← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عند «باب الريح».استشهد رضي الله تعالى عنه بمدينة تونس في شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين. ومن بعض ما أسنده (٥) من الحديث: عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي مليكة عن طاوس عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ (٦): «قدوا (٧) مصابيح منازلكم عند الغروب تستغفر لكم الملائكة وأركان البيت، ومن ترك ذلك استبقاء للزيت نقص من زيته سبعون (٨) نقطة من حيث لا يعلم. ومن أوقدها عند الغروب إكراما للملائكة زيد في زيته سبعون (٨) نقطة من حيث لا يعلم». وقال (٩): «لا تبيتوا حتى تطفئوا المصابيح وتكفئوا الإناء». حدث أبو العرب (١٠) عن أبيه أنه قال: ربّما وجدنا في أواخر كتب عباس بن الفارسي يقول: «درسته ألف مرة». محمد بن جبلة قال: جئنا إلى عباس ابن الفارسي لنسمع منه، وأردنا أن نختبر حفظه، ومعنا كتاب أبي الأحوص (١١)، فقلبنا الورق فجعلنا الأول آخرا والآخر أولا، فلما ذهبنا لنقرأ عليه قال: «ليس هذا. أول الكتاب حديث فلان».وكلما أردنا أن نجوز عليه من مكان إلى مكان يقول لنا: «يتلو هذا الحديث حديث فلان».فلم يزل كذلك حتى ألف الكتاب على نفسه. قال: فقبّلت رأسه وقلت: «مثلك من حمل العلم». كان، رحمه الله تعالى، أحد الأئمة المعدودين والعلماء الراسخين. انتشرت إمامته

стр. 282

بالمغرب والمشرق مما يطول بذكره الكتاب. ثم ختم الله له بالشهادة، فاستشهد بمدينة تونس (١٢)، وذلك لما دخلها جيش زيادة الله بن إبراهيم (١٣) بن الأغلب في [حرب] (١٤) منصور الطنبذي وأراد استباحتها وقتل أهلها وسبيهم. جلس عباس بن الفارسي في داره ولم يقاتل حتى دخلوا عليه في داره، فخرج بسيفه وهو يقول: «الجهاد، الجهاد» فقتل وقطعت رأسه، وطرحت جثته بخربة بتونس (١٥)؛ فأقامت سبعة أيام لم يقربها ذو ناب ولا مخلب حتى دفنت. وكان يرى عليه كل ليلة مصباح أو كالمصباح. ذكر عن أبي إسحاق بن علي بن حميد، قال: كنت يوما جالسا في مجلس الأمير زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، إذ دخل عليه أبو فهر بن عمرون (١٦)، فأخبره بما جرى له في تونس وفتحه لها واستيلائه عليها، ثم قال له: «وأعلمك أني قتلت عباس بن الفارسي»، فاستعظم ذلك زيادة الله وأنكره، وقال له: «ما حملك على ذلك، وما دعاك إلى قتله، وهو رجل صالح عالم؟ أما علمت أن قاتل عباس بن الفارسي لا يلبث حولا؟ » قال أبو إسحاق: فما دار الحول على أبي فهر حتى قتل. قال أبو العرب (١٧): قال لي أبي: حدثني «صبرة» -مولى لنا-قال: «رأيت عند

стр. 283

جثة عباس بن الفارسي كلبا أبيض يمنع الكلاب أن تدنو من جثته. وكانت جثته ملقاة في خربة، فلم يقربها كلب». حدثنا سليمان بن سالم، قال (١٨): «رأيت قاتل عباس بن الفارسي دخل علينا-[ونحن عند زيد بن بشر] (١٩) -وهو أسود الوجه قد مسخ به، ثم قتل بعد ذلك». ١٠٠ - ومنهم أبو الخطاب محمد (١) بن عبد الأعلى الكندي (*)، رحمه الله تعالى. قال أبو سعيد بن عبد الأعلى: روى عن مالك والليث وابن لهيعة وابن أنعم. قال أبو العرب (٢): كان أبو الخطاب من مشايخ أهل إفريقية. روى عن الثوري. وكان [يقول] (٣) إن له أربعين سنة لم ينزع طوقه من عنقه، اشتغالا منه بالصلاة والعبادة. وكان ثقة في علمه وما حمل. وذكر أن البهلول سمع (٤) منه (٥).

стр. 284

١٠١ - ومنهم أبو مسعود العباس (١) بن أشرس الأنصاري (*)، مولى لهم (٢). كان فاضلا. سمع من مالك. قال سحنون (٣): كان ابن أشرس حسن الضبط للعلم، وكان شديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو مذكور في «حديث الملتاط» (٤)، رحمه الله تعالى. وقد (٥) كانت نزلت به نازلة فرحل إلى القيروان فيها (٦) من تونس، واجتمع بالبهلول بن راشد، وقبل منها ما أفتاه فيها وقلّده إياها: وذلك ما حدّث به موسى بن معاوية الصمادحي، قال: استحلف السلطان بتونس أبا مسعود بن أشرس، صاحب مالك، على رجل أراد السلطان قتله أنه ما أواه ولا يعلم له موضعا. فحلف له ابن اشرس-وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه

стр. 285

وهو الذي آواه-فحلفه بالطلاق ثلاثا، فحلف له ابن أشرس إشفاقا منه على الرجل وحقنا لدمه، ثم قال لامرأته: اعتزليني، فاعتزلته. ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بالقيروان، فأخبره بما جرى. فقال له البهلول: «قال مالك: إنك حانث».قال له ابن أشرس: وأنا سمعت مالكا يقول ذلك، وإنما أردت أن أرى ما عندك. فقال له البهلول: «قال الحسن بن أبي الحسن البصري: لا حنث عليك». قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. قال أبو الحسن بن الخلاف: روى ذلك عن الحسن يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن دينار عن الحسن: في رجل طلبه السلطان ليقتله أو ليجتاح ماله، فحلف عليه رجل بالطلاق أنه لا يعلم علمه؟ . قال: «يحلف عن أخيه المسلم ولا طلاق عليه». ١٠٢ - ومنهم عمر بن سمك (**) بن حميد مولى موسى بن نصير، رحمه الله تعالى. روى عن مالك رحمه الله تعالى. ١٠٣ - ومنهم أبو طالب عبد الله بن عثمان الأبزاري (١) المعافري (*). قال أبو العرب: كان رجلا صالحا. سمع من مالك ومن عبد الله بن فروخ. وروى عنه داود بن يحيى. قال داود: حدثنا أبو طالب بن عثمان عن عباد ابن كثير (٢) عن يحيى بن [أبي] (٣)

стр. 286

كثير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن حذيفة قال (٤): «يا رسول الله، كيف لنا بعلم ما يكون؟ ».قال: «يا ابن اليمان، من عمل بطاعة الله، ولم ينتهك محارم الله، ولم يستأثر بالفيء لنفسه ولأهل بيته فعليك به يا حذيفة. فإذا استأثر هو بالفيء وأهل بيته وشيدوا بنيانهم، وأظهروا دنياهم، وزعموا أن الناس خول (٥) لهم، نقضوا كتاب الله تعالى وغيروا سنتي، فما لك ولهم؟ إياك أن تكون لهم قاضيا ولا جابيا ولا عريفا ولا شرطيا، ولا تعن (٦) بسمع ولا ببصر ولا لسان ولا شد (٧)، وكن حلسا من أحلاس بيتك، وإياك وأعوان الظلمة ومؤازرة أهل الباطل فتكون من أتباعهم، وترد مواردهم يوم القيامة». ١٠٤ - ومنهم أبو عبد الله أسد بن الفرات (*) بن سنان، مولى بني سليم: رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب: أصله من خراسان-نيسابور (١). قال سليمان ابن عمران: إنه ولد بحران، سنة اثنتين وأربعين ومائة، ويقال إنها أول مدينة بنيت على الأرض بعد الغرق بالطوفان. قال: دخلت مع أبي إلى القيروان في جيش «ابن الأشعث»، فأقمنا بها خمس

стр. 287

سنين، ثم رحلنا إلى تونس فأقمت بها نحو تسع سنين. فلما بلغت ثماني عشرة سنة علمت القرآن ببجردة (٢). قال: ورأت أمي بها كأن حشيشا نبت على ظهري ترعاه البهائم، فعبرت رؤياها عند معبر، فقال: «سوف يكون عند هذا الغلام علم يحمل عنه». كان قدومه القيروان سنة أربع وأربعين ومائة وهو ابن سنتين، وسمع من علي بن زياد «الموطأ» وتعلم منه العلم بعد أن ارتحل من بجردة إلى تونس. ثم ارتحل إلى المشرق، فلقي مالكا وواظب عليه، وطلب عليه العلم وسمع منه «الموطأ».ثم ارتحل إلى العراق فلقي أصحاب أبي حنيفة: أبا يوسف، وأسد بن عمرو (٣) ومحمد بن الحسن. وكتب الحديث بالعراق وتفقه بها؛ ثم رحل من العراق-بعد وفاة مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه-إلى مصر، فوجد أصحاب مالك بوفرهم فلزم ابن القاسم ﵀ وأخذ عنه «الأسدية»، وقدم بها إلى القيروان وسمعها منه خلق كثير مع «الموطأ» وغير ذلك من العلوم، وانتشرت إمامته. ثم ولاه زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب قضاء إفريقية سنة ثلاث ومائتين، فأقام قاضيا عليها يقضي بين أهلها بالكتاب والسنة، حتى خرج لغزو «صقلية» فجاهد بها الروم وقاتلهم قتالا عظيما، وكانت له بها آثار مشهورة ومقامات مذكورة، وافتتح منها مواضع كثيرة، ثم توفي رحمه الله تعالى من جراحات أصابته وهو محاصر «لسرقوسة» في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائتين، ودفن بذلك الموضع. ومن بعض ما أسند عنه من الحديث: عنه عن مالك عن سهيل بن أبي صالح (٤)

стр. 288

عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال (٥): «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا (٦) هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا». ذكر رحلته وما تم له مع مالك وأهل العراق، وكيف كان سبب تدوينه الأسدية وما جرى له مع ابن القاسم في ذلك: ذكر (٧) سليمان بن سالم، صاحب سحنون، أنه أخبره غير واحد [من شيوخه] (٨) أن أسدا خرج إلى المشرق في سنة اثنتين وسبعين ومائة، فقصد (٩) مالك بن أنس، فلما فرغ من سماعه منه قال له: «زدني يا أبا عبد الله سماعا منك» -وكأنّه استقل الموطأ- فقال له مالك: «حسبك ما للناس».وكان مالك إذا سئل عن مسألة كتبها أصحابه، فيصير لكل واحد منهم «سماع» مثل «سماع ابن القاسم».فرأى أسد أمرا يطول عليه، وخاف من طول مقامه أن يفوته ما رغب فيه من لقاء الرجال والرواية عنهم، فرحل إلى العراق. وذكر غير سليمان (١٠): أنه سأل مالكا يوما عن مسألة، فأجابه فيها؛ فزاد أسد في السؤال، فأجابه؛ فزاد أسد في السؤال (١١)، فأجابه؛ ثم زاد، فقال له مالك: «حسبك يا مغربي! إن أحببت الرأي فعليك بالعراق». وذكر بعض المؤرخين عن أسد أنه قال (١٢): «لقد كان أصحاب مالك-[ابن] (١٣) القاسم وغيره-يجعلونني (١٤) أسأل مالكا عن المسألة، فإذا سألته أجابني. فيقولون لي: «فلو كان كذا وكذا؟ » فأقول له، فضاق عليّ يوما فقال لي: «سلسلة

стр. 289

بنت سليسلة: إذا كان كذا وكذا، كان كذا وكذا! إن أردت هذا فعليك بالعراق». قال: فقلت لأصحابي: «تريدون أن تأخذوا العقارب بيدي؟ لا أعود إلى مثل هذا». وعن أسد قال (١٥): دخلت أنا وحارث بن أسد القفصي وغالب صهري (١٦) على مالك بن أنس لأودعه، فتقدم إليه صاحباي فقالا: «أوصنا يرحمك الله»، فأوصاهما، ثم قال [لي] (١٧): «أوصيك بتقوى الله، والقرآن، والمناصحة لهذه الأمة».فلما خرجنا من عنده قال لي صاحباي: «زادك والله علينا يا أبا عبد الله». قال سليمان: ولما ودعه ابن القاسم قال له (١٨): «أوصيك بتقوى الله، والقرآن، ونشر هذا العلم». ولما (١٩) وصل أسد رحمه الله تعالى إلى العراق لقي أصحاب أبي حنيفة، فسمع منهم ودارسهم، فلم يفتح له ما أراد، وكان يجلس في حلقة محمد بن الحسن فلا ينفتح له شيء مما يتكلم عليه، وكان يدرس الليل والنهار ولا ينفتح له شيء. وكان يتعاهد رقّاقا يشتري منه الرقوق فشكا إليه وقال: «إني غريب طالب [علم] (٢٠)، وقد نفدت بضاعتي ولم ينفتح لي شيء من العلم، فقال له: «اقرأ عليّ وأنا أفتح لك وأبين لك أصول القوم».قال: «فكنت أقرأ عليه ويبين لي، وكنت أتعاهده حتى انكشفت لي أصول القوم وظهرت لي مذاهبهم. فلما جلست بعد ذلك في حلقة ابن الحسن تكلمت معهم وناظرتهم، فقال محمد/لأصحابه: انفتح دماغ المغربي! . قال أسد (٢١): «فبينما نحن مع محمد بن الحسن يوما في الحلقة إذ أتاه رجل يتخطى الناس حتى سارّ محمد بن الحسن، فسمعنا محمدا يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون،

стр. 290

مصيبة ما أعظمها! مات مالك بن أنس. مات أمير المؤمنين في الحديث! » قال: ثم فشا الخبر في المسجد وماج الناس حزنا لموت مالك بن أنس. وكان، بعد موت مالك، إذا حدث عن مالك اجتمع إليه الناس وانسدت (٢٢) عليه الطريق رغبة في حديث مالك، وإذا حدث عن غيره لم يجئه إلا الخواص. ذكر سليمان بن سالم عن أسد أنه قال لمحمد بن الحسن (٢٣): «إني غريب قليل النفقة. والسماع منك نزر والطلب عندك كثير، فما حيلتي؟ » فقال لي: «اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتأتي فتبيت عندي، «وأسمعك». قال: فكنت أبيت عنده. وكنت في بيت في سقيفته-وكان يسكن العلو-فكان ينزل إليّ، ويجعل بين يديه قدحا فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال عليه الليل ورآني قد نعست، ملأ يده ونضح به في وجهي، فأنتبه. وكان ذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه». قال أسد رحمه الله تعالى (٢٤): وكنت يوما جالسا في حلقة محمد بن الحسن حتى صاح صائح: «الماء للسبيل! » فقمت مبادرا فشربت من الماء ثم رجعت إلى الحلقة، فقال لي محمد بن الحسن: «يا مغربي شربت ماء السبيل؟ » فقلت: «أصلحك الله، وأنا ابن سبيل» قال: ثم انصرفت فلما كان عند الليل إذا أنا بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا خادم محمد بن الحسن فقال: «مولاي يقرأ عليك السلام ويقول لك: «ما علمت أنك ابن سبيل إلا في يومي، فخذ هذه النفقة فاستعن بها على حاجتك».ثم دفع إلي صرة ثقيلة فقلت في نفسي: هذه كلها دراهم، ففرحت بها. فلما دخلت منزلي فتحتها فإذا فيها ثمانون دينارا. وعن بن أبي زيد الفقيه عن عبد الله بن سعيد بن الحداد عن أبيه سعيد قال (٢٥): بلغني عن محمد بن الحسن ما أعجبني: وذلك أن أسدا نفدت نفقته، إذ كان يطلب العلم بالمشرق، ولم يبق معه ما يتحمل به في انصرافه إلى إفريقية، فأعلم محمد بن

стр. 291

الحسن بذلك، فأحب إدخال المنفعة عليه، فقال له: «إني أذكر شأنك لولي العهد فأرجو أن يصلك بما تتحمل به إلى بلدك وتقوى به على ما أنت بسبيله»، قال: فلما لقيه ذاكره أمره، فقال له: «يأتي الحاجب يوم كذا وكذا فيوصله إلي».قال: فأعلم محمد بن الحسن أسدا بذلك، وأمره أن يمضي إليه للوعد، وقال له: «اعلم أنك عندهم حيث تضع نفسك فإن أنزلت نفسك في مكان حسن أنزلوك، وإن كان غير ذلك أنزلوك فيه. فلما كان ذلك اليوم مضى أسد فدخل على الحاجب فأجلسه، ثم دخل إلى ولي العهد، فخرج الحاجب وخادم معه، فأمره بالدخول، فدخل أسد والخادم بين يديه، حتى انتهى به إلى موضع فأمره بالجلوس فيه حتى يرجع إليه. ومضى الخادم فأقام شيئا ثم رجع ومعه مائدة مغطاة فجعلها بين يديه وقال له: «كل» قال أسد: ففكرت فيما بيني وبين نفسي، وقلت: «أهذه مكرمة أو منقصة؟ ما أرى هذه إلا منقصة».فقلت للخادم: «هذا الذي جئت به منك أو من مولاك؟ » فقال: «مولاي أمرني أن آتيك به، وهو أرسلني [إليك] (٢٦)»، فقلت: «إن مولاك لا يرضى بهذا: أن يكون ضيفه يأكل دونه، يا غلام هذا بر منك، وجبت مكافأتك [عليّ] (٢٧)»، قال: وكانت معي في جيبي أربعون درهما لم يبق معي [من] (٢٦) نفقتي سواها، فدفعتها إلى الخادم، وقلت له: ارفع مائدتك؛ فرفعها. ثم دخل فأعلم مولاه بالذي كان مني. قال: فبلغني أنه لما حكى له ما فعلت وما قلت، قال: «حر والله الذي لا إله إلا هو» ثم خرج إليّ الخادم وقال لي: «ادخل».فمضيت حتى دخلت عليه، وهو على سرير ومعلمه على سرير قبالته وسرير ثالث خال ليس عليه أحد. فسلمت، فأمرني بالجلوس على السرير الخالي، فجلست. وأقبل يسألني وأجيبه، فلما قرب انصرافي أخذ رقعة وكتبها وختمها ودفعها إليّ، وقال لي: «قف [بها] (٢٨) إلى صاحب الديوان، وتعود إلينا إن شاء الله تعالى، فلك عندنا ما تسر به». قال: فأخذت الرقعة وخرجت وليس معي شيء ولا بقي معي من نفقتي شيء، فاحتقرت الرقعة، ولم أمض بها.

стр. 292

فلما كان الغد لقيت محمد بن الحسن فقال لي: «ما صنعت؟ » فأخبرته بالذي كان، فقال لي: «قم الساعة، فوصّل الرقعة ولا تتوان» (٢٩) فمضيت فدفعتها إلى صاحب الديوان، فدفع إليّ عشرة آلاف، فأخذتها ومضيت إلى محمد بن الحسن، فأعلمته بما كان، فقال لي: «لك فيما وصل [إليك] (٣٠) عون على ما أنت بصدده، وفيها ما تتحمل به إلى بلدك، وإن عدت إلى القوم كنت لهم خادما».قال: فتركت العود إليه (٣١). قال أبو عثمان: والثانية أن أسدا تحدث في مجلس محمد بن الحسن أن بالغرب طائرا يتكلّم، قال: فنظر إليه الطلبة و [نظر] (٣٢) بعضهم إلى بعض منكرين لما تحدث به. وفهمت ذلك منهم ولم يرد علي شيئا، وبقيت مغموما بذلك إلى أن بلغني أن غرابا وصل إلى بعض السلاطين هدية من «المغرب».قال: فلم أزل أسعى فيه حتى دفع إلي، فجئت به إلى مجلس محمد بن الحسن، فقلت: «هذا الذي كنت حدثتك أنه يتكلم».وجعلت أريهم كيف يجاوب، فقال لي محمد: «ما أبهمت إذ تحدثت بالحديث، ولا عذر بك إذ جئت بالمخرج منه، إذ كان خبرا لا تقبله القلوب». قال: والثالثة أن أسدا كان جالسا مع محمد إذ مرت به امرأة في يدها ثوب تريد أن تبيعه، فدعاها أسد، فأخذ الثوب فنظر إليه ثم قال: «إنه لثوب صحيح».فقال له محمد: «ما هكذا تخاطب النساء، ألا قلت: ثوب صفيق أو ثوب جيد أو ثوب حسن؟ » على الإنكار منه على أسد إذ كلم (٣٣) المرأة بما كلمها به. قال أسد: قلت يوما لمحمد [بن الحسن] (٣٤): اختلف الروايات في الذبيح من هو، فقال قوم: إسحاق، وقال قوم: إسماعيل، وقال محمد: أصح الروايات عندنا أنه إسماعيل/، لأن الله يقول في كتابه الكريم: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٣٥) فكيف يختبر [إبراهيم] (٣٤) بذبح إسحاق وقد أعلمه الله

стр. 293

أنه سيولد له إسحاق ويولد لإسحاق يعقوب؟ وإنما الاختبار فيما لم يعرف عاقبته وهو إسماعيل (٣٦). وذكر (٣٧) سليمان بن سالم: أن أسدا لما وصل إلى مصر بعد وفاة مالك (٣٨) اجتمع مع عبد الله بن وهب، فسأله عن مسألة فأجابه ابن وهب بالرواية، فأراد أن يدخل عليه غير الرواية، فقال له ابن وهب: «حسبك إذا أدينا إليك الرواية» ثم أتى إلى أشهب، فسأله، فأجابه أشهب، فقال له أسد: «من يقول هذا، أمالك أم أبو حنيفة؟ » فقال أشهب: «هذا قولي، عافاك الله! »، فقال له: «إنما سألتك عن قول مالك وأبي حنيفة، فتقول هذا قولي؟ »، فدار بينهما كلام، فقال عبد الله بن عبد الحكم لأسد: «ما لك ولهذا؟ هذا رجل أجابك بجوابه، فإن شئت فاقبل وإن شئت فاترك».ففرق بينهما، فترك أشهب. وأتى إلى عبد الرحمن بن القاسم، وهو يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وقد أضنى نفسه من العبادة (٣٩)، فسأله عن مسألة فأجابه ثم أدخل عليه، فأجابه، حتى انقطع أسد في السؤال. فقال له [ابن القاسم] (٤٠): «يا مغربي زد وقل لي من أين قلت حتى أبين لك قول مالك» فعند ذلك قام أسد على قدميه في المسجد فقال: «معاشر الناس، إن [كان] (٤١) مالك بن أنس قد مات، فهذا مالك بن أنس؛ » فكان يغدو إليه كل يوم، فيسأله ويجيبه ابن القاسم، حتى دون ستين كتابا وسماها «الأسدية». وقيل: إن ابن القاسم ترك لأسد في سؤاله ختمة. فلما (٤٢) عزم أسد على الرحيل إلى إفريقية قام عليه أهل مصر فسألوه في كتبه (٤٣) أن ينسخوها، فأبى عليهم، فقدموه إلى القاضي بمصر، فقال لهم القاضي: «وأي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلا فأجابه، وهو بين أظهركم فسلوه كما سأله».فرغبوا إلى

стр. 294

القاضي في سؤاله أن يقضي حاجتهم، فسأله القاضي فأجابه إلى ذلك، فنسخوها حتى فرغوا منها. وعزم (٤٤) أسد على الرحيل فوجّه معه ابن القاسم بضاعة وقال له: «إذا قدمت إفريقية فبعها واشتر بثمنها رقوقا، وانسخ الكتب ووجه بها إليّ (٤٥)».فلما قدم أسد إفريقية أظهر الكتب وأسمعها الناس، وانتشرت بإفريقية. قال (٤٦): وكان سحنون ومحمد بن رشيد (٤٧) يكتبانها، فلما سمع أسد بذلك شح على الكتب ولم يعطها لأحد. قال سليمان: قال لي محمد بن سحنون: فبقي على سحنون منها «كتاب القسم» (٤٨) فأتى رجل من أهل الجزيرة (٤٩) إلى أسد فسأله في «كتاب القسم (٤٨)» فأبى أن يعطيه إياه حتى حلفه أنه لا يعطيه لسحنون، فلما صار الكتاب إلى الرجل أتى به إلى سحنون وقال له: «خذه يا أبا سعيد، فما أعطانيه حتى حلفت، وأنا أكفر عن يميني». فكملت الكتب عند سحنون. قال أبو القاسم زياد بن يونس السدري (٥٠): ولما تهيأ لسحنون الخروج إلى مصر خرج معه مشايخ أهل العلم وفيهم أسد، فقال لسحنون: «أما إنه لو كان معك هذا الديوان لسمعته على ابن القاسم»، فقال له سحنون: «أما إنه في وعائي! » ثم شيعوه وانصرفوا. فوصل (٥١) إلى ابن القاسم [فسأله] (٥٢) عن أسد: ما فعل الله به؟ فأخبره بما انتشر (٥٣) من علمه في جميع الآفاق، فسر بذلك عبد الرحمن. ثم شافهه سحنون في

стр. 295

مسائل سأله عنها، فرد عليه جوابها، ثم أحله من نفسه بمحل عظيم. ثم قال له سحنون: إني أريد أن أسمع منك هذه (٥٤) «المدونة» (٥٥)، قال: فاستخار الله في ذلك عبد الرحمن، ثم قال: افعل. فبدأ بالسماع عليه حتى استكملها، وأسقط منها ابن القاسم: «وأظن مالكا قال في هذه المسألة كذا، وكذا، وأخال مالكا قال كذا وكذا» وقال لابن القاسم: «ما وقفت عليه من قول مالك كتبته وما لم تقف عليه تركته وتكلمت فيه بما يظهر لك من ذلك، والله يعينك».فأجابه عبد الرحمن إلى ذلك وتمم له ما أراد. فلما فرغ كتب له عبد الرحمن كتابا إلى «أسد» يأمره فيه أن يرد «مدونته» على «مدونة سحنون» فلما قدم سحنون بالكتاب دفعه إلى أسد، فلما قرأه أراد أن يفعل ما أمره به من ذلك، فشاور في ذلك جماعة من تلامذته فقالوا له: «لا تفعل، فإنك تتضع عند الناس إن رددت كتبك على كتب سحنون ويسود بذلك عليك وترجع له تلميذا، وأنت قد أدركت مالكا وأخذت عنه، ثم دخلت الكوفة وأخذت عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، فاترك هذا واحمل عن هؤلاء، فقبل (٥٦) منهم كلامهم وفعل (٥٧) ما قالوا له، ولم يقبل كتاب ابن القاسم في ذلك، وتمسك بكتابه «الأسدية» ونشر مذاهب أهل العراق، وتمسك سحنون «بمدونته» التي قدم بها، ونشرها وسمعها عليه أهل المغرب، وانتشر ذكرها في الآفاق. وعول الناس عليها وأعرضوا عن «الأسدية» وغلب عليها اسم سحنون. والمشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق عنده، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين. وكان أسد بعد وصول كتاب ابن القاسم إليه، إذا ذكر عنده ابن القاسم، مشرفا له ومعظما.

стр. 296

وعن عبد الله بن سعيد [بن] الحداد عن أبيه قال: «سمعت معمرا يقول: دخلت على أسد فوجدته يبكي، فقلت له، «أمصيبة نزلت بك؟ » فقال: «لا، ولكنه جاءني من ابن القاسم كتاب يأمرني فيه أن أعرض كتبي على كتب سحنون، أفأعرض كتبي على كتبه وأنه رتبته؟ » (٥٨) قال: فقلت له: «أنت أهل لما أصابك، أفما عرفت إنما عرف ابن القاسم بك؟ ».فقال لي: «لا تفعل، لو رأيت ابن القاسم لعز عليك أن تقول هذا فيه». وقيل: إن أسدا ضرب شيخا من شيوخ إفريقية (٥٩) معروفا بالعلم ومعرفة الحديث لما شهد عليه عنده في وقت ولايته القضاء أنه انتقص ابن القاسم، فضربه على ذلك ضربا عظيما. فهذا يدل على موالاته ومحبته فيه، رضي الله تعالى عنهم. ذكر فضله ومناقبه: قال أبو جعفر القصري: كان أسد إمام العراقيين بالقيروان كافة، مشهورا بالفضل والدين، ودينه ومذهبه هو السنة، يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكان يبدّع من يقول غير ذلك. وكان يقول: «إن الله على العرش استوى بلا كيف ويرى في الأخرى كيف يشاء لا كما يشاء العباد»، ويكفّر من يمنع من ذلك. وكان يقول: «والله لو أدخلت الجنة فحجبت عن رؤيته لشككت فيه، ولأنا أسر برؤية ربي مني بالجنة». وكان-رحمه الله تعالى-يكفر بشرا المريسي (٦٠) ويتكلم فيه بأقبح الكلام، وبلغه أنه وضع كتابا وسماه «بكتاب التوحيد» فقال أسد: «أو جهل الناس التوحيد حتى يضع لهم بشر فيه كتابا؟ هذه نبوة ادعاها».قال أسد: ولقد هممت أن أختلف بألواحي إلى بشر فلم أفعل، فلما قدمت بلغني أنه تزندق وتعدى. قال (٦١): وتحدث أسد بحديث فيه رؤية الله ﵎ في الآخرة، وسليمان

стр. 297

العراقي (٦٢) آخر المسجد، فتكلم وأنكر، فسمعه فقام إليه وجمع بين طوقه ولحيته واستقبله بنعله، فضربه ضربا شديدا حتى أدماه. أبو العرب (٦٣) عن (٦٤) جبلة بن حمود قال: [أخبرنا] (٦٥) أبو سليمان داود بن يحيى: رأيت أسد بن الفرات يعرض التفسير فتلا هذه الآية: (فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي) (٦٦) فقال أسد عند ذلك: «ويل لأهل البدع، هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله خلق كلاما، يقول ذلك الكلام المخلوق: (لا إِلهَ إِلاّ أَنَا). عن ابن الحداد قال (٦٧): «حدثت عن أسد أن أصحابه كانوا يقرءون عليه يوما في «تفسير المسيّب بن شريك (٦٨)»، إلى أن قرأ القارئ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٦٩)، وكان سليمان بن حفص (٧٠) جالسا بين يديه، فقال له: «يا أبا عبد الله: من الانتظار» وكان إلى جانب أسد نعل غليظ (٧١)، فأخذ أسد بتلبيبه (٧٢)، وكان أيّدا، وأخذ بيده الأخرى نعله وقال: «إي والله يا زنديق، لتقولنّها أو لأبيضنّ (٧٣) بها عينيك! » فقال: «نعم، ننظره». قيل: لما قدم أسد من المشرق نزل القيروان، وسمع منه المعروفون بصحبته ووجوه

стр. 298

أهلها كسحنون وأمثاله في ذلك الوقت، وسمع عليه كل معروف بصحبته مثل معمر (٧٤) ومحمد بن وهب ومحمد بن قادم وأبي المنهال (٧٥) وسليمان بن عمران وسائر من يقول بقول الكوفيين. ورحل الناس إليه من البلدان، وسمعوا عليه وتفقهوا به. فذكر عن عبد الخالق المتعبد (٧٦) أنه أتى إليه فقال له: «يا أبا عبد الله، جئتنا بالرأي وتركت الآثار وما كان عليه السلف»، فقال له أسد: «أما علمت يا عبد الخالق أن قول أصحاب النبي ﷺ هو رأي لهم وهو أثر لمن بعدهم، وكذلك [قول] (٧٧) التابعين هو رأي لهم وهو أثر لمن بعدهم؟ وأمّا ما في كتبي من قول ابن القاسم «أرى، وأظن» فلقد كنت أسأله عن المسألة فيجيبني، فأقول له: «هذا قول مالك؟ » فيقول لي: «كذلك أحسب، وكذلك أرى».وكان ابن القاسم ورعا، وكان نكره أن يهجم على الجواب وهو يشك فيه. ولقد دفع إليّ، لما أردت الانصراف إلى إفريقية، كتابا وقال لي: «كنت أجيبك بأجوبة وربما شككت فيها أنها قول مالك. وهذا سماعي من مالك في هذا الكتاب فخذه ليكون عندك، وقابل بما فيه وأصلح ما خالفه عليه»؛ فسكت عبد الخالق. وعن أبي سنان الفقيه (٧٨) أنه قال: «كنت جالسا عند البهلول وأتاه رجل فقال: «إني أمرت ابني بشيء وقلت له: «إن لم تفعله فأمك طالق، إن قدرت لك على مال لارددته عليك».فلم يجبه بشيء وسكت عنه إلى أن جاء أسد فقال له: «سل هذا»، فسأله عن المسألة فقال له أسد: «طلق أمه واحدة بائنة، واتركها حتى تنقضي عدتها، ثم رد على ابنك ماله، واخطب امرأتك وتزوجها».فقال له البهلول: «اسمع ما يقول لك». أبو سنان: كان (٧٩) أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول مشايخ كانوا يجالسونه-ممن

стр. 299

يذهب إلى مذاهب أهل المدينة- «أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله»، فيسرد أقاويل المدينيين. وكان (٨٠) ابن غانم يشاوره ويعجب به. وكان يقول (٨١): «ضربنا في طلب العلم آباط الإبل، واغتربنا في البلدان ولقينا العلماء، وغيرنا إنما طلب العلم خلف كانون أبيه ووراء منسج أمه، ويريدون (٨٢) أن يلحقوا بنا! »، يريد بذلك أبا محرز. ومدحه محمد بن الحسن بمكة ووصفه بالمناظرة والدراسة والسماع. وسئل أسد عن الرجل يسأل عن المسألة، وهو يعرف اختلاف الناس في مثلها، هل يفتي بالأقاويل أو يستحسن أحدها فيفتي به؟ فقال: إذا كان المفتي من أهل النظر فلا يفتي بالقولين، لأنه يدع السائل في حيرة، ولكنه يفتي بأحسن الأقاويل عنده؛ وإن كان من غير أهل التمييز فليخبر المستفتي بما روي عن العلماء ولا يتخير له. سليمان بن عمران، سمعت أسدا يقول: أهل الكوفة إذا أرسلوا (٨٣) في الرواية عن عبد الله فهو ابن مسعود، وأهل المدينة إذا أرسلوا (٨٣) عن عبد الله فهو ابن عمر. قال أسد: معنى القول الذي قالته العلماء في النجاسة إذا وقعت في الغدير: أنها لا تفسده حتى يكون إذا حركت ناحية منه تحرك أعلاه وأسفله (٨٤). إنما معنى ذلك إذا أنت حركت ناحية منه تحركت النواحي بتحريكك في وقته، وليس هي تحريك الناحية التي تحركها فتتحرك غيرها بعد ذلك الوقت بتتابع الأمواج. سليمان [بن عمران]: عرض لنا أسد «كتاب الأشربة» (٨٥)، فمر فيه: لا بأس

стр. 300

بشرب المنصّف، لأن عنب خراسان كثير العسل قليل الماء فهو ينعقد على النّصف (٨٦). وأما غيره فلا يجوز حتى ينعقد وإن بلغ الثلثين (٨٧). قال: ولقد اختبرنا عنبنا «بمجردة» (٨٨) فوجدناه لا ينعقد إلا على الثلاثة أرباع، لأنه قليل العسل كثير الماء، ولا يحل قبل انعقاده. وكذلك قال أهل العلم: إذا انعقد قبل أن يبلغ الثلثين حل، لأن الحكم فيه انعقاده. ولا يشرب الطّلاء (٨٩) حتى يصير أصفر كعسل النحل. /قال سليمان: وكتب إليّ رجل من «قمودة» من طلبة العلم أن أسأل أسدا عن النبيذ: أحلال هو أم حرام؟ .فسألت أسدا عن ذلك فقال: «إن النبيذ أخبث الخبائث، ليس تقوم بالنبيذ عبادة ولا صيام ولا صلاة ولا جهاد ولا صدقة، إنما يقوم به مزمار أو عود أو طنبور، فلو لم يعتبر تحليله من تحريمه إلا بأخواته التي تقارنه [لكفى] (٩٠)». سليمان قال: سمعت أسدا يقول: شهدت عند ابن غانم على غلام بالبلوغ، فلما خرجت من عنده وإذا الخصوم قد غيروا عليّ هاني بن أبي خيثمة، وهو الذي شهدت عليه، فقال لي: يا أبا عبد الله، اتق الله! لا تشهد على غلام بالبلوغ وأنت لا تعلم ذلك إلا بالنظر. قال أسد: فقلت له: ويحك! هذا من الأمور التي يشهد على ظاهرها كما أشهد أنك هاني بن أبي خيثمة، ولم أعاين أباك حين قذفك نطفة في رحم أمك. قال: فسكت عني. وكان أسد يقول: «يا معشر طلبة العلم؛ إنكم تنوبون للمسلمين نيابة عظيمة، بتقييدكم العلم عليهم، فلكم في بيت مال المسلمين حق لذلك، وكذلك قالت العلماء: من ناب نيابة للمسلمين فله في بيت مالهم حق. وكان أسد يقول: ثلاثة لا غيبة فيهم: صاحب بدعة، وأمير غشوم، ومن ألقى جلباب الحياء وظاهر بالسوء. ابن الحداد، قال: بلغني عن أسد أنه كان يختلف إليه شاب يطلب عليه العلم،

стр. 301

فبينما هو ذات يوم جالس معه إذ سأله عن صناعته، فسمى الشاب له صناعته، فقال له أسد: «قم! »؛ بانتهار. فقال له الشاب: «ما قصتي أصلحك الله؟ إن كنت أنكرت صناعتي تركتها» فقال له أسد: «ما أنكرتها، ولكني أنكرت تعطيلك لحانوتك الذي منه معاشك، وتقوى به على طلب العلم، وصاحب الحانوت إنما هو بالحرفاء فإذا جاءك حريفك اليوم ولم يجدك وغدا فلم يجدك (٩١) وبعد غد مثل ذلك، استبدل بك غيرك، فضررت بنفسك وبمن تعوله. ولكن إن عزمت فاجعل لنفسك يوما أو يومين [في] (٩٢) الجمعة يعلم حرفاؤك بمغيبك عن حانوتك في ذلك اليوم أو اليومين، فيأخذون ما يحتاجون إليه قبل مغيبك»، ثم قال له أسد: «انظر إلى هؤلاء الذين يأتوننا (٩٣)، إنما هم أهل حرث وحصاد، فإذا كان وقت حرثهم وحصادهم لم تر منهم أحدا يجيء إلينا، فإذا انقضى حرثهم أو حصادهم عادوا إلى ما كانوا فيه». وكان على فهمه وعلمه، أحد الشجعان وكانت له مقامات في الدين مشهودة. ذكر سبب ولايته القضاء وسيرته في ذلك، وولايته على الجند الخارجين إلى غزو صقلية، وبعض ما جرى له من المقامات والأخبار: ذكر بعض المؤرخين (٩٤) أن سبب ولايته القضاء أن علي بن حميد (٩٥) لم يزل يتلطف بزيادة الله في عزل «أبي محرز» وولاية «أسد» وعظّم عنده شأنه واشتهاره بالفقه والعلم، فأجابه إلى ذلك، وأقر أبا محرز على القضاء وولى معه أسدا، فكانا يقضيان جميعا-ولم يعلم (٩٦) قبلهما (٩٧) قاضيان في مصر واحد ووقت واحد-وذلك سنة أربع ومائتين.

стр. 302

ولم يزالا على ذلك حتى ثار منصور الطنبذي وجماعة الجند على زيادة الله وحاصروه في «القصر القديم» نحوا من اثنتي عشرة سنة، وملك منصور مدينة القيروان وإفريقية، ونزل بعسكره بين شرقي مدينة القيروان وقبليها (٩٨)، وخندق خندقا هناك، فخرج إليه «أسد» وأبو محرز وهما جميعا قاضيان، فدخلا على منصور-وعنده وجوه الأجناد وغيرهم-فقال لهما منصور في كلام كان منه: «اخرجا معنا، أما تعلمان أن هذا البائس ظلم المسلمين؟ » فأما أبو محرز فإنه خاف من منصور وأصحابه فقال: «نعم، وظلم اليهود والنصارى».وأما أسد فقال لهم: «قد كنتم أعوانا (٩٩) له قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، وكما وسعنا الوقوف عنه وعنكم فكذلك يسعنا الوقوف عنه وحده» قال: فصال عليه بعض الجند، فانصرفا جميعا وهما خائفان. ثم انهزم منصور في شهر رمضان من سنة إحدى عشرة ومائتين، وفتح الله لزيادة الله، ورجع إليه ملك إفريقية، وهدّم سور مدينة القيروان. قال سليمان بن عمران (١٠٠): «كنت حضرت في أيام أبي العباس (١٠١) في هدنة صقلية، وقد جمع شيوخ القيروان ووجوههم، وكنت فيمن حضر، فكتب بين يديه كتاب الهدنة وقرئ على جماعة الناس. وكان فيه: إن من دخل إليهم من المسلمين وأراد أن يردوه إلى المسلمين كان ذلك عليهم. فلما قدم «فيمه» (١٠٢) [الرومي] (١٠٣) في هذه الهدنة أيام زيادة الله رفع إليه أن عند الروم أسارى من المسلمين، فجمع زيادة الله الناس، وأحضر أسدا وأبا محرز، وسألهما عن ذلك، فأما أبو محرز فقال: «نستأني في هذا الأمر حتى يتبين» وأما أسد فقال: «نسأل رسلهم عن ذلك».فقال أبو محرز: «وكيف نقبل قول الرسل عليهم أو دفعهم عنهم؟ ».فقال أسد: «بالرسل

стр. 303

هادنّاهم وبالرسل نجعلهم ناقضين. قال الله : (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (١٠٤)، فكذلك لا نتماسك به. (١٠٥) ونحن الأعلون» قال: فسأل زيادة الله عند ذلك الرسل فقالوا: «نعم، حبسوهم. لأنهم في دينهم لا يحل لهم ردهم» قال: وكان في الرسل مسلم. قال: فأمر يومئذ زيادة الله بالغزو إليها، فسارع أسد إلى الخروج. فكأنّ زيادة الله تثاقل (١٠٦) عن ذلك، فكان أسد يقول: «وجدوني رخيصا فلم يقبلوني، وقد أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النواتية، فما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنة». قال أحمد بن [أبي] سليمان (١٠٧): كره علماء إفريقية غزو صقلية للعهد الذي كان لهم، لأنه لم يصح عندهم أنهم نقضوا العهد. فلما (١٠٨) ولى زيادة الله أسدا على تلك الغزاة، وعزم عليه في ذلك قال له: «أصلح الله الأمير، من بعد القضاء والنظر في حلال الله تعالى وحرامه تعزلني وتولّيني (١٠٩) الإمارة؟ » فقال له زيادة الله: «إني لم أعزلك عن القضاء/بل ولّيتك الإمارة، وهي أشرف من القضاء، وأبقيت لك اسم القضاء؛ فأنت قاض أمير». فخرج أسد على ذلك، ولم تجتمع الإمارة والقضاء لأحد ببلد إفريقية إلا لأسد وحده. قال أبو العرب: وكان خروجه إلى صقلية في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين. وكان معه في جيشه نحو من عشرة آلاف فارس. وذكر (١١٠) بعض مشايخنا أن أسدا لما خرج على الجيش متوجها إلى «سوسة» ليركب إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم وجماعة الناس ليشيعوه، وأمر زيادة

стр. 304

الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه. فركب أسد في جمع عظيم. فلما رأى جمع الناس بين يديه و [من] (١١١) خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقد صهلت الخيول وضربت الطبول ونشرت البنود، قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، ثم قال: «والله، يا معشر الناس، ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط، ولا رأى أحد من سلفي مثل هذا قط.وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه (١١٢)، وثابروا (١١٣) عليه واصبروا على شدته، فإنكم تنالون به الدنيا والآخرة». [حكى] (١١٤) سليمان بن سالم: إن أسدا لما وصل إلى صقلية زحف «بلاطة» ملك صقلية في خلق عظيم، يقال إنه [كان] (١١٥) في مائة ألف وخمسين ألفا. قال ابن أبي الفضل: فرأيت أسد بن الفرات وفي يده اللواء وهو يزمزم فحملوا عليه، فكانت فينا روعة [شديدة] (١١٥)، وأقبل أسد على قراءة «يس»، فلما فرغ منها قال للناس (١١٦): «هؤلاء عجم الساحل هؤلاء عبيدكم. لا تهابوهم! »؛ وحمل باللواء وحمل الناس معه، فهزم الله «بلاطة» وأصحابه. فلما انصرف أسد رأيت-والله-الدم قد سال مع قناة اللواء مع ذراعه حتى صار تحت إبطه. ومعنى قول أسد: هؤلاء عجم الساحل، يعني الذين كانوا هربوا من الساحل لما فتحت إفريقية. وكتب زيادة الله بن الأغلب بفتح صقلية على يدي أسد بن الفرات إلى «المأمون». ويقال (١١٧) إن أسدا قال «لفيمه» النصراني الرسول: «اعتزلنا، فلا حاجة لنا بأن

стр. 305

تعينونا» وقال: «اجعلوا على رءوسكم سيماء تعرفون بها، لئلا يتوهم واحد منا أنكم من هؤلاء المواقفين لنا، فيصيبكم بمكروه».فجعلوا على رءوسهم الحشيش، فكانت تلك سيماهم. قال سليمان بن سالم (١١٨): وكان أسد و «ابن قادم» (١١٩) قد اختلفا، وذلك أن أسدا لما وصل بالناس إلى صقلية أضر بالناس الجوع حتى أكلوا لحم الخيل. فمشى الناس إلى ابن قادم، فمضى إلى أسد وقال له: «ارجع بنا [إلى] (١٢٠) إفريقية، فإن حياة رجل مسلم أحب إلينا من [أهل] (١٢٠) الشرك كلهم» فقال له أسد: «ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين، وفي المسلمين خير كثير»، فأبى عليه الناس ذلك، فأراد حرق المراكب. فبدرت من ابن قادم كلمة، فقال: «على أقل من هذا قتل عثمان بن عفان» فتناوله أسد بالسوط، فضربه ولم يجرده، وإنما ضربه أسواطا يسيرة، قدر ثلاثة أو أربعة. وتمادت عزيمته وبصيرته (١٢١)، فقاتل الروم قتالا شديدا حتى قتلهم وهزمهم واستأصلهم. وسكنها المسلمون واستوطنوها، ثم شاء الله تعالى، بذنوب أهلها، أن أوقع بهم عدوهم. نسأل الله تعالى حلمه وأمانه وعافيته لمن بقي بها من المسلمين، وارتداد (١٢٢) الكرة لهم على عدوهم، وعونه وتأييدهم على عدوهم والتوبة عليهم (١٢٣) آمين.

стр. 306

١٠٥ - ومنهم أبو محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن يسار بن مسلم الكناني القاضي (*)، رحمه الله تعالى . ذكر ابن شعبان القرطي (١)، أنه من المعدودين من أصحاب مالك. ولاه إبراهيم بن الأغلب القضاء على كره منه. وكان ﵀ يجلس للخصوم في داره وجعل للنساء يوما عند بابه الذي في «زقاق ابن دينار». قال أبو العرب (٢): كان أبو محرز مبتلى بصب الماء (٣)، وكان شديد الورع، فرفع إلى إبراهيم بن الأغلب أنه في وقت وضوئه ينزع خاتمه من أصبعه ويطرحه في بيته، فيطبع به أهله (٤) ما أحبوا. قال: فترصده إبراهيم يوما في وقت وضوئه، فوجه إليه خادمين، فوجداه، في هيئة الوضوء، فقالا له (٥): «يقول لك الأمير: أين خاتمك؟ ».فقال لهما: «ها هو ذا»، فإذا هو في عنقه معلق في خيط.فرجعا إلى الأمير فعرفاه بذلك، فتعجب من ذلك. وكان أسد أوسع من أبي محرز علما وأغزر فقها، وكان أبو محرز أقل علما وأكثر صوابا في كثير من الأوقات. قال (٦) محمد بن زرزر (٧): قال الأمير زيادة الله بن إبراهيم لأسد وأبي محرز: «ما تقولان في دخول الحمام مع الجواري؟ » فقال له أسد: «ما بذلك بأس، هن إماؤك، ونظرك إليهن وإلى فروجهن حلال».فخالفه أبو محرز في ذلك وقال للأمير: «إن كان يحل لك أن تنظر إلى عوراتهن فلا يجوز لبعضهن أن تنظر إلى عورة بعض».

стр. 307

وذكر الفقيه أبو القاسم بن شبلون (٨)، رحمه الله تعالى، قال: حدثونا أن رجلين استعدى أحدهما على الآخر عند أبي محرز القاضي، وأثبت عنده (٩) شاهدين بعد أن كشف عنهما، فعدّلا. فلما أراد أن يوجه الحكم على المشهود عليه؛ بعد أن أعذر [إليه] (١٠)، أتاه المشهود عليه بعد صلاة المغرب فهجم عليه في سقيفته، وقال: «أيها القاضي! عزمت [على] (١٠) أن تحكم عليّ؟ »، قال القاضي: «نعم! »؛ قال المشهود عليه: «امرأته طالق ثلاثا، وكل مملوك له (١١) حر إن كان شهد عليّ هذان إلا بزور! » فقال أبو محرز: «ليس هذا عليّ، وأنا قد كشفت عنهما فلم يبلغني عنهما إلا خير».ثم أصبح أبو محرز إلى مجلس قضائه، فجلس. فأقبل المشهود له فقال له: «احكم لي أصلحك الله».فقال: «نعم، لكن تأتي معك/بالشاهدين اللذين شهدا لك، فإني أريد أن أسألهما عن شيء بقي عليّ لم أسألهما عنه».فمضى الرجل فأحضرهما، فلما جلسا في مجلس القاضي أبي محرز قال القاضي بأعلى صوته: «يا شكرديد! (١٢) إن في حلقتي شاهدي زور، فامض إلى «باب سلم» فجئني بجملين حتى أحملهما عليهما (١٣)»، فمضى «شكرديد».فالتفت أحد الشاهدين إلى الآخر [وقال] (١٤): «قم بنا فإنا نراد. ما أحسبه يحمل على هذين الجملين غيرنا» فهربا متسللين حتى غابا. فلما أتى «شكرديد» بالجملين قال «أبو محرز» للمشهود له: «أين شاهداك؟ » فقال: «ها هنا كانا الساعة، ولا أدري أين توجها! » فقال له أبو محرز: «يا عدو الله! تجترئ علي بشهود الزور؟ » وهم بضربه.

стр. 308

وقال السقيفي (١٥): بلغني أن أبا محرز كان يوما عند أبي العباس وهو متّزر (١٦) فكأن أبا العباس وجد من ذلك. وكان أبو محرز يوما عند أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب (١٧)، وعلى رأسه عبد له أسود. فقال أبو العباس: «يا أبا محرز، لو رأيت هذا وما يصنع في الغارات لرأيت عظيما» فقال أبو محرز: «إنه لا يعرف الله» فقال له أبو العباس: «وكيف ذلك؟ » فقال أبو محرز للعبد: «محمد النبي من الملائكة هو أم من الإنس؟ » فقال العبد: «هو ربي وربك! » فقال أبو محرز: «ربي وربك الله» ثم قال له: «قد أخبرتك أنه لا يعرف الله تعالى». قال سليمان بن عمران: أخذ في زمن زيادة الله زنديق، فأرسل إلى أسد وأبي محرز وزكريا بن محمد-وكان من أصحاب مالك-يسألهم عن وجه الحكم فيه. فقال أبو محرز: «يستتاب، فإن تاب وإلا قتل».ووافقه أسد. وقال زكريا بن محمد بن الحكم: «قد روى أهل العلم أنه من كان يظهر الإسلام واطّلع عليه بغير ذلك لم تقبل توبته».فقال أبو محرز: «فاعطه السيف ليقتله» قال: «إنما رويت هذا ولا آخذه» فقال له أبو محرز: «يا أحمق! أفتجرئ هذا على قتله، وأنت لا تأخذه؟ ». فقال أسد: «لو قتل بعد توبته عندي لكان شهيدا» (١٨) قال: فدعا زيادة الله بالزنديق، فاستتابه فلم يتب، فضربت عنقه. والصواب ما قاله زكريا (١٩): إنه لا تقبل توبته بعد القدرة عليه. لأن توبته لا تعرف حقيقتها، لأنه يمكن أن يكون إنما تاب فرارا من السيف، فلا يصح إيمانه إلا بيقين، كما إنه لا يصح كفره إلا بيقين. فإذا تاب قبل القدرة عليه قبلنا توبته،

стр. 309

لأنه لو كان مقيما على زندقته ما جاءنا تائبا، فلما جاءنا من قبل أن نقدر عليه علمنا صحة توبته، وهذا هو مذهب أهل المدينة. وإنما تقلد أبو محرز وأسد في هذه المسألة مذاهب أهل العراق، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال أبو العرب (٢٠): يذكر عنه أنه كان لقنا ذهنا. وكان يروي عن عباد بن كثير وعبد الله بن فروخ. ويقال إن جده قيسا (٢١) صحب النبي. ذكر ولايته القضاء: لما (٢٢) توفي ابن غانم قال ابن الأغلب له: «قد عزمت عليك لنوليك القضاء (٢٣) فقال له أبو محرز: «لست أصلح لهذا الأمر ولست أطيقه»، فقال له إبراهيم بن الأغلب: «لو كان الأغلب بن سالم ويزيد بن حاتم باقيين لم أكن أنا أميرا، ولو كان ابن أنعم وابن فروخ باقيين لم تكن أنت قاضيا، ولكل زمان رجال وعلى الأمير أن يختار»، فقال أبو محرز متمثلا: خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد (٢٤) فقال له: «قد وليتك القضاء» فامتنع، فأمر به عامر بن معمر (٢٥) صاحب الشرطة فأخذ بضبعه (٢٦) وأخرجه من باب المقصورة إلى المسجد الجامع، فأجلسه وأمره بالنظر بين الخصوم. فرأى الناس أبا محرز وقد تقدمت الخصوم بين

стр. 310

[يديه] (٢٧)، فلما نظر بين الناس كبروا، فسمع إبراهيم تكبيرهم من داره فقال: «قد قبل أبو محرز القضاء». قال (٢٨): ولما ولي أبو محرز القضاء جمع كل عبد له وماشية وأراهم للناس وقال لهم: «هذا ما أملكه، وإنما أوقفتكم عليه لتعلموا أنني متى زدت على ذلك فاعلموا أني خائن (٢٩)». وكان بين أسد وأبي محرز ملاحاة ومباعدة، إلا أنه على ما كان بينهما لم يستحل أحدهما من صاحبه ما نهاه الله تعالى عنه. لقد ذكر بعض المؤرخين أن أسدا انصرف يوما من عند زيادة الله فقال لبعض أصحابه: «لله در أبي محرز! له، والله، دين يشح به. والله ما أباح دينه على ما كان بيني وبينه من الشحناء» قيل له: «وكيف ذلك؟ » قال: «كنا اليوم عند زيادة الله حتى دخل عليه أبو شيخ المفسر (٣٠)، فقال: أصلح الله الأمير؛ رأيت لك البارحة رؤيا حسنة فلتهنك (٣١)! ، فقال زيادة الله: وما رأيت يا أبا شيخ؟ ، فقال: رأيت جبريل ﵇ وقد قبل يدك، فانتفخ (٣٢) لها زيادة الله وتبارى (٣٣) فوق سريره»، قال أسد: «فسمعت أبا محرز وهو يقول بكلام خفيّ: كذب والله أبو شيخ! ، فقلت في نفسي: والله لا تسبقني إليها يا أبا محرز! فبدرته (٣٤) وقلت: كذب أبو شيخ! فتغيظ عليّ زيادة الله وتربد وجهه وقال: كيف ذلك يا أسد؟ فلم أحر (٣٥) جوابا، فتداركني أبو محرز-ولولا ذلك لهلكت-فقال: أيها الأمير؛ كذب والله أبو شيخ وصدق أسد. قال: وكيف ذلك؟ فلم يزل يكلمه ويبين له،

стр. 311

فأطرق زيادة الله وخرجنا من عنده (٣٦)». وذكر عن أبي العباس محمد بن عبدون قال (٣٧): «بعث الأمير زيادة الله في طلب أبي محرز وأسد، وهما قاضيان، ليشهدهما على شراء اشتراه. فأقبل أسد إلى قنطرة «باب أبي الربيع» فألفى أبا محرز واقفا ينتظره وبعض رسل الأمير معه، وكانت بينهما وحشة، فقال له: «كيف أصبحت يا أبا محرز؟ » فلم يرد عليه شيئا. فمشيا حتى دخلا على زيادة الله، فأجلس أبا محرز عن يمينه وأسدا عن يساره، ثم دفع الكتاب إلى أسد ليقرأه، فنسي «بسم الله الرحمن الرحيم» وقال: «هذا ما اشترى الأمير فقال له/أبو محرز: «أخطأت! »، فقال (٣٨) أسد: «أيها الأمير، لقيته فسلّمت عليه فلم يرد عليّ، ولم أقرأ غير كلمتين من الكتاب فقال لي: «أخطأت»، فنظر زيادة الله إلى أبي محرز، فقال أبو محرز: «ما سلّم عليّ، ولو سلّم عليّ لرددت عليه، وما كنت أستجيز ترك ذلك، وإنما قال لي: كيف أصبحت؟ [وقد] (٣٩) أصبحت مغموما، ولو أعلمته لسررته (٤٠)، [وقرأ فلم يذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» فأخطأ] (٣٩)». فلما انقضى أمر الكتاب دخل الحاجب وقال (٤١): «أصلح الله الأمير. بالباب رجل يذكر أنه رأى رؤيا للأمير، وهو يجب أن يقصها على الأمير، فقال: «اكتبها (٤٢) عنه وجئني بها» فقال: «قد أردت ذلك منه، فقال: لا أقصها إلا على الأمير» قال: «إئذن له» فدخل، [فقال: «ما رؤياك] (٤٣) فقال: «رأيت كأنّ جبريل هبط من السماء إلى الأرض ومعه نور حتى وقف بين يديك وصافحك» فقال

стр. 312

زيادة الله: «هذا عدل يجريه الله على يديّ»، فقال أسد: «كذب الشيخ أيها الأمير»، فغضب زيادة الله [حتى رئي الغضب في وجهه، ثم التفت إلى أبي محرز كالمحرّك (٤٤) له على أسد، لما يعلم بينهما] (٤٥)، فقال أبو محرز: «صدق أسد» [وكذب الرجل] (٤٥)، وأتى بحجة يبين بها كذب الرجل (٤٦)، ثم قال: «أصلح الله الأمير، إن هذا وأمثاله يأتونك (٤٧) بمثل هذا طلبا لدنياك، فاتق الله (٤٨)» [فسكت زيادة الله]، وخرج [الرجل، وقام] (٤٥) أبو محرز وأسد، فلما خرجا قال أسد لأبي محرز: «أحسن الله جزاءك! رددت عني زيادة الله»، فقال أبو محرز: «إنما فعلته لله لا لك». وكان (٤٩) رحمه الله تعالى، يبعد عن كل من فيه شبهة أو من يطلع من أحواله على دنس. ولقد ذكر سليمان بن محمد (٥٠) عن الصف القبلي من الرهادنة (٥١) [والرفائين] (٥٢) وبعض حوانيت الكتّانين وما وراء ذلك أنها كانت دورا لقوم، فبنيت حوانيت وسميت «الحوانيت الجدد»، ونقل الناس من أسواقهم إليها وأخذوا الناس بسكناها وعمارتها للأمير؛ وكان لأبي محرز صديق أخذ بسكنى حانوت منها، فأقبل يوما ليدخل على أبي محرز على عادته، فصاح به: «ارجع وراءك» فقال: «أصلح الله القاضي، إني مجبر على سكناها. ومع هذا فإني اشتريت الحانوت من أصحابه».قال القاضي: [«هب أنك اشتريت الحانوت من أصحابه] (٥٢)، فما تفعل بطريقك إلى الحانوت؟ ممن تشتريه (٥٣)؟ ».

стр. 313

١٠٦ - ومنهم أبو عمرو البهلول بن عمر (١) بن صالح بن عبيدة (٢) بن حبيب بن صالح التجيبي (*)، رضي الله تعالى عنه. ذكر ابن يونس وابن شعبان (٣) أنه من جملة أصحاب مالك من أهل إفريقية. حدث أحمد بن يحيى بن مهران (٤) عن البهلول بن عبيدة، قال (٥): «ما رأيت أحدا أنزع بآية من كتاب الله من مالك بن أنس، وما رأيت أحدا أعظم قدرا في بلده من الليث بن سعد، وما رأيت أحدا أحسن سمتا من البهلول ابن راشد، وما رأيت أحدا أخشى لله تعالى من عبد الله بن فروخ». وعن أبي داود العطار، صاحب سحنون، قال: «سمعت البهلول [بن عبيدة] (٦) يقول (٧): «كنت جالسا عند مالك فأتي برجل ملبّب فقالوا لمالك: الأمير يقرأ عليك السلام ويقول لك: هذا رجل خنق رجلا فقتله، فقال مالك: اخنقوه كما خنقه حتى يموت. قال: فمضوا به، فتغير وجه مالك وعلته صفرة وتشوّف إلى الزقاق حتى مر رجل فسأله: ما فعلوا بالرجل؟ فقال: خنقوه حتى مات».قال بهلول بن عبيدة: «فرأيت الدم رجع إلى وجه مالك، فقال له ابن كنانة: ما الذي رابك يا أبا عبد الله؟ فقال: وما ظننتم؟ أظننتم أني ندمت في الفتوى؟ فقالوا: نعم، فقال: لا، ولكني تغيرت خوفا أن يبطل حكم من أحكام الله ، فلما نفذ حكم الله في الفاعل زال عنّي ما كنت فيه». قال بهلول بن عبيدة (٨): «جمعنا زيادة الله بن الأغلب وشاورنا في قاض، وكنا

стр. 314

جماعة، وكان فينا ابن الصمادحي».قال بهلول: «فلما حضرت الصلاة قلت (٩) لهم: إن قدّمنا أحدا منا رأى هذا-يعني السلطان-أنه خيرنا فيوليه القضاء، لكن قدموا موسى بن معاوية الصمادحي، فإنه ليس له في هذا الأمر نصيب، إذ هو مكفوف البصر. فقدمناه، فصلى بنا (١٠)». ١٠٧ - ومنهم أبو عبد الله زرارة بن عبد الله (*)، رضي الله تعالى عنه . روى عن مالك وابن فروخ والليث. توفي، رضي الله تعالى عنه، سنة ثمان وثلاثين ومائتين (١). حدث زرارة، قال: كنت جالسا عند مالك فجاءه رجل فقال: «يا أبا عبد الله، إن لي أبا ببلد السودان ولى أم أنا معها، فأبى يكتب إليّ بالنهوض إليه، وأمي تنهاني عن الخروج إليه، فما تأمرني؟ » فقال له مالك: «أطع أباك ولا تعص أمك» فقلت له: «يا أبا عبد الله، ما ترى؟ » فانتهرني وقال: «أتريد مني أن آمرك أن تعصيهما جميعا؟ » قال: ثم سألت الليث بن سعد، فقال: «أطع أمك، فقد جاء البر بها ثلاثا».وسألت حمادا (٢) فقال مثل قول الليث.

стр. 315

١٠٨ - ومنهم أبو الحجاج رباح بن ثابت الأزدي (*)، رحمه الله تعالى . سمع من مالك وابن أبي ذئب. قيل إنه قال في دعائه (١): «اللهم إنك تعلم أني إنما عبدتك حبا لك وشوقا إلى وجهك الكريم، فأبحنيه مرة واصنع ما شئت». وكان (٢) حلف ألا ينام مضطجعا ولا يضحك أبدا ولا يأكل سمينا. فما رئي ضاحكا ولا مضطجعا ولا آكلا سمينا حتى مات، رضي الله تعالى عنه. وتوفي سنة سبع وثلاثين ومائتين، وصلّى عليه سحنون. حدث أبو الحجاج رباح [قال] (٣): قال أبو معمر عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ [أنه] (٤) قال (٥): «من قال بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم عشر مرات/برئ [-أو خرج-] (٤) من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفي من بلايا الدنيا. منها: الجذام والبرص والريح، ويبعث الله سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى الليل، وهي رقية من تسعة وتسعين داء».

стр. 316

١٠٩ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي حسان (١) اليحصبي (*)، رضي الله تعالى عنه. سمع من مالك وابن أبي ذئب. ومن بعض ما أسند (٢) عنه: عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: أخبرني عبد الله بن يزيد، وهو أبو عبد الرحمن الحبلى، قال (٣): كان عبد الله بن عمر جالسا فقال: «ألا أعلمكم كلمات كان رسول الله، ﷺ ، يعلمهن أبا بكر يقولهن حين يريد أن ينام؟ » قال: قلنا: «بلى»، فأخرج إلينا قرطاسا، فإذا فيه: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء ومليكه، أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي سوءا أو أجره على مسلم». حدث أبو سهل فرات بن محمد العبدي قال (٤): سمعت عبد الله بن أبي حسان يقول: «أتيت مالك بن أنس، فوجدته قد ارتفع وباب داره مغلق، فضربت الباب، فخرجت إليّ جارية [صفراء] (٥)، فقالت [لي] (٥): «أمن أهل المسائل أنت أم من أهل الحوائج؟ » فقلت: «رجل غريب [أتيت إلى] (٥) أبي عبد الله مسلما عليه، فقالت [لي] (٥): «ليس هذا وقتك، أدخل إلى السقيفة»، فدخلت. فلما كان وقت خروجه فتحت الباب، فإذا مجلس كبير مفروش بالنمارق

стр. 317

والمتكآت (٦) من أول المجلس إلى آخره، وفي صدر المجلس نمرقة عظيمة ومتكئة (٧) على اليمين وأخرى على الشمال وأخرى إلى الحائط.فقلت في نفسي: هذا مجلس الشيخ أبي عبد الله. ثم دخلت فخرجت وفي حضنها مراوح (٨). فوضعت على كل متكئة مروحة، ثم دخل مشايخ فقعدوا، ثم خرج مالك يتهادى بين تلك الجارية الصفراء وفتى، ورجلاه تخطان (٩) في الأرض من الكبر (١٠)، وكأني انظر إلى جماله وبهائه وإلى شعر رأسه وقد تعقف جعودة، حتى أتيا به إلى ذلك المجلس، فجلس وسوّى عليه ثيابه. فلما استوى جالسا سلّم فعم بسلامه أهل المجلس فردوا ﵇، فقمت فدفعت إليه كتاب ابن غانم، فقال: عاد صاحبك (١١) على القضاء؟ فقلت: نعم. فقال: ما ذاك بخير له. ثم قرأ (١٢) الكتاب، فالتفت (١٣) إلى القوم فقال لهم: هذا كتاب ابن غانم أتاني في هذا الرجل، يخبرني عن حاله في بلده وقدره، وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا أتاكم عميد (١٤) قوم فأكرموه».قال: فقمت من بين يديه، فأوسع لي رجل، فجلست. فذكروا العلم فقال مالك: لا يؤخذ هذا العلم إلا عن الموثوق بهم في دينهم، الحسن مخبرهم، [قال] (١٥): ثم يأتي الرجل فيسأله عن المسألة، وأنا قاعد، فربما قال: «العلم أوسع من ذلك، العلم أوسع من ذلك،

стр. 318

والله أعلم! ».فسئل عن ثنتين (١٦) وعشرين مسألة، وأنا أعدّها (١٧)، فما أجاب إلا عن ثنتين منها، وقال مع ذلك: «لا حول ولا قوة إلا بالله».قال: ثم اختلفت إليه، فلم أزل عنده مكرما، رحمة الله تعالى عليه. قال عيسى بن مسكين (١٨): وكان ابن أبي حسان يعطي لرجل كل يوم ثلاثة دراهم ليأخذ له مجلسا يجلس فيه في مجلس مالك بالقرب منه، فكان الرجل يفعل له ذلك، فكان (١٩) إذا جاء ابن أبي حسان قام ذلك الرجل وجلس ابن أبي حسان في موضعه. وقال غير عيسى: كان ابن أبي حسان يروي عن مالك غرائب (٢٠) لا تكاد توجد عند غيره: روى عنه أنه سمعه يقول: «إن أهل الذهن والذكاء والعقول (٢١) من أهل الأمصار ثلاثة: المدينة، ثم الكوفة، ثم القيروان». قال ابن وهب (٢٢): ما رأيت مالكا أميل منه إلى أحد كميله إلى ابن أبي حسان. وكان (٢٣) مفوها، حاضر الحجة، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة (٢٤)، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله (٢٥). حدث فرات بن محمد العبدي قال (٢٦): سمعت عبد الله بن أبي حسان يقول:

стр. 319

دخلت على الأغلب (٢٧) فإذا الجعفري والعنبري (٢٨) يتناظران في القرآن، والجعفري ينكر أن يكون القرآن مخلوقا، والعنبري يقول إنه مخلوق، فلما رآني الجعفري قال: «قد جاء شيخنا أبو محمد يعينني عليكم».قال: فلما جلست قلت للعنبري: «وما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بجربان (٢٩) البصرة».يعني النخل العنبري. فقال العنبري: «إن كان أبو محمد معك (٣٠) فهذا الأمير معي»، يعني الأغلب، فقلت: «ما للملوك والكلام في الدين؟ » فأحفظه ذلك، يعني أغضبه، ثم قال لي: «[يا أبا محمد] (٣١)، وكذلك من أتى السلطان هو مثل السلطان».فقلت له: «إنما أتاكم الآتي لأنكم خير ممن هو شر (٣٢) منكم، ولو أتى من هو خير منكم لأتاه (٣٣) الناس ولم يأتوكم (٣٤)». سليمان بن خلاد، قال (٣٥): قلت لابن أبي حسان: «أرأيت هذا الذي يقول الناس في أبي بكر وعليّ؟ » -يريد التفضيل بينهما-فرفع يده فضربني الصدر ضربة واحدة أوجعتني، ثم قال: «ليس هذا دين قريش ولا دين العرب. هذا دين أهل «قم»، قرية من قرى خراسان».ثم قال: «والله ما يخفى علينا نحن من يستحق الولاية بعد والينا، ولا من يستحق القضاء بعد قاضينا، فكيف يخفى على

стр. 320

أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم؟ ». فرات، قال (٣٦): سمعت ابن أبي حسان يقول: «دخلت على زيادة الله بن الأغلب، فأصبته جالسا وعنده أبو محرز وأسد (٣٧) وهما يتناظران في النبيذ المسكر، وأبو محرز يذهب إلى تحليله، وأسد يذهب إلى تحريمه. فلما جلست قال لي زيادة الله: «ما تقول يا أبا محمد؟ » فقلت له: «قد علمت سوء رأيي فيه، وقاضياك يتناظران/بين يديك».فقال لي: «ناظرني أنت ودعهما».ثم قال لهما: «اسكتا (٣٨)»، ثم قال لي: «ما تقول أنت؟ »، فقلت: «أصلح الله الأمير، كم دية العقل؟ » قال لي: «وماذا مما نحن فيه! » فقلت: «جوابك ينتظر (٣٩) سؤالي» فقال: «دية العقل ألف دينار» فقلت: «أصلح الله الأمير، فيعمد الرجل إلى ما قيمته ألف دينار فيبيعه بدكيكجة (٤٠) تسوى نصف درهم؟ » فقال لي: «يا أبا محمد، إنه يذهب ويرجع» فقلت له: «بعد ماذا، أصلحك الله؟ بعد أن قاء على لحيته وكشف سوأته وسب هذا وضرب هذا وقتل هذا؟ » فقال: «صدقت والله صدقت! (٤١)». وكان، رحمه الله تعالى، جوادا شريفا: بلغني (٤٢) أن رجلا من أصحابه أتاه يوما على أثر نوء عظيم كان بالقيروان، فهدم كثيرا من دورها، فألفاه جالسا في
следующие страницы →