← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ابن الحارث (٩) أنهم قالوا للمقداد (١٠): «إنك ثقلت، وتخرج في هذه المغازي؟ » فقال: خفيفا كنت أو ثقيلا، لا أتخلف عنها، لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) (١١)، ثم قال: قدمت سرية على رسول الله ﷺ فذكروا البرد والأجر (١٢) الذي أصابهم، فقال رسول الله ﷺ «إن البرد الشديد والأجر العظيم لأهل إفريقية». قال عبد الله بن وهب في «جامعه» (١٣): أخبرني (١٤) عبد الله بن لهيعة أنه سمع يزيد ابن [أبي] (١٥) حبيب يذكر أن المقداد بن الأسود كان قد غزا مع عبد الله بن سعد إفريقية، فلما رجعوا قال عبد الله بن سعد للمقداد في دار بناها بمصر (١٦): «كيف ترى بنيان هذه الدار» فقال له المقداد: «إن كانت (١٧) من مال الله فقد أفسدت، وإن كانت من مالك فقد أسرفت»، فقال له عبد الله: «لولا أن يقول قائل: أفسد مرتين، لهدمتها». وتوفي المقداد سنة ثلاث وثلاثين «بالجرف» (١٨). وحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة، وصلّى عليه عثمان، رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ وتوفي وهو ابن سبعين سنة.

стр. 107

١١ - ومنهم حمزة بن عمرو الأسلمي (*) رضي الله تعالى عنه . صحب النبي ﷺ وروى عنه حديثا كثيرا (١). شهد فتح إفريقية مع عبد الله بن سعد، وكانت له في ذلك مقامات مشهورة. من طريق ابن سنجر (٢) عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي-وكان أبوه قد صحب رسول الله ﷺ -قال: «سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ (٣): «على ذروة كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسمّوا الله ثم لا تقصروا عن حاجتكم». ١٢ - ومنهم أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني (**) رضي الله تعالى عنه . صحب النبي ﷺ وروى عنه حديثا كثيرا (١). شهد غزو إفريقية وفتحها مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

стр. 108

الواقدي (٢) قال: حدثني كثير بن عبد الله المزني (٣) [عن أبيه عن جدّه] (٤) قال: كانت مزينة في غزو إفريقية وفتحها أربعمائة (٥)، وكان لواؤهم على حدة يحمله بلال بن الحارث المزني. من طريق [ابن] (٦) سنجر بن محمد بن عمرو [بن علقمة] (٧) عن أبيه عن جده قال: مر عليه رجل له شرف فقال له: «يا فلان، إن لك رحما وإنك تدخل على هؤلاء القوم فتقول وتتكلم، وإني سمعت بلال بن الحارث المزني يقول: قال رسول الله ﷺ (٨): «إن أحدكم (٩) ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن (١٠) أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه؛ وإن أحدكم (٩) ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن (١٠) أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها (١١) سخطه إلى يوم يلقاه» فانظر ماذا تقول وماذا تتكلم، فربّ كلام قد منعني منه ما قال بلال رحمه الله تعالى». قال عبد الله (١٢): أدخل مالك-رضي الله تعالى عنه-هذا الحديث في «موطئه» (١٣) عن محمد بن عمرو بن علقمة [عن أبيه] (١٤) عن بلال بن الحارث المزني،

стр. 109

ولم يذكر «جده» كما ذكره ابن سنجر، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن علي بن محمد (١٥) في كتابه «الملخص» (١٦): «وفي اتصاله شيء» (١٧). ١٣ - ومنهم المطلب بن أبي وداعة (١) السهمي (*) رضي الله تعالى عنه واسم «أبي وداعة» الحارث بن صبيرة (٢). وكان معدودا (٣) من جملة الصحابة، وأدخله مالك في «موطئه». من طريق ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب [بن أبي وداعة السهمي] (٤) عن حفصة أم المؤمنين، أنها قالت (٥): «ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى في

стр. 110

سبحته (٦) قاعدا قط، حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدا، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول (٧) من أطول منها». وذكر ابن سنجر عن المطلب قال: «مرّ رسول الله ﷺ برجل يصلّي قاعدا فقال (٨): «صلاة القاعد على نصف صلاة القائم»، قال: فتجشم الناس القيام». قال أبو سعيد بن يونس: «وروى المطلب بن أبي وداعة (٩) عن رسول الله ﷺ حديثا في الطواف/بالبيت (١٠). قال عبد الله: وقد أدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في جملة الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ورووا عنه؛ وذكر حديث الذي كان يصلي قاعدا. شهد غزو إفريقية مع عبد الله بن سعد ومعه جماعة من قومه من بني سهم رضي الله تعالى عنهم.

стр. 111

١٤ - ومنهم ربيعة (*) بن عباد (١) الدّؤلي (٢) رضي الله تعالى عنه. كانت له صحبة لرسول الله ﷺ ، ورواية عنه (٣). من طريق ابن سنجر عن ربيعة بن عباد الدّؤلي، قال (٤): «رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز (٥) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ووراءه رجل تقد وجنتاه (٦) وهو يقول: «أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم» قلت: «من هذا؟ » قالوا: «عمه أبو لهب (٧) لعنه الله». ودخل ربيعة مع عبد الله بن سعد إفريقية، وشهد غزوها وكانت له بها آثار ومقامات.

стр. 112

١٥ - ومنهم أبو محمد فضالة بن عبيد الأنصاري (*) رضي الله تعالى عنه . كان معدودا من جملة الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ورووا عنه. وأدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في جملة الصحابة (١) رضي الله تعالى عنهم. من طريق ابن سنجر عن «فضالة» قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع (٢): «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده. والمجاهد؟ من جاهد نفسه في طاعة الله . والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب». قال أبو سعيد بن يونس (٣): دخل فضالة بن عبيد إفريقية غازيا هو (٤) ورويفع بن ثابت، وشهد فتح مصر وولى بها القضاء والبحر (٥) لمعاوية بن أبي سفيان. توفي بدمشق سنة ثلاث وخمسين. ويقال إن بها ولده إلى اليوم.

стр. 113

١٦ - ومنهم رويفع بن ثابت الأنصاري (*) رضي الله تعالى عنه . صحب رسول الله ﷺ وروى عنه. أدخله محمد بن سنجر في «مسنده». من طريق [ابن سنجر] (١) عن (٢) حنش بن عبد الله الصنعاني قال (٣): «غزونا المغرب وعلينا رويفع بن ثابت فافتتحنا قرية (٤) يقال لها «جربة» فقام فينا رويفع بن ثابت خطيبا فقال: «[إنّي] (٥) لا أقوم فيكم إلا بما سمعت من رسول الله ﷺ . قام فينا «يوم خيبر» (٦) حين افتتحناها فقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركبن دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه». وذكر أبو سعيد بن يونس بإسناد له يتصل بعبد الله بن أبي حذيفة (٧) قال: «قدم علينا رويفع بن ثابت الأنصاري إفريقية، فأصبنا غنائم، فقام فينا خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن الله قبض نبيه ﷺ وخلّفني حتى أخبركم»، ثم بكى وجلس ثم قام فقال: «إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن توطأ الحبالى حتى يضعن» (٨)، وذكر باقي الحديث.

стр. 114

وذكر «أبو العرب بن تميم» بخطه (٩) أن رويفع بن ثابت هذا دخل إفريقية في زمن موسى بن نصير في حاجة (١٠)، فلما فرغ من حاجته وبرز للخروج دخل على موسى ابن نصير فقال: «إني رأيت أن عليّ حقا أن أودّك (١١) وأذكر لك شيئا قاله رسول الله ﷺ أرغبك به في فعل الخير وكثرة الصدقة والمعروف، وذلك أنه اتصل بي أن رسول الله ﷺ قال (١٢): «المعروف من أبواب الجنة وهو يمنع (١٣) مصارع السوء». وتوفي (١٤) رويفع بن ثابت سنة ثلاث وخمسين (١٥) «ببرقة» وهو أمير عليها لمسلمة ابن مخلّد الأنصاري أمير مصر، وقبره معروف بها إلى اليوم. وكان قد اندرس ثم وجد بعد ذلك عند رأسه بلاطة مكتوب فيها: «هذا قبر رويفع بن ثابت الأنصاري». قال أبو سعيد بن يونس: كانت لرويفع بالمغرب وإفريقية ولايات وفتوحات، وشهد أيضا فتح مصر واختط بها، ومنزله قائم بحاله إلى اليوم في زقاق «بني حسنة» (١٦).

стр. 115

١٧ - ومنهم جرهد (١) بن خويلد (*) بن بجرة (٢) الأسلمي (٣)، رضي الله تعالى عنه. صحب رسول الله ﷺ وروى عنه، وشهد فتح إفريقية وغزوها مع عبد الله بن سعد. ذكر ذلك ابن يونس. وأدخله «البخاري» (٤) فقال: «ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش (٥) عن النبي ﷺ أنه قال: «الفخذ عورة» (٦). أدخل محمد بن سنجر هذا الحديث في «مسنده» في جملة [ما رواه عن] (٧) الصحابة (٨).

стр. 116

١٨ - ومنهم أبو زمعة البلوي (*) [رضي الله تعالى عنه] . ذكر أبو العرب (١) أنه من أصحاب النبي ﷺ ممن بايع تحت «الشجرة»، وأنه دخل إفريقية وأقام بها، وحضرته الوفاة بها (٢)، وأمرهم أن يسووا قبره بالأرض (٣). قيل: إن قبره «بمقبرة البلوية». ذكر أحمد بن أبي سليمان أن أبا زمعة دفن بباب تونس، وبه سميت «البلوية». قال أبو العرب (٤): ولقد حدثني بعض أصحابنا أنه حضر حفر قبر (٥) في البلوية (٦) قال فحفروا في أرض شديدة لم يحسبوا أن أحدا حفر فيها، فظهروا على رجل مدفون لم يتغير منه شيء فظنوا أنه «أبو زمعة البلوي» صاحب رسول الله ﷺ (٧).

стр. 117

١٩ - ومنهم أبو عبد الرحمن بسر (١) بن أبي أرطأة (*)، ويقال ابن أرطأة رضي الله تعالى عنه. صحب النبي ﷺ ، وروى عنه (٢). ذكر ذلك [أبو] (٣) سعيد بن يونس وغيره، وذكره أبو عبد الله محمد بن سنجر في «مسنده» في الصحابة. من طريق ابن سنجر عن بسر بن أرطاة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (٤): «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا [وعذاب] (٥) الآخرة». دخل إفريقية غازيا، وشهد فتحها مع عبد الله بن سعد، وأقام معه بها؛ وشهد قبل ذلك فتح مصر واختط بها، وله بمصر [دار وحمام يسمّيان باسمه] (٦). وكان قد عرض له وسواس في آخر عمره بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه حزنا عليه، وكانت وفاته بالشام.

стр. 118

٢٠ - ومنهم [المسيب] (١) بن [حزن] (٢) المخزومي (*) وهو والد سعيد، رضي الله تعالى عنهما. وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وممن بايع تحت «الشجرة» /وشهد «الحديبية»، روى (٣) عنه ولده سعيد وغيره (٤). ٢١ - ومنهم زياد بن الحارث (**) الصّدائي (١)، [رضي الله تعالى عنه]. كانت له صحبة لرسول الله ﷺ ورواية عنه (٢). وكان قد أتى إلى النبي ﷺ فبايعه على الإسلام، ثم كتب إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام والقدوم على رسول الله ﷺ ، فأقبلوا وأسلموا.

стр. 119

قال أبو سهل: [فرات بن] (٣) محمد العبدي: قدم زياد بن الحارث الصدائي إفريقية، وانفرد أهل إفريقية بحديثه، وحديثه من إحدى الغرائب التي أغرب بها عبد الرحمن ابن أنعم (٤). دخل إفريقية وشهد المغازي. وأدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في [جملة] (٥) الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أصحاب رسول الله ﷺ . وأغرب في حديث عنه، ما علمت أن أحدا أدخله من أصحاب المسانيد (٦): عن ابن أنعم عن زياد (٧) بن نعيم الحضرمي، عن (٨) زياد بن الحارث الصدائي صاحب رسول الله ﷺ ، قال (٩): «أتيت نبي الله ﷺ ، فبايعته على الإسلام، فأخبرت أنه بعث جيشا إلى قومي، فقلت: «يا نبي الله اردد الجيش، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم. قال: «فاذهب فردهم».فقلت: «يا رسول الله، إن راحلتي قد كلّت»، فبعث رسول الله ﷺ فردهم».قال الصدائي: «فكتبت إليهم، فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء، إنك لمطاع في قومك» فقلت: «بل الله سبحانه هداهم للإسلام برسول الله» فقال رسول الله ﷺ : أفلا أؤمّرك عليهم؟ » فقلت: «بلى يا رسول الله» فكتب لي يؤمّرني عليهم، فقلت: «يا رسول الله، مر لي بشيء من صدقاتهم».قال: «نعم»، فكتب لي كتابا آخر بذلك. وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله ﷺ منزلا، فأتاه أهل

стр. 120

ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويتظلمون منه، فقال: «أو قد فعل؟ » قالوا: «نعم»، فالتفت إلى أصحابه فقال لهم وأنا فيهم أسمع: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» قال الصدائي: «فدخل ذلك في نفسي»، ثم أتاه آخر، فقال: «يا رسول الله اعطني! » فقال ﷺ : «من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن»، فقال السائل: «فاعطني من الصدقة! » فقال ﷺ : «إن الله لم يرض حكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت أنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» قال الصدائي: «فدخل ذلك في نفسي، إني سألته من الصدقات وأنا غني». [ثم إن رسول الله، ﷺ ، اعتشى من أول اللّيل، فلزمته، وكنت قويا، وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون حتى لم يبق معه أحد غيري] (١٠). فلما كان أوان أذان (١١) الصبح، أمرني، فأذنت، فجعلت أقول: «أقيم يا رسول الله؟ » فنظر إلى ناحية المشرق (١٢) إلى الفجر، فقال: «لا»، حتى إذا طلع الفجر [نزل رسول الله ﷺ ، فتبرّز ثم انصرف إليّ] (١٠) و [قد] (١٠) تلاحق به أصحابه قال: «هل من ماء يا أخا صداء؟ » فقلت: لا، إلا شيء قليل (١٣) لا يكفيك» قال: اجعله في إناء ثم ائتني به» فقلت: «نعم»، فوضع كفه في الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال: «لولا أني أستحي من ربي يا أخا صداء لسقينا وأسقينا. ناد في أصحابي: من له حاجة بالماء؟ » [فناديت فيهم] (١٠) فأخذ من أراد منهم. ثم قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله: «إن أخا صداء هو أذن، ومن أذن فهو يقيم الصلاة».قال الصدائي: «فأقمت؛ فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أتيته بالكتابين، فقلت: «يا نبيّ الله، أعفني من هذين»، فقال نبيّ الله: «وما بدا لك؟ » فقلت: «يا رسول الله، سمعتك تقول: لا خير في الإمارة لرجل مؤمن، وأنا مؤمن (١٤) بالله ورسوله. وسمعتك تقول لسائل (١٥): من سأل الناس عن ظهر

стр. 121

غنى فصداع في الرأس وداء في البطن، وقد سألتك وأنا غني»، فقال رسول الله ﷺ : «هو ذاك، فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع» فقلت له: «بل أدع» فقال: «دلني على رجل اؤمره»، فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه [فأمّره] (١٦). قال، فقلنا: «يا نبي الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها [واجتمعنا عليها] (١٦)، وإذا كان الصيف قل ماؤها وتفرقنا على مياه حولنا (١٧). وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو لنا، فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها، فنجتمع [عليها] (١٦) ولا نفترق» (١٨) فدعا بسبع حصيّات ففركهن في يده ودعا فيهن ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوها (١٩) في البئر واحدة واحدة، واذكروا اسم الله ».قال الصدائي: «ففعلنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعر البئر»، يعني من كثرة الماء. ٢٢ - ومنهم أبو اليمن (١) سفيان بن وهب الخولاني (*)، رضي الله تعالى عنه. كان من أصحاب رسول الله ﷺ (٢)، وذكره أبو العلاء الكوفي (٣) في «فوائده». وكان من الوافدين على رسول الله ﷺ . قال أبو العلاء: إن سفيان بن وهب هذا كان تحت راحلة رسول الله ﷺ في حجة الوداع.

стр. 122

وروى عن رسول الله ﷺ حديثا أغرب فيه (٤)، لم يروه عنه غيره، ذكره أبو سعيد بن يونس بن عبد الأعلى في كتابه بإسناد يتصل بعبد الرحمن بن شريح، قال: سمعت سعيد بن أبي شمر السّبائي (٥) يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تأتي المائة وعلى ظهر الأرض أحد باق»، قال بعض رواة هذا الحديث (٦): فذكر هذا لا لحديث لعبد العزيز بن مروان، فأمر بإحضار سفيان بن وهب، فجيء إليه به محمولا، وهو شيخ كبير، فسأله عن هذا الحديث، فحدّثه به، فقال عبد العزيز: «لعل معناه: لا يبقى أحد ممن أدركني إلى رأس المائة» فقال سفيان: «هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول». وذكر «المحاسبي (٧)» عن علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه-أنه لما بلغه هذا الحديث قال: «إنما أراد النبي ﷺ بذلك نقصان العلم (٨) /واستحسن ذلك المحاسبي. وشهد (٩) سفيان فتح مصر وبقي حتى ولي الإمارة لعبد العزيز بن مروان على بعث

стр. 123

«الطالعة» (١٠) إلى إفريقية سنة ثمان وسبعين، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وثمانين. وذكر أبو الحسن الدارقطني بإسناد يتصل بغياث بن أبي شبيب قال (١١): «كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله ﷺ يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان، فيسلم علينا، ونحن في الكتاب، وعليه عمامة (١٢) قد أرخاها من خلفه». ذكر ابن سحنون في تاريخه أن سفيان بن وهب هذا غزا إفريقية سنة ستين. ٢٣ - ومنهم جبلة بن عمرو (*) [الأنصاري] (١) الساعدي (٢)، رضي الله تعالى عنه. كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودخل إفريقية مع معاوية بن حديج وحديثه رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشجّ، قال: سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو فقال: نفلنا معاوية بن حديج بإفريقية، فأبى

стр. 124

جبلة صاحب رسول الله ﷺ أن يأخذ من ذلك شيئا (٣). قال أبو سعيد بن يونس: وكان ولده بإفريقية. ٢٤ - ومنهم أبو نعيم معاوية (*) بن حديج (١)، رضي الله تعالى عنه. ذكره محمد بن عبد الله بن سنجر وحمزة الكناني (٢) وغيرهما في جملة أصحاب رسول الله ﷺ . من طريق ابن سنجر عن معاوية بن حديج التجيبي (٣) أن رسول الله ﷺ قال (٤): «إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل أو كية بنار».

стр. 125

قال ابن يونس: ولى معاوية إمارة إفريقية ثلاث مرات لمعاوية بن أبي سفيان: سنة أربع وثلاثين (٥) وسنة أربعين وسنة خمسين، وكان شهد فتح مصر. وهو الوافد بفتح الاسكندرية إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وكان أعور ذهبت عينه يوم «دمقلة» (٦) من بلد «النوبة» مع ابن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين (٧). دخل إفريقية غازيا ثلاث مرات، وكانت له بها مقامات جليلة ومشاهد مشهورة شريفة، وكان قد اختط مدينة عند «القرن» قبل تأسيس عقبة «للقيروان»، وأقام بها مدة إقامته بإفريقية وحفر آبارا عند باب تونس في ناحية الجبل منه منحرفة للشرق بالقرب من «مصلى الجنائز» تسمى للآن «آبار حديج» غلب عليها اسم أبيه حديج، وذلك قبل تأسيس القيروان. ٢٥ - ومنهم أبو شداد زهير بن قيس البلوي (*)، [رضي الله تعالى عنه] . ذكره ابن يونس، وأنه معدود في جملة أصحاب رسول الله ﷺ (١)، وأنه روى-مع صحبته-عن بعض التابعين، ولم يذكر عنه حديثا، غير أنه ذكر حديثا

стр. 126

يتصل بعبد الله بن وهب عن زهير بن قيس البلوي عن علقمة بن رمثة (٢)، قال (٣): بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى «البحرين»، ثم خرج [رسول الله ﷺ ] (٤) في سرية، وخرجنا معه، فنعس رسول الله ﷺ ثم استيقظ فقال: «رحم الله عمرا»، فتذاكرنا كل إنسان اسمه عمرو، ثم نعس الثانية [فاستيقظ] (٤)، فقال: «رحم الله عمرا»، ثم نعس الثالثة [فاستيقظ] (٤) فقال: «رحم الله عمرا»، فقلنا: «من عمرو يا رسول الله؟ » قال: «عمرو بن العاص» قلنا: «وما باله؟ » قال: «[ذكرت أني] (٤) كنت إذا ندبت الناس للصدقة جاء من الصدقة فأجزل، فأقول [له] (٤): «من أين [لك] (٤) هذا يا عمرو؟ » فيقول: «من عند الله» وصدق عمرو، إن لعمرو عند الله خيرا كثيرا». قال علقمة (٥): فلما كانت الفتنة قلت: «أتبع هذا الذي قال رسول الله ﷺ فيه ما قال».قال: «فصحبته، فلم أفارقه». قال ابن يونس: لم يحدّث به عن علقمة غير زهير، وكلاهما صحابي. غزا [زهير] (٦) إفريقية ووليها. ورجع إلى مصر كراهة في الإمارة بعد أن سار بسيرة أهل العدل (٧).

стр. 127

٢٦ - ومنهم أبيض (*): [رضي الله تعالى عنه] . ذكره ابن يونس في جملة الصحابة. [عن بكر بن سوادة أن] (١) موسى بن الأشعث (٢)، حدثهم: أن الوليد بن عنبسة حدثه: أنه انطلق هو وأبيض، رجل من أصحاب النبي ﷺ ، إلى رجل يعودانه. قال: فدخلنا المسجد، فرأيت الناس يصلون، فقلت: «الحمد لله الذي جمع بالإسلام بين الأسود والأحمر والأبيض». فقال (٣) أبيض: «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى لا تبقى ملّة إلا ولها منكم نصيب» (٤)، فقلت: «يرتدون (٥) [و] (٦) يخرجون من الإسلام؟ » فقال: «لا، بل يصلون بصلاتكم، ويجلسون مجالسكم وهم معكم في سوادكم» (٧). قال أبو سعيد بن يونس بن عبد الأعلى: دخل أبيض هذا إفريقية، وهو معدود فيها من أهل مصر.

стр. 128

٢٧ - ومنهم قيس بن يسار بن مسلم الكناني (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو سعيد وغيره: يقال إنه صحب رسول الله ﷺ وقاتل معه في [] (١) وقاتل أيام «الردة». دخل إفريقية غازيا مع عقبة بن نافع، وقيل إنه دخلها قبل ذلك سنة سبع وعشرين مع عبد الله بن سعد وهو جد أبي محرز القاضي (٢). ٢٨ - ومنهم أبو يقظان (**)، رضي الله تعالى عنه . ذكره أبو سعيد في جملة الصحابة الذين دخلوا إفريقية. من طريق أبي سعيد [عن عمرو بن الحارث] (١) أن أبا عشّانة (٢) المعافري حدثه

стр. 129

أنه سمع أبا اليقظان، صاحب رسول الله ﷺ «بصقلية» يقول (٣): «أبشروا! فو الله لأنتم أشد حبّا لرسول الله ﷺ -ولم تروه-من عامة من رآه» (٤). دخل أبو يقظان هذا إفريقية وغزا «صقلية» (٥). قال أبو سعيد: وذكر أن أبا يقظان هذا هو عمار بن ياسر (٦)، وذلك عندي وهم. ٢٩ - ومنهم عقبة بن نافع بن عبد القيس (*)، رضي الله تعالى عنه . ذكر أبو سعيد وغيره أنه معدود من جملة الصحابة الذين دخلوا إفريقية. ولى الإمارة على إفريقية وبلد المغرب لمعاوية ولولده يزيد، وهو الذي اختط مدينة «قيروان إفريقية» وبنى دار الإمارة التي في قبليّ الجامع، وقد مر من أخباره وندائه بالسباع والحيّات وغيرها: «اظعنوا ... »، وذكر زياد بن عجلان أن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت. وذكر أبو العرب بن تميم (١) هذه الحكاية بإسناده عن سحنون عن ابن وهب عن

стр. 130

الليث بن سعد، إلا أنه ذكر أن الذي جرى له/هذا عقبة بن عامر (٢). قال أبو العرب: وغير ابن وهب يقول بل هو عقبة بن نافع، وهو الصحيح. ولا يوجد في شيء من مغازي إفريقية أن عقبة بن عامر غزا إفريقية ولا ولي عليها. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال (٣): لما فتح عقبة بن نافع «ودان» و «فزان» وأسلموا على يديه، سألهم: «هل من ورائكم أحد؟ » قالوا: «نعم، أهل جاوان» (٤) وهو قصر عظيم على رأس المفازة في وعورة على ظهر الجبل، وهو قصبة «كوار» فسار إليهم خمس عشرة ليلة، فحاصرهم فلم يستطع فتح الحصن، فصالحهم ثم انصرف راجعا، فأقام بموضع اسمه اليوم «ماء فرس»، ولم يكن به ماء فأصابهم عطش شديد أشرف منه عقبة وأصحابه على الموت، فصلى عقبة ركعتين، ودعا الله ﵎، فجعل فرسه يبحث بيديه في الأرض [حتى] (٥) كشف عن صفاة، فانفجر منها الماء، وجعل الفرس يمص من ذلك الماء، فانصرف عقبة فنادى في الناس أن احتفروا، فاحتفروا سبعين حسيا، فشربوا وسقوا وصار ذلك ماء معينا، فسمى لذلك «ماء فرس» إلى اليوم.

стр. 131

ذكر من دخل إفريقية وسكن القيروان وأوطنها من التابعين وهم الطبقة الأولى من علماء مدينة القيروان وذكر من كان في هذه الطبقة في سائر مدن إفريقية وحصونها ومراسيها وأبدأ منهم بذكر العشرة التابعين الذين بعثهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلمونهم أمر دينهم. ٣٠ - منهم أبو عبد الرحمن الحبلي واسمه عبد الله بن يزيد المعافري (*). كان رجلا صالحا فاضلا، يروي (١) عن جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، وفضالة ابن عبيد، وغيرهم. روى عنه جماعة من العلماء، وأدخله المصنفون في كتبهم (٢)، وأغرب «بحديث السجلات»: عن أبي عبد الرحمن الحبلي أنه قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ (٣): يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم

стр. 132

القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول له الله ﵎: «أتنكر من هذا شيئا؟ » فيقول: «لا يا رب» فيقول الله : «ألك عذر أو حسنة؟ » فيهاب الرجل فيقول: «لا يا رب» فيقول الله : «بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنك لا ظلم عليك» فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله» فيقول: «يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه (٤) السجلات؟ » فيقول الله : إنه لا ظلم عليك» قال: «فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة». بعثه (٥) عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى إفريقية ليفقههم في الدين، فانتفع به أهل إفريقية، وبث فيها علما كثيرا. وتوفي بالقيروان سنة مائة من الهجرة، ودفن بباب تونس. وكان الشيخ أبو الحسن بن القابسي، رضي الله تعالى عنه، إذا ترحم (٦) على والديه (٧) بباب تونس يحول وجهه إلى ناحية دبر القبلة من الجبانة منحرفا إلى الشرقي (٨)، ويقول: «رحمك الله يا أبا عبد الرحمن» ويذكر أن قبره بتلك الناحية. أخبرنا (٩) أبو عقيل زهرة (١٠) بن معبد القرشي، قال: «كنت ضجيعا لأبي عبد الرحمن الحبلى في المركب في غزو إفريقية، فكنت أسمعه إذا انتبه من نومه يقول: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له» ثلاث مرات، [سبحان الذي يحيي الموتى وهو على كلّ شيك قدير-ثلاث مرات-] (١١) و «الحمد لله الذي أنام ليلي وهدّأ عروقي» ثلاث مرات. قال أبو عقيل: فقلت له: «رأيتك تلزم هذه الكلمات، فما بلغك

стр. 133

فيهن؟ » قال: «بلغني أنه ما يقولهن أحد حين ينتبه من نومه، إلا كان من الخطايا كيوم ولدته أمه». قال أبو عقيل: «وسمعت أبا عبد الرحمن يقول أيضا: «إن الرجل إذا سلم على أخيه المسلم، فسأله: كيف أصبحت، فقال: أحمد الله إليك، كتبه الله من الحامدين» فكان أبو عبد الرحمن إذا سئل: كيف أصبحت، قال: أحمد الله إليكم وإلى جميع خلقه. ابن هبيرة (١٢) قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: «مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات كمثل رجل لقيه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل خيل، فكذلك حتى نجا، ثم لدغته نملة، [فأوجعته] (١١) فتهاون بها وقد أوجعته، ثم أخرى ثم أخرى، ثم اجتمعن عليه فصرعنه، فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات. عمرو بن سعيد المعافري (١٣)، قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول (١٤): «لتركبن هذه الأمة سنن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل» فقلت له: «وتتيه يا أبا عبد الرحمن كما تاهوا؟ » فقال: «ثكلتك أمك، ومنذ متى أنتم في التيه؟ ». قال اسماعيل بن زيد الأبلي (١٥): كنا نأتي عبد الله بن يزيد (١٦) الإفريقي وهو أبو عبد الرحمن فنجلس ونتحدث ونتخاصم في الشيء وهو معنا، وترتفع (١٧) أصواتنا، فنقول له: «ما عندك في هذا؟ » فيقول: «ما سمعت ما قلتم، وإني لمشغول عن ذلك» للذي غلب على قلبه من محبة الله والشوق إليه.

стр. 134

٣١ - ومنهم أبو مسعود سعد بن مسعود (*) التّجيبي (١)، رضي الله تعالى عنه. كان رجلا فاضلا مشهورا بالدين والفضل، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، لا تأخذه في الله لومة لائم. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم، منهم أبو الدرداء وغيره، وروى عنه جماعة منهم: عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم. أخبر (٢) سعد بن مسعود أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له (٣): «يا رسول الله، إنه تمر بنا ساعات لو نموت فيها خشينا على أنفسنا»، فقال رسول الله ﷺ : «ليس من مؤمن إلا وله سورة وفترة، فإذا دخلتكم (٤) السورة (٥) فأسرعوا قبل أن تأتيكم الفترة (٦)، فاستمسكوا بالفرائض والسنن» (٧). وأدخله عبد الله بن وهب في «جامعه» (٨). عن سعد ابن مسعود عن أبي الدرداء، صاحب النبي ﷺ أنه قال (٩): «أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي. وأحب الفقر تواضعا لربي». /وهو من العشرة الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه [ليفقهوا أهل القيروان] (١٠). عبد الأعلى بن عقبة الغفاري، قال: «لما ثارت «الخوارج» على حنظلة بن

стр. 135

صفوان بطنجة، جمع حنظلة علماء إفريقية، وهم الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقهوا أهلها في الدين، منهم سعد بن مسعود وحبّان بن أبي جبلة (١١) وطلق بن جابان (١١) وغيرهم، فكتبوا له هذه الرسالة ليقتدي بها المسلمون ويعتقدوا ما فيها وهي: بسم الله الرحمن الرحيم من حنظلة بن صفوان إلى جميع أهل طنجة. أما بعد، فإن أهل العلم بالله وبكتابه وسنّة نبيّه محمد ﷺ [يعلمون] (١٢) أنه يرجع جميع ما أنزل الله إلى عشر آيات: آمرة، وزاجرة، ومبشرة، ومنذرة، ومخبرة، ومحكمة، ومتشابهة، وحلال، وحرام، وأمثال. فآمرة بالمعروف، وزاجرة عن المنكر، ومبشرة بالجنة، ومنذرة بالنار، ومخبرة بخبر الأولين والآخرين (١٣)، ومحكمة يعمل بها، ومتشابهة يؤمن بها، وحلال أمر أن يؤتى، وحرام أمر أن يجتنب، وأمثال واعظة، فمن يطع الآمرة وتزجره الزاجرة (١٤) فقد استبشر بالمبشرة وأنذرته المنذرة، ومن يحلّل الحلال ويحرم الحرام ويردّ العلم فيما اختلف فيه الناس إلى الله، مع طاعة واضحة ونية صالحة، فقد فاز وأفلح وأنجح وحيا حياة الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح، صاحب سحنون-رضي الله تعالى عنه (١٥) -

стр. 136

قال: حدّثني شيخ يكنّى بأبي مسعود قال: بعث زبّان (١٦) بن عبد العزيز بن مروان رسولا إلى سعد بن مسعود فوجده في مجلسه في «جامع الفسطاط» مع أصحابه، فقال له: «الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن رأيت أن تؤنسنا بنفسك العشية، فافعل» فقال للرسول: «اقرأ على الأمير السلام، وقل له ليس لي إليك حاجة فآتي لها، فإن تك لك حاجة فات لها» فأتاه الرسول فأخبره فقصد إليه زبّان (١٦) حتى لقيه وسلم عليه، وقال: «يغفر الله لك يا أبا مسعود! أتاك رسولنا، فكان من إغلاظك له ما كان».فقال له: «أصلح الله الأمير؛ دعوتني إلى ما يشينني ودعوتك إلى ما يزينك»، فقال له: «فكيف ذلك؟ » فقال له-أصلح الله الأمير-: «إنه من رآك ماشيا إلي مدحك، وقال: ذاك طالب علم وخير. ومن رآني ماشيا إليك رآني طالب حطام وعرض (١٧) من أعراض الدنيا، فشانني».فقال له زبّان (١٦): «سليت (١٨) والله ما كان بقلبي ونورته، نور الله قلبك وعلمك». وعن (١٩) فرات بن محمد العبدي أن سعدا بن مسعود صاح يوم الجمعة (٢٠) على [أمير] (٢١) إفريقية في مظلمة، وقد خرج الأمير من الجامع: «إنّي بالله لا بك؛ أنا بالله لا بك! » فقضى الأمير حاجته. عن سعد أنه كان يقول (٢٢): «إذا أتاك الشيطان من قبل الصمت فقال لك: إن الناس يعدون ذلك عيا منك. فاته أنت من قبل السلامة، فقل له: صامت سالم خير من ناطق آثم». قال سعد بن مسعود (٢٣): «إذا رأيتم العبد دنياه تزداد وآخرته تنقص (٢٤)، مقيما على

стр. 137

ذلك راضيا به فذلك المغبون الذي ينتقص دينه [وهو] (٢٥) لا يشعر». وسئل (٢٦) رحمه الله تعالى عن [علامة] (٢٧) وليّ الله ، فقال: «من استفرغت آخرته دنياه، ومن كان الحق هواه، ولم يكن [له] (٢٨) في شيء (٢٩) مما يسخط الله تعالى رضاه، ومن كان الذكر قوله والعلم بغيته (٣٠) وفي بيوت الله مجلسه». وكان يقول (٣١): «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة». وسئل أيضا عن علامة المتوكل (٣٢) فقال: «من رضي بحكم الله واطمأن إلى موعد الله، وكان عنده ما تكفل الله له به من رزقه بمنزلة ما قد بلغه وملكته يده». وسئل أيضا عن علامة الحكيم فقال: «من كان مصيبا في قوله، حليما في غضبه، ذا عفو في قدرته، راضيا (٣٣) بمنزلته، غير مفتون بما ليس له، قد استغنى بأمر آخرته عن دنياه». وسئل (٣٤) أيضا عن الطاعة، هل تكون لها منزلة أشد من منزلة؟ فقال: «نعم، إذا كانت الطاعة في منازل ثقلها (٣٥) ودافعتها المعصية في منازل دفعها (٣٦) فهنالك اشتدت الطاعة على أهلها فكان أعظم ما يكون من أجرها».

стр. 138

وسئل [أيضا] (٣٧): أي الجلساء أشر مجالسة؟ فقال: «من يغفلكم قوله، ومن تفتنكم رؤيته، ومن يدعوكم إلى دنياكم فعله». وسئل أيضا (٣٨) عن الذي يزين العالم عند من جالسه (٣٩) فقال: «كثرة صمته وقلة غضبه وحسن خلقه ولينه وخشوعه وتواضعه (٤٠)». ٣٢ - ومنهم إسماعيل بن عبيد (١) الأنصاري (*) رضي الله تعالى عنه: مولى لهم، يعرف «بتاجر الله»، من أهل الفضل والعبادة والنسك والإرادة، كثير الصدقة والمعروف مع علم وفقه. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم وهم: عبد الله بن عمرو عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو [بن العاص] (٢) وروى عنه من أهل إفريقية بكر بن سوادة الجذامي وعبد الرحمن بن زياد [بن أنعم] (٢)، وروى عنه من أهل مصر عمران بن عوف الغافقي (٣) والحارث بن يزيد (٤) وعبيد الله (٥) بن أبي جعفر. وكان من سكان القيروان. انتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وبث فيها علما كثيرا. وهو أحد (٦) العشرة التابعين، وكان رجلا صالحا يقال له «تاجر الله» وهو الذي

стр. 139

بنى «المسجد الكبير» (٧) بالقيروان (٨) الذي يعرف الآن «بمسجد الزيتونة»، وكان يصلي به ويعمره، وإليه ينسب السوق الذي بجواره (٩) يسمى «سوق إسماعيل»، ولم يزل مقيما بالقيروان حتى حضرته نية في الجهاد، فخرج في مركب (١٠) مطوعا في غزاة عطاء بن رافع (١١) فغرق رضي الله تعالى عنه وهو متقلد المصحف، وختم الله أعماله بالشهادة، وكان ذلك في سنة سبع ومائة (١٢). وعن (١٣) ابن أنعم، قال: قلت لابن المسيب: إن عندنا رجلا من الأنصار يقال له إسماعيل بن عبيد، من العباد إذا سمعنا نذكر شعرا صاح علينا، فقال سعيد: ذاك رجل نسك نسك العجم/.وكان رحمه الله تعالى يلبس جبة من صوف وكساء من صوف وقلنسوة صوف. وإنما سمى تاجر الله لأنه جعل ثلث كسبه لله تعالى يصرفه في وجوه الخير. وكان (١٤) يوجه المولدات والأحمال إلى المشرق، فوجه رفقة كلها له، فخرج يشيعهم [إلى قصر الماء] (١٥) فسمع بكاء فقال: «ما هذا؟ » فقيل له: «هؤلاء المولدات الذين وجّهت يبكون مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم» فبكى إسماعيل وقال: «إن دنيا

стр. 140

بلغت بي إلى أن أفرق بين الأحبة، إنها لدنيا سوء؛ أشهدكم أن من كان له أب أو أم أو أخ أو أخت في هذه الرفقة فهي حرة لوجه الله ».قال: فأنزل من المحامل سبعين مولدة، فأعتقهن كلهن (١٦). حدث (١٧) علي بن المطلب، وكان من فضلاء الناس، قال: بار على إسماعيل طيقان ساج (١٨) سبعمائة، وكان بالغرب (١٩) بإفريقية، فقال: «لأتجرن في هذه»، فاشترى مع كل ساج جبة وكساها المجاهدين في سبيل الله تعالى. قالت (٢٠) امرأة من قريش من بني أمية لإنسان كان يتجر لها: «ما منعك أن تكون مثل إسماعيل؟ » فقال: «أتريدين أن تجعلي (٢١) فلانا تاجر فلانة مثل إسماعيل تاجر الله؟ ». كانت (٢٢) له جارية تخرج إلى السوق. وكان لها جار يتبعها إذا خرجت، فشكت ذلك إلى مولاها إسماعيل، فأرسل إليه فأحضره فقال له: «ما حملك على أن تتعرض جاريتي؟ » فقال له: «سلها، هل كلمتها بكلمة قط؟ » فسألها، فقالت: «لا، صدق، ما كلمني بكلمة قط، إلا أني إذا خرجت أتبعني» فقال له: «ما حملك على هذا؟ » قال: «المحبة لها» قال: فأمر بالجارية فأصلح من شأنها، ووهبها له، وأعطاه ثلاثين دينارا، وقال له: «إذا فرغت فارجع إليّ». حدث (٢٣) غير واحد قالوا: كان بالقيروان رجل خياط له بنات، وكان ليس يقوم به عمله إلا عن جهد، فلما كان ليلة عيد الفطر دخل على بناته، فوجدهن في الظلام، وليس في البيت شيء يرد يده إليه، فخرج من بيته هائما محزونا، وشق

стр. 141

عليه أن يرى بناته منكسرات القلوب بين أترابهن من بنات الجيران، اللاتي يلبسن يوم العيد الثياب الحسان والزينة مع ما عند آبائهن من كفاية العيش. فسولت له نفسه الخروج من القيروان حتى ينقضي العيد، فمر بمسجد إسماعيل تاجر الله، وقد حضرت صلاة العشاء الآخرة، فصلى معه. فلما انصرف الناس ولم يبق في المسجد إلا الرجل، رآه (٢٤) إسماعيل، فعلم أن له قصة. فمضى الشيخ إلى داره وبعث وراءه، فأدخله وسأله عن قصته، فذكرها له، فتوجع إسماعيل لذلك وبكى، وقال له: «كم عندك من البنات؟ » فقال: «خمس»؛ فصاح إسماعيل لأمهات (٢٥) أولاده وقال لهن: «ايتينني (٢٦) بحلى بناتكن وما صنعتن لهن في هذا العيد من الثياب والزينة»، فأتينه بجميع ذلك، وقال لهن: «ايتينني بمائدة العيد» فأتينه بها وفيها أنواع الأطعمة والحلوى، وقال لهن: «ايتينني بما عندكن من الطيب والحناء» فدفع جميع ذلك إلى الخياط، ودفع إليه دنانير كثيرة، وقال له: «اكس بناتك من هذه الثياب والحلى، وطيبهن بهذا الطيب وكل معهن هذه المائدة، وأوسع على نفسك وعليهن بهذه الدنانير».ثم أمر عبيده، فحملوا ذلك إلى دار الخياط، فضرب الباب عليهن ففتحن الباب، فوجدهن في الظلام على حالهن، فأدخل العبيد جميع ذلك إلى داره وذهبوا، ففرح بناته بذلك فرحا شديدا، وكان في داره سرور كثير (٢٧)، ولبس بناته الحلى النفيس والثياب الجليلة واجتمعن حول المائدة ووسع عليهن في النفقة.

стр. 142

٣٣ - ومنهم أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع (١) التنوخي (*)، رضي الله تعالى عنه. من فضلاء المؤمنين. روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. سكن القيروان وانتفع به خلق كثير، وهو أول من استقضي بها بعد فتحها. ولاه عليها موسى بن نصير سنة ثمانين من الهجرة، وهو أحد العشرة التابعين. توفي بالقيروان سنة ثلاث عشرة ومائة، رحمه الله تعالى. عن (٢) ابن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، أن رسول الله ﷺ مر بمجلس في مسجده (٣)، فوجد قوما يدعون الله تعالى ويرغبون إليه، وقوما يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال: «كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما».ثم جلس فيهم. ٣٤ - ومنهم موهب بن حي (١) المعافري (**) رضي الله تعالى عنه. صحب ابن عباس وروى عنه وعن غيره من الصحابة. كان من أهل الفضل والدين.

стр. 143

ابن أنعم وعيّاش بن عباس القتباني (٢) [عن موهب بن حي المعافري] (٣) قال: سألت ابن عباس فقلت له: «إنا نغزو المغرب وليسوا بأهل كتاب، فنجد في آنيتهم السمن والعسل وفي قربهم (٤) أفنأكل (٥) [ذلك] (٦) وننتفع به؟ » فقال: «لا بأس بذلك، لأن الدباغ لها (٧) طهور» (٨). وموهب أحد العشرة التابعين، رحمه الله تعالى. سكن القيروان وبث فيها العلم وفيها كانت وفاته. ٣٥ - ومنهم حبّان (١) بن أبي جبلة القرشي (*)، رضي الله تعالى عنه. وهو من موالي بني عبد الدار، من أهل الفضل والدين، روى عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص وولده عبد الله. روى عنه ابن أنعم وأبو شيبة عبد الرحمن بن يحيى الصدفي (٢) وعبيد الله (٣) بن زحر.

стр. 144

سكن القيروان وانتفع به أهلها. توفي سنة خمس وعشرين ومائة. وهو أحد العشرة التابعين. وأدخله محمد بن سنجر في كتابه «المسند» وذلك ما حدثنا به عبيد الله بن زحر: عن حبّان بن أبي جبلة، عن أبي قتادة صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل ثم غسل رأسه ثم دنا فاستمع يوم الجمعة وأنصت، كان له كأجر سنة صيامها وقيامها (٤)». ٣٦ - ومنهم أبو ثمامة بكر بن سوادة الجذامي (*) رضي الله تعالى عنه . كان رجلا فاضلا جليلا. روى عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم عقبة بن عامر وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وأبو ثور الفهمي، وروى عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري. قال أبو سعيد بن يونس: كان فقيها مفتيا، سكن القيروان، وكانت وفاته بها سنة ثمان وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى. وقيل إنه غرق في مجاز (١) الأندلس. وكان أحد العشرة التابعين. وأغرب بحديث عن عقبة بن عامر لم يروه غيره فيما علمت: حدّث (٢) عبد الله بن لهيعة، عن بكر بن سوادة الجذامي، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (٣) «إذا كان على رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر، وعليك بخاصة نفسك».

стр. 145

[قال عبد الله] (٤): وهذا منه ﷺ إشفاق (٥) على أمته أن ينالهم في ذلك مكروه (٦) في جسم أو عرض أو [مال] (٧) فتتغير أنفسهم، ويودوا أن يكونوا (٨) لم يفعلوا ذلك، لتغير الزمان وفساد الأصول وقلة المعين لهم على ذلك، وأما من قدر على ذلك بيد أو لسان ولا يصل إليه على ذلك أذى في جسم أو عرض ولا مال، فقد توجه عليه الفرض (٩) في ذلك. وقد روينا عنه ﷺ أنه قال (١٠): «ائتمروا (١١) بالمعروف وانهوا (١٢) عن المنكر، حتى إذا رأيتم هوى متبعا وشحا مطاعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العامة (١٣)».
следующие страницы →