← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فوقع في نفسه منها شيء، فقال: اللهم إنك كنت جعلت لي بصري نعمة، وقد خشيت أن يكون [عليّ] (٦٤) نقمة، فاقبضه إليك».قال: «فعمى، فكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا [استقبل به الأسطوانة] (٦٤) اشتغل الصبي مع الصبيان، فإذا عرضت له حاجة دعاه فأقبل إليه. فبينا هو ذات يوم ضحوة في المسجد إذ أحس في بطنه شيئا فحصب (٦٥) الصبي فشغل عنه باللعب مع الصبيان ولم يعلم به. فقال: «اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة، فسألتك أن تقبضه إليك فقبضته، اللهم وقد خشيت الفضيحة على نفسي فاردده إليّ».قال: «فانصرف إلى منزله وهو صحيح البصر».قال مالك: «فرأيته أعمى ورأيته بصيرا». حدث عبد الرحيم صاحب ابن فروخ، قال (٦٦): «كنا عند البهلول حتى أتاه رجل معه ابن له صغير قد أصابه جدري وهو لا يبصر، فقال: ادع الله تعالى لولدي أن يرد الله على هذا الصبي بصره»، قال: «فقام البهلول والصبي وأبو الصبي معنا حتى دخلنا على شقران بن عليّ، فسلمنا عليه، فقال له البهلول: «إن أخانا هذا ليس له غير ابنه الذي معه، وقد ابتلى في بصره، فادع الله تعالى أن يرد إليه بصره».قال: فقال له شقران: «ادع يا أبا عمرو ونؤمن نحن».قال: [فقال البهلول: بل أنت يا أبا علي فادع الله ونحن نؤمّن] (٦٧) فاستقبل شقران القبلة وهو على سريره، فحمد الله وصلّى على نبيه ﷺ ثم قال: «اللهم إن أخانا هذا قد سألنا ما علمت، فنسألك أن ترد إلى ولده بصره».فالتفت الصبي إلى أبيه وقال: «يا أبت، ما هذا؟ » فلما سمعه البهلول أخذ بيد الصبي والرجل وقام فخرج. فطرح شقران بنفسه على وجهه فرددنا عليه الباب وخرجنا بالصبي بصيرا». أخبر حمدون بن العسال، قال (٦٨): قحط الناس عندنا بالقيروان، فجاء قوم إلى شقران وأنا عنده جالس فقالوا: «يا أبا عليّ، ادع الله يسقنا، فقد ترى ما الناس فيه

стр. 352

من الجهد والغلاء».فشد إزاره على وسطه، ورفع يديه بالدعاء والتضرع إلى الله ، و [جعل] (٦٩) يقول في دعائه: «عزيمة منى عليك، اسقنا الساعة الساعة! » قال: فأرعدت [السماء] (٧٠) وأبرقت وأمطرت. قال حمدون: فخرجنا من عنده نخوض في الماء إلى أنصاف سوقنا (٧١). قال أبو عثمان (٧٢): قال لي سعيد الصبيري (٧٣): «صدق حمدون، كنت أنا حاضرا ذلك (٧٤)». وفي رواية: أنه أبطأ عن الناس المطر، والزرع في الأكمام، فاجتمع الناس يوم الجمعة وقالوا: «امضوا بنا إلى شقران»، فمضى الناس حتى دخلوا عليه، فقالوا: «يا أبا عليّ، أنت ترى حالنا وما نزل بنا، وقد أبطأ عنا المطر، والزرع في الأكمام، فادع الله أن يسقينا».فقال: «يقرأ أحدكم».فقرأ القارئ، فلما فرغ القارئ استقبل شقران الدعاء. قال: فما برحت حتى سقينا، وكان مطرا عظيما (٧٥)، ثم حملنا أخفافنا في أيدينا من السيل. قال: فكان من دعائه: «الساعة، الساعة! » ببطن كفيه. قال أبو جعفر (٧٦): ولقد بلغنا أن رجلا من أهل البيوتات كانت له ابنة يأخذها (٧٧) تابع، فعالجوه فلم ينفع فيه العلاج، قال: فمضوا إلى شقران، فسألوه الدعاء فقال لهم: «يقرأ القارئ».فقرأ القارئ، ثم دعا شقران ثم قال لهم: «مرّوا في عافية» (٧٨). قال: فلما مضوا بها إلى الدار دخل فيها الجنى، ثم قال: «أين أهلها؟ »

стр. 353

فاجتمعوا إليه فقالوا له: «أتريد قتلها؟ » فقال لهم: «لا، إنما أردت [أن] (٧٩) أخبركم بعجب: نادى مناد من الهواء: «قد دعا عليك شقران بن عليّ، اخرج وإلا أحرقت بالنار! » وأنا خارج، لا ترونني بعدها أبدا». وعن خادم شقران قال (٨٠): صاح بي شقران فقال: «إني أجنبت، فارفعني أغتسل».فغلب عليّ النوم، فلحظ السماء وقال: «اللهم إني قد عجزت عن أداء فرضي، وانقطع رجائي من غيرك، فاعطف على أسري وقلة حيلتي».فقمت لوقوع الماء في المرحاض، والسراج يقد (٨١) وهو قائم على رجليه بعد أن كان لا يقدر على القيام، فعجبت من ذلك، فقال لي: «سألتك بالله لا تذكر هذا لأحد ما دمت حيا». وفي رواية: إنه احتلم، فسألني ماء فقلت له: «ليس عندنا ماء».وكان ذلك في الليل، وأراد التطهر للصلاة، وكانت ليلة باردة، قال: فرأيته حرك شفتيه ثم قال لي: «امض إلى القلة»، فسرت إليها وأنا أسمعه يقول: «اللهم يا رب اجعلها سخنة» فأتيت القلة فإذا بها مملوءة بماء سخن، فأعلمته فقال لي: «[احملني إلى] (٨٢) مغتسلي». قال: فقمت به، وكانت ليلة مظلمة، فقال لي: «يا فضل، لو كان معنا مصباح لكان أمكن لي في طهوري»./قال: فخرجت كف من الحائط وفيها مصباح (٨٣) يضيء، فأقسم عليّ ألا أخبر عنه حسب ما تقدم (٨٤).

стр. 354

١٢٠ - ومنهم أبو سليمان الحبّال (*). كان رجلا فاضلا متعبدا. ذكر أحمد بن يزيد صاحب سحنون أنه رأى أبا سليمان المتعبد واجتمع به، قال: فرأيت رجلا في عينيه رطوبة من كثرة البكاء. وقبره «بالأجيفر» (١). وأخبر رجل يسكن بالقرب من منزله (٢) يقال له عيسى بن القطان من أهل القيروان، [وهو] (٣) رجل صالح، أن أبا سليمان هذا اشتهت امرأته لحما، فما شعروا إلا بطائر عظيم هجم عليهم في البيت. وأخبر صديق (٤) له قال: «قال لي أبو سليمان: أعلمك بشيء (٥) أكتمه عني: إني خرجت من البيت وليس في البيت شيء، وأخذت المزود وجزت بأصحاب نشر الخشب، فملأته ومضيت به إلى البيت فأعطيته لهم، ولم أدخل الدار حتى صليت العتمة، فدخلت الدار، فأتوني بقرص فقلت: «من أين لكم هذا؟ » فقالوا: «من الدقيق الذي جئتنا به»، فرفعت يدي بالدعاء وحمدت الله على ذلك». [وهذا] (٦) مثل ما جرى لأبي مسلم الخولاني (٧)، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 355

١٢١ - ومنهم أبو يزيد (١) عبد الملك بن أبي كريمة الأنصاري (*)، مولى لهم. قال أبو العرب: كان ثقة [خيارا] (٢)، يقال إنه كان مستجابا (٣). سمع من مالك والثوري وغيرهم. وسمع منه خلق من الناس، وله مناقب جليلة. وكان سحنون يقول: «كان بتونس عليّ بن زياد وابن أشرس وعبد الملك بن أبي كريمة. ولم يكن ابن أبي كريمة في ناحيتهما، وإنما كان رجلا صالحا ورعا صاحب أحاديث». قال غيره: وكان يقوم الليل كله، فإذا كان السحر نادى بصوت له محزون: «إليك قطع العابدون دجى الليل بتبكير الدلج، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك. فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن ترفعني إليك درجة المقربين، وتجعلني في زمرة السابقين»، فلا يزال كذلك حتى ينادى بالفجر. وذكر (٤) عنه، رحمه الله تعالى، أنه كان يأتي وادي «بجردة» فإن لم ير أحدا مشى بالبغلة على غير المجاز في ماء غريق، وإن رأى الناس خاض بها الماء وأخذ على المجاز. حدث عيسى بن مسكين قال (٥): خرج عبد الملك بن أبي كريمة يوما وهو يحمل في محفة وقد كبر وخرف، فمر على مجلسه الذي كان يجلس فيه مع أصحابه للعلم فأنشأ يقول: لقد ذهب الكماة وأسلموني ... كفى حزنا لفرقتي الكماة هم كانوا الثقات لكل أمر ... وهم زين المجالس في الحياة تولوا للقبور وخلفوني ... فوا حزنا على فقد الحماة

стр. 356

وروي عنه أنه قال (٦): «قال بعض السلف: منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال. فالمنهوم في العلم يزداد خشية للرحمن، والمنهوم في المال يزداد في الطغيان». وروى أبو خارجة في سماعه من ابن أبي كريمة أنه قال: «من آثر الدينار والدرهم على أخيه المسلم، إذا اضطر إليه، لم يدخل حظيرة الفردوس». وحدث أبو زكريا يحيى بن عون، قال: سمعت يحيى بن سليمان المغربي (٧) يقول: «قلت لابن أبي كريمة: مالي لا أراك تخرج إلى المسجد تصلي الجماعة وقد عرفت فضلها؟ » فقال: «رأيت قلوبا لاهية، -ومجالس ساهية، وألسنة لاغية، فخفت عليهم الداهية، فانصرفت عنهم في عافية». ١٢٢ - ومنهم أبو خالد عبد الخالق (*) المتعبد، يعرف القتاب (١) قال أبو العرب: كان من طبقة المجتهدين في العبادة، وكان من أصحاب البهلول، وكان راغبا في الآخرة، كثير الخوف، دائم الحزن، كثير المعروف، قليل الهيبة للملوك. روى عنه واصل بن عمرو (٢) المتعبد وحسنون (٣) بن هلال صاحب سحنون.

стр. 357

ذكر حمدون بن العسال، قال (٤): سألني سهل بن يونس بمصر عن عبد الخالق فقلت له: «قطعه الخوف عن (٥) العمل».فقال: «ما يضره ذلك. لو كان عبد الخالق في بني إسرائيل لصوروه في الكنائس». وذكر حمدون المعروف بالخرنق (٦)، قال (٧): كنت مع عبد الخالق ذات يوم نحو «باب سلم» إذ أبصر جماعة من الناس قد اجتمعوا فسألني عن شأنهم، فقلت: «قعدوا لخيل تستبق»، فقال لي: «محضر صالح، بلغني أن الملائكة تشهده»، ثم توجه وتوجهت معه إلى تلك الجماعة، فجلسنا حتى أقبلت الخيل وقد تقدمها فارسان وأحدهما تقدم صاحبه. فلم يزل الذي كان صاحبه [متأخرا] (٨) يحث [فرسه] (٨) حتى صار بين يدي صاحبه [وسبقه] (٨). فأخذ صاحبه قصب (٩) السبق. فجعل عبد الخالق يتخلّل الناس حتى انتهى إلى الفرس السابق فجعل يقبّل جحفلته (١٠) ويقول: «بارك الله فيك، صبرت فظفرت»، ثم انجدل مغشيا عليه. فاجتمع الناس عليه فلطفت بهم حتى أزلتهم عنه، وحملته على دابة حتى انتهيت به إلى موضعه، فأقام كم شاء الله مغشيا عليه، ثم أفاق. فذكرت له ما نابه (١١)، فقال لي: «لما رأيت الفرس الذي كان خلف صار أمام الذي كان أمامه، وأخذ فارسه [قصب] (١٢) السبق ذكرت تقدم أقوام وأنّ من خلفهم قد يصير هو المتقدم ويصيرون خلفه».

стр. 358

قال أبو جعفر بن قطويه (١٣): سمعت أبي يقول: حضرت (١٤) جنازة في باب تونس وحضرها عبد الخالق [المتعبد] (١٥)، فذكر من حضر الآخرة وأهوالها. قال: فصاح عبد الخالق ثم ولى نحو الفحص [هاربا على] (١٥) وجهه، فمضينا في أثره فأصبناه جاثيا على ركبتيه خارا على وجهه، فحملناه على دابة، ثم أقمنا بعد ذلك أياما نعوده حتى مات، رحمة الله عليه، سنة عشر (١٦) ومائتين [من شدّة ال] خوف (١٧). وذكر سليمان بن سالم، قال: حدثني أبو زرجونة (١٨) في جنازة يحيى بن زكريا ابن الحكم، قال: خرجت ليلة أريد الأذان في المسجد-يريد أذان المغرب- فإذا عبد الخالق مقبل فقلت له: «تفطر عندي! » فقال لي: «أو يسرك ذلك يا أبا عبد الله؟ » فقلت له: «نعم» فقال لي: «نفعل ذلك».قلت له: [تأتي إلى] (١٩) المسجد حتى نصلي وندخل البيت» فقال: «لا يمكن ذلك، لأنني خرجت من بيتي ومن نيتي أن أصلي في [الجامع] (٢٠)، سأصلّي وأنصرف إليك». قال أبو زرجونة: فدخلت على عيالي (٢١)، فأخبرتها بذلك، وأمرتها أن تهيئ المائدة إلى أن يجيء، ثم أذنت وصليت المغرب، وقعدت أنتظره حتى أقبل، فقمت ودخلت

стр. 359

معه، وكانت المرأة سوت البيت وبخرته وأوقدت المصباح وأغلقت الباب، فلما جئنا ندخل دفعت الباب وأبو خالد خلفي، فلمّا ضربت إليه رائحة البخور وقف، فأقبل شبه المتنهد حتى خلت أن نفسه تتقطع، وأنا أقول له: «ادخل يا أبا خالد» وهو فيما هو فيه من كربه، فقمت فأخذت بضبعه وأدخلته، وهو يقول: «يا أبا عبد الله! يا أبا عبد الله! يا أبا عبد الله! » -كالمستغيث- «إليّ! » ثم بقي مطروحا على الوسادة، وجئت بالمائدة بجهلي وهو يستغيث: «إليّ! »، فلما رأيته لا يمد يده إلى المائدة [] (٢٢)، ثم قام فبادر إلى الباب فخرج. فلما كان بعد أيام لقيت ابنه، فقلت: «يا ابن أخي، كيف أبوك؟ » فقال لي: «يا أبا عبد الله، بات الليل كله يصيح ويبكي، ما تركنا نرقد من بكائه وصياحه». ابن الحداد (٢٣): حدثني بعض من لقيت ممن أثق به من جيران عبد الخالق، عن رجل من أصحابه يقال له حمدون الخرنق، قال: أقبل إليّ عبد الخالق يوما على بغل، وعليه قفتان من قفاف البقل (٢٤) ومعه لحم بقري ولحم غنمي من كل صنف رطل [أو قال: فيهما جميعا رطل] (٢٥) ومعه خبز نقي فقال: «يا حمدون، إن أمّ حمدون (٢٦) مريضة» -يعني زوجته- «فسر معي حتى تنال [معنا] (٢٧) منه». وكان سكناه في ذلك الوقت «بالقرن»، فقلت له: «لم أعلم أهلي»، فلم يزل بي حتى أجبته وتوجهت معه إلى «القرن» (٢٨). قال: «فدفع ذلك الخبز واللحم إلى أهله ودخلت معه إلى المسجد، فبصر برجل من أهل البادية عليه أثر البؤس ومعه أطفال وهو يقضم الشعير كما تقضم الدواب، فذهب عبد الخالق إلى زوجته فجعل يقول لها: «يا أم حمدون، يضعف الله أجرك غدا! » وقد كانت عالجت ذلك الطعام، فأقبل به بأسره إلى ذلك الشيخ البدوي وقال له: «شأنك! » ثم نهض

стр. 360

فأتى بقرص من شعير ولبن فقال لي: «كل أنت هذا يا حمدون» (٢٩). وكان (٣٠) بجواره جار له دميم المنظر وكانت له جارية حسناء، وكان يصيبها، فشكت (٣١) إليه أن ابنا لعبد الخالق كان يتعرضها. وكانت صلاته مع عبد الخالق في المسجد، فلما صلّى عبد الخالق العشاء الآخرة انصرف يريد داره فصحبه الرجل وجعل يقول له: «يا أبا خالد، أنت ترى منظري وعندي جارية أصيبها، وقد شكت إليّ ابنك، وأنا أخاف أن تجيء بولد فيخبث عليه قلبي».فجعل عبد الخالق يقول: «لا تتكلم بهذا الكلام، فإن عليك فيه دركا (٣٢)، ولا يسمع هذا الكلام منك أحد».ثم دخل عبد الخالق إلى داره وانصرف الرجل عنه. فلما صلّى الرجل الصبح في جماعة التمس عبد الخالق، فلم يجده، فتوجه إلى داره، فإذا أبواب الدار مفتحة وليس في الدار أحد. فسأل عنه فقالوا: تحوّل البارحة بعياله إلى الفندق [إذ] (٣٣) لم يمكنه أن يكتري دارا بالليل (٣٤). وحدث (٣٥) الثقة أن إبراهيم بن الأغلب أرسل إلى عبد الخالق فجاءه، وكان عبد الخالق رجلا طويلا، آدم (٣٦) غليظا (٣٧)، كثير الشعر يلبس عمامة كأنها شقّة (٣٨)، فقال له الأمير: «بلغني أنك من العرب (٣٩) وأن لك عيالا، فخذ هذه المائة دينار»، فقال له [عبد الخالق] (٤٠): «أنا عنها غنيّ» فقال إبراهيم: «زيدوه مائة أخرى» فقال له عبد الخالق: «لو كان بي حاجة إلى ذلك لكان في المائة كفاية».

стр. 361

فلم يزل يقول: «زيدوه» وعبد الخالق يكلّمه بالكلام الأول حتى بلغ معه خمسمائة دينار (٤١)، فقال له إبراهيم بن الأغلب: «أفسدكم البربري (٤٢) -يعني البهلول-والله لو أدركته لجعلته يرقص خلفي».قال عبد الخالق: «فأحسست شعري قد خرج من عمامتي. ثم أقبلت عليه فقلت له: والله لو أدركته، لكنت أهون عليه من هذا الطين الذي يعجن بين يديك (٤٣)، ثم انصرفت». قال عبد الله (٤٤): ورأيت له هذه الموعظة (٤٥) كتب بها إلى أخ من إخوانه فاستحسنتها وهي: «أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله وذكر الموت، فإنه لم ينج من نجا من الأولين والآخرين إلا بالتقوى، فأعدها جنّة لك في الدنيا والآخرة، وآثرها على هواك، ولا تقصر في شيء منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. أسأل الله يا أخي أن يجعلنا وإياك من المتقين الصادقين الذين لا يلتمسون إلا رضاه وثوابه؛ وطوبى للصادقين في هذا الزمان، ما أعظم ثوابهم وأشد حالهم وأطول غمهم! لما يعلمون ويرون من أنفسهم خلاف الحق وما تدعوهم إليه أنفسهم من حب الدنيا وحب رضى الناس عنهم. فهم ماضون أنفسهم على ذلك يريدون أن يخلصوا (٤٦) أعمالهم ولا يريدون رضى أحد من الناس. فمن هنالك حزن القوم واغتموا وهانت عليهم الدنيا وطلبوا الإخلاص رجاء أن يخلصوا من أهوال يوم القيامة ومن غم الموت وهوله، فشغلهم ذلك عن الدنيا وكسر قلوبهم، فأنفسهم منه في عناء، والناس في راحة. أسأل الله العظيم أن يجعل راحتنا بعد

стр. 362

الموت، وأن يمن علينا وعليك، يا أخي، بتوبة نصوح (٤٧) قبل الموت. يا أخي، أقصر نفسك عن شهواتها ولا تمكنها من هواها فترديك، فإنها لا تشبع ولا تقنع ولا ترضى منك إلا بهلاكك إن أطعتها. ولتعلم (٤٨) يا أخي أن الفقر مع الدين خير من الغنى مع الفجور، وارض من الدنيا باليسير، فإن القليل منها يجزي، ولا تشتغل بحبها ولا بطلبها عن الآخرة التي لا غنى لك عنها ولا بد لك منها. واعلم أنه ليس أحد [ينظر لك إلا] (٤٩) أن تنظر أنت لنفسك، فاعمل لها قبل أن يحال بينك وبين العمل؛ واغتنم بقية عمرك وصحة بدنك واتعب نفسك في الدنيا تجد ذلك [وأنت] (٥٠) أحو [ج ما ت] كون (٤٩) إليه حين يندم طالب الدنيا الذي يستعر [ض لها و] (٤٩) لم يدرك منها إلا ما قسم له، وضيّع آخرته حتى قدم ولم يقدم لنفسه شيئا، فلا دنيا بقيت [ولا آخرة] (٤٩) حصلت. أسأل/الله تعالى أن ينفعنا وإياك يا أخي بما علمنا. يا أخي، عليك بتلاوة القرآن والصلاة من الليل ولو ركعتين، فإن في ذلك ثوابا عظيما. وإياك وكثرة الأكل فإن ذلك يقسي القلب ويعميه عن الآخرة ويستخرج من اللسان داء (٥١) ليس له به حاجة من الكلام، فاحفظ لسانك وأكثر التفكر واذكر الموت ولا تنسه (٥٢)، وانظر من تخالط ومن تصاحب، فإن صحبة الناس وخلطتهم اليوم هلاك، ولا تكثر من الأصحاب والمعارف إلا من ترجو نفعهم لآخرتك، وما أقلهم في هذا الزمان. ولا تستوحش إلا لمن ترجوه أن يكون عونا على دينك. واحذر الناس واعلم أن من صحبهم اليوم يورث الغفلة (٥٣) في الفهم والقسوة في القلب، فخالفهم واحرز دينك (٥٤)، وأدّ ما وجب عليك من الحق،

стр. 363

وانصحهم ولا تداهن أحدا من الناس، ولا ترض له إلا بما ترضى به لنفسك ولا تستحي أن تأمر أحدا بالحق وإن غضب، فإن ذلك لا يضرك وهو لك لازم. ولا تخالط من الناس إلا من تدان بحمل (٥٥) مؤنته، وخالط من يتحمل مؤنتك وهو أهون عليك وأعون لك على دينك. يا أخي، واعلم أن الله ﵎ كريم، إذا علم من العبد الصادق الصدق وهو يريد رضاه وفقه وأعانه وذلل له الناس وجعلهم يخضعون له ويقبلون منه ويتقونه، وإذا لم يكن كذلك هان عليهم ولم يقبلوا منه. فتمسك بطاعة الله تعالى، وإياك أن تتهاون بشيء من المعاصي فتهون على الله بعد الذي رزقك من المعرفة، وبعد الذي صنع بك، فاشكر الله تعالى يزدك، وتضرع إليه يرحمك. وليعلم منك أن أكبر همك في ليلك ونهارك رضاه، وأنك إنما تريد البقاء في الدنيا لترضيه، واجتنب جميع ما يكره تدخل في ولاية الله ، إن شاء الله تعالى، وتهن عليك الدنيا وأهلها، وارض بقضاء الله تعالى في جميع أمورك، ولا تتهمه فإنه انظر منك لنفسك فيما أحببت أو كرهت، فسلم لقضائه وارض به. ولا تحمل على نفسك شدة المؤونة في الدنيا فتهلك. أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من المتحابين فيه الصادقين المتناصحين، وأن يغفر لنا ولك كل ما أردنا به غيره، وأن يحولنا وإياك إلى ما يحب ويرضى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وصلّى الله على سيدنا محمد». ١٢٣ - ومنهم حفص بن عمر (١) الجزري (*)، رضي الله تعالى عنه. كان رجلا صالحا فاضلا زاهدا ورعا. ظهرت له إجابات وكرامات، فمن ذلك أنه كان عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من أجمل الناس، وكان قد جعل

стр. 364

على كل زوج (٢) تحرث ثمانية دنانير، فضاق الأمر بالناس؛ فقدم «حفص» مع رجال صالحين من أهل «الجزيرة» (٣) فدخلوا على أبي العباس، فقال له حفص: «أيها الأمير، اتق الله الذي إليه مصيرك، وارحم شبابك هذا، واحذر على وجهك الجميل النار، وخفف عن الناس وأسقط عنهم ما وضعت على الأزواج من هذه الدنانير».فقال له: «لست أفعل، ولا أحطهم شيئا»، فخرجوا من عنده يريدون القيروان. فقال لهم حفص: «تصلون ركعتين تخلصون (٤) فيهما الدعاء، ونضرع (٥) إلى الله تعالى لعله يكفيناه، فإنا قد يئسنا من المخلوقين، فنرجع (٦) إلى الخالق ، فتوضئوا للصلاة وصلوا ركعتين».ففعلوا، ثم قال حفص: «اللهم إن هذا الرجل الذي فضلته على عبادك في هذه الدنيا ومكنته في بلادك قد ظلمنا وحمل علينا ما لا نقوى ولا نطيق دفعه ولا نستطيع منعه فاكفناه، واحكم بيننا وبينه وأنت خير الحاكمين».فما لبث أبو العباس إلا خمسة أيام، ثم خرجت له قرحة عظيمة تحت أذنه مات منها، في اليوم السابع من دعائهم (٧). ١٢٤ - ومنهم أبو عثمان الجزري (*)، رضي الله تعالى عنه . كان من أولياء الله تعالى المنقطعين إليه المتبتلين في العبادة. حدث بشير بن عمروس المنستيري (١) المتعبد، قال: صلينا العيد في المنستير، فخرجت إلى الشّعراء أدورها، فإذا أنا بأبي عثمان الجزري وصاحب له قعود (٢) خلف شرف، فما شعرا بي

стр. 365

حتى وقفت عليهما. فأما صاحب أبي عثمان ففر مني فدخل [الشعراء]، فلم أدر من هو، فقلت: «يا أبا عثمان، السلام عليك».فرد عليّ السلام ثم قلت له: «اليوم يوم عيد، فأطعمني مما معك».قال: فقال لي: «أقعد».فأخرج كسرة يابسة من مخلاة كانت معه، فقلت له: «يا أبا عثمان، قد تعلم ما جاء فيمن أدخل على أخيه المؤمن السرور، فسرّني! » فقال: «بماذا؟ » قلت: «تمضي معي إلى البيت». فآنس بك (٣)، وأجابني إلى ذلك، فقلت له: «وصاحبك؟ » فقال: «ليس تقدر عليه ولا تراه، ولكني أنا أمضي معك».قال: فمضى معه حتى دخلنا «قصر المنستير» وصعد معي إلى بيتي، فلما دخل البيت علق مخلاته. قال بشير: فخرجت إلى برّا وتركته في البيت، واشتريت ربع خروف وأتيت به، فلما نظر إليّ قام فأخذ مخلاته [وخرج] (٤) إلى المسجد، فأقرن قدميه، فما زال كذلك حتى صلينا الظهر، ثم أقرن قدميه حتى صلّى العصر ثم جلس فجلست إليه وقلت له: «يا أبا عثمان، لو قمت إلى البيت؟ » فقال: «يا أخي، ما أقبح التكلّف (٥)! ما أبرح من مكاني [هذا] (٦)».فلما أمسى وصلينا المغرب أقرن قدميه وصلّى إلى العتمة، فلما صلّى العتمة أقرن قدميه فصلى إلى الصبح، فلما صلينا الصبح خرجت إلى البيت، ثم جئت لأطلبه في مكانه فإذا به قد خرج؛ فخرجت إلى باب القصر انظر أي وجه أخذ، فلم أعرف أين أخذ. ١٢٥ - ومنهم اسماعيل بن رباح الجزري (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان إسماعيل من المج [تهدين] (٢)، [وكان يقال إنه] (٣)

стр. 366

مستجاب الدعوة، ما علمت أنه/روي عنه علم غير عبادته ومناقبه. وقال غيره: كان معظما لأمر الله ، لا يكاد يرى منكرا إلا غيره، ولا يهاب في ذلك أحدا من الناس، كثير المعروف. وسمع من يحيى بن السلام (٤)، ولم أجد له حديثا يتصل بي عنه. وكان أصله من الجزيرة (٥)، ثم سكن القيروان، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين غريقا في البحر بعد رجوعه من الحج؛ وذلك أنه ركب في البحر، فتحرك عليهم الهواء، فقالوا له: «يا أبا عبد الله، ادع لنا» فقال: «قد قضيتم حجكم فما الذي تريدون؟ » ثم أخذ مصحفه فجعله في عنقه، ثم غطى رأسه بكسائه، ثم غرقت بهم المركب؛ ذكر ذلك أبو العرب عن سليمان بن سالم. ذكر فضله ومناقبه وما خصه الله به: ذكر (٦) أبو عثمان سعيد بن الحداد (٧)، قال: حدثني من أثق به قال: كان إسماعيل في صغره يحضر المكتب. فإذا حفظ ما في لوحه غسل ما فيه من القرآن في إناء وشربه، فهذا كان دأبه حتى ختم. وذكر أنه دخل على قوم جلوس في بيت وكل واحد منهم جالس على وطاء (٨) متكئا (٩)، فنظر في جانب البيت فإذا بمصحف موضوع في الركن، فأخذ المصحف فضمه إلى صدره، ثم قال لهم: «قوموا كلكم! » فقاموا، فأخذ ذلك الوطاء فكدسه (١٠) في وسط البيت شيئا على شيء حتى صار مرتفعا، ثم أخذ ذلك

стр. 367

المصحف فوضعه فوقه، ثم قال لهم: «اقعدوا الساعة، فهكذا ينبغي للمصحف أن يكون عاليا لا يعلى»، وهذا من تعظيمه وتشريفه لكتاب الله ، ولذلك عظمه الله تعالى وشرف قدره. ويروى عنه (١١) أنه مر يوما على دار أبي محرز القاضي، فإذا على القناة التي تجري بين يدي داره قرطاس فيه اسم من أسماء الله تعالى فوق القناة لم يغرق فيها، فخاف إسماعيل إن حاول إخراجه بقصبة أن يغرق في القناة فيتلطخ (١٢) بالنجاسة، فألقى كساءه ونزل إلى القناة، فساخ فيها إلى الورك، وأخذ القرطاس بيده وجعل يتخلل في القناة يلتمس موضعا يسهل عليه منه الخروج، فلم يزل كذلك حتى أمكنه الخروج فخرج، وقد اجتمع الرجال والنساء والصبيان ينظرون إليه، ثم أخذ كساءه بيده ثم تمادى إلى باب أبي الربيع (١٣) حتى انتهى إلى «وادي القصّارين» (١٤) فغسل مئزره وجسده ثم انصرف. وذكر (١٥) عن فضل بن أبي العنبر (١٦)، وكان واليا على «الجزيرة» (٥)، قال: «قدمت بزواملي (١٧) وأعواني، فنزلنا ببعض حصون «الجزيرة» التي على ساحل البحر، فأدخلوا ثقلي في مسجد من مساجد الحصون، وأدخلوا الحصن كلابا وطيورا كانت معهم».قال الفضل: «فلما دخلت رآني إسماعيل بن رباح، فأتاني فقال: «ما هذا الذي أحدثت؟ أما ترى ما فعل أعوانك في بيت من بيوت الله ؟ » فصحت عليهم، وأخرجتهم بالزجر».قال: «فنظر إليّ إسماعيل وقال: حقن الله دمك! » قال: فشهد فضل معارك كثيرة فكان يقول لهم: «والله لو حملوني على الأسنة ما

стр. 368

هراقت مني محجمة دم، لأن دعوة الرجل الصالح بردت على قلبي».فمات فضل سويا على فراشه لم يجرح جرحا (١٨) حتى مات. وعن ابن الحداد عن أبيه، قال (١٩): حدثني محمد بن لله (٢٠)، قال: كنت أخيط، وأنا غلام حدث السن، مع شباب عند معلمنا في المسجد المعروف اليوم «بمسجد ابن أبي نصر» إذ أقبل [إسماعيل] (٢١) بن رباح (٢٢) الجزري فقال لمعلمنا: «يا شيخ؛ بكم اكتريت هذا الحانوت؟ » فقال له معلمنا: «ليس هذا بحانوت، وإنما هو مسجد» فقال له إسماعيل: «إن المساجد لم تبن للصناع، إنما بنيت للصلاة والذكر وتلاوة القرآن».أو كما قال رحمه الله تعالى، فنبره معلمنا (٢٣)، ثم أقبل علينا فقال: «يا شباب، اقبلوا مني أنتم إذ لم يقبل مني معلمكم أن لا تخيطوا في المسجد». ثم ولّى عنا، فكان يتردد إلينا كالغريم يسألنا في أن ننتقل عن المسجد، ولا نخيط فيه. قال: فما زال بنا حتى تركنا الخياطة فيه. وحدث (٢٤) أبو سليمان ربيعة (٢٥) الجزري، قال: كنا في «الجزيرة» على طعام إذ دخل علينا يهودي فدعوناه، فجلس يأكل معنا، [إلى أن] (٢٦) أقبل إسماعيل ابن رباح، فرفعنا اليهودي في غرفة، فلما دخل إسماعيل دعوناه إلى طعامنا، فمدّ يده ليأكل، ثم قبضها وقال: «طعامكم نجس، أو أكل منه نجس» فقلنا له: دعونا

стр. 369

يهوديا طوافا (٢٧) فأكل معنا، فقال: «أما تستحيون من الله تعالى؟ تأكلون (٢٨) مع من كفر بالله! » فنزل اليهودي من الغرفة وهو يرعد. ويروى (٢٩) عنه أنه أراد أن يشتري دابة من القيروان، فقيل له: «إنهم يأخذون ربع درهم على الباب»، فرجع فقال: «والله لا أشتري من ها هنا، وليس بي ما ذكرتم ولكن يقال فلان أعطى حق الباب فيرون أنه حلال». واشترى (٢٩) من القيروان حمارا فوجده ربوضا (٣٠)، ووجد فيه عيوبا كثيرة، وقالوا له: «هذا حمارك كثير العيوب، فرده على النخاسين» فقال: «لا أفعل، فإني استخرت الله تعالى فلست أرده». وحدث (٣١) محمد بن لله (٣٢) -شيخ كان من المخبتين مخمول الذكر وكان من المخزونين (٣٣) -قال: بينما إسماعيل بن رباح في سفر إذ وافى رجلا من أهل الساحل ومعه أهله وولده وهم بحال رثة، فرفع رأسه إليهم [كالناظر] (٣٤) إلى فرصة ثم ثار (٣٥) إلى الساحلي فقال له: «يا ساحلي، كم تزيدني على كسائك [هذا] (٣٦) وأعطيك كسائي [هذا] (٣٦)؟ ».وكان كساء الساحلي خلقا وكساء إسماعيل جديدا، فقال له: «ما عندي ما أزيدك، ما عندي إلا ثلاثة دراهم».فبادر إسماعيل فألقى كساءه، وبادر الساحلي فألقى كساءه إلى إسماعيل وأعطاه الدراهم الثلاثة، واشتمل إسماعيل

стр. 370

بذلك (٣٧) الكساء الخلق ثم انطلق، فاشترى بدرهم من تلك الدراهم شعيرا وبدرهم زيتا وبدرهم [تينا] (٣٤) ثم [عمل] (٣٤) من ذلك بسيسة، وجعلها في جفنة، ثم وضعها على رأسه، ثم أقبل بها [إلى] (٣٦) الساحلي ثم قال: «تقدم أنت وأهلك وأطفالك فكلوا» (٣٨)، ودفع [ذلك] (٣٤) الطعام إليهم فأكلوه. ثم قال: «بقيت لي إليك حاجة: أخبرني أي موضع تريد؟ » فقال الساحلي: «بلغني أن بصطفورة (٣٩) زرعا (٤٠) فأحببت أن أتبلّغ (٤١) إليها فأعيش فيها أنا وأهلي وصبياني».فترك إسماعيل الجهة التي كان عليها (٤٢)، وتوجه مع الساحلي حتى وصل معه إلى المنزل، فبلغ صاحب المنزل أن إسماعيل بن رباح أتى إلى منزله، فخرج إليه يسأله: «ما الذي جاء بك؟ » فقال له: «هذا الساحلي وأهله وولده وديعتي عندك» ثم ولّى منصرفا. قال سليمان بن سالم في «مجالسه» (٤٣): بلغني أن أهل بيت إسماعيل عاتبوه وقالوا له: «قد عررتنا بهذا التأزير (٤٤) وبهذا الكساء، ولكن خذ هذه الخمسة دنانير فاذهب بها إلى القيروان فاكتس بها».فدخل القيروان فوقف على صراف فقال له: «اعطني بهذه الدنانير دراهم» -وكانت الدراهم كبارا-فلما صارت الدراهم إليه وقف به سائل وقال: تصدق عليّ، فأعطاه درهما. ثم وقف به آخر فأعطاه درهما، ففطن به المساكين فتحاشدوا عليه فتصدق دينارا آخر ثم آخر حتى تصدق بها كلها على المساكين ولم يبق معه إلا نصف دينار، فمضى وهو يريد أن يخرج إلى الجزيرة في كسائه (٤٥) وتأزيره فلما كان في «سوق إيلان» (٤٦) وقف على خباز يبيع الخبز فأعطاه النصف

стр. 371

دينار الذي بقي معه وقال له: عد لي به خبزا فعد له به خبزا في كسائه ثم أقبل به إلى المساكين ففرقه عليهم ولم يبق معه شيء ثم خرج فأتى منزله فاجتمع إليه أهل بيته فقالوا له: «وأين ما اكتسيت؟ » فقال: «وافقت سوقا والله ما رأيت خيرا منه». فقالوا فيما بينهم: «دعوا هذا عنكم فليس ينفع فيه شيء». وحدث (٤٧) داود بن يحيى (٤٨) قال: دخل عليّ إسماعيل بن رباح فقربت إليه كسرا من شعير يابسة وزيتا مرا، فلما أكل قال: «هذا طعامك؟ » قلت: «نعم» فقال: «لو علمت أن هذا طعامك ما كان نزولي إلاّ عليك، ولم أكن أنزل على غيرك». قال: وحدثني غير داود (٤٩): كان نزوله على معاوية (٥٠) الصمادحي، فيستجيد له الطعام فلا يأكل منه شيئا، فيذهب معاوية إلى السؤّال وأهل الطرق فيجمعهم إليه ويقرب الطعام إليهم فإذا رآهم أكلوا أكل معهم. وحدث أبو سليمان ربيعة الجزري (٥١) أن إسماعيل بن رباح خرج يريد «الجزيرة» ومعه قوم، فعرض لهم الأسد، فوقف الناس وتقدم إليه إسماعيل وقال له: «إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإن كنت لم تؤمر فخل عن الطريق، [فتركهم ومضى] (٥٢) -قالوا: وكذلك جرى لإبراهيم بن أدهم مع الأسد-ثم قال (٥٣) لأصحابه: «قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركنك الذي لا يرام؛ اللهم ارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك (٥٤) وأنت الرجاء».

стр. 372

وذكر أنّ إسماعيل بن رباح دخل على عبد الله بن إبراهيم أمير إفريقية، فقال له الأمير: «ما اسمك؟ » فرد عليه وقال: «وأنت أيضا ما اسمك؟ » فقال الأمير: «اسمي عبد الله».فقال: «وأنا اسمي إسماعيل» فقال له الأمير: «اقرأ عليّ» فقال إسماعيل: «لا سبيل إلى ذلك»، فقال الأمير: «ولم؟ »، قال: «لأنه بلغني أن النبي ﷺ [قال] (٥٥): «من قرأ على إمام جائر لعن بكل حرف عشر لعنات» (٥٦) فقال له الأمير: «أو لا تسألني شيئا؟ » قال: «وما تملك فأسألك؟ » ثم خرج فقال بعض جلساء الأمير: «لقد انتظرنا أمرك فيه»، قال: «او ما رأيتم ما كان بيني وبينه؟ »، قالوا: «وما كان بينك وبينه؟ »، قال: «كان بيني وبينه ثعبان فاغر فاه، لو أشرت إليه لابتلعني». وحدث السحابي (٥٧) صاحب سحنون قال: صحبت إسماعيل الجزري من الجزيرة نريد «سوسة»، ونحن رجالة، فلما صرنا بين «المدفون» (٥٨) و «هرقلة» (٥٩) غابت لنا الشمس واختلط الظلام، فمال إسماعيل إلى البحر فتوضأ وصلينا المغرب، ثم قرن كعبيه فصلّى ما بين المغرب والعشاء ثم صلّى العشاء فركع ما شاء الله تعالى، ثم التفت إليّ فقال: «تشاء أن ترقد؟ » قلت له: «نعم» فمال إلى ذروة فجمع شيئا من الرمل فجعله عند رأسه، وكانت ليلة شديدة البرد فالتف في كسائه، ورقد ورقدت إلى جانبه وألصقت ركبتي إلى ذقني من البرد، فما مر من الليل شيء حتى عرقت، فمددت يدي فإذا قطيفة علينا ألين من الحرير فتمطيت ففطن بي، فقال: «ما

стр. 373

شأنك؟ » فقلت له: «ألا ترى ما علينا؟ » فقال لي: «أحمد الله، وإن أردت أن ترقد فارقد وإن أردت أن تقوم فقم». وكان كثيرا ما يقول: «رب سلّم، رب سلّم! » حتى يظن الجاهل أنه يقود جملا في زلق من كثرة قوله: سلم، سلم. وذكر أنه كان في رفقة، فسلبهم السلاّبة (٦٠)، وكانت له في حياصته (٦١) دنانير، فلما عرفت السلابة أن في المسلوبين إسماعيل بن رباح ردوا على الناس جميع ما سلبوه، وردوا دنانير إسماعيل عليه، فأبى أن يقبلها وقال: «إنها اختلطت مع غيرها»، تورعا. ثم خرج في آخر عمره إلى الحج فذكر (٦٢) أنه وقف بحلقة ابن وهب بمصر وعليه تليّس، فلم يقبل عليه ولا قرّب مجلسه، فصاح من آخر الحلقة: «من أجل لباسي هذا أقصى وأبعد؟ » فصاح به ابن وهب: «إلى ها هنا! [إلى ها هنا! ] (٦٣)» فدنا منه حتى لاصقه بالركبة. وكان ابن وهب لا يعرفه، فلما خلا معه ابن وهب قال له: «لو لبست [وسطا من الثياب] (٦٤) كان أحمد لك! » فقال له إسماعيل: «[من تحمل حملا] (٦٤) ثقيلا من خشية الله تعالى أوشك أن يفضي به إلى راحة».فقال له ابن وهب: «صدقت». وقال عبد الله: وكان لإسماعيل بن رباح مواعظ حسنة وعظ بها بعض إخوانه من المريدين، [رأيتها] (٦٥) بخط أبي زكريا محمد بن أحمد [بن يحيى] (٦٦) بن مهران، وأنا أذكر منها ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى لمن ألهمه الله رشده: «كيف تصل يا أخي إلى ثواب الله وقد علمت [أنك عصيت] (٦٧) الله مرارا كثيرة

стр. 374

وقد تعرضت لسخطه، وقد علمت أنه يسخط على أهل معصيته ولم تعلم أنه رضي وأنت تأوي إلى النساء [] (٦٨) الليل [] (٦٩) /لو كنت عصيت بعض الآدميين أو كان السلطان يطلبك بذنب لما هنأك عيش ولا أتيت النساء، ولخرجت هاربا في البلاد مخافة سخطه وعقابه وسجنه، فأي عذاب هو أشد من النار؟ وأي ملك هو أقوى من الله نقمة؟ لم يخف سر سقر، لا تبقى ولا تذر، المطلعة على الأفئدة المنضجة للخلق، التي لا يفك أسيرها ولا يطاق حر سعيرها، ولا يداوى جريحها، ولا يرحم فيها باك، ولا يجاب فيها داع. لا أكثر عليك الكلام، تريد أن تدرك شرف الصالحين وتسبقهم؟ ارفض الدنيا وانبذها وراءك، وإن استطعت أن لا تكون لك فيها دار ولا محل قرار فافعل، وليكن لباسك فيها الخلق الخشن من الثياب والعبا، ولتكن صائما دهرك الطويل، ولتأكل عند فطرك الشعير ولتشرب الماء القراح، يكن طعامك أطيب مما تأكل الملوك وشرابك أطيب من شرابهم. وأطل القيام في الليل وتوسد الأرض، يكن فراشك غدا الحرير عند الملك القدير. واعلم أن الرّي غدا في ظمائها (٧٠)، والشبع غدا لمن جاع، والحلل غدا لمن عرى اليوم، والفرح غدا لمن طال حزنه اليوم. يا أخي، ما رأيت الطبيب كيف يصف الدواء ويخبر صاحبه أنه لا ينفع حتى يحتمي ويترك ما نهاه عنه؟ واعلم يا أخي أنك لا تنتفع بشيء وإن كثرت صلاتك وصدقتك حتى تترك ما يسخط ربك عليك فيه. اذكر كثرة نعمه عليك وإحسانه إليك: من أنعم عليك بالإسلام؟ من كان يغذيك وأنت جنين في بطن أمك؟ أما تستحي من الله علام الغيوب؟ اذكر نزول ملك الموت بك، المرمل زوجتك، المفرّق مالك الذي سعيت في طلبه وجمعته من حله وحرامه فصار لمن لا يحمدك، وتقف بين يدي من لا يعذرك مرتهنا بعملك. اذكر قول ملك الموت: «اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط الله وشدة نقمته، أبشري بخلود [في] (٧١) النار

стр. 375

أبد الأبد مع الحميم والزقوم ومقطعات النيران».واذكر قوله: «السلام عليك يا وليّ الله تعالى، ارحل من هذه الدار إلى نعيم مقيم أبد الأبد مع المتقين الأبرار، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. أبشر بسندس وحرير وحور عين. لم يبق أحد إلا وهو راض عنك محب لك لرضى الله تعالى عنك ومحبته لك. لو رأيت يا وليّ الله ما أعدّ لك (٧٢)! لم تبال ما أصابك. قد بكت عليك الملائكة المقربون، وموضع مصلاك في الأرض باب (٧٣) من السماء كان ينزل منه رزقك ويصعد منه عملك. قد بكت عليك الملائكة من شدة كربك، ولا كرب عليك بعد اليوم. هذا وقد استبشرت بلقائك اليوم الملائكة واصطفت صفوفا لتشيعك إلى قبرك. أبشر بروح وريحان ورب غير غضبان، فما تخرج روح ولىّ الله إلا فرح مسرور».فقد كان ينبغي لك أن تعمل لهذه الصفة لعلك أن تدركها (٧٤)، وتحذر من الأخرى لعلك أن تنجو منها. ما بالك يا هذا كأنك في شك من الموت؟ أين أبوك وأمك؟ أين الأهل، أين القرابة؟ فانظر لنفسك وعاجل الندم بالتوبة قبل أن يقع الندم منك حين لا ترحم لك عبرة ولا تقال لك عثرة. ما قولك إذا وقفت بين يديه وقال لك: «عبدي، أتعرف ذنب كذا يوم كذا؟ عبدي، ألم أحذرك نقمتي وشدة سلطاني؟ ألم أخبرك أني منتقم ممن عصاني؟ فما جوابك عليّ؟ أكل هذا استخفافا بحقي وجرأة عليّ؟ فوعزتي وجلالي وارتفاع مكاني وقدرتي على جميع خلقي، لا يجاورني من عصاني! وعزتي لأنتقمن اليوم لنفسي! فما قولك يومئذ وقد طاشت الأحلام وانكسرت الألسن؟ وفقنا الله وإياكم، وأعاننا على أهوال ذلك اليوم. وتماسكنا بهذه الدار وسكناها وحبها من أعظم البلاء علينا. أما سمعته يقول في كتابه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْاالِ وَالْأَوْلادِ (٧٥) إلى قوله تعالى: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْاانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ)؟ (٧٥) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ،

стр. 376

إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ) (٧٦). إلى قوله تعالى: (وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٧٦) أثنى عليهم بما فعله بهم وشكره لهم. وقال : (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) (٧٧) قرءوا القرآن فأسهروا به ليلهم، وصفّروا به ألوانهم، ورهّلوا به أقدامهم، فما ليلهم بليل ولا نهارهم بنهار. أضنوا بالقرآن أبدانهم، وأسهروا به أعينهم، ولبسوا الأخلاق من الثياب، وأكلوا الكسر من خبز الشعير، وشربوا الماء القراح، [و] توسدوا الأرض. يخيل لهم أن زفير جهنم بين أيديهم وبين حجابهم، هتكوا حجابهم وأرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم. إذا جهنم الليل ارتعدت فرائصهم وهملت أعينهم، وكان أحدهم مثل المرأة التي تطلق (٧٨): مرة قياما ومرة قعودا، آمل ما يكونون (٧٩) أجدّ ما يكونون، أحزن ما يكونون (٧٩)، أشوق ما يكونون (٧٩)، فمنهم من ينادي ليله الطويل: «سيدي، نجني من شر جهنم! » ومنهم من ينادي ليله الطويل: «يا مولاي، العفو، العفو! » ومنهم من ينادي: «إله محمد! الأمان، الأمان! وأن لقّني عند خروج روحي الروح والريحان» ومنهم من ينادي: «إلهي، لا تحرمني النظر إليك، واجعلني في جوارك» فما أقل ما صبروا، وما أعظم ما أخذوا من جزيل عطاء الله الكثير. أما سمعته يقول: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٨٠)؟ فلنعم الجزاء جزاؤهم، أباحهم [مولاهم] (٨١) بحبوحة كرامته [و] أنزلهم مع أخيار خلقه في جنة الخلد وملك الأبد. فاعمل يا هذا لهذا عمل من يخاف الآخرة ويرجو رحمة ربه وجزيل ثوابه، وكن كالثكلى التي لا تجف دموعها لعلك تنجو، وما أراك ناجيا. عصمنا الله وإياك وغفر لنا ولك وتجاوز عنا وعنك».

стр. 377

ذكر الطبقة الرابعة من فقهاء مدينة القيروان وعبادها وما يليها من بلدان (١) إفريقية وغيرها ومحدثيهم ١٢٦ - أولهم أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي (*)، رضي الله تعالى عنه . وكان اسمه عبد السلام فغلب عليه اسم سحنون (٢). قال أبو العرب (٣): اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة. كان ربما وصل إخوانه بالثلاثين دينارا، وكان لا يقبل من أحد

стр. 378

شيئا، سلطان أو غيره (٤). ولم يكن يهاب سلطانا في حق يقوله. سليم الصدر للمؤمنين، شديد على أهل البدع. انتشرت إمامته بالمشرق والمغرب وسلم له الإمامة أهل عصره وأجمعوا كلهم على فضله وتقدمته، رحمه الله تعالى. وكان (٥) [من صليبة] (٦) العرب، من تنوخ، أصله من الشام، من حمص. قدم به أبوه سعيد مع جند أهل حمص. قال (٧): سمعت محمد بن أبان (٨) وقد قيل له: أكان سحنون من العرب صليبة أو من الموالي؟ فقال: إن سحنون قد [أخذ] (٩) الناس عنه دينهم وصدقوه في الدين وائتمنوه عليه. وقد قال: إنه من العرب، فكيف لا يصدقونه في نسبه؟ قال (١٠): وكان مولده سنة ستين ومائة في رجب (١١). قال عيسى بن مسكين: ولد سحنون في قرية يقال لها مزنانة الشرق (١٢)، وأعرف البيت الذي ولد فيه. وتوفي في

стр. 379

رجب لسبعة (١٣) أيام مضت منه قبل صلاة الظهر سنة أربعين ومائتين، ودفن بعد صلاة العصر. وكان الذي صلّى عليه محمد بن الأغلب في مصلى باب نافع وقبره معروف مشهور، رضي الله تعالى عنه. سمع بإفريقية من جماعة [من] (١٤) العلماء منهم عليّ بن زياد، وأبو مسعود العباس بن اشرس، والبهلول بن راشد، وعبد الله بن عمر بن غانم الرعيني، ومعاوية الصمادحي. وسمع بمصر من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وعبد الله بن طليب المرادي (١٥)، وعبد الله بن عبد الحكم، وشعيب (١٦) بن الليث بن سعد، ويوسف بن عمرو (١٧). وسمع بالمدينة من عبد الله بن نافع الصائغ. ومعن بن عيسى، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وعبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. [وسعيد بن سعيد الزنبري (١٨)، ومطرف بن عبد الله وغيرهم.

стр. 380

وسمع بالشام من الوليد بن مسلم، ومن أبي سعيد أيوب بن سويد الحميري] (١٩). وسمع من سفيان بن عيينة-وأصله من الكوفة، ثم نزل مكة-وسمع من عبد الرحمن بن مهدي (بصري)، ووكيع بن الجراح (كوفي)، وحفص بن غياث (كوفي)، ويزيد بن هارون (واسطي)، ويحيى بن سليمان (٢٠) (طائفي) (٢١)، وأبي داود الطيالسي (بصري)، وأبي إسماعيل (٢٢) الأزرق وغيرهم. ذكر رحلته في طلب العلم وبعض ما جرى له في ذلك . قال أبو العرب: رحل سحنون في طلب العلم أول سنة ثمان وثمانين ومائة. وقال غير أبي العرب: وكان اعتماد سحنون على ابن القاسم وبه تفقه، وصحح عليه «الأسدية»، لا يكاد يفارقه في سماع العلم والبحث عنه. قال أبو عثمان سعيد بن الحداد: سمعت سحنون بن سعيد يقول: كنت إذا سألت ابن القاسم عن المسائل يقول لي: «يا سحنون، أنت فارغ. إني لأحس في رأسي دويا كدوي الرحى».يعني من قيام الليل. قال: وكان قلما يعرض لنا إلا وهو يقول: «اتقوا الله، فإن قليل هذا الأمر مع تقوى الله كثير، وكثيره مع غير تقوى الله قليل».وكان سحنون أيضا كثيرا ما يقوله إذا قرئ عليه. ثم لما فرغ من قراءة العلم على ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك خرج إلى الحجاز، فحدث أبو سهل فرات بن محمد العبدي، قال: سمعت سحنونا يقول (٢٣):

стр. 381

«لما حججنا كنت أزامل ابن وهب، وكنت في الشق الأيمن، وكان أشهب يزامله يتيمه (٢٤) وكان ابن القاسم يزامله ابنه موسى أبو هارون».قال سحنون: «فكنت إذا نزلت ذهبت إلى ابن القاسم أسائله من (٢٥) الكتب وأقرأ عليه إلى قرب وقت الرحيل». قال: «فقال لي ابن وهب وأشهب: «لو كلّمت صاحبك ليلة واحدة يفطر عندنا! » فكلمته فقال: «إن ذلك يثقل عليّ» فقلت له: فبم يعلم القوم مكاني منك؟ » فقال لي: «فإذ (٢٦) عزمت على ذلك فأنا أفعل لك ذلك إن شاء الله إذا نزلنا للتعريس».فأتيت إليهم فأعلمتهم، فلما كان وقت التعريس قام وقمت معه إلى القوم، فأصبت أشهب وقد فرش أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب دون ذلك. فلما أتى عبد الرحمن سلّم وقعد ثم أدار عينيه في الطعام فإذا بسكرجة (٢٧)؛ [فيها دقّة] (٢٨) فأخذها بيده وحرك الأبزار حتى صارت ناحية ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب، ثم قام وترك ذلك وقال: «بارك الله لكم! ».قال سحنون: «فاستحييت أن أقوم»، قال: «فتكلم أشهب وعظم عليه ما فعل عبد الرحمن، فقال ابن وهب: «دعه، دعه! ». قال سحنون: وكنا نمشي بالنهار، ونلقي المسائل ونحن مشاة، فإذا كان الليل ونزلت الرفقة، قام كل واحد إلى حزبه من الصلاة فيقول ابن وهب لأصحابه: «أما ترون إلى هذا المغربي يلقي المسائل بالنهار وهو لا يدرس بالليل؟ » فيقول له ابن القاسم: «هو نور يجعله الله [في القلوب] (٢٩)». /قال: «ونزلنا بمسجد ببعض مدائن الحجاز-نسيت اسمها-قال: فنمنا بها ونمت عند رجلي ابن القاسم، فانتبه مذعورا فقال لي: يا أبا سعيد، رأيت الساعة في المنام كأن رجلا دخل علينا من باب المسجد ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رأس

стр. 382

خنزير، فأسأل الله خيرها».قال سحنون: «فما لبثنا حتى أقبل رجل ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رطب من تمر تلك القرية، فجعله بين يدي ابن القاسم وقال له: «ألا تأكل، أصلحك الله تعالى؟ » فقال له ابن القاسم: «ما لي إلى ذلك سبيل»، قال: «فأعطه أصحابك» فقال: «أنا لا آكله، [فكيف] (٣٠) أعطيه غيري» فانصرف الرجل، فقال ابن القاسم: «هذا تأويل الرؤيا يا أبا سعيد».قال: وكان يقال: إن تلك القرية أكثرها أحباس غصبت، فحماه الله منها لتقاه ودينه. قال: ومرضت بمكة، فكنت ربما جلست عند ابن القاسم وربما جلست عند أشهب وابن وهب، وربما جلس ابن القاسم مع أشهب في موضع واحد، وربما جلست مع أشهب وابن وهب. فجلست يوما مع ابن وهب فقلت له: «يشرب من هذا الماء؟ -وكان الماء حينئذ بمكة في جلود الطائف بجوار السواري يصب فيه الماء ويملأ ليشرب منه الناس-فأصابني عطش يوما فقلت له: «أشرب (٣١)؟ » فقال: «لا» فقلت له: «أليس لي في فيء المسلمين سهم؟ ».فقال لي: «ليس هذا من فيء المسلمين، إنما هذا الماء مما يأخذونه (٣٢) من صدقات الأعراب، فمنه هذا الماء بمكة». قال: «ولقد كنت أفتي أنه لا يحل شراء تمر مكة، لأنها كلها من الصدقات، حتى كثر فيها الحلال وأنشأ الناس فيها الحيطان، وصار الغالب عليها ذلك وإن كنت لأتقيه في خاصة نفسي، ولا أحب أن أضيق بذلك على الناس، فربما جاءني الرجل يستفتيني عن شرائه فأقول: «جائز». ذكر أوصافه ومناقبه وفراسة العلماء فيه [وثنائهم عليه] (٣٣): ذكر (٣٤) أن البهلول كتب إلى عليّ بن زياد كتابا عناية بسحنون أن يسمع عليه، وكتب إليه: «إني إنما كتبت إليك في رجل يطلب العلم لله ».قال: فلما قرأه قال لسحنون: «أين نزلت؟ » فأخبره. قال: فأخذ عليّ بن زياد الموطأ فأتى به إلى

стр. 383

سحنون ليسمعه في موضعه الذي نزل به، وقال: «إنّ (٣٥) أخي-يعني البهلول- كتب إليّ يعلمني [أنك] (٣٦) إنما تطلب العلم لله تعالى». وقال (٣٧) ابن القاسم لمحمد بن رشيد: «قل لصاحبك سحنون يقعد فالعلم أولى به من الجهاد وأكثر ثوابا (٣٨)». وفي رواية أن ابن القاسم قال (٣٩): «إن يكن أحد يسعد بهذه الكتب فسحنون المغربي»، ثم التفت إلى عبد الله بن عبد الحكم فقال: «وإنّ قبل أبي محمد لعلما»، والتفت إلى أصبغ وقال: «إن قبل هذا لرواية». وقال أيضا (٤٠): «ما قدم إلينا من إفريقية أحد مثل سحنون، لا ولا ابن غانم». وقال أشهب مثله في سحنون (٤١). وقال (٤٢): «سحنون أفقه من أسد تسعا (٤٣) وتسعين مرة». ويروى (٤٤) أن عبد الرحيم (٤٥) بن عبد ربه الزاهد شاور أسدا (٤٦) عند خروجه إلى صقلية (٤٧). إلى من يقصد بعده ليسمع منه؟ فقال: «عليك بهذا الشيخ (٤٨) -

стр. 384

[يعني] (٤٩) سحنون، -فما أعلم أحدا يشبهه». قال حمديس (٥٠): سمع على سحنون العلم سنة إحدى وتسعين ومائة، وتلك السنة توفي ابن القاسم. وكان (٥١) العلم في صدره كسورة من القرآن (٥٢). وقال حمديس (٥٣): «رأيت أبا المصعب الزهري صاحب مالك بالمدينة، ورأيت أصحاب ابن القاسم بمصر وأصحاب ابن وهب وأشهب، ورأيت بمكة علماء وعلماء من أهل بغداد قدموا إليها، فو الله ما رأيت فيهم مثل سحنون ولا مثل ابنه محمد بعده». قال عبد الله بن القبرياني (٥٤): «جاء رجل إلى سحنون فسأله عن مسألة، فأجابه فيها، فسكت الرجل، فقال له سحنون: «متى عهدك [بالكتاب؟ فقال: البارحة، قال: ] (٥٥) فوجه سحنون في طلب الكتاب، فجيء به إليه، قال: فتصفّح (٥٦) فقصد موضع المسألة كأنه يعرفه، فوجده كما قال سحنون، فقال حينئذ سحنون: «إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن، ثم كبرت سني وضعفت قوتي، وأحسست الضعف، وأخاف أن يكون قد خالطني في عقلي مثل ما أصابني في قوتي، أفتريد أن تشككني في هذا القليل الذي معي؟ »، أو كما قال رحمه الله تعالى. قال أبو بكر بن اللباد: قال لنا أبو سعيد بن عمرو بن يزيد (٥٧): أول (٥٨) ما تعلمت

стр. 385

من العلم مسائل الصلاة من سحنون، ولئن قلت لك إن سحنون أفقه من أصحاب مالك بن أنس-معلميه كلّهم-إني لصادق». وكان عيسى بن مسكين يقول (٥٩): «سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أحد أفقه من سحنون. قال أحمد بن أبي سليمان: كان (٦٠) سحنون بن سعيد يوما عند البهلول بن راشد فسئل عن مسألة فأخطأ فيها، فكلمه سحنون في ذلك، فضاق وقال: «ألا ترى هؤلاء الأحداث يؤذوننا؟ » وكان شيخ إلى جانبه، فكلّمه فسكت عنه. ومما يذكر (٦١) عن الشيخ أبي الحسن القابسي أنه كان يشق عليه مخالفة مالك وسحنون خاصة، وكان يقول: «لا أقدر أن أخالفهما وأهاب ذلك هيبة عظيمة». وكان (٦٢) سحنون إذا اجتمعت له نفقة خرج إلى عليّ بن زياد صاحب مالك في (٦٣) تونس، يطلب عليه العلم، فبينا سحنون عند عليّ بن زياد بتونس إذ جاءه كتاب البهلول يسأله عن المسألة التي بينه وبين سحنون، فلما قرأه عليّ بن زياد رمى به إلى سحنون، فلما قرأه قال: «هذه مسألة قد اختلف فيها عندنا، فقال البهلول فيها كذا وكذا».فقال ابن زياد: «ومن نازعه؟ » فقال سحنون: «أنا خالفته»، وأخبره بما قال فيها، فقال له عليّ بن زياد: «أخطأ البهلول وأصبت أنت، اكتب إليه بهذا عني» ثم قال لسحنون: «الزم هذا الشيخ-يعني البهلول بن راشد-فإنه رجل صالح، لما أن أهمته المسألة كتب إليّ فيها». قال (٦٤) سليمان بن سالم (٦٥): لما أردت الخروج إلى الحج قال لي سحنون: «إنك تقدم أطرابلس وقد كان فيها رجال (٦٦)، ثم تقدم إلى مصر وبها الرواة، ثم تقدم المدينة

стр. 386

وهي عش مالك، ثم تقدم مكة. فاجتهد مجهودك (٦٧) فإن قدمت عليّ /بلفظة خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك أصلها فاعلم أن شيخك كان مفرطا، يعني نفسه رحمه الله تعالى. حدث أبو عياش (٦٨) بن موسى، قال: سمعت سحنونا يقول-وهو يزري على من يعجل بالفتوى وينكر ذلك، ويذكر النهي عن ذلك عن المتقدمين من معلميه-: «إني (٦٩) لأسأل عن المسألة فأعرفها وأعرف في أي كتاب هي فيه، وفي أي ورقة، وأي صفحة، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهية الجرأة بعدي على الفتوى».ثم قال: «ها هنا قوم يزعمون أنه حمل عني ست وثلاثون (٧٠) ورقة في الصلاة، وإني لأخرج من الدنيا ولا يسألني الله عن مسألة قلت فيها برأي». وذكر (٧١) سليمان بن سالم أنه أتى رجل من أهل صطفورة (٧٢) إلى سحنون فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال بعد ذلك: «مسألتي أصلحك الله، [لي] (٧٣) ثلاثة أيام»، فقال له: «وما أصنع بك يا خليلي؟ مسألتك نازلة وهي معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك»، فقال له الصطفوري (٧٤) «وأنت أصلحك الله لكل معضلة».فقال له سحنون: «هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك أبذل لك لحمي ودمي للنار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب بحاجتك وإن أردت [أن] (٧٥) تمضي إلى غيري تجاب في ساعة واحدة».فقال له: «إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك»، فقال: «فاصبر عافاك الله»، ثم أجابه بعد ذلك.

стр. 387

قال عيسى بن مسكين (٧٦): قلت لسحنون: «تأتيك المسائل مشهورة مفهومة فتأبى الجواب (٧٧) فيها؟ » فقال: «سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال». وقال: «كان بعض من مضى يريد أن يتكلم الكلمة، ولو تكلم بها لا نتفع بها خلق كثير، فيحبسها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة». وكان يتكلم [لله] (٧٥) ويصمت، فإذا أعجبه الصمت تكلم، وإذا أعجبه الكلام صمت. وكان يقول (٧٨): «أجرأ الناس على الفتيا أقلّهم علما: يكون عند الرجل باب واحد من العلم فيظن (٧٩) أن الحق كله فيه».قال سحنون: «وأنا أحفظ مسائل فيها ثمانية (٨٠) أقاويل من ثمانية (٨٠) أئمة، فكيف ينبغي (٨١) [لي] (٨٢) أن أعجل بالجواب حتى أتخير؟ فلم ألام على حبس (٨٣) الجواب؟ ». وذكر محمد بن عبدوس (٨٤) مسألة الوط ء في الدبر، مع هيبته لسحنون في سؤاله عنها. ولما سأله قال: «يا بني لي في هذه المسألة أربعون سنة أتدبرها وأدبر ما يخرج من (٨٥) الجواب فيها، [حتى] (٨٦) أحمل الناس عليه فما اتجه لي فيها شيء. يا بني هذه من الشبهات، وترك الشبهات خير، فما تسمع مني فيها حلالا ولا حراما»، فما سمعنا عنه فيها شيئا، ولا تقلد فيها فتوى، رضي الله تعالى عنه. وذكر أنه أرسل إليه الأمير زيادة الله بن الأغلب يسأل سحنونا عن مسألة نزلت

стр. 388

به، فلم يجبه فيها بشيء. ورجع الرسول من عنده بلا جواب فقال محمد بن عبدوس لسحنون: «اخرج من بلد القوم، لا تساكنهم: أمس ترجع عن الصلاة خلف قاضيهم-يعني ابن أبي الجواد-واليوم لا تجيبهم في مسائلهم؟ » فقال له سحنون: «أفتجيب إنسانا إنما يريد أن يتفكه، يريد أن يأخذ قولي وقول غيري؟ ولو كان شيئا يقصد به الدين لأجبته». وقال: «أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره».قال رضي الله تعالى عنه: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته المفتي: يأتيه الرجل قد حنث في امرأته أو رقيقه فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب عنه الحانث فيتمتع بزوجته ورقيقه، وقد باع المفتي له دينه بدنيا هذا. فما وجدت بقلبي من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي». قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى: قيل لي: قد قال بعض الناس، ممن حضر هذا الكلام، لسحنون: إن بعض الشعراء قد ضمن هذا المعنى في بيتين: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ولمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه، ذاك للحين أقرب فأمر سحنون من حوله أن يكتبوهما. وكان سحنون يقول (٨٧): «من فقه الرجل مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه وصحبته لأهل الخير. وليست العبادة بمطأطأة الرأس». وقيل لسحنون بحضرة أبي سليمان (٨٨): «يا أبا سعيد، كيف يسعك في دينك أن تدع الطلبة وحاجتهم إليك وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة؟ » فقال: «يا أبا سليمان، تريد أن ترى كتبي في هذا الغدير؟ » -وأشار إلى ماء بين يديه-فقال له أبو سليمان: «وكيف ذلك؟ » قال: «أحتاج إلى دراهم هؤلاء القوم-يريد الملوك-فآخذها، فإذا أخذتها فارموا كتبي في هذا الغدير».

стр. 389

وقال محمد بن سحنون (٨٩): «قلت لسحنون: إن فلانا لا يأتي الوالي ولا القاضي إلا بالليل، فكتب إليه بعض إخوانه: إن الذي يراك بالنهار هو يراك في الليل، والسلام».فأعجب سحنون بما كتب به إليه وقال على إثر هذا: «ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه فيقال: «هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي».فإن هذا وشبهه لأشر من علماء بني إسرائيل، لأنه بلغني أنهم كانوا يلقونهم من الرخص بما يحبون مما [ليس] (٩٠) عليه العمل وما هو متروك، ويتركون أن يلقوهم (٩١) بما عليه العمل وفيه النجاة [لهم] (٩٠)، كراهية أن يستثقلوهم (٩٢). ولعمري لو فعلوا ذلك لربحوا (٩٣) ولوجب أجرهم على الله ، فو الله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم، فو الله ما أكلت [لهم لقمة] (٩٤)، ولا شربت لهم جرعة، ولا لبست لهم ثوبا، ولا ركبت لهم دابة، ولا أخذت لهم صلة. وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد، وبما عليه العمل وفيه النجاة، ثم أخرج من عندهم فأنظر في أمري فأجد عليّ الدرك، مع ما ألقاهم به من الشدّة والغلظة وكثرة مخالفتني لهم ووعظي لهم، فوددت أني [أنجو مما] (٩٤) دخلت فيه كفافا، لا عليّ ولا لي» (٩٥). /قال: «وكنت أسمع منه يقول: إنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم».وقال زيدان (٩٦) بن إسماعيل: «سمعت سحنونا يقول-وقد ذكر بعض هذه المواجل (٩٧) التي بناها هؤلاء الولاة فقال: «إنما هي حجارة، جمعوا

стр. 390

ذلك فبنوا به ما جلا، فدخل فيه ماء ساقه الله إليه، فما أرى بشرب ذلك الماء بأسا»، قال: فحدثت بذلك سعيد (٩٨) بن إسحاق فقال لي: ما شرب سحنون من ماجل بناه الأمراء حتى لقي الله ، تورعا ونزاهة». حدث أحمد بن أبي سليمان (٩٩)، قال: «كنا يوما جلوسا عند سحنون حتى أتاه غلامه بدرهم و [نصف فضة باع له به زيتونا] (١٠٠)، فقال سحنون: «الحمد لله، زيتوننا وغلامنا ودابتنا»، ثم رمى بها، ثم قال لنفسه: «يا شقي، يا شقي، يا شقي، تدري ممن باعها لك؟ » وهذا من إشفاقه، رضي الله تعالى عنه. قال سليمان بن سالم (١٠١): ذكر «خشيش البزّاز» (١٠٢) يوما عند سحنون وصدقاته وزكواته وما كان يفعل من المعروف في ماله، فلما أكثروا عليه قال لهم سحنون: «اسكتوا! فلو لم يكن موقف خشيش عند الله تعالى إلا أنه يسأله عن كسبه ماله من أين كسبه [لكان حسبه! .و] (١٠٣) قد قيل لابن هرمز (١٠٤): مات فلان وترك من المال كذا وكذا .. فقال: لكن المال لا يتركه! ». قال محمد عن أبيه سحنون (١٠٥): «اعلموا أن ترك الحلال أفضل من عبادة
следующие страницы →