← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال (٢١) عبد الله وكنت جالسا عنده حتى دخل عليه رجل، فشكا إليه فاقة، فنزع جبّته، فرمى بها إليه، وبقي عريانا في مئزر خلق (٢٢) (من) (٢٣) صوف، فقلت له: هذا مرفوع عنك، أنت في فاقة وليس لك من الدنيا شيء (٢٤)، فقال: اجلس يا خيّاط ليس نصلّي حتى يأتي ما هو خير إن شاء الله تعالى، فبعد ساعة دخل عليه رجل ومعه غلامه (٢٥) يحمل رزمة فيها جبّة شرب (٢٦) رفيعة مستعملة، ومنديلا مهلبيّا جديدا (ومئزرا جديدا) (٢٧)، ودفع إليه صرّة فيها نفقة، فقال (له: الرجل) (٢٧): يا سيدي أحبّ أن تقوم على رجليك حتى ألبسك بيدي، ففعل ذلك وكساه الجبّة، وجعل المنديل على رأسه، وشدّ المئزر في وسطه، ثمّ انصرف. فقال لي يا خيّاط: أعطيناه (٢٨) جبّة خلقة فعوضنا [جبّة] (٢٩) جديدة ومنديلا ومئزرا ونفقة كثيرة. (قال) (٣٠): ورأيت مرّة الجوع في وجهه، وقد أقام ثلاثة أيام لم يطعم [شيئا] (٣١)، فأردت الانصراف، فقال لي اجلس حتى نتغدّى، فما كان بأوشك [من] (٣١) أن (٣٢) دخل أبو عبد الله الرعيني (٣٣) المتعبد بسكباج (٣٤) وخبز

стр. 982

فرني (٣٥)، فأكلنا، فلما انصرف أبو عبد الله قلت له: أكنت معه (٣٦) تحت وعد؟ فقال: لا والله، ولكن أقمت ثلاثا لم أطعم، فسألت الله تعالى أن يسدّ جوعتي ويرزقني من حيث لا أحتسب. قال أبو عبد الله: ثم اجتمع بي أبو محمد الخياط فقال لي: أكنت مع الشيخ في وعد؟ فقلت: لا والله إلاّ أن عجلة (٣٧) جاءتنا من القرية، فذبحناها وعملنا منها للشيخ ما يأكل. قال أبو محمد الخواص (٣٨): اشتهى أبو علي لحما بإطرية (٣٩)، قال: وذكر ذلك لمن حوله، فلما فرغ من ذلك إذا بامرأة في يدها طاس (٤٠) عليه منديل لطيف، وهو مملوء بلحم وإطرية ومعه خبز سخن، فجعل بين يدي الشيخ أبي علي، فقال: سبحان الله، وأخذ الطاس. (قال) (٤١): فقلنا للمرأة: من وجّه معك بهذا (الطاس) (٤١)؟ فقالت: رجل أعطانيه في رأس (٤٢) هذا الزقاق وقال لي: امضي (٤٣) به، فادفعيه (٤٤) إلى الشيخ، وما أدري (من هو) (٤٥). وقال مرّة لرجل مرشا (٤٦)، في شيء نازعه فيه من أبيات شعر، ثم استدرك وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وقال للرجل: لا بدّ لك أن تقول لي مثلما قلت لك، فكبر ذلك على الرجل، فلم يزل به حتى قال له مثلما قال،

стр. 983

فحينئذ طابت نفسه وحمد الله (٤٧) تعالى على ذلك. ومن قوله في الشعر، ما أنشده الفقيه [أبو عبد الله] (٤٨) الأجدابي قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن نصر الخياط قال: أنشدني أبو علي (النحوي ﵁ (٤٩): مراض من الأشواق تحيا قلوبهم ... بذكرك بل كادت إليك تطير /يضيء ظلام اللّيل نور قلوبهم ... فهم للّيالي المظلمات بدور لهم طرق كانت إلى الله سهلة ... وهنّ (٥٠) على من لا يحب وعور يناجيك بالشكوى دخيل ضميرهم ... وأنت بشكواهم لديك خبير هم القوم لا يلهيهم عن مليكهم ... أعاليل دنيا للفناء تصير (٥١) وكتب إلى بعض إخوانه يعرّض له بشيء: من كان يبغي الذلّ في نفسه (٥٢) ... فليطلع الناس على فقره ما للفتى إن عضّه دهره ... معوّل أحسن من صبره فلما قرأ البيتين دخل عليه فوجده جالسا (٥٣)، وعليه فرو خلق قديم، وهو مكشوف الرأس فخلع (٥٤) عليه ثوب كتان جديد، وجبة شرب (٥٥) عجيبة رقيقة، ومنديلا (٥٦) (جديدا) (٥٧) وسراويل (٥٨) طرنيا (٥٩)، وجعل بين يديه صرّة فيها مائة درهم.

стр. 984

ثم كانت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥٤ - أبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسّال الفقيه (*) للنصف من شعبان، وسنّه نحو من أربعين سنة (١)، ودفن بباب أبي الربيع. صلّى عليه أبوه. كان ذا (٢) أوصاف جميلة. [وكان] (٣) فقيها عظيما (٤). قال السبائي: ما تطيب على قلبي فتيا أحد مثل فتيا أبي حفص لأنه يشوب (٥) فتياه بورع وخوف وشدّة مراقبة (٦) وإشفاق وحذر. قال أبو بكر بن عثمان المؤدب: ما قام (٧) أبو/إسحاق السبائي لأحد إلاّ لأبي حفص بن العسال، وذلك أن (٨) أبا إسحاق كان جالسا في داره حتى دخل عليه أبو حفص (٩)، فقام إليه أبو إسحاق السبائي (وتلقاه) (١٠) وصافحه وجلس، فقال له أبو إسحاق: ما الذي أتى بك-أصلحك الله ؟ -فقال له أبو حفص: نعتني نفسي، وما أظن (١١) أجلي إلاّ قد قرب (١٢) فأردت أن أحدث بك (١٣) عهدا، فقال له أبو إسحاق: جمع الله شمل المسلمين بك وأبقاك لهم؛

стр. 985

فقيل لأبي إسحاق يدخل إليك العلماء فلا تقوم لأحد منهم وتقوم لأبي حفص؟ فقال: أبو حفص عالم عامل. (وكان (١٤) يقول: إذا أردت أن ترى العالم العامل) (١٥) فعليك بأبي حفص. وكان قد جمع الله تعالى فيه خصال الخير كلّها. وكان قصير العمر (١٦)، توفي في حياة والده. ذكر (١٧) الشيخ أبو الحسن بن القابسي أنه دخل على (١٨) الشيخ أبي عبد الله ابن العسّال (١٩) وولده أبو حفص في النزع، والشيخ جالس وفي يده جزء من القرآن يقرأ فيه بحذاء طاق في داره (٢٠)، وكان في المجلس جماعة من الفقهاء (٢١) فيهم ابن أبي زيد وغيره، فكان يحوّل وجهه إليهم فيقول لهم: كيف رأيتم أبا حفص؟ فتقول له الجماعة: بخير (٢٢) إن شاء الله تعالى، فنحن كذلك حتى مات أبو حفص، قال فأدركتنا وجمة وخشينا أن نفجأ (٢٣)، قلب الشيخ أبي عبد الله والده/فسكتنا، فحوّل وجهه إلينا وقال: مات أبو حفص؟ فقلنا له: نعم، -أصلحك الله تعالى-جبر الله مصابك (٢٤). قال: فثنى (٢٥) الجزء على إبهامه (٢٦) ولم يطبقه. ثم حوّل وجهه إليه، وهو جالس في مكانه، فقال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت صوّاما قوّاما، حافظا لكتاب

стр. 986

الله ﵎، عالما بسنّة رسول الله ﷺ . ولقد طمعت-يا بنيّ -أن أكون في صحيفتك، فالحمد لله الذي جعلك في صحيفتي. قال، ثمّ قال: خذوا في غسله وتهيئته (٢٧) وفتح المصحف وأقبل على قراءته (٢٨).

стр. 987

ثم كانت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥٥ - أبو بكر محمد بن سعدون (١) الجزيري (٢) التميمي (*) المتعبد (٣)، رحمه الله تعالى. آثاره وآدابه ومروءاته (٤) كثيرة. وحجّ حججا مع كثرة الرباط. لزم قصر ابن الجعد، حسن الصوت بالقرآن. سمع (من) (٥) محمد بن بسيل (٦) ومن غيره. سمع بمصر من جماعة وبمكة. وصحب أبا عقال وأبا هارون (٧)، وجال بالشام: في لبنان وجبل اللّكام (٨) والأكواخ (٩)، وغزا به غزوات، وكان يقوم في جموع المسلمين فيحرّضهم على الجهاد بمقامات كانت عنده، وبشعر الدهفلي (١٠)، وبما يشوق ويبكي، فكانت النيّات تنبعث معه.

стр. 988

قال أبو الربيع سليمان بن محمد: لما قدمنا من الحج سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وصلنا إلى مصر فمضينا إلى الجبل المعروف بالمقطم (١١) /، إلى المسجد الذي فيه، ليلة الجمعة، وكان معنا أبو بكر بن سعدون الجزيري، والحسن بن أبي سراح (١٢)، والرجل الصالح أبو عبد الله، من قصر زياد (١٣)، وحملنا معنا طعاما، فأصبنا أبا عبد الله الرجل الصالح يقرأ حديثا للنبي ﷺ ورغائب (١٤) فصلّينا معه العصر ثم المغرب، وكنّا صيّاما (١٥)، ثم قدّمنا الطعام، فدخل علينا أسود طوال يسمى عليّا (١٦)، عليه مرقعات، من سكان الجبل، فقال أبو عبد الله: هذا وليّ من أولياء الله تعالى-يعني الأسود-لي مدّة ما رأيته إلاّ في هذه الليلة، قوموا بنا إليه لنتبرك به (١٧)، فقام إليه أبو بكر بن سعدون فركع وركعنا ثم رقدنا، فلما أصبح صلّينا الصبح، ثم نزلنا إلى القبور، ونحن معه، ثم وقف إلى قبر بنان (١٨)، فقال: رحمك الله يا أبا الحسن فلقد سلم لك دينك وقدمت على من يهون عليه غفران ذنبك. ثم وقف إلى قبور قوم صالحين، فقلت له: يا سيدي ادع لنا، فقال لي: أتحبّ (١٩) الدراهم؟ قلت: إي والله. قال: ليس يصلح حبّ الله وحبّ الله وحبّ الدراهم، إنما يحبّ الله وحده. فقال ابن سعدون: لنا عيال. فقال له: العيال عيال الله ، أنت تنفق عليهم؟ ليس هذا حجّة. ثم عطف علينا فقال: لا جعل الله الدنيا أكبر

стр. 989

همّكم، ولا جعل فكركم إلاّ في لقائه (٢٠) ورضاه ومنّ عليكم بالعمل/الصالح، والورع الحاجز، وجعلكم ممّن يتقيه (٢١) ويخافه سرّا وعلانية، واستعملكم بأعمال طيبة تحظون (٢٢) بها عنده وتتقرّبون (٢٣) بها إليه. فقال له [ابن] (٢٤) سعدون: من بلاد من أنت؟ فقال: أنا من بلاد القيروان من تربية (٢٥) رجل صالح نفعني الله ﵎ (٢٦) به، ثم ودّعنا (٢٧) وطلع الجبل. ذكر الشيخ أبو الحسن الفقيه (٢٨) أنه سمع ابن سعدون يقول: صلّيت بمصر اثنتي عشرة (٢٩) ركعة ثم نمت فرأيت النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله إن مالكا واللّيث (٣٠) ﵃-اختلفا في الضحى، فمالك يقول: اثنتا (٣١) عشرة ركعة، واللّيث يقول: ثمان (٣٢). قال: فضرب بيده بين وركيّ وقال: رأي مالك-﵁-هو الصواب (٣٣)، ثلاث مرات (٣٤). قال أبو بكر (٣٥) وكان

стр. 990

في وركي وجع فمن تلك (٣٦) اللّيلة زال عنّي. وكانت (٣٧) له براهين من نور تضيء عليه إذا صلّى ونحوه. وهو أحد (٣٨) الشيوخ الذين عقدوا الخروج على [بني] (٣٩) عبيد الله. وكان من دعائه إذا فرغ من صلاته في أيام أبي يزيد ويشير إلى نحو «جمّة» يقول: اللهم من أرادنا فرده، ومن كادنا فكده، اللهم اكسر عنّا حدّ من أقام لنا حدّه، واطفئ عنّا نار (٤٠) من أوقد لنا وقدة، واعم عنّا أعين الكفرة، وأنزل علينا السكينة، واكسنا درعك الحصينة. قال (٤١) أبو الحسن الزعفراني (٤٢): حضرنا مسجد السبت، ومعنا أبو بكر ابن اللباد وأبو بكر بن سعدون، فافتتح بعض القوالين (٤٣) فقال: لا يشغلنّك عن حبيبك شاغل (٤٤) ... فإذا فعلت فإن حبّك باطل فتحرّك محمد بن (أبي) (٤٥) سهل الصوفي، ثم استغرقه الحال، فما بقي أحد في المسجد إلاّ بكى لصدق ذلك الرجل في حركته. ولقد نظرت إلى ابن اللباد وإنّ دموعه لتنحدر على لحيته، وابن سعدون وقد علا نحيبه. وأملى أبو بكر بن سعدون (٤٦): الخير أجمع في السكوت ... وفي ملازمة (البيوت) (٤٧) فإذا تهيأ ذا وذا ... فاقنع-إذن-بأقل قوت

стр. 991

وأنشد أيضا: إذا القوت تأتى ... لك والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن (٤٨) ... فلا فارقك الحزن وأنشد أيضا: سجن اللسان هو السلامة للفتى ... من كل نازلة لها استئصال إن اللسان إذا حللت عقاله ... ألقاك في شنعاء ليس تقال وفيها توفي (١): ٢٥٦ - أبو بكر بن الفتح (*) المؤدب (٢) في ذي الحجة. صلّى عليه القاضي ابن هاشم (٣). قال (٤) محمد بن الفتح الرجل الصالح الفاضل: خرجت يوم العيد إلى المصلّى في سنة مجاعة، فإذا بشيخ (٥) يصيح: أشبعوني (فإني) (٦) ومن عندي (٧)

стр. 992

جياع (٨) ومن أشبعنا أشبعه الله من ثمار الجنّة، فأخذت قيراطا (٩) كان [بقي] (١٠) معي فاشتريت به خبزتين وأعطيتهما له (١١)، فأخذهما منّي وضمّهما إلى صدره وقال لي: فرحتني فرحك الله بالجنة وأطعمك من ثمارها التي لا تقطع ولا تمنع (١٢)، ثم زلت عنه، فحسست لذة (١٣) كلامه وإجابة دعائه في قلبي، فمضيت إلى المصلّى، ثم انصرفت إلى داري، فأخذتني نومة، فأتاني آت فقال لي: يا محمد بالخبزتين ترحم. وفيها توفي (١): ٢٥٧ - أبو العباس فضل (*) بن نصر (٢) التاهرتي (٣). صلّى عليه ابن هاشم (٤). كان عالما بمذهب الشافعي. وكان يصنع الشعر، فمن [ذلك] (٥) قوله (٦): بلغ الوشاة عليّ حيث أرادوا ... والله يسألهم وما قد كادوا

стр. 993

والله (يعلم أنني) (٧) ما قلت ما ... قال الوشاة تأفكا وأعادوا (٨) فهب الوشاة أتوا بأمر بيّن ... أين الكرام أبدّلوا أم بادوا (٩) عفو (١٠) الملوك عن الذنوب مدائح ... مدحوا نفوسهم بها فأجادوا (١١) وكتب إليه بعض إخوانه يعزيه بابن له قتل في ناحية الجزيرة (١٢)، فكان في بعض جوابه (له) (١٣): وصل كتابك فجدّد شوقا إلى رؤيتك، وهيّج صبابة إلى الاجتماع بك، وخيّل إليّ، على شحط (١٤) الديار (١٥)، وبعد المزار، شخصك، وصوّر لي (١٦)، على نأي (١٧) المساوف (١٨) بيني وبينك، مثالك. ووقفت على ما وعظت به وعزّيت عليه، فنبّه من غفلة، وأيقظ من رقدة، وذكرت (١٩) قول بكر بن (٢٠) حماد في ولده: وهوّن (٢١) وجدي أنني بك لاحق ... وأن بقائي في الحياة قليل وأن ليس يبقى للحبيب حبيبه ... وليس بباق للخليل خليل

стр. 994

ولو أن طول الحزن مما يردّه ... لنادمني (٢٢) حزن عليه طويل بلى ربما دارت على القلب لوعة ... فيرجعها صبر هناك (٢٣) جميل غير أني-يا أخي-إذا فكّرت في أول هذا الشعر لم أملك عبرا (٢٤)، ولم أجد صبرا، وهو قوله (٢٥): تبدّد ما قد كان منك مجمّعا (٢٦) ... وجلّله رمل عليك مهيل فلا علم ينبيك (٢٧) أين محلّه ... ولا جدث (٢٨) يشفى عليه غليل خلا أعظم قد بدّدت ومفاصل (٢٩) ... تميل [بها] (٣٠) الأرياح حيث تميل وكان أبو العباس لما فقد ابنه اختلفت عليه الأخبار فيه، فمن قائل له: إنه قتل، وقائل: إنه مات، وقائل: إنه حيّ، ومن مخبر أنه غرق في البحر، فقال في أمره (وأحسن) (٣١) القول (٣٢): فلو كافتقاد الناس قبلي بنيهم (٣٣) ... أتيح له موت وأضمره قبر إذن لصبرت (٣٤) النّفس ثم أحتسبته ... ليعظم لي من بعد ميتته (٣٥) الأجر ولكن طوت عنّي المقادير أمره ... فما لي به منذ انتأى (٣٦) شخصه خبر فرحمتك اللهم قد (٣٧) بلغ الأسى ... نهاية مجهودي وقد غلب الصّبر

стр. 995

ثم كانت سنة ست وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥٨ - أبو محمد/عبد الله بن أبي هاشم مسرور (١) التجيبي (*) الفقيه، مولى بني عبيدة (٢) (التجيبيين) (٣) المعروف بابن الحجّام (٤). فضائله-رحمه الله تعالى-مشهورة، وأوصافه جميلة، وهو أحد الأئمة، مهاب في نفسه لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب، كان يشبّه بيحيى ابن عمر وحمديس القطان. سمع من جماعة (٥)، وانتفع به عالم كثير. توفي (٦) شهيدا بحرق النار. قيل: [إنه] (٧) اصطلى، عند كبره وعند ما غلب عليه البلغم (٨)، فنعس فالتهبت (٩) النار في ثيابه وأفرطت (١٠) فيها حتى احترق هو

стр. 996

نفسه وشعر وجهه إلاّ موضع السجود منه وكان مولده سنة ثلاث وستين ومائتين. كانت له تأليفات ومصنفات في أنواع من العلوم (١١). واقتنى كتبا كثيرة كلّها بخط (١٢) يده قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي-﵀: ترك أبو محمد سبعة قناطير كتب كلّها بخط يده (١٣). زاد غيره: إنه لمّا توفي رفع جميعها (١٤) إلى سلطان الوقت، فأخذها ووضعها (١٥) في القصر ومنع الناس منها كيدا للإسلام وبغضا فيه. وفي رواية (١٦): إنه لما اشتد (١٧) به المرض قال له بعض أصحابه: نخشى أن يأخذ السلطان كتبك إن قدر الله تعالى عليك بالموت ويمنع الانتفاع بها (١٨)، وأنت قد تعبت فيها وضبّطها، فحبّسها على المسلمين (١٩)، ووجّه ثلثها إلى أبي محمد بن أبي زيد، وثلثها إلى/موضع آخر، والثلث (الآخر) (٢٠) إلى موضع آخر، ففعل ما أمروه به (٢١)، فلما كان الغد قال لهم: لم أقدر (٢٢) البارحة أن أنام لمّا فقدت كتبي فردّوها عليّ، فردّوا عليه ثلثيها وتركوا الثلث الآخر عند ابن أبي زيد، فتوفي حينئذ، فوجه السلطان في الوقت، فأخذ كل ما كان عنده

стр. 997

من الكتب، ولم يسلم منها إلاّ الثلث الذي كان عند [ابن] (٢٣) أبي زيد. قيل (٢٤): إن أهله اشتروا له (٢٥) جارية وزيّنوها وأدخلوها عليه، فلمّا كان الليل (٢٦) أخذ في الكتاب، فكتب اللّيل كلّه ولم يلتفت إليها، وأقام على ذلك (٢٧) نحوا (٢٨) من شهر، فلمّا طال ذلك على الجارية، قالت له: إن كنت لا تصل إليّ وليس لك فيّ غرض فبعني. فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا جاريتك فلانة. فقال لها: أنا ما اشتريت جارية، ولكن امضي (٢٩) إلى الذين اشتروك يبيعونك، ففعلت ذلك. فلم يتزوج ولم يتسرّ إلى أن مات. قال أبو بكر ابن عبد الرحمن: فأقام على ذلك حتّى مات، وبه نال ما نال. وذكر عنه (٣٠) انه انتظر يوما رجلا في حضور السماع، فطال الانتظار (٣١)، فقال له أبو القاسم الفزاري (٣٢) الشاعر: -أصلحك الله-حضرني بيت من الشعر، تسمعه إن شئت؟ [فقال: نعم] (٣٣)، فأنشده (٣٤): مثل (٣٥) جرى في النّاس ليس بقاصد (٣٦) ... جوع الجماعة في انتظار الواحد قال: فقال: أنزلوا الرزمة واقرؤوا.

стр. 998

ثم كانت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥٩ - أبو بكر يحيى بن خلفون المؤدب الهواري (*) كان من أقرإ (١) أهل زمانه. وكان فاضلا. ﵀. وكان قد ابتلي برجل (٢) مشرقي يقف بإزاء كتّابه فيسبّ أبا بكر وعمر-﵄-لينكيه (٣) بذلك ويغيظه (٤)، فلما أكثر عليه من ذلك قال لصبيانه: إذا أقبل فأخبروني، فلمّا أقبل أخبروه، فقام فاستخفى في زاوية من زوايا الكتّاب وقال لهم: إذا وقف وسبّ فابتدروه وأدخلوه الكتاب، فلما أقبل على العادة (٥) وثب عليه (٦) الصبيان، فأدخلوه الكتاب وجعلوا رجليه في الفلقة، فلما فعلوا ذلك قال لهم الهواري: ارفعوا أصواتكم بالقراءة، وقفوا بالباب وارفعوا ألواحكم، ففعل ذلك الصبيان وأقبلوا (٧) يصيحون (٨) لكيلا يعرف أحد بذلك، ثم ضربه المؤدب ضربا عظيما حتى أدماه وضربه الرأس والظهر، فلما أعيا (٩) (وكلّ) (١٠) قام إليه الصبيان (فقالوا) (١٠) له: يا مؤدب قد نلت أنت (١١) سهمك من ضربه فدعنا

стр. 999

نحن ننال (١٢) من ضربه مثل ما نلت أنت، فقال لهم: دونكم، فقاموا إليه، فضربه كل واحد منهم ما قدر عليه، فلما لم يبق منه مفصل صحيح أخذوه بيد ورجل فرموه في الزّقاق، فمرّ به حمّال، فسألوه أن يحمله في القفة، فأتى الناس (إلى) (١٣) الهواري فقالوا له: هو عند السلطان من حاله ومن شأنه [كذا وكذا] (١٤)، فنخشى أن تمتحن على يديه، ولكن امض إلى فلانة الحرة (١٥)، ولا سيما ابنها عندك في الكتاب، فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، فصاح بالصبيّ ولد الحرّة وقال له: كلّما أقول لأمّك شيئا (١٦) فصدّقني عليه (١٧)، فقال: نعم. فمضى بعكازه (١٨) إلى دار الحرة، فضرب الباب، (وقال: الهواري) (١٩)، فخرج إليه والد الصبيّ فقال له: ما قصتك يا مؤدب؟ فقال له: الحرّة (٢٠) لا بدّ لي منها، فأذن له في الدخول، فدخل عليها، فقالت له: ما شأنك يا مؤدب؟ فقال لها: أتى فلان إلى كتّابي فعارض الصبيان في الفساد، فإن كنت لم تصدقيني فيما قلت لك فسلي الصبيّ (٢١) يخبرك، فقال الصبيّ: نعم سألني في الفساد (٢٢)، فقالت: هذا الفاعل الضائع (٢٣) عليّ به، فأتي به إليها، فأمرت بضربه بالخطور (٢٤) (-يعني المطارق-، فضرب) (٢٥) حتى أشرف على [الموت

стр. 1000

و] (٢٦) الهلكة (وبقي مطروحا) (٢٥)، فأخذ الهواري عصاه وأتى إليه فضربه برجله وقال له: أنا الهواري يا خنزير يا مشرقي (٢٧). قال الشيخ أبو الحسن الفقيه رحمه الله تعالى: انتهى إلى أبي ذميم (٢٨) -لعنه الله- ما يتولى منه المؤدب الهواري من الشتم واللّعن، فبعث في طلبه فوصل إليه صاحب المحرس (فدخل عليه) (٢٩) وقال له: يا مؤدب، المعلم نصر يدعوك (٣٠) فقال: من نصر؟ فقال له: السجّان. قال: فأردت التحيّل في الانفلات فما وجدت، فأخذت قرقى (٣١) وعصاي وإزاري (٣٢) ومضيت معه إلى سجن (٣٣) (نصر) (٣٤)، فأدخلوني فيه، وأتوا بي (٣٥) إلى غرفة في عتبتها (٣٦) حبل معلّق، فقالوا: يا مؤدب، اطلع هنا، فقلت في نفسي: إنما أرادوا منّي أن أتعلّق بالحبل فينقطع بي فأسقط إلى الأرض، فانكسر وأنا شيخ كبير، فجعلت يدي في العتبة وثرت (٣٧)، فصرت في الغرفة، فلمّا أن جلست دخل عليّ نصر وأعوانه ومعه قفة فيها الأنكال (٣٨) والأغلال، فقال: مدّ رجليك يا

стр. 1001

مؤدب، فقلت: لماذا؟ فقال: أمرنا بتقييدك، قال: فمددت رجليّ، فلما أن قربت منّي الأنكال دخل عليّ فتى جميل الوجه طيب الرائحة وقال: تنحوا عن الشيخ، وصاح عليهم، فقلت له: من تكون؟ (٣٩) (فقال: أنا جوهر) (٤٠) فقلت له: أنت جوهر المذكور في مجالس العلماء والصالحين. وقلت في نفسي: باللّعنة؟ فقال: نعم. فزالوا عنّي. ومضى بي، فأدخلني عند مؤدب ولده، ومضى يستأذن عليّ، ثم أقبل فأخذ بيدي وأدخلني على (ابن) (٤٠) بادية (٤١)، وهو معدّ، وكذلك (٤٢) كان يسميه المؤدب، فلما أن دخلت عليه في إيوانه وهو جالس على سرير ملكه ورأيته، أقبلت وأنا ألعنه وأدخلت يدي تحتي وأنا أعقد السفافل (٤٣) وأقول في نفسي: ابن بادية (٤٤) هذه في عينك، هذه في قلبك. قال: فلما أن قربت منه قال لي: يا مؤدب (٤٥)، بما استحققنا (٤٦) الشتم منك تشتمنا وتعلننا (٤٧) [قال] (٤٨): فقلت له: على ابن خيرون (٤٩) قرأته وتصاممت له. وأريته إنّما سألني على من قرأت. قال: فكرّر عليّ الكلام ورفع صوته وقال لي: بلغنا أنك تشتمنا وتطعن علينا، فقلت له: القرآن قائل هذا، وحوّلت ظهري وقلت له: من هاهنا يؤخذ الحدّ، ولم يدر ما تحت ذلك. ثمّ أمر لي بعشرة دنانير وصرفني (٥٠) وقال لي: يا مؤدب لا تعد. قال: فقلت له: القرآن

стр. 1002

قلت لك القائل هذا (٥١). قال: فانصرف معي جوهر ودفع إليّ الدنانير. (قال) (٥٢): فلما صرت (٥٣) في سقيفة القصر قام إليّ البوابون وأرادوا أن يأخذوا منّي مما أعطاني، فلما رأيتهم ضيّقوا عليّ صحت: يا أبا الحسن (٥٤) جوهرا (٥٥)، فجرى إليّ وقال لي: مالك يا مؤدب. وزجر البوابين عنّي، فخرجت بها. قال الشيخ أبو الحسن (الفقيه) (٥٢): فصرّ الدنانير في صرّة وقال (لنا) (٥٢): هذه إنما أخذتها لأستعين بها على هدم قصرهم نعطي لكل رجل (٥٦) ربع درهم. قال: فكان يسأل عن الصرف فإذا أخبروه أنه زاد ربع درهم فرح وقال: زادني في الهدّامين رجلا (٥٦)، فلما أن توفي-﵀-وجدت الصرّة في صندوقه (على حالها) (٥٧) وعليها مكتوب (٥٨): «هذه دنانير أخذتها من ابن باديّة (٥٩) تصرف أرباعا ويعطى لكل رجل (٦٠) ربع درهم لهدم قصرهم (٦١)».ولم يمس منها شيئا. قال الشيخ أبو الحسن ﵀: وكنا عنده يوما في مسجد (ابن) (٦٢) خيرون (٦٣) (ونحن) (٦٢) نقرأ عليه حتى وثب قائما وقال: قوموا معي، قال الشيخ

стр. 1003

أبو الحسن: فخرجت أنا وأبو الحسن ابن الجزيري وأبو عبد الله بن الأندلسي و (من) (٦٢) كان معنا، فوقف وقال: إذا قلت قولا وفرغت منه فقولوا: آمين، ولا تختلف أصواتكم، فقلنا نعم. فصاح بأعلى صوته وحوّل وجهه إلى جهة صبرة (٦٤) وقال: اللهم العن ذا الأمير الصنعاني. (ثم) (٦٢) قال: : قولوا: آمين. قال: فعالجنا أن تتفق أصواتنا فلم نقدر، فنزق علينا، ثم قال: اللهم العن ذا الأمير الديصاني (٦٥) فما اتفقت أصواتنا إلاّ عن جهد وشدّة. قال: (ثم) (٦٦) أخذ عصاه (٦٦) وجاء إلى العمود الذي في المجنبة، فأقبل يطعن فيه بعصاه وهو يقول: ابن باديّة هذه في قلبك، هذه في بطنك، هذه في عينك. قال: وهو في جهد حتى عرق عرقا عظيما، ثم دخل (إلى) (٦٢) المسجد فجلس وجلسنا حوله وهو يلهث ويقول: الحمد لله ... الحمد لله قال الشيخ أبو الحسن: ومرض مرضة شديدة أشفى فيها على الموت. قال: فأروا ماءه (٦٧) لابن الجزار الطبيب (٦٨) -وكان ابن الجزار على خلاف السنّة- فلما رآه (٦٩) قال: ليس يغلق (٧٠) الخمسة أبدا، هو ميّت، فلما رجع الرسول من

стр. 1004

عنده قال له المؤدب: ما قال لك ابن الجزار؟ (قال) (٧١): فسكت الرسول. فقال له أقال لك (٧٢) اني أموت من هذه العلّة؟ فقال له: يا مؤدب لا تسأل عن هذا. قال: فقال لهم: اشتروا لي لحم بقري وباذنجانا (٧٣) وقرعا واعملوا لي سكباجا محكما (٧٤)، واشتروا لي خبزا نقيّا، فعملوا له ذلك، ثم أكل الجميع مع الخبز، ثم قال لهم: دثّروني، فدثّروه، فعرق عرقا عظيما، فلما كان بعد العصر أفاق من غمرته ووجد الراحة فقال لهم: أعطوني قرقي وعصاي، فأعطوه ذلك، فمضى إلى دار (ابن) (٧١) الجزار، فقال لي أبي: فأخبرني بعض من كان جالسا [عنده] (٧٥) قال: [بينما] (٧٥) نحن جلوس معه تلك العشية حتى سمع حسّ قرق، قال: فوثب ابن الجزّار وقال: هذا حسّ قرق الهواري وطلع الدرج وردّ الباب على نفسه ووقف خلف الباب حتى طلع الهواري فقال: أين هذا الجزّار ابن الجزار الذي يقطع في حكم الله ويقطع عليّ بالموت؟ وحقّ هذه القبلة لو وجدته جالسا لجعلت عصاي هذه بين أذنيه، قولوا له: يا كذّاب هذا أنا صحيح سويّ، بهذه (٧٦) العصا (٧٧) أحارب الدجال (٧٨) ثم مضى. وفيها توفي: ٢٦٠ - سالم الفوّال (*) المتعبد (١) رحمة الله عليه. قال الشيخ أبو الحسن الفقيه: جاء سالم إلى أبي بكر بن اللّباد فوجده مخلّيا، فقال له: لي مدة أشتهي أن أسألك عن مسألة في خلوة فلم أجد فهذا

стр. 1005

وقتها. فقال له: ما هي؟ فقال له: -أصلحك الله تعالى-: أنا أحفظ القرآن وحبّب إليّ قراءته في اللّيل في الصلاة. فقال له الشيخ أبو بكر: نعم ما تعمل، والقرآن هاد إلى كلّ خير، والقرآن في الصلاة من أفضل أعمال البرّ. فقال (٢) له سالم: غير إني-أصلحك الله تعالى-إذا افتتحت القرآن فقلت: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ: قال الشيخ أبو الحسن: ثم غلب على سالم البكاء والشهيق، فكلما ابتدأ صورة المسألة غلبه البكاء حتى ظن الشيخ أبو بكر (٣) أنه إنما يسأل عن وسوسة الشيطان وعن حديث نفسه، فقال له: كلما وسوس إليك الشيطان ولم تعتقده فإن الله تعالى لا يؤاخذك به؛ [هذا] (٤) وسالم في بكائه، حتى قال الشيخ: يا هذا، إن الخلوة لا تدوم لك، فاذكر ما تحدّث به نفسك. فقال له: إذا افتتحت القراءة غلبتني العبرة وخنقني (٥) البكاء، فأحاول أن أتمادى في القرآن فلا أقدر، وخفت أن يكون هذا عقوبة، فأعرض عنه الشيخ أبو بكر، وأقبل ينوح ويبكي، حتى إذا ذهب ذلك عنه وسكن: ردّ وجهه إلى سالم فقال له: يا بني، دم على ما أنت عليه، فقد أنعم الله عليك، وأعطيت الخشية من الله تعالى، فاحمد الله- -على ما أعطاك، واشكره على ما [أولاك و] (٦) أنعم (به) (٧) عليك، الذي يطلبه (٨) الناس فبعد حين يصبح لهم، وجدته أنت في أول أمرك.

стр. 1006

وفيها توفي: ٢٦١ - أبو جعفر أحمد الأطرابلسي (*) المتعبد/بالمنستير بقصر دويد (١). كان فاضلا مجتهدا. أقام مرابطا أربعين سنة، لم يأكل من لحم صيد [بحر] (٢) المنستير طريّا ولا مالحا، ولم يشرب من صهريج (٣) ماء القصر، ولا دخل لهم مرحاضا. وكان ربما واجر نفسه في الحصاد والخرط. قال أبو بكر بن عبدون (المتعبد) (٤) جعلت في فيه (٥) قطعة حوت (٦) عند إفطاره فرمى بها من فيه وقال لي: يا أبا بكر ما أكلت حوتا ولا لحما ولا فاكهة منذ أربعين سنة. أقامت بطة (٧) زيت في بيته (٨) -أتته من طرابلس-وثمنة (٩) فول، معلّقة تسع سنين، فما نظر إليهما (١٠) حتى أعطاهما للزوار (١١). وكان ينام على الأرض لا حصير ولا وسادة ولا كانون ولا سراج ولا برمة، سوى قدح كان يتوضأ فيه للصلاة، حتى قعدت (١٢) عيناه (١٣) (في) (١٤) رأسه من

стр. 1007

الجوع. وما أوقد في بيته مصباحا قط.وكان إذا تاقت نفسه إلى لقمة سخنة يأخذ قبضة من دقيق الشعير بنخالته، فيعجنها (١٥)، فإذا نظر إلى نار قد استغنى عنها أصحابها وأنزلوا قدورهم (عنها) (١٤) دفنها (١٦) في بقية تلك (١٧) النار. قال الشيخ أبو الحسن: وأهدى قوم إلى أبي الحسين الكانشي المتعبد سفنجة (١٨) بعسل، فلما رآها أبو الحسين أعجبته وقال لنفسه: أمضي بها إلى أبي جعفر الأطرابلسي قال: فأخذ الإناء على يده وأتى إلى [بيت] (١٩) أبي جعفر، فضرب الباب، فقال: من؟ فقال: أبو الحسين، ففتح من الباب يسيرا، فدفع إليه أبو الحسين الإناء فلما رآه ضرب الباب في وجه أبي الحسين وقال: إذا حصلت في أعناقهم قلادة قالوا أحمد الأطرابلسي. قال: فمضى أبو الحسين والطاس على يده (٢٠) ووقف على بيته (٢١)، وصاح بأعلى صوته: يا صاحب القلادة ... يا صاحب القلادة .. فقال: (يا) (٢٢) مبارك خذ قلادتك. قال: فتحيّر الناس في أمره وهو يصيح (كذلك) (٢٢) بأعلى صوته، فأتاه (٢٣) القوم الذين أهدوا إليه [السفنج] (٢٤) فقالوا له: مالك-أصلحك الله تعالى-؟ فقال لهم: خذوا قلادتكم، فقالوا له: -أصلحك (الله تعالى) (٢٢) -أو ما تعرف (٢٥) أكسابنا وطيبها؟ فقال لهم: أيش أنا قلته (٢٦)، أحمد الأطرابلسي، (الرجل الصالح) (٢٢) قاله. (قال) (٢٢): فأخذ القوم طاسهم وانصرفوا عنه.

стр. 1008

وكان أحمد هذا من المستجابين في الدعاء (٢٧): قال أبو عبد الله الجزيري (٢٨): كانت لي امرأة صالحة، وكانت أقعدت وامتنعت عن الصيام والقيام واحتاجت إلى القصريّة (٢٩) فقالت لي يوما: سألتك بالله سل لي سيدي (٣٠) أبا الحسين الكانشي يسأل الله تعالى أن يريحني من هذا الحال، فأتيت الشيخ أبا الحسين (٣١) فلم أجده، قال: وكان الشيخ أبو الحسين ربما انخلس (٣٢) فلا يوجد (لا) (٣٣) في الشعراء (٣٤) ولا في القصر، فخرجت أختبر، فإذا بأحمد الأطرابلسي (٣٥) ماشيا، فسلّم عليّ وقال لي: أيش خبرك؟ فقلت له: هل رأيت الشيخ أبا الحسين؟ فأشار إلى جرف على شاطئ البحر وقال لي: هو تحته يصلّي. ثم قال لي: ما خبرك؟ فذكرت له أمر الزوجة و (ذكرت له) (٣٣) أنها (امرأة) (٣٣) ذات دين وعفاف. فقال لي: فرّج الله عنها وأتاها بالفرج من حيث لا تدري ولا تشعر. ثم مضى؛ ومضيت (أنا) (٣٣) حتى جئت إلى الشيخ أبي الحسين الكانشي، فوجدته قائما يصلّي، فجلست أنتظره، فطوّل (٣٦) في صلاته -وذلك من الضحى إلى (أن حانت) (٣٣) صلاة الظهر، فلما حانت صلاة (٣٧) (الظهر) (٣٣) حركت طرفه (٣٨) وقلت له: -أصلحك الله تعالى-حانت صلاة

стр. 1009

الظهر، فأوجز في صلاته وسلّم، [فلما سلّم] (٣٩) ردّ وجهه إليّ وقال لي: الأمر الذي جئتني فيه قضى فيه ذمام الأطرابلسي. قال: فقلت له: وما هو -أصلحك الله-؟ فقال: جئت في أمر المرأة (٤٠)؟ فقلت له: نعم. قال (٤١): ولقيت أحمد الأطرابلسي (٤٢) فدعا لها؟ فقلت له: نعم. فقال: قد عوفيت في ذمام أحمد. قال أبو عبد الله: ثم مضينا فصلّينا الظهر ثم مضيت إلى عند زوجتي، وقد تركتها مقعدة، فوجدتها قائمة تصلّي (٤٣). فعجبت-والله-من هذا عجبا عظيما. ثم أصبحت فأتيت إلى الشيخ أبي الحسين، فقلت له: سألتك بالله (تعالى وتقدّس) (٤٤) ما هذا؟ وكيف كان الأمر؟ فقال لي: يا هذا [إنما هو] (٤٥) نور يجعله الله تعالى في القلوب/فينطق من يشاء كما يشاء، ويسكت من يشاء كيف يشاء (٤٦). ثم (٤٧) أنشد أبو بكر بن عزرة (٤٨): وما أنا بالمستنكر البين [إنني] (٤٩) ... بذي لطف (٥٠) الإخوان قدما (٥١) مفجع حديثهم في كل حيّ ألفتهم ... إذا أنفس عزّوا عليّ تصدّعوا

стр. 1010

وفيها توفي (٥٢): ٢٦٢ - بشير (*) بالمنستير ودفن بها. رحمه الله تعالى. كان متقللا من الدنيا، وأكثر عيشه بقل البرية. قال خلفون التونسي: سألني رجل من أهل الدنيا أن أمضي معه ليراه، فمضيت معه، وكان الرجل الدنيوي (١) طويلا جسيما. قال: فدخلنا إليه وباب النوالة (٢) قصير لا يدخله الإنسان إلاّ منحنيا، فجلسنا عنده ساعة، فأخرج الرجل دراهم فسأله قبولها، فقال له بشير: لا حاجة لي بها انها تبتخس (٣) عندي من هواء البحر، فقال له الرجل: لا بدّ من قبولها، فوضعها (٤) بين يديه. ثم قام ليخرج، فانحنى من قصر (٥) الباب، فأخذ بشير (٦) الدراهم فوضعها على ظهر الرجل وهو منحن (قال خلفون) (٧): فأشفق الرجل إن خرج أن تتبدّد الدراهم إن قام فبقي منحنيا (٨) وقال لي: خذ الدراهم من على ظهري، فأخذتها وبشير يضحك من فعله وخوفه عليها. وقال خلفون: ذبح الأعرج يوما (٩) شاة-وكان أمينا على المنستير-فقال لي: يا خلفون امض بربع هذه الشاة إلى بشير، فمضيت إليه فوجدته قائما على باب نوالته، فلما رآني وضع يده على أنفه وقال لي: إليك يا خلفون الجيفة معك، /اذهب عني، قال: فمضيت بالربع في يدي ولم يقبله.

стр. 1011

قال أبو بكر الزرجوني (١٠) -[وكان] (١١) من فضلاء المؤمنين-كان [بشير المتعبد] (١١) يقول: إلهي (١٢) في الدنيا الهموم والغموم وفي الآخرة الحساب والعقاب، فأين الراحة؟ ذكر عنه أنه قال (١٣): بينا أنا عند أبي علي (١٤) إذ دخل (عليه) (١٥) شاب عليه ثياب (١٦) نظيفة ورائحة [طيّبة] (١٧) عجيبة، فقال له: ما حقيقة الشكر لله ، بعد معرفته؟ فقال له أبو علي: ما هذا؟ أو ليس قد قلت: بعد معرفته؟ لما صحّت المعرفة كان شكرك مطويا في حقيقة المعرفة. فانصرف الفتى.

стр. 1012

ثم كانت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي (١): ٢٦٣ - أبو الخير العبد (*). رحمه الله تعالى. كان يسلك طريق النّساك. ثم رحل إلى المشرق فظهرت له (كرامات) (٢)، ثم سكن جبل لبنان (٣)، فتوفي هناك. قال حسن بن فتحون: كان أبو الخير-﵁-ينشدني: ما الدهر إلاّ ليلة ... (من) (٢) بعدها يوم جديد وكلاهما بك فاعل ... ما لا تريد وما تريد

стр. 1013

ثم كانت سنة تسع وأربعين (وثلاثمائة) (١) وفيها توفي: ٢٦٤ - أبو الفضل العباس بن محمد الصوّاف الغدامسي (*) المتعبد بالمنستير-﵁.يوم الجمعة صلاة العصر لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. ودفن يوم الأحد ضحى في داخل الجزيرة (٢)، وهو ابن ستّ وتسعين سنة. صلّى عليه القاضي عبد الله بن هاشم [و] (٣) نفر الناس للصلاة عليه مشاة وركبانا وكان ما افترق في غيره من/الأوصاف الجميلة اجتمع فيه (٤). سئل ﵀ عن السنة التي سكن فيها بالمنستير، فقال: قدمت (٥) من غدامس (٦) إلى إفريقية فنزلت بمدينة سوسة في ذي الحجة سنة ستّ وثمانين ومائتين، فأقمت بها ثلاثة أشهر. ثم رحلت إلى المنستير في شهر ربيع الأول من سنة سبع. قال: وكنت حججت سنة أربع وثمانين ومائتين من بلدي وأبواي حيّان، فلما ماتا رحلت إلى المنستير. ولما وصل إلى المنستير استعمل نفسه في غسل الميض (٧)، (فكان إذا فرغ

стр. 1014

الناس استقى الماء وغسل الميض) (٨). وكان ربما جعل خدّه على الموضع المغسول تواضعا (لله (٩)، ثم انتقل من حال إلى حال حتى بلغ الدرجة التي مات عليها. وكان يخدم المرابطين ويأتي إلى الشعراء بثلاثة (١٠) حبال يعمل (١١) فيها (١٢) ثلاث حزم من حطب ويشدّهم وينقلهم قليلا قليلا حتى يأتي بالجميع إلى القصر (١٣). وكان يعجن لصالحي الموضع ويخبز لهم. ويقوم [في] (١٤) اللّيل في الشتاء فيسخن الماء لمن أراد منهم غسلا (١٥) أو وضوءا. وكان يقول: خدمت المرابطين ثلاثين سنة وخدموني ثلاثا (١٦) وثلاثين سنة، فلهم عليّ الفضل. وانتفع الشيخ أبو الفضل الغدامسي بشيخ جليل متعبد يعرف بالباجي، على يديه تعلم القرآن. وبعد موته رأى أبو الفضل رؤيا، قال: رأيت معلمي الباجي في المنام، فسألته عن حاله، فذكر خيرا، فقلت له: فكيف (١٧) كان موتك وكيف (١٧) كان خبرك؟ فقال: لما متّ ردّت/إليّ نفسي. فكنت أعرف كلّ ما تصنعون (١٨) بي حتى أخرجتموني وغسلتموني وكفّنتموني، وصليتم عليّ، فلما دفنتموني وانصرفتم عنّي، صاح بي صائح يا رجل، يا رجل، فما علمت أنه يريدني، فصاح بي يا هذا الذي نزل عندنا الساعة، فقلت له: ما تريد مني؟ فقال لي: اقرأ، أما ترى ما جاءك؟ قال: فانطلق لساني في سورة يس. قال:

стр. 1015

وأتاني الملكان فقال أحدهما للآخر: سله، فقال له: كيف أسأله (١٩) أما تسمعه (٢٠) يقرأ قلب القرآن. قال فمضيا عني وما سألاني. ذكر عنه أنه قال: ما عصيت الله تعالى قط في عمري-فيما أعلم-إلاّ ثلاث مرات. أما واحدة: فإني رأيت رجلا (٢١) يخنق أبي حتى ضيّق عليه (٢٢). والثانية: حين كنت شابا راودني إنسان على نفسي-وكان معروفا بالسوء- فقلت له: انصرف عني وإلاّ فقأت عينك، فلم ينصرف، فأخذت حصاة (٢٣) فرميته بها، فطارت عينه الواحدة، ثم ألحّ عليّ (٢٤)، فقلت له: إن لم تنصرف وإلاّ فقأت عينك الأخرى، (فلم ينصرف) (٢٥)، فأخذت حصاة (٢٣)، فرميت بها عينه الأخرى، فذهبت، فبقي أعمى لا يبصر. ورأيته بعد ذلك في الأسواق أعمى يتكفّف الناس. ولم يخبرنا بالثالثة، رحمة الله عليه. قال الشيخ أبو الحسن الفقيه-رحمة الله عليه-: يقال إنه لم يغضب في عمره إلاّ ثلاث غضبات كلها لله، واحدة منها في/خبر أبيه في بلده واثنتان في المنستير إحداهما (٢٦): في خبر أبي سوادة (٢٧)، وكان شيخا صالحا، فأوذي فغضب له أبو الفضل وانتصر له، والثالثة: في خبر القط الذي كان يسمّى «نسنس» (٢٨)، وذلك أن (٢٩) ابن أبي الربيع جلس عند الميضاة يغسل حيتانا، فأخذ «نسنس» منها حوتا، فضربه ابن أبي الربيع ضربة منكرة، فغضب أبو

стр. 1016

الفضل وقال: أما علمت أنه «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» (٣٠)، إن «نسنس» إنما أخذ قسمه ولم يأخذ قسمك، لو كان [لك] (٣١) مقسوما لم يأخذه، ثم قال: أما علمت أن الحوت في البحر مكتوب على ظهره-وهو في البحر-إنه من رزق فلان. ومن ذلك ما رأي محمود المتعبّد [رأى] (٣١) النبي ﷺ في المنام وهو يقول له: اجمع الفول الأخضر من جنانك واحمله إلى الغدامسي فإنه اشتهاه. قال: فاستيقظت فخرجت إلى الجنان، فجمعت الفول الأخضر ومضيت به إلى (الشيخ) (٣٢) الغدامسي، فقال له (٣٣): من أخبرك أني اشتهيت الفول؟ فقال له: النبي ﷺ (٣٤) أخبرني في المنام. وكان إذا خرج من المنستير أحد يريد (٣٥) الحج يأتي إلى أبي الفضل الغدامسي فيسأله (٣٦) في الدعاء، فيقول له أبو الفضل (الغدامسي) (٣٢): يا أخي إذا رزقت (الحجّ) (٣٢) وزرت قبر النبيّ ﵊ فأحب أن تقرأ على رسول الله ﷺ [مني] (٣٧) السلام وتقول له: أبو الفضل الغدامسي يقرأ عليك السلام وكذلك صاحبيك (٣٨)، قال أبو القاسم: فلما حججت وزرت سلّمت على رسول الله ﷺ وقلت له: يا رسول الله [تعالى وتقدّس] (٣٩) أنا (٤٠) فلان بن فلان من سكان المنستير، وأبو الفضل الغدامسي يقرئك السلام وصاحبيك. قال:

стр. 1017

فسمعت صوتا لا أشك أنه صوت عمر بن الخطاب لجهارته وهو يقول: تبلغنا، تبلغنا. قال أبو الحسن الفقيه: كان أبو الفضل الغدامسي يذكر أشياء فيقال له: من أين لك هذا؟ فيقول: يأتيني شيخ من ناحية (٤١) البحر فيحكي لي، فقيل له: من هذا الشخص؟ فأشار [إلى] (٤٢) أنه الخضر ﵇ (٤٣) فقيل له: وما الدليل (٤٤) على أنه (الخضر) (٤٣)؟ فقال: يأتي بأمر لا يستطاع دفعه. وكان يتكلم على الخاطر (٤٥): ذكر أبو بكر بن سعدون قال: كنت يوما عند أبي الفضل (الغدامسي) (٤٣)، فجال في سرّي أن أسأله عن شيء من أمر الدنيا، فلمّا هممت بالاستفتاح في السؤال عن ذلك عطف عليّ فقال (٤٦) يا أبا بكر، قلت لبيك، قال: والله ما معي من الدنيا قيراط واحد (٤٧) وأنا أختار ذلك وأريده. قال أبو الفضل الغدامسي: سألت الله في شيئين فأعطانيهما، سألته أن ينزع من قلبي حب غدامس فنزعه، وسألته أن يكفيني مؤونة البراغيث فكفاني. قال أبو محمد الجبّي: فكان يجلس ونحن حوله نتفلّى من البراغيث وهو لا يحس شيئا. قال الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن: حدثني والدي [عبد الرحمن] (٤٨) قال: مضيت لزيارة أبي الفضل وحملت له معي تمرا، دفعته لإنسان دفعه إليه،

стр. 1018

قال: ثم دخلت عليه، فسلّمت وجلست، فقال للرجل: من أتى بهذا (التمر) (٤٩)؟ فقال له: -أصلحك الله تعالى-هذا الشاب، وأشار إليّ، فقال لي: من أين موضعك؟ فقلت له: من أهل القيروان، قال: فأقبل وهو يمدح أهل القيروان، ويذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم ويدعو لهم، قال: فقلت له -أصلحك الله تعالى-: أحبّ أن تدعو لهم بالغيث فإنهم تحت عطش (٥٠) عظيم، (قال) (٤٩): فأخذ في الدعاء (قال) (٤٩) فدعا بدعاء عظيم، (قال) (٤٩) فوصل إلينا الخبر من القيروان أن الوادي أتى إلى الماجل في الوقت الذي دعا فيه أبو الفضل، فملأ المواجل من غير مطر أصاب القيروان، إنما مطرت (٥١) البوادي فأتى السيل إلى المواجل فملأها. وأتاه رجل (٥٢) يستغيث به وهو يبكي فقال (له: -أصلحك الله تعالى-) (٤٩) أخذ أخي على (٥٣) لبود (٥٤) أتى بها من الأندلس-وكانت اللّبود مخطرة لا يخرج بها أحد-وقد سجن في المهدية على أن تقبّل (٥٥)، وهو يتضرّع، فرقّ له الشيخ أبو الفضل وقال له: أمضي معك، (قال) (٥٦) فخرج الشيخ أبو الفضل معه، فلما مشى عن القصر يسيرا استيقظ وقال للرجل: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله أخطأنا الطريق، (فقال له-أصلحك الله تعالى-: نحن على الطريق، فقال له: لا يا مبارك قد أخطأنا الطريق) (٥٦)، قال: فرجع (الشيخ) (٥٦) أبو الفضل إلى ناحية فركع ركعتين وسأل الله في حاجة الرجل، فما أصبح الصبح حتى وصل الرجل المسجون إلى أبي الفضل. فقال له: كيف كان خبرك؟ فقال له: ما أدري-أصلحك الله تعالى-إلاّ [أني] (٥٧) كنت جالسا في

стр. 1019

اللّيل أنتظر ما يصنع بي حتى فتح باب السجن وحلّت (٥٨) قيودي وقيل (لي) (٥٩): اخرج الساعة إلى المنستير. وذكر عنه (٦٠) -رحمه الله تعالى-أنه سأل الله أن يريه وليّا من أوليائه فرأى في منامه (كأن) (٥٩) قائلا يقول له: إذا كانت (٦١) اللّيلة الآتية تبيت برّا من القصر (٦٢) فترى ما سألت، فلما كانت اللّيلة الآتية انخلس (٦٣) من القصر وبات برا، فلمّا كان في ظلمة اللّيل رأى نورا ساطعا في «قبة الرمل» (٦٤) قال: فمشى إليه فإذا (في «قبة الرمل») (٦٥) شخص في أطمار وقد غلب نوره على سواد اللّيل، قال: فسلّم عليه، فردّ السلام وقال له: يا هذا ألا سألت الله في العفو، فإنك إذا سألته في العفو أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم ولّى. قال أبو محمد الجبيّ: جاء مرة (٦٦) السلطان معدّ-لعنة الله عليه-جائزا بالمنستير فنزل بها وضربت فازاته، فأرسل إلى الشيخ الغدامسي يسأله في الخروج إليه ليراه، فصعب ذلك على الشيخ، والرسل تأتي وراءه، فأسبغ الوضوء وركع ركعتين، فجاء رسول يجري وراء الرسل يخبرهم أن السلطان رحل، فقالوا له: أيش الخبر؟ فقال لهم: [بينما] (٦٧) السلطان جالس حتى دبّت عليه عقرب، فقال لهم: ارحلوا الساعة من هذا المكان، فمضى ولم يجتمع به. وأما سخاؤه ومروءته/وكثرة صدقته (ومعروفه) (٦٨) فكثير، وإيثاره على نفسه وإشفاقه ورقة قلبه، وسلامة صدره:

стр. 1020

قال أبو محمد الجبي: ما رأيت أهون من الدنيا عند أبي الفضل ولا أقل وزنا: وذلك أن رجلا أتى إليه وهو يجري ويلهث حتى سال عرقه، فقال له أبو الفضل: ما دهاك؟ فقال: أتيت لأبشّرك بوصول لوح (٦٩) مشحون أرسل [به] (٧٠) إليك، فقال له: وهذا الذي صيرك بهذه الحالة؟ فقال له: نعم، فقال له: اذهب فبارك (٧١) الله لك في اللوح بما فيه. قال أبو محمد بن أبي زيد (الفقيه) (٧٢): بلغني أن ابن عمّ له بغدامس توفي وليس له وارث غيره وترك جنانا وغلاما فيه محافظا (٧٣) على صلواته من الأتقياء، فقال: أشهدكم أنه حرّ وأن الجنان عليه صدقة. قال أبو محمد الجبي: أتى ليلة أبو محمد بن التبان الفقيه إلى أبي الفضل الغدامسي ليبيت عنده، فصاح بابن مؤنس (٧٤) ورشيد وقال لهما: الفقيه بات عندنا الليلة وليس عندنا (٧٥) ما نعشّيه (وما يصلح له) (٧٦)، الحقوني (٧٧)، قال: فمضى ابن مؤنس (٧٨) في الوقت إلى القصر فوجد سبع حجلات مع (بدوي) (٧٦) فاشتراهم وأتى بهم، فلما رآهم الشيخ سرّ بهم سرورا عظيما، ودخل إلى بيته وأخرج نعلا طائفيا (٧٩) جديدا مما أهدي إليه، وقطائع (٨٠) وأشياء مما يساوي دنانير،
следующие страницы →