← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وكان (١٠٣) لباس البهلول قلنسوة حبر (١٠٤) وساجا طرازيا وقميصا تستريا ونعلا طائفيا (١٠٥). عن أبي جعفر أحمد الكوفي، الذي كان يسكن «بالمنستير» قال (١٠٦): كنا مع بعض الخلفاء في غزاة. وكنا معه من أهل الثغور اثنا عشر ألف فارس، وكان يقضي لنا كل يوم حاجتين نكتب بهما إليه في رقعة يوصلها الحاجب إليه. فلما بلغنا أن البهلول ضرب بإفريقية تخلخل العسكر، فأتينا بأسرنا إلى باب الخليفة، فقال لنا الحاجب: «ما بالكم؟ » فقلنا: «قد جعلنا حوائجنا كلها في نصرة البهلول» فقال لنا الحاجب: «اتقوا الله في دم العكّي. ليس يبلغ الخليفة أن العكّي ضرب البهلول إلا قتله، وكيف يضرب البهلول بإفريقية، إلا أن يكون أهل إفريقية ارتدوا عن الإسلام؟ ولكن اصبروا، فإن صح الخبر رفعت أمركم»، فرجعنا من الغزو قبل أن يتبين لنا صحة الخبر، فرضي الله عن البهلول، ختم الله أعماله بالشهادة بهذا الابتلاء الذي اختاره الله له ليوصله الله بذلك إلى أعلى الدرجات وأكرم المقامات.

стр. 247

٨٧ - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان (١) الرعيني (*). قاضي إفريقية، وصاحب مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنهم. كان فضله وعلمه وورعه أشهر من أن يذكر وهو أحد الثقات والأثبات (٢). روى عن مالك وعليه معتمده، وروى عن سفيان الثوري وجماعة يطول ذكرهم. وروى [بإفريقية] (٣) عن ابن أنعم (٤) وخالد بن أبي عمران، ودخل الشام والعراق في طلب العلم ولقي أبا يوسف صاحب أبي حنيفة (٥). وقد أدخله ابن عبدوس في المجموعة. وكان مولده ومولد البهلول في ليلة واحدة سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد ذكرناه. وكانت وفاته سنة تسعين ومائة، وصلّى عليه إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، ودفن بباب نافع، وكانت وفاته في ربيع الآخر من فالج أصابه. وكان أبوه مذكورا في العرب الذين كانوا بإفريقية أيام بني أمية، قبل دخول

стр. 248

المسوّدة، موصوفا (٦) بالشجاعة والقوة (٧). ذكر أنه كان على ساقة الناس في وقعة «القرن والأصنام» (٨) حين خرج حنظلة بن صفوان أمير إفريقية أيام بني أمية لمحاربة الخوارج الذين أرادوا استباحة القيروان، فيقال إن عمر بن غانم (٩) [قتل منهم مائة وثمانين] (١٠). [ومن بعض ما يتصل بنا عنه من الإسناد: عن داود بن يحيى (١١) عن عبد الله بن عمر بن غانم] (١٢) وحاتم بن عثمان المعافري وعبد الله بن أبي حسان اليحصبي قالوا: حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار (١٣)». ذكر مناقبه: بإسناد (١٤) إلى (١٥) عبد الله بن فروخ قال: دخلنا على سفيان الثوري-أنا وابن غانم والبهلول-فسألناه في السماع، فأجاب إلى ذلك وقال: «يقرأ عليّ أعربكم كلاما فإنه ربما قرأ عليّ القارئ فيلحن (١٦) في قراءته فأحرم (١٧) نومي وطعامي».قال: فقرأ لنا

стр. 249

عليه ابن غانم شهورا كثيرة فما رأينا الثوري رد عليه في قراءته شيئا ولا أخذ عليه لحنة [واحدة] (١٨). وكان (١٩) مالك إذا دخل عليه ابن غانم، وقت سماعه، أجلسه إلى جنبه ويقول [لأصحابه] (٢٠): قال رسول الله ﷺ : «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه» (٢١)، وهذا كريم في بلده. ولما (٢٢) ولي قضاء إفريقية بشر مالك بذلك أصحابه، وقال لهم: «أعلمتم أن الفتى الرعيني الذي كان يأتي إلينا قد استقضى على إفريقية؟ ».وكان يسره ذلك. وذكر (٢٣) بعض قرابته أن مالك بن أنس عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم عنده. فامتنع من المقام وقال: «إن أخرجتها معي إلى القيروان تزوجتها». ولما (٢٤) بلغ ابن وهب موته غمه ذلك غما شديدا، وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون؛ رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، فلقد كنت قائما بهذا الأمر»، يريد الفقه والعلم. سحنون (٢٥)، قال: «قرأ علينا ابن غانم كتابا من «الموطأ»، فقال له رجل: «يا أبا عبد الرحمن، أيعجبك هذا من قول مالك؟ » فقام ابن غانم، وألقى الكتاب من يده، وقال: «أو ليس وصمة عليّ في ديني وعقلي أن أرد على مالك قولة قالها؟ والله لقد أدركت العباد الذين يتورعون عن الذّر فما فوقه-سفيان ودون سفيان-فما رأيت بعيني أورع من مالك»؛ وهذا من حسن أدبه. وحدث بعض مشايخنا (٢٦)، قال: مر رباح بن يزيد بعبد الله بن غانم، وبيد

стр. 250

رباح قسط (٢٧) زيت. فقال له ابن غانم: أحمله لك يا أبا يزيد؟ فقال له رباح: «شأنك به»، وابن غانم إذ ذاك على القضاء، فدفع القسط إليه. وجعل رباح يشق به مجامع الناس، فسلك به على حوانيت البزازين والمواضع المشهورة، حتى انتهى إلى داره، قال له رباح: «أتدري لم فعلت هذا بك؟ » قال: «لا»، قال له: «بلغني أنك تجد في نفسك فأحببت أن أضع منك»، فقال له ابن غانم: «جزاك الله عني خيرا».وجرى له مع البهلول مثل ذلك. حدث بعض أهل العلم، قال: خرج ابن غانم القاضي مع جماعة من أصحابه إلى منزله (٢٨)، وكان فيمن خرج معه سليمان بن زرعة، وخرج بزوامله (٢٩) ومطابخه، فلما نزل نزع ثيابه واشتمل بردائه، وفعل مثل ذلك بجميع من معه، وكان في صيف ووقت حر، ثم أمر بالطعام فقرب إليهم، وفيه كنافة، وكان ابن غانم يحبها. فلما وضعت بين أيديهم خرق رجل من القوم موضع الزبد من وسط القصعة، فقال له سليمان: (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) (٣٠) فقال له ابن غانم: «أتهزأ بكتاب الله تعالى؟ /عليّ ألا كلمتك أبدا! » ثم أمر بدابته فقربت إليه، وانصرف راجعا إلى القيروان. عن أبي عثمان (٣١)، قال: «حدّثت عنه أن ابنه دخل عليه وقد انصرف من المكتب، فسأله عن سورته فقال له الصبي: حوّلني المعلم من سورة «الحمد» فقال له: «اقرأها» فقرأها، فقال له: «تهجها»، قال: فتهجاها، فقال له: «ارفع ذلك المقعد»، فرفعه فإذا تحته دنانير كثيرة، قال: وأبو عثمان شاك في عددها، إلا أنها أكثر من العشرة ودون العشرين، قال: فحملها إلى معلمه فدفعها له، فأنكر المعلم ذلك، وأتى بها إلى ابن غانم وأخبره أن الصبي أتاه بها فقال له ابن غانم كالمعتذر: «لم يحضرني غيرها يا معلم، أتدري ما علمته؟ علمته (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ). لحرف واحد مما علمته خير من الدنيا وما فيها».

стр. 251

وكان (٣٢) من أحسن [الناس] (٣٣) همة في نفسه، خلف بعد وفاته كسوة ظهره (٣٤) بألف دينار. ومما يذكر من فصاحته وبلاغته ما ذكره بعض المؤلفين، قال (٣٥): روينا أن عبد الله بن غانم-قبل أن يلي القضاء-دخل على يزيد بن حاتم المهلبي فقال له: «ما شيء بلغني عنك؟ » فقال: «وما ذاك؟ أصلح الله الأمير» فقال له: «وقعت بنا عند يزيد بن أبي منصور (٣٦) الرعيني ابن عمك، وما بلاؤنا عندك وعند أهل بيتك؟ » فقال: «ما كان ذلك مني. كان المجلس الذي قرفت به عندك وأنا إذ ذاك ناقلة (٣٧) يوم كذا من شهر كذا، شاهدي عليك الرفقة (٣٨) بأسرها، وقد أهللنا هلال شهر رمضان، فتشايرناه بالأيدي».فقال له يزيد: «لحنت يا ابن عم» (٣٩) فقال له: «ما هي لحنة»، فقال له: «فلم قلت تشايرناه؟ وإنما هو تشاورناه» فقال ابن غانم: «تشاورنا من الشورى، وتشايرنا من الإشارة بالأيدي»، [قال: ما هو كذلك] (٤٠)، فقال له ابن غانم: «بيني وبينك أيها الأمير قتيبة النحوي (٤١)»، وكان قتيبة إذ ذاك قدم على يزيد وأنزله عنده، وكان إماما من أئمة أهل الكوفة، فبعث إليه يزيد. وكان في قتيبة غفلة، فقال له يزيد: «إذا رأيت الهلال كيف تقول؟

стр. 252

وكيف يكون القول إذا أشرت إليه وأشار غيرك (٤٢)؟ » قال: «أقول ربي وربك الله! » فقال له يزيد: «ليس هذا أردنا» فقال له ابن غانم: «دعني، أصلحك الله، فإنه نحوي، آخذ له من طريق النحو فأفهمه» فقال: «لا تلقنه إذا»، فقال له ابن غانم: «إذا أشرت وأشار غيرك، فقلت تفاعلنا في الإشارة، كيف يكون؟ » قال: «تشايرنا»، فاستحي يزيد وقال «ظلمناك يا ابن غانم» وأنشد قتيبة لكثير عزة (٤٣): فقلت وفي الأحشاء داء مخامر ... ألا حبذا يا عز ذاك التشاير قال [يزيد] (٤٤): «فأين أنت يا قتيبة من التشاور؟ » فقال قتيبة: هيهات أيها الأمير، ليس هذا من عملك، هذا من الشورى وذاك من الإشارة».فضحك يزيد وعرف جفاء (٤٥) قتيبة فأعرض عنه. قال أبو عثمان سعيد بن الحداد: كان ابن غانم كثيرا ما ينشد هذين البيتين في مجلسه (٤٦): إذا انقرضت (٤٧) عني من العيش مدتي ... فإن غناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل (٤٨) ذكر ولايته القضاء وسيرته فيه: ولي في رجب من سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وكان (٤٩) يكتب إلى ابن كنانة فيسأل (٥٠) له مالكا عن أحكامه.

стр. 253

واختلف فيمن عقد له القضاء على إفريقية، فقيل: هارون الرشيد، وكتب له بذلك كتابا، وقيل: بل عقد له بذلك أمير إفريقية روح بن حاتم، واتصل ذلك بالخليفة فأقره. وأذكر ما روي لي في ذلك ليصحّ عند قارئه ومستمعه: ذكر (٥١) أن أبا عثمان حاتم بن عثمان المعافري كان صديقا لابن غانم، وكان قد رحل معه إلى مالك وسمع منه. فجلس أبو عثمان يوما مع أناس (٥٢) فتكلموا في ولاية ابن غانم، فقال بعضهم: لم تكن من أمير المؤمنين وإنما كانت من المسوّدة (٥٣)، - يعنون الجند-وروح بن حاتم. فقال أبو عثمان: «امرأته طالق ثلاثة (٥٤) ورقيقه أحرار (٥٥) إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين».ثم إن [أبا] عثمان (٥٦) أتى إلى ابن غانم فأخبره الخبر. فقال له ابن غانم: «كم صداق زوجتك التي تزوجتها [به] (٥٧)؟ » قال: «مائتا (٥٨) دينار» قال: «وكم ثمن مماليكك عليك؟ » قال: «مائة دينار» قال: فدعا ابن غانم بكيس، فعد لأبي عثمان ثلاثمائة دينار وقال: «خذها يا أبا عثمان، فقد بانت منك امرأتك وعتق عليك عبيدك».فهذا دليل على أن أمير المؤمنين لم يولّه القضاء. وانتهى من فضله إلى أن كاتبه الخليفة فصارت ولايته كأنها من قبله، إذ أجازها وأمضاها. وذكر (٥٩) ابن أبي حسان، قال: مضيت مع ابن غانم إلى منزله الذي

стр. 254

«بالريدان» (٦٠) فقال لي: «ما يقول الناس في ولايتي؟ » فقلت له: «يقولون إن الذي ولاك روح بن حاتم برأي ابن فروخ» (٦١)، فقال ابن غانم: «لا والله، لقد قال لي روح بن حاتم: والله ما خرجت من المشرق إلا وأنت قاض، وذلك أني دخلت على أبي يوسف-وهو حينئذ قاضي القضاة لأودّعه، وكان لي صديقا-فقلت له: «أصلحك الله يا أبا يوسف، إن أمير المؤمنين ولاّني إفريقية، فهل لك من حاجة؟ » فقال: «أوصيك بتقوى الله وبأهل مدينة القيروان [خيرا] (٦٢). وبها شاب يقال له عبد الله بن غانم قد فقه وهو حسن الحال، فوله قضاءها».فقلت له: «نعم» فودعته (٦٣) ثم انصرفت. فمن ذلك اليوم عقدت ولايتك في قلبي». كان (٦٤)، رحمه الله تعالى، إذا جلس للخصوم رمى إليه الخصماء الشقاف (٦٥) فيها قصصهم مكتوبة (٦٦)؛ فقعد يوما للخصوم، فرموا إليه شقافهم، فدعا بها، فإذا في شقفة منها «مكتوب نخاسي البغال» (٦٧)، فدعاهم وسألهم عن قصصهم، فقالوا له: «اشترى [منا] (٦٨) أبو هارون موسى، مولى إبراهيم بن الأغلب وصاحب أمره، بغالا بخمسمائة دينار ولم يدفع إلينا شيئا. فضم ديوانه، ثم قام إلى إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول (٦٩)، فقال له إبراهيم: «ما قصة القاضي؟ » فذكر له أمر المتظلمين من أبي

стр. 255

هارون. قال: فأحضر ابن الأغلب أبا هارون فسأله عما ذكر ابن غانم، فأقر به وقال: «إنما أخرته ليجيء (٧٠) خراج قصطيلية فإذا جاء دفعت/إليهم، فقال ابن غانم: «إنما ظننت أنه يجحد، فأوقفه معهم موقف الخصوم، فأما إذ أقر فإني لا أبرخ حتى تدفع إليهم أموالهم. وبعث (٧١) مرة إبراهيم الأمير إلى ابن غانم، فلما صار إلى دار الإمارة جلس حتى [يخرج] (٧٢) الأمير، قال: فنظر ابن غانم في المجلس فإذا برجل يعرف بحاتم الأبزاري ترعد فرائصه، فعرف قصته. وذلك أن كتاب أمير المؤمنين الرشيد ورد فيه أن: «أحضر حاتما الذي يقال له الأبزاري إليك، فإن «للفرج»، فتى أمير المؤمنين، عنده (٧٣) عشرة آلاف دينار، فاقبضها منه ووجهها إلى أمير المؤمنين»، وفي أسفل الكتاب: «وأحضره إلى عند عبد الله بن غانم القاضي».قال: فدخل ابن غانم وحاتم والخراساني-وهو الرسول-فقرأ إبراهيم كتاب هارون حتى [انتهى] (٧٢) إلى آخره، ثم التفت إلى ابن غانم فقال: «يا أبا عبد الرحمن، هل سمعت ما في الكتاب؟ » قال: «نعم، فلماذا أحضرتني؟ ألي في هذا الكتاب معتمل (٧٤)؟ » فقال إبراهيم: «بلى، لعمر الله. ولم أمر بإحضارك؟ » فقال له ابن غانم: «فأول ذلك أن آمر هذا الرسول بإحضار شاهدين عدلين أن أمير المؤمنين استخلفه على قبض هذا المال، إن صحّ له، ويشهد غيرهما، أو هما، من أهل الثقة أن هذا المال لأمير المؤمنين أو «للفرج» فتاه».فقال الرسول: «أو يكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ » فقال ابن غانم: «معاذ الله؛ أمير المؤمنين أصدق وأكرم [من] (٧٥) أن يأخذ مالا بغير حله،

стр. 256

ولكن قد تخترق (٧٦) الأشياء دونه» فقال الخراساني لإبراهيم: «ما يقول الأمير؟ » فقال: «أقول ما قال القاضي» قال: فقام القاضي ابن غانم وقال لحاتم: «امض أمامي» فقال إبراهيم: «لله تلاده (٧٧) من امرئ دحداح-يريد قصير القامة (٧٨) -ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته! ». ونظر (٧٩) ابن غانم إلى قارورة في يد إبراهيم فيها دهن يسير. فقال له: «ما هذا؟ » قال: «دهن» ثم قال للقاضي: «كم تظن يساوي هذا؟ » فقال له «يسير» فقال له إبراهيم: «فإن ثمنه كثير: كذا وكذا»، وذكر ثمنا كثيرا. فقال ابن غانم: «وما هو هذا؟ » قال: «السم القاتل» قال ابن غانم: «أرنيه» فدفع إليه القارورة، فلما أخذها ابن غانم ضرب بها عمودا كان في المجلس، فكسرها وأراق ما فيها، فقال له إبراهيم: «هاه! ماذا صنعت؟ » قال: «أفأترك معك ما يقتل الناس؟ » (٨٠). وركب (٨١) إبراهيم عمارية (٨٢)، ودعا ابن غانم فقال: «اركب معي»، وأراد أن يشق السماط الأعظم، فامتنع من ذلك ابن غانم. ثم ركب يوما آخر وابن غانم معه، فسلك زرعا ولم يسلك معه ابن غانم في الزرع وأخذ في المحجة (٨٣). ثم إن إبراهيم صعد يوما إلى صومعة الجامع-وكانت الصومعة في الركن الغربي (٨٤) ثم أزيلت

стр. 257

بعد ذلك وجعلت في المكان الذي [هي] (٨٥) به اليوم-فدعا إبراهيم ابن غانم وقال له: «اصعد إليّ» فأبى ابن غانم من ذلك وقال: «يا قوم! ألا تعجبون من هذا الأمير ما يريد مني؟ : مرة يقول اركب معي في العمارية ويشق السماط كهيئة المجلودين، لأنه إنما يشق في السماط بالمجلودين، ومرة يشق في زرع الناس بدوابه، ويريد مني أن أمشي فيه، ومرة يقول: اصعد معي الصومعة، وفي صعودي إليها تشرف على حرم المسلمين ونظر إلى عوراتهم. والله لا أفعل ذلك! ». تميم بن خيران (٨٦)، قال: «كانت (٨٧) الكتب-حين تأتي-من عند الخليفة إلى إبراهيم، ويأتي معها كتابه إلى ابن غانم، وكان الرسول يسكن إلى قرب «قبة [ابن] (٨٨) عبد السلام»، فربما أتى إبراهيم وابن غانم إليه، فأخذ كل واحد منهما كتابه، ففض إبراهيم كتابه وقرأه على ابن غانم، وهما جميعا راكبان يتسايران، فقال إبراهيم لابن غانم: «قد فضضت أنا كتابي وقرأته عليك، ففض أنت كتابك واقرأه عليّ» فأبى ابن غانم من ذلك، فوجد من ذلك ابن الأغلب. فلما صارا جميعا إلى «مربع (٨٩) السماط» الذي يؤخذ منه إلى «السقطيين» وإلى ناحية «الأبزاريين» حرك إبراهيم دابته، فصار قدام ابن غانم، فتركه ابن غانم وعطف في زقاق السقطيين» وتمادى إلى داره، وشق إبراهيم السماط إلى دار الإمارة وهو

стр. 258

يظن أن ابن غانم خلفه، فلما صار إلى باب دار الإمارة افتقده، فأعلموه أنه فارقه من ذلك الموضع، فبعث في طلبه، فأتاه فقال له: «ما حملك على أن عطفت عني وفارقتني؟ » قال: «أصلح الله الأمير؛ إنما القاضي بحرمته، وإنما تنفذ أحكامه بقدر وفور جاهه، وإني [رأيتك] (٩٠) حركت دابتك، ولو حركت دابتي سقطت قلنسوتي، وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي وضحك عليّ الصبيان». ويروى أن إبراهيم قال لابن غانم: «إنك فعلت اليوم فعلتين قبيحتين، إحداهما منعك (٩١) قراءتي كتابك، والثانية مفارقتك لي».ثم عاتبه على ذلك وأظهر الغضب وقال له: «أو ما علمت أن في الأخبار أن إبراهيم الأمير يقتل عبد الله القاضي؟ » فقال له ابن غانم: «لست أنت ذلك الأمير، ولا أنا ذلك القاضي. ذلك الأمير ولدك، والقاضي هو غيري». فقدّر أن كان ذلك إبراهيم بن أحمد والقاضي عبد الله بن طالب. وكان (٩٢) من إكرام الخليفة لابن غانم وإجلاله له ما يفوق المقدار، حتى [إنه] (٩٠) كان إذا كتب كتابا لإبراهيم يقول في كتابه: «وأنا أعلمك أني لا أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك إليّ كتاب ابن غانم».فكان إبراهيم لذلك (٩٣) أشد الناس وأكثرهم مداراة لابن غانم، وكان كثير الإكرام له والتعظيم. وكان (٩٤) إبراهيم بن الأغلب يصلي بالجامع المكتوبات كلها، فخرج ليلة من الليالي من داره، دار الإمارة، فدخل الجامع لصلاة العتمة، وكان مشغول القلب فعثر على حصير فسقط، فلما صلّى بالناس وانصرف، بعث في طلب ابن غانم، فأتاه الرسول/وقال له: «الأمير يدعوك» فتغير ابن غانم عند ذلك وقال: «في مثل هذا الوقت يوجه ورائي؟ » ثم لم يجد بدا من أن قام إليه. فلما دخل عليه قال له: «يا أبا عبد الرحمن؛ إني لم أبعث إليك إلا لخير. إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي، فعثرت على حصير فسقطت، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني منتبذ،

стр. 259

فأحببت أن تكون براءتي عندك، ولا أبالي بغيرك، فاستنكهني»، فاستنكهه ابن غانم فوجده بريئا مما قال؛ فشكر له ذلك. زياد بن يونس السدري، [قال] (٩٥) كان (٩٦) لابن غانم كاتب، وكان من عادته أن يتقدم إلى مقعده في الجامع فيجلس حتى يأتي ابن غانم، وكان من عادة القاضي أن يبعث بديوانه مختوما مع وصيف له، فيبقى بحاله إلى أن يأتي ابن غانم فيركع ركعات ثم يجلس، فإذا رأى طابعه (٩٧) بحاله فكّه، قال: فتقدم الكاتب يوما كما كان يفعل، فبينما هو جالس إذ أتاه كتاب ابنه من باديته، فجاء وصيف ابن غانم بالديوان على عادته فناوله الكتاب، فأخذه منه، ثم فك كتاب نفسه ليقرأه، فوافق ذلك دخول القاضي، فأبصر الكتاب في يده، فبادر الكاتب بالكتاب فأدخله في كمه، فأتى ابن غانم وما يبصر طريقا من شغل قلبه، فركع ركعتين خفيفتين، وعلى وجهه الكآبة والغضب، ثم سكت وجلس، فناوله الكاتب القمطر كما تقدمت عادته ليرى ابن غانم طابعه ويفكه؛ فصاح عليه ابن غانم: «كف! » فكف، ثم طأطأ ابن غانم ثم تنهد، ثم رفع رأسه وهو يقول: «الله أحق أن يؤثر، ليس في الحق من حشمة. ما هذا الكتاب الذي في كمك؟ » فاستحيى الكاتب واحمر لونه، ودهش ثم قال: «أصلحك الله، كتاب أتاني من البادية أخبروني فيه أن الزريعة قد فرغت، فابعث إلينا بالزريعة» فقال له ابن غانم: «لا بد من إخراجه» فأخرجه له، فقرأه ابن غانم فأصابه كما قال، فسرى عن وجه ابن غانم ما كان ظهر عليه من الكآبة، ثم أمره بفك الطابع، ففكه وأخذ في النظر بين الناس. وهذا غاية في التوقي والاحتياط. أبو محمد بن أبي زيد، رضي الله تعالى عنه، عن عبد الله بن سعيد بن الحداد، عن أبيه، قال (٩٨): حدثت عن القاضي ابن غانم أن اليوم الذي كان يجلس

стр. 260

فيه للنظر بين النساء يلبس فيه فروا دنيّا (٩٩) ويلقى عينيه بالأرض. والذي لم يكن رآه قبل ذلك الوقت يتوهم أنه مكفوف البصر. وكان يزيل الكتّاب والحجّاب من بين يديه إذا جلس للنظر بين النساء. قال ابن الحداد (١٠٠): وبلغني أنه كان إذا أشرف على إنفاذ حكم لأحد يصلي حزبه من الليل، فإذا جلس في آخر صلاته عرض من أراد أن يحكم له، على الله ، ويقول: «اللهم إن فلانا خاصم إليّ فلانا وادعى عليه بكذا وكذا، فسألت فلانا عما ادعى عليه فأنكر، فسألت فلانا هل عنده فيما يدعيه بينة، فأحضرني بينة، فرضيت حالها وصحت عندي عدالتها بكشفي عنها سرا وعلانية، وقد أشرفت على أن أدفع من مال فلان إلى فلان كذا وكذا. اللهم إن كنت أشرفت من ذلك على حق وأمر ترضاه فسدّدني له ووفقني، وإن كنت لم أوفق ولم يكن ذلك كذلك فاصرفه عني. اللهم لا تسلمني! اللهم سلمني! »؛ فلا يزال يعرض الخصوم على ربه ويسأله التوفيق والتسديد حتى يطلع الفجر. وذكر (١٠١) سليمان بن عمران، في صبره وحلمه، أن رجلا يقال له ابن زرعة له جاه ورئاسة لقي يوما ابن غانم، فشتمه في وجهه في موضع خال ليس فيه أحد، وذلك لأنه (١٠٢) حكم عليه بوجه حق ترتب عليه. فاستعداه (١٠٣) لذلك، فأعرض عنه ابن غانم ولم يرد عليه شيئا، فلما كان بعد ذلك، لقيه بطريق «الرّيدان» (١٠٤) فسلم عليه ابن زرعة، فرد ابن غانم السلام ورحب به، ومضى به معه إلى منزله بالرّيدان، وأكرمه وعمل له طعاما كثيرا، ثم رجع ابن غانم إلى القيروان ومعه ابن زرعة، فلما أراد مفارقته قال ابن زرعة لابن غانم: «يا أبا عبد الرحمن، اغفر لي واجعلني في حلّ مما كان (١٠٥) من خطابي»، فقال له ابن غانم: «أما هذا فلست أفعله

стр. 261

حتى أوقفك بين يدي الله تعالى، وأما أن ينالك في الدنيا منّي مكروه أو عقوبة فلا». وكان سبب موته (١٠٦)، ﵀، الفالج. أخبر أبو الوليد عبد الملك بن قطن المهري (١٠٧)، قال: «مرض عبد الله بن عمر بن غانم مرضه الذي توفي منه. فدخلت عليه عائدا فقلت: رفع الله تعالى ضجعتك من هذه العلة إلى إفاقة وراحة، وأعاد عليك ما عودك من الصحة والسلامة، فلطالما صححت وعوفيت، أصلحك الله. فاصبر لحكم الله ، فإن الله يحب أن يصبر على بلواه كما يحب أن يشكر على نعماه» فقال: «هو الموت والغاية التي إليها نهاية الخلق، فصبر جميل يؤجر صاحبه خير من جزع لا يغني عنه»، ثم تمثل (١٠٨): فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت-يا للناس-عار؟ سليمان بن عمران (١٠٩)، قال: «لما توفي ابن غانم رأى رجل في النوم، ممن لا يعرف الشعر ولا يقرأ القرآن إلاّ ما يقيم صلاته، كأن قائلا [يقول] (١١٠) بأعلى صوته: زأرت ذئاب بعد طول عوائها ... لما تضمنه القليب (١١١) الملحد قال فتعجب الناس من رؤياه. وبكى عليه الأمير إبراهيم بن الأغلب، وأقبل «معد» (١١٢) خال إبراهيم يبكي وينتحب حتى فرغوا من دفنه، وذلك «بجبانة باب نافع»، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

стр. 262

٨٨ - ومنهم سقلاب (١) بن زياد الهمذاني (*)، رضي الله تعالى عنه. قال أبو سنان: كان سقلاب (٢) إماما من أئمة المسلمين مأمونا على ما سمع (٣). قال أبو العرب (٤): سمع من مالك. وهو من طبقة البهلول. سمع منه أبو سنان وداود بن يحيى وغيرهما. ذكر أبو سنان زيد بن سنان أنه كان يدعو إذا جن الليل (٥): «اللهم إني أسألك منك ما هو لك رضى، وأستعيذك من كل أمر يسخطك. اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء. اللهم لا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك، إلا أن يكون لك». وكان يقول (٦): «نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم (٧). والله لوددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوا الله ». توفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وتسعين ومائة (٨).

стр. 263

٨٩ - ومنهم أبو عون معاوية بن الفضل الصمادحي (*)، رضي الله تعالى عنه . ذكر (١) أبو إسحاق بن شعبان القرطي أنه روى عن مالك ﵀. [و] روى معاوية عن ابن أنعم وعن الثوري. وروى عنه سحنون، وروى عنه ولد نفسه موسى وأبو داود العطار. وكان ثقة قليل الحديث. ذكر الفقيه أبو القاسم بن شبلون، ﵀، أن معاوية، ﵀، كانت له كل يوم ختمة؛ وكان يستعمل الحديث الذي جاء: «إن الذاكر لله ، بين الغافلين، له من الأجر والثواب ما لا يحصى تفسيره (٢)».وكان يكثر من ذكر الله في الأسواق (٣) والمواضع التي يشتغل الناس فيها بالبياعات (٤)، وكان يركب بغلته ويمضي إلى السوق ويجيء ويتلو القرآن حتى يختم. قال: وإنما كان يركب إذا بقي عليه اليسير من ختمته. حدث معاوية عن طلحة بن عمرو (٥) [عن عطاء عن نافع قال: «رأيت رجلا جاء إلى ابن عمر ﵄] (٦) فقال: يا أبا عبد الرحمن، أنظرتم بأعينكم إلى رسول الله ﷺ ، وكلمتموه بألسنتكم هذه، وبايعتموه بأيديكم هذه؟ » فقال له عبد الله بن عمر: «نعم» فقال [له] (٦) الرجل: «طوبى [لكم] (٦)»، فقال [له] (٦) ابن عمر:

стр. 264

«ألا أخبرك بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ » قال: «بلى» قال: «فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول (٧): «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي»؛ ثلاث مرات (٨). ٩٠ - ومنهم أبو عثمان حاتم بن عثمان (*) المعافري (١)، رضي الله تعالى عنه. سمع من مالك ومن ابن أنعم. قال أبو العرب (٢): وأحسب أن رحلته إلى مالك كانت مع ابن غانم. وروى عنه داود بن يحيى وغيره. وهو الذي كان يمضي بمسائل ابن غانم إلى مالك. حدث أبو عثمان، قال: كنت إذا أتيت بكتاب ابن غانم إلى مالك الذي فيه مسائله، يقول مالك: «ادفعه إلى ابن كنانة» (٣)، قال: فكان ابن كنانة يكتب الجواب، فإذا كتبه أتيت به مالكا فيعرضه (٤) فإن أنكر شيئا أصلحه، وإلا قال: «ادفع إليه الكتاب فكلّه عني»، فأتيته يوما نصف النهار فقلت له: «يا أبا عبد الله، إن الناس قد رحلوا، ولا أقدر أن أتخلف» قال: فخرج إليّ وعليه غلالة (٥) ورداء تساوي الغلالة خمسة دنانير، فأخذ الكتاب وقرأه ثم قال: «الدواة! » فجعلت أمد

стр. 265

له، فإذا مرّ بشيء ينكره أصلحه. ثم قال لي: «ادفعه إليه».فقلت له: «اطبع عليه، أصلحك الله، فإنها أحكام المسلمين» فقال لي: «ما لي خاتم، إنما الخاتم لثلاثة (٦): لتاجر أو قاض أو سلطان» فمضيت بالكتاب إلى ابن غانم غير مختوم. قال حاتم (٧): وأكلت مع مالك، فرأيته يأكل بثلاث أصابع. وكان يروي عن مالك غرائب لا يكاد يرويها عنه غيره: لقد ذكر سليمان بن سالم بإسناد رفعه عن حاتم، قال (٨): سمعت مالكا بن أنس يقول: «حياة الثوب طيه (٩) وعيبه قصر أكمامه». وعنه قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة (١٠) عن أبي هريرة قال (١١): «باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة».وسمعت النبي ﷺ يقول: «إذا جاء الموت طالب [العلم] (١٢) ومات على حاله فهو شهيد».

стр. 266

٩١ - ومنهم أبو الحسن علي بن زياد العبسي التونسي (*)، رضي الله تعالى عنه . أبو العرب قال (١): كان ثقة مأمونا، متعبدا، بارعا في الفقه. سمع من مالك والثوري والليث وابن لهيعة، ولم يكن في عصره بإفريقية مثله. سمع منه البهلول وسحنون وشجرة بن عيسى وأسد بن الفرات. وذكر أن أسدا قال: «إني لأدعو الله لعلي بن زياد مع والديّ، لأنه أول من تعلمت العلم عليه».ولم يكن سحنون يقدم عليه أحدا من أهل إفريقية. قال أبو سعيد بن يونس (٢): وهو أول من أدخل المغرب «جامع سفيان الثوري» (٣) و «موطأ مالك» وفسر لهم قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه، وهو معلم سحنون. دخل الحجاز والعراق (٤). [جبلة قال: ] (٥) سمعت سحنونا يسأل شرحبيل قاضي أطرابلس (٦) عن أصل علي بن زياد فقال: «كشفنا عن أصله فإذا هو من العجم. وكان أوله من أطرابلس (٦) [ثم سكن مدينة تونس] (٧)». ذكر فضله ومناقبه: عن سحنون، قال (٨): «كان البهلول يأتي إلى علي بن زياد ليسمع منه، ويفزع إليه في الملمات، يعني في العلم والمعرفة.

стр. 267

[قال] (٩): أبو العرب: حدثني يونس بن محمد وأبو عياش بن موسى أنهما سمعا سحنونا بن سعيد يقول: «ما بلغ البهلول شسع علي بن زياد»، وضرب سحنون يده إلى شسع نعله. وكان يقول: «ما أنتجت إفريقية مثل علي بن زياد».وكان يقول: «ما فاقه المصريون إلا بكثرة سماعهم، وذلك أن عليا بن زياد اختبرت سره وعلانيته، والمصريون إنما اختبرت علانيتهم فقط». أسد قال (١٠): [قال لي] (١١) المخزومي وابن كنانة: ما طرأ إلينا من بلد من البلدان من كشف هذا الأمر ككشف علي بن زياد. قال سحنون (١٢): كان البهلول يكاتب عليا إلى تونس يستفتيه في أمور الديانة، وكان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليخبرهم من على الصواب فيها. أبو الهيثم (١٣) خالد بن يزيد الفارسي قال (١٤): «كنا عند البهلول فأتاه رجل فقال: إني رأيت في المنام (١٥) كأن قنديلا دخل من باب تونس، فسار (١٦) حتى دخل في دار في رحبة «بني دراج» (١٧)، فقال له بهلول: «أتعرف الدار؟ » فقال الرجل: «نعم»، فقال البهلول: «قوموا بنا فقد جاء علي بن زياد. قوموا بنا»، فقمنا وقام الرجل معنا

стр. 268

حتى أتينا رحبة/ «بني دراج» فقال الرجل: «هذه الدار التي رأيت القنديل دخل فيها (١٨)»، فوقفنا بالباب، فسألنا، فقالوا لنا: هذا علي بن زياد دخل في السّحر. فاستأذن عليه بهلول فدخل، فقام إليه عليّ بن زياد وسلّم عليه وسلّمنا عليه. وجعل بهلول يسأله عن مسائل، حتى دخل أبو محرز (١٩)، فسلم فشقّق (٢٠) له علي بن زياد في السلام ولم يلتفت إليه، فقام (٢١) بهلول وقال لي: «يا خالد، اجلس ننظر ما يقول له» فجلست. فقال له أبو محرز: «يا أبا الحسن، قد تعلم ما بيننا وبينك من العشرة والمودة وقد أرى منك غير ذلك، فلم ذلك؟ » فقال له علي بن زياد: «يا محمود، بلغني عنك أنك تقول إن إبليس يستطيع السجود؛ فإذا كان يستطيع السجود فكيف يجوز لك أن تلعنه، فلعله قد سجد؟ » فوجم أبو محرز، وأخذ له في غير الجواب. وأخذ عليّ يكرر ذلك عليه، وهو يحيد عن الجواب. أبو جعفر بن قطويه (٢٢): مرّ علي بن زياد بأبي محرز، وعنده الطلبة، فقال له: «يا أبا محرز، ما الذي أراد الله من عباده؟ » قال: الطاعة»، فقال له: «وما الذي أراده إبليس منهم؟ » فقال له: «المعصية» فقال له: «أي الإرادتين غلبت؟ » فقال له أبو محرز: «أقلني، أقالك الله تعالى»، فقال له علي: «والله لا أقيلك (٢٣) حتى تتوب عن بدعتك»؛ ثم التفت عليّ بن زياد إلى الطلبة فقال: «شاهت الوجوه! أفمن (٢٤) هذا تسمعون؟ ». سحنون (٢٥): قال لي علي بن زياد: «زعم هؤلاء القوم-يعني أهل العراق-أنهم يحسنون القياس، وقد بنوا على غير أساس».

стр. 269

سحنون قال: أراد أمير تونس ورسول الخليفة الاجتماع بعلي بن زياد في مشورة (٢٦) من يلي القضاء، فتمارض لهما (٢٧) وأظهر أنه مريض لا يقدر على التصرف. فأخبر بذلك والي تونس رسول الخليفة، فقال الرسول: «أمير بلد ورسول الخليفة يوجه (٢٨) إلى رجل من رعيته (٢٩) فيتثاقل عن المجيء؟ » فقام الوالي ورسول الخليفة فتوجها (٣٠) إليه فلما قيل له إنهما بالباب قال لمن [حوله] (٣١): «حولوا وجهي إلى الحائط»، فدخلا عليه فقال له الوالي: «يا أبا الحسن، هذا رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلي قضاء إفريقية»، فقام علي وحول وجهه إلى القبلة وقال: «ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحدا يستوجب القضاء، قوموا عني». وبعث (٣٢) روح بن حاتم أمير إفريقية إلى تونس في طلب علي بن زياد ليولّيه القضاء فقدم عليه، وأقبل بهلول بن راشد والصالحون إلى باب دار الإمارة إذ بلغهم قدومه ودخوله على روح بن حاتم، فمكثوا ينتظرون خروجه إلى أن خرج عليهم ممسيا يمسح العرق عن جبينه، فقالوا له: «ما فعلت؟ » فقال لهم: «عافى الله، وهو محمود»، فقال له بهلول: «فما عزمت عليه (٣٣)؟ » فقال: «على ألاّ أبيت بها فيبدو له، فيوجه ورائي».فذهب البهلول وأصحابه مع علي حتى خرجوا من باب تونس، والبواب يريد غلق باب المدينة لدخول الليل، فسألوا البواب أن يمكث حتى ينتهوا مع علي إلى وادي أبي كريب (٣٤) ويحبس عليهم الباب، ففعل: فتوجهوا حتى ودعوه بعد غروب الشمس، فانطلق علي بن زياد وحده على حماره إلى تونس.

стр. 270

٩٢ - ومنهم أبو يحيى (١) زكريا بن الحكم اللخمي (*)، رضي الله تعالى عنه. قال أبو العرب: كان ثقة مأمونا. ذكر (٢) سليمان بن عمران (٣)، قال: كان زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب جالسا، وعنده يحيى بن السلام وأسد بن الفرات وأبو محرز (٤) وزكريا بن محمد بن الحكم، قال (٥): فأتى زيادة الله بجراب فيه مال ففرّغ بين يديه، فإذا فيه خلاخل وأسورة من حلي النساء ودنانير، فأعطى منه لمن حضر مجلسه، فأخذوا غير زكريا فإنه لم يأخذ منه شيئا، ثم قام فانصرف. فلما ولّى جعل زيادة الله ينظر إليه، وهو مولّ، ويقول: «لله درك يا ابن الحكم». قال ابن الأجدابي (٦): حضور يحيى بن السلام في هذا المجلس لا يصح، لأنه مات سنة مائتين، وولى زيادة الله سنة إحدى ومائتين. [زكرياء بن] (٧) محمد بن الحكم، عن حيوة بن شريح (٨)، قال: «من صلّى ثماني ركعات من أول نهاره، كفاه الله ما أهمه وأوجب له مغفرته، وإن مات في نهاره مات شهيدا».

стр. 271

٩٣ - ومنهم يزيد بن محمد الجمحي (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب: كان ثقة قديم السن كثير الحديث. لقي مالك بن أنس وإبراهيم بن محمد (١) من أهل المدينة، وسمع من أبي بكر بن عياش وجماعة من أهل الكوفة وأهل الشام وأهل البصرة. سمع منه موسى بن معاوية الصمادحي. وركب يزيد بن محمد من إفريقية في البحر يريد غزو «المصيصة» (٢) فخرج عليهم عدو صقلية فاستشهد (٣)، رضي الله تعالى عنه. قال الشيخ أبو عبد الله الأجدابي: فدلّ ذلك على أن أهل صقلية لم يكن بينهم وبين المسلمين هدنة. ومن بعض ما أسنده من الحديث: عن يزيد بن محمد الجمحي عن بقية بن الوليد عن مسلم بن زياد (٤)، قال: سمعت أنس بن مالك يقول (٥): قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح: اللهم أصبحنا نشهدك ونشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه ذلك اليوم من النار. فإن قالها مرتين، أعتق الله نصفه من النار. فإن قالها ثلاثا، أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار. فإن قالها أربعا، أعتقه الله تعالى في ذلك اليوم من النار».

стр. 272

٩٤ - ومنهم عبد الله بن أبي غسان (**)، رحمه الله تعالى . قال أبو العرب: سمع من مالك وأغرب عنه بحديث ما علمت أن غيره رواه عنه. عبد الله بن أبي غسان، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (١): «طول مقام أمتي في قبورهم تمحيص (٢) لذنوبهم». ٩٥ - ومنهم يحيى بن زكريا بن محمد بن الحكم (*) التجيبي (١)، رضي الله تعالى عنه. قال أبو العرب (٢): كان صالحا ثقة. قال عبد الله (٣): ذكره أبو الحسن بن فهر (٤) في جماعة أصحاب مالك. وقال أبو العرب: ذكر [عن] (٥) سليمان بن عمران أنه قال (٦): كنا في جنازة يحيى بن زكريا، فازدحم الناس عليه وكثروا على النعش، فبقي النعش واقفا في باب نافع لا/يقدر الناس على أن يتعدوا (٧) به لكثرتهم، فصاح صائح: «معشر المسلمين! ازدحموا على عمله ولا تزدحموا على نعشه».

стр. 273

٩٦ - ومنهم أبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي (*)، من أنفسهم، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان ثقة مأمونا، وله سماع من مالك ومن الثوري. وقال غيره: [كان] مستجابا عالما باختلاف العلماء واتفاقهم، أكثر اعتماده على مذهب مالك. وسمع من الليث واليسع بن حميد وابن وهب ورشدين [بن] سعد (٢) والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي. وذكر ابن يونس (٣): أنه سمع من سفيان بن عيينة. سمع منه في المغرب غير واحد. قال البهلول (٤): اذهبوا بنا إلى أبي خارجة فإنه بلغني أنه جاء «بجامع» سفيان الثوري لنسمع منه. وكان مقام أبي خارجة في حصن على البحر يقال له «ينقة (٥)» في ناحية سفاقس في الغربي منها. توفي في شهر ربيع الآخر سنة عشر (٦) ومائتين وهو ابن ست وثمانين سنة. وفي بعض ما يتصل عنه من الإسناد، يرفعه عن مالك عن نافع عن ابن عمر،

стр. 274

أنه سمع النبي ﷺ يقول (٧): «ما بعث الله تعالى نبيا قبلي فاجتمع (٨) عليه أمر أمته إلا كان فيهم «قدرية» ومرجئة يوسوسون (٩) أمر أمته من بعده. ألا إن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان اثنين وسبعين نبيّا».قال أبو خارجة: زاد فيه غير مالك: «أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ ». ذكر مناقبه وفضائله: فمن ذلك: قال سليمان بن محمد الأندلسي عن الحسن (١٠) بن نصر السوسي، قال: حدثنا نصر بن خالد: عطش (١١) الناس بسفاقس و «غافق» (١٢) وأجدبوا ونزل بهم القحط والجهد، فأتوا إلى أبي خارجة عنبسة، وكان مجاب الدعوة، وكان أسن من سحنون، فقالوا: «نزل بنا الجوع والقحط فاستسق لنا» فقال لهم: «تأتون غدا ببناتكم وصبيانكم وبهائمكم وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان الليل، فقفوا بين يديه، وتضرعوا إليه واعرضوا أعمالكم عليه فإنه يرقّ لحالكم».قال: ففعل الناس ذلك، واجتمعوا من كل مكان من الغد، وخرج بهم أبو خارجة، فصلّى بهم صلاة الاستسقاء، ثم خطب بهم، ثم جلس إلى صلاة الظهر، واشتد الحر عليهم فصاح الأطفال والبهائم من شدة الحر، فقام أبو خارجة وصلّى بهم الظهر، ثم بسط يديه وقال: «أنت مولانا ما لنا غيرك ولا سواك، بك نالوا الدرجات الرفيعة والمواهب العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا وقبيح أعمالنا وما لنا غيرك ولا سواك. وقد قامت آمالنا بك، وقد جثونا بين يديك. بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة، وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية [نافعة] (١٣) تجدد [الإيمان في قلوبنا] (١٣) ولا نبرح من بين يدي

стр. 275

كريم حتى تسقينا. ووسيلتنا إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا، ﷺ ». قال نصر بن خالد: فرأيت سحابة بيضاء رقيقة. ثم رأيت السماء اندفقت بالغيث، فرأيت أبا خارجة وهو يرفع ثيابه وهو يقول: «بهذا يعرف الكريم، هذا فعلك في من قصدك، فبهذا تعرف وتوصف». وكان من دعائه: «اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر». وكان أبو خارجة يقول (١٤): «اللهم أمتني قبل أن يخرج من هذا الوجه قوم ينبحون نباح الكلاب» قيل له: «تريد: من هذا الغرب، نحو أرض البربر؟ » فقال: «نعم».قال: فبلغني أنه مات قبل أن تشتجر الحرب. وكان ذلك أيام المنصور الطنبذي (١٥). قال عيسى بن مسكين (١٦): وكان ها هنا بالساحل رجل به تابع، فقال تابعه يوما من الأيام: «لأخوفنّ أبا خارجة الليلة»، فنهاه عن ذلك الإنسي، وقال له: «لا تعرض»، فقال: «لأفعلنّ! ».فلما كان الليل ركب أبو خارجة لينصرف إلى منزله فلقيه خيال، ثم مضى غير بعيد فلقيه أيضا وتمثل بين يديه في صورة شخص، فقصده أبو خارجة ووضع عليه [يده] (١٧) ففرّ من بين يديه، وأقبل أبو خارجة يتبعه ضربا وهو يصيح حتى دخل في الزيتون، ثم ذهب أبو خارجة في حاجته فأتى الجنّي إلى صاحبه، وهو مروع، فأخبره الخبر فقال له: «قد نصحتك فلم تقبل». وعن عيسى بن مسكين (١٨): حدثونا عن أبي خارجة أنه كان يصلّي من الليل في مسجد كان استضافه أهله (١٩)، فبينما هو يصلّي في ركن المسجد نظر إلى الركن الآخر

стр. 276

فإذا بشيخ قائم يصلّي، فلما سلم أبو خارجة من صلاته استل سيفه ثم قصده وهو يقول: «أعليّ تجسر؟ »، فلما رأى عزمه انقمع منه، فإذا به إبليس اللعين، أراد أن يلبس عليه صلاته ويدخل عليه الفتنة فحماه الله منه. عيسى بن مسكين قال (٢٠): «كان أبو خارجة كثيرا ما يقول: لا تمرّ الليالي والأيام حتى تمتحى (٢١) كتب أبي حنيفة من إفريقية».فكان كذلك: محاها الله بسحنون، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وكانت تذكر عنه أعاجيب من الإنذار بالحوادث التي تحدث في آخر الزمان، وكانت عنده في ذلك أحاديث يرويها عن شيوخه، ومن عنده أخذها عيسى بن مسكين. وكان سحنون يعظم أبا خارجة ويعرف حقه: عيسى بن مسكين قال: كان رجل ينزل عنده أبا خارجة إذا مر به، وكان سحنون أيضا ينزل عنده إذا مر به، فنزل به مرة سحنون فبينما هو عنده إذ جاء رجل يستأذن، فإذا به أبو خارجة، فقام الرجل ليلتمس له موضعا غير موضع /سحنون، فمنعه سحنون من ذلك، وقال له: «بل يكون معي في موضعي» فأذن له الرجل فدخل وسلم، فرد عليه سحنون السلام وأكبره وعظمه ومد إليه يده فصافحه ثم جلس أبو خارجة. وجاء رجل فسأل سحنونا عن مسألة فقال له سحنون: «سل أبا خارجة»، وامتنع أن يجيب بحضرته إجلالا له وتعظيما. قال: فسأل الرجل أبا خارجة فأجاب بجواب لم يوافقه سحنون عليه. قيل لعيسى: «فما أنكر عليه سحنون؟ » فقال عيسى: «سحنون كان أحكم من ذلك». قال عيسى: كان رجل بغدادي يود لو رأى أبا خارجة، قال: فنزل أبو خارجة يوما قريبا من موضع الرجل، قال: فلما سمع بخبره أتاه فسلم عليه وصافحه وعانقه وقال له: «أنت أبو خارجة؟ » فقال: «نعم، أنا أبو خارجة «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! » (٢٢) -تواضعا منه، رحمه الله تعالى.

стр. 277

وكان عالما بالعربية وعبارة الرؤيا: روى عيسى عن أبي خارجة [أنه قرأ] (٢٣) أن المشط يذهب الوباء، بالتصحيف. وحضره رجل أعرابي فقال له: «يا أبا خارجة، انظر في هذا الحرف إنما هو «الوناء» بالنون».فتفكر أبو خارجة قليلا ثم قال: «نعم والله، هو الوناء وهو الضعف والكلل؛ ودليل ذلك قوله تعالى (وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي) (٢٤) يعني تضعفا». قال: وشكا نبي من الأنبياء إلى الله الضعف في قومه، فأمره أن يأمرهم أن يأكلوا لحم الثنيان باللبن. وعنه، رضي الله تعالى عنه (٢٥): أنه خرج إلى «سوسة» فنزل في بعض الطريق واستلقى، وقال لأصحابه: «يأتيكم الساعة رجلان على دابة، فيسألان عن شيء فيسمعان ما يكرهان» (٢٦). فبينما هم كذلك إذ أقبل رجلان على بغلة فسألا عن الشيخ أبي خارجة فأخبرا، فقالا له: رجل له عجل رأى في المنام كأنه خالفه إلى خمير (٢٧) عنده فأكله. فقال له أبو خارجة: هذا رجل يخالفه (٢٨) إلى أهله. فقال [أحد] (٢٩) الرجلين لصاحبه: «قد نهيناه من دخوله إليه فلم ينته». وكان رحمه الله تعالى ممن ينطق بالحكمة: عن أبي عثمان سعيد بن حسان أنه قال: أوصى أبو خارجة بعض إخوانه فقال: يا عبد الله؛ أوصيك بوصية: وهي أن تكون ذاكرا غانما أو ساكتا سالما، وإياك وكثرة الكلام: إن العبد يسأل يوم القيامة عن فضول كلامه كما يسأل عن فضول ماله، وإياك وكثرة الضحك: فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه، ويورث الفقر.

стр. 278

وكان يقول: أحب الأمور إلى الله سبحانه أسمحها وأسهلها. وثلاث (٣٠) من أعطيهن (٣١) فقد اغتبط: علم نافع، ورزق طيّب، وعمل متقبّل (٣٢). وكان يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب من الذنب العائد فيه كالمستهزئ به. وكان يقول: إذا ذكر عند أحدكم أخوه، فدعا له، كتب له من الأجر كمن عاده في مرضه أو تبع جنازته. ومن أصابته مصيبة فقال: إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، جدّد الله أجرها وإن قدمت. وكان يقول (٣٣): ثلاث من أعلام الإحسان: كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر العيب. وثلاث من أعلام المعرفة: الإقبال على الله ، والانقطاع إلى الله ﵎، والافتخار بالله سبحانه. وثلاث من أعلام الفكرة: سرعة الادكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار. وكان يقول عند إفطاره (٣٤): الحمد لله الذي رزقني فأفطرت. إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك (٣٥). وكان يقول، إذا دعا الرجل وفرغ من دعائه، ولم يصلّ على النبي محمد ﷺ : رفرف الدعاء على رأسه فلا يصعد حتى يقوله. وكان يقول: ثلاثة لكل واحد منهم ملك موكل به ينسيه: النفساء، وراكب البحر، وحامل الجنازة. فالنفساء إذا أضرّ بها الطلق قالت: إن نجوت لم أعد. فإذا وضعت ضرب الملك العاتق وقال لها: انسي، فتنسى. وراكب البحر إذا أخذه الهول في البحر قال: إن نجوت لم أعد. فإذا وضع رجله في البر ضربه الملك على العاتق وقال له: انس، فينسى. وحامل الجنازة إذا حملها ذكر الآخرة ونسي

стр. 279

الدنيا، فإذا وضعها ضرب الملك العاتق وقال: انس، فينسى. وكان رحمه الله تعالى، يروي عن مالك غرائب لم تكن عند غيره. وذلك ما حدث به عنه، قال (٣٦): «سألت مالكا عن الذي يعتمّ بالعمامة ولا يجعلها تحت حلقه (٣٧)، فأنكرها وقال: «ذلك من عمل النبط وليس من عمة الناس، إلا أن تكون قصيرة ولا تبلغ».قال مالك: «ومما يقوى العمّة عندي أن الميت يعمم. والعمامة، والاحتباء، والانتعال من عمل العرب» قال أبو خارجة: فقلت لمالك: «هل كانت العمة في الجاهلية؟ » فقال: «كانت العمامة في أول الإسلام ثم لم تزل حتى كان هؤلاء؛ ولقد كنت أعد في مجلس ربيعة (٣٨) واحدا وثلاثين رجلا ما منهم رجل إلا وهو معتم».قال مالك: «وأنا منهم».قال مالك: «ولقد كنت أراهم يعتمون حتى تطلع الثريا (٣٩)، رضي الله تعالى عنهم أجمعين». ٩٧ - ومنهم عمر بن الحكم اللخمي (*). سمع من مالك وكان ثقة. روى عن (١) الأوزاعي، قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج يوم جمعة مسافرا دعت عليه الملائكة ألا يصحب في سفره ولا تقضى حاجته».

стр. 280

٩٨ - ومنهم أبو القاسم الزواوي (*)، رحمه الله تعالى . قال أبو العرب (١): سمع من مالك وروى عنه [حديثا] (٢) لم أعلمه رواه عنه غيره: قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر، قال (٣): قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الجنة حفها بالريحان [وحفّ الريحان] (٤) بالحنّاء، وما خلق الله شجرة أحب إليه من الحنّاء. وإن الخاضب بالحنّاء لتصلّي عليه ملائكة الأرض إذا راح (٥)». ٩٩ - ومنهم أبو الوليد عباس بن الوليد الفارسي (**)، /رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان ثقة مأمونا حافظا للحديث. لقي جماعة [من المحدثين] (٢) منهم ابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض، وبشرا كثيرا من محدثي الأمصار. وأحسبه لقي مالكا، لأن رحلته ورحلة «أسد» كانت في مدة (٣) واحدة. وذكر ابن شعبان (٤) أنه لقى مالكا وروى عنه. سكن تونس وأوطنها وكانت له بالقيروان دار

стр. 281

عند «باب الريح».استشهد رضي الله تعالى عنه بمدينة تونس في شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين. ومن بعض ما أسنده (٥) من الحديث: عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي مليكة عن طاوس عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ (٦): «قدوا (٧) مصابيح منازلكم عند الغروب تستغفر لكم الملائكة وأركان البيت، ومن ترك ذلك استبقاء للزيت نقص من زيته سبعون (٨) نقطة من حيث لا يعلم. ومن أوقدها عند الغروب إكراما للملائكة زيد في زيته سبعون (٨) نقطة من حيث لا يعلم». وقال (٩): «لا تبيتوا حتى تطفئوا المصابيح وتكفئوا الإناء». حدث أبو العرب (١٠) عن أبيه أنه قال: ربّما وجدنا في أواخر كتب عباس بن الفارسي يقول: «درسته ألف مرة». محمد بن جبلة قال: جئنا إلى عباس ابن الفارسي لنسمع منه، وأردنا أن نختبر حفظه، ومعنا كتاب أبي الأحوص (١١)، فقلبنا الورق فجعلنا الأول آخرا والآخر أولا، فلما ذهبنا لنقرأ عليه قال: «ليس هذا. أول الكتاب حديث فلان».وكلما أردنا أن نجوز عليه من مكان إلى مكان يقول لنا: «يتلو هذا الحديث حديث فلان».فلم يزل كذلك حتى ألف الكتاب على نفسه. قال: فقبّلت رأسه وقلت: «مثلك من حمل العلم». كان، رحمه الله تعالى، أحد الأئمة المعدودين والعلماء الراسخين. انتشرت إمامته

стр. 282

بالمغرب والمشرق مما يطول بذكره الكتاب. ثم ختم الله له بالشهادة، فاستشهد بمدينة تونس (١٢)، وذلك لما دخلها جيش زيادة الله بن إبراهيم (١٣) بن الأغلب في [حرب] (١٤) منصور الطنبذي وأراد استباحتها وقتل أهلها وسبيهم. جلس عباس بن الفارسي في داره ولم يقاتل حتى دخلوا عليه في داره، فخرج بسيفه وهو يقول: «الجهاد، الجهاد» فقتل وقطعت رأسه، وطرحت جثته بخربة بتونس (١٥)؛ فأقامت سبعة أيام لم يقربها ذو ناب ولا مخلب حتى دفنت. وكان يرى عليه كل ليلة مصباح أو كالمصباح. ذكر عن أبي إسحاق بن علي بن حميد، قال: كنت يوما جالسا في مجلس الأمير زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، إذ دخل عليه أبو فهر بن عمرون (١٦)، فأخبره بما جرى له في تونس وفتحه لها واستيلائه عليها، ثم قال له: «وأعلمك أني قتلت عباس بن الفارسي»، فاستعظم ذلك زيادة الله وأنكره، وقال له: «ما حملك على ذلك، وما دعاك إلى قتله، وهو رجل صالح عالم؟ أما علمت أن قاتل عباس بن الفارسي لا يلبث حولا؟ » قال أبو إسحاق: فما دار الحول على أبي فهر حتى قتل. قال أبو العرب (١٧): قال لي أبي: حدثني «صبرة» -مولى لنا-قال: «رأيت عند

стр. 283

جثة عباس بن الفارسي كلبا أبيض يمنع الكلاب أن تدنو من جثته. وكانت جثته ملقاة في خربة، فلم يقربها كلب». حدثنا سليمان بن سالم، قال (١٨): «رأيت قاتل عباس بن الفارسي دخل علينا-[ونحن عند زيد بن بشر] (١٩) -وهو أسود الوجه قد مسخ به، ثم قتل بعد ذلك». ١٠٠ - ومنهم أبو الخطاب محمد (١) بن عبد الأعلى الكندي (*)، رحمه الله تعالى. قال أبو سعيد بن عبد الأعلى: روى عن مالك والليث وابن لهيعة وابن أنعم. قال أبو العرب (٢): كان أبو الخطاب من مشايخ أهل إفريقية. روى عن الثوري. وكان [يقول] (٣) إن له أربعين سنة لم ينزع طوقه من عنقه، اشتغالا منه بالصلاة والعبادة. وكان ثقة في علمه وما حمل. وذكر أن البهلول سمع (٤) منه (٥).

стр. 284

١٠١ - ومنهم أبو مسعود العباس (١) بن أشرس الأنصاري (*)، مولى لهم (٢). كان فاضلا. سمع من مالك. قال سحنون (٣): كان ابن أشرس حسن الضبط للعلم، وكان شديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو مذكور في «حديث الملتاط» (٤)، رحمه الله تعالى. وقد (٥) كانت نزلت به نازلة فرحل إلى القيروان فيها (٦) من تونس، واجتمع بالبهلول بن راشد، وقبل منها ما أفتاه فيها وقلّده إياها: وذلك ما حدّث به موسى بن معاوية الصمادحي، قال: استحلف السلطان بتونس أبا مسعود بن أشرس، صاحب مالك، على رجل أراد السلطان قتله أنه ما أواه ولا يعلم له موضعا. فحلف له ابن اشرس-وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه

стр. 285

وهو الذي آواه-فحلفه بالطلاق ثلاثا، فحلف له ابن أشرس إشفاقا منه على الرجل وحقنا لدمه، ثم قال لامرأته: اعتزليني، فاعتزلته. ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بالقيروان، فأخبره بما جرى. فقال له البهلول: «قال مالك: إنك حانث».قال له ابن أشرس: وأنا سمعت مالكا يقول ذلك، وإنما أردت أن أرى ما عندك. فقال له البهلول: «قال الحسن بن أبي الحسن البصري: لا حنث عليك». قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. قال أبو الحسن بن الخلاف: روى ذلك عن الحسن يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن دينار عن الحسن: في رجل طلبه السلطان ليقتله أو ليجتاح ماله، فحلف عليه رجل بالطلاق أنه لا يعلم علمه؟ . قال: «يحلف عن أخيه المسلم ولا طلاق عليه». ١٠٢ - ومنهم عمر بن سمك (**) بن حميد مولى موسى بن نصير، رحمه الله تعالى. روى عن مالك رحمه الله تعالى. ١٠٣ - ومنهم أبو طالب عبد الله بن عثمان الأبزاري (١) المعافري (*). قال أبو العرب: كان رجلا صالحا. سمع من مالك ومن عبد الله بن فروخ. وروى عنه داود بن يحيى. قال داود: حدثنا أبو طالب بن عثمان عن عباد ابن كثير (٢) عن يحيى بن [أبي] (٣)
следующие страницы →