← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الكتاب، فقرأه مالك وقال للرجل: «أولّي (١٦) ابن غانم؟ ».فقال الرجل: «نعم»؛ فقال مالك: «إنا لله وإنا إليه راجعون! [ألاهرب] (١٧)، ألا (١٨) فرّ حتى تقطع يده! » ثم قال: «أصاب الفارسي، يعني (١٩) ابن فروخ، وأخطأ الذي يزعم أنه عربي»، يريد ابن غانم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ومن فضائله رضي الله تعالى عنه، ومناقبه وتعظيم العلماء له وثنائهم عليه وأنواع من أخباره: سنان (٢٠) [بن] (٢١) أبي سنان الأسدي (٢٠) الكوفي، قال (٢٢): سمعت أبي يقول: قدم عبد الله بن فروخ المدينة حاجا، فلما نزل المدينة لبس ثيابه ثم توجه إلى قبر النبي ﷺ ، فسلم عليه، ثم أتى مالكا بن أنس للسلام عليه، فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير (٢٣) من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه وإلى جانبه المخزومي (٢٤) معروف له ذلك لا يستدعي مالك أحدا إلى القعود فيه، فأقعده فيه وساءله عن أموره وأحواله، وقال له: «متى كان قدومك يا أبا محمد؟ » فأعلمه أن قدومه كان في الوقت الذي أتى إليه فيه، فقال له: «صدقت؛ لو كان قدومك تقدم إذا لعلمت بك، ولو علمت لأتيتك»، وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: «أجب يا أبا محمد» فيجيب عبد الله، ثم يقول مالك للسائل: «هو كما قال لك».ثم التفت مالك إلى أصحابه وقال: «هذا فقيه أهل المغرب (٢٥)».

стр. 212

وذكر (٢٦) بعض المصنفين عن أبي عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب (٢٧) صاحب سحنون، قال: «حدثني أبو زكرياء القصير عن عبد الله بن فروخ أنه قال: أتيت الكوفة وأكبر أملي السماع من سليمان بن مهران الأعمش، فسألت عنه، فقيل [لي] (٢٨) إنه غضب على أصحاب الحديث، فحلف أنه لا يسمعهم إلى وقت ذكروه. قال: فكنت أختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست يوما على بابه وأنا مفكّر (٢٩) في غربتي وما حرمته من السماع منه، إلى أن فتح الباب، فخرجت جارية، فقالت: «ما بالك على بابنا؟ » فقلت: «أنا رجل غريب»، وأعلمتها بخبري، فقالت: «وأين بلدك؟ »، فقلت: «إفريقية» فانشرحت لي وقالت: «أتعرف القيروان؟ » قلت لها: «ومن أهلها أنا! » قالت: «لعلك تعرف دار ابن فروخ؟ »، ثم تأملتني وقالت: «عبد الله؟ » قلت: «نعم! » فإذا هي جارية كانت ببلادنا-أو قال من بلادنا، وأظنه قال: كنت رضيعا لها فأبعناها وهي صغيرة-فصارت إلى الأعمش، [وكانت لها دالة عليه، فدخلت عليه] (٣٠)، فقالت [له] (٣١): «ابن مولاي، الذي كنت أخبرك بخبره، بالباب» فأمرها بإدخالي، وأسكنني في بيت قبالته، فكنت أسمع منه وحدي وقد حرم سائر الناس، إلى أن قضيت أربي منه». قال: وكان مالك يكرمه ويعظمه. وفي (٣٢) هذه السفرة اجتمع مع أبي حنيفة؛ وذاكره وكتب عنه مسائل كثيرة غير مدونة يذكر أنها نحو عشرة آلاف مسألة، وقد لقيه قبل أن يدون كتبه (٣٣).

стр. 213

ويروى (٣٤) أنه ناظر زفر (٣٥) في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل ابن فروخ (٣٦) يناظره حتى علا على زفر، وقطعه بالحجة. فقال أبو حنيفة لزفر: «لا خفف الله ما بك! » معاتبة من أبي حنيفة لزفر، إذ ازدرى ابن فروخ. ويذكر (٣٧) أنه قال: كنت يوما عند أبي حنيفة، فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فدمي، فقال لي: «اختر: إن شئت أرش (٣٨) الجرح، وإن شئت ثلاثمائة حديث» فقلت: «الحديث خير لي»، فحدثني ثلاثمائة حديث. وفي هذه السفرة لقي مالكا بن أنس وسمع منه وتفقه، وعليه اعتمد في الحديث والفقه، وبصحبته اشتهر. وكان ربما مال إلى قول أهل العراق إذا تبين له أن الصواب في قولهم. وعن أبي عثمان المعافري (٣٩)، قال: «أتيت إلى مالك بن أنس بمسائل من ابن غانم، أقضية، فقال: «ما قال فيها المصفر، يعني البهلول بن راشد، وما قال فيها الفارسي؟ /، يعني ابن فروخ».قال: ثم كتب الأجوبة وكتب في آخر الكتاب: «ودين الله يسر إذا أقيمت حدوده». وكان (٤٠) البهلول بن راشد يعظم قدر عبد الله بن فروخ ويكبر قدره ويقلده في بعض ما ينزل به من أمور الديانة: أبو محمد بن سعيد الحداد عن أبيه، قال (٤١): حدثني من أثق به من أهل العلم،

стр. 214

قال: خرج (٤٢) البهلول بن راشد ذات يوم على أصحابه، وقد غطى خنصره بكمه (٤٣)، فأقبل على رجل (٤٤) من أصحابه فأسرّ إليه كلاما دون سائر أهل المجلس، ثم انصرف الرجل ثم عاد إليه فكلمه فيما بينه وبينه، فأزال البهلول (٤٥) كمه (٤٣) عن خنصره وجعل يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني ممن ابتدع بدعة في الإسلام. ثم أقبل على الرجل فقال له: «حدّث القوم بما كان بيني وبينك»، فقال الرجل: أرسلني إلى ابن فروخ أسأله: هل كان أحد من السلف-إذا أوصي بحاجة-ربط في إصبعه خيطا؟ فتوجهت إلى عبد الله بن فروخ فسألته عن ذلك فقال: «نعم، كان عبد الله بن عمر يفعله»، فقال بهلول عند ذلك: «إن أهلي سألوني في حاجة فربطت في خنصري خيطا لأذكر حاجتهم، ثم خفت أن أكون ابتدعت بدعة في الإسلام». عن ابن عمر قال (٤٦): «كان النبي، ﷺ ، إذا أشفق أن ينسى الحاجة جعل في يده خيطا ليذكرها». سكن (٤٧) الصائغ، قال (٤٨): «كنت أعمل السلاسل من نحاس وأطليها بماء الذهب الذي يجعل في اللّجم، وأبعث بها تباع ببلد السودان. فوقع في قلبي منها شيء، فسألت البهلول بن راشد فقال: «ما عندي فيها علم، ولكن اذهب إلى ابن فروخ الفارسي وانظر الجواب وأخبرني»، فذهبت إلى ابن فروخ فسألته فقال: «أهؤلاء الذين تبعث إليهم هذه السلاسل معاهدون (٤٩)؟ » قلت: «نعم» فقال: «ما أرى هذا، وهذا غش».فرجعت إلى البهلول فأخبرته فقال: «يا بني، هو كما قال ابن فروخ».ثم قال: «ابن فروخ الدرهم الجيد وأنا الدرهم الستوق» (٥٠). قال سكن

стр. 215

الصائغ: فما عرفت أي شيء الدرهم الستوق، فسألت عنه فقيل لي الدرهم النحاس». ذكر (٥١) [أبو عثمان سعيد بن محمد أنه قال: حدثني من أثق به] (٥٢) أن روح ابن حاتم أرسل إلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء فلما جاءه، قال: [له] (٥٢): «بلغني أنك تريد الخروج علينا» فقال ابن فروخ: «نعم! » فتعاظم ذلك روح من قوله، فقال له [ابن] فروخ: «أرى ذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل مني» فقال له روح: «قد أمناك أن تخرج علينا أبدا». ثم عرض (٥٣) عليه القضاء فأبى من ذلك وامتنع، فأقعده في الجامع، وأمر الخصوم أن يكلموه (٥٤) وهو يبكي ويقول لهم: «ارحموني يرحمكم الله (٥٥)! ».ولما (٥٦) أبي من ذلك أمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع فإن هو قبل وإلا طرح من أعلاه، فصعد به إلى سطح الجامع. وقيل له: «تفعل (٥٧)؟ » قال: «لا! » وحلّ على أن يطرح. فلما رأى العزيمة جدا (٥٨)، وكان يظن أنه لن يطرح حقا (٥٩)، فقال: «قد قبلته»، فأجلس للناس وجعل معه حرس، فتقدم إليه خصمان فلما صارا بين يديه نظر إليهما، فبكى وطال بكاؤه فأقام طويلا باكيا، ثم رفع رأسه إليهما وقال: «سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما ولا تكونا أول مشئومين عليّ» فرحماه وقاما من بين يديه، فأعلم الحرس بذلك روحا، فقال: امضيا إليه فقولا له (٦٠): «فأشر علينا بمن نولّي (٦١) أو اقبل» فقال: «إن يكن أحد فعبد الله بن عمر بن غانم، فإني أراه

стр. 216

شابا له صيانة»، فقبل ذلك منه روح، وولّى عبد الله بن غانم القضاء. وكان ابن فروخ أشد الناس كراهة في القضاء: وكان يقول (٦٢): «قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلي القضاء؟ فقال لي: يا ابن فروخ، القضاء على ثلاثة أوجه (٦٣)، مثل رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولا، فما عسى أن يعوم يوشك أن يكلّ فيغرق، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيرا فغرق، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه في البحر فغرق من ساعته، فهذا يمنعني من القضاء والدخول فيه». وأرسل (٦٤) يزيد بن حاتم إلى ابن فروخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به؟ فقال: «ما أرى به بأسا»، وقال بحضرة الرسول: «يسألوننا (٦٥) عن دم البراغيث ولا يسألوننا (٦٥) عن دماء المسلمين التي تسفك! ». وعن (٦٦) عبد الله بن فروخ أنه خرج يوما يصلّي على جنازة فلما تابع رأى (٦٧) إسحاق ابن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ليضريها به، فنهشت الظبي ومزقت جلده، فلما انصرف من الجنازة لقي إسحاق ابن الأمير الذي كانت الكلاب معه فاستوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق، فما كناه ابن فروخ ولا زاده على أن قال له: «يا فتى، إني رأيتك آنفا تغري كلابك بشيء من البهائم. وما أحب لك ذلك، لأن النبي، ﷺ ، نهى عن ذلك (٦٨)» فقبل منه إسحاق وقال له: «صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرا» مكنيا له ومعظما، ثم قال: «والله لا فعلت ذلك بعدها أبدا» ثم مضى لوجهه.

стр. 217

ذكر (٦٩) محمد بن وهب (٧٠)، قال: حدثني عمران بن يحيى بن قادم (٧٠)، وكان جارا لابن وهب، قال: كنت أصحب ابن فروخ، وكان ابن فروخ ربما غسل الأموات الغرباء ومن لا أحد له تواضعا لله ورغبة منه في الأجر، وكان يتولى ذلك بنفسه ولا يوليه غيره. قال: فصليت يوما الظهر في الجامع ثم نظر إليّ عبد الله بن فروخ وقال لي: اتبعني، فاتبعته. ولم يزل يتسلسل في الأزقة حتى أتى/بعض خرائب (٧١) باب نافع. فدخل حجرة خربة ودخلت وراءه، فإذا رجل أسود ميت على مغسل، وإذا بقصرية مملوءة ماء وكساء أسود معلق على وتد. فتشمر عبد الله بن فروخ وجمع ثيابه إلى حجره (٧٢) ولم ينزعها. ثم قال لي: «يا ابن أم قادم، صبّ عليّ صبّا رفيقا»، قال: فصببت عليه فجعل يغسل حتى فرغ، ثم أخذ الكساء فكفنه فيه ثم وضعناه على سرير نعشه، ثم قال: «اخرج بنا إلى الطريق»، قال فحملناه حتى أخرجناه إلى الطريق فمر بنا رجل فقال له ابن فروخ: «الجنازة يرحمك الله»، قال: فحملناه وحمل معنا ابن فروخ حتى صلّينا عليه ودفناه. وكان (٧٣) الناس يتبركون بصحبة ابن فروخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من بيته، فإذا مشى مشى الناس معه، واغتنموا منه دعوة وذكرا وموعظة حتى [يأتي] (٧٤) الجامع، ثم يتشاغل بمسح رجليه خارج (٧٥) الجامع ويقول للناس: «ادخلوا رحمكم الله»، حتى لا يبقى من الناس الذين كانوا معه أحد، فإذا انفرد وبقي وحده، دخل ﵀. قال ابن قادم (٧٦): وخرج يوما من الجامع، فمر في زقاق بني غانم فنظر إلى دار [عبد الله بن عمر] (٧٧) بن غانم القاضي، وهو إذ ذاك على القضاء، ونظر إلى غرفة

стр. 218

مبنية بالطوب على بعض داره، فرفع رأسه إليها وردد النظر إليها ثم قال: «يا ابن غانم؛ ما ظننت أنه يبلغ بك الأمر إلى هذا كله! .»، وأقبل يتعجب من ذلك ويستعظمه. عن (٧٨) محمد بن سحنون قال: كانت المعتزلة تدّعي: «عبد الله بن فروخ عندنا». فأخبرني بعض أصحاب أبي، وكان قد صحب أبا خارجة (٧٩)، قال: نزل بنا أبو خارجة-وقد كنت أسمع أن ابن فروخ يرمى بالاعتزال-فسألته عن ذلك، فقال: من قال هذا؟ أنا حي، فو الله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت بهاتين العينين-ومس عينيه بإصبعيه-شابّا أعبد من ابن فروخ. ثم قال: والله لقد كنت معه حتى أتاه حيوس بن طارق فقال له: ما تقول في المعتزلة؟ فقال له: وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين، وفي يوم الدين، وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين! » فقال له حيوس بن طارق: لا تفعل فإن فيهم رجالا صالحين (٨٠). فقال: ويحك! ما أحسبك تخاف في نفسك [في قعود] (٨١) ولا في قيام من الناس. وهل فيهم رجل صالح؟ قال سحنون (٨٢). «مات رجل يقال له الرفّاء، [وكان] (٨٣) من أصحاب البهلول، وكان فاضلا فحضره ابن غانم وابن فروخ والبهلول، فأتي بجنازته وبجنازة ابن صخر المعتزلي، فصلّي على الرفاء ثم قدم ابن صخر المعتزلي، فقالوا لابن غانم: «الجنازة! » فقال: «كلّ حيّ ميت، قدموا دابتي»، ولم يصل عليه، فقيل لابن فروخ: «الجنازة! »، فقال مثل ذلك، وقام ولم يصل [عليه] (٨٣)، وقيل للبهلول: «الجنازة! »، فقال مثل ذلك فأخبر بلفظ كل واحد [من كان معه] (٨٣) من أصحابه، فكان [ذلك] (٨٣) مما عرف لابن فروخ، وبرئ مما كان يقال فيه (٨٤).

стр. 219

عن إبراهيم الجرمي، قال: «خاصم إلى ابن غانم رجل من «صدف» (٨٥) أعور، فقال له ابن غانم في بعض خصومته-إذ أمره بشيء، فقال له الصدفي: «قد سألت العلماء فقالوا خلاف هذا (٨٦)»: «والله ما رأيت بعينك هذه العوراء عالما قط».قال فأتى ابن فروخ فقال له: «يا أبا محمد، إني خاصمت إلى ابن غانم فقال لي شيئا، فقلت: إني سألت العلماء فقالوا لي كذا وكذا، فقال لي: والله ما رأيت بعينك عالما قط.وهذا أنت يا أبا محمد وغيرك من العلماء، فكيف يحلف على هذا؟ » فقال له ابن فروخ: «إنما العلماء الذين يخشون الله ، والعالم الذي قال فيه رسول الله ﷺ (٨٧): عليّ أقضى أمتي، وزيد أفرض أمتي، ومعاذ يأتي يتقدم العلماء»، فهؤلاء العلماء. وهذا من إشفاق ابن فروخ وتواضعه، لم ير نفسه أهلا أن يتسمّى بعالم. وكان (٨٨) ابن فروخ كثير التهجد، وكان تهجده في آخر الليل. قال أحمد بن يزيد (٨٩): «كان ابن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم، فإذا ذهب ما في أيديهم فتح حانوته».

стр. 220

٧٨ - ومنهم سعيد بن لبيد المعافري (**)، رحمه الله تعالى . يروى عن أبي قبيل المعافري أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: «إن خطيئة الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر». ٧٩ - ومنهم أبو زكرياء يحيى بن السلام (١) بن أبي ثعلبة البصري التيمي (*)، تيم ربيعة. مولى لهم، رحمة الله عليه. كان يحيى بن السلام يقول: «أحصيت بقلبي من لقيت من العلماء فعددت ثلاثمائة وثلاثة وستين عالما، سوى التابعين، وهم أربعة وعشرون، وامرأة تحدث عن عائشة رضي الله تعالى عنها». روى عنه جماعة بالمشرق والمغرب. وكان يقول: «كل من رويت عنه العلم فقد روى عني، إلا القليل منهم».ويذكر [عنه] (٢) أنه [قال] (٢): «روى عني من العلماء (٣) أربعة: مالك، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة»؛ ونسي الرابع. ذكر ذلك أحمد بن كدنة، عن أبي العباس بن حمدون.

стр. 221

وقال: «كتب عني مالك بن أنس ثمانية عشر حديثا». قال أبو العرب (٤): كان مولده سنة أربع وعشرين [ومائة].سكن القيروان وأقام بها مدة من الزمان، ثم خرج إلى المشرق فتوفي بمصر سنة مائتين ودفن بالمقطم بجوار /قبر عبد الله بن فروخ. ومن سنده عن عبد الرحمن بن ثوبان (٥)، مولى رسول الله ﷺ ، [عن رسول الله أنه قال (٦)] (٧): «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله [ ] (٧) شاكرا صابرا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله تعالى شاكرا ولا صابرا: من نظر إلى من فوقه في الدين ودونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله [سبحانه] (٧) شاكرا صابرا، ومن نظر إلى من فوقه في الدنيا ودونه في الدين فاقتدى بهما لم يكتبه الله [ ] (٧) شاكر ولا صابرا». ذكر فضله ومناقبه: أحمد بن محمد بن كدنة (٨) [قال]: سمعت محمدا بن يحيى يقول: «قال لي أبي-وأنا زميله في سفري إلى الحج-: يا بني، رويت ستة آلاف حديث، أو ثمانية آلاف حديث، لم يسألني عنها أحد ولم أحدث بها أحدا». قال (٩) أبو سنان زيد بن سنان: «أخذت بركابه، فركب، فقال لي: آجرك الله يا ابن أخي، أما إنه من أخذ بركاب أخيه المؤمن حتى يركب، حط الله عنه أربعين كبيرة» فقلت له: «يا أبا زكريا، إن هذا من العلم الشريف، ولكني أريد أن تخبرني بأفضل ما تقرب العباد به إلى الله » فقال: أخبرني زرّ (١٠) عن

стр. 222

أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يتقرب العباد إلى الله تعالى بأفضل من رد كبد جائعة» (١١). قال أبو العرب (١٢): سألت أبا يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام، خاليا، عن قول جده في الإيمان، فقال لي: كان جدّي يقول: «الإيمان قول وعمل ونية».وكان يحيى ثقة صدوقا لا يقول عن جدّه إلا الحق. وعن (١٣) أبي القاسم السدري، أنه كتب إليه عيسى بن مسكين يقول: حدثنا عون بن يوسف قال: قلت ليحيى بن السلام: «إن الناس يرمونك بالإرجاء»، قال عون: «فأخذ يحيى لحيته بيده وقال: أحرق الله هذه اللحية بالنار إن كنت دنت الله قط بالإرجاء»، فقيل لعيسى: «فما تقول أنت فيه؟ » فقال: «والله إنه لخير منا، وقد برأه الله مما يقولون». وفي موضع آخر: كيف وقد حدثتكم أنه بدعة؟ قال أبو العباس بن حمدون: «سمعت محمدا بن يحيى يقول (١٤): كنت أمشي مع أبي رحمه الله تعالى، إلى أن انتهينا إلى موقف الخيل (١٥)، فبينا نحن نمشي إذ جبذني جبذة (١٦) شديدة ثم دخل إلى سقيفة وأدخلني معه، فقلت له: يا أبي: ما قصتك؟ -فقال: يا بني إني (١٧) [رأيت] (١٨) غريما لي فخفت أن يراني فيرتاع مني أو يخاف، وذكرت قول الله تعالى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (١٩). فقعدنا ساعة، ثم خرج أبي فخرجت معه؛ فلما أن مشينا قليلا قال: يا بني، إنه جاء في الحديث: «من رحم يرحم».

стр. 223

أبو العباس تميم بن أبي العرب عن أبيه، قال (٢٠): [كان] (٢١) يحيى بن السلام من خيار خلق الله تعالى: دعا الله تعالى أن يقضي عنه الدين فقضى دينه، ودعا الله أن يورث ولده العلم فكان كما دعا. ودعا الله أن يكون قبره بمقطم مصر فكان ذلك. وقبره إلى جانب قبر ابن فروخ، وقيل إنه يرى عليهما كل ليلة قنديلان. قال سليمان بن سالم (٢٢): إنما نسب إلى يحيى بن السلام الإرجاء أن موسى بن معاوية الصمادحي أتاه فقال له: «يا أبا زكريا؛ ما أدركت الناس يقولون في الإيمان؟ » فقال: أدركت مالكا وسفيان الثوري وغيرهم يقولون: «الإيمان قول وعمل»، وأدركت مالك بن مغول (٢٣) وفطر (٢٤) بن خليفة وعمر بن ذر (٢٥) يقولون: «الإيمان قول».قال سليمان: فأخبر موسى سحنون بن سعيد بما ذكر يحيى عن عمر بن ذرّ وفطر (٢٤) بن خليفة ومالك بن مغول ولم يذكر له ما قال عن غيرهم، فقال سحنون: «هذا مرجئ». حدث عون بن يوسف (٢٦) قال: «كنت عند عبد الله بن وهب وهو يقرأ عليه، فمر حديث ليحيى بن السلام فقال: «امحه! » فقال عون، فقلت له: «لم تمحوه أصلحك الله؟ » فقال: «بلغني أنه يقول بالإرجاء» فقلت له: «فانا كشفته (٢٧) عن ذلك»، فقال لي: «أنت؟ » فقلت له: «نعم! » فقال لي: «فما قال لك؟ » قال: قلت له: «فقال: معاذ الله أن يكون ذلك رأيي، أو أدين الله به، ولكن

стр. 224

أحاديث رويتها عن رجال يقولون: «الإيمان قول» وآخرين يقولون: «الإيمان قول وعمل»؛ فحدثنا بما سمعنا منهم»، فقال لي ابن وهب: «فرّجت عنّي، فرج الله عنك».قال عون: «فلما قدمت القيروان-وكان يحيى باقيا (٢٨) بعد-أتاني فسلم عليّ وقال لي: «يا أبا محمد، قد بلغني محضرك فجزاك الله خيرا. والله ما قلت إلاّ حقا وما دنت الله به قط» (٢٩).

стр. 225

ذكر من كان في هذه الطبقة-وهي الطبقة الثانية- من أهل القيروان، من أهل العبادة والنّسك (١) ٨٠ - منهم أبو عبد الله محمد بن مسروق (*) -يعرف بالزاهد، رضي الله تعالى عنه . كان رجلا صالحا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، ترك الدنيا عن مقدرة رغبة منه فيما عند الله . ذكر ابن اللباد بإسناد يتصل «بسعيد الأدم» (٢) المتعبد بمصر أنه قال: «كان يقال إن رجلين كانا في الدنيا فزهدا فيها، وهما (٣) عمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسروق هذا».قال يحيى بن عمر: ومحمد بن مسروق هذا هو صاحب «المسروقين» (٤) التي على طريق «سوسة». عن علي بن مطلب قال: مسروق، والد محمد، خليفة موسى بن نصير بالمغرب، قال: فكان محمد بن مسروق يفتض كل يوم عذراء، فلما مات أبوه بات ينظر في كتبه وفي أمواله ومنازله، حتى أصبح فقال لجواريه: «من منكن تساعدني على أمر أريده؟ » فأجابته واحدة منهن إلى ذلك، فقال لها: «اثردي لي خبزا وزيتا، وقدميه لي عند إفطاري»، ففعلت ذلك، فلما أمسى قدمته إليه، فلم تساعده نفسه على أكله لما عهدته من الطعام الطيب، فقال لها: «غطيه وارفعيه»،

стр. 226

وأصبح صائما، ولم يأكل منه شيئا، فلم يأت الليل حتى اشتهاه وأكله. قال علي بن مطلب: وكان يمر (٥) بالقرية من قرى أبيه، فيخرج إليه أهلها ومن فيها فيقولون: «نحن عبيدك وكل ما (٦) [ترى] (٧) في هذه القرية فهو لك»، فيقول: «إن كنتم صادقين فأنتم أحرار ومالكم لكم».ثم انخلع من جميع ذلك ومما ترك أبوه، ولم يتلبس منه بشيء. قال أبو الربيع سليمان بن داود (٨): ثم رحل محمد بن مسروق هذا من إفريقية، فقدم إسكندرية، فدخل عليه أبو شريح المتعبد الإسكندراني (٩)، فوجده راقدا على لبد وبين يديه شقفة (١٠) فيها رماد يبصق فيها، وجارية جالسة في بيته تغزل. قال: فجعل ابن شريح يعزيه ويبشره، فقال له ابن مسروق: «والله يا أبا شريح، لو أجد عن الله مهربا لهربت»؛ وهذا من فرط إشفاقه وخوفه من الله . ٨١ - ومنهم أبو عيسى مروان بن عبد الرحمن اليحصبي (*)، رضي الله تعالى عنه . كان من أهل الفضل والدين والزهد والعبادة. روى عنه ابن وهب وإدريس بن يحيى وغيرهما. سليمان بن سالم قال: [قال] (١) سحنون: «كان أبو عيسى اليحصبي رجلا صالحا ناسكا، وكان لا ينام أكثر ليله، لشغله بصلاته وإقباله على مناجاة (٢) ربه جل وعلا».

стр. 227

[وعن] (٣) يحيى بن عمر، قال: [حدثني] (٣) أبو الربيع سليمان ابن داود بن أخي رشدين بن سعد (٤)، قال: قدم ابن الخنّاق (٥) الإسكندرية بمراكب قمح فاستبشر لها أهل الإسكندرية وفرحوا بها، قال: فلما وصل بها خزنها، فحزن الناس لذلك، وأتوا إلى أبي عيسى مروان الناسك، فقالوا: «يا أبا عيسى، نحن في ثغر من ثغور المسلمين، وقد قدم ابن الخنّاق (٥) بطعام واحتكره علينا»، قال: فلما صلّى العصر وفرغ من دعائه قال: «اللهم إن فلانا قدم علينا بمراكب موسوقة كأنها إبل مقطورة (٦)، وزعم أنه لا يبيع الطعام إلا بكذا وكذا، اللهم فبعه عليه ثلاثة أرادب (٧) وأربعة أرادب وخمسة أرادب».قال أبو الأصبغ: فأخبرني من وقف عليه وهو يباع إلى آخر ما انتهى إليه دعاء أبي عيسى. زياد بن سفيان (٨)، قال: سرق رجل حمار أبي عيسى، فكان يقول في دعائه: اللهم وصاحب الحمار فتب عليه! قال: فلما كان بعد ذلك إذا برجل قد جاء فسلم عليه، فقال له: «[من] (٩) أنت رحمك الله؟ » قال: «أنا والله سارق الحمار، فاجعلني في حلّ، وهذا حمارك. حدث «سعيد الأدم» عن سكر الناظرين (١٠) قال: كنت مع أبي عيسى مروان بإفريقية قبل انتقاله إلى الإسكندرية، وكان يقال إنه مجاب الدعوة، فأخرج دينارا يشتري به طعاما في سنة مجاعة وشدة، فلقي سائلا يقول: (مَنْ [ذَا] الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً؟ ) (١١) فقال في نفسه: «لك ثلثه» فجاءه إبليس فوسوس إليه وقال له: «وما عسى أن يقع منك ثلثه في هذا الغلاء؟ » فأراد أن يرغم الشيطان، فقال في

стр. 228

نفسه: «لك ثلثاه (١٢)» قال: فجاءه إبليس ووسوس إليه وقال له: «وما عسى أن يقع منك ثلثاه (١٢)؟ » قال: فأعطى السائل الدينار كله. ثم عمد إلى جرابه فملأه نشارة، ثم جاء به إلى زوجته، فألقاه إليها ثم مضى إلى المسجد. فأقام فيه حتى صلّى العشاء الآخرة، ثم أقام في المسجد حتى ظن أن عياله قد ناموا ثم انصرف إلى منزله، فرأى أثر نار فقالت له زوجته: «يا أبا عيسى، لقد جئتنا اليوم بجوارى (١٣) ما رأينا مثلها قط! » فلما أصبح قال: «يا سكر الناظرين (١٠)، تعال حتى أطعمك من طعام لم يزرعه زارع ولم يحصده حاصد». ٨٢ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد (١) السوسي (*)، رضي الله تعالى عنه. كان رجلا صالحا فاضلا ورعا متجردا من الدنيا زاهدا فيها. أصله من السوس الأقصى ثم انتقل إلى إفريقية، فسكن القيروان وأوطنها، وصحبه البهلول بن راشد وانتفع به هو وغيره من أهل القيروان. يحيى بن عمر [قال] (٢)، قال إبراهيم بن شيبان (٣): صحبت أبا عبد الله السوسي ثلاثين سنة، فدخلت [عليه] (٤) يوما وهو يأكل، [فقال: ادن فكل] (٤)، فقلت له: «بعد ثلاثين سنة، لم تدعني إلى طعامك إلا اليوم! » فقال لي: «إن النبي ﷺ قال

стр. 229

لي في منام رأيته: «لا يأكل طعامك إلاّ كلّ تقي (٥)».ولم يتبين لي تقاك إلا اليوم». قال يحيى بن عمر: وكان محمد السوسي يقول: «الفقير إذا سافر يحتاج إلى أربعة أشياء: علم يحرسه، ووجد (٦) يحمله، وورع يسوسه، وذكر يؤنسه». قال: وسئل عن الزهد، فقال: «الزهد تجريد القلوب ونزوع اليقين (٧) بالانصراف سرا وجهرا». وكان ينادي إذا جنه الليل (٨): «اللهم إني أسألك بيد أضرعتها إليك [ذلّة] (٩) الافتقار، أن توصلني بفضلك إلى عزّ كلّ كرامة. وأنا إلهي في خناق خشيتك (١٠) مأسور (١١)، أنتظر ما يرد عليّ من فضلك ورحمتك، يا أرحم الراحمين». ثم خرج أبو عبد الله السوسي من القيروان إلى المشرق، فتوفي بالطور (١٢)، رضي الله تعالى عنه. ٨٣ - ومنهم أبو حفص عمر (*) بن عبد الله الفتّال (١)، من الأبدال (٢). وكان من فضلاء المؤمنين، ومن الأصفياء المجتبين. عن عبد الله بن الوليد، صاحب سحنون: كان أبو حفص قد جعل على نفسه ألا يضحك أبدا ولا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا، فما رئي ضاحكا ولا مضطجعا

стр. 230

ولا آكلا سمينا، حتى مات رحمه الله تعالى. قال عبد الله بن الوليد (٣): «أصاب الناس ريح وظلمة، فخرج الناس إلى الجامع فوجدوه ساجدا وهو يبكي ويقول في سجوده: «اللهم احفظ محمدا ﷺ في أمته، ولا تشمت بنا أحدا من الأمم، وإن كنت أخذت القوم (٤) بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك» (٥). وكان يقول في مناجاته: «إلهي، أسألك مسألة مدهوش بهره وقار جلالك، وأسألك حيرة لبيب حصرته (٦) رؤية إفضالك، وأسألك إطراق مفكر لا يدري ما الجواب وقد تقدم/إليه إعذارك، وأسألك إخبات خاشع قد ملك عقله إعظامك، وأسألك قلق الوجلين وروعة الخائفين وخلوة المستكينين، وأسألك دمعة مشربها (٧) من ماء معين، لا يفنى مددها، ولا تنفد مجاريها الأحزان، كمثل شجرة (أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) (٨). وكان يقول (٩): «اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك حبا لك وشوقا إلى رؤية وجهك الكريم في الجنة، فأبحنيه مرة في الجنة واصنع بي ما شئت». وكان كثيرا ما يقول: «نزلنا حيث رحل الناس». ٨٤ - ومنهم أبو سليمان ربيع بن عبد الله الناسك (*)، رضي الله تعالى عنه . كان من أهل الفضل والدين. تخلى عن الدنيا وتجرد منها وسلك طريقة أهل الصدق في الانقطاع إلى الله ، وكان كثير السياحة والتغرب عن الأوطان، وسكن «جبل اللّكام» (١) بالشام، وصحب الأبدال.

стр. 231

قال (١٢) أبو سليمان: سلكت طريق (١٣) «تبوك» (١٤) فاستوحشت، فهتف بي هاتف وهو يقول: «يا هذا، نقضت العهد. لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ ». وقال أبو عبد الله الزاهد (١٥)، وكان قد صحب ربيعا هذا، قال: «مرض ربيع مرضة فاشتهى الرمان، فطلب له بكل وجه، فلم يوجد، فخرج إلى البحر فاستقبل القبلة ودعا، فأتاه آت بسبع رمانات، فوضعهن في حجره. وانصرف». ٨٥ - ومنهم مسافر بن سنان الواعظ (*)، رضي الله تعالى عنه . كان رجلا صالحا فاضلا يجتمع إليه الناس للذكر والمواعظ، فانتفع به وعلى يده جماعة من الناس. قال سليمان بن سالم في «مجالسه» (١): كان مسافر بن سنان بالقيروان، وذكر مواعظه، ثم قال: لقد أخبرني يحيى بن زكريا بن الحكم (٢) عن أبيه، قال: قلت للبهلول بن راشد: «يا أبا عمرو (٣)، أرأيت هذه القراءة التي تقرأ عندك، أشيء رويته عن السلف فنرويه عنك، أم شيء رأيته؟ » فقال لي: «ما أخذته عن أحد، إلا أني كنت عند معلمي (٤) أخيط (٥)، وكان يرسلني، فكنت أمرّ على مسافر بن سنان في المسجد

стр. 232

الجامع وهو يذكّر الناس ويعظهم وقوم من القراء يقرءون، فأقف عليه وأستحلي سماع ذلك فأبطئ على معلّمي. فحاسبت نفسي وقلت: لا يسوغ لي هذا ولا يسعني ذلك لأني مستأجر. فكنت آخذ من معلّمي طريحة (٦) أعملها بأجرة معلومة، وأسقطت العمل بالأيام. فكنت أعمل طريحتي فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلس مسافر فأسمع ما يجري في مجلسه من المواعظ والذكر فانتفعت بذلك، وبقيت (٧) حلاوة تلك المجالس في قلبي ومنفعتها إلى الآن». قال البهلول: «وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت قراءتهم، وإن غابوا لم أرسل وراءهم». قال أبو بكر: ولم أجد لمسافر هذا خبرا ولا أثرا أنقله عنه. ذكر الطبقة الثالثة ٨٦ - منهم البهلول بن راشد الحجري (١) الرعيني (*)، مولى لهم. فضله أشهر من أن يذكر. سمع من مالك والليث وسفيان (٢) والحارث بن نبهان (٣) ويونس بن يزيد، وسمع بإفريقية من ابن أنعم وموسى بن علي بن رباح.

стр. 233

سمع منه سحنون وعون بن يوسف وأبو زكريا الحفري وعبد المتعالي (٤)، وسمع منه يحيى بن السلام حديثا واحدا. وروى عنه عبد الله [بن] (٥) مسلمة القعنبي، قال القعنبي: حدثني البهلول: «وهو وتد من أوتاد المغرب (٦)».وروى عنه مسلم بن الحجاج في «سننه» (٧)، وذكر ابن الجهم (٨) عن يزيد الفقير (٩) أنه روى عنه، قال: لقيته بالمغرب، قال: وكان حسن الهيئة، ذكر ذلك ابن الجهم في «كتاب الجزية» (١٠). كان مولده ومولد عبد الله بن غانم وعبد الرحمن بن القاسم في سنة واحدة، سنة ثمان وعشرين ومائة. وتوفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وثمانين ومائة، بعد وفاة علي بن زياد بخمسة وثلاثين يوما، ودفن «بباب سلم» وقبره هناك مشهور (١١). وألف ديوانا في الفقه. [و] (١٢) الغالب عليه (١٣) مذهب مالك، وربما مال إلى قول الثوري.

стр. 234

ومن بعض ما يتصل بنا إسناده ما حدثنا عن أبي سعيد الخدري أن (١٤) رسول الله ﷺ خرج من بعض بيوته إلى المسجد فلم ير فيه أحدا، فسمع في زاوية من زوايا المسجد صوتا فأتاهم فقال لهم: «الصلاة تنتظرون؟ أما إنها صلاة لم تكن في الأمم قبلكم، وهي العشاء الآخرة».ثم نظر إلى السماء فقال: «إن النجوم أمان السماء، فإذا انطمست [النجوم] (١٥) أتى السماء ما توعد (١٦). وأنا أمان لأصحابي فإذا أنا مت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمان لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».قالوا: «يا رسول الله، وما يأتيهم؟ » قال: «التفاخر، والتكاثر، وقول الأبرار (١٧)، وعمل الفجار، وتأتلف ألسنتهم وتختلف قلوبهم، يظهر بينهم السّقّارون (١٨)».قالوا: «يا رسول الله، وما السّقّارون (١٨)؟ » قال: «قوم تكون تحيتهم التلاعن فالعنوهم، لعنهم الله». ذكر فضله ومناقبه: فمن ذلك ما حدث به الشيخ الفقيه أبو عبد الله بن الأجدابي (١٩)، رحمه الله تعالى، عن سليمان بن سالم، قال (٢٠): نظر مالك إلى البهلول فقال: هذا عابد بلده. ونظر إلى عبد الله بن غانم فقال: هذا قاضي بلده. ونظر إلى عبد الله بن فروخ فقال: هذا فقيه بلده. فكان كما قال. وكان البهلول من الفقهاء لكن غلب عليه العبادة، وابن غانم فقيه لكن لما ولي القضاء غلب عليه اسمه.

стр. 235

وذكر (٢١) «حمديس» أنه سمع سحنونا يقول: كان البهلول [بن راشد] (٢٢) ورباح بن يزيد، وكان الذكر لرباح، فلما مات عاد الذكر للبهلول. وما ذاك إلا من خبيئة (٢٣) كانت للبهلول. وقال سحنون (٢٤): مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في الأرض /العذبة يزرع عليها صاحبها زرعا فينتفع به، ومثل العلم الكثير في الرجل غير الصالح (٢٥) مثل العين الخرارة في الأرض السبخة تهدر (٢٦) الليل والنهار لا ينتفع بها. وكان سحنون يقول على إثر هذا: [هذا] (٢٧) البهلول كان رجلا صالحا ولم يكن عنده من الفقه ما عند غيره. نفع الله تعالى به. وذكر رجلا آخر صحب السلطان فقال: إنه بحر من البحور ما نفعه الله بعلمه (٢٨). وكان سحنون يقول (٢٩): إنما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء والصلاة خلفهم بمعلّمي البهلول. أبو عثمان سعيد بن الحداد: ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من رجلين: بهلول في وقته وسحنون في وقته. وعنه، قال (٣٠): أقبل أبو محرز إلى بهلول يعوده فلما انتهى إلى درب البهلول الذي فيه داره قيل للبهلول: أتاك أبو محرز لعيادتك. فقال: قولوا له: إن كنت على رأيك فلا تقربنا.

стр. 236

عن أبي عثمان (٣١) قال: سمعت أبي يقول: مررت بسقيفة العراقي وهم يتناظرون في الاعتزال، فوقفت أسمع منهم مناظرتهم، فبلغ ذلك البهلول. فلما جئته قال: «يا محمد، بلغني أنك مررت بسقيفة العراقي فوقفت إليهم تسمع إلى مثل هذا، فلا تقربني».وأغلظ عليّ. قال سحنون (٣٢): ولقد أتيت يوما إلى البهلول فوافاني رجل من أهل الأهواء على بابه، وسألني عن الشيخ، فما رددت عليه جوابا، والشيخ يسمع ذلك، فلما دخلت على الشيخ سلّمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، وأعرض عني، فلما خرج الناس من عنده تقدّمت إليه، فجثوت على ركبتيّ بين يديه، فقلت له: «ما خبري وما قصتي؟ » فقال: «يسلّم عليك رجل من أهل الأهواء ويسألك عني! » فقلت له: «والله ما رددت عليه جوابا» قال، فقام (٣٣) لي عند ذلك وقال لي: «مرحبا وأهلا»، وسلم عليّ وقال لي: «إن هذا الذي أمرتك به تعرف به الحق من الباطل». وقال بعض أصحابه: كنت يوما جالسا عنده ومعه رجل عليه لباس حسن وهيئة، فقال له البهلول: «أحب أن تذكر لي ما تحتج به القدرية».فسكت [الرجل] (٣٤) حتى تفرق الناس ثم قال له: «يا أبا عمرو؛ إنك سألتني عما تحتج به القدرية، وهو كلام تصحبه الشياطين، لأنه سلاح من سلاحهم، فتزينه في قلوب العامة، وفي مجلسك من لا يفهم ما أتكلم به من ذلك، فلا آمن أن يحلو بقلبه منه شيء، فيقول: سمعت هذا الكلام في مجلس البهلول».فقال له: «والله لأقبلنّ رأسك، أحييتني أحياك الله». سعدون بن أبان (٣٥)، عن دحيون، قال: كنت بالمدينة فإذا برجل يسأل ويقول: «أها هنا أحد من أهل إفريقية؟ » فقلت له: «أنا! » فقال: «من أهل القيروان؟ » قلت: «نعم» قال: «أتعرف البهلول [بن راشد] (٣٦)؟ » قلت: «نعم»، قال: فدفع إليّ كتابا وقال: «أوصله إليه».فدفعت إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه:

стр. 237

[من امرأة] (٣٦) من أهل سمرقند خراسان، «إني امرأة مجنت مجونا لم تمجنه إلا هي» قالت: «ثم إني تبت إلى الله وسألت عن العبّاد (٣٧) في أقطار الأرض، فوصف لي أربعة، بهلول بإفريقية رابع الثلاثة. فسألتك بالله يا بهلول إلا سألت الله أن يديم لي ما فتح لي فيه»، قال: فسقط الكتاب من يده وخر على وجهه، فما زال يبكي حتى لصق الكتاب بطين دموعه. ثم قال: «يا بهلول؛ سمرقند (٣٨) خراسان! الويل لك يا بهلول من الله إن لم يستر الله تعالى عليك يوم القيامة! ». وبإسناده (٣٩) عن [أبي] (٤٠) عثمان قال: «بلغني أنه كان عند البهلول طعام، فغلا السعر فأمر فبيع له، ثم أمر من يشتري له ربع قفيز (٤١)، فقيل له: «تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس، ونحزن إذا حزنوا». قال أبو زرجونة (٤٢): استقفيت (٤٣) ليلة جمعة وضربت بمقرعة، فأخبرت البهلول من الغد، فقلت له: إني استقفيت (٤٣)، ونزعت عني أسمالي. قال، فأكبّ عليّ يسألني أن أجعل من فعل ذلك [بي] (٤٤) في حلّ، فقلت له: يا أبا عمرو؛ فعلوا بي وفعلوا، وأجعلهم في حلّ؟ فقال: أيسرك أن يحال بين أخيك المسلم وبين الجنة بسببك؟ قال: فلم يزل يلطف بي ويسألني، حتى جعلتهم في حلّ». وعن رجل من أصحاب البهلول، قال (٤٥): جئت إلى البهلول وبين يديه ابنته

стр. 238

وعليها ثياب مصبّغة (٤٦) وهي طفلة، فقال: «ما أحببت (٤٧) شيئا حبّي لها، وإني أحبّ لو قدمتها».فانصرفت عنه، ثم عدت إليه فأصبت الناس (٤٨) مجتمعين على بابه، فقلت: «ما للناس (٤٩)؟ » فقيل لي: «توفّيت ابنة البهلول» فدخلت إليه، فلما عزّيته وولّيت عنه، لحقني فقال لي: «سألتك بالله، لا تذكر لأحد ما كان مني ما دمت حيا»، يريد ما كان منه في تمنيه في صدر ذلك اليوم لموت ابنته، فقلت له: «والله لا ذكرته ما دمت حيا». حدث (٥٠) أحمد بن إبراهيم، قال: «دفع بهلول دينارين إلى رجل وأمره أن يشتري له بهما زيتا من الساحل يستعذبه (٥١) له، فلما انتهى الرجل إلى الموضع سأل عن الزيت العذب فذكر له انه عند رجل نصراني، وليس بالموضع زيت أعذب منه، فانطلق إليه فسأله أن يبيع منه بالدينارين، وقال: إنما أردته للبهلول. فقال له النصراني: «فنحن نتقرب إلى الله بالبهلول كما تتقربون به إلى الله تعالى»، فأعطاه بديناريه من ذلك الزيت الذي ليس بالموضع أعذب منه مقدار ما يباع بأربعة دنانير من الزيت الدون (٥٢)، ثم قدم على بهلول فأخبره بجميع ما صنع مع النصراني، وما سمح له به، وما قال له. فقال له البهلول: «قد قضيت حاجة فاقض الأخرى: اردد عليّ الدينارين. فقال له الرجل: «ولم، أصحك الله؟ » قال: «ذكرت قول الله : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُاادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٥٣)، فخشيت أن آكل من زيت النصراني فتحدث له مودة في قلبي، فأكون ممن وادّ من حادّ الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير».

стр. 239

عن أبي عثمان (٥٤) /قال: أتى هرثمة بن أعين، وهو والي إفريقية، إلى البهلول برجاله وألويته. وكان في مسجده مستندا إلى عمود، فمال هرثمة عن السرج لينزل، فلما رآه لم يرفع رأسه إليه ولم ينهض إلى القيام، رجع إلى سرجه وقال لبعض أعوانه: «ادفع هذا المزود (٥٥) الدراهم إليه، وقل له: يأمرك الأمير أن تفرقه، فقال له البهلول: «قل له أنت أعرف بموضعه مني» وأبى أن يقبله. عبد الله بن سعيد الحداد، عن أبيه عن جده، قال (٥٦): كان لقوم من النخّاسين (٥٧) على بهلول عشرون دينارا، وكان لبهلول مع دحيون عشرون مثلها، فوقف ببهلول سائل، فقال لدحيون: «ادفع إليه دينارا من العشرين»، ثم أقبل إلى بهلول أصحاب العشرين، فقال لهم بهلول: «حضر منها تسعة عشر دينارا» ثم قال لدحيون: «عدّها عليهم»، فعدّها، فأصاب عشرين دينارا، فقال لبهلول: «أراها عشرين! » فقال له بهلول: «لا إله إلا الله! أراك لا تحسن العدد (٥٨)»، وإنما قال هذا مخافة أن يظهر الله تعالى عليه هذا الأمر. ومما يسند هذه الحكاية (٥٩): أن عامر بن [عبد] (٦٠) قيس كان يأخذ عطاءه فيجعله في ردائه، فلا يلقى أحدا من المساكين فيسأله إلا أعطاه، فإذا دخل على أهله رمى به إليهم، فيعدّونه، فيجدونه سواء كما أعطيه (٦١).

стр. 240

ابن الحداد قال (٦٢): «حدثتني أمي عن غزيل سرية البهلول قالت: أقمت مع البهلول ثلاثين سنة فما رأيته نزع ثوبه عن جسده قط، ولا رأيته مصلّيا نافلة قط.كان يأتيني فيرقدني كما ترقد الأم ابنتها، ثم يدخل المرحاض، فيتهيأ للصلاة، ثم يصعد إلى غرفته (٦٣) فيغلقها بيني وبينه، فما كنت أدري أحيّ هو أو ميت؛ غير أني كنت أسمع سقطته من آخر الليل، فأظن أنه استثقل نوما فسقط». حدث بعض مشايخنا قال (٦٤): دخل معتّب (٦٥) بن رباح على البهلول في مسجده فقال له البهلول: «يا أبا أحمد، ما جاء بك؟ » فقال: «يا أبا عمرو، قد عزمت العام على الخروج إلى الحج» فقال له: «يا أبا أحمد، أما كنت حججت؟ » فقال: «نعم، قد حججت، ولكني اشتقت إلى بيت الله الحرام وإلى قبر النبي ﵊»، فقال له البهلول: «فكم هيّأت لخروجك؟ » فقال: «مائة دينار» فقال له البهلول: «فهل لك أن تأتيني بها، فأصرفها في مواضع، وأضمن لك على الله عشر حجج مقبولة؟ » فقام معتّب (٦٥) سريعا فأتى بالصرة، فأفرغها البهلول تحت جلد كان قاعدا عليه، وقعد معتّب (٦٥) بن رباح، فلم يزل يدخل الرجل فيعطيه خمسة، وآخر يعطيه ثمانية، وآخر يعطيه عشرة، فواحد يقول له: «تزوج منها، وعش بالباقي»، وآخر يقول له: «وسّع (٦٦) بها على عيالك وصبيانك»، وآخر يقول له: «استر بها وجهك»، فلم يقوما (٦٧) حتى نفدت المائة. وكان «بالسدرة» (٦٨) بالقيروان رجل صالح يقال له أبو سليمان الأعمى، وكان من أهل الدين والفضل، وكان ربما أدلج إليه صقلاب بن زياد الهمذاني (٦٩) ودنيج (٧٠) وأبو

стр. 241

الغصن، وهم من أصحاب البهلول، يتبركون بالصلاة خلف أبي سليمان، فأخبر أبو سليمان أنه أتاه آت في تلك الليلة، فقال له: «يا أبا سليمان، امض إلى معتّب بن رباح فاخبره أن الله، ﵎، قد وفى له بما ضمنه له بهلول».قال أبو سليمان: «فغلب عليّ النوم، ثم أتاني الثانية فقال: يا أبا سليمان، امض إلى معتّب الساعة، قبل أن يطلع الفجر، فاخبره أن الله وفاه ما ضمن له البهلول» فقام أبو سليمان تلك الساعة، فأتى إلى باب معتّب بن رباح، فدق عليه الباب، فخرج إليه معتّب فقال: «يا أبا سليمان، ما جاء بك في هذه الساعة؟ » فقال: «أرسلت إليك أخبرك أن الله قد وفى لك ما ضمن لك البهلول عند (٧١) الله تعالى». عبد الله بن الوليد (٧٢) [قال: كان عند البهلول] (٧٣) شاب يطلب عليه العلم، ثم أقبل على المجانة، فأعلم البهلول بذلك، فساءه ما بلغه، فبينما هو يوما جالس (٧٤) إذ خطر به الشاب وتحت ثوبه طنبور، فقيل للبهلول: «انظر أصلحك الله إليه وإلى ما تحت ثوبه! » فتأمله البهلول، فعرف تصديق (٧٥) ما قالوا، فقال للقائل: «لعله إنما ذهب به ليكسره! » فلما كان بعد ذلك بقريب مضى البهلول بنفسه إلى دار الشاب، فقرع الباب، فقالت له أمه: «من هذا؟ » فقال لها: «بهلول»، فقالت له: «ما تريد؟ » قال: «ولدك! » فلم يزل به حتى خرج عليه الشاب، فسلم البهلول عليه وقال له: «يا ابن أخي، ما لك اشتغلت عنا؟ أكل هذا زهادة منك في الخير؟ » وأخذ يعظه ويرفق به ويتعاهده بذلك، حتى رجع الفتى عما كان عليه من المجانة، وعاود مجلس البهلول، وكان له شأن، ونفعه الله تعالى ببهلول وصحبته. وذكر (٧٦) عنه رحمه الله تعالى أنه صنع طعاما، وأحضر له جماعة من أصحابه،

стр. 242

فقالوا: «يا أبا عمرو، لم صنعت هذا الطعام، وليس عندك شيء يصنع لأجله الطعام؟ » فقال: «إني كنت خائفا من أن أكون من البربر، لما جاء فيهم [من] (٧٧) الحديث (٧٨)، فسألت عن أصلي من يعلمه، فأخبرت أني لست من البربر فأحدثت لذلك هذا الطعام شكرا لله ، إذ لم أكن من البربر». وحضر (٧٩) يوما عند المغيب في دار ابن غانم، وكان شهر رمضان، فقرب الماء لغسل يد من كان حاضرا عنده، فغسلوا وغسل البهلول يده، ووضعها على المائدة ولم يأكل، فقال له ابن غانم: «ما لك لم تأكل، أما كنت صائما؟ » فقال له البهلول: «سبحان الله! ألا أصوم رمضان؟ » فقال له ابن غانم: «أفسلطان أنا، طعامي حرام؟ » فجعل البهلول يعتذر/إليه ويقول: «طعامك لا أجد في بيتي مثله، وإن تكلّفته شق ذلك عليّ إلى أن فرغ الناس من الأكل، كل ذلك لا يزيده على هذا الاعتذار (٨٠). وكان ﵀ متواضعا: حدث أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبّي (٨١) قال (٨٢): بلغني أن رجلا قال لبهلول: «يا بهلول، يا مرائي! » قال، فقال له بهلول: «قد أخبرتها بذلك-يعني نفسه- فأبت عليّ ولم تقبل مني، فاجتمع عليها شهادتك وعلمي بها، فشهادة اثنين خير من شهادة واحد». أبو زكريا الحفري قال (٨٣): «كنت عند بهلول وهو يتفلّى، إذ أقبلت امرأتان فقالت إحداهما للأخرى: «أتريدين أن أريك بهلولا؟ » -فقالت لها صاحبتها:

стр. 243

«نعم»، فقالت لها: «هذا الذي يتفلّى»، فقالت: «لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» (٨٤). قال أبو زكريا: فأقبل عليّ بهلول فقال لي: «أتريد أن أريك من عرفني هذه المرأة التي عرفتني؟ ». وسأله (٨٥) سائل عن مسألة، فأجابه، وقال: اذهب إلى الفارسي-يعني ابن فروخ-فذهب السائل إليه فأجابه بمثل جواب البهلول، فانصرف الرجل إلى البهلول فسأله فيها أيضا، فقال له البهلول: أليس قد دللتك (٨٦)؟ قال: بلى، وقد أجابني. فقال له البهلول: فلعلك تفضل بعض الناس على بعض؟ والله لو كانت للذنوب رائحة ما جلست إليك ولا جلست إليّ. أبو سنان قال (٨٧): «سمعت البهلول يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله ﵎ العلماء فضرب عليهم بسور من نور ثم يقول: «إنّي لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم. تعافوا وادخلوا الجنة».قال أبو سنان: فقيل للبهلول: «ما معنى تعافوا؟ » فقال: «قول بعضهم في بعض: فلان ليس يعرف شيئا» (٨٨). وقال (٨٩): «ما أعمال البر كلها عند الجهاد في سبيل الله تعالى إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد عند طلب العلم إلا كبصقة في بحر». روى عن البهلول أنه كان يقول (٩٠): بينما رضوان واقف على باب الجنة إذ سمع فيها حركة، فقال: «يا رب، خلقت هذه الدار وجعلت مفاتيحها بيدي وما ظننت أن أحدا يدخلها بغير علمي»، فأوحى الله إليه: «يا رضوان، هؤلاء قوم عبدوني في الدنيا سرّا فأدخلتهم الجنة سرّا لئلا يروا أهوال يوم القيامة».

стр. 244

دعاء: وكان رحمه الله تعالى كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء. قال عبد الله: «رأيته بخط محمود المتعبد بالمنستير وهو: «اللهم (٩١) إني أسألك باسمك العظيم الأعظم وأسألك باسمك الكبير الأكبر. يا الله، يا الله، يا الله. أنت نور كلّ نور، بنور وجهك، وأنت نور السموات والأرض، أسألك يا كريم، يا فتاح، يا فتاح، يا فتاح، يا قادر، يا قادر، يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، يا حليم، وبنور وجهك يا حليم، [وبنور وجهك يا حليم] (٩٢)، أسألك أن توجب لنا رضوانك الأكبر، والدرجات العلى من الجنة، وتعفينا من النار، ومن سخطك؛ وتمن علينا بحفظ كتابك حتى [نتلوه على الوجه الذي يرضيك] (٩٢) عنّا». قال البهلول: وإياك أن تدعو به في شيء من أمور الدنيا، اللهم إني قد بلغت». وكان، رحمه الله تعالى، يقول في دعائه: «اللهم رضّني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت». ذكر محنته رضي الله تعالى عنه: كان (٩٣)، رحمه الله تعالى، في زمان محمد بن مقاتل العكي أمير إفريقية (٩٤)، وكان يلاطف الطاغية (٩٥) ويبعث إليه بالألطاف ويكافئه الطاغية، فكتب الطاغية إلى العكّي أن أبعث إليّ بالنحاس والحديد والسلاح، فلما عزم العكّي على ذلك وأن يبعث إليه بما طلب (٩٦)، لم يسع البهلول السكوت، فتكلم وعارض العكّي، ووعظه، لتزول عنه الحجة من الله ، فلما ألح عليه في ذلك بعث العكّي إليه فضربه. وقيل: إنه لما قيده ومدّت رجلاه للقيد قال البهلول: إن هذا الضرب من البلاء الذي لم أسأل الله العافية منه قط.

стр. 245

وقيل: إنه لما بعث وراءه ليضربه تحاشد إليه الناس والجماعات، فزاد العكّي ذلك حنقا عليه، فأخرج إلى الناس أجناده ففرقوهم، وأمر بتجريده وضربه، فرمى عليه بأنفسهم جماعة، فضربوا. ثم ضرب أسواطا دون العشرين، وحبسه ثم أخرجه فبرأ الضرب من جسمه إلا أثر سوط واحد فنغل (٩٧)، فكان سبب موته. بهلول قال (٩٨): «أقمت ثلاثين سنة أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» فلما كان يومي مع العكّي أنسيت أن أقولها، فابتليت به». قال أبو عثمان: وإني لأقولها كل صباح خمسين مرة وكل مساء خمسين مرة منذ كم شاء الله من الدهر، إنما أفتح عيني إليها بروعة. أبو زرجونة، قال (٩٩): لما ضرب بهلول دخلت عليه، فبينا أنا عنده إذ سمعت بكاء رجل داخل من الباب وهو يبكي، فإذا هو عبد الله بن فروخ (١٠٠)، فأتى فجلس قدام بهلول وهو يبكي، فقال له بهلول: «سبحان الله يا أبا محمد، ما يبكيك؟ » قال: «أبكي لظهر ضرب في غير حق»، فقال له: «يا أبا محمد، قضاء وقدر». قال أبو زرجونة (١٠١): فنحن جلوس حتى أرسل إليه العكّي بكسوة وكيس، فأبى البهلول أن يقبله ورده مع الرسول، فردّ العكّي الرسول إليه وقال له: «يقول لك العكّي: «إن كنت لم تقبل مني فاجعلني في حلّ»، فقال له البهلول: «قل: له ما حللت يدي من [العقالين] (١٠٢) حتى جعلتك في حل» فاغتم العكّي لذلك وندم. ونظر العكّي إليه من حيث لا يشعر البهلول فجعل يقول/: «تبارك الله، كأنه والله سفيان الثوري».

стр. 246

وكان (١٠٣) لباس البهلول قلنسوة حبر (١٠٤) وساجا طرازيا وقميصا تستريا ونعلا طائفيا (١٠٥). عن أبي جعفر أحمد الكوفي، الذي كان يسكن «بالمنستير» قال (١٠٦): كنا مع بعض الخلفاء في غزاة. وكنا معه من أهل الثغور اثنا عشر ألف فارس، وكان يقضي لنا كل يوم حاجتين نكتب بهما إليه في رقعة يوصلها الحاجب إليه. فلما بلغنا أن البهلول ضرب بإفريقية تخلخل العسكر، فأتينا بأسرنا إلى باب الخليفة، فقال لنا الحاجب: «ما بالكم؟ » فقلنا: «قد جعلنا حوائجنا كلها في نصرة البهلول» فقال لنا الحاجب: «اتقوا الله في دم العكّي. ليس يبلغ الخليفة أن العكّي ضرب البهلول إلا قتله، وكيف يضرب البهلول بإفريقية، إلا أن يكون أهل إفريقية ارتدوا عن الإسلام؟ ولكن اصبروا، فإن صح الخبر رفعت أمركم»، فرجعنا من الغزو قبل أن يتبين لنا صحة الخبر، فرضي الله عن البهلول، ختم الله أعماله بالشهادة بهذا الابتلاء الذي اختاره الله له ليوصله الله بذلك إلى أعلى الدرجات وأكرم المقامات.

стр. 247

٨٧ - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان (١) الرعيني (*). قاضي إفريقية، وصاحب مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنهم. كان فضله وعلمه وورعه أشهر من أن يذكر وهو أحد الثقات والأثبات (٢). روى عن مالك وعليه معتمده، وروى عن سفيان الثوري وجماعة يطول ذكرهم. وروى [بإفريقية] (٣) عن ابن أنعم (٤) وخالد بن أبي عمران، ودخل الشام والعراق في طلب العلم ولقي أبا يوسف صاحب أبي حنيفة (٥). وقد أدخله ابن عبدوس في المجموعة. وكان مولده ومولد البهلول في ليلة واحدة سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد ذكرناه. وكانت وفاته سنة تسعين ومائة، وصلّى عليه إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، ودفن بباب نافع، وكانت وفاته في ربيع الآخر من فالج أصابه. وكان أبوه مذكورا في العرب الذين كانوا بإفريقية أيام بني أمية، قبل دخول

стр. 248

المسوّدة، موصوفا (٦) بالشجاعة والقوة (٧). ذكر أنه كان على ساقة الناس في وقعة «القرن والأصنام» (٨) حين خرج حنظلة بن صفوان أمير إفريقية أيام بني أمية لمحاربة الخوارج الذين أرادوا استباحة القيروان، فيقال إن عمر بن غانم (٩) [قتل منهم مائة وثمانين] (١٠). [ومن بعض ما يتصل بنا عنه من الإسناد: عن داود بن يحيى (١١) عن عبد الله بن عمر بن غانم] (١٢) وحاتم بن عثمان المعافري وعبد الله بن أبي حسان اليحصبي قالوا: حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار (١٣)». ذكر مناقبه: بإسناد (١٤) إلى (١٥) عبد الله بن فروخ قال: دخلنا على سفيان الثوري-أنا وابن غانم والبهلول-فسألناه في السماع، فأجاب إلى ذلك وقال: «يقرأ عليّ أعربكم كلاما فإنه ربما قرأ عليّ القارئ فيلحن (١٦) في قراءته فأحرم (١٧) نومي وطعامي».قال: فقرأ لنا

стр. 249

عليه ابن غانم شهورا كثيرة فما رأينا الثوري رد عليه في قراءته شيئا ولا أخذ عليه لحنة [واحدة] (١٨). وكان (١٩) مالك إذا دخل عليه ابن غانم، وقت سماعه، أجلسه إلى جنبه ويقول [لأصحابه] (٢٠): قال رسول الله ﷺ : «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه» (٢١)، وهذا كريم في بلده. ولما (٢٢) ولي قضاء إفريقية بشر مالك بذلك أصحابه، وقال لهم: «أعلمتم أن الفتى الرعيني الذي كان يأتي إلينا قد استقضى على إفريقية؟ ».وكان يسره ذلك. وذكر (٢٣) بعض قرابته أن مالك بن أنس عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم عنده. فامتنع من المقام وقال: «إن أخرجتها معي إلى القيروان تزوجتها». ولما (٢٤) بلغ ابن وهب موته غمه ذلك غما شديدا، وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون؛ رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، فلقد كنت قائما بهذا الأمر»، يريد الفقه والعلم. سحنون (٢٥)، قال: «قرأ علينا ابن غانم كتابا من «الموطأ»، فقال له رجل: «يا أبا عبد الرحمن، أيعجبك هذا من قول مالك؟ » فقام ابن غانم، وألقى الكتاب من يده، وقال: «أو ليس وصمة عليّ في ديني وعقلي أن أرد على مالك قولة قالها؟ والله لقد أدركت العباد الذين يتورعون عن الذّر فما فوقه-سفيان ودون سفيان-فما رأيت بعيني أورع من مالك»؛ وهذا من حسن أدبه. وحدث بعض مشايخنا (٢٦)، قال: مر رباح بن يزيد بعبد الله بن غانم، وبيد

стр. 250

رباح قسط (٢٧) زيت. فقال له ابن غانم: أحمله لك يا أبا يزيد؟ فقال له رباح: «شأنك به»، وابن غانم إذ ذاك على القضاء، فدفع القسط إليه. وجعل رباح يشق به مجامع الناس، فسلك به على حوانيت البزازين والمواضع المشهورة، حتى انتهى إلى داره، قال له رباح: «أتدري لم فعلت هذا بك؟ » قال: «لا»، قال له: «بلغني أنك تجد في نفسك فأحببت أن أضع منك»، فقال له ابن غانم: «جزاك الله عني خيرا».وجرى له مع البهلول مثل ذلك. حدث بعض أهل العلم، قال: خرج ابن غانم القاضي مع جماعة من أصحابه إلى منزله (٢٨)، وكان فيمن خرج معه سليمان بن زرعة، وخرج بزوامله (٢٩) ومطابخه، فلما نزل نزع ثيابه واشتمل بردائه، وفعل مثل ذلك بجميع من معه، وكان في صيف ووقت حر، ثم أمر بالطعام فقرب إليهم، وفيه كنافة، وكان ابن غانم يحبها. فلما وضعت بين أيديهم خرق رجل من القوم موضع الزبد من وسط القصعة، فقال له سليمان: (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) (٣٠) فقال له ابن غانم: «أتهزأ بكتاب الله تعالى؟ /عليّ ألا كلمتك أبدا! » ثم أمر بدابته فقربت إليه، وانصرف راجعا إلى القيروان. عن أبي عثمان (٣١)، قال: «حدّثت عنه أن ابنه دخل عليه وقد انصرف من المكتب، فسأله عن سورته فقال له الصبي: حوّلني المعلم من سورة «الحمد» فقال له: «اقرأها» فقرأها، فقال له: «تهجها»، قال: فتهجاها، فقال له: «ارفع ذلك المقعد»، فرفعه فإذا تحته دنانير كثيرة، قال: وأبو عثمان شاك في عددها، إلا أنها أكثر من العشرة ودون العشرين، قال: فحملها إلى معلمه فدفعها له، فأنكر المعلم ذلك، وأتى بها إلى ابن غانم وأخبره أن الصبي أتاه بها فقال له ابن غانم كالمعتذر: «لم يحضرني غيرها يا معلم، أتدري ما علمته؟ علمته (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ). لحرف واحد مما علمته خير من الدنيا وما فيها».
следующие страницы →