← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٠٩ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي حسان (١) اليحصبي (*)، رضي الله تعالى عنه. سمع من مالك وابن أبي ذئب. ومن بعض ما أسند (٢) عنه: عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: أخبرني عبد الله بن يزيد، وهو أبو عبد الرحمن الحبلى، قال (٣): كان عبد الله بن عمر جالسا فقال: «ألا أعلمكم كلمات كان رسول الله، ﷺ ، يعلمهن أبا بكر يقولهن حين يريد أن ينام؟ » قال: قلنا: «بلى»، فأخرج إلينا قرطاسا، فإذا فيه: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء ومليكه، أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي سوءا أو أجره على مسلم». حدث أبو سهل فرات بن محمد العبدي قال (٤): سمعت عبد الله بن أبي حسان يقول: «أتيت مالك بن أنس، فوجدته قد ارتفع وباب داره مغلق، فضربت الباب، فخرجت إليّ جارية [صفراء] (٥)، فقالت [لي] (٥): «أمن أهل المسائل أنت أم من أهل الحوائج؟ » فقلت: «رجل غريب [أتيت إلى] (٥) أبي عبد الله مسلما عليه، فقالت [لي] (٥): «ليس هذا وقتك، أدخل إلى السقيفة»، فدخلت. فلما كان وقت خروجه فتحت الباب، فإذا مجلس كبير مفروش بالنمارق

стр. 317

والمتكآت (٦) من أول المجلس إلى آخره، وفي صدر المجلس نمرقة عظيمة ومتكئة (٧) على اليمين وأخرى على الشمال وأخرى إلى الحائط.فقلت في نفسي: هذا مجلس الشيخ أبي عبد الله. ثم دخلت فخرجت وفي حضنها مراوح (٨). فوضعت على كل متكئة مروحة، ثم دخل مشايخ فقعدوا، ثم خرج مالك يتهادى بين تلك الجارية الصفراء وفتى، ورجلاه تخطان (٩) في الأرض من الكبر (١٠)، وكأني انظر إلى جماله وبهائه وإلى شعر رأسه وقد تعقف جعودة، حتى أتيا به إلى ذلك المجلس، فجلس وسوّى عليه ثيابه. فلما استوى جالسا سلّم فعم بسلامه أهل المجلس فردوا ﵇، فقمت فدفعت إليه كتاب ابن غانم، فقال: عاد صاحبك (١١) على القضاء؟ فقلت: نعم. فقال: ما ذاك بخير له. ثم قرأ (١٢) الكتاب، فالتفت (١٣) إلى القوم فقال لهم: هذا كتاب ابن غانم أتاني في هذا الرجل، يخبرني عن حاله في بلده وقدره، وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا أتاكم عميد (١٤) قوم فأكرموه».قال: فقمت من بين يديه، فأوسع لي رجل، فجلست. فذكروا العلم فقال مالك: لا يؤخذ هذا العلم إلا عن الموثوق بهم في دينهم، الحسن مخبرهم، [قال] (١٥): ثم يأتي الرجل فيسأله عن المسألة، وأنا قاعد، فربما قال: «العلم أوسع من ذلك، العلم أوسع من ذلك،

стр. 318

والله أعلم! ».فسئل عن ثنتين (١٦) وعشرين مسألة، وأنا أعدّها (١٧)، فما أجاب إلا عن ثنتين منها، وقال مع ذلك: «لا حول ولا قوة إلا بالله».قال: ثم اختلفت إليه، فلم أزل عنده مكرما، رحمة الله تعالى عليه. قال عيسى بن مسكين (١٨): وكان ابن أبي حسان يعطي لرجل كل يوم ثلاثة دراهم ليأخذ له مجلسا يجلس فيه في مجلس مالك بالقرب منه، فكان الرجل يفعل له ذلك، فكان (١٩) إذا جاء ابن أبي حسان قام ذلك الرجل وجلس ابن أبي حسان في موضعه. وقال غير عيسى: كان ابن أبي حسان يروي عن مالك غرائب (٢٠) لا تكاد توجد عند غيره: روى عنه أنه سمعه يقول: «إن أهل الذهن والذكاء والعقول (٢١) من أهل الأمصار ثلاثة: المدينة، ثم الكوفة، ثم القيروان». قال ابن وهب (٢٢): ما رأيت مالكا أميل منه إلى أحد كميله إلى ابن أبي حسان. وكان (٢٣) مفوها، حاضر الحجة، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة (٢٤)، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله (٢٥). حدث فرات بن محمد العبدي قال (٢٦): سمعت عبد الله بن أبي حسان يقول:

стр. 319

دخلت على الأغلب (٢٧) فإذا الجعفري والعنبري (٢٨) يتناظران في القرآن، والجعفري ينكر أن يكون القرآن مخلوقا، والعنبري يقول إنه مخلوق، فلما رآني الجعفري قال: «قد جاء شيخنا أبو محمد يعينني عليكم».قال: فلما جلست قلت للعنبري: «وما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بجربان (٢٩) البصرة».يعني النخل العنبري. فقال العنبري: «إن كان أبو محمد معك (٣٠) فهذا الأمير معي»، يعني الأغلب، فقلت: «ما للملوك والكلام في الدين؟ » فأحفظه ذلك، يعني أغضبه، ثم قال لي: «[يا أبا محمد] (٣١)، وكذلك من أتى السلطان هو مثل السلطان».فقلت له: «إنما أتاكم الآتي لأنكم خير ممن هو شر (٣٢) منكم، ولو أتى من هو خير منكم لأتاه (٣٣) الناس ولم يأتوكم (٣٤)». سليمان بن خلاد، قال (٣٥): قلت لابن أبي حسان: «أرأيت هذا الذي يقول الناس في أبي بكر وعليّ؟ » -يريد التفضيل بينهما-فرفع يده فضربني الصدر ضربة واحدة أوجعتني، ثم قال: «ليس هذا دين قريش ولا دين العرب. هذا دين أهل «قم»، قرية من قرى خراسان».ثم قال: «والله ما يخفى علينا نحن من يستحق الولاية بعد والينا، ولا من يستحق القضاء بعد قاضينا، فكيف يخفى على

стр. 320

أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم؟ ». فرات، قال (٣٦): سمعت ابن أبي حسان يقول: «دخلت على زيادة الله بن الأغلب، فأصبته جالسا وعنده أبو محرز وأسد (٣٧) وهما يتناظران في النبيذ المسكر، وأبو محرز يذهب إلى تحليله، وأسد يذهب إلى تحريمه. فلما جلست قال لي زيادة الله: «ما تقول يا أبا محمد؟ » فقلت له: «قد علمت سوء رأيي فيه، وقاضياك يتناظران/بين يديك».فقال لي: «ناظرني أنت ودعهما».ثم قال لهما: «اسكتا (٣٨)»، ثم قال لي: «ما تقول أنت؟ »، فقلت: «أصلح الله الأمير، كم دية العقل؟ » قال لي: «وماذا مما نحن فيه! » فقلت: «جوابك ينتظر (٣٩) سؤالي» فقال: «دية العقل ألف دينار» فقلت: «أصلح الله الأمير، فيعمد الرجل إلى ما قيمته ألف دينار فيبيعه بدكيكجة (٤٠) تسوى نصف درهم؟ » فقال لي: «يا أبا محمد، إنه يذهب ويرجع» فقلت له: «بعد ماذا، أصلحك الله؟ بعد أن قاء على لحيته وكشف سوأته وسب هذا وضرب هذا وقتل هذا؟ » فقال: «صدقت والله صدقت! (٤١)». وكان، رحمه الله تعالى، جوادا شريفا: بلغني (٤٢) أن رجلا من أصحابه أتاه يوما على أثر نوء عظيم كان بالقيروان، فهدم كثيرا من دورها، فألفاه جالسا في

стр. 321

مسجده فسلم عليه ثم أعلمه بما انهدم في داره، وشاوره في بنيانه ومن يرى أن يبنيه فأمر بعض غلمانه فأتاه بثلاثين (٤٣) دينارا فدفعها إليه وقال: «استعن بهذه على بنائك» فلما مضى قال له بعض ولده: «أتاك يشاورك في بنائه، دفعت له ثلاثين (٤٣) دينارا؟ » فقال له: «يا بني، لست ببناء ولا صاحب مرمة، وإنما تعرض [لمشورتنا] (٤٤) لمعروفنا». ولقد (٤٥) ثار الجند على زيادة الله وعاثوا عليه: وأغاروا (٤٦) على منازل ابن أبي حسان، وانتهبوا جميع ما كان له بها، وطلبوه، فاستخفى بالقيروان، فبلغني أنه قال هذه الأبيات يذكر فعلهم (٤٧): أباح طغام الجند جهلا حريمنا ... وشقوا عصا الإسلام من كل جانب وعاثوا وجاروا (٤٨) في البلاد سفاهة ... وظنوا بأن الله غير معاقب ولو أنهم عرب كرام لدافعت ... نفوس كرام عن حريم الأعارب ولكنهم أوباش كل قبيلة ... وقبط وأغنام لئام المناصب (٤٩) (*)

стр. 322

١١٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن معاوية (*) الحضرمي (١)، رحمه الله تعالى. سمع من مالك موطأه (٢)، وكان له سن وإدراك (٣). ومن بعض ما أسنده من الحديث (٤): عن العبدي (٥)، عن محمد بن معاوية، عن أبي معمر (٦) عباد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ (٧): «لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا (٨)، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار (٩)، ما أغنى عنكم شيئا إلا بورع صادق (١٠)». ١١١ - ومنهم الحارث بن أسد القفصي (**)، رحمة الله تعالى عليه . قال أبو العرب (١١): إنه سمع من مالك، وكان ثقة. لقد حدثني سعيد ابن إسحاق ومحمد بن أبي يوسف (١٢)، قالا: حدثنا محمد بن

стр. 323

تميم (١٣)، قال: حدثني الحارث بن أسد، قال: دخلت على مالك بن أنس، أنا وابن القاسم وابن وهب، فأردنا وداعه فقال ابن وهب: أوصنا (١٤) يا أبا عبد الله، فقال له: اتق الله وانظر عمن تنقل، وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت. فقلت له: يا أبا عبد الله، وأنا فأوصني. فقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث: لم يرني أهلا للعلم فأمرني بتقوى الله وتلاوة القرآن. قال أبو العرب: وكان الحارث مستجابا. قال سعيد بن إسحاق: وكان يختم كل ليلة من رمضان ختمة. ١١٢ - ومنهم عبد المؤمن بن المستنير (١) الجزري (*)، رحمه الله تعالى. قال أبو العرب: روى عن مالك وأصحابه (٢). وكان عبد المؤمن رجلا صالحا كثير الرباط كثير الرواية لغرائب الرباط. حدث أبو عبد الله حمدون بن عبد الله المكفوف، قال: سمعت عبد المؤمن الجزري يقول: سبعة يستأنفون العمل: الناقه من المرض (٣)، والحاج إذا صدر، والغازي (٤) إذا صدقت (٥) نيته، والمنصرف من الجمعة، والمؤذن إذا أذّن للوقت ولم يأخذ على أذانه أجرا (٦)، والرجل يرحل عنه الضيف، والمشرك إذا أسلم.

стр. 324

١١٣ - ومنهم عليّ بن يونس بن عياض (*) الليثي (١)، رضي الله تعالى عنه. سمع من مالك وابن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. روي عنه أنه قال: «كنت جالسا عند مالك فجاء قوم من البربر من أهل المغرب فسألوا؛ فقالوا: «ما تقول في الصلاة بالتاكمة (٢)؟ » فوصفوه له، فلم يفهمه (٣). فقالوا لي-وكنت أحدث من في المجلس سنا-: «قم» فقمت، فربطوه عليّ كما يفعلون في بلادهم. فقال لهم مالك: «لم تفعلون هذا؟ » قالوا: «نجمع فيه الحشيش من الزرع فتحضر الصلاة»، فقال مالك: «إذا كنتم إنما تفعلون هذا لمنافعكم، فتحضركم الصلاة، فتصلون به هكذا، ما أرى به بأسا (٤) إن شاء الله». قال (٥): «وكنت جالسا عند مالك وإذا بسفيان بن عيينة يستأذن بالباب، فقال مالك: «رجل صاحب سنّة، أدخلوه».فدخل فقال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» فردوا السلام، فقال: «سلامنا خاصّ وعامّ (٦)، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته» فقال مالك: «وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته».وصافحه مالك وقال: «يا أبا محمد، لولا أنها بدعة لعانقناك».فقال سفيان: «قد عانق من هو خير مني ومنك النبي ﷺ » فقال مالك: «جعفر؟ » قال: «نعم».قال: «ذاك حديث خاص يا أبا محمد، ، ليس بعام» فقال سفيان: «ما عم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين، وما يخصه يخصنا (٧). أفتأذن لي

стр. 325

[أن] (٨) أحدث في مجلسك يا أبا عبد الله؟ » قال: «نعم يا أبا محمد»: ، فقال سفيان (٩): «حدثني عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عباس، قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة اعتنقه رسول الله ﷺ وقبل ما بين عينيه وقال (١٠): «جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا (١١). يا جعفر، ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة؟ » فقال: «يا رسول الله، بينا أنا في بعض أزقتها إذا بسوداء على رأسها مكتل فيه برّ، فصدمها رجل على دابته، فوقع مكتلها وانتثر برها، فأقبلت تجمعه من التراب وتقول (١٢): «ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة. ويل للظالم إذا وضع الكرسي للفصل يوم القيامة! » فقال النبي ﷺ (١٣) /: «لا يقدس الله (١٤) أمة لا يأخذ ضعيفها من قويها [حقّه] (١٥) غير متعتع (١٦)». ثم قال سفيان: «يا أبا عبد الله، قدمت لأصلّي في مسجد رسول الله ﷺ وأبشرك (١٧) برؤيا رأيتها لك» فقال مالك: «نامت عينك، خيرا إن شاء الله! » قال سفيان: «رأيت قبر النبي ﷺ قد انشق، وأقبل الناس يهرعون إليه من كل جانب، والنبي ﷺ جالس وأبو بكر عن يمينه وعن يساره عمر فقط، والناس يسلمون على النبي ﷺ ، والنبي- ﷺ -يرد عليهم بأحسن رد» قال سفيان:

стр. 326

«فإذا بك (١٨) -وأنا أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي-فسلّمت عليه، فرد عليك السلام، ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من إصبعه. فاتق الله يا أبا عبد الله فيما أعطاك. السلام عليكم» فقال مالك: «أخارج الساعة؟ » فقال: «نعم»، فودعه مالك وخرج. وعن عليّ بن يونس، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: «ناكح أمه وابنته وهادم الكعبة وقاتل النفس التي حرم الله أهون في النار عذابا من رجل يتكلم (١٩) في مسألة بغير علم».قال ابن عون: يريد بذلك الكلام في المسألة النازلة.

стр. 327

ذكر من كان في هذه الطبقة من العلماء والمحدثين ممن لم يلق مالكا ولا روى عنه ١١٤ - منهم أبو يحيى (١) مقسم بن عبيد (٢) الله الأزدي (٣). (*) وكان من الفضلاء، رضي الله تعالى عنه، فما ذكر عنه أنه يرويه عن أبي معمر عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك، قال: «يقف العلم في جوف الرجل يوم القيامة فيقول: يا رب، إنك جعلتني في جوف هذا فلم يعمل بي، قال: فيؤمر به إلى النار، قال: فيأتي رجل قد كان علّمه ذلك الرجل علما، ودخل به الجنة فيقول: يا رب، إن هذا كان علمني علما وصلت به إلى الجنة، يا رب هب لي معلّمي، قال: فيقول الله : هبوا له معلّمه». ١١٥ - ومنهم حفص بن عمارة (**)، رضي الله تعالى عنه . كان من أهل الفضل والدين. سمع سفيان الثوري. وكان مؤاخيا للبهلول. وكان كثير التهجد، كانت له ختمة كل ليلة. وهو الذي قال للبهلول (١)، لما رأى كثرة معروفه

стр. 328

وصلاته: سمعت سفيان يقول: «إذا كمل صدق الصادق (٢) لم يملك ما في يديه»، فأقبل البهلول على يد حفص يقبلها ويقول له: «سألتك بالله: أنت سمعت هذا من سفيان الثوري؟ » فقال: «والله لقد سمعت سفيان (٣) يقوله» (٤). ١١٦ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي الرعيني (*)، رضي الله تعالى عنه . ومن بعض ما أسنده (١) من الحديث ما حدث به عن غالب (٢) عن سعيد بن جبير، قال: «قلنا لابن عمر: حدّثنا عن رسول الله ﷺ ما سمعته منه. قال (٣): «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى ليقرب العبد يوم القيامة حتى يجعله في حجابه، ثم يقول له: «اقرأ كتابك»، فيعرّفه بذنوبه (٤) فيقول: «أتعرف ... ؟ » أتعرف ... ؟ » فيقول العبد: «نعم، نعم يا رب! » فيقرأ العبد ويلتفت عن يمينه وعن شماله فيقول له

стр. 329

الجبّار العظيم: «عبدي، لا بأس عليك، أنت اليوم في ستري من كل مخلوق، ليس بيني وبينك من يطلع على ذنوبك غيري، اذهب فقد غفرتها لك، إنك كنت لا ترجو المغفرة من أحد غيري». وكان ﵀ حكيما: ذكر عنه أن رجلا استشاره في امرأة يتزوجها، فقال له: «لا تتزوج امرأة فيها من هذه الخلال الثماني: لا تتزوجها منّانة، ولا بنّانة، ولا كنّانة، ولا حنّانة، ولا حدّاقة، ولا خفّاقة، ولا أنّانة، ولا ذات دايات. فأما المنانة فهي التي تمن بشيء كان منها إليك، وأما البنانة فهي التي تبنّن (٥) ولد غيرك عندك، وأما الكنانة فهي التي تقول: «كنت وكنت قبل أن أجيء إليك»، وأما الحنانة فهي التي تحن لزوج كان لها قبلك، وأما الحدّاقة فهي التي تنظر بعينها ثم تقول: «فلانة كساها زوجها، وفلانة حلاّلها زوجها وصنع بها»، فهي تجبره. وأما الخفاقة فهي التي تصبح غدوة جائعة فتقول: «أبغي رءوسا، أبغي فتوتا (٦)، أبغي جشيشا (٧)»، وأما الأنّانة فهي التي تصبح تئن فتقول: «جنبي! فخذي! رأسي! ». لتنظر هل يحبها زوجها أم لا. وأما ذات دايات فهي التي كلّ يوم عندها امرأة أو عجوز فتقول: هذه دايتي، هذه خالتي، هذه عمتي». ١١٧ - ومنهم أبو شيخ المفسر، واسمه طلق (*) بن الشيخ (١)، ويقال سيف، رحمه الله تعالى. قال أبو العرب: كان رجلا صالحا معروفا بالدين.

стр. 330

قال الشيخ أبو بكر عبد الله المالكي: كان سحنون يعظم أبا شيخ هذا ويستفتيه عن عبارة الرؤيا لما تحقق عنده من علمه بها. قال: رأى سحنون في منامه كأن رسول الله ﷺ مات، واجتمع الناس على دفنه ما خلا سحنون وحده. فأرسل سحنون إلى أبي شيخ يسأله عن الرؤيا، وقال للرسول: «لا تخبره أني رأيتها» واغتم لها سحنون (٢)، [لأن البدعة بخلق القرآن قد ظهرت، فأتى رسوله أبا شيخ، فسأله عن الرؤيا وكنّى عن سحنون، فقال له أبو شيخ] (٣): سحنون رأى هذه الرؤيا، فدافعه الرسول عن ذكر سحنون، فلما رأى تماديه (٤) على أن سحنون رأى الرؤيا قال (٥) له الرسول: «فسّرها لمن كانت» (٦). فقال أبو شيخ: «هذه سنة رسول الله ﷺ قد ماتت واجتمع الناس على دفنها خلا سحنون وحده، فإن رسول الله ﷺ مات قبل هذا الوقت بحين، وكانت سنته حية فأميتت في هذا الوقت بالبدعة، وتعاون الناس على دفنها إلا سحنون وحده». روى عن ابن أنعم والبهلول. وذكر [عنه] (٧) قال (٨): «رأيت مالكا على بغلة تساوي كثيرا، وعليها سرج يساوي قريبا من ثمن البغلة، وعليه ثياب حسنة وغلام يمشي خلفه حتى أتى باب داره وأنا

стр. 331

انظر إليه، فدخل راكبا من الباب/حتى أتى راكبا إلى موضع مفرشه، فنزل عن دابته فقعد على مفرشه، فأخذ غلام منديلا [فمسح خفّه] (٩) ثم نزعه واستوى مالك في مفرشه قاعدا» (١٠).

стр. 332

ذكر من كان في هذه الطبقة من المتعبدين والزاهدين رضي الله تعالى عنهم ١١٨ - منهم أبو يزيد رباح بن يزيد اللخمي (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب وغيره: كان رباح رجلا صالحا مستجابا مشتهرا بالفضل والزهد، يسلم ذلك إليه جميع أهل عصره. وكانوا يتبركون بدعائه ويتعظون برؤيته. وكان يضرب به المثل في عبادته، رقيق القلب غزير الدمعة، كثير الإشفاق والخشية والتواضع والرحمة. روى عن ابن سمعان (١) وعن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. قال أبو العرب (٢): طلبت حديثه فما وجدت منه إلا كتابا واحدا رواه عن ابن سمعان. توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودفن بباب سلم بجوار (٣) قبر البهلول. ومما أسند عنه: قال: حدثني ابن سمعان عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري

стр. 333

عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة أنه قال (٤): سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ».قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: «ثم مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويدع الناس من شره». ذكر فضله ومناقبه وأوصافه وأحواله وكراماته وإجاباته . رضي الله تعالى عنه. فمن ذلك ما حدث أبو عبد الرحمن القصير (٥) قال (٦): «رأيت أربعة ما رأيت في الدنيا مثلهم: رأيت ابن عون (٧) بالبصرة فما رأيت مثله، ورأيت سفيان الثوري بالكوفة فما رأيت مثله، ورأيت رباح بن يزيد بإفريقية فما رأيت مثله، ورأيت الأوزاعي بالشام فما رأيت مثله». ذكر عنه أنه قال (٨): «رضت نفسي على المآثم (٩) حولا فبعد حول ضبطتها، ورضت لساني على ترك (١٠) ما لا يعنيني فبعد خمس عشرة سنة ضبطته».

стр. 334

قال أبو عثمان بن الحداد: «إنه ليغلب على ظني أن هذه الرياضات (١١) إنما كانت بعد أن (١٢) بلغ الحلم، لأنه إنما مات ابن ثمان وثلاثين سنة. وكان قد حمل نفسه على الاجتهاد حتى بلغني أنه قال: لقد كنت أحب الصحة فلما ضعفت عن العمل أحببت المرض». أخبر عبد الخالق المتعبد أن رباح بن يزيد ذكر (١٣) ما أنعم الله عليه في دينه يوما من الأيام، وكان في ذلك الوقت البهلول، فقال رباح للبهلول: «يا أبا عمرو: إن لي لاثنتي عشرة سنة-أحمد الله تعالى إليك فيها كثيرا وأشكره (١٤) -ما بغيت (١٥) فيها شيئا سوى الله ، وإن لي لاثنتي عشرة سنة قد أعطيت فيها من حلاوة القرآن ما لو شئت أن أتهجد بالآية الواحدة ليالي لفعلت، وإن لي لاثنتي عشرة سنة أخاف فيها الغنى كما يخاف الغني الفقر».فكان البهلول يقول: «أما الخلتان اللتان (١٦) ذكرهما أولا: أنه لا يخشى شيئا سوى الله ، وما ذكر من أنه أعطى من حلاوة القرآن ما ذكر، فقد كنت شهدت ذلك منه غير ما مرة. وأما ما ذكره من خوفه الغنى فكان في نفسي منها شيء (١٧)، لأني قلت: الغنى يخاف، هذه درجة عظيمة، أعظم (١٨). ثم إنه بلغني أنه سأله رجل من أملياء أهل القيروان أن يزوجه ابنته، وكان لها مال عظيم. فامتنع من ذلك وقال لي: «إنما أردت وأصحابك أن تأتوني فتنظروا إلى فضول الدنيا عندي وفي بيتي، وملك ذلك لغيري، ولا تنبسط يدي فيه، فأضعه في المواضع التي هي أفضل. قم فلا حاجة لي في شيء من ذلك كله».قال: فقلت: «صدق! من خاف شيئا تجنبه، وهو صادق فيما يقول».

стр. 335

قال أبو عثمان سعيد بن محمد بن الحداد (١٩): «بلغني عن البهلول (٢٠) بن راشد أنه كان يوما جالسا وعنده (٢١) رباح بن يزيد: إذ أقبل «بقية» أخو البهلول من البادية، فجعل يلهج بذكر البادية، وبهلول يتقلى اغتماما برباح، لأنه يعلم أنه لا يحتمل ذكر الدنيا، فلما أكثر من ذلك، نهض رباح، وجعل يقول لبهلول: «سقطت [من عيني] (٢٢)، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تنكر ولا تغيّر؟ » فقال له بهلول: «ما أبالي- إذا لم أسقط من عين الله -من عين من سقطت» فخر رباح على رأس البهلول يقبله وجعل يقول: «نعم [يا حبيبي يا] (٢٣) بهلول، فلا تبالي من عين من سقطت (٢٤) إذا لم تسقط من عين الله ». وقال بعضهم (٢٥): حضرت مع رباح جنازة، والناس في ذلك الوقت في أزمة شديدة وضيق من العيش، فنظرت إلى رباح ووجهه يتهلل يكاد أن يضحك من البشر، فقلت في نفسي: «الناس فيما هم فيه من الكرب وهو مستبشر؟ ».ثم إن الله كشف ذلك عن المسلمين، وصاروا إلى رخاء من السعر، ورغد من العيش. واجتمعت معه في جنازة أخرى فنظرت إليه كئيبا حزينا يبدو الحزن منه، يكاد من شدة الحزن أن يبكي، فقلت في نفسي: «أين هذه الحالة من الحالة [التي] (٢٦) كنّا (٢٧) [فيها من] (٢٨) الشدة والضيق؟ »، ثم قلت: «والله لأسألنه! ». فلصقت به وقلت له: «يا أبا يزيد، رأيت منك حالتين، فلم أجد لنفسي بدا أن أسألك عنهما»، فقال لي: «وما هما؟ » فقلت له جميع ما رأيته منه، فقال: «أو فطنت لي؟ » فقلت له: «وكل أمرك قد راعيت» فقال لي: «ويحك! كنا في اليوم

стр. 336

الأول ونحن راغبون داعون لله ، وعيالنا وصبياننا كذلك، وأنت ترى غفلتنا اليوم وطول سهونا وقلّة تضرعنا، فأي الحالتين خير؟ » قال: فقلت في نفسي: «أنت في شيء والناس في غيره». وذكر (٢٩) أن رجلا من الأندلسيين أتى إلى رباح فقال له: «يا أبا يزيد، إن سعيد/بن لبيد (٣٠) أخذ مني جارية لي».فأخذ رباح عصاه وانطلق معه إلى دار سعيد بن لبيد، فوجد جماعة من الناس قد حفوا ببابه ينتظرونه، فألقى عصاه بينهم وجلس حتى خرج سعيد راكبا من داره. فلما رآه من كان على بابه من تلك الجماعة، نهضوا على أقدامهم، وثبت رباح جالسا، فقصد إليه سعيد، ورباح جالس في مكانه، فأقبل سعيد يقول لرباح في الذين قاموا له: «[يا أبا يزيد] (٣١)، هؤلاء كلهم أبناء دنيا».فقال [له] (٣١) رباح: «قال رسول الله ﷺ (٣٢): من أحب أن يتمثل له الرجال قياما على أقدامهم، فليتبوأ مقعده من النار».فقال له سعيد: «يا أبا يزيد، هل من حاجة؟ » فقال له رباح: «أردد على هذا الأندلسي جاريته».فصاح سعيد: «جارية الأندلسي! » فأخرجت، فدفعها إلى مولاها. وكان ﵀ مستجاب الدعوة: قال سعيد بن الحداد (٣٣): كان لرباح بن يزيد صديق كانت له بنت مقعدة سأله أن يزوجها له ففعل، فلما دخل عليها أخذ بيدها، وقال لها: «قومي بإذن الله» فقامت صحيحة تمشي. فمال إلى موضع في البيت فصلى فيه حتى أصبح، وخرج وخلى سبيلها وإنما كان به إلى النكاح الدعوة لها (٣٤). ومما يقوي هذه الحكاية ما ذكر أن عبد الله بن المبارك مر برجل قد أقعد من ركبتيه، ثم مر به مرة أخرى وقد أطلق وهو يمشي صحيحا فقال له ابن المبارك: «أعرفك وقد أقعدت، وأراك صحيحا تمشي، فكيف كان أمرك؟ » فقال له الذي

стр. 337

كان مقعدا: «مر بي شخص لا أعرفه، فسلّم عليّ، وقال لي: لما لا تدعو الله وتسأله العافية؟ فقلت له: كيف أقول في دعائي؟ فقال لي: قل في دعائك: «اللهم كلما (٣٥) أنعمت عليّ بنعمة قل شكري لك عليها، وكلما ابتليتني ببلية قل صبري لك عليها، فيا من لم يؤاخذني (٣٦) بقلة الشكر على نعمه ولا بقلة الصبر على بلائه اكشف ضري وفرج عنّي؛ فدعوت بذلك فصرت إلى العافية بإذن الله ». أبو بكر محمد بن اللباد أنه قال (٣٧): «أخبرت أن رباح بن يزيد كان عنده أجراء حصادون (٣٨)، فعمل لهم الغداء وكسر لهم الخبز، ثم قال: «لو كان عندنا لبن عملناه لهم! » وكانت عنده قربة مملوءة بالماء، فصب منها لبنا على الخبز، وقدم ذلك إليهم. ثم قام إلى القربة ليتوضأ منها للصلاة، فصب منها ماء فتوضأ للصلاة». قال بهلول (٣٩): «قلت لرباح: يا أبا يزيد، إن الناس قد أكثروا عليك في قصة اللبن»، فقال: «ما تعجّبك من هذا؟ فو الله إن لي اثنتي عشرة سنة ما خفت أحدا إلا الله ».قال بهلول: «فتصاغرت إليّ نفسي، وقلت: «يا بهلول، أنت تخاف الناس، وهذا لا يخاف أحدا إلا الله! ». قال البهلول: «ثم قال رباح: لقد كنت بمكة فرأيت رجلا إذا كثر الطواف صلّى وإذا قل الطواف طاف، فاقتديت به واتبعته. فمال ليلة إلى زمزم، فأدلى دلوه، فخرج عسل حلو طيب، فأكلنا منه. ثم دلى دلوه، فخرج لنا مملوءا لبنا، فشرب وسقاني، ثم قال: «يا مغربي، بحق الذي أحببتني له لا تذكر ذلك لأحد ما دمت بمكة».ويذكر مثل ذلك عن سفيان الثوري. وكان ﵀ ينطق بالحكمة: ذكر ابن الحداد، قال: «أخبرني بعض أهل العلم عن رباح بن يزيد أنه أرسل رسولا، وكان في المسجد، فعثر الرسول على حصير، ثم عاد الرسول فسلك على

стр. 338

ذلك الحصير، فعثر عليه ثانية، فغضب رباح وقال له: «رسول الله ﷺ يقول (٤٠): «لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين، وأنت تعثر على حصير مرتين! ألا إذ عثرت عليه مرة أخذت حذرك فلا تعود إليه مرة أخرى؟ ». ورأيت له، رحمه الله تعالى، رسالة كتب بها الى البهلول بن راشد: «السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فالزم على نفسك كثرة ذكره، واستعن بالله على أداء فرائضه، واستغفره لما هو أعلم به، فإنه يقول: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) (٤١)، ثم أحدث احتراسا من الجليس، إلا من كان همه يعلو فرحه (٤٢)، وفكره ينفع جليسه، يستعمله إلفه. فمن لم يكن منهم كذلك، فأظهر له حسن الخلق، وتسلّك (٤٣) من إخائه في رفق. واستعن بكتاب الله وكثرة ذكره وتلاوته، فإنه الشفاء والرحمة للمؤمنين. وقد نزل بنا ما ترى من سفك الدماء وذهاب الأموال، وقد علمت ما عاينت من كثرة العبر بتسليط إلهك يوم سطا أبو حاتم الأعور (٤٤)، وإنما كان ذلك نقمة بالذنوب، فبلغ من الفساد ما الله أعلم به وأحصى له، من حصار وضيق أسعار وظهور المنكر. وقد قال إلهنا الكبير المتعال : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (٤٥). فهل من رجوع ظاهر أو باطن؟ فما ينتظر من كان في مثل ما نحن فيه إلاّ نزول (٤٦) النقم، إلاّ أن

стр. 339

يعفو ربنا الحليم. ولقد علمت ما حلّ بمغمداس (٤٧) وغيرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قال إلهنا الكبير : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (٤٨). وإني أرى لك أن تحدث حذرا واحتراسا واستكانة وخضوعا وتذللا وخشوعا، ترجو بذلك رضى إلهك والنجاة من نزول عقابه، وما ظهر من الفساد خوفا من سخط الجبار، ولا تكن من الغافلين، ولكن أكثر من مجالستك من أهمه أمر نفسه وصلاح دينه، فإن لم تجد أولائك فعليك بالخلوات واستعن بالله ، ولا تزال تذكرنا، فإني قد نشبت في موضع لا يخلص منه إلا الله . والوحدة لا تضر من خاف الله تعالى بالغيب. والأنس لا ينفع من كان من دينه في شك وريب. قال الله : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً) (٤٩). فمن رجوت من أهل زمانك أن يكون بقاؤه رحمة لأهل مكانه فاسرع (٥٠) إليه وانتفع بلقائه، فإنه قد أدرك أمرا عظيما. فعليك يا أخي بكثرة الحزن والتفكّر والاعتبار بالذكر وملازمة الدار، ولا يعجبك كثرة الحديث، فإنه ليس نافع الأمور (٥١) إلا حديثا حرك القلوب لما فيه نجاتها وعمارتها بما يرضي ربها . وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال (٥٢): «من أصبح أكبر همه غير الله ، فليس من الله [في شيء] (٥٣) ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم».وقد أصبح الناس يسفك بعضهم

стр. 340

دماء بعض ويأخذ بعضهم مال بعض؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال الله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْاالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْااناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) (٥٤). فكيف تطيب نفس مؤمن أو ترى سرورا، وهو يرى سخط ربه ظاهرا؟ ما سكنت القلوب إلى الفساد إلا لما خالط الأبدان من العيوب. يا أخي، لا يغرنك رضى الناس عنك فإنهم لا يعلمون ما يعلم الله، فاستغث بالله أيام رجائك، وليعلم منك الشفقة منه والثقة به، ولا تزال تكتب إلينا وتذكرنا بنفسك، فإنه لن يخطر (٥٥) على بالنا أحد لمن أقوانا (٥٦) إلا وذلك خير له ولنا. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وكتب إلى عبد الله بن فروخ: «بسم الله الرحمن الرحيم. من رباح بن يزيد إلى عبد الله بن فروخ. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وإياه نعبد ونستعين. أسأله شكرا لأنعمه وعملا يرضاه. جاءني كتابك فقرأته وفهمت الذي ذكرت فيه، آجرك الله فيما دللت عليه من خير، فإن الله يقول: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْااهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (٥٧). جعلنا الله تعالى وإياك ممن استوجب ذلك الأجر العظيم بيسير من العمل، وتغمد منا ومنك ما لا يغفره إلا هو، إنه لا يغفر الذنوب إلا هو وحده لا شريك له. أوصيك بتقوى الله الذي لا يشغله شيء عن شيء، الذي ابتدأ خلق ما نرى على غير مثال كان قبل ذلك. فإنك في زمان قد ماتت فيه قلوب خلق كثير

стр. 341

وهم لا يشعرون. فاتخذ أخا مصافيا في أموره ومداخله ومخارجه، فإذا وجدت ما تحب فأوجب له ما يجب من الأخوة في الله وإلا انقبض في رفق (٥٨) ونصيحة. فإن كثيرا من أهل زمانك يحبون رضى الأشرار ورضى الأخيار [فيا ....... ] (٥٩) وحسن الثناء على الأشرار، حتى يخيل إلى من يسمعه أن القطع إليه برأيه وعمله وهواه. فأما الأشرار فيثنى عليهم بالشرف والفضل لغنم (٦٠) ما في أيديهم مما لو كانت الكلاب تحاسب ثم عرفته لم تطعمه، ولم تدن منه، إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما. وانظر إلى من يسكن إليه عقلك وتعرف البركة في مجالسته، وإن قل أولئك-وحق لهم القلة لكرامتهم على الله أعجل خروجهم من الدنيا إلى [دار] (٦١) كرامتهم-لأنه لا يبقى في آخر الزمان إلا الذين هم الأشرار كما قال ﵇ (٦٢): «حثالة كحثالة التمر»، فارض بالوحشة واسأل الله أن يسلمك يوما (٦٣) بيوم حتى يلحقك بمن لا غنى بك عن صحبته ومرافقته، وما التوفيق إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. فقد أدركت زمانا أميتت فيه السنة وأظهرت فيه البدعة، وعز فيه أشرار كثير (٦٤) من هذه الأمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما تلقى من أهل زمانك. كأن الذي خوّفوه لا يقع بهم، أو كأن الذي حل بغيرهم لا يرونه. وقد قال الله : (فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٦٥)، وعهدت بلادنا بالحصار والقتل والفساد، وقال الله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ

стр. 342

بِمُعْجِزِينَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٦٦). أسأل الله العظيم الرءوف الرحيم أن يلحقنا وإياك بالصالحين. لا تزال تصلنا بكتاب فيه بعض ما ينفع الله به من الحكم التي ليس يعدلها كثير من عرض الدنيا، فإن عبد الله بن عمرو بن العاص قال (٦٧): ما من هدية يهديها المرء إلى أخيه خير له من كلمة حكمة ينفعه الله بها في دينه. وقال الله تعالى: (الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ) (٦٨). فاغتنم بقية عمرك واحسن أدب جلسائك (٦٩)، فمن رأيت الأدب ينفعه فتفقد مجالسته، ومن رأيته منهم يتكلم بلسانه وهواه في الغيبة-يراها أفضل رغبته-فعاوده رجاء رجعته، فلعله ينتفع بالحكمة، فإن لم تزجره الموعظة فدع إخاءه ولا تستوحش إلى مجالسته [والسلام عليك ورحمة الله وبركاته] (٧٠). قال محمد بن الأشج: «أخبرني أبي قال (٧١): اعتل (٧٢) رباح بن يزيد-وكان «بدرب عابد بن الأسود» (٧٣) -عند أخ من إخوانه، فلما بلغ يزيد بن حاتم أمير إفريقية علته واعد «سعيد بن لبيد» (٧٤) عامله على أنهما يمشيان إليه بعد المغرب رجّالة. فلما كان بعد المغرب أتى سعيد بن لبيد قبل أن يأتي يزيد بن حاتم، فخرج إليه صاحب الدار-وكان عند رباح ذلك الوقت جماعة/يعودونه-فلما رآه دخل إلى رباح فقال: «يا أبا يزيد، هذا سعيد بن لبيد قد أتى عائدا».فقال له رباح: «لا تأذن له ولا تدخله عليّ».فقال صاحب الدار في نفسه: «رباح لا يبالي بسعيد ولا يخافه، وأنا أبالي بسعيد وأخافه، والدار داري! » فخرج إليه وقال: «ادخل أصلحك الله! »،

стр. 343

ثم سبقه إلى رباح، فقال: «هو ذا قد دخل»، فحول وجهه نحو الحائط قبل دخوله، لئلا يخاطبه. فلما أن دخل سعيد قال له: «كيف تجدك يا أبا يزيد؟ كيف أنت؟ » ونحو ذلك من الكلام، فما رد عليه رباح حرفا، ولا أجابه بشيء. فلما أن رأى ذلك سعيد قال: «أحسب أن أبا يزيد نائم! ».فقال له صاحب الدار: «أحسب ذلك، أصلحك الله»؛ فحول رباح وجهه إلى صاحب الدار وقال له: «ويحك! تكذب وأنت تخاطبني الساعة وتقول إني نائم؟ أما إني لو علمت أنك تكذب ما أويت لك إلى سقف! ».قال: فخجل سعيد بن لبيد وخرج من عنده واجدا لما نزل به. فلما صار إلى رأس الدرب لقي «يزيد بن حاتم» الأمير وقد أتى يعود رباحا، فقال له سعيد: «انصرف، أصلح الله الأمير! » فقال له: «لم؟ » فأخبره بما نزل به، وقال له: «إنما نزل بي هذا من رباح لكوني صحبتك»، فتوقف يزيد ساعة مفكرا ثم قال له: «قد أتيت، فما كنت لأنصرف حتى أشهد عيادته»، فقال له: «وكيف تعمل؟ » قال: «سوف ألطف له وأحتال».قال: فمضى يزيد حتى أتى الدار التي فيها رباح، فخرج إليه صاحب الدار فلما رآه دخل إلى رباح فقال: «هذا الأمير يزيد بن حاتم قد أتى عائدا وقد أذنت له بالدخول، ولم أقدر على غير ذلك». فأعاد رباح وجهه إلى الحائط كما فعل مع سعيد، والقوم جلوس بحالهم عند رباح لم يبرحوا. فلما دخل يزيد سلم عليهم ثم قال لهم: «كيف أمسى أبو يزيد العشية؟ كيف رأيتموه؟ منّ الله عليه بالعافية وصرف عنه المحذور»، وكان أولئك العوّاد يجيبونه في كلامه كله في مسألته وفي دعائه. فخرج عنه الأمير يزيد بن حاتم. ومات رباح من تلك العلة، فبلغ يزيد بن حاتم وفاته، فأتى لحضور جنازته، فلما صلّى الظهر أقبل الناس والأمير راكب (٧٥) ومعه أصحابه [في] (٧٦) خلق عظيم، فوقف ينتظر الناس ليخرجوا به، فازدحم الناس على نعشه من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، فلما رأى ذلك يزيد قال: «معاشر الناس، إن كنتم مزدحمين فازدحموا على عمله ولا تزدحموا على جسمه».وأمر الشّرط بحمل النعش، فأخذه الشّرط فحملوه وأزالوا الناس عنه، وحملوه إلى «باب سلم»، فصلى عليه ودفن رحمه الله تعالى.

стр. 344

وفي رواية (٧٧): أن سعيدا قام من عند رباح مغضبا حتى دخل على الأمير يزيد بن حاتم وقد غلبه البكاء وجعل يقول له: «ما مر عليّ قط مثل اليوم! »، ثم قص عليه قصته مع رباح، فقال له يزيد: «هب (٧٨) أني عاديت لك أهل الأرض، أفأعادي لك أهل السماء؟ تعال حتى أريك كيف يعاد مثل رباح».فركب يزيد مع سعيد حتى دخل على رباح، فسلم يزيد على رباح فلم يرد ﵇، فأقبل يزيد على عواد رباح فقال لهم: ان سعيدا دخل عليكم (٧٩) والعليل يشق عليه الكلام، فإذا أجبتمونا عنه، فكأنه هو المجيب».ثم سألهم عن مبيته كيف كان وكيف حاله، ثم نهض. وكان هذا دأبه معه كل يوم في الزيارة حتى مات، رحمه الله تعالى. ١١٩ - ومنهم أبو علي شقران (*) بن علي (١) الفرضي، رضي الله تعالى عنه. قال أبو العرب (٢)، رحمه الله تعالى: كان أبو عليّ رجلا صالحا ضرير البدن والبصر، وكان يقال إنه مستجاب. وكان مؤاخيا للبهلول. وكان عالما بالفرائض، وله فيها كتاب لم نجد عند علمائنا عن شقران غيره. روى [عنه] (٣) سحنون وعون بن يوسف. وكان سنه نحو [سنّ] (٤) البهلول. وكانت عليه الفراض (٥).

стр. 345

وذكر غير أبي العرب (٦): أنه (٧) نشأ على طهارة (٨) مع كثرة صلاة وصيام وكثرة حزن وخشية، رقيق القلب غزير الدمعة، ومن صغره كان ينطق بالحكمة، ويرد الناس إلى عبادة ربهم بالموعظة الحسنة، حتى انتفع به جماعة من المريدين منهم ذو النون الاخميمي (٩) وغيره. لقد حدث (١٠) أبو عبد الملك مروان (١١) بن نصرون المتعبد، قال: «بلغ ذا النون أن بالمغرب (١٢) رجلا متعبدا (١٣) يقال له شقران يخرج من أربعين يوما إلى مثلها. فأتاه من مصر، فسأل عنه، فقيل له: «الساعة دخل. وليس يخرج إلى أربعين يوما».فأقام ذو النون على بابه أربعين يوما، فلما تمت خرج، فلما رأى ذا النون (١٤) قال له: «من المشرق أنت؟ » قال: «نعم».قال: «ما الذي أقدمك بلادنا؟ » قال: «بلغني خبرك فأتيت إليك لتعظني، لعل الله أن ينفعني بكلامك».فقال له: «يا فتى، سح في الأرض، واستعن بأكل العشب على أداء الفرض. ولا تقبل من أحد صلة ولا قرضا، فإذا خشيت أن تقترض فاستعن بالذي عليه تعرض» (١٥). ثم دخل فأقمت (١٦) على بابه أربعين يوما، فلما خرج بعد انقضائها قال له (١٧): «ما انتفعت من الموعظة

стр. 346

بشيء؟ » قال: «أردت الزيادة»، [قال: لست من أهلها] (١٨) وسأنقصك! يا فتى، كل من كد يمينك مما عرق فيه جبينك، ولا تأكل بدينك، فإن خفت أن يضعف يقينك فاستعن بالله معينك. أعلم أن لي ولك غدا موقفا بين يدي الله ، فاتق الله ولا تشك من يرحمك إلى من لا يرحمك».ثم دخل فأقمت على بابه أربعين يوما، فلما خرج قال: [ما] (١٩) «انتفعت بالموعظة؟ » قلت «أردت الزيادة».قال: «لست من أهلها، وسأنقصك! يا فتى: ارض بما قسم الله لك تكن من أزهد الناس، واتبع ما أمرك الله به تكن من أعبد الناس، وانته عما نهاك الله عنه تكن من أورع الناس»، ثم همّ بالدخول، فجذبت ثوبه/وقلت: «زوّدني منك زادا ينفعني الله تعالى به».قال: «فدسّ في يدي شيئا كهيئة الدينار أو كهيئة الدرهم، فنظرت فإذا هو اسم من أسماء الله تعالى» قال: «فما سألت الله به شيئا إلا أعطاني إياه». قال أبو محمد الحسن بن أبي العباس الأجدابي: «فذكر أن ذا النون (٢٠) وجد في الرقعة التي دفعها إليه شقران: «يا دائم الثبات، يا مخرج النبات، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات». وحدث أبو عثمان سعيد بن عثمان بن عباس الخياط، قال (٢١): «سمعت ذا النون بن إبراهيم الاخميمي يقول: «وصف لي رجل بالمغرب، وذكر لي من حكمته وكلامه (٢٢) ما حملني على أن ألقاه، فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين يوما على أن يخرج من منزله إلى المسجد، فكان يخرج في وقت كل صلاة، ويرجع كالواله، لا يكلمني ولا يكلم أحدا»، قال: «فضاق لذلك صدري، فقلت: «يا هذا، إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحا لا أراك تكلمني».فقال لي: «يا هذا لساني سبع، فإن أنا أطلقته أكلني» فقلت: «رحمك الله، عظني بموعظة أحفظها

стр. 347

عنك».قال: «وتفعل؟ » قلت: «نعم إن شاء الله تعالى» فقال: «لا تحب الدنيا، وعد الفقر غنى، والبلاء من الله نعمة (٢٣)، والمنع من الله عطاء، والوحدة مع الله أنسا، والذل عزا، والمباهاة خطأ (٢٤)، والإياس غفلة (٢٥)، والطاعة حرفة، والتوكل معاشا، والله لكل شيء عدة». قال: «ثم مكثت بعد ذلك شهرا لا يكلمني. فقلت له: «رحمك الله، إني أريد الرجوع إلى بلدي، فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة» فقال لي: «وما كفاك ما سمعت؟ » فقلت له: «رحمك الله تعالى، إني رجل مبتدئ لا علم عندي» فقال لي: «هكذا؟ » قلت: «نعم» فقال لي: «يا هذا، اعلم أن الزاهد في الدنيا قوته في الدنيا ما وجد (٢٦)، ومسكنه حيث أدرك، ولباسه ما يستر (٢٧)، والخلوة مجلسه، والقرآن حديثه، والله العزيز الجبار أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والصمت جنّته (٢٨)، والخوف محجته (٢٩)، والشوق مطيته، والنصيحة نهمته (٣٠)، والاعتبار فكرته، والصبر وساده، والتراب فراشه، والصديقون إخوانه، والحكمة [كلامه] (٣١)، والعقل دليله، والحلم خليله، والتوكل كسبه (٣٢)، والجوع إدامه (٣٣)، والله عونه (٣٤)».قال: فقلت له: «يرحمك الله تعالى، فمتى يتبين (٣٥) العبد الزيادة في

стр. 348

هذا المكان (٣٦)؟ » قال: «بالمحاسبة للنفس (٣٧) والمناقشة لها. حسبك الآن، حسبك! ». قال ذو النون (٣٨): «سمعت أستاذي شقران المغربي يقول في بعض مواعظه: «يا أخي، إن الله عبادا [ .... ] (٣٩) فألفوا، وطلبوا فرحلوا، وقصدوا فوصلوا؛ أولئك الربانيون والأحبار وعمال الله الأبرار، أولئك قوم كرمت نفوسهم على الله فركبوا مطية النجاة إلى الله، وأحياهم عند ذلك حياة الأصفياء، ثم أمدهم بمعونات الأقوياء. فسبحانه ما أك [رمه فيما أ] (٤٠) عطاهم وخولهم، ولقد دعاهم فأجابوا، ولقد قبلوا فأصابوا».ثم قال: «أواه! ألا مريد صادق؟ ألا فتى نمّت عليه الحقائق؟ مالي لا أرى الصادقين؟ مالي عدمت أهل اليقين؟ ألا فجدّوا، فإن الطريق واضح. ثم اسمعوا مني، وإني لكم ناصح، فكم بين (٤١) من هو غدا (٤٢) مكرم محبور إلى من هو موبخ بما جنى محقور، ثم يؤمر به إلى لظى مجرور. ويحكم! إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) (٤٣). ثم قال: «ألا لهج خدوم؟ ألا ثكل ندوم؟ ألا حبيب لبيب؟ ألا صفي كئيب؟ ألا تائب يثوب؟ ألا خادم يذوب؟ ألا راغب في الجزيل؟ ألا عارف بالجليل؟ أين من استراحت بواطنه بحب الله تعالى؟ أين من ظهرت على جوارحه شواهد الهيبة؟ أين من اقترب الرب تعالى من سرائره؟ أين من دانت لمعاملة الله ظواهره؟ أين من خبر الطريق؟ أين من نظر بالتحقيق؟ أين من أدناه فلم يبرح؟ أين من شوّق فلم يقرح (٤٤)؟ أين من شجى فباح؟ أين من بلي

стр. 349

فناح؟ أين من قبل ففرح؟ أين من وصل فغنم؟ أين من لزم فاجتنى (٤٥)؟ أين من بكى بعويل؟ أين من صرخ بغليل؟ أين من رضي فطاب؟ أين من نحل فذاب؟ أين من شفه الوداد؟ أين من جد باجتهاد؟ أين من همّه الحبيب، أين من دهره غريب (٤٦)؟ [أين] (٤٧) من طالع الكشوف؟ أين من صال بالمعروف؟ أين عمّاله الكرام؟ أين خدّامه القيام؟ أين من ذكره غذاه؟ أين من قلبه يراه؟ يا أخي، هل كانوا إلا بركات على المسلمين؟ ما أبصرهم بعلوم أهل اليقين! ما أغوصهم في بحار المستنطقين! ما قولك في رجال أتتهم فوائد العطايا والمواهب؟ جعلنا الله منهم وفيهم، وحشرنا في زمرتهم». وقال أيضا (٤٨): «قال أستاذي شقران: يا ذا النون (٤٩)، من توكل استغنى، ومن لم يتق (٥٠) تعب، ومن شكر كوفي، ومن رضي صوفي (٥١)، والنظر إلى الظّلمة آفة التحقيق، والهجر لهم أول الطريق». وحدث أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى القرشي المتعبد الصقلّي (٥٢)، قال: «حدثني أبو عبد الله محمد بن خراسان، قال (٥٣): كان شقران بن عليّ من أجمل (٥٤) الناس، فهويته امرأة، فذكرت شأنها لعجوز فقالت لها: «أنا أجمع بينكما».فمر شقران يوما بالموضع، فقامت إليه العجوز فقالت له: «يا ولدي، لي ولد قد أحرقت

стр. 350

قلبي غيبته، وقد جاءني (٥٥) كتابه، فأحب منك أن تقرأه لي»، فأجابها إلى ذلك، فقالت له: «يا سيدي، له أخت بها من الوجد عليه مثل ما بي، فإن رأيت أن تلصق (٥٦) إلى الباب فتسمع أخته كتابه! » فقال: «نعم»، فأتاها إلى الباب ففتحته ودخلت وقالت له: [يا سيدي] (٥٧)، إنها لا تخرج (٥٨) /وهي وراء الباب الوسطاني، فإن رأيت أن تتقدم إلى الباب الأوسط وتقرأه لها، فإن الله تعالى يكمل أجرك». فتقدم شقران إلى الباب، فبادرت العجوز وغلقت الباب البراني، وفتحت الجارية الباب الأوسط (٥٩)، وضربت بيدها في أطواق شقران وقالت له: «قد وحلت! » (٦٠) وراودته عن نفسه. فلما رأى أن البلاء قد نزل به أراد ملاطفتها ليتخلص منها، فقال لها: «ولا بد من ذلك؟ » فقالت: «لا بد من ذلك! » فقال لها: «اعطيني ماء أتوضأ به» فأعطته ماء فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم قال: «اللهم إنك قد خلقتني كما شئت، وقد خفت الفتنة على نفسي، وأسألك يا ربي أن تغير خلقتي وتصرف شرها عني»، فخرج وقد تغير وجهه وظهر به الجذام، فلما رأت ذلك منه دفعته في صدره وأخرجته من الدار، ووقاه الله شرها. فكان ذلك بيديه ورجليه فراضا (٦١) حتى مات رحمه الله تعالى ورضي عنه، فإنه اختار بلاء الدنيا على بلاء الآخرة». ومما يشبه هذه الحكاية ما حدث به مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنه، قال (٦٢): «كان يونس بن يوسف (٦٣) من العباد، وإنه راح يوما المسجد فلقيته امرأة

стр. 351

فوقع في نفسه منها شيء، فقال: اللهم إنك كنت جعلت لي بصري نعمة، وقد خشيت أن يكون [عليّ] (٦٤) نقمة، فاقبضه إليك».قال: «فعمى، فكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا [استقبل به الأسطوانة] (٦٤) اشتغل الصبي مع الصبيان، فإذا عرضت له حاجة دعاه فأقبل إليه. فبينا هو ذات يوم ضحوة في المسجد إذ أحس في بطنه شيئا فحصب (٦٥) الصبي فشغل عنه باللعب مع الصبيان ولم يعلم به. فقال: «اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة، فسألتك أن تقبضه إليك فقبضته، اللهم وقد خشيت الفضيحة على نفسي فاردده إليّ».قال: «فانصرف إلى منزله وهو صحيح البصر».قال مالك: «فرأيته أعمى ورأيته بصيرا». حدث عبد الرحيم صاحب ابن فروخ، قال (٦٦): «كنا عند البهلول حتى أتاه رجل معه ابن له صغير قد أصابه جدري وهو لا يبصر، فقال: ادع الله تعالى لولدي أن يرد الله على هذا الصبي بصره»، قال: «فقام البهلول والصبي وأبو الصبي معنا حتى دخلنا على شقران بن عليّ، فسلمنا عليه، فقال له البهلول: «إن أخانا هذا ليس له غير ابنه الذي معه، وقد ابتلى في بصره، فادع الله تعالى أن يرد إليه بصره».قال: فقال له شقران: «ادع يا أبا عمرو ونؤمن نحن».قال: [فقال البهلول: بل أنت يا أبا علي فادع الله ونحن نؤمّن] (٦٧) فاستقبل شقران القبلة وهو على سريره، فحمد الله وصلّى على نبيه ﷺ ثم قال: «اللهم إن أخانا هذا قد سألنا ما علمت، فنسألك أن ترد إلى ولده بصره».فالتفت الصبي إلى أبيه وقال: «يا أبت، ما هذا؟ » فلما سمعه البهلول أخذ بيد الصبي والرجل وقام فخرج. فطرح شقران بنفسه على وجهه فرددنا عليه الباب وخرجنا بالصبي بصيرا». أخبر حمدون بن العسال، قال (٦٨): قحط الناس عندنا بالقيروان، فجاء قوم إلى شقران وأنا عنده جالس فقالوا: «يا أبا عليّ، ادع الله يسقنا، فقد ترى ما الناس فيه

стр. 352

من الجهد والغلاء».فشد إزاره على وسطه، ورفع يديه بالدعاء والتضرع إلى الله ، و [جعل] (٦٩) يقول في دعائه: «عزيمة منى عليك، اسقنا الساعة الساعة! » قال: فأرعدت [السماء] (٧٠) وأبرقت وأمطرت. قال حمدون: فخرجنا من عنده نخوض في الماء إلى أنصاف سوقنا (٧١). قال أبو عثمان (٧٢): قال لي سعيد الصبيري (٧٣): «صدق حمدون، كنت أنا حاضرا ذلك (٧٤)». وفي رواية: أنه أبطأ عن الناس المطر، والزرع في الأكمام، فاجتمع الناس يوم الجمعة وقالوا: «امضوا بنا إلى شقران»، فمضى الناس حتى دخلوا عليه، فقالوا: «يا أبا عليّ، أنت ترى حالنا وما نزل بنا، وقد أبطأ عنا المطر، والزرع في الأكمام، فادع الله أن يسقينا».فقال: «يقرأ أحدكم».فقرأ القارئ، فلما فرغ القارئ استقبل شقران الدعاء. قال: فما برحت حتى سقينا، وكان مطرا عظيما (٧٥)، ثم حملنا أخفافنا في أيدينا من السيل. قال: فكان من دعائه: «الساعة، الساعة! » ببطن كفيه. قال أبو جعفر (٧٦): ولقد بلغنا أن رجلا من أهل البيوتات كانت له ابنة يأخذها (٧٧) تابع، فعالجوه فلم ينفع فيه العلاج، قال: فمضوا إلى شقران، فسألوه الدعاء فقال لهم: «يقرأ القارئ».فقرأ القارئ، ثم دعا شقران ثم قال لهم: «مرّوا في عافية» (٧٨). قال: فلما مضوا بها إلى الدار دخل فيها الجنى، ثم قال: «أين أهلها؟ »

стр. 353

فاجتمعوا إليه فقالوا له: «أتريد قتلها؟ » فقال لهم: «لا، إنما أردت [أن] (٧٩) أخبركم بعجب: نادى مناد من الهواء: «قد دعا عليك شقران بن عليّ، اخرج وإلا أحرقت بالنار! » وأنا خارج، لا ترونني بعدها أبدا». وعن خادم شقران قال (٨٠): صاح بي شقران فقال: «إني أجنبت، فارفعني أغتسل».فغلب عليّ النوم، فلحظ السماء وقال: «اللهم إني قد عجزت عن أداء فرضي، وانقطع رجائي من غيرك، فاعطف على أسري وقلة حيلتي».فقمت لوقوع الماء في المرحاض، والسراج يقد (٨١) وهو قائم على رجليه بعد أن كان لا يقدر على القيام، فعجبت من ذلك، فقال لي: «سألتك بالله لا تذكر هذا لأحد ما دمت حيا». وفي رواية: إنه احتلم، فسألني ماء فقلت له: «ليس عندنا ماء».وكان ذلك في الليل، وأراد التطهر للصلاة، وكانت ليلة باردة، قال: فرأيته حرك شفتيه ثم قال لي: «امض إلى القلة»، فسرت إليها وأنا أسمعه يقول: «اللهم يا رب اجعلها سخنة» فأتيت القلة فإذا بها مملوءة بماء سخن، فأعلمته فقال لي: «[احملني إلى] (٨٢) مغتسلي». قال: فقمت به، وكانت ليلة مظلمة، فقال لي: «يا فضل، لو كان معنا مصباح لكان أمكن لي في طهوري»./قال: فخرجت كف من الحائط وفيها مصباح (٨٣) يضيء، فأقسم عليّ ألا أخبر عنه حسب ما تقدم (٨٤).

стр. 354

١٢٠ - ومنهم أبو سليمان الحبّال (*). كان رجلا فاضلا متعبدا. ذكر أحمد بن يزيد صاحب سحنون أنه رأى أبا سليمان المتعبد واجتمع به، قال: فرأيت رجلا في عينيه رطوبة من كثرة البكاء. وقبره «بالأجيفر» (١). وأخبر رجل يسكن بالقرب من منزله (٢) يقال له عيسى بن القطان من أهل القيروان، [وهو] (٣) رجل صالح، أن أبا سليمان هذا اشتهت امرأته لحما، فما شعروا إلا بطائر عظيم هجم عليهم في البيت. وأخبر صديق (٤) له قال: «قال لي أبو سليمان: أعلمك بشيء (٥) أكتمه عني: إني خرجت من البيت وليس في البيت شيء، وأخذت المزود وجزت بأصحاب نشر الخشب، فملأته ومضيت به إلى البيت فأعطيته لهم، ولم أدخل الدار حتى صليت العتمة، فدخلت الدار، فأتوني بقرص فقلت: «من أين لكم هذا؟ » فقالوا: «من الدقيق الذي جئتنا به»، فرفعت يدي بالدعاء وحمدت الله على ذلك». [وهذا] (٦) مثل ما جرى لأبي مسلم الخولاني (٧)، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 355

١٢١ - ومنهم أبو يزيد (١) عبد الملك بن أبي كريمة الأنصاري (*)، مولى لهم. قال أبو العرب: كان ثقة [خيارا] (٢)، يقال إنه كان مستجابا (٣). سمع من مالك والثوري وغيرهم. وسمع منه خلق من الناس، وله مناقب جليلة. وكان سحنون يقول: «كان بتونس عليّ بن زياد وابن أشرس وعبد الملك بن أبي كريمة. ولم يكن ابن أبي كريمة في ناحيتهما، وإنما كان رجلا صالحا ورعا صاحب أحاديث». قال غيره: وكان يقوم الليل كله، فإذا كان السحر نادى بصوت له محزون: «إليك قطع العابدون دجى الليل بتبكير الدلج، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك. فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن ترفعني إليك درجة المقربين، وتجعلني في زمرة السابقين»، فلا يزال كذلك حتى ينادى بالفجر. وذكر (٤) عنه، رحمه الله تعالى، أنه كان يأتي وادي «بجردة» فإن لم ير أحدا مشى بالبغلة على غير المجاز في ماء غريق، وإن رأى الناس خاض بها الماء وأخذ على المجاز. حدث عيسى بن مسكين قال (٥): خرج عبد الملك بن أبي كريمة يوما وهو يحمل في محفة وقد كبر وخرف، فمر على مجلسه الذي كان يجلس فيه مع أصحابه للعلم فأنشأ يقول: لقد ذهب الكماة وأسلموني ... كفى حزنا لفرقتي الكماة هم كانوا الثقات لكل أمر ... وهم زين المجالس في الحياة تولوا للقبور وخلفوني ... فوا حزنا على فقد الحماة
следующие страницы →