← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الفضل وقال: أما علمت أنه «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» (٣٠)، إن «نسنس» إنما أخذ قسمه ولم يأخذ قسمك، لو كان [لك] (٣١) مقسوما لم يأخذه، ثم قال: أما علمت أن الحوت في البحر مكتوب على ظهره-وهو في البحر-إنه من رزق فلان. ومن ذلك ما رأي محمود المتعبّد [رأى] (٣١) النبي ﷺ في المنام وهو يقول له: اجمع الفول الأخضر من جنانك واحمله إلى الغدامسي فإنه اشتهاه. قال: فاستيقظت فخرجت إلى الجنان، فجمعت الفول الأخضر ومضيت به إلى (الشيخ) (٣٢) الغدامسي، فقال له (٣٣): من أخبرك أني اشتهيت الفول؟ فقال له: النبي ﷺ (٣٤) أخبرني في المنام. وكان إذا خرج من المنستير أحد يريد (٣٥) الحج يأتي إلى أبي الفضل الغدامسي فيسأله (٣٦) في الدعاء، فيقول له أبو الفضل (الغدامسي) (٣٢): يا أخي إذا رزقت (الحجّ) (٣٢) وزرت قبر النبيّ ﵊ فأحب أن تقرأ على رسول الله ﷺ [مني] (٣٧) السلام وتقول له: أبو الفضل الغدامسي يقرأ عليك السلام وكذلك صاحبيك (٣٨)، قال أبو القاسم: فلما حججت وزرت سلّمت على رسول الله ﷺ وقلت له: يا رسول الله [تعالى وتقدّس] (٣٩) أنا (٤٠) فلان بن فلان من سكان المنستير، وأبو الفضل الغدامسي يقرئك السلام وصاحبيك. قال:

стр. 1017

فسمعت صوتا لا أشك أنه صوت عمر بن الخطاب لجهارته وهو يقول: تبلغنا، تبلغنا. قال أبو الحسن الفقيه: كان أبو الفضل الغدامسي يذكر أشياء فيقال له: من أين لك هذا؟ فيقول: يأتيني شيخ من ناحية (٤١) البحر فيحكي لي، فقيل له: من هذا الشخص؟ فأشار [إلى] (٤٢) أنه الخضر ﵇ (٤٣) فقيل له: وما الدليل (٤٤) على أنه (الخضر) (٤٣)؟ فقال: يأتي بأمر لا يستطاع دفعه. وكان يتكلم على الخاطر (٤٥): ذكر أبو بكر بن سعدون قال: كنت يوما عند أبي الفضل (الغدامسي) (٤٣)، فجال في سرّي أن أسأله عن شيء من أمر الدنيا، فلمّا هممت بالاستفتاح في السؤال عن ذلك عطف عليّ فقال (٤٦) يا أبا بكر، قلت لبيك، قال: والله ما معي من الدنيا قيراط واحد (٤٧) وأنا أختار ذلك وأريده. قال أبو الفضل الغدامسي: سألت الله في شيئين فأعطانيهما، سألته أن ينزع من قلبي حب غدامس فنزعه، وسألته أن يكفيني مؤونة البراغيث فكفاني. قال أبو محمد الجبّي: فكان يجلس ونحن حوله نتفلّى من البراغيث وهو لا يحس شيئا. قال الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن: حدثني والدي [عبد الرحمن] (٤٨) قال: مضيت لزيارة أبي الفضل وحملت له معي تمرا، دفعته لإنسان دفعه إليه،

стр. 1018

قال: ثم دخلت عليه، فسلّمت وجلست، فقال للرجل: من أتى بهذا (التمر) (٤٩)؟ فقال له: -أصلحك الله تعالى-هذا الشاب، وأشار إليّ، فقال لي: من أين موضعك؟ فقلت له: من أهل القيروان، قال: فأقبل وهو يمدح أهل القيروان، ويذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم ويدعو لهم، قال: فقلت له -أصلحك الله تعالى-: أحبّ أن تدعو لهم بالغيث فإنهم تحت عطش (٥٠) عظيم، (قال) (٤٩): فأخذ في الدعاء (قال) (٤٩) فدعا بدعاء عظيم، (قال) (٤٩) فوصل إلينا الخبر من القيروان أن الوادي أتى إلى الماجل في الوقت الذي دعا فيه أبو الفضل، فملأ المواجل من غير مطر أصاب القيروان، إنما مطرت (٥١) البوادي فأتى السيل إلى المواجل فملأها. وأتاه رجل (٥٢) يستغيث به وهو يبكي فقال (له: -أصلحك الله تعالى-) (٤٩) أخذ أخي على (٥٣) لبود (٥٤) أتى بها من الأندلس-وكانت اللّبود مخطرة لا يخرج بها أحد-وقد سجن في المهدية على أن تقبّل (٥٥)، وهو يتضرّع، فرقّ له الشيخ أبو الفضل وقال له: أمضي معك، (قال) (٥٦) فخرج الشيخ أبو الفضل معه، فلما مشى عن القصر يسيرا استيقظ وقال للرجل: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله أخطأنا الطريق، (فقال له-أصلحك الله تعالى-: نحن على الطريق، فقال له: لا يا مبارك قد أخطأنا الطريق) (٥٦)، قال: فرجع (الشيخ) (٥٦) أبو الفضل إلى ناحية فركع ركعتين وسأل الله في حاجة الرجل، فما أصبح الصبح حتى وصل الرجل المسجون إلى أبي الفضل. فقال له: كيف كان خبرك؟ فقال له: ما أدري-أصلحك الله تعالى-إلاّ [أني] (٥٧) كنت جالسا في

стр. 1019

اللّيل أنتظر ما يصنع بي حتى فتح باب السجن وحلّت (٥٨) قيودي وقيل (لي) (٥٩): اخرج الساعة إلى المنستير. وذكر عنه (٦٠) -رحمه الله تعالى-أنه سأل الله أن يريه وليّا من أوليائه فرأى في منامه (كأن) (٥٩) قائلا يقول له: إذا كانت (٦١) اللّيلة الآتية تبيت برّا من القصر (٦٢) فترى ما سألت، فلما كانت اللّيلة الآتية انخلس (٦٣) من القصر وبات برا، فلمّا كان في ظلمة اللّيل رأى نورا ساطعا في «قبة الرمل» (٦٤) قال: فمشى إليه فإذا (في «قبة الرمل») (٦٥) شخص في أطمار وقد غلب نوره على سواد اللّيل، قال: فسلّم عليه، فردّ السلام وقال له: يا هذا ألا سألت الله في العفو، فإنك إذا سألته في العفو أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم ولّى. قال أبو محمد الجبيّ: جاء مرة (٦٦) السلطان معدّ-لعنة الله عليه-جائزا بالمنستير فنزل بها وضربت فازاته، فأرسل إلى الشيخ الغدامسي يسأله في الخروج إليه ليراه، فصعب ذلك على الشيخ، والرسل تأتي وراءه، فأسبغ الوضوء وركع ركعتين، فجاء رسول يجري وراء الرسل يخبرهم أن السلطان رحل، فقالوا له: أيش الخبر؟ فقال لهم: [بينما] (٦٧) السلطان جالس حتى دبّت عليه عقرب، فقال لهم: ارحلوا الساعة من هذا المكان، فمضى ولم يجتمع به. وأما سخاؤه ومروءته/وكثرة صدقته (ومعروفه) (٦٨) فكثير، وإيثاره على نفسه وإشفاقه ورقة قلبه، وسلامة صدره:

стр. 1020

قال أبو محمد الجبي: ما رأيت أهون من الدنيا عند أبي الفضل ولا أقل وزنا: وذلك أن رجلا أتى إليه وهو يجري ويلهث حتى سال عرقه، فقال له أبو الفضل: ما دهاك؟ فقال: أتيت لأبشّرك بوصول لوح (٦٩) مشحون أرسل [به] (٧٠) إليك، فقال له: وهذا الذي صيرك بهذه الحالة؟ فقال له: نعم، فقال له: اذهب فبارك (٧١) الله لك في اللوح بما فيه. قال أبو محمد بن أبي زيد (الفقيه) (٧٢): بلغني أن ابن عمّ له بغدامس توفي وليس له وارث غيره وترك جنانا وغلاما فيه محافظا (٧٣) على صلواته من الأتقياء، فقال: أشهدكم أنه حرّ وأن الجنان عليه صدقة. قال أبو محمد الجبي: أتى ليلة أبو محمد بن التبان الفقيه إلى أبي الفضل الغدامسي ليبيت عنده، فصاح بابن مؤنس (٧٤) ورشيد وقال لهما: الفقيه بات عندنا الليلة وليس عندنا (٧٥) ما نعشّيه (وما يصلح له) (٧٦)، الحقوني (٧٧)، قال: فمضى ابن مؤنس (٧٨) في الوقت إلى القصر فوجد سبع حجلات مع (بدوي) (٧٦) فاشتراهم وأتى بهم، فلما رآهم الشيخ سرّ بهم سرورا عظيما، ودخل إلى بيته وأخرج نعلا طائفيا (٧٩) جديدا مما أهدي إليه، وقطائع (٨٠) وأشياء مما يساوي دنانير،

стр. 1021

فدفع جميع ذلك إلى ابن مؤنس (٧٨) وقال له: خذ هذا فبعه وابعث به إلى صبيانك ينفقونه كما أدخلت على قلبي السرور في هذه الليلة. /وذكر عنه أنه أقام يشتهي غسّانية (٨١) سنين عدّة، فقال للذي يخدمه: قد تاقت نفسي إلى هذه الشهوة الغد أغدو ومعي ديناران (٨٢) ورثتهما من أمي، فخذهما وامض إلى سوسة فاشتر لنا سميذا طيبا وعسلا وما يصلح وتأتي معك بطبّاخ يتولّى لنا طبخها، فقال له خادمه إن الذي ذكرته يقوم بدار عرس ويأكل (منه) (٨٣) ثلاثمائة رجل، وأنت إنما تكسر شهوتك على ربع مدّ (٨٤) [سميذ] (٨٥) وربع قفيز (٨٦) عسل، وربع درهم زعفران وتأكل مع هذا منه (٨٧) ليالي (٨٨)، فقال له: يا بني قد علمت هذا الذي تقول ولكن آكل الغسّانية وحدي دون المرابطين؟ إنما أردت أن أعمّهم كلهم بأكلها، فمضى الخادم إلى سوسة فأتى معه بالطبّاخ وبكل ما يحتاج إليه، فلمّا صنعت الغسّانية (وأحكمت) (٨٩) قال لخادمه: اذهب إلى كل رجل في القصر فآت بصحفة من عنده نبعث فيها إليه بسهمه. قال: فأتى بصحاف كلّ من في القصر-القصبة والربض-وجعل صحفته بين الصحاف حتى عمّهم كلّهم وفرّقها عليهم ولم يبق في

стр. 1022

(بيته) (٨٩) إلاّ صحفته (٩٠) فيها سهمه وسهم خادمه (فقط) (٨٩) ثم قال أبو الفضل لخادمه (٩١): قد بقي علينا الشيخ المسنّ الكبير الذي في موضع كذا وكذا من القصر، وهو شيخ صالح قديم الخير لا يؤبه له، فكيف لم تأت بصحفته؟ فقال: قد-والله-أنسيته، فقال: لم يبق (٩٢) إلاّ صحفتي وفيها سهمي (٩٣) وسهمك فامض (٩٤) إليه بسهمي، فقال له خادمه: -أصلحك الله تعالى-لك مدّة تشتهي هذه الغسّانية وتحرمها نفسك الساعة؟ أنا أمضي إليه بسهمي وأترك (أنت) (٩٥) سهمك تفطر عليه/فقال: لا بدّ أن تمضي إليه بسهمي، فقال له: نمضي (٩٦) بسهمك وسهمي إليه، فقال: ذلك إليك، قال: فمضى الخادم بجميع ما في الصحفة، وتنكّد (٩٧) عليه من أجل ما حرمه الشيخ من شهوته، فلم يمش إلاّ قليلا وإذا بغلام أسود على كتفه خرج كبير فيه أزيار (٩٨) كثيرة وعليها قراطيس مشدودة (٩٩) مملوءة إلى أفواهها بالغسّانية المحكمة الصنعة، والقباط (١٠٠) الأبيض النضيج ملوّز وغير ملوّز، وفالوذج، وثردة حلوى بماء الورد والمسك والكافور. وأقبل وهو يقبّل رأسه ويديه (ورجليه) (١٠١) ويتضرّع إليه أن يأكل منه شيئا ولو وزن درهمين، فقال له الشيخ: من أنت يا هذا (١٠٢)؟

стр. 1023

فقال (١٠٣): أنا عبد-وأظنه قال: مولاي أبو بكر بن أبي عقبة (١٠٤) -، فقال: مالك؟ فقال له: مولاي يطهّر (١٠٥) اللّيلة أولاده وقد صنع طعاما واسعا للناس وبعث بجميع ما في هذا الخرج إليك وقال لي، وأشهد الله تعالى [عليه] (١٠٦) وكلّ من حضر عنده من العلماء والصالحين، إن أكل أبو الفضل اللّيلة من هذا الطعام شيئا فأنت حرّ وزوجتك وأولادك أحرار لوجه الله الكريم وابتغاء ثوابه العظيم، فسرّ أبو الفضل بعتق الغلام وأولاده [وزوجته] (١٠٦)، وازداد إيمانا ويقينا حين آتاه الله في الساعة التي آثر فيها على نفسه هؤلاء المرابطين ﵃ (١٠٧) بما لم يكن في (ظنه) (١٠٧) ولا في يقينه (١٠٨)، ثم بالعتق للغلام وأولاده وزوجته. وذكر قوم بحضرته/الدنيا وأهلها وما بلغت (إليه) (١٠٩) مكاسبهم وأن قوما كسبوا عشرة آلاف وأربعين ألفا (١١٠)، والشيخ ساكت، فقال له قائل منهم -أصلحك الله تعالى-: تحب لو كان لك هذا المال فتصرفه (١١١) في وجوه البرّ؟ فقال: لا أحبّ ذلك، وإن ذلك الحجر الذي أطلع عليه إلى الدكان (١١٢) خير (١١٣) عندي منه، لأن الحجر ينفعني [وذاك لا ينفعني] (١١٤). قال أبو الحسن: وكان في هذا متّبعا للعلم، لأن سحنون (رضي الله

стр. 1024

عنه) (١١٥) قال في كتاب الزهد (١١٦): ترك الحلال أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله ﵎. وكان أبو إسحاق السبائي إذا ذكر أبا الفضل يقول: ذلك سيّد العابدين، أخبرني بشيء ما اطلع عليه إلاّ الله . قال أبو محمد الحسن (١١٧): قلت لأبي محمد الجبيّ: ما هو؟ قال: زعموا أن أبا إسحاق السبائي أراد الرحيل من القيروان ولم يخبر أحدا (١١٨)، هروبا من سلاطين البلد في [ذلك] (١١٩) الوقت، وكان ذلك في نفسه، فأرسل إليه الغدامسي من المنستير: لا تتحرّك فليس للقوم إليك (١٢٠) طريق. قال أبو الربيع سليمان بن خلف التجيبي: سمعت رجلا في مجلس الغدامسي وهو يقول: بمنّك القديم وفضلك العظيم إلاّ ما غفرت لنا، فقال له الغدامسي: أتدري ما منّه القديم وفضله العظيم؟ فقال له الرجل: أخبرني-أصلحك الله تعالى-فقال: سمعت أبا جعفر/أحمد بن أبي خالد (١٢١) الدباغ يقول: سمعت عيسى بن مسكين، أو عنه، الشك من أبي الربيع، وهو يقول: منّه القديم: أن جعلك في اللّوح المحفوظ مسلما، وفضله العظيم: أن جعلك من أمة محمد ﵊. قال عبد الرحمن بن محمد (١٢٢): سمعت أبا الفضل يقول: ثلاث تنبت النفاق في القلب كما ينبت الزرع على شط الفرات: المنكر (١٢٣)، والاختلاف إلى أبواب السلاطين، واستماع الغناء.

стр. 1025

وكان-رحمه الله تعالى-من أرق الناس قلبا، وأغزرهم دمعة، سليم القلب من غائلة (١٢٤) كلّ مسلم، يرى أن أكثر الناس عيوبا وذنوبا أفضل منه عند الله ﵎. ولقد ذكر عنه أنه خرج من بيته ليلة من الليالي إلى المسجد، فنظر إلى شاب من جيرانه يقبّل حدثا، فأوهمهما أنه لم يرهما وتمادى إلى المسجد فصلّى (١٢٥) بالناس وعاد إلى بيته، فضاق القصر بأقطاره على الفتى، وطالت عليه ليلته، وجزع (١٢٦) جزعا شديدا. وتوهّم أن أبا الفضل يحكي عنه للمرابطين ما رآه، وودّ أنه لم يخلق حياء وحشمة، فهرب إلى سوسة وترك جميع ما في بيته، فأقام بها مدّة يتوقع ما يكون، فأتى قوم من المنستير، فسأل رجلا منهم: هل أحدث الغدامسي من بعدي (١٢٧) حدثا أو ذكر عني (١٢٨) شيئا؟ قال: ما سمعت ولا رأيت (١٢٩)، ثم سأل [غيره] (١٣٠) فلم يسمع شيئا يسوؤه، وقال له/المسئول: لقد أوحشتنا من غيبتك، وافتقدنا قراءتك وأذانك، فلم يصدّقهم فيما بينه وبين نفسه وقال: أحتال (١٣١) في الرجوع إلى بيتي، وآخذ ما كان لي (فيه) (١٣٢)، وأنتقل إلى حصن من الحصون، فدخل الحصن مساء، فأخبر بدخوله الشيخ أبو الفضل (١٣٣)، فقال: عليّ به، فأتاه جماعة من المرابطين وقالوا له. الشيخ يدعوك، فقام إليه (١٣٤) وهو لا يشك أنه (١٣٥) أخبرهم بقصته (١٣٦) مع الحدث، وهو

стр. 1026

يقول في نفسه: بأيّ وجه ألقاه، وأيّ حرمة تكون لي إذا أمر بضربي وأهانني، فقام كأنه يساق إلي الموت بالسيف صبرا، وليس في وجهه نقطة من دم، فلمّا رآه الشيخ أبو الفضل (١٣٧) قام إليه وسلّم عليه وعانقه وتبسّم في وجهه وقال له: ما هذه الغيبة؟ والله لقد أوحشتنا في غيبتك هذه، امض فصلّ بالناس فإني قد ضعفت اللّيلة عن القراءة. وأخذ بيده فمضى به وأدخله المحراب، فلم يصلّ بالناس حتى كادت نفسه تخرج من بين جنبيه حياء وحشمة، فلمّا انصرف الناس عدل إلى بيته فقال له الشيخ: سبحان الله العظيم! أنت اللّيلة ضيفنا (١٣٨) وضيافتك واجبة علينا، [فافطر اللّيلة عندنا] (١٣٩)، فأفطر الغدامسي والفتى معه على طعامه، فلمّا كان عند طلوع الفجر مرّ به الغدامسي/وهو يضم قشاشه (١٤٠)، وقد عظم في نفسه الأمر، وقال (في نفسه) (١٤١) مالي وجه انظر به إلى وجه الغدامسي بعد هذا كلّه، فعدل إليه الغدامسي وسأله عمّا يريده، فقال له: أزمعت الانتقال إلى قصر شقانص (١٤٢) أو قصر الطوب، فقال له والله لا برحت ولا خرجت مع الناس شبرا واحدا، اجلس يا بني ومدّ بكفيك إلى الله تعالى معي، ونعتقد (١٤٣) توبة نصوحا من ذنوبنا، ونرغب جميعا إلى الله تعالى فيها، فما رأيت في هذه (١٤٤) الحصون أكثر ذنوبا مني، وافتتح (١٤٥) في

стр. 1027

الدعاء لنفسه وللفتى، واجتهد (١٤٦) في التضرّع والبكاء (١٤٧)، وعادت على الفتى بركة ذلك الدعاء، فحسن منه الحال، وصار إلى غاية التصوّن والكمال. ولما احتضر-رحمة الله عليه-وأغمي عليه أفاق (١٤٨) من ذلك وأقبل يقول لمن حوله: أين أنا؟ فقيل (١٤٩) له: في بيتك، فيقول (١٥٠): ليس هذا بيتي، هذا بيت من فوقه (١٥١) غرف، ثم أغمي عليه بعد ذلك، ثم أفاق وهو يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون، ثم احتضر [وهو] (١٥٢) على ذلك، رحمة الله عليه. وفيها توفي: ٢٦٥ - إبراهيم المتعبد (*)، رحمة الله عليه. كانت له زوجة متعبدة يقال لها «نصرة» وعنده بنات. وكان يطحن للناس في بيته، ومنه كان قوته. وكان يقول: سألت الله ليلة (١) يميتني أن يبيت بناتي بلا عشاء حتى لا أترك لبناتي عدّة من الدنيا إلاّ الله (٢). ويشبه فعل هذا الرجل [في أهله] (٣) ما قاله بعض الصالحين: /إن الذي فوّضت إليه أمري ... هو الذي خلّفت في أهلي لا عدموا فضل إلهي الذي ... أفضاله أعظم من فضلي

стр. 1028

وفيها توفي: ٢٦٦ - أبو حفص عمر بن عبد الله بن يزيد (١) الصدفي (*) الإمام المتعبد. رحمه الله تعالى. توفي (٢) بمدينة سوسة. كان (٣) ممن طلب العلم وجالس العلماء، سمع (٤) من أحمد بن أبي سليمان وغيره، ثم اعتزل ولزم العبادة. وكانت له [في] كلّ ليلة ختمة (٥) ثم زاد فهمه، فكان لا يكاد يبلغ النصف حتي ينفجر الصبح، تأوها وتدبرا وحنينا وغزر دمعة. قال أبو الحسن الزعفراني: كنت إذا رأيت أبا حفص علمت أنه من أهل اللّيل قد أخلق السهر وجهه. وكان قد سكن قصر ابن الجعد فكان في ركن منه، وأبو عبد الله (٦) ابن دارة (٧) في الركن الثاني، وأبو الفضل الغدامسي في الركن الثالث، وأبو عبد الله ابن سعدون في الركن الرابع، فكانت (٨) أركان القصر تدوي بالقراءة اللّيل كله، وبالبكاء تارة، وبالنياحة (٩) تارة، وهم من أركان القصر يتجاوبون. وكان (١٠) من شأنه (١١) إذا تكاثر الناس بالمنستير، أيام الموسم، [أن] (١٢) يخرج

стр. 1029

إلى سوسة-لما اشتهر أمره-وكانت له بها زوجة، فيقيم بها، ويلبس ثيابا جميلة، ويتزيّى بزيّ حسن لا يشبه (زيّه) (١٣)، ويتصرف (في) (١٣) الأسواق كتصرف التجار، ليخفي (١٤) بذلك حاله ويستر [أمره و] (١٥) فضله، ولا يعرفه من يراه بهيئته تلك إذ المعروف غير ذلك من لبسته وهيئته. قال أبو علي الحسين ابن سعدون الورّاق المتعبد: فيجتمع الناس (١٦) بقصر ابن الجعد (١٧) للسلام عليه، ويتكاثرون (١٨) على باب بيته تبركا به وبرؤيته، ويبحثون (١٩) عنه رغبة في بركة دعوته فلا يجدون أحدا وهو بينهم بسوسة يتصرف ولا يفطن له ولا يعرف، فإذا انقضى الموسم عاد إلى بيته في القصر (٢٠) ولبس ما اعتاد لباسه من الخشن. رحمة الله عليه. وكان مجاب الدعوة: ذكر عنه أنه رأى ليلة القدر. وكان قد عرض له في ركبته داء منعه (٢١) من المشي إلاّ بالعصا وإذا وقف في الصلاة كانت معلّقة عن الأرض، وكان الناس يخوّفونه منها، قال: فخررت ساجدا في تلك الليلة وسألت الله أن يهب لي العافية فيها، فبرئت وزال منها الألم. قال (٢٢): وظهر لي إبليس فقال لي: كم بالله بالله (٢٣) وكم هذا الجدّ والاجتهاد، فقلت له: أتراك يا عدو الله ناجيا من عذاب الله تعالى إذا عذّبت

стр. 1030

أنا؟ قال: فانخسأ (٢٤) عنّي. يريد بعدو الله تعالى أنه لا بدّ له من عذاب الله ، فلو كان عذابي ينجيك لكنت (٢٥) حريصا على أن تجتهد عليه، ولكن لا بدّ لك منه نجوت أنا منه أو لم أنج. ورئي (٢٦) في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيرا، انتفعنا بفرّوج كان عندنا، قال: فسئلت/امرأته-وكانت ذات دين وتقى- ما سبب الفروج الذي كان عندك (وما قصته) (٢٧)؟ قالت (٢٨): (كان) (٢٧) خصيّا (٢٩) سمناه في عيد فطر (٣٠) قرب منا، فلمّا كانت (٣١) (ليلة) (٢٧) العيد ذبحناه وأصلحنا له جميع ما يحتاج إليه، فلما صلّينا المغرب قربته إليه، فلمّا نظر إليه قال: أحب أن أسألك في حاجة؟ فقلت وما هذه الحاجة التي تسألني فيها؟ فقال: أحب أن تؤثريني (٣٢) بنصيبك في هذه الصحفة في هذه اللّيلة، [قالت] فقلت له: أتسألني فيما كان لك أن أهبه لك؟ فقال: أحببت ذلك، قالت (٣٣): فقلت له: أفعل وكرامة، قالت (٣٤): فأخذ الصحفة وحملها على يده وخرج ولم يعلمني من أمرها بشيء فأتى إلى أرملة من جيراننا لها بنون (٣٥) وبنات أيتام فقرع عليها الباب فخرجت إليه، فوقف خلف الباب، فسلّم عليها ثم قال لها: وأين

стр. 1031

الصبية؟ فقالت: هم نيام، فقال لها: وما أوجب نومهم في هذا الوقت (٣٦)؟ فقالت له: اصطنع جيراننا أطعمة وفوّحوا أبازير وأفاويه (٣٧) فخفت أن يتشوّفوا إلى ذلك وليس عندنا شيء فنوّمتهم، فقال لها: ولم لا أرى عندك سراجا؟ فقالت له: ما عندنا زيت ولا طعام، فقال لها: خذي هذه الصحفة فأنبهيهم فليجتمعوا عليها، ثم أخذ كوزا مملوءا بالزيت وأتى به إليها وقال لها: اسرجي لهم (٣٨) السراج فهذا الذي/أوجب ذكر الفروج في المنام. رضي الله تعالى عنه.

стр. 1032

ثم كانت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٦٧ - أبو بكر عطية بن محمد بن رهبون الجزري الجماجري (١) المتعبد (*) قال أبو الحسن الدينوري (٢): ما قدم إلينا من إفريقة أكثر جدا واجتهادا من عطية. حجّ حججا كثيرة. وكان مستجاب الدعوة. ذكر أبو جعفر أحمد الحدّاد الجزيري-وكان من خاصة عطية-قال: توجّه عطية إلى الحج سنة من السنين، فوصل إلى تروجة (٣)، فدخل المسجد، وكان جائعا فاجتاز (٤) به شاب، فلمّا رآه قال له-وهو خارج من المسجد-: امض معي فمضى معه، فأدخله بيتا وأتاه بخبز وشراب (٥) -يعني لبنا (رائبا) (٦) - فأكل. فبعد فراغه من الأكل (أخبره) (٦) أنه نصراني، فقال له: ما اسمك؟ قال: خلف، فقال له: جعلك الله يا خلف مؤذنا في هذا المسجد، فلما رجع من مكة أتى (٧) إلى ذلك المسجد، فوجده قد أسلم وهو يؤذن في المسجد، واستجاب الله دعوة عطية. (قال) (٦): وكان أبو العباس الإبياني يجلّ عطية هذا ويكبره. وكان عطية

стр. 1033

[هذا] (٨) قد وفقه (٩) الله تعالى في ابتداء أمره إلى أفضل الأعمال ببرّه بوالديه (١٠)، فكان يضرب به المثل في ذلك. حجّ حججا كثيرة. وذكر فراساته (١١) وكراماته وما ينطقه (١٢) الله تعالى به [على لسانه] (١٣) /على الخواطر (١٤) كثير يطول شرحه، ورفقه بأهل الذنوب، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استجابة (١٥) دعائه كما تقدّم (ذكره) (١٦).

стр. 1034

ثم كانت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٦٨ - أبو سعيد خلفون (*) النوفلي (١) (المتعبد بالمنستير ليلة الثلاثاء لسبع خلون من المحرم ودفن في قبلي القصر الكبير) (٢)، على سيف البحر مع أبي الحسين الكانشي في موضع واحد وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. رحمه الله تعالى. كان لا يخرج من بيته إلاّ لصلاة الفرض أو مجلس ترجى بركته. وكان إذا سلّم عليه أحد ينظر إليه فإن رأى لله فيه وديعة جلس وانبسط، وإن رأى غير ذلك قال: علينا شغل، ودخل [بيته] (٣). وكان كثيرا ما يقول: إني أعرف بالناس من البيطار بالدواب (٤). وكان يقول: من يعمل أياما بعدد ينعم أبد الأبد. من خلا بربه لم يعدم النور في قلبه، ومن خلا بغيره لم يعدم (٥) الزيادة في ذنبه. وكان يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيما لا موت فيه. [و] (٦) سمع وهو يقول لرجل: الزم الباب ترى العجب ألا ترى إلى بوّابي الستر لا يحجبون عن الملك يرفع الناس حوائجهم إليهم وهم يرفعونها إلى الملك. وقال: أضر ما على الإنسان نفسه ونفس نفسه ونفس نفس نفسه، قلت:

стр. 1035

ما تفسيره (٧) قال: نفسه: هي الأمارة بالسوء، ونفس نفسه: الهوى، ونفس نفس نفسه: الشهوة. قال أبو محمد بن نصر بن أبي البار الميلي: وسمعته يقول: بلغنا أن (الإنسان) (٨) إذا كان يدعو في الرخاء (٩) ثم نزل به البلاء فدعا قالت الملائكة: صوت معروف ودعوة مستجابة إن شاء الله ﵎ (٨)، وإن كان لا يدعو في الرخاء ونزل به البلاء [فدعا] (١٠) قالت الملائكة: صوت غير معروف ودعوة غير مستجابة قال: وإذا دعا العبد بظهر الغيب لأخيه قبل نفسه يقول الله : عبدي بك أبدأ ثم بأخيك. وأما استجابة دعوته، فذكر (١١) عنه أنه أفلج (١٢) وهو ابن تسعين سنة إلاّ سنة وأقام تسعة أشهر يصلّي على ظهره بالإيماء، وقد جفّ نصفه، ثم انحلّ (١٣) الفالج بعد ذلك (١٤) وزالت العلّة بأسرها وعاش بعد ذلك نحوا من أربع سنين، ومات بعلّة أخرى بحرارة. فسئل عن سبب (١٥) زوال الفالج فقال: لما رأيت أسري وطول علّتي قلت: اللهمّ إني أسألك بقدر القرآن عندك ومكانه منك إلاّ رددت (١٦) عليّ يديّ ورجليّ، فقمت كما ترى صحيحا. وقال له رجل من أصحابه-عند ما رآه [وما] (١٧). قد بلغ إليه [من] (١٧) الخير-: هل تحب الموت (أو الحياة) (١٨)؟ فقال: ما أحبّ هذا ولا هذا،

стр. 1036

ولكن أحب الذي أحبّ الله لي، إن أحب مولاي حياتي أحببت ذلك، وإن أحبّ مولاي موتي أحببت/ذلك. قال [عبد الله] (١٩): وهذه طريقة أهل الرضى ولا تسليم وهي درجة رفيعة (٢٠). ولما حضرت وفاته قال: أوقد (٢١) السراج للأضياف الذين عندنا. قال الجبي فقدر أنه رأى ملائكة الحضور، ثم مات [ ..... ] (٢٢) من اللّيل، وأوصى أن يصلّي عليه حيان بن بقين المؤدب (المغربي) (٢٣)، إذ هو من سادات سكان ذلك القصر، وأنذر الناس بموته وتربص به الاربعاء والخميس، وكفن في كساء وجبّة (من) (٢٣) صوف وكرزية كان يصلّي فيها إذا نام الناس مع إزار وثوبين، وصلّى عليه، وجعل بعضهم يعزّي بعضا فيه. وذكر أنه أتى رجل من أهل المشرق إليه فسلّم عليه فسأله من أين موضعه؟ [فقال له: من بيت المقدس [و] (٢٤) قد جئت من الأندلس أريد بلدي] (٢٥)، فقال له: من بيت المقدس إلى الأندلس لو لزمت الباب لرأيت العجب، فقال له: يا شيخ أنا رجل لي حوائج أدور (٢٦) على البوابين لعلّي أصادف منهم من يرفع حاجتي. فسكت النوفلي.

стр. 1037

وكان يقول: يحق لمن لم يدر في اللوح [المحفوظ] (٢٧) ما اسمه (أن) (٢٨) لا يزال بقلب قريح مكروب. (قال) (٢٨): وقال له بعض أصحابه: أبلغك (٢٩) أن أحدا اجتمع مع الخضر؟ فقال: بلى رجل في هذا الحصن، قال له: هو حيّ اليوم؟ قال: نعم، ثم عطف وقال: قد صلّى الخضر معنا في المسجد مرارا. قال ذلك مرات. وحدّث أبو محمد الحسن بن [أبي] (٣٠) العباس الأجدابي قال: حدثنا أبو علي القمودي قال: كنت جالسا يوما عند أبي سعيد بالقصر الكبير ومعي حريز (٣١) الخياط الأمين حتى أتى الشيخ أبوك-يعني أبا العباس رحمه الله تعالى-ومعه أبو محمد الجبيّ: عبد الله بن يوسف، قال فسلموا على الشيخ وجلسوا. قال: فقال الشيخ لأبي العباس والدك: نشمّ عليك رائحة طيّبة. فقال له الجبي: هذه رائحة الماءورد المحلوب (٣٢) والكافور (٣٣) فقال (٣٤) الشيخ: الكافور .. ! أخبرك يا أخي ما رأيت الكافور قط.قال: فارسل الشيخ والدك (الغلام) (٣٥) إلى الحصن-يعني قصر ابن الجعد-في الموضع الذي كان فيه نازلا. وقال له: ايتني بالمخزنة (٣٦) التي فيها الكافور. وأقبل الشيخ النوفلي يقول لأبيك: يا أبا العباس، أعندك (٣٧) غلام؟ فقال له: نعم، فقال له: ما الذي يعمل؟ فقال: يخدم (٣٨) ويقف على الباب: قال له: فهذا نحن لنا بواب على

стр. 1038

القصر بلا شراء. أعندك (٣٧) مرحاض يوقد فيه القنديل اللّيل (٣٩) كلّه؟ قال: لنا. إنما يوقد وقت الحاجة (إليه) (٤٠)، قال: فهذا نحن عندنا سبعة (٤١) مراحيض توقد فيها القناديل اللّيل (٣٩) كله. قال له: عندك يا أبا العباس في دارك بئر يشترى لها (٤٢) دلو وحبل من وقت إلى وقت؟ فقال له: نعم، فقال: فهذا نحن عندنا بئر لا نشتري (٤٣) لها (٤٢) حبلا ولا دلوا ولا نهتم لها (٤٢) بشيء من هذا. قال أبو علي (٤٤): إنما يريد بهذا أن يذكر نعم الله تعالى على المرابطين. قال: ثم قال له: وإذا صبّ ماء المطر نخرج إلى المسجد لا نمشي في الطين ولا في الزلق (٤٥). قال: فهم يتحدثون (٤٦) إذ أتى الغلام بالمخزنة وفيها الكافور. قال: قدّرت فيها مثقالا (٤٧) أو نحوه، قال: فأخذه (٤٨) أبو/محمد الجبي ففرغه (٤٩) في كمه وقال له: يا سيدي هذا الكافور، قال: فنظر إليه وتعجّب منه وقال: يا أخي إن الله تعالى أعدّ للمتقين في الآخرة دارا (٥٠) يكون الكافور ترابها الذي يمشون عليه (٥١)، خالدين فيها أبدا، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم (٥٢) فيها خالدون. [ثم] (٥٣) قال: حدثني عبد الله الأوساني قال: روي في الحديث أن الملائكة تأتي إلى المؤمنين بأطباق من نور عليها مناديل من نور، فيها تحف لم

стр. 1039

يروها ولا هي عندهم (٥٤)، فيقول الملك للمؤمن (٥٥) ربنا يقرأ عليك السلام ويقول لك: من الحي الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت. قال أبو علي: ثم تحدّثوا ساعة وقال له الشيخ والدك: خذ هذا الكافور، [فقال له الشيخ] (٥٣) ما نحتاجه، قال: فقال له الجبي أو غيره: كيف تردّ عليه شيئا قد سألك أن تأخذه؟ قال: خلّوه، فوضعه بين يديه. ثم دعا الشيخ النوفلي وانصرفوا. ثم قال لي يا حسن (٥٦) تعال، فتقدمت إليه فقال لي: امض إلى الصفّار-وكان شيخا صالحا يغسل الموتى-فادفع إليه المخزنة وقل له: إذا غسلت ميّتا فاجعل من هذا الكافور في أكفانه: قال: ففعلت ما أمرني به. وكان يعمل له خبز (٥٧) يقيم عنده مدة طويلة (يأكل فتاته) (٥٨) ويشمسه حتى يجف، فإذا جف دقه، فإذا كان الصيف (٥٩) بله بالماء وأفطر عليه، وفي المساء يطبخ بصلة ويلقي عليها من ذلك الفتات المدقوق. وذكروا له رجلا يملك عشرة آلاف دينار، فقال لهم: والله إن عندي ما هو خير منها وأنفع، قلنا له: وما هو؟ قال: هذا (٦٠) الحجر الذي عليه هذه القلّة/لا أحاسب عليه (٦١)، ولا أسأل عنه (٦٢) إلاّ أن يكون صاحب هذه الدنانير التي ذكرتم ينفقها في سبيل الله، فإنها أنفع من هذا الحجر.

стр. 1040

ثم كانت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٦٩ - أبو عبد الله محمد بن نظيف (١) البزاز (*) الفقيه - رحمه الله تعالى- بمصر. كان من الفقهاء البارعين (٢) والأئمة المعدودين. ذكر عنه-رحمه الله تعالى-أنه (٣) دخل (٤) إلى موضع تباع فيه الكتب، وقد حضر ذلك المكان جماعة من العلماء والصالحين، فلما دخل قاموا كلهم على أرجلهم، إجلالا له وهيبة، لأنه كانت له هيبة لم تكن لأحد من أهل وقته. وكان في ذلك المجلس السكاكيني (٥) الشاعر، فلما رأى تعظيمهم له وقيامهم هاله ذلك وقال: لقد أعطي هذا الرجل أمرا كبيرا والله لأختبرنه قال: فألقى عليه مسائل من معاني القرآن للزجاج (٦) فوجده بحرا لا تكدره الدلاء، وكأنه إنما يجيب من الكتاب لا يتلعثم في حرف منه، فلمّا رأى ذلك السكاكيني قال لنفسه: لو قام الناس لهذا على رءوسهم لكان قليلا (٧). تخلى عن الدنيا (٨) وانقطع إلى الله ، وآثر ما يبقى على ما يفنى. ولما اشتهرت إمامته خرج إلى المشرق من إفريقية (٩) هربا من الرئاسة، ولما ظهر فيها

стр. 1041

من سب السلف عند اشتداد أمر بني عبيد-لعنهم الله تعالى-. وكانت صفته كما قال بعض الحكماء: طلبوا حتى علموا، [فلما علموا] (١٠) عملوا، (فلما عملوا) (١١) عرفوا، فلما عرفوا طلبوا، فلما طلبوا هربوا. وكان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد (١٢) يقول: لو كان (١٣) [أبو] (١٤) عبد الله ابن نظيف مقيما بالقيروان لم يسعني أن أجلس هذا المجلس لأنه أولى به مني، لحفظه وفهمه وفقهه ودينه وورعه./وكان يعد في أعلى طبقة أصحاب (١٥) أبي بكر بن اللباد. وكان يحضر مجلس أبي إسحاق السبائي وأصحابه للمذاكرة، فتخلف مرة، فسأله أبو إسحاق عن سبب تخلفه، فقال له: اغتيب في مجلسك رجل مسلم (١٦) فلذلك تخلّفت فقال له: فإني تائب (١٧). وكان له إخوة صالحون (١٨)، ممن يعنى بالعلم. رحمة الله تعالى عليهم.

стр. 1042

ثم كانت سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٧٠ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي المتعبد (*) يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب. صلّى عليه أبو الحسن الدباغ (١) وناس (٢) يقولون: صلّى عليه عبد الله بن هاشم، وهو (٣) وهم. وكان مولده سنة سبعين ومائتين. أجداده من أطرابلس. قال الشيخ أبو إسحاق (٤) السبائي: أبطأ عليّ الرزق مرّة، فقالت لي (٥) نفسي: امض فادخل فيما يدخل فيه الناس وتعرّض للرزق فيما يمكنك. قال: فخرجت من موضعي إلى موضع ألتمس فيه الرزق، فسمعت معلّما يقرأ في هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (٦) فانتبهت لذلك ورجعت إلى بيتي وجلست، فدخل عليّ (٧) بعد ذلك رجل من إخواني (٨) (فقال لي) (٩): هذا دينار فخذه سلفا، فأخذته ومضيت به (إلى) (٩) «الإبراهيمية» (١٠)

стр. 1043

فاشتريت به أبدانا، فكنت أقصرها (١١) في داري على البئر، فكنت أربح في البدن قيراطا أو نحوه. فقام لي من ذلك معاش كثير. ذكر [شيء من] (١٢) أوصافه-رضي الله تعالى عنه-وثناء العلماء عليه وذكرهم لفضائله: كان وقّافا عن (١٣) الشبهات، مشهورا بالعبادة، لا يدانيه أحد في ذلك من أهل وقته، شديد الغلظة على أهل البدع، كثير التنبيه على أحوالهم (وزندقتهم) (١٤)، وثق بالله/فحماه، وتوكّل عليه فكفاه. وكان لا يغتاب عنده أحد من المسلمين إلاّ مبتدع أو ملحد. وكان (١٥) وليّا لله من الذين ينزل بدعائهم (١٦) القطر، وتظهر عليهم (١٧) البراهين والعجائب والكرامات بالدعاء والرّقى. ولقد كان من (١٨) بالقيروان من أهل الدّين والعلم إنّما ينظرون إذا نزلت المعضلات إلى ما يفعل إن أغلق بابه فعلوا مثله، وإن فتح بابه فتحوا [أبوابهم] (١٩)، وإن (تكلّم) (٢٠) ونطق تكلّموا مثل كلامه لتقدمه عندهم ومكانه من الفضل (٢١) والعلم مع المعرفة بمحنة (٢٢) الوقت وكيف تلقى الحوادث. صحب أبا جعفر أحمد (٢٣) بن نصر الفقيه، وأبا البش مطر بن يسار

стр. 1044

التونسي (٢٤)، وأبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القصري وأخذ عنهم علما كثيرا بكثرة ملازمتهم. وصحب الصالحين (٢٥) مثل (ابن) (٢٦) [أبي] (٢٧) المهزول، ومثل أبي عبد الله (محمد) (٢٨) ابن سهلون، معلّم أبي إسحاق الجبنياني. وكان شديد الأخذ على نفسه، شديد الورع. وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد [الله] (٢٩). وكان الفقيه [أبو] (٢٩) محمد بن أبي زيد يصفه بكثرة (الفضل و) (٣٠) العقل ويقول (ما) (٣٠) هذا الذي نحن فيه (إلاّ) (٣٠) من بركته ودعائه. قال أبو الحسن الفقيه: ما انتفعت إلاّ بدعاء أبي إسحاق فإنه قال لي: أعلى (٣١) الله تعالى قدرك في الدنيا والآخرة. وقال أحمد بن نصر الفقيه: لا تعارضوا أبا إسحاق السبائي فلو وزن إيمانه بإيمان أهل المغرب لرجحهم. وسئل أبو محمد بن أبي زيد فقيل له: أصلحك الله تعالى-هل تعلم أحدا في أقطار الأرض يشبه أبا إسحاق السبائي؟ فقال: أما في إيمانه فما علمت أحدا (٣٢) يشبهه فيه-يعني في وقته-. قال أبو الحسن علي بن عبد الله القطان: ما قلّدت أبا محمد بن أبي زيد حتى رأيت السبائي يقلّده.

стр. 1045

قال الأجدابي: بلغني عن بعض العلماء أنه كان يقول: بالقيروان (رجلان) (٣٣) يدعى كلّ واحد منهما باسم صاحبه وهما: أبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق السبائي. يقال: الدباغ عالم، وهو أولى بأن يسمّى عابدا (٣٤) لكثرة حيائه وصمته وسكونه ولينه ووطائه (٣٥) وعلمه. وأبو إسحاق السبائي يسمّى عابدا وهو أولى بأن يسمّى عالما لأنه كان يدري (٣٦) العلم ويعرفه ويتذاكر العلماء بحضرته وفي مجلسه، وهم: أبو محمد بن أبي زيد، وهو الملقي عليهم، وأبو القاسم ابن شبلون، وأبو الحسن بن القابسي، وسعيد بن إبراهيم (٣٧)، وغيرهم: كلّ من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه، فإذا تنازعوا فصل بينهم بأمر يرجعون كلّهم فيه إليه. وكانوا إذا نزل بهم أمر من المهمات يفزعون إليه ويستشيرونه في جميع أمورهم (٣٨)، وكان موفّقا، فهو أولى بأن (٣٩) يسمّى عالما من أبي الحسن الدباغ. قال أبو الحسن الفقيه-رحمه الله تعالى-: وصل موت أبي إسحاق إلى مصر في تسعة عشر يوما لعظمه في صدور القوم ومحلّه من (٤٠) الإسلام. وكان لموته بمصر وجبة في قلوب أهل الجلالة من العلماء والصالحين. ولقد عزّاني (٤١) فيه كلّ جليل كأبي بكر محمد بن بكر النعالي (٤٢) الفقيه، وكانت حلقته تدور على

стр. 1046

سبعة (٤٣) عشر (٤٤) عمودا (٤٥)، /لعظمها وكبرها، [وكان النعالي] (٤٦) يقول: لقد كان يطرقني ما يمنعني من النوم وأسهر عامّة ليلي (٤٧) إمّا (لهم و) (٤٨) غمّ، وإما لوجع، فأكابد المعيشة في ليلي والتعب والسهر حتى إذا كان آخر اللّيل، وهو الوقت الذي كان يقوم فيه أبو إسحاق للتهجّد، وكان قد أرسل لي وعقد لي على نفسه، أنه يذكرني ويدعو لي: فإذا جاء وقت ذكره إيّاي ألقيت (٤٩) عليّ الراحة وذهبت عنّي المشقّة التي كنت أكابدها في أوّل الليل، وانتقلت إلى حال الراحة فأهدأ وأنام ويذهب عنّي الوجع أو التعب أو الهمّ الذي كنت [مكروبا] (٥٠) به من أول اللّيل إلى ذلك الوقت. فهذا النعالي على جلالته (٥١) كان يبيت في خفارته ويسكن إلى دعائه ويفرح بمودته وصداقته. كان (أبو إسحاق) (٥٢) منزويا عن الناس هاربا منهم، وكان أبو عبد الملك مروان (٥٣) في ذلك مشهورا، فكان الناس يختلفون إليه ويزورونه، فهو الذي ستر على أبي إسحاق. فلما توفي انكشف أبو إسحاق (فرجع الناس إليه. قال محمد ابن أخي مروان: لمّا أخبرت أبا إسحاق) (٥٢) بموت عمّي مروان قال (٥٤): إنا لله وإنّا إليه راجعون كشفني [أبو عبد الملك] (٥٠).

стр. 1047

ولما شغله الناس كان يقول: إذا كان الأمر هكذا فمتى يعمل الإنسان؟ قال: فكان يقول: هذا أمر قد نزل-يعني اختلاف الناس إليه-لا يزيله إلاّ الموت. قال أبو عبد الله الأجدابي: قلت لأبي علي حسان بن محمد (٥٥): هل خرج أبو إسحاق للصلاة على مروان؟ فقال لي: ما علمت أنه خرج من باب (داره) (٥٦) متصرفا من أيام أبي يزيد حتى توفي. بلى إنه كان يخلو في مسجد أبي الحكم قبل أن يعرف، أقام فيه عشرين سنة يخلو فيه للعبادة. قال أبو سعيد خلف القلاّل: قال لي الشيخ أبو إسحاق: افل (٥٧) لي كسائي قال: ففليته، فوجدت فيه برغوثا ميّتا، فقال لي: فليته (٥٨)؟ قلت: نعم. وأخبرته بما وجدت فيه. فقال: ما مكّناهم. قال أبو سعيد القلال: وما رقد أبو إسحاق (٥٩) على عود قط -يعني: سدّة ولا سريرا (٦٠) -. وكان إذا دخل في الصلاة لم يكن قلبه إلاّ فيها. قال علي بن حمّود -وكان خصّيصا بأبي إسحاق-: دخلت (٦١) يوما على أبي إسحاق في بيته فوجدته [قائما] (٦٢) يصلّي، فجلست ثم دخل [شخص] (٦٢) آخر فجلس إلى جنبي (قال) (٦٣): فلما سلّم من صلاته (أقبل علينا) (٦٣) وقال: متى دخلتما؟ فقلنا له: منذ ساعة. قال (٦٤): ما عرفت بكما (في) (٦٣) وقت دخولكما ولا رأيتكما إلاّ الساعة. قال (٦٤) أبو الحسن (٦٥): إنما ذلك من شدّة خوفه.

стр. 1048

وكان إذا أراد أن يتوضأ يتلو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (٦٦) ثم يقول: نعم يا رب .. (نعم يا رب) (٦٧) ويكرر ذلك، ثم يغسل وجهه وذراعيه وهو تحت خوف عظيم وو له، يفعل ذلك في كل عضو حتى يفرغ من وضوئه. وكان يحب سماع القرآن ممن له صوت حسن، قال الشيخ أبو الحسن (٦٨) فعاتبت أبا القاسم ابن أخت الغسّاني في قلّة دخوله إليه، وأخذت بيده ومضيت به إلى دار أبي إسحاق فدخلنا/عليه، فوجدنا عنده أبا القاسم الفزاري الشاعر، (قال: فسلّمنا على الشيخ وقلت له: هذا أبو القاسم جارك ثم) (٦٩) قلت (له) (٦٩): يا أبا القاسم (اقرأ) (٦٩) فقال: هيبة الشيخ تمنعني أن أقرأ، ولكن اقرأ معي. قال الشيخ أبو الحسن: فابتدأ في سورة الواقعة [قال] (٧٠) وابتدأت معه بصوت منخفض، حتى انتهى إلى قوله وَكُنْتُمْ أَزْااجاً ثَلاثَةً (٧١) فرفع (بها) (٧٢) صوته وغلق عينيه وسكتّ أنا، ورجع فابتدأ من أول السورة، فعهدي بالشيخ أبي إسحاق (و) (٧٢) قد انضمّ بعضه إلى (٧٣) بعض وهو يتنهّد ويتأوه، وكأنّي أحسّ أن أضلاعه تجتلف (٧٤)، فقلت: الساعة يموت وندمت في مجيئي (٧٥) إليه، وطال عليّ تمام السورة، فما فرغ منها وأنا آمن على الشيخ، فقمنا وتركناه في غيبته تلك. وكان ابن أخت الغساني (٧٦) هذا قويا في الدّين، قليل المبالاة بمن خالف

стр. 1049

الشريعة. لقد دخل النّعمان إلى الجامع وهو جالس في حلقته، وإنسان يقرأ عليه، فقالوا له-أصلحك الله تعالى-: النعمان (٧٧) دخل من (الباب) (٧٨)، فقال للذي يقرأ بين يديه: ارجع، ورفع صوته وهو يقول: اُدْخُلُوا أَبْاابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٩) فتخيّل النعمان في مشيته، فلما أراد الخروج قالوا له-أصلحك الله تعالى-: ها هو ذا خارج، فقال للذي يقرأ بين يديه: مالك [ارجع] (٨٠) اعرف ما [تقول و] (٨٠) تقرأ، ورفع صوته وهو يقول: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ (٨١). فدهش النعمان وعثر في (٨٢) حصير من (٨٣) (حصر) (٧٨) الجامع ووقع (٨٤) على وجهه. وقام من سقطته وهو مدهوش (٨٥)، وأمر بخياطة حصر الجامع فمن ذلك اليوم خيطت حصر الجامع. وحقد عليه النعمان فأمر بطلبه، وسجنه في حبس «الزيادية» (٨٦) مدّة، فكان إذا قرأ في السجن اجتمع الناس في الأزقة خارج (٨٧) [السجن] (٨٨)، فخاف النعمان

стр. 1050

فأخرجه، فخرج أبو القاسم إلى الأندلس، فوصل (إلى) (٨٩) الحكم، فرفع به وأدناه. ذكر أنه قرأ عند الحكم (٩٠) أمير المؤمنين-رحمه الله تعالى-في إيوانه في سورة إبراهيم وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ (٩١). فلما انتهى إلى قوله وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٩٢) نزل الحكم من فوق سريره-رحمة الله عليه-وهو يبكي وينتحب، وجثا بين يديه. وكان (٩٣) الحكم يقول: ليس أشتهي من دولة الشويعي إلاّ أربعة: أبو القاسم ابن أخت الغساني المقرئ، وابن الصّيقل الشاعر (٩٤)، وابن الجزّار الطبيب، وابن القصطلية (٩٥) المغبّر. فأما أبو القاسم بن أخت الغساني وابن الصّيقل فقد وصلا إليه وأقاما عنده حتى ماتا. وأما ابن القصطلية (٩٥) وابن الجزّار فلم يصلا إليه. وأما ورعه ونزاهته وحمايته من الشبهات فحدّث أبو سعيد (٩٦) قال: قال لي أبو إسحاق يا أبا سعيد أيصاب الفقوس (٩٧)؟ فقلت له: نعم. قال: فخذ لنا منه.

стр. 1051

قال: فخرجت من عنده، وجئت إلى الذي أعرفه بالثقة، ممّن لا يشتري شيئا فيه شبهة، فسلّمت عليه ثم قلت له: ثمّ من ذاك شيء؟ وهي علامة بيني وبينه، فأخذ اللّوح (٩٨) /الذي فيه بيع يومه ونظر فيه ثم قال لي: نعم، فقلت له: أحبّ أن آخذ منه، فترك حانوته وقام معي حتى انتهى إلى الذي باع منه ذلك (٩٩) الحلال الذي عرفه هو، فسلّم عليه ثم قال له: أين الذي بعت منك؟ فقال: ها هو ذا [معزول] (١٠٠) فاخترت منه بحضرته وإذن المشتري بثمن درهم، ثم أخذته ومضيت به إلي دار أبي إسحاق (١٠١) فدخلت فسلّمت عليه ثم دفعته [له] (١٠٠) وخرجت (١٠٢)، فناقرني (١٠٣) سرّي وقلت: والله لأخبرنّه ولا تقلّدت [ذلك] (١٠٠) (له) (١٠٤)، وذلك أنه قلّدني (١٠٥) في ذلك وأنا المطلوب، والرجل الذي قلّدته أنا ذلك لم يفسّر لي (١٠٦) من أين هو، ولا من أملاك من هو، ولا بيّن لي كيفية صحة الملك فيه، فسكتّ ذلك اليوم إذ لم أجد من الشّيخ فراغا، فلمّا عدت إليه قلت له-أصلحك الله : إني قد حصلت (١٠٧) في عتاب بيني وبين نفسي وذلك أنك على طريق وقد ألقيت في عنقي قلادة، وكلّفتني حملا ثقيلا، فلما تذكّرت أن الأمر الذي أتولاّه عظيم [لا أقدر عليه] (١٠٨). قلت: والله لأخبرنّه ولا تقلّدت هذا الأمر العظيم حتى أستأذنه. قال: فتبسّم الشيخ أبو إسحاق ثم قال (١٠٩): يا أبا سعيد لو كان فيه

стр. 1052

شيء ما جاز، عناية من الله سبحانه. ومثل هذه الحكاية كثير، [ف] (١١٠) -من براهينه (١١١) في قميص لبسها فوجدها على جلده (١١٢) كالشوك، فاستقصى مشتريها على بائعها فوجدها فاسدة الأصل (١١٣). وكذلك في الضحية (١١٤) لما شوى من كبدها فمضغ منه بعضه فألقاه من فمه ثم استقصى عليها فوجدت قد بدّلت وعصمه الله تعالى وحماه وكفاه. قال (١١٥) أبو سعيد القلال: كان عندي زوج فراخ فسمنا حتى (١١٦) كانا كالزبدة فذبحتهما ومضيت بهما إلى الشيخ/أبي إسحاق فأخذهما مني وقلّبهما في يده (١١٧) وتعجّب منهما. ثم قال لي: خذهما يا أبا سعيد ما طابت (١١٨) نفسي عليهما، فأتيت إلى الدار، فسألت زوجتي وولدي: ما كانا يأكلان؟ فقالا: كنا نطعمهما (١١٩) حبّ الزبيب الذي يطرحه النبّاذون. قال أبو الحسن علي بن محمد الفقيه: أتى رجل مرة بتين أخضر إلى الشيخ أبي إسحاق فقال له: [أنت] (١٢٠) تعرف-أصلحك الله تعالى-طيب اكتسابنا، وأصل رباعنا وقد أتيت بهذا التين فأحبّ أن تقبله، فأبى عليه من ذلك، فقال له-أصلحك الله تعالى-قد كان أبي يهدي إليك منه وتقبله منه، وهو قد صار لي ميراثا (١٢١) من قبل أبي والله ما غيّرت وما بدّلت، فأبى من قبوله

стр. 1053

البتة، فلما رأى الرجل ذلك (١٢٢) بكى فلما رآه أبو إسحاق قد بكى قال له: يا هذا الزيت الذي دهنت به التين (١٢٣) من أين هو؟ فقال له-أصلحك الله -اشتريته من السوق، فقال له: ارفع تينك. ولم يمنعه من قبوله إلاّ سبب الزيت الذي دهن به. قال (١٢٤) أبو الفضل عبّاس الزيات-وكان صالحا-قال لي أبو إسحاق (١٢٥): قد فرغ (١٢٦) الزيت فأحبّ أن تشتري لي حلالا، فأقمت أياما ألتمس له حتى أتى رجل براوية (١٢٧) زيت له أصل [فأتيت له بالراوية وبصاحبها وقلت له: هذا زيت له أصل] (١٢٨)، فقال لي: فأين صاحبه؟ فقلت له: بالباب، فقال: أدخله إليّ، قال: فدخل الرجل، فقال له أبو إسحاق: من أين هذا الزيت لك؟ قال: ميراث (من) (١٢٩) أبي ورثناه (منه) (١٢٩) أنا وأختان (١٣٠) لي أخذ كلّ واحد منّا حقّه (١٣١): ثم سأله عن أبيه (من أين صار له) (١٣٢) فقال: ورثه من أبيه، ثم سأله من أين كان لجدّه (١٣٣)؟ فتوقف ولم يجبه بشيء. قال أبو الفضل فقلت لأبي إسحاق: تكتاله-أصلحك الله تعالى-؟ قال: فسكت (عني) (١٢٩) أبو إسحاق ساعة، ثم رفع رأسه إلى صاحب الزيت وقال له: المعصرة التي عصرت فيها هذا الزيت أهل القرية بأجمعهم (١٣٤) يعصرون فيها؟

стр. 1054

قال: نعم. [قال] (١٣٥): وفي القرية الطيّب وغير الطيّب؟ قال: نعم. فقال (١٣٦) له: يا أخي قم فلا سبيل (١٣٧) إلى أخذ الزيت، فأخذ الرجل زيته ومضى. واشترى الشيخ أبو الحسن بن الخلاف زيتا مع الشيخ أبي إسحاق (١٣٨)، أظنّه اقتسماه، فبعد مدّة قال (له أبو إسحاق) (١٣٩): بقي عندك شيء من ذلك الزيت (١٤٠)؟ فقال (١٤١) له: نعم-أصلحك الله تعالى-بقيت عندي منه بطة (١٤٢)، فقال له (١٤٣): أحب أن تولّينيها، قال أبو الحسن فتدبّرت ذلك، وقالت لي نفسي: هو أقدر على طلب الحلال منك (١٤٤) لاشتهاره. وأدركني منه حياء، فقلت له-أصلحك الله تعالى-: ما تحضرني نيّة، فقال: نعم يا أخي لا تعطنا شيئا (١٤٥) حتى تحضرك النيّة. قال: ثم عرقت عرقا عظيما (١٤٦) حياء من الشيخ. وأقبل أهل المجلس ينظرون إليّ تعجّبا من إبائي على الشيخ، ثمّ خرجت وأنا مشغول السرّ، فأخذت في طلب الزيت لنفسي فوجدت زيتا عند قوم من أصول (١٤٧) في أيديهم من أكساب طيّبة، وهم يزكّون، فاشتريت منهم. وأصبحت بالبطة التي سألني فيها الشيخ أبو إسحاق، فدخلت عليه، فلما رآها قال: حضرت (١٤٨) النيّة؟ قلت: نعم. قال: فكيف ذلك (١٤٩)؟ قلت (١٥٠):

стр. 1055

وجدت زيتا (يصلح لي ولا يصلح لك، قال: كيف) (١٥١) يصلح لك (و) (١٥١) لا يصلح لي؟ قلت (١٥٠): وجدت الورع درجات، فسلكت أنت أعلاها، أنت تسأل عن الأصول وعن إخراج الزكاة. ثم تسأل عن المواريث كيف كانت في (١٥٢) أصولها، لأنه من حين دخل القوم غيّروا على (الناس) (١٥١) أكسابهم، فوجدت أنا زيتا عند قوم أعرفهم من أهل الخير والزكاة فاشتريته ولم أسأل عمّا (١٥٣) وراء ذلك، فأخذ البطة وفرغها (١٥٤) ووزن ثمنها على حساب ما كنّا اشترينا. ولمّا (١٥٥) وقعت الهزيمة على أبي يزيد أتى إنسان إلى الشيخ أبي إسحاق فقال له: اركب هذا الحمار (-أصلحك الله تعالى-فإنّي أخاف عليك، فقال له أبو إسحاق: ومن أين أصل هذا الحمار حتى أركب عليه؟ فقال له) (١٥٦) -أصلحك الله تعالى-: هذا وقت السؤال؟ أنت ترى السيف في إثرنا وأنت تسأل عن هذا، اركب-أصلحك الله تعالى-فقال له: لا سبيل إلى الركوب، فمضى الرجل بحماره وتركه. قال أبو إسحاق (١٥٧): ثلاث أعتذر (١٥٨) منهنّ: غسلي الدم في مجلس أحمد ابن نصر حين كتب المحضر (١٥٩) على أبي الفضل الممّسي، انفجر (١٦٠) منخراي
следующие страницы →