجَرِينُ.
وحَضِرَ فلانٌ بالكسر لغةٌ، واتفقوا على ضم المضارع مطلقًا، وقياس كسر الماضي أن يُفْتَحَ المضارع، لكن استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذوذًا، ويُسَمَّى تداخل اللغتين. انتهى (٥).
стр. 9758
وقوله: (يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ") أي: الخطبة، جملة في محلّ نصب على الحال من "الملائكة"، والمراد بالملائكة هنا: غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، استَنْبَط منه الماورديّ أن التبكير لا يُستحب للإمام، قال: ويدخل للمسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، وما قاله غير ظاهر؛ لإمكان أن يُجْمَع الأمرين بأن يُبَكِّر، ولا يخرج من المكان المعدّ له في الجامع، إلا إذا حضر الوقت، أو يُحْمَل على من ليس له مكان مُعَدٌّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا تعقّب في "الفتح" استنباط الماورديّ المذكور، وعندي أن ما استنبطه هو الظاهر، فلا معنى لتعقّبه، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
وزاد في رواية الزهريّ، عن أبي عبد اللَّه الأغرّ الآتية: "فإذا جلس الإمام طَوَوُا الصُّحُف، وجاءوا يستمعون الذكر"، وكأن ابتداء طيّ الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاءه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر.
والمراد بالذكر ما في الخطبة من المواعظ، وغيرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١٩٦٤] (٨٥٠)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٨١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٥١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٩٩)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٦٣)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9759
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الْحَضّ على الاغتسال يوم الجمعة، وفضله، وفضل التبكير إليها، وأن الفضل المذكور إنما يحصل من جمعهما، وعليه يُحْمَل ما أُطلق في باقي الروايات، من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل.
٢ - (ومنها): بيان أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع.
٣ - (ومنها): بيان أن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وهو بالاتفاق في الهدي، واختُلِف في الضحايا، والجمهور على أنها كذلك.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: فَرَّق مالك بين التقربين باختلاف المقصودين؛ لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقصة الذبيح، وهو قد فُدِي بالغنم، والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين، فناسب البدن.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الجمعة تصح قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يُستحبّ فيه الرواح إلى الجمعة:
قد أجاد البحث في هذا الموضوع الإمام ابن القيّم ﵀، فقال: وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
[أحدهما]: أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما.
[والثاني]: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابل الغدوّ الذي لا يكون إلا قبل الزوال، قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، قال الجوهريّ: ولا يكون إلا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يَغْدُون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقال: لم نُدرك عليه أهل المدينة.
стр. 9760
واحتَجَّ أصحاب القول الأول بحديث جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعةً"، قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعةً، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات زمانية، قالوا: ويدلّ على هذا القول أن النبيّ ﷺ إنما بَلَغَ بالساعات إلى ستّ، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارًا من الساعة التي تُفْعَل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطُوِيَت الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرَّحًا به في "سنن أبي داود" من حديث عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة غَدَت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيَرْمُون الناس بالتَّرَابيث، أو الربائث (١)، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة، فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين، حتى يخرج الإمام" (٢).
قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ ﵀، وأكثر العلماء، بل كلهم يَستحب البكور إليها، قال الشافعيُّ: ولو بكّر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس كان حسنًا، وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرًا، فقال: هذا خلاف حديث النبيّ ﷺ ، وقال: سبحان اللَّه إلى أيّ شيء ذَهَبَ في هذا، والنبيّ ﷺ يقول: "كالمهدي جَزُورًا".
قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات، أهو الغُدُوّ من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا
стр. 9761
القول ساعات الرواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكًا عن هذا؟ فقال: أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، مَن راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة، ولو لم يكن كذلك ما صُلِّيت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريبًا من ذلك.
وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه، وقال: يدلك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدَلّ ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقال: "من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بدنةً"، ثم قال في الساعة الخامسة بيضةً، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بَيِّنٌ في لفظه، ولكنه حُرِّف عن موضعه، وشُرِح بالْخَلْف من القول، وما لا يكون، وزَهَّدَ شارحه الناس فيما رَغَّبهم فيه رسول اللَّه ﷺ من التهجير من أول النهار، وزَعَم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس، قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب "واضح السنن" بما فيه بيان وكفاية، هذا كله قول عبد الملك بن حبيب.
ثم رَدَّ عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك ﵀، فهو الذي قال القول الذي أنكره، وجعله خَلْفًا وتحريفًا من التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح، من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة، لا يخفى على عامة العلماء.
فمن الآثار التي يَحتَجّ بها مالك ما رواه الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا كان يومُ الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول، فالأول، فالمهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمهدي
стр. 9762
كبشًا، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة، فإذا جَلَس الإمام طُويت الصحف، واستمعوا الخطبة"، قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنه قال: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه، فجعل الأول مهجّرًا، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ولم يذكر الساعة، قال: والطرُق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في "التمهيد"، وفي بعضها: "المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنةً"، وفي أكثرها: "المهجر كالمهدي جَزورًا"، الحديث، وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنةً، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرةً، وفي آخرها كذلك.
وقال بعض أصحاب الشافعيّ: لم يرد ﷺ بقوله: "المهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً" الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله، من أغراض أهل الدنيا؛ للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنةً، وذلك مأخوذ من الهجرة، وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون.
وقال الشافعيُّ ﵀: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلا مشيًا، هذا كله كلام أبي عمر ﵀.
قال العلامة ابن القيّم ﵀: مدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تُطلَق على المضيّ بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرِنت بالغدوّ، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، وقوله ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح، أَعَدَّ اللَّه له نُزُلًا في الجنة، كلما غدا أو راح"، وقول الشاعر:
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا … وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي
стр. 9763
وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضيّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجرَّدة عن الاقتران بالغدوّ، وقال الأزهريّ في "التهذيب": سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم إذا ساروا، وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحُوا: أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون، ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيّ إلى الجمعة، والخِفّة إليها، لا بمعنى الرواح بالعشيّ.
وأما لفظ التهجير والمهجِّر، فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهريّ: هي نصف النهار عند اشتداد الحرّ، تقول منه: هَجَّر النهار، قال امرؤ القيس:
فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ … ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا (١)
ويقول: أتينا أهلنا مُهَجِّرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجُّر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة.
قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يُطلق، ويراد به التبكير، قال الأزهريّ في "التهذيب": رَوَى مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه"، وفي حديث آخر مرفوع: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً".
قال: ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال، وهو غلط، والصواب فيه ما رَوَى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كل شيء، قال: سمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا … فَمَا تُوَاصلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ
стр. 9764
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم الذهاب والمضيّ، يقال: راح القوم إذا خَفُّوا ومَرُّوا أَيَّ وقت كان.
وقوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، أراد به التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها.
قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، ورَوَى أبو عبيد، عن أبي زيد: هَجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة، قال: وهي نصف النهار، ثم قال الأزهريّ: أنشدني المنذريّ فيما رَوَى لثعلب، عن ابن الأعرابيّ في "نوادره"، قال: قال جِعْثِنَةُ بن جَوَّاس الرَّبَعِيّ في ناقته [من الرجز]:
هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي وَنَذْرِي … أَزْمَانَ أَنْتِ بِعَرُوضِ الْجَفْرِ
إِذْ أَنْتِ مِضرَارٌ جَوَادُ الْحُضرِ … عَلَيَّ إِنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْرِي
بِأَرْبَعِينَ قُدِّرَتْ بِقَدْرِ … بِالْخَالِدِيِّ لَا بِصَاعِ حَجْرِ
وَتَصْحَبِي أَيَانِقًا فِي سَفْرِ … يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ
ثُمَّتَ تَمْشِي لَيْلَهُمْ فَتَسْرِي … يَطْوُونَ أَعْرَاضَ الْفِجَاجِ الْغُبْرِ
طَيَّ أَخِي التَّجْرِ بُرُودَ التَّجْرِ (١)
قال الأزهريّ: يُهَجِّرون بهجير الفجر: أي: يبكرون بوقت السحر.
وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجةٌ، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه، ومصالح أهله ومعاشه، وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال ﷺ : "والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من
стр. 9765
الذي يصلي، ثم يروح إلى أهله" (١)، وأخبر "أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه" (٢)، وأخبر "أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات" و"أنه الرباط" (٣)، وأخبر "أن اللَّه يباهي ملائكته بمن قضى فريضة، وجلس ينتظر أخرى" (٤).
وهذا يدلّ على أن من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدلّ على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها، والتبكير في أول النهار، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (٥)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الحافظ ﵀ أنه استُدِلَّ بهذا الحديث على أن الجمعة تصح قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه قريبًا.
قال: ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس، ثم عقب بخروج الإمام، وخروجه عند أول وقت الجمعة، فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة، وهي قبل الزوال.
والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جُعِلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أول الثانية، فهي أولى بالنسبة للمجيء، ثانية بالنسبة للنهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال، فيرتفع الإشكال، وإلى هذا أشار الصيدلانيّ شارح "المختصر"، حيث قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة، ويؤيده الحثّ على التهجير إلى الجمعة، ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان، اختَلَف فيهما الترجيح، فقيل: أول التبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورجّحه جمع، وفيه نظرٌ؛ إذ يلزم منه أن
стр. 9766
يكون التأهب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشافعيّ: يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون ذكر الساعة السادسة لم يذكره الراوي، وقد وقع في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ، عند النسائيّ من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي "العصفور"، وتابعه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، أخرجه محمد بن عبد السلام الخشنيّ، وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له، بلفظ: "فكَمُهْدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى عِلّيّة الطير، إلى العصفور" الحديث، ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد بن منصور.
ووقع عند النسائيّ أيضًا في حديث الزهريّ، من رواية عبد الأعلى، عن معمر زيادة البطة بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها.
وعلى هذا فخروج الإمام يكون عند انتهاء السادسة، وهذا كله مبنيّ على أن المراد بالساعات ما يتبادر الذهن إليه من العرف فيها، وفيه نظرٌ؛ إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف؛ لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال للقفال، وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها، وينقص، والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات، وتلك التعديلية.
وقد رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعةً"، وهذا وإن لم يَرِدْ في حديث التبكير، فيستأنس به في المراد بالساعات.
وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس، وتجاسر الغزاليّ، فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن تَرْمَضَ الأقدام، والخامسة إلى الزوال.
واعترضه ابن دقيق العيد بأن الردّ إلى الساعات المعروفة أولى، وإلا لم
стр. 9767
يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًّا.
وأولى الأجوبة الأولُ إن لم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي المعتمدة.
وانفصل المالكية إلا قليلًا منهم، وبعض الشافعية عن الإشكال بأن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة، أوّلها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر.
واستدلُّوا على ذلك بأن الساعة تُطْلَق على جزء من الزمان غير محدود، تقول: جئت ساعة كذا، وبأن قوله في الحديث: "ثم راح" يدلّ على أن أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال؛ لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدوّ من أوله إلى الزوال.
قال المازريّ: تمسّك مالك بحقيقة الرواح، وتجوَّز في الساعة، وعكس غيره. انتهى.
وقد أنكر الأزهريّ على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول: راح في جميع الأوقات، بمعنى ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في "الغريبين" نحوه.
قال الحافظ: وفيه ردّ على الزين ابن الْمُنَيِّر حيث أطلق أن الرواح لا يُستعمل في المضيّ في أول النهار بوجه، وحيث قال: إن استعمال الرواح بمعنى الغدوّ لم يُسمع، ولا ثبت ما يدل عليه.
قال: ثم إني لم أر التعبير بالرواح في شيء من طرق هذا الحديث إلا في رواية مالك هذه عن سميّ، وقد رواه ابن جريج عن سميّ بلفظ "غدا"، ورواه أبو سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "المتعجلُ إلى الجمعة كالمهدي بدنةً" الحديث، وصححه ابن خزيمة.
وفي حديث سمرة ﵁ ضرب رسول اللَّه ﷺ مَثَلَ الجمعة في التبكير كناحر البدنة، الحديث، أخرجه ابن ماجه.
ولأبي داود من حديث عليّ مرفوعًا: "إذا كان يومُ الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، وتغدو الملائكة، فتجلس على باب المسجد، فتكتب الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين"، الحديث.
стр. 9768
فدلّ مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب.
وقيل: النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلى أن الفعل المقصود إنما يكون بعد الزوال، فيسمى الذاهب إلى الجمعة رائحًا، وإن لم يجئ وقت الرواح، كما سمي القاصد إلى مكة حاجًّا.
وقد اشتدّ إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية ما نُقِل عن مالك، من كراهية التبكير إلى الجمعة، وقال أحمد: هذا خلاف حديث رسول اللَّه ﷺ .
واحتَجَّ بعض المالكية أيضًا بقوله في رواية الزهريّ: "مَثَلُ المهجِّر"؛ لأنه مشتق من التهجير، وهو السير في وقت الهاجرة.
وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدم نقله عن الخليل في المواقيت.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": يَحْتَمِل أن يكون مشتقًّا من الْهِجِّير بالكسر، وتشديد الجيم، وهو ملازمة ذكر الشيء، وقيل: هو من هجر المنزل، وهو ضعيف؛ لأن مصدره الْهَجر، لا التهجير.
وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير وقت الحرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك (١).
وقال التوربشتيّ: جَعَلَ الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة تغليبًا، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط.
ومما يدلّ على استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشد ابن الأعرابيّ في "نوادره" لبعض العرب:
تُهَجِّرُونَ تَهْجِيرَ الْفَجْر
واحتجُّوا أيضًا بأن الساعة لو لم تَطُل للزم تساوي الآتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السابق، بخلاف ما إذا قلنا: إنها لحظة لطيفة.
стр. 9769
والجواب ما قاله النوويّ في "شرح المهذَّب" تبعًا لغيره: إن التساوي وقع في مسمى البدنة، والتفاوت في صفاتها.
ويؤيِّده أن في رواية ابن عجلان تكرير كلّ من المتقرَّب به مرتين، حيث قال: "كرجل قدَّم بدنة، وكرجل قدم بدنة. . . " الحديث.
ولا يَرِدُ على هذا أن في رواية ابن جريج: "وأولُ الساعة وآخرها سواء"؛ لأن هذه التسوية بالنسبة إلى البدنة كما تقرر.
واحتَجَّ مَن كَرِهَ التبكير أيضًا بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع من عرضت له حاجة، فخرج لها، ثم رجع.
وتُعُقِّب بأنه لا حرج عليه في هذه الحالة؛ لأنه قاصد للوصول لحقّه، وإنما الحرج على من تأخر عن المجيء، ثم جاء فتخطى، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀: (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من سوق أقوال العلم، وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من معنى الرواح والتهجير إلى الجمعة يكون من أول النهار، لا بعد الزوال، كما هو رأي الإمام مالك ﵀؛ لقوّة الأدلّة، ورجحانها، كما لا يخفى على من تأمّلها، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥) - (بَابُ التَّحْذِيرِ عَنِ اللَّغْوِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٥] (٨٥١) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ").
стр. 9770
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في السند الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأموي مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وَهَب القرسيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، ثم فرّق بينهما في التفصيل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، ﵁ رَأْسُ المكثرين من الرواية، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ) وفي الرواية التالية من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه، قال: حدّثني عُقيل، عن