← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

يكون التأهب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشافعيّ: يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون ذكر الساعة السادسة لم يذكره الراوي، وقد وقع في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ، عند النسائيّ من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي "العصفور"، وتابعه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، أخرجه محمد بن عبد السلام الخشنيّ، وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له، بلفظ: "فكَمُهْدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى عِلّيّة الطير، إلى العصفور" الحديث، ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد بن منصور. ووقع عند النسائيّ أيضًا في حديث الزهريّ، من رواية عبد الأعلى، عن معمر زيادة البطة بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها. وعلى هذا فخروج الإمام يكون عند انتهاء السادسة، وهذا كله مبنيّ على أن المراد بالساعات ما يتبادر الذهن إليه من العرف فيها، وفيه نظرٌ؛ إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف؛ لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال للقفال، وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها، وينقص، والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات، وتلك التعديلية. وقد رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعةً"، وهذا وإن لم يَرِدْ في حديث التبكير، فيستأنس به في المراد بالساعات. وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس، وتجاسر الغزاليّ، فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن تَرْمَضَ الأقدام، والخامسة إلى الزوال. واعترضه ابن دقيق العيد بأن الردّ إلى الساعات المعروفة أولى، وإلا لم

стр. 9767

يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًّا. وأولى الأجوبة الأولُ إن لم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي المعتمدة. وانفصل المالكية إلا قليلًا منهم، وبعض الشافعية عن الإشكال بأن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة، أوّلها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر. واستدلُّوا على ذلك بأن الساعة تُطْلَق على جزء من الزمان غير محدود، تقول: جئت ساعة كذا، وبأن قوله في الحديث: "ثم راح" يدلّ على أن أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال؛ لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدوّ من أوله إلى الزوال. قال المازريّ: تمسّك مالك بحقيقة الرواح، وتجوَّز في الساعة، وعكس غيره. انتهى. وقد أنكر الأزهريّ على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول: راح في جميع الأوقات، بمعنى ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في "الغريبين" نحوه. قال الحافظ: وفيه ردّ على الزين ابن الْمُنَيِّر حيث أطلق أن الرواح لا يُستعمل في المضيّ في أول النهار بوجه، وحيث قال: إن استعمال الرواح بمعنى الغدوّ لم يُسمع، ولا ثبت ما يدل عليه. قال: ثم إني لم أر التعبير بالرواح في شيء من طرق هذا الحديث إلا في رواية مالك هذه عن سميّ، وقد رواه ابن جريج عن سميّ بلفظ "غدا"، ورواه أبو سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "المتعجلُ إلى الجمعة كالمهدي بدنةً" الحديث، وصححه ابن خزيمة. وفي حديث سمرة ﵁ ضرب رسول اللَّه ﷺ مَثَلَ الجمعة في التبكير كناحر البدنة، الحديث، أخرجه ابن ماجه. ولأبي داود من حديث عليّ مرفوعًا: "إذا كان يومُ الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، وتغدو الملائكة، فتجلس على باب المسجد، فتكتب الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين"، الحديث.

стр. 9768

فدلّ مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب. وقيل: النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلى أن الفعل المقصود إنما يكون بعد الزوال، فيسمى الذاهب إلى الجمعة رائحًا، وإن لم يجئ وقت الرواح، كما سمي القاصد إلى مكة حاجًّا. وقد اشتدّ إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية ما نُقِل عن مالك، من كراهية التبكير إلى الجمعة، وقال أحمد: هذا خلاف حديث رسول اللَّه ﷺ . واحتَجَّ بعض المالكية أيضًا بقوله في رواية الزهريّ: "مَثَلُ المهجِّر"؛ لأنه مشتق من التهجير، وهو السير في وقت الهاجرة. وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدم نقله عن الخليل في المواقيت. وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": يَحْتَمِل أن يكون مشتقًّا من الْهِجِّير بالكسر، وتشديد الجيم، وهو ملازمة ذكر الشيء، وقيل: هو من هجر المنزل، وهو ضعيف؛ لأن مصدره الْهَجر، لا التهجير. وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير وقت الحرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك (١). وقال التوربشتيّ: جَعَلَ الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة تغليبًا، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط. ومما يدلّ على استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشد ابن الأعرابيّ في "نوادره" لبعض العرب: تُهَجِّرُونَ تَهْجِيرَ الْفَجْر واحتجُّوا أيضًا بأن الساعة لو لم تَطُل للزم تساوي الآتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السابق، بخلاف ما إذا قلنا: إنها لحظة لطيفة.

стр. 9769

والجواب ما قاله النوويّ في "شرح المهذَّب" تبعًا لغيره: إن التساوي وقع في مسمى البدنة، والتفاوت في صفاتها. ويؤيِّده أن في رواية ابن عجلان تكرير كلّ من المتقرَّب به مرتين، حيث قال: "كرجل قدَّم بدنة، وكرجل قدم بدنة. . . " الحديث. ولا يَرِدُ على هذا أن في رواية ابن جريج: "وأولُ الساعة وآخرها سواء"؛ لأن هذه التسوية بالنسبة إلى البدنة كما تقرر. واحتَجَّ مَن كَرِهَ التبكير أيضًا بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع من عرضت له حاجة، فخرج لها، ثم رجع. وتُعُقِّب بأنه لا حرج عليه في هذه الحالة؛ لأنه قاصد للوصول لحقّه، وإنما الحرج على من تأخر عن المجيء، ثم جاء فتخطى، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀: (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من سوق أقوال العلم، وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من معنى الرواح والتهجير إلى الجمعة يكون من أول النهار، لا بعد الزوال، كما هو رأي الإمام مالك ﵀؛ لقوّة الأدلّة، ورجحانها، كما لا يخفى على من تأمّلها، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ التَّحْذِيرِ عَنِ اللَّغْوِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٥] (٨٥١) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ").

стр. 9770

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأموي مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وَهَب القرسيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ذُكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، ثم فرّق بينهما في التفصيل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، ﵁ رَأْسُ المكثرين من الرواية، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ) وفي الرواية التالية من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه، قال: حدّثني عُقيل، عن

стр. 9771

ابن شهاب، عن عُمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة، قال في "الفتح": والطريقان معًا صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معًا، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما، أخرجه عبد الرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابنُ أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول. انتهى (١). (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ) ولفظ النسائيّ: "من قال لصاحبه. . . "، والمراد بالصاحب هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب؛ لكونه الغالب (أَنْصِتْ) قال في "الصحاح": الإنصات السكوت، والاستماع للحديث، وقال في "المشارق": السكوت والاستماع لما يقال، وقال في "النهاية": أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِعٍ. وهذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في "المحكم" على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قال وَليّ الدين العراقيُّ ﵀: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع. ويستعمل رباعيًّا، وهو أفصح، وثلاثيًّا، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا: "انصت" قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال. انتهى. وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) متعلق بـ "قلت"، وفي هذا التقييد دلالةٌ على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصات لها، ولا يَحْرُم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط؛ لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعيّ، وحكى ابن عبد البرّ عن عطاء، قال: يَحْرُم الكلام ما كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر اللَّه، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول عطاء ﵀ هو مذهب النسائيُّ ﵀،

стр. 9772

فقد ترجم في "سننه" بقوله: "الإنصات للجمعة"، ثم أورد حديث أبي هريرة ﵁ هذا من طريق مالك، عن ابن شهاب بلفظ: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطُبُ، فقد لغوت"، فاحتجّ بإطلاق هذه الرواية على وجوب الإنصات لخطبة العيد. لكن الذي يظهر لي أن المطلق في هذه الرواية يُحمل على المقيّد بيوم الجمعة في رواية الباب؛ لأن مخرج الحديث واحد، فيُحمل على أن بعض الرواة اختصره، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "قلت"، والرابط الواو. وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قالوا، وفيه نظر لا يخفى، بل القول بأن النهي من خروج الإمام هو الأولى، لما سيأتي للمصنّف من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليُصلّ ركعتين"، فإنه يدلّ على أن الإنصات من خروج الإمام، فقولهم أولى بالصواب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَدْ لَغَوْتَ) وفي الرواية التالية: "إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت" بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة ﵁، وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك" (١). قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. وقال الزين ابن الْمُنَيّر: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا

стр. 9773

يحسن من الكلام، وأغرب أبو عُبيد الهرويّ في "الغريب"، فقال: معنى لغا: تكلّم، كذا أطلق، والصواب التقييد. وقال النضر بن شُميل: معنى لغوتَ: خِبْتَ من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا. قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود، وابن خزيمة من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ مرفوعًا: "ومن لغا، وتخطّى رقاب الناس كانت له ظهرًا"، قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرِمَ فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "من قال: صَهْ، فقد تكلّم، ومن تكلّم، فلا جمعة له"، ولأبي داود نحوه، ولأحمد، والبزّار من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من تكلّم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة"، وله شاهد قويّ في "جامع حماد بن سلمة"، عن ابن عمر ﵄ موقوفًا. قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. وحكى ابن التين عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله: "فقد لغوت"؛ أي: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد؛ لأن الإنصات لم يُختَلَف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيًا، بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة؛ لأنه إذا جُعل قوله: "أنصت" مع كونه أمرًا بمعروف لغوًا، فغيره من الكلام أولى أن يُسمّى لغوًا. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ في آخر هذا الحديث بعد قوله: "فقد لغوت": "عليك بنفسك" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9774

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٩٦٥ و ١٩٦٦ و ١٩٦٧ و ١٩٦٨] (٨٥١)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١١٢)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥١٢)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٤٠١ و ١٤٠٢ و ١٥٧٧)، و"الكبرى" (١٧٢٧ و ١٧٢٨ و ١٧٨٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١١٠)، و (مالك) في "الموطأ" (٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٤ و ٢٧٢ و ٢٨٠ و ٣٩٣ و ٣٩٦ و ٤٧٤ و ٤٨٥ و ٥١٨ و ٥٣٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٥٦ و ١٥٥٧ و ١٥٥٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٠٥ و ١٨٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩١٠ و ١٩١١ و ١٩١٢ و ١٩١٣ و ١٩١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٨٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة للجمعة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب الإنصات حال الخطبة. ٣ - (ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حال الخطبة يكون بالإشارة، لا بالكلام. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حقّ من سمعها، وكذا الحكم في حقّ من لا يسمعها عند الأكثر، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف، فليجعله بالإشارة. وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها، إلا عن قليل من التابعين، ولفظه: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول من سمعه من الجهال يتكلم، والإمام يخطب: أَنصِتْ ونحوها؛ أخذًا بهذا الحديث. ورُوي عن الشعبيّ وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة

стр. 9775

الإمام في الخطبة خاصّةً، قال: وفعلهم في ذلك مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أن يقال: إنه لم يبلغهم الحديث. قال الحافظ: للشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا، فعلى الأول يَحْرُم لا على الثاني، والثاني هو الأصح عندهم، فمن ثَمّ أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شَنَّع عليهم من شنع من المخالفين. وعن أحمد أيضا روايتان، وعنهما أيضًا التفرقة بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة، فيجب عليهم الإنصات دون من زاد، فجعله شبيهًا بفروض الكفاية. واختَلَف السلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يُحْمَل ما نُقِل عن السلف من الكلام حال الخطبة. والذي يظهر أن مَن نَفَى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة، بخلاف غيره، ويدل على الوجوب في حقّ السامع أن في حديث عليّ المشار إليه آنفًا (١): "ومن دنا فلم يُنصِت كان عليه كفلان من الوزر"؛ لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحًا، ولو كان مكروهًا كراهة تنزيه. وأما ما استَدَلَّ به من أجاز مطلقًا من قصة السائل في الاستسقاء ونحوه، ففيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخصّ على الأعمّ، فيمكن أن يُخَصّ عموم الأمر

стр. 9776

بالإنصات بمثل ذلك، كأمر عارض في مصلحة عامّة، كما خَصَّ بعضهم منه ردّ السلام، لوجوبه. ونَقَلَ صاحب "المغني" الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة، كتحذير الضرير من البئر. وعبارة الشافعيّ: وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم. وقد استُثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يُشْرَع مثل الدعاء للسلطان مثلًا، بل جزم صاحب "التهذيب" بأن الدعاء للسلطان مكروه، وقال النوويّ: محله ما إذا جازف، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوبٌ. انتهى. ومحل الترك إذا لم يَخَفْ الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خَشِي على نفسه، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام حال الخطبة: (اعلم): أنه سبق البحث عن هذا مختصرًا في المسألة السابقة، ولكن لا بأس بإعادته على وجه الاستقصاء لأقوال أهل العلم وأدلّتهم ومناقشتها؛ تكميلًا للفائدة، فأقول: قال الحافظ ولي الدين العراقيُّ ﵀ ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام فيها؛ لأنه إذا لم تغتفر هذه الكلمة -يعني: "أنصت"- مع خفّتها، وكونها أمرًا بمعروف محتاج إليه في تلك الحالة، فما عداها أولى بالمنع. وهذا أحد قولي الشافعيّ، نصّ عليه في "القديم"، و"الإملاء"، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال ابن المنذر: نَهَى عثمان، وابن عمر عن الكلام، والإمام يخطب،

стр. 9777

وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم، والإمام يخطب فاقرَع رأسه بالعصا، وكره مالك ذلك، وابن عباس، والشافعي، وعوامّ أهل العلم. وقال الترمذي في "جامعه" بعد رواية هذا الحديث: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا للرجل أن يتكلّم، والإمام يخطب. قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": والمتقدّمون يُطلقون كثيرًا الكراهة، ويريدون التحريم. انتهى. وقال ابن بطّال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها. انتهى. والقول الثاني للشافعي أن الإنصات سنة، والكلام ليس بحرام، وهو نصّه في "الجديد"، وهو رواية عن أحمد، حكاها ابن قُدَامة. وقال ابن المنذر: كان النخعي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن مُهاجر، والشعبيّ، وأبو بردة يتكلمون، والحَجاج يخطب، وقال بعضهم: إنّا لم نُؤمر أن ننصت لهذا، قال ابن المنذر: واتّباع السنة أولى. انتهى. قال العراقيُّ: فيَحْتَمِل أن يراد بـ "هذا" الإشارةُ للحَجاج، لما كان فيه من الظلم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد لهذا الأمر. قال وليّ الدين: ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحَجاج، لا ينبغي سماعه، لما فيه من سبّ الصحابة ﵃، أو الأمر بالظلم، وما لا يجب امتثاله، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة، فيها ما لا ينبغي فعله. وقد قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوريّ، عن مُجالد، قال: رأيت الشعبي، وأبا بردة بن أبي موسى الأشعريّ يتكلمان، والحَجاج يخطب، حين قال: لعن اللَّه، ولعن اللَّه، فقلت: تتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا. وعن إبراهيم النخعيّ: أنه كان يتكلّم، والإمام يخطب زمن الحَجاج. قال ابن حزم: كان الحَجاج، وخطباؤه يلعنون عليًّا، وابن الزبير ﵃.

стр. 9778

وذكر ابن عبد البرّ أن عبد اللَّه بن عروة كان يُنصت للخطيب، فإذا شتم عليًّا تكلّم، ويقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا. وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الشعبيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسين أنه لا بأس بالكلام، والصحف تقرأ يوم الجمعة، وعن أبي بردة، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة، وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب اللَّه، وقالوا فيه، فنسكت لصحفهم هذه؟، وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام، والصحف تقرأ. وعن إبراهيم النخعيّ أنه قيل له: إن الكتب تجيء من قبل قُتيبة، فيها الباطل والكذب، فأكلّم صاحبي، أو أنصت؟ قال: لا، بل أنصت -يعني: في الجمعة- فطرد النخعيُّ والحسن منع الكلام في الخطبة، وسَدَّا البَابَ في ذلك. قال ابن بطال: وروى ابن وهب، وابن قانع، وعليّ بن زياد، عن مالك أن الإمام إذا لغى، وشتم الناس، فعلى الناس الإنصات، ولا يتكلّمون. ورُويَ عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه، أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات. ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر اللَّه، والموعظة أن يتكلّم، ولا يُنصت. انتهى. وقال ابن حزم: فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر اللَّه تعالى، ولا من الدعاء المأمور به، فالكلام مباح حينئذ، فهذان مذهبان آخران مفصِّلان، إما بين أئمة الجور وغيرهم، وإما بين الوعظ وغيره. وحكى ابنُ عبد البرّ قولًا خامسًا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصّة، قال: روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعيّ، وأبي بُردة، قال: وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنّة الثابتة، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به. وقال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوبَ سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضةً. انتهى. وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن، ومعناه أنه سنة مؤكدة، وهو

стр. 9779

قول الشافعيّ في الجديد، فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين، فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال: إن اللغوَ الباطلُ، ومن استحبّه أخذ بقول من قال: إنه السقط، وما لا يُعتدّ به، ولغط الكلام، وما لا محصول له، أو الْمُطَّرَح من القول، وما لا يُعْنَى، فإن هذه العبارات متقاربة المعنى، ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حرامًا. وقد قال الشافعيُّ ﵀ في قوله: "لغوت": تكلّمت في موضعٍ الأدبُ فيه أن لا تتكلّم. واحتجّ الشافعيّ في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس ﵁ في الرجل الذي قام إلى رسول اللَّه ﷺ في يوم الجمعة، وهو يخطب، فقال: "يا رسول اللَّه، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع اللَّه. . . "، وهو في "الصحيحين". وبحديث عثمان ﵁ حيث دخل يوم الجمعة، وعمر ﵁ يخطب، فكلّمه، وأجابه. واحتجّ على ذلك في الجديد بالحديث المتقدّم قبل هذا في سؤال النبي ﷺ الداخل، وهو يخطب عن كونه صلى، وإجابته له بقوله: "لا"، وقوله له: "صلّ ركعتين". وبكونه ﷺ كلّم الذين قَتَلوا ابن أبي الْحُقَيق على المنبر، وكلموه، وتداعوا قتله، وقد رواه الشافعي مرسلًا، قال البيهقيّ، وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي. وروي من وجه آخر موصولًا عن عبد اللَّه بن أنيس. انتهى. ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإمام، أو معه، فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة، بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن المذهب الراجح هو تحريم الكلام مطلقًا على حاضري الخطبة؛ لوضوح أدلته، وأما من كلمه الإمامُ، أو كلم الإمامَ فلا يحرم ذلك عليه؛ لأنه مستثنى بالنصوص الكثيرة

стр. 9780

الدالّة على ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه الإنصات أم لا؟: ذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية، إلى أنه لا فرق في وجوب الإنصات بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها. وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء، وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وهو الأصحّ عند الشافعية، واختلف الحنفية في هذه المسألة. وروى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة. والمختلف فيه هو كلام الآدميين، أما الذكر، والتلاوة سرًّا، فليس ممنوعًا منهما قطعًا. قال ابن قُدامة: وهل ذلك أفضل، أو الإنصات؟ يحتمل الوجهين: أحدهما الإنصات أفضل، لحديث عبد اللَّه بن عمرو، مرفوعًا: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا اللَّه، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن اللَّه يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] "، رواه أبو داود (١). ولقول عثمان: من كان قريبًا يسمع، ويُنصت، ومن كان بعيدًا يُنصت، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظّ ما للسامع. والثاني: الذكر أفضل؛ لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر. انتهى. وقال ابن عقيل من الحنابلة: في صورة البعد له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة، والمشهور عندهم منع ذلك. انتهى.

стр. 9781

قال ابن المنذر ﵀: ليس لأحد أن يتكلم، والإمام يخطب، على ظاهر هذا الحديث. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح قول من قال بتحريم الكلام مطلقًا، سواء سمع الخطبة، أم لا؛ لأن النبيّ ﷺ لم يشترط السماع حينما حرّم الكلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس حال الخطبة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في تشميت العاطس، وردّ السلام، والإمام يخطب، فرخّصت طائفة في تشميت العاطس، وردّ السلام، والإمام يخطب. وممن رخّص في ذلك: الحسن البصريّ، والنخعيّ، والشعبي، والحَكَم، وحماد، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يردّ السلام، ويُسمعه، وروي ذلك عن القاسم بن محمد. واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطسًا، ولا يردون سلامًا إلا بإيماء، وكان يقول بعدُ بمصر: وإن سلّم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يردّ عليهم بعضهم؛ لأن ردّ السلام فرض، ولو عطس رجل، فشمّته رجل رجوت أن يَسَعَه؛ لأن التشميت سنّة. وكان سعيد بن المسيّب يقول: لا يشمّته، وكذلك قال قتادة، وهذا خلاف قوله في ردّ السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أن ردّ السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس. وقال أصحاب الرأي: أحبّ إلينا أن يستمعوا، ويُنصتوا. وفرّق عطاء بين الحالين، فقال: إذا كنت تسمع الخطبة، فاردد في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها، فاردد عليه، وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمّت، وردّ. قال ابن المنذر ﵀: ثبت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت"، فالإنصات يجب على ظاهر السنّة،

стр. 9782

وإباحة ردّ السلام، وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يردّ السلام إشارةً، ويشمّت العاطس إذا فرغ الإمام من الخطبة. افتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا؛ لوضوح دليله. والحاصل أنه لا يُشرع ردّ السلام، ولا تشميت العاطس؛ لعموم الأدلّة، إلا أن يردّ السلام إشارةً، كما فعل ﷺ مع من سلّم عليه، وهو يصلّي، وكذا تشميته بعد الخطبة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الكلام بعد الفراغ من الخطبة: قال ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الإمام من الخطبة قبل أن يدخل في الصلاة، فرخّصت طائفة في ذلك. وممن كان لا يرى به بأسًا طاوس، وعطاء، والزهريّ، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد اللَّه، وإبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد، وروينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس بالكلام إذا نزل الإمام من المنبر يوم الجمعة حتى يكبّر. وكان الحكم بن عُتيبة يكره ذلك، وروي عن طاوس رواية توافق قول الحكم، خلاف الرواية الأولى. وكذا اختلفوا في الكلام بين الخطبتين، فكرهته طائفة، منهم مالك، والأوزاعيّ، والشافعي، وإسحاق، وقال الحسن البصريّ: لا بأس بالكلام بين الخطبتين، وإذا نزل الإمام عن المنبر. قال ابن المنذر ﵀: قد كان الكلام مباحًا قبل خطبة الإمام، وقد أمر الناس بالإنصات لإمامهم إذا خطب، فإذا انقضت الخطبة رجعت الإباحة، والأخبار دالّة على ذلك. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الإنصات يكون من

стр. 9783

خروج الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة؛ لما تقدم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام. . . " الحديث، فقد جعل خروج الإمام مبدأ الإنصات، فلا يتشاغل عنه إلا من يصلي تحيّة المسجد. ولما أخرجه البخاريّ والنسائيّ من حديث سلمان ﵁ مرفوعًا: "ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة، كما أمر ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة" (١). فقوله: "ثم يُنصت حتى يقضي صلاته"، نصّ في أن الإنصات يكون إلى انقضاء الصلاة. والحاصل أن الإنصات يكون من أوّل ما خرج الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا يتكلم في خلال ذلك سواء كان في حال الخطبة، أو بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة؛ لما ذكرناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) بن سَعْد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك

стр. 9784

المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الْحَكَم بن أبي العاص الأمويّ، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وَلِي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، ووَلِي الخلافة بعده، فعُدّ مع الخلفاء الراشدين [٤] مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنةً، ومدة خلافته سنتان ونصف (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ) -بقاف وظاء معجمة- وقيل: هو: إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، وَوَهِمَ من زَعَم أنهما اثنان، صدوق [٣] (بخ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٤. والباقون ذُكروا في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الماضي؛ لأن المصنّف ﵀ وصل فيه إلى الليث بواسطتين: عبد الملك، وأبوه، بخلاف الماضي، فإنه بواسطة، فتنبّه. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث قتيبة، ومحمد بن رُمح جميعًا عن الليث المتقدّم. [تنبيه]: رواية شعيب، عن الليث هذه ساقها النسائيُّ ﵀ بسند المصنّف، فقال: (١٤٠٢) أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، قال: حدّثني عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيِّب، أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيَعًا، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ).

стр. 9785

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرسانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون ذُكرُوا قبله. وقوله: (بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا) يعني: إسنادي ابن شهاب السابقين، وهما: سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁، وعمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم، وسعيد بن المسيِّب، كلاهما عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) "في" بمعنى الباء، متعلّق بـ "أخبرنى". وقوله: (مِثْلَهُ) أي: حديث ابن شهاب الماضي. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ:. . . إلخ) بنصب "غيرَ" على الاستثناء؛ أي: إلا أن ابن جريج قال في اسم شيخ عمر بن عبد العزيز: "إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ" بدل قول عُقيل: "عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ"، وقد سبق أنه مختلف في اسمه، وأن من زعم أنهما رجلان، فقد غلط. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧٦٢٩) حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا ابن جريج، وابن بكر (١)، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، عن أبي هريرة، وعن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت". قال ابن بكر في حديثه: قال: أخبرني ابن شهاب، عن حديث عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، عن أبي هريرة، وعن حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقوله.

стр. 9786

انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغِيتَ"، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: "فَقَدْ لَغَوْتَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صَنَّف "المسند" [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمرإن ميمون الهلاليّ أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذَكْوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الملقّب بأبي الزناد، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. وأبو هريرة ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قال النوويُّ ﵀: فيه دليل على أن وجوب الإنصات، والنهيَ عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهبنا، ومذهب مالك، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام. انتهى (١).

стр. 9787

قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم البحث في هذا قريبًا مستوفًى مع ترجيح ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀؛ لقوّة حجّته، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (فَقَدْ لَغِيتَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ. . . إلخ) قال النوويُّ ﵀: قال أهل اللغة: يقال: لغا يلغو، كغزا يغزو، ويقال: لَغِيَ يَلْغَى، كعَمِيَ يَعْمَي، لغتان، الأولى أفصح، وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وهذا من لَغِيَ يَلْغَى، ولو كان من الأول لقال: والْغُوا بضم الغين، قال ابن السِّكِّيت وغيره: مصدر الأول: اللَّغْوُ، ومصدر الثاني: اللَّغْيُ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "الأُولى أفصح" فيه نظر لا يخفى، كيف يكون أفصح من الثانية التي وقعت في القرآن الكريم؟ هذا غير مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومعنى "فقد لغوت": أي: قلت اللغو، وهو الكلام الْمُلْغَى الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه: قلت غير الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي. ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبَّه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لَغْوًا، فغيره من الكلام أولى، وإنما طريقه إذا أراد نَهْيَ غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فَهِمَه، فإن تعذر فهمه فلْيَنْهَهُ بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن. واختَلَف العلماء في الكلام، هل هو حرام، أو مكروه كراهةَ تنزيه؟ وهما قولان للشافعيّ، قال القاضي: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وحُكِي عن النخعيّ، والشعبيّ، وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تَلا فيها القرآن، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟، فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعيّ، وأحمد، وأحد قولي الشافعيّ: لا يلزمه. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١)،

стр. 9788

وهو بحثٌ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) [تنبيه]: سقط من نسخة شرح السيوطيّ المسمّى "الديباج على صحيح مسلم بن الحجّاج" هنا أحاديث هذا الباب إلا حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ الآتى آخر الباب، فليُتنبّه (١). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀: المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦٩] (٨٥٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"، زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق

стр. 9789

بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغتي الأداء، فيحيى قال: قرأت على مالك، وقتيبة قال: عن مالك بن أنس، فجعله بـ "عن"، ونسب شيخه إلى أبيه، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، إلا شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بَغْلانيّ، وقد دخلا المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، فقد نُقل عن البخاريُّ ﵀ أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁ أبو الزناد، عن الأعرج، عنه (١). ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، كذا رواه أصحاب مالك في "الموطأ"، ولهم فيه إسناد آخر إلى أبي هريرة ﵁، وفيه قصة له مع عبد اللَّه بن سلام ﵁، قاله في "الفتح" (٢). (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يعني: أنه ﷺ بيّن لأصحابه ما في يوم الجمعة من الفضل؛ ليحُثّهم على العناية بتعظيمه، والاشتغال بالطاعة، والدعاء فيه (فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ) كذا هي مبهمةٌ في هذه الرواية، وعُيِّنَت في أحاديث أُخَر، كما سيأتي (٣)، والمراد بالساعة: قطعة من الزمن، فليس المراد الساعة المشهورة والمتداولة بين الناس.

стр. 9790

وقال في "العمدة": الساعة: اسم لجزء مخصوص من الزمان، وَيَرِدُ على أنحاء: أحدها: أنها تُطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وهي مجموع اليوم والليلة، وتارةً تُطلق مجازًا على جزءٍ ما غيرِ مقدر من الزمان، فلا يُتَحَقَّق، وتارةً تطلق على الوقت الحاضر، ولأرباب النجوم والهندسة وضعٌ آخر، وذلك أنهم يُقَسِّمون كل نهار وكل ليلة باثني عشر قَسْمًا، سواء كان النهار طويلًا أو قصيرًا، وكذلك الليل، ويُسَمُّون كل ساعة من هذه الأقسام ساعةً، فعلى هذا تكون الساعة تارةً طويلةً، وتارةً قصيرةً، على قدر النهار في طوله وقِصَره، ويسمون هذه الساعات الْمُعْوَجَّة، وتلك الأولى مستقيمةٌ. انتهى (١). (لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يصادفها، أعمّ من أن يقصدها، أو يتّفق له وقوع الدعاء فيها (عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي) جملة حاليّة من "عبدٌ"، وفي الرواية التالية: "قائمٌ يصلي"، وللبخاريّ: "وهو قائمٌ يصلي". قال في "الفتح": قوله: "وهو قائم يصلي، يسأل اللَّه" هي صفات لـ "مسلم"، أُعربت حالًا، ويَحْتَمِل أن يكون "يصلي" حالًا منه؛ لاتصافه بـ "قائم"، و"يسأل" حالٌ مترادفةٌ، أو متداخلةٌ. وأفاد ابن عبد البر أن قوله: "وهو قائم" سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومُطَرِّف، والتِّنِّيسيّ، وقتيبة، وأثبتها الباقون، قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه، وحكى أبو محمد بن السِّيد، عن محمد بن وَضّاح، أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأنّ السبب في ذلك أنه يُشْكِل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، والثاني أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس، وقد احتَجَّ أبو هريرة على عبد اللَّه بن سلام لَمَّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعة صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله: "وهو قائم" عند أبي هريرة ثابتًا لاحتجّ عليه بها، لكنه سَلَّم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده.

стр. 9791

وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كلّه، وليست صلاة على الحقيقة. وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيّد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مَظِنّة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم، من باب التعبير عن الكل بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة. انتهى. وقوله: (يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا) جملة حاليّة أيضًا، فهما إما متداخلتان، أو مترادفتان، كما سَبَقَ بيانه آنفًا. والمراد بقوله: "شيئًا" أي: مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، كما بيّنه في الرواية التالية بقوله: "يسأل اللَّه خيرًا"، وفي حديث أبي لبابة ﵁ عند ابن ماجه: "ما لم يسأل حرامًا"، وفي حديث سعد بن عبادة ﵁ عند أحمد: "ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رَحِمٍ"، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للاهتمام به (١). (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ") أي: ذلك الشيء الذي سأله. (زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ) وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) مفعول "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه؛ يعني: أن قتيبة زاد في روايته عن مالك على رواية يحيى عنه هذه الجملة، فقوله: "يقلّلها" جملة حاليّة من فاعل "أشار"، وهو ضمير النبيّ ﷺ ، كما يأتي بيانه الآن. [تنبيه]: قوله: "وأشار بيده" كذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب، عن مالك، وأشار رسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية للبخاريّ في "الطلاق" من طريق بشر بن المفضّل، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين: "ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يُزَهِّدها"، وبَيَّن أبو مسلم الكجيّ

стр. 9792

أن الذي وضع هو بشر بن المفضل، راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فَسَّر الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة، تتنقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره. وبهذا يحصل الجمع (١) بينه وبين قوله: "يُزَهِّدها"؛ أي: "يُقَلِّلها"، وفي رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة الآتية هنا: "وهي ساعة خفيفة"، وللطبراني في "الأوسط" في حديث أنس ﵁: "وهي قدر هذا"؛ يعني: قبضة. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: الإشارة لتقليلها، هو للترغيب فيها، والحضّ عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، قاله في "الفتح" (٢). وقال وليّ الدين ﵀: قوله: "وأشار بيده يقللها" لم يبيّن كيفية هذه الإشارة، وقد تقدم في رواية للبخاريّ: "ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر"، والظاهر أن المراد أنملة الإبهام، وقد يقال: كيف وضعها على بطن الوسطى والخنصر، وبين هذين الأصبعين أصبع أخرى، وهي البنصر؛ ولعله عَرَض الإبهام على هذه الأصابع، وسكت عن ذكر البنصر؛ لأنه إذا وضع الإبهام عرضًا على الوسطى والخنصر، فلا بدّ وأن يكون موضوعًا على البنصر أيضًا، فسكت عنه؛ لفهمه مما ذُكر، وأما إذا كان الإبهام موضوعًا على استقامته، فلا يمكن أن يكون موضوعأ على الوسطى والخنصر في حالة واحدة. انتهى (٣). وقال وليّ الدين ﵀ أيضًا: قد ورد التصريح بذلك لفظًا بقوله: "وهي ساعة خفيفة"، وهو في "صحيح مسلم" من حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة -يعني: الحديث الآتي بعد حديثين-. وفي "معجم الطبراني الأوسط" عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ابتغوا الساعة التي تُرجى في الجمعة ما بين العصر إلى غيبوبة الشمس، وهي قدر هذا يعني: قبضة". وفي حديث عبد اللَّه بن سلام ﵁ عن ابن ماجه: "أو بعض ساعة"، وذلك يدل على قِصَرِ زمانها، وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على

стр. 9793

المنبر وآخر الصلاة، ولا لما بين العصر والمغرب، بل المراد على هذين القولين، وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت، وأنها لحظة لطيفة، وقد نَبَّهَ على ذلك القاضي عياض، وقال النوويّ في "شرح المهذب" بعد نقله عنه: إن الذي قاله صحيح. قال وليّ الدين: لكن في "سنن أبي داود" وغيره عن جابر ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعةً، لا يوجد مسلم يسأل اللَّه شيئًا، إلا آتاه اللَّه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، وهذا يقتضي أن المراد الساعة التي ينقسم النهار منها إلى اثني عشر جزءًا، لكونه صدَّر الحديث بأن يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فدلّ على أن قوله في آخره: "فالتمسوهما آخر ساعة" أي: من الساعات الاثنتي عشرة المذكورة أول الحديث، إلا أن يقال: ليس المراد بالتماسها آخر ساعة أنها تستوعب آخر ساعة، بل هي لحظة لطيفة في آخر ساعة، فتُلْتَمس تلك اللحظة في تلك الساعة؛ لأنها منحصرة فيها، وليست في غيرها. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٩٦٩ و ١٠٩٧ و ١٩٧١ و ١٩٧٢ و ١٩٧٣ و ١٩٧٤] (٨٥٢)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٥)، و"الطلاق" (٥٢٩٤)، و"الدعوات" (٦٤٠٠)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٤٣١ و ١٤٣٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٦٩ و ٤٧٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٣٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٠٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٥٧١ و ٥٥٧٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٠ و ٢٤٤ و ٢٥٥ و ٢٨٤ و ٢٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٣٧

стр. 9794

و ١٧٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٤٧ و ٢٥٤٨ و ٢٥٤٩ و ٢٥٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩١٥ و ١٩١٦ و ١٩١٧ و ١٩١٨ و ١٩١٩ و ١٩٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٤٨)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال وليّ الدين العراقيُّ ﵀ في الكلام على تخريج هذا الحديث ما حاصله: أخرجه الشيخان، والنسائيّ من طريق مالك، وفي رواية البخاريّ: "وهو قائم يصلي"، وذكر ابن عبد البر أن عامة رواة "الموطأ" قالوا في هذا الحديث: "وهو قائم يصلي"، إلا قتيبة، وأبا مصعب، فلم يقولا: "وهو قائم"، قال: ولا قاله ابن أويس، ولا مُطَرِّف، ولا التِّنِّيسيّ، قال: والمعروف في حديث أبي الزناد هذا قوله: "وهو قائم" من رواية مالك وغيره، وكذلك رواه ورقاء في نسخته، عن أبي الزناد، وكذا رواه ابن سيرين، عن أبي هريرة. انتهى. وأخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، واتفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق أيوب السختيانيّ، والشيخان أيضًا من طريق سلمة بن علقمة، ومسلم، والنسائيّ من طريق عبد اللَّه بن عون، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: "إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلم، قائم يصلي، يسأل اللَّه خيرًا، إلا أعطاه إياه"، وقال بيده: يقلِّلها: يزَهِّدها، لفظ مسلم، وفي رواية البخاريّ، والنسائيّ، من طريق أيوب بعد قوله: "وقال بيده، قلنا: يقللها، يزهدها"، ففي قوله: "قلنا"، زيادةٌ، وهي أنهم فَهِمُوا من هذه الإشارة التقليل من ذلك الوقت، وذكره بعضهم لبعض، وفي رواية البخاريّ من طريق سلمة بن علقمة بعد قوله: "وقال بيده: ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها"، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ: "إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم، يسأل اللَّه فيها خيرًا، إلا أعطاه"، قال: "وهي ساعة خفيفة"، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم في "مستدركه"، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي، يسأل اللَّه فيها شيئًا، إلا

стр. 9795

أعطاه"، قال أبو هريرة: فلقيت عبد اللَّه بن سلام، فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم تلك الساعة، فقلت: أخبرني بها، ولا تَضُنَّ بها عليّ، قال: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، قلت: وكيف تكون بعد العصر، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي"، وتلك الساعة لا يُصَلَّى فيها؟ قال عبد اللَّه بن سلام: أليس قال رسول اللَّه ﷺ : "من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة"؟ قلت: بلى، قال: فهو ذاك. لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ. وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، والحاكم: قال عبد اللَّه بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد في "مسنده" من حديث العباس، وهو عبد الرحمن بن ميناء، عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، بلفظ: "إن في الجمعة ساعةً. . . " الحديث، وفي آخره: "وهي بعد العصر". انتهى كلام وفي الدين ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل يوم الجمعة؛ لاختصاصه بهذه الساعة التي لا توجد في غيره، وقد ورد التصريح بأنه خير يوم طلعت فيه الشمس، كما سيأتي في الباب التالي، من حديث أبي هريرة ﵁، وورد في ذلك عدّة أحاديث. قال وليّ الدين ﵀: وصرّح أصحابنا الشافعية بأنه أفضل أيام الأسبوع، وأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، واختلفوا في أفضل الأيام مطلقًا على وجهين: أصحهما أنه يوم عرفة، وذكروا ذلك في الطلاق، فيما لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، ومقتضى الحديث المصرّح بأن يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس تفضيله مطلقًا، كما هو أحد الوجهين. انتهى (٢).

стр. 9796

قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ترجيح القول بأن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة؛ لوضوح حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل الدعاء يوم الجمعة، واستحباب الإكثار منه فيه؛ رجاء مصادفة تلك الساعة، ولا سيما في الوقتين المذكورين في الحديث، وهما من جلوس الإمام على المنبر إلى فراغه من الصلاة، وبعد صلاة العصر إلى المغرب، قال وليّ الدين ﵀: وقد صرّح بذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبيّ ﷺ . وتُعُقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لا اختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلِّق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضليّة يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعيّ إجمال، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرِفَت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى؛ ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك؛ ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين (١) حتى لا يُخَصّ بالإكرام واحدٌ بعينه. ٥ - (ومنها): أنه قد ورد في ساعة الجمعة هذه ما ورد في ليلة القدر، من أنه ﷺ أُعْلِم بها، ثم أُنسيها، رواه أحمد في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: سألت النبيّ ﷺ عنها؟ فقال: "إني كنت أُعلمتها، ثم أُنسيتها كما أُنسيت ليلة القدر". قال وليّ الدين ﵀: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط

стр. 9797

الشيخين، ولعل ذلك يكون خيرًا للأمة؛ ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال ﷺ في ليلة القدر حين أُنسيها: "وعسى أن يكون خيرًا لكم". قال الحافظ العراقيُّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": وإن من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورِضَى اللَّه تعالى عنه، لَجَدِير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد؟ كما قال عبد اللَّه بن عمر ﵄: إن طلب حاجة في يوم يسيرٌ. قال العراقيّ ﵀: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء، وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قَسَمَ الإنسان جمعة في جُمَعٍ أتى على تلك الساعة، قال: وهذا الذي قاله بناءٌ على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور، واللَّه أعلم. انتهى (١). ٦ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين ﵀: أَطْلق في هذه الرواية المسئول، وظاهره أن جميع الأشياء في ذلك سواء، وفي رواية أخرى: يسأل اللَّه خيرًا، وهي في "الصحيحين" من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، وفي "صحيح مسلم" من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، وهي أخص من الأولى، إن فُسِّر الخير بخير الآخرة، وإن فُسِّر بأعمّ من ذلك؛ ليشمل خير الدنيا، فَيَحْتَمِل مساواتها للرواية الأولى، ويَحْتَمِل أن يقال: إنها أخص أيضًا؛ لأنه قد يدعو بشيء ليس خيرًا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شرّ محضٌ، يَحْمِله على الدعاء به سوء الْخُلُق والحرج، فيُحْمَل المطلق على المقيَّد. وقد ورد التقييد أيضًا في حديث سعد بن عبادة ﵁ أن رجلًا من الأنصار أتى النبيّ ﷺ ، فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ قال: "فيه خمس خلال. . . " الحديث، وفيه: "وفيه ساعة، لا يسأل عبد فيها شيئًا إلا آتاه اللَّه، ما لم يسأل مَأْثَمًا، أو قطيعةَ رَحِم"، رواه أحمد، والبزار، والطبرانيّ في "الكبير"، وإسناده جيّد، وعطف "قطيعة الرحم" على "المأثم"، وإن دخل في عمومه؛ لعظم ارتكابه.

стр. 9798

وفي "سنن ابن ماجه" من حديث أبي لبابة ﵁: "ما لم يسأل حرامًا". وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث أنس ﵁ قال: "عُرِضت الجمعة على رسول اللَّه ﷺ . . . " الحديث، وفيه: "وفيها ساعة لا يدعو عبد ربه بخير، هو له قسم، إلا أعطاه، أو يتعوذ من شرّ إلا دفع عنه، ما هو أعظم منه". ففي هذا الحديث أنه لا يجاب إلا فيما قُسِم له، وهو كذلك، ولعله لا يُلْهَم الدعاءَ إلا فيما قُسِم له جمعًا بينه وبين الحديث الذي أُطلق فيه أنه يُعْطَى ما سأله، ولكن جاء في حديث أنس ﵁ في روايةٍ ذكرها البيهقيّ في "المعرفة": "وإن لم يكن قُسم له دُخِر (١) له ما هو خير منه". وقوله: "أو يتعوذ من شرّ إلا دُفع عنه ما هو أعظم منه" لم يذكر فيه دفع المستعاذ منه، فكأنّ المعنى: دُفع عنه ما هو أعظم إن لم يُقَدَّر له دفع ما تعوّذ منه. ويَحْتَمِل أنه سقط منه لفظة "أو"، وأنه كان: إلا دفع عنه، أو ما هو أعظم منه، فإن نسخ "المعجم الأوسط" يقع فيها الغلط كثيرًا؛ لعدم تداولها بالسماع. وقد ورد في حديثٍ: إن الداعي لا يخطئه إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، أو يُدَّخَر له في الآخرة، أو يدفع عنه من سوء مثلها، ولكن ذلك الحديث في مُطلق الدعاء، فلا بدّ وأن يكون للدعاء في ساعة الإجابة مزيد مزية. وقد يقال: ذُكِر في مطلق الدعاء أن يُدْفَع عنه من السوء مثلها، وذكر في ساعة الإجابة دفع ما هو أعظم منه، فهذه هي المزية، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. ٧ - (ومنها): أن فيه العملَ بالإشارة، وأنها قائمة مقام النطق، إذا فُهِم المراد بها، وقد أورده البخاريّ في "باب الإشارة في الطلاق، والأمور"، قال

стр. 9799

وليّ الدين ﵀: وإنما اكتَفَى أصحابنا بالإشارة في الطلاق والعقود ونحوها، من الأخرس الذي لا يَقدر على النطق، إذا كانت له إشارة مفهومة، أما الناطق فلم يكتفوا بإشارته في العقود والفسوخ ونحوها، وإنما اكتفوا بها في الأمور الخفيفة. انتهى. ٨ - (ومنها): ما قيل: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟. أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة. ويَحْتَمِل أن يكون عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ساعة الجمعة: لقد حقّق الحافظ ﵀ هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه "فتح الباري"، حيث قال: وقد اختَلَفَ أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تُبْهَم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك، هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟، وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح: (فالأول): أنها رُفعت، حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: ردّه السلف على قائله، ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني

стр. 9800

داود بن أبي عاصم، عن عبد اللَّه بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كَذَبَ من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ. وقال صاحب "الهدي": إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرُفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله. (القول الثاني): أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه، رواه مالك في "الموطأ"، وأصحاب السنن. (القول الثالث): أنها مخفيّة في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر. روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبيّ ﷺ عنها؟ فقال: "قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر". ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئًا، إلا أن كعبًا كان يقول: لو أن إنسانًا قسم جمعةً في جُمَع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدئ من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير، قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء. انتهى. والذي قاله ابن عمر يصلح من يَقْوَى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كل أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو كلام جمع من العلماء، كالرافعيّ، وصاحب "المغني"، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة.

стр. 9801

ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه. (الرابع): أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالًا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها. (الخامس): إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي"، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في "شرحه على البخاريّ" ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيّدها، ورواه ابن المنذر، فقيّدها بصلاة الجمعة. واللَّه أعلم. (السادس): من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. (السابع): مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب، رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خَليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى. (الثامن): مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبّر. رواه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد اللَّه بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: "التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة"، فذكرها. (التاسع): أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في "شرح التنبيه"، وتبعه المحبّ الطبريّ في "شرحه".

стр. 9802

(العاشر): عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في "الإحياء"، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في "شرحه" بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ. (الحادي عشر): أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني"، وهو في "مسند الإمام أحمد" من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا بها اللَّه فيها استجيب له"، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة. قال المحبّ الطبريّ: قوله: "في آخر ثلاث ساعات" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة. (الثاني عشر): من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في "الأحكام"، وقبله الزكيّ المنذريّ. (الثالث عشر): مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعًا، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي. (الرابع عشر): بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله. (الخامس عشر): إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في "الطبقات" عن عُبيد اللَّه بن نوفل نحو القصّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك.

стр. 9803

(السادس عشر): إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت: "يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه"، قيل: أية ساعة؟ قالت: "إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة"، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنيّر: ويتعيّن حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب. (السابع عشر): من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصبّاغ بلفظ: إلى أن يدخل الإمام. (الثامن عشر): من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ. (التاسع عشر): من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في "نكته على التنبيه" عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في "شرح البخاريّ"، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح. (العشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزيّ في "كتاب الجمعة" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله. (الحادي والعشرون): عند خروج الإمام، رواه حُميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" عن الحسن أن رجلًا مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت. (الثاني والعشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك. (الثالث والعشرون): ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضًا، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام الجمعة؛ لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير

стр. 9804

هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة أثما، ولم يبطل البيع. (الرابع والعشرون): ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في "شرح السنة" عنه. (الخامس والعشرون): ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله. (السادس والعشرون): عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. (السابع والعشرون): مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أُمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة. (الثامن والعشرون): من حين يَفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، وإسناده ضعيف. (التاسع والعشرون): إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في "الإحياء". (الثلاثون): عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح "المصابيح". (الحادي والثلاثون): أنها عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي

стр. 9805

إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولًا بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة. (الثاني والثلاثون): حين تقام الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضًا، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعًا بإسناد ضعيف. (الثالث والثلاثون): من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول اللَّه؟ قال: "حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها"، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ رواية كثير، ورواه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه بلفظ: "ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة"، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه. (الرابع والثلاثون): هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية (١)، واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →