← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ابن وهب: ذكر في «جامعه»، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل المعافري، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «[من قال] (٤) حين يستنبه من نومه: «الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها، إن ربي على كل شيء قدير»، كان كيوم ولدته أمه». ابن وهب: وسأل رجل أبا قبيل عن القدر، فقال أبو قبيل: «لأنا في الإسلام أقدم منه، فدين أنا في الإسلام أقدم منه، لا خير فيه». عن ضمام بن إسماعيل، قال: كان أبو قبيل إذا صلّى الصبح جلس في مصلاّه الذي صلّى فيه حتى تطلع الشمس وترتفع، فيركع ما بدا له ثم يخرج فإذا قام على باب المسجد رفع يديه ثم يستقبل القبلة بباطن كفيه (٥) حذو منكبيه، ثم يقول: أعوذ بالذي (يُمْسِكُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) (٦) ثم يدعو دعاء كثيرا، ثم يقول في آخر دعائه: «اللهم لا تقصر بي عن الأخيار، ولا تجعلني مع الأشرار، وأسألك ألا تبقي أحدا من أهله ولا ولده إلا قدمته بين يديه (٧)، ولا أترك دينارا ولا درهما ولا دنيا (٨)». قال ضمام: وكانت داره تسمى «اللفيف» (٩) من كثرة من كان فيها من أمهات أولاده وغير ذلك، فماتوا كلهم حتى لم يبق منهم أحد، ولم يترك شيئا من الدنيا إلا قطيفة وفراشا وسلاحا؛ وكان من تواضعه يلي الشراء من السوق بنفسه، وكان لا يدع أن يصوم يوم الاثنين والخميس.

стр. 177

٦٠ - ومنهم أبو عبد الله عكرمة (*)، مولى عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنه . كان كثير الرواية عن مولاه وعليه معتمده، وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن أبي هريرة، وروى عنه خلق يطول ذكرهم. وأدخله مالك في «موطئه» (١) وكنّى عن اسمه فقال: أخبرني مخبر عن بن عباس (٢)، وهو عكرمة. قال عباس الدوري (٣): قلت ليحيى بن معين: «مالك بن أنس كره عكرمة؟ » فقال: «نعم، لكنه روى عن رجل عنه شيئا يسيرا». وسئل يحيى عن عكرمة وعن نافع مولى ابن عمر فقال: «كان عكرمة أعلمهم بابن عباس، ونافع أعلمهم (٤) بابن عمر». وقيل لسعيد بن جبير (٥): «تعلم أحدا أعلم منك؟ » قال: «نعم، عكرمة». قال قتادة (٦): «أعلم الناس بالتفسير عكرمة». قال أبو بكر: وقد اختلف العلماء بالحديث في عكرمة، فممن وثقه وأثنى عليه يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو الحسن الكوفي وإسماعيل القاضي، وضعفه غيرهم؛ لكنهم متفقون على حفظه ومعرفته بالعلم وتفسير القرآن الكريم.

стр. 178

دخل (٧) عكرمة إفريقية وأقام بالقيروان، وبث بها العلم، وكان مجلسه في مؤخر جامع القيروان في غربي الصومعة (٨). أبو العرب (٩): ذكر أحمد بن صالح أن أصل عكرمة من بربر إفريقية، وذكر غيره أنه من سبي إفريقية. اشتراه (١٠) ابن عباس. فقيل له «أتبيع علم أبيك؟ »؛ فاسترده وأعتقه (١١). توفي سنة خمس ومائة هو ابن [ثمانين] (١٢) سنة، وتوفي هو وكثيّر عزة في يوم واحد، وصلي عليهما جميعا، فقيل: مات أشعر الناس وأعلم الناس (١٣). ٦١ - ومنهم سليمان بن عوسجة اللخمي (*). ذكره أبو العرب في التابعين، ولم يذكر عمن روى [من الصحابة] (١). وذكر ابن عبد الأعلى أنه روى عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وعبد الرحمن هذا تابعي. روى عنه ابن أنعم وغيره. ابن أنعم عن سليمان بن عوسجة عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي أن النبي

стр. 179

صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل السوق قال (١٢): «اللهم إني أسألك من خير ما فيها، وأعوذ بك من شر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من يمين ماحقة وصفقة خاسرة (١٣). يا أهل السوق، اتقوا الأيمان فإنها تلقح (١٤) البيع وتمحق الدين». ٦٢ - ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن قهد (١) الأنصاري (*)، رحمه الله تعالى. قال يحيى بن معين (٢): وكان قهد (٣) صاحب النبي ﷺ ، وكانت ابنته عند حمزة بن عبد المطلب تسمى «خولة» (٤). روى عن أنس و [واقد بن عمرو بن سعد بن] (٥) معاذ والسائب بن يزيد. روى عنه مالك والليث بن سعد وشعبة بن الحجاج وغيرهم من الأكابر، وتوفي سنة

стр. 180

ثلاث وأربعين ومائة ببغداد (٦) وهو قاضيها، ولاه عليها أبو جعفر المنصور. ذكر أبو القاسم بن الجوهري عن هشام بن عروة أنه قال: حدثني [العدل] (٧) الرضا الأمين على ما تغيب عنه (٨) يحيى بن سعيد. وذكر (٩) النسائي أنه ولى قضاء المدينة، وكان ثقة مأمونا. وقال أيوب (١٠): ما تركت بها-يعني المدينة-أفقه من يحيى بن سعيد. دخل (١١) يحيى بن سعيد إفريقية واجتمع بتونس مع خالد ابن أبي عمران، وروى عنه. عن عيسى بن مسكين (١٢)، عن سحنون بن سعيد، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: كنت بإفريقية فعرضت لي حاجة من حوائج الدنيا، فلبثت أدعو فيها الليل والنهار حتى لمت نفسي في ذلك وأهمني، فذكرت ذلك لشيخ كان في المغرب، فقال لي: «لا يهمنك ذلك، فإني قد كنت أسمع أن الله ﵎ إذا أراد أن يبارك لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء»، قال أبو العرب: هذا الشيخ هو خالد بن أبي عمران.

стр. 181

٦٣ - ومنهم أبو أيوب سليمان بن يسار (*)، رضي الله تعالى عنه . وهو أخو عطاء بن يسار، من فضلاء/التابعين وفقهائهم. وكان مالك رحمه الله تعالى يثني عليه ويقول (١): «هو أفقه من سعيد (٢)، وهو من أعلم أهل المدينة بالسير». روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم. وروى عنه ابن شهاب. وهو أحد الفقهاء السبعة. قدم إفريقية غازيا وأقام بها، وكانت له بها آثار مشهورة ومقامات مذكورة ثم رجع إلى المدينة فأقام بها حتى توفي سنة أربع وتسعين (٣). ٦٤ - ومنهم رافع بن عقيب الكلاعي (**) رضي الله تعالى عنه . من أهل الفضل والدين، روى عن ابن عمر وغيره. دخل إفريقية ثم خرج منها. وروى أشهب (١)، يرفعه إلى رافع، أنه قال: «أفطرت في رمضان في سفر حضرني إلى اليمن؛ ثم لم أقضه حتى حضرني سفر آخر

стр. 182

إلى إفريقية في رمضان، فأفطرته؛ ثم لم أقضه حتى حضرني سفر آخر في رمضان، فأفطرته، فأخبرت بذلك عبد الله بن عمر فأمرني أن أقضي الثلاثة الأشهر، وأمرني أن أقضي عن كل يوم مدا (٢). إلا أنّي لم أقض حتى تداركن عليّ». ٦٥ - ومنهم أبو ليلى (١) دخين (٢) بن عامر الحجري (**)، رضي الله تعالى عنه. كان من فضلاء المؤمنين، روى عن عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله ﷺ وعن جماعة من التابعين. روى عنه من أهل القيروان بكر بن سوادة الجذامي ويزيد بن أبي منصور وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. دخل إفريقية وأقام بها، ويذكر أنه كتب لعقبة بن نافع (٣)، وشهد معه المشاهد كلها والحروب والفتوحات التي كانت بإفريقية والمغرب، ثم رجع إلى مصر. ويقال (٤) إنه استشهد بتنيس (٥)؛ قتلته الروم بها سنة مائة، رضي الله تعالى عنه. ٦٦ - ومنهم أبو عبيدة مرّة بن عقبة بن نافع الفهري (*)، رضي الله تعالى عنه . كان له فضل ودين، روى عن ابن عمر وغيره، وروى عن أبيه عقبة بن

стр. 183

نافع، وروى عنه عبد الكريم بن الحارث وموسى بن أيوب (١). دخل إفريقية مع أبيه عقبة، وشهد معه بعض مغازيها. ابن وهب في «موطئه»، يرفعه عن أبي عبيدة، قال: «كنت مع أبي عقبة بن نافع بإفريقية، فقصر الصلاة في أسفاره سنة أو سنتين، حتى كتب إليه معاوية بن أبي سفيان فعزم عليه ليتمّن». قال عبد الله (٢): وإنما التزم معاوية في ذلك فعل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، لأن عثمان أتم الصلاة بمنى (٣). وإنما فعل ذلك عثمان لما قيل له: إن بعض القادمين من الآفاق ممن حضر الحج وقصر الصلاة بمنى حسبوا أن الصلاة قصرت، فنقلوا ذلك إلى بلدانهم، فالتبس ذلك على من لا علم عنده ولا دراية بالسنن والفقه في دين الله تعالى، فأتم عثمان الصلاة بمنى ليشتهر عند جميع من حضر الموسم من أهل الآفاق وغيرهم أن الصلاة لم تقصر، وأنها باقية على الفريضة التي فرضها الله على عباده، وأن القصر إنما هو سنة في السفر لا فرض؛ وكذلك تأولت عائشة رضي الله تعالى عنها في إتمامها في السفر، كما تأول عثمان رضي الله تعالى عنه. وهذا أحسن ما يتأول عليهما في ذلك (٤).

стр. 184

ذكر الطبقة الثانية من فقهاء مدينة القيروان وما يليها من البلدان ومحدثيهم وعبادهم ونساكهم ٦٧ - منهم أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري (*) الشعباني (١) قاضي إفريقية، رضي الله تعالى عنه. كان من جلة المحدثين منسوبا إلى الزهد والورع، صلبا في دينه؛ متفننا في علوم شتى. وكان أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح إفريقية. روى عن جماعة من التابعين تقدم ذكرهم، وكان مشهورا، أدخله المؤلفون في كتبهم (٢). وكان سفيان الثوري يعظمه ويعرف حقه. وزاره سفيان بمكة؛ وذلك ما حدثنا به عن ابن وهب، قال: خرجت إلى مكة في أول حجة حججتها وأنا صرورة، وكان بها ابن أنعم. وكنت آتيه فأسمع منه. فكنت عنده ذات يوم فإذا برجل يستأذن عليه بالباب فقال: «انظروا من بالباب»، فخرج رجل-أو قال: خرجت أنا-فقالوا: «رجل عليه أطمار» فقال: «ائذنوا له»؛ فلما دخل قام إليه عبد الرحمن ولقيه بالبشر والسلام، وأسند إليه حديثه وجرت بينهما مواعظ ومذاكرة، فلما خرج الرجل قلت لمن بالحضرة من الطلبة: «من هذا الذي فعل به

стр. 185

عبد الرحمن هذا الفعل كله؟ » فقالوا: «هذا سفيان الثوري» فلما قالوه (٣) لي جمعت كتبي وخرجت مبادرا في إثره. ولا يشك أحد في فضل عبد الرّحمن. [قال أبو العرب (٤): وأنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: جاءنا عبد الرّحمن بن زياد الإفريقي] (٥) بستة (٦) أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ ، لم أسمع أحدا من أهل العلم يرويها (٧): -حديث (٨)، أمّهات الأولاد. -وحديث (٩)، الصدائي حين أذّن قبل بلال، فأراد بلال أن يقيم، فقال ﵇: إنّ أخا صداء قد أذّن ومن أذّن فهو يقيم. -وحديث إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة ثم استوى جالسا فقد تمّت صلاته [وإن أحدث] (١٠). -وحديث (١١)، قال النبي ﷺ : اغد عالما أو متعلّما ولا تكن الثالث فتهلك.

стр. 186

-وحديث (١٢)، قال ﵊: لا خير فيمن لم يكن عالما أو متعلّما. -وحديث (١٣)، قال ﷺ : العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة. [قال]: فلهذه الغرائب [ضعّف ابن معين حديثه] (١٤). وكان مسكنه بالقيروان بقرب باب نافع، ومولده بإفريقية، وتوفي بالقيروان في شهر رمضان سنة إحدى وستين ومائة (١٥) ودفن بباب نافع. وكان (١٦) قد أسره الروم، فرفع إلى الطاغية مع جماعة من المسلمين، قال: فبينا نحن في حبسه إذ غشيه عيد له، فأقبل علينا فيه من الحار والبارد ما يفوق المقدار (١٧)، إذ خطرت امرأة [نفيسة] (١٨) على (١٩) الطاغية (٢٠) /، فأخبرت بحسن صنيع الملك بالعرب، فخرقت ثيابها ونشرت شعرها وسوّدت وجهها، فقال لها: مالك؟ فقالت: العرب قتلوا ابني (٢١) وزوجي وأخي وأنت تفعل بهم هذا الذي رأيت؟ فنخر وصلّب، وقال: عليّ بهم، فصرنا بين يديه سماطين، وأمر سيافه بضرب عنق واحد واحد حتى قرب الأمر مني، فحركت شفتي، وقلت: «الله، الله، الله،

стр. 187

ربي لا أشرك به شيئا، ولا أتخذ من دونه وليا»؛ ثلاثا. وأبصر فعلي، فقال: «قدموا شماس العرب» -يريد عالمهم-فقال لي: لعلك قلت: «الله، الله، الله، ربي لا أشرك به شيئا؟ » فقلت: «نعم».فقال: «ومن أين علمته؟ » قلت له: «نبينا، ﵊، أمرنا به» فقال لي: «وعيسى أمرنا به في الإنجيل» فأطلقني ومن معي». وقيل: فداه أبو جعفر المنصور، فداه وولاه قضاء إفريقية. ودخل (٢٢) يوما على المنصور، فقال: «يا ابن أنعم، ألا تحمد الله الذي أراحك مما كنت فيه، ومما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام؟ »، فقال له عبد الرحمن: ما أمر كنت أراه بباب هشام إلا وأنا أرى اليوم منه طرفا، قال: فكبا (٢٣) لها أبو جعفر، ثم قال له: «فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ » فقال: «إني رأيت السلطان سوقا، وإنما يرفع إلى كل سوق ما يجوز فيها»، قال: فكبا لها أبو جعفر، ثم رفع رأسه فقال: «كأنك كرهت صحبتنا؟ »، فقال (٢٤): «ما يدرك [المال] (٢٥) والشرف إلا في صحبتك، ولكني تركت عجوزا [وإني أحبّ مطالعتها، فقال: اذهب فقد أذنّا لك] (٢٦). وحدثوا (٢٧) أنه لما غلب البربر على القيروان وفد على الخليفة رجال، قال عبد الرحمن بن زياد: «فكنت أنا فيهم، فلما صرت إليه قال: «كيف رأيت ما وراء [بابنا] (٢٨)؟ » فقلت: «رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحا».قال: فقال [لي]: «لعله فيما بعد من بابي؟ » قال، فقلت له: «كلما قربت (٢٩) من بابك استفحل الأمر وغلظ»

стр. 188

فقال لي: «أنت لا تهوى الدخول في شيء من أمرنا». [فقلت له: عجوز خلّفتها بالقيروان وأنا أحب الرجوع إليها. قال: فأذن لي] (٣٠). قالوا (٣١): ولما توجه إلى إفريقية كتب إلى ولده وخاصته بهذه الأبيات: ذكرت القيروان فهاج شوقي ... وأين القيروان من العراق مسيرة أشهر للعيس نصا ... على الإبل (٣٢) المضمرة العتاق فأبلغ أنعما وبني أبيه ... ومن يرجى له ولنا التلاقي (٣٣) بأن الله قد خلى سبيلي ... وجد بنا المسير إلى مزاق و«مزاق» هذا فحص إفريقية (٣٤)، وانما سمّي بذلك لتمزق السحاب عنده (٣٥). عن قبيصة بن عقبة (٣٦): سمعت سفيان الثوري يقول (٣٧): لما قدم بابن أنعم على المنصور قال: «ما رأيت في طريقك؟ » قال: «ما زلت في منكر وجور عظيم حتى قدمت عليك».فقال له أبو جعفر: «ما نعمل؟ ما نصنع؟ لا يلي لنا مثلك». فقال له: «أتدري ما قال عمر بن عبد العزيز؟ -قال: الملك سوق، وإنما يجلب إلى السوق ما ينفق فيها (٣٨)».

стр. 189

ولقي (٣٩) ابن أنعم عيسى بن موسى الهاشمي (٤٠) بالكوفة، فقيل لعيسى: إن من حال هذا الرجل كذا ومن حاله كذا. فقال له عيسى: «ما منعك من إتياننا؟ » فقال له: «وما أصنع عندك؟ إن أتيتك فأدنيتني فتنتني (٤١)، وإن أقصيتني أحزنتني. فليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه». وعن ابن أنعم قال: «من دخل على سلطان ظالم (٤٢) يتقيه فقال: «اللهم إني أستعينك عليه وأدفع بك في نحره وأعوذ بك من شره»، إلا صنع (٤٣) الله تعالى به (٤٤) ذلك». سمعت أبا موسى عيسى بن مسكين يقول (٤٥): كان ابن أنعم بالعراق، فأرسل إليه أهله كتابا من إفريقية، فلما فتح الكتاب تغير لونه واصفر، فما فرغ من قراءة الكتاب حتى رؤي السرور في وجهه واحمر ورجع إليه لونه. فقال له أصحابه الذين حوله: «أصلحك الله، لقد رأينا منك عجبا: رأيناك لما فتحت الكتاب وقرأته تغير لونك، ثم لم تفرغ من قراءته حتى رجع إليك لونك».فقال لهم: «نعم، لما قرأت أول الكتاب قرأت سلام أهلي ومالي وولدي فتغير لذلك لوني واغتممت، إذ لم يذكرني الله بمصيبة؛ ثم قرأت آخر الكتاب فذكروا: إنك ابتليت بكذا ومات لك كذا ومات لك كذا، ففرحت بذلك». ولما ولى القضاء وسار بالعدل ولم يقبل من أحد صلة ولا هدية، نزّه نفسه عن ذلك فرفع الله قدره وأعلى مناره.

стр. 190

أبو عثمان المعافري (٤٦) قال: كنت يوما عند ابن أنعم وهو يتنفس الصعداء (٤٧) حتى أتاه شاب (٤٨) ومعه مخلاة بصل، فأسر إليه كلاما، فأسفر وجهه-يعني استبشر- وقال لمن كان بحضرته: «قل لهم-يعني أهله-يبعثوا إلينا بشيء من البصل مع الفول الذي كنتم طبختموه البارحة»، فبعثوا إليه بذلك، فقال لي: «يا أبا عثمان، كل»، فقلت له: «لا»، فقال لي: «ولم، يا أبا عثمان؟ أظننت ظنا؟ » فقلت: «نعم» فقال: «أحسنت، يا أبا عثمان. إذا رأيت الهدية دخلت دار القاضي من باب الدار، فاعلم أن الأمانة قد خرجت من كوة داره. وليس هذا هدية، إنما أتاني به مولاي من ضيعتي».قال أبو عثمان: فقلت له: «إني رأيتك مغموما، فلما أتاك هذا الغلام انطلقت واستبشر وجهك» فقال لي: «إني أصبحت فذكرت بعد عهدي بالمصائب فخفت أن أكون نقصت من عين الله ، فلما أتاني هذا الغلام ذكر لي أن أكفأ عبيدي وأقومهم بضيعتي توفي، فزال عنّي الغم واسترحت (٤٩)». وذكر (٥٠) أن امرأة من أهل القيروان كانت لها خاصة بحرمة (٥١) يزيد بن حاتم أمير إفريقية، فدار بينها وبين رجل من أهل القيروان خصومة. واستدار الحكم لها على خصمها وكتب لها ابن أنعم قضية بحقها (٥٢) وختمه بخاتمه وأعطاه لها، فمضت به المرأة مسرورة إلى يزيد لعلمها بمسرته، فلما دفعت (٥٣) الكتاب إليه أخذه يزيد /ففض خاتمه وقرأه ثم رده إليها. فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم إذ فضّ

стр. 191

خاتم القاضي؛ فلما رأى يزيد مشقة ذلك عليها قال لها: «لا تجزعي، أنا أوجهه إلى القاضي فيختمه كما كان»، فبعثه إليه فأبى من ذلك وقال: «لا أختمه حتى تعيد المرأة البينة»، فرده عليه يزيد ثانية ليختمه، فأبى وقال: «لا أفعل».فلما ولى رسول يزيد راجعا أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره، ودخل بيته وقال: «أنا أسبقه إلى العزل». وفي رواية: فلما رأى ذلك يزيد، قال: «هذا قاض كره الحياة، التمسوه! »، قال: فالتمسوه فلم يوجد في مجلس قضائه، فلقيه قوم بأشراف (٥٤) جزّانة (٥٥) ومعه جلده ودرته وهو سائر إلى تونس. وقد قيل إنه ما عزل وما مات إلا وهو قاض. والصحيح أنه عزل عن القضاء. حاشية: قال (٥٦): لما عزل عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ولى القضاء ماتع بن عبد الرحمن الرعيني، قال أبو العرب: «وكان ماتع فيما ذكر لي رجل سوء» قال: «وما وجدت عن ماتع عند أحد من أصحابنا علما ندوّنه (٥٧) عنه».وولى بعده يزيد بن الطفيل. وقيل: إنه ولى القضاء مرتين: الأولى في أيام بني أمية، ولاه عليها مروان بن محمد المعروف بالجعدي-وهو آخر من ملك من بني مروان-وكتب بذلك كتابا يقول في بعضه: «وقد ولاّك أمير المؤمنين الحكومة والقضاء بين أهل إفريقية، وأسند إليك أمرا عظيما وحملك خطبا جسيما، فيه دماء المسلمين وأموالهم، وإقامة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والذبّ عن ضعيفهم من قويهم وإنصاف مظلومهم من

стр. 192

ظالمهم، والأخذ من شريفهم بالحق لخاملهم. وقد رجاك أمير المؤمنين لذلك لفقهك وعدلك وخيرك وحسبك وعلمك وتجربتك. فعليك باتقاء الله وحده لا شريك له، وإيثار الحق على ما سواه. وليكن جميع الناس: قويّهم وضعيفهم، في الحق، عندك سواء». فأقام قاضيا إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها زال ملك بني أمية، فعزل عن القضاء إذ كان من قبل مروان. وولي بعده أبو كريب، وكان فاضلا ورعا. قتلته الصفرية سنة أربعين ومائة (٥٨)، حين تغلبوا على القيروان وملكوها. فلما رأى ذلك علماء إفريقية بعثوا إلى المشرق [جماعة من شيوخهم] (٥٩) إلى أبي جعفر المنصور، وكان رئيسهم ابن أنعم، مستغيثين به، فوجه معهم محمد بن الأشعث بجيش كبير، وأمره إذا وصل وملكها وأخرج البربر منها، أن يولي عبد الرحمن بن أنعم قضاء إفريقية. وفي هذه السفرة سمع سفيان الثوري من ابن أنعم وكبار أصحاب أبي حنيفة وابن أبي زائدة (٦٠). وأجمع أهل القيروان على ولايته، لما علموا من دينه وفضله وزهده. فسار فيهم بسيرة أهل العدل، وأقام فيهم الكتاب والسنة. ولم يزل على ذلك حتى جرى له مع يزيد بن حاتم ما جرى، فترك القضاء ورحل عنه إلى تونس. ولم يزل معظما في صدور الناس رفيع القدر عندهم حتى توفي، رضي الله تعالى عنه. وسبب موته (٦١)، فيما ذكر أبو العرب، أنه أكل حيتانا درنية (٦٢) وشرب لبنا على

стр. 193

مائدة الأمير يزيد بن حاتم، وكان يوحنا (٦٣) المتطبب حاضرا، فقال: إن كان الطب حقا فإن الشيخ يموت الليلة. فلما كان في السحر سمعوا صيحة فقيل: ما هذه الصيحة؟ فقيل: مات عبد الرحمن القاضي. وكان (٦٤) -رحمه الله تعالى-قبل ذلك، يخوّف الناس من أكل الحيتان مع اللبن، فقال له يزيد بن حاتم: «اذكر الحديث الذي سمعناه منك».فقال له عبد الرحمن: «لا يكون إلا ما قدر الله وأراده»، فأفلج من ليلته ومات في الوقت. وقال أبو الغارات السراج (٦٥): شهدت جنازة [عبد الرحمن بن زياد] ابن أنعم [سنة إحدى وستين ومائة] وأنا غلام، وشهدها الأمير يزيد بن حاتم، فوقف يزيد خارجا من «باب نافع» ينتظر الجنازة فأخذت بمعقد (٦٦) ثفر (٦٧) دابته، فلما نظر إلى جماعة الناس وازدحامهم وكثرتهم تمثل بهذا البيت فحفظته منه، وهو (٦٨): يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حادي وكان ذلك يوما عظيما.

стр. 194

وكان الأمير يزيد بن حاتم على سنّة (٦٩)، محمود السيرة في ولايته، له مناقب مشهورة، فلذلك استخف عبد الرحمن أكل طعامه، على ورع عبد الرحمن وفضله. ٦٨ - ومنهم أبو محمد (١) خالد بن أبي عمران (٢) التجيبي (*)، مولى عمرو بن حارثة التجيبي. كان من العلماء الراسخين، في العلم، والعبّاد المجتهدين. اشتهرت إمامته بالمشرق والمغرب. سمع من جماعة من التابعين منهم سالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى بن عمر، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. سمع منه جماعة من أهل المشرق منهم يحيى بن سعيد، وحيوة بن شريح، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث. روى عنه من أهل إفريقية [عبد الرحمن بن زياد] (٣) بن أنعم، وعبد الملك بن أبي كريمة، وعبيد الله بن زحر. وكان مشهورا بإجابة الدعوة، وكان أكثر إقامته بتونس، وكانت وفاته بها سنة

стр. 195

خمس، وقيل سنة سبع (٤)، وعشرين ومائة، والله أعلم. وعن (٥) خالد بن أبي عمران أنه أتى القاسم وسالما بمسائل [من المغرب] (٦) فذهب يسائلهما (٧) عنها، فأبيا عليه أن يجيباه، فقال لهما خالد: «إنا بموضع جفاء في هذا المغرب (٨)، وإنهم حملوني هذه المسائل، وقالوا لي: إنك تقدم على المدينة وبها [أبناء] (٩) أصحاب رسول الله ﷺ ، فسلهم لنا. وإنكما إن لم تفعلا كانت حجة لهم (١٠)، [فما شئتما] (٩). فقال له القاسم: سل، فسألهما خالد، فأجاباه (١١) فيم سألهما فيه. وكثير منها في مدونة سحنون (١٢). وكان (١٣) أهل إفريقية وجهوا به إلى يزيد بن عبد الملك/، وهو الخليفة يومئذ، يخبره بقتل يزيد بن أبي مسلم عامله على إفريقية، فلما وصل إليه قرّبه وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يوليه، فأشار عليه، فقبل قوله. زفر بن خالد الصدفي: أن الصفرية لما خرجوا بإفريقية يوم «القرن» (١٤) برز

стр. 196

إليهم خالد بن أبي عمران، فبرز إليه ابن عم عبد الواحد الزناتي الصفري، وهو رئيسهم، فقتله خالد بن أبي عمران. وكانت له، ﵀، مقامات في الدين، شهد بها مغازي كثيرة وأبلى فيها بلاء كبيرا. ذكر فضله ومناقبه: حيوة بن شريح قال: بعث إلى خالد بن أبي عمران ليتولى القضاء فانضم إليه رجل في طريقه، قال: فقال له: «يا أبا خالد، بعث إليك هؤلاء القوم؟ » قال: «نعم»، قال: «أرادوك على ماذا؟ » قال: «أرادوني على القضاء».قال: «أما علمت أن الله ﵎ إذا لم يكن له بالعبد حاجة نبذه إليهم؟ » قال: ثم التفت فلم ير أحدا، فيروون أنه الخضر ﵇. موعظة: [عن] (١٥) ابن أبي كريمة عن خالد بن [أبي] (١٥) عمران، قال: طلبني عبيد الله (١٦) بن الحبحاب أمير إفريقية ليوليني القضاء بإفريقية، فهربت منه إلى الإسكندرية فلقيني الخضر رضي الله تعالى عنه، فقال: «يا خالد، طلبك عبيد الله [على] (١٧) القضاء (١٨) فأبيت عليه؟ » قلت: «نعم».قال: «أحسنت، فاستمسك. إن الله ﵎ إذا أبغض عبدا (١٩) ألقاه إليهم». عن إدريس قال: قال موسى بن نصير-وكان من التابعين-لأم ولده: «اتخذي خالدا بن [أبي] (٢٠) عمران ولدا» قال: فأرسلت [إليه] (٢١) بوصائف ووصفاء، فرد هديتها. قال: فقال له الرسول: «ومن يجترئ يرد على فلانة أم ولد الأمير هديتها؟ » قال: فأغلق الباب في وجهه، فلما رأى ذلك الرسول رجع بالهدية إليها، فقالت للرسول: «ويحك! لعله استقلّها؟ » ثم أرسلت إلى ابن أبي عمران

стр. 197

فجاء، فقالت له: «لم رددت علينا هديتنا، لعلك استقللتها؟ » ثم قالت له: «إن سيدي أمرني أن أتخذك ولدا، لأنفعك» فقال لها: «فمن أين هذا الذي بعثت به؟ » فقالت له: «أكلّم سيدي في الرجل فيعقد له الولاية، فيرسل إلي بالرأس والرأسين»، قال: فقال لها خالد: «بخ! خالد بن [أبي] (٢٠) عمران يغزو فلا يدركه في سهمه (٢٢) إلا كذا وكذا-بشيء يسير سماه-وأنتم تأتيكم الدنيا هكذا؟ »، ثم أفرغ عليها المواعظ، فوعظها. قال: فجاء موسى بن نصير فدخل عليها فلم تأخذ له أهبة. فقال لها موسى: «لعل خالد بن أبي عمران دخل عليك؟ » فقالت: «نعم» فقال: «إن الحق ما قاله لك، فاقبليه (٢٣)». وعن حيوة: أن خالدا بن أبي عمران كان له جيران، وكانوا مخلطين، فاستأذن عليهم يوما، وضرب عليهم الباب، فغيبوا ما كان بين أيديهم وأخفوه. فدخل منزلهم، فجلس في قبلة البيت ثم قال لهم: «يا بنيّ، كم بين قرية فلانة إلى قرية فلانة؟ » فقالوا: «يغدو الرجل من فلانة ويقيل بفلانة» قال: «فإن قصر؟ » قالوا: «يروح من فلانة ويبيت بفلانة»، فقال لهم: «فإذا ترك الغدو والرواح؟ » قالوا: «فبعيد عليه أن يبلغ» فقال لهم: «يا بني أخي! تؤملون التوبة وأنتم مقيمون على المعصية؟ »، ثم أقبل عليهم بالمواعظ، فوعظهم حتى تابوا وحسن حالهم. موعظة: وعن (٢٤) عبد الملك بن أبي كريمة، قال: «صحبت خالدا ابن أبي عمران وأنا صغير، ومشيت خلفه وأنا بقرطاجنة فسكت وسكتّ؛ ثم التفت إلي وقال: «يا بني، إن للصحبة أمانة ولها خيانة، وإني أذكر الله [في السر] (٢٥)، فاذكره». دعاء: وقال حيوة: «اجتمعنا مع خالد بن [أبي] (٢٦) عمران في مجلس، قال فدعا الله تعالى وأمنا ثم قرأ سجدة، فسجد وسجدنا معه، فقال: «اللهم إن كنت

стр. 198

استجبت لنا فأرنا علامة ذلك» فرفع رجل من القوم رأسه فإذا بنور ساطع؛ قال إدريس: «فظننت أن الرافع رأسه حيوة». قال عبد الله: «ورأيت لخالد ابن أبي عمران دعاء كان يدعو به لا يكاد يفارقه، وجدته بالمنستير بخط محمود المتعبد (٢٧) وهو: «الحمد لله الذي فتق عن أكمام الغفلة بنور الإخلاص، والحمد لله الذي كشف رين (٢٨) القلوب بنور اليقين، والحمد لله حمدا دائما بدوام ربوبيته، والحمد لله كما يجب له على جميع خلقه، سبحان الله وبحمده تسبيحا يبلغ أقطار السموات ويبلغ الرمل والثرى وما بين ذلك، وسبحان الله وبحمده تسبيحا تخشع له السموات السبع ومن فيهن والأرضون ومن فيهن، وسبحان الله وبحمده من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم، ومن حيث علم ربي وعلى لسان كل قائل؛ رب إني إن انقطع أملي من عملي لم ينقطع أملي منك، فحقق رجائي ولا تحقق حذري، واستر عورتي، وسكن روعتي. أنت دليلي، إليك أشكو بثي وحزني وفاقتي وفقري، فيا حزني في قلة شكري، ويا حزني إن أصبت بنفسي وأنت غير راض عني، فلا تعذبني بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلبي، فإنك إن عذبتني بالنار جمعت بيني وبين قوم عاديتهم فيك، اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحشتي، وبين يديك ذل مقامي، اللهم إني أعوذ بك أن يفرط عليّ وعلى ولدي وأهلي، أو أن يطغى [علينا] (٢٩). جل جلالك، وعز جارك، وتبارك اسمك. هذا مقام العائذ بك، الهارب إليك، يا وارث أيام الجبارين يا رحمن الدنيا والآخرة. اكفنا البلاء كله، عاجله وآجله. وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم».

стр. 199

٦٩ - ومنهم عبد الله بن الحكم (١) البلوي (*). يروى عن جماعة من أهل العلم، ذكره ابن سحنون في طبقات أهل إفريقية لكنه أدخله في جملة شيوخ المصريين، وابن سحنون أقعد (٢) بذلك. أدخله سحنون في «مدونته» (٣): عن عبد الله بن الحكم (١) البلوي أنه سمع عليا بن رباح اللخمي يخبر عن عقبة بن عامر الجهني، قال: «قدمت على عمر بن الخطاب بفتح الشام وعليّ خفان لي، فنظر إليهما (٤) ثم قال: كم لك منذ لم تنزعهما (٥)؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة، [ثمان] (٦)، فقال: أصبت». ٧٠ - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن بحير (١) بن ريسان (٢) الرعيني (**). ذكره أبو سعيد بن يونس، وأثنى عليه، وروى عن جماعة. كان بمصر وانتقل إلى إفريقية وأوطنها، وكان جوادا كريما مطعاما للطعام. ذكر عنه أنه قيل له إن ناسا من أهل الشرف (٣) يحضرون طعامك ويستحيون، فأمر غلمانه إذا قدموا الطعام أن يطفئوا المصابيح.

стр. 200

٧١ - ومنهم أبو كريب جميل بن كريب المعافري (*) القاضي، ويقال اسمه عبد الرحمن . من أهل الفضل والعلم، يروى عن [أبي عبد الرحمن] (١) الحبلى روى عنه جماعة. سكن تونس، وكان من أجلاء شيوخ إفريقية. وأشخص إلى مدينة القيروان بأمر بعض ولاة إفريقية، وولاه على قضائها بعد امتناعه منه وكراهيته فيه؛ قيل إنه يزيد بن حاتم (٢)، وقيل إنه أخوه (٣) روح، وقيل عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، وهو الصواب (٤)؛ وكان حسن السيرة في قضائه، ولم يزل على ذلك حتى قتلته الخوارج بوادي أبي كريب في ناحية الحبلي (٥) من ناحية القيروان سنة تسع وثلاثين ومائة. وعن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب بزقة من خمرة فاجلدوه ثمانين (٦)». ذكر فضله ومناقبه: حدث (٧) أحمد بن بهلول الزيات أن يزيد بن حاتم، وهو يومئذ أمير إفريقية، بعث إلى والي تونس يقول له: «ابعث إليّ بأبي كريب أوليه القضاء». [قال]: فتمارض (٨) أبو كريب، فكتب والي تونس إلى الأمير إن أبا

стр. 201

كريب مريض، فكتب إليه يزيد: «[أن] (٩) ابعث إليّ به في قطيفة» (١٠). فبعث والي تونس بأبي كريب، فلما قدم على يزيد كلمه يزيد فلم يرد عليه جوابا، ثم كلمه الأمير وأبو كريب ساكت فأنّبه (١١) جلاّس يزيد فقالوا له: «الأمير يكلمك وأنت صامت؟ »، فقام الأمير يزيد على قدميه وأمر جلاسه أن يتفرقوا عنه، وجعل يقول له: «والله يا أبا كريب ما أردت إلا الله ، وأن أجعلك حسنة بيني وبين الله للمسلمين، وتكون [لي] (١٢) عونا على هذا الأمر، وتحكم بالحق عليّ وعلى من حولي (١٣)، فاتق الله فيما دعوتك إليه من القيام بالحق فيّ وفي المسلمين».فقال له أبو كريب: «أالله أردت بذلك؟ » فقال: «نعم» فكررها عليه ثلاثا (١٤)، فقال: «نعم» فقال أبو كريب: «قد قبلت». وجلس في جامع القيروان يحكم بينهم، فما مرت إلا أيام يسيرة حتى أتاه رجل فقال: «أصلح الله القاضي، لي قبل الأمير حق ومطلب دفعني عنه وقد وقفت له وسألته المجيء إليك فلم يفعل»، فأعطاه القاضي طابعا (١٥)، ومضى الرجل إلى باب الأمير، فأعلم بذلك الأمير يزيد، وقيل: بل مضى معه أبو كريب بنفسه إلى باب الأمير يزيد، فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكاني. إن هذا الرجل يذكر أن له حقا قبله، فأعلمه الحاجب، فلبس يزيد ثيابه وخرج إلى الجامع، فادّعى الخصم على الأمير يزيد بدعوى، فقال أبو كريب ليزيد: «ما تقول فيما ادّعاه بحضرتك؟ » فأنكر يزيد [دعواه] (١٦)، فطلب خصمه يمينه، فاستحلفه أبو كريب

стр. 202

فأبى يزيد أن يحلف، فقال له أبو كريب: «إني أحكم عليك بنكولك عن اليمين» فأنصفه يزيد من دعواه، ثم انصرف يزيد وهو يقول: «الحمد لله الذي لم أمت (١٧) حتى جعلت بيني وبين الله من يحكم بين عباده بالحق»، فقال أبو كريب: «وأنا أقول الحمد لله الذي لم أمت (١٧) حتى رأيت أميرا يشكر الله بالقضاء بالحق عليه». هكذا ذكر أبو بكر بن اللبّاد وأبو العرب أنها كانت مع يزيد، والصواب من ذلك أن يكون هذا المجلس إنما جرى مع عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري أمير إفريقية. ويشهد بصحة ذلك أن أبا كريب استشهد في سنة أربعين ومائة (١٨) في دولة مروان بن محمد (١٩)، ويزيد بن حاتم إنما ولى إفريقية في سنة خمس وخمسين ومائة في دولة المنصور. فلا شك أن ذكر يزيد بن حاتم هنا غلط. وكان، ﵀، يركب حمارا بشند (٢٠) ورسنه حبل ليف. ومر يوما بمدينة القيروان ببئر (٢١) أم عياض فعرض له خصمان فنزل عن حماره وقعد إلى حائط ونظر بينهما فيما اختصما فيه. ثم قام ليركب فأراد أحدهما أن يمسك برسن الحمار حتى يركب فمنعه أبو كريب من ذلك وأمسكه هو لنفسه. وهذا من محاسبته لنفسه واجتهاده.

стр. 203

ومثل هذه الحكاية، قال (٢٢): أقبل غوث (٢٣) بن سليمان القاضي، وهو يريد المسجد، فلما كان عند السراجين لقيته امرأة في محفتها، كما قدمت من الريف، فشكت مظلمة فنزل في حانوت من حوانيت السراجين، كما هو ولم يبلغ المسجد، وكتب لها بحاجتها، ثم ركب دابته إلى المسجد فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت والله أمك حين سمتك «غوثا»، فأنت والله غوث عند اسمك. ومن مناقبه: أنه (٢٤) كان، [إذ] كان قاضيا بالقيروان، [ساكنا في الدرب المعروف بالسنجاري]، وأنه كان إذا أراد أن يتوجه إلى الجامع ساق حماره بين يديه، وإذا انصرف من الجامع ركبه منصرفا، فربما لقيه في مسيره إلى الجامع بعض الناس وهو يخوض الطين إلى أنصاف ساقيه، فيقال له: «لو ركبت الحمار! » فيقول: «لا أفعل، هكذا حال من يسير إلى ربه ، يسير ذليلا متواضعا». وربما وجد في الجامع وحده فيقال له: «أتقعد وحدك؟ » فيقول: «إن الناس قد ذهبوا إلى جنازة»، فيقال له: «لو أنك انصرفت إلى دارك! » فيقول: «ومن لي بالملهوف المضطر إذا قصدني فلم يجدني؟ ». قال أحمد (٢٥): وكان ربما تبين له الحكم بالليل، فيأتي دار من ثبت الحق له، فيقرع عليه بابه فيستخرجه ويأمره بأن يحضر له صالحي جيرانه ليشهدهم له، فيقول له: «لو تركت هذا إلى الغد! » فيقول القاضي: «فلو مت أنا في ليلتي هذه، أما أكون أنا الذي أضعت عليك حقك؟ ». ولم يزل (٢٦) قاضيا حتى ثار عاصم بن جميل على حبيب [بن عبد الرحمن،

стр. 204

فخرج إليهم حبيب، فقاتلهم] (٢٧) فهزم هو ومن معه من عسكره، فلما صار إلى مدينة القيروان أمر أبو كريب (٢٨) بقتالهم، فاجتمع إلى أبي كريب أهل البصائر وخرجوا لقتالهم، إذ كانوا يستحلون سفك دماء المسلمين، واجتمع إليه من الناس ألف رجل وتخاذل الباقون من أهل القيروان، فالتقوا على الوادي المعروف «بوادي أبي كريب» (٢٩)، فسمّي به إلى اليوم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أبو كريب وجميع من معه، رحمة الله عليهم. وذلك سنة تسع وثلاثين ومائة. ٧٢ - ومنهم يزيد بن الطفيل القاضي (*) واسمه عبد الله بن عبد الرحمن [بن الطفيل] (١) واشتهر وعرف بيزيد بن الطفيل. وكان من فضلاء المؤمنين. روى عن علقمة بن وقاص الليثي. روى ابن أنعم عن ابن الطفيل، قال: «سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقول: «استقبلوا الشمس بجباهكم فإنها حمّامات (٢) العرب». وسبب توليته القضاء أنه قدم إلى القيروان وزير (٣) للخليفة فدخل المسجد الأعظم، فرأى حلقة عظيمة وفيها شاب كلما اختلف اثنان ممن حضر الحلقة رجعا (٤) إليه وصدرا عن رأيه، فقال الوزير: «من يكون هذا؟ » فقيل له: «هذا يزيد بن الطفيل. فرجع الوزير إلى الخليفة، فبينا هو يوما بين يدي الخليفة إذ ذكر قاضيا

стр. 205

لإفريقية، فقال له الوزير: «أين أنت من ابن الطفيل؟ » ووصف له ما رأى منه؛ فبعث إليه بسجلّه؛ فبينا ابن الطفيل على دكان له على باب داره بصطفورة (٥) إذ أقبل البريد فقال: «من فيكم ابن الطفيل؟ » فقيل له: «هذا»، فقال: «السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته أيها القاضي»، وناوله السجل. وكان (٦) -رحمه الله تعالى-يركب حمارا [له] حتى يأتي المسجد الجامع، فينزل عنه ويجلس ويخلّي (٧) الحمار ويأخذ لجامه فيتركه عنده، قال: فينطلق الحمار يريد دار يزيد بن الطفيل بلا قائد ولا سائق، فيقمّم (٨) [ما يلقى] (٩) في (١٠) الأزقة من حشيش أو بقل، [أو ما أشبه ذلك، وهو في ذلك يمشي حتى يأتي دار ابن الطفيل] (١١) فيؤخذ فيدخل به الدار. ويجلس ابن الطفيل، فربما يجلس فلا يأتيه أحد لقلة الخصومات في ذلك الزمان، فينعس القاضي، فإذا كان الوقت الذي يعلمون أن القاضي ينصرف فيه، سرحوا (١٢) الحمار فيذهب حتى [يأتي] (١٣) باب الجامع، فيخرج القاضي فيركبه. ولم يزل (١٤) قاضيا حتى عزله يزيد بن حاتم، [لأنه] (١٥) كان [إذا انصرف من مجلس قضائه] (١٥) يستودع ديوانه رجلا صباغا (١٦) مقابل المسجد الجامع، فتقدم إليه يزيد في ذلك فقال له: «إني أحفظ ما في ديواني وهذا لا يضرني» ولم يرجع في ذلك إلى قول يزيد بن حاتم، فرأى يزيد أن ذلك تضييع (١٧)، فعزله.

стр. 206

٧٣ - ومنهم عمر بن يزيد بن مسروق (**) التجيبي (١١) الزاهد. وكان عابدا من أهل إفريقية وقطّانها (١٢). يروى عن عبد الله بن دينار، مولى عبد الله بن عمر. روى عنه جماعة من أهل العلم. ٧٤ - ومنهم عبيد الله (*) بن زحر (١) الكناني (٢). كان فاضلا صالحا، يروى عن جماعة من العلماء (٣). ومما يتصل بنا عنه من الحديث: عبيد الله (٤) بن زحر عن علي بن يزيد (٥) عن القاسم بن عبد الرحمن (٦) عن أبي أمامة (٧) الباهلي أن رسول الله ﷺ قال (٨): «إن

стр. 207

أغبط الناس عندي لمؤمن خفيف الحاذ (٩)، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، غامض (١٠) في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان عيشه كفافا فصبر على ذلك؛ ثم نفض رسول الله ﷺ بإصبعه، ثم قال: «عجّلت منيته وقلّت بواكيه وقلّ تراثه».روى عنه عبد الله بن لهيعة والمفضّل (١١) بن فضالة (١٢). ٧٥ - ومنهم أبو عمران موسى بن عليّ (١) بن رباح بن قصير (٢) اللخمي (*)، رضي الله تعالى عنه. كان فاضلا، روى عن جماعة من التابعين منهم والده علي بن رباح. روى عنه أكابر العلماء، منهم الليث، وابن المبارك، وابن وهب. أصله من القيروان وبها مولده (٣). قال عبد الله بن لهيعة: قدم علينا موسى بن علي بن رباح سنة عشرين ومائة وافدا إلى هشام بن عبد الملك، وكان يخضب بالسواد. وتوفي بالاسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة.

стр. 208

٧٦ - ومنهم أبو سليمان خلاد بن سليمان الحضرمي (*). كان من أهل الفضل والدين، يروى عن نافع مولى ابن عمر، وخالد بن أبي عمران، ودرّاج (١) بن سمعان. روى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي مريم، وكان أحد الخائفين. مولده بإفريقية، ثم انتقل إلى المشرق وتوفي سنة ثمان وسبعين ومائة. أسند عنه ابن عبد الأعلى (٢) حديثين بعد أن أثنى عليه، فرفع الإسناد: حدثنا نافع أنه سأل عبد الله بن عمر فقال (٣): «إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة [إمامنا أو عسكرنا] (٤) فقال: «إن الفئة رسول الله ﷺ » قال: فقلت: «إن الله يقول في كتابه العزيز: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) (٥)، فقال: «إنما نزلت هذه الآية لأهل بدر، لا قبلها ولا بعدها». ٧٧ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي (**). كان فاضلا صالحا متواضعا في نفسه، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، لا يخاف في الله لومة لائم، مباينا لأهل البدع ومعاديا لهم، حافظا للحديث والفقه.

стр. 209

رحل إلى المشرق فسمع من جماعة من العلماء، منهم زكريا بن أبي زائدة، تابعي، ومالك، وسفيان الثوري، وغيرهم. وكان اعتماده على مالك لكنه يميل إلى طريقة (١) أهل النظر والاستدلال. وكان مالك يكرمه ويرى (٢) له فضلا ويقول لأصحابه: «هذا فقيه أهل المغرب». ويقال: إن مولده كان بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة، ثم سكن القيروان وأوطنها، ثم رحل إلى المشرق فلقي من ذكرنا ونفعه الله بهم. عن (٣) سحنون أنه نظر في رسالة مالك إلى ابن فروخ-وكان (٤) ابن فروخ قد كتب إلى مالك يخبره: «إن بلدنا كثير البدع، /وأنه ألّف لهم كلاما في الرد عليهم» - فكتب إليه مالك في الرسالة: «إنك إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل أو تهلك (٥). لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم (٦)، ليس يقدرون أن يعرجوا عليه، فإن هذا لا بأس به. وأما غير هذا فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه بشيء فيتعلقوا [به] (٧) ويزدادوا تماديا على ذلك». قال عبد الله (٨): أشفق مالك، رضي الله تعالى عنه، أن يكون ذلك سببا لإظهار طريقة الجدل بإفريقية فيؤدّي ذلك إلى أسباب يخاف من غوائلها ولا يؤمن شرها، فأراد حسم الباب. ولمّا رحل إلى المشرق ولقي من ذكرناه من أهل العلم ونفعه الله بهم. رجع (٩) إلى إفريقية فأوطنها وأقام بها يعلم الناس العلم ويحدثهم بسنة رسول الله ﷺ حتى انتفع به كثير، ثم رحل إلى المشرق لما ألح عليه عبد الله بن عمر بن غانم قاضي

стр. 210

إفريقية في المشاورة في بعض أقضيته وأحكامه، وأن يتقلد له ما يراه صوابا، فأشفق من ذلك ابن فروخ وخاف من التقليد، فأراد السلامة والهروب من الرئاسة فرحل إلى المشرق فوصل إلى مصر، ثم تمادى إلى مكة فحج، فرجع إلى مصر فتوفي بها ودفن بسفح المقطم سنة ست [وسبعين] (١٠) ومائة. وكانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة في قلوب أهل العلم، وقالوا: «طمعنا أن يكون خلفا لنا من الليث» وكانوا يعظّمونه ويعتقدون إمامته، رحمه الله تعالى. قال سحنون (١١): «اختلف ابن فروخ وابن غانم في مسألة، فقال ابن فروخ: «[لا ينبغي للقاضي] (١٢) إذا ولاه أمير غير عدل أن يلي» وقال ابن غانم: «يجوز له أن يلي، وإن كان الأمير غير عدل».فكتب (١٣) بها إلى مالك إلى المدينة، [فلمّا أتى الرسول] (١٤) إلى مالك، [فأصاب مالكا] (١٤) على دكان (١٥). كبيرة مرتفعة كثيرة الارتفاع، والناس مجتمعون عليه. فقعد حتى تفرق الناس عنه، فقام إلى مالك وأعطاه

стр. 211

الكتاب، فقرأه مالك وقال للرجل: «أولّي (١٦) ابن غانم؟ ».فقال الرجل: «نعم»؛ فقال مالك: «إنا لله وإنا إليه راجعون! [ألاهرب] (١٧)، ألا (١٨) فرّ حتى تقطع يده! » ثم قال: «أصاب الفارسي، يعني (١٩) ابن فروخ، وأخطأ الذي يزعم أنه عربي»، يريد ابن غانم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ومن فضائله رضي الله تعالى عنه، ومناقبه وتعظيم العلماء له وثنائهم عليه وأنواع من أخباره: سنان (٢٠) [بن] (٢١) أبي سنان الأسدي (٢٠) الكوفي، قال (٢٢): سمعت أبي يقول: قدم عبد الله بن فروخ المدينة حاجا، فلما نزل المدينة لبس ثيابه ثم توجه إلى قبر النبي ﷺ ، فسلم عليه، ثم أتى مالكا بن أنس للسلام عليه، فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير (٢٣) من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه وإلى جانبه المخزومي (٢٤) معروف له ذلك لا يستدعي مالك أحدا إلى القعود فيه، فأقعده فيه وساءله عن أموره وأحواله، وقال له: «متى كان قدومك يا أبا محمد؟ » فأعلمه أن قدومه كان في الوقت الذي أتى إليه فيه، فقال له: «صدقت؛ لو كان قدومك تقدم إذا لعلمت بك، ولو علمت لأتيتك»، وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: «أجب يا أبا محمد» فيجيب عبد الله، ثم يقول مالك للسائل: «هو كما قال لك».ثم التفت مالك إلى أصحابه وقال: «هذا فقيه أهل المغرب (٢٥)».

стр. 212

وذكر (٢٦) بعض المصنفين عن أبي عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب (٢٧) صاحب سحنون، قال: «حدثني أبو زكرياء القصير عن عبد الله بن فروخ أنه قال: أتيت الكوفة وأكبر أملي السماع من سليمان بن مهران الأعمش، فسألت عنه، فقيل [لي] (٢٨) إنه غضب على أصحاب الحديث، فحلف أنه لا يسمعهم إلى وقت ذكروه. قال: فكنت أختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست يوما على بابه وأنا مفكّر (٢٩) في غربتي وما حرمته من السماع منه، إلى أن فتح الباب، فخرجت جارية، فقالت: «ما بالك على بابنا؟ » فقلت: «أنا رجل غريب»، وأعلمتها بخبري، فقالت: «وأين بلدك؟ »، فقلت: «إفريقية» فانشرحت لي وقالت: «أتعرف القيروان؟ » قلت لها: «ومن أهلها أنا! » قالت: «لعلك تعرف دار ابن فروخ؟ »، ثم تأملتني وقالت: «عبد الله؟ » قلت: «نعم! » فإذا هي جارية كانت ببلادنا-أو قال من بلادنا، وأظنه قال: كنت رضيعا لها فأبعناها وهي صغيرة-فصارت إلى الأعمش، [وكانت لها دالة عليه، فدخلت عليه] (٣٠)، فقالت [له] (٣١): «ابن مولاي، الذي كنت أخبرك بخبره، بالباب» فأمرها بإدخالي، وأسكنني في بيت قبالته، فكنت أسمع منه وحدي وقد حرم سائر الناس، إلى أن قضيت أربي منه». قال: وكان مالك يكرمه ويعظمه. وفي (٣٢) هذه السفرة اجتمع مع أبي حنيفة؛ وذاكره وكتب عنه مسائل كثيرة غير مدونة يذكر أنها نحو عشرة آلاف مسألة، وقد لقيه قبل أن يدون كتبه (٣٣).

стр. 213

ويروى (٣٤) أنه ناظر زفر (٣٥) في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل ابن فروخ (٣٦) يناظره حتى علا على زفر، وقطعه بالحجة. فقال أبو حنيفة لزفر: «لا خفف الله ما بك! » معاتبة من أبي حنيفة لزفر، إذ ازدرى ابن فروخ. ويذكر (٣٧) أنه قال: كنت يوما عند أبي حنيفة، فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فدمي، فقال لي: «اختر: إن شئت أرش (٣٨) الجرح، وإن شئت ثلاثمائة حديث» فقلت: «الحديث خير لي»، فحدثني ثلاثمائة حديث. وفي هذه السفرة لقي مالكا بن أنس وسمع منه وتفقه، وعليه اعتمد في الحديث والفقه، وبصحبته اشتهر. وكان ربما مال إلى قول أهل العراق إذا تبين له أن الصواب في قولهم. وعن أبي عثمان المعافري (٣٩)، قال: «أتيت إلى مالك بن أنس بمسائل من ابن غانم، أقضية، فقال: «ما قال فيها المصفر، يعني البهلول بن راشد، وما قال فيها الفارسي؟ /، يعني ابن فروخ».قال: ثم كتب الأجوبة وكتب في آخر الكتاب: «ودين الله يسر إذا أقيمت حدوده». وكان (٤٠) البهلول بن راشد يعظم قدر عبد الله بن فروخ ويكبر قدره ويقلده في بعض ما ينزل به من أمور الديانة: أبو محمد بن سعيد الحداد عن أبيه، قال (٤١): حدثني من أثق به من أهل العلم،

стр. 214

قال: خرج (٤٢) البهلول بن راشد ذات يوم على أصحابه، وقد غطى خنصره بكمه (٤٣)، فأقبل على رجل (٤٤) من أصحابه فأسرّ إليه كلاما دون سائر أهل المجلس، ثم انصرف الرجل ثم عاد إليه فكلمه فيما بينه وبينه، فأزال البهلول (٤٥) كمه (٤٣) عن خنصره وجعل يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني ممن ابتدع بدعة في الإسلام. ثم أقبل على الرجل فقال له: «حدّث القوم بما كان بيني وبينك»، فقال الرجل: أرسلني إلى ابن فروخ أسأله: هل كان أحد من السلف-إذا أوصي بحاجة-ربط في إصبعه خيطا؟ فتوجهت إلى عبد الله بن فروخ فسألته عن ذلك فقال: «نعم، كان عبد الله بن عمر يفعله»، فقال بهلول عند ذلك: «إن أهلي سألوني في حاجة فربطت في خنصري خيطا لأذكر حاجتهم، ثم خفت أن أكون ابتدعت بدعة في الإسلام». عن ابن عمر قال (٤٦): «كان النبي، ﷺ ، إذا أشفق أن ينسى الحاجة جعل في يده خيطا ليذكرها». سكن (٤٧) الصائغ، قال (٤٨): «كنت أعمل السلاسل من نحاس وأطليها بماء الذهب الذي يجعل في اللّجم، وأبعث بها تباع ببلد السودان. فوقع في قلبي منها شيء، فسألت البهلول بن راشد فقال: «ما عندي فيها علم، ولكن اذهب إلى ابن فروخ الفارسي وانظر الجواب وأخبرني»، فذهبت إلى ابن فروخ فسألته فقال: «أهؤلاء الذين تبعث إليهم هذه السلاسل معاهدون (٤٩)؟ » قلت: «نعم» فقال: «ما أرى هذا، وهذا غش».فرجعت إلى البهلول فأخبرته فقال: «يا بني، هو كما قال ابن فروخ».ثم قال: «ابن فروخ الدرهم الجيد وأنا الدرهم الستوق» (٥٠). قال سكن

стр. 215

الصائغ: فما عرفت أي شيء الدرهم الستوق، فسألت عنه فقيل لي الدرهم النحاس». ذكر (٥١) [أبو عثمان سعيد بن محمد أنه قال: حدثني من أثق به] (٥٢) أن روح ابن حاتم أرسل إلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء فلما جاءه، قال: [له] (٥٢): «بلغني أنك تريد الخروج علينا» فقال ابن فروخ: «نعم! » فتعاظم ذلك روح من قوله، فقال له [ابن] فروخ: «أرى ذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل مني» فقال له روح: «قد أمناك أن تخرج علينا أبدا». ثم عرض (٥٣) عليه القضاء فأبى من ذلك وامتنع، فأقعده في الجامع، وأمر الخصوم أن يكلموه (٥٤) وهو يبكي ويقول لهم: «ارحموني يرحمكم الله (٥٥)! ».ولما (٥٦) أبي من ذلك أمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع فإن هو قبل وإلا طرح من أعلاه، فصعد به إلى سطح الجامع. وقيل له: «تفعل (٥٧)؟ » قال: «لا! » وحلّ على أن يطرح. فلما رأى العزيمة جدا (٥٨)، وكان يظن أنه لن يطرح حقا (٥٩)، فقال: «قد قبلته»، فأجلس للناس وجعل معه حرس، فتقدم إليه خصمان فلما صارا بين يديه نظر إليهما، فبكى وطال بكاؤه فأقام طويلا باكيا، ثم رفع رأسه إليهما وقال: «سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما ولا تكونا أول مشئومين عليّ» فرحماه وقاما من بين يديه، فأعلم الحرس بذلك روحا، فقال: امضيا إليه فقولا له (٦٠): «فأشر علينا بمن نولّي (٦١) أو اقبل» فقال: «إن يكن أحد فعبد الله بن عمر بن غانم، فإني أراه
следующие страницы →