← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وهي عش مالك، ثم تقدم مكة. فاجتهد مجهودك (٦٧) فإن قدمت عليّ /بلفظة خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك أصلها فاعلم أن شيخك كان مفرطا، يعني نفسه رحمه الله تعالى. حدث أبو عياش (٦٨) بن موسى، قال: سمعت سحنونا يقول-وهو يزري على من يعجل بالفتوى وينكر ذلك، ويذكر النهي عن ذلك عن المتقدمين من معلميه-: «إني (٦٩) لأسأل عن المسألة فأعرفها وأعرف في أي كتاب هي فيه، وفي أي ورقة، وأي صفحة، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهية الجرأة بعدي على الفتوى».ثم قال: «ها هنا قوم يزعمون أنه حمل عني ست وثلاثون (٧٠) ورقة في الصلاة، وإني لأخرج من الدنيا ولا يسألني الله عن مسألة قلت فيها برأي». وذكر (٧١) سليمان بن سالم أنه أتى رجل من أهل صطفورة (٧٢) إلى سحنون فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال بعد ذلك: «مسألتي أصلحك الله، [لي] (٧٣) ثلاثة أيام»، فقال له: «وما أصنع بك يا خليلي؟ مسألتك نازلة وهي معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك»، فقال له الصطفوري (٧٤) «وأنت أصلحك الله لكل معضلة».فقال له سحنون: «هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك أبذل لك لحمي ودمي للنار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب بحاجتك وإن أردت [أن] (٧٥) تمضي إلى غيري تجاب في ساعة واحدة».فقال له: «إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك»، فقال: «فاصبر عافاك الله»، ثم أجابه بعد ذلك.

стр. 387

قال عيسى بن مسكين (٧٦): قلت لسحنون: «تأتيك المسائل مشهورة مفهومة فتأبى الجواب (٧٧) فيها؟ » فقال: «سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال». وقال: «كان بعض من مضى يريد أن يتكلم الكلمة، ولو تكلم بها لا نتفع بها خلق كثير، فيحبسها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة». وكان يتكلم [لله] (٧٥) ويصمت، فإذا أعجبه الصمت تكلم، وإذا أعجبه الكلام صمت. وكان يقول (٧٨): «أجرأ الناس على الفتيا أقلّهم علما: يكون عند الرجل باب واحد من العلم فيظن (٧٩) أن الحق كله فيه».قال سحنون: «وأنا أحفظ مسائل فيها ثمانية (٨٠) أقاويل من ثمانية (٨٠) أئمة، فكيف ينبغي (٨١) [لي] (٨٢) أن أعجل بالجواب حتى أتخير؟ فلم ألام على حبس (٨٣) الجواب؟ ». وذكر محمد بن عبدوس (٨٤) مسألة الوط ء في الدبر، مع هيبته لسحنون في سؤاله عنها. ولما سأله قال: «يا بني لي في هذه المسألة أربعون سنة أتدبرها وأدبر ما يخرج من (٨٥) الجواب فيها، [حتى] (٨٦) أحمل الناس عليه فما اتجه لي فيها شيء. يا بني هذه من الشبهات، وترك الشبهات خير، فما تسمع مني فيها حلالا ولا حراما»، فما سمعنا عنه فيها شيئا، ولا تقلد فيها فتوى، رضي الله تعالى عنه. وذكر أنه أرسل إليه الأمير زيادة الله بن الأغلب يسأل سحنونا عن مسألة نزلت

стр. 388

به، فلم يجبه فيها بشيء. ورجع الرسول من عنده بلا جواب فقال محمد بن عبدوس لسحنون: «اخرج من بلد القوم، لا تساكنهم: أمس ترجع عن الصلاة خلف قاضيهم-يعني ابن أبي الجواد-واليوم لا تجيبهم في مسائلهم؟ » فقال له سحنون: «أفتجيب إنسانا إنما يريد أن يتفكه، يريد أن يأخذ قولي وقول غيري؟ ولو كان شيئا يقصد به الدين لأجبته». وقال: «أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره».قال رضي الله تعالى عنه: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته المفتي: يأتيه الرجل قد حنث في امرأته أو رقيقه فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب عنه الحانث فيتمتع بزوجته ورقيقه، وقد باع المفتي له دينه بدنيا هذا. فما وجدت بقلبي من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي». قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى: قيل لي: قد قال بعض الناس، ممن حضر هذا الكلام، لسحنون: إن بعض الشعراء قد ضمن هذا المعنى في بيتين: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ولمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه، ذاك للحين أقرب فأمر سحنون من حوله أن يكتبوهما. وكان سحنون يقول (٨٧): «من فقه الرجل مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه وصحبته لأهل الخير. وليست العبادة بمطأطأة الرأس». وقيل لسحنون بحضرة أبي سليمان (٨٨): «يا أبا سعيد، كيف يسعك في دينك أن تدع الطلبة وحاجتهم إليك وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة؟ » فقال: «يا أبا سليمان، تريد أن ترى كتبي في هذا الغدير؟ » -وأشار إلى ماء بين يديه-فقال له أبو سليمان: «وكيف ذلك؟ » قال: «أحتاج إلى دراهم هؤلاء القوم-يريد الملوك-فآخذها، فإذا أخذتها فارموا كتبي في هذا الغدير».

стр. 389

وقال محمد بن سحنون (٨٩): «قلت لسحنون: إن فلانا لا يأتي الوالي ولا القاضي إلا بالليل، فكتب إليه بعض إخوانه: إن الذي يراك بالنهار هو يراك في الليل، والسلام».فأعجب سحنون بما كتب به إليه وقال على إثر هذا: «ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه فيقال: «هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي».فإن هذا وشبهه لأشر من علماء بني إسرائيل، لأنه بلغني أنهم كانوا يلقونهم من الرخص بما يحبون مما [ليس] (٩٠) عليه العمل وما هو متروك، ويتركون أن يلقوهم (٩١) بما عليه العمل وفيه النجاة [لهم] (٩٠)، كراهية أن يستثقلوهم (٩٢). ولعمري لو فعلوا ذلك لربحوا (٩٣) ولوجب أجرهم على الله ، فو الله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم، فو الله ما أكلت [لهم لقمة] (٩٤)، ولا شربت لهم جرعة، ولا لبست لهم ثوبا، ولا ركبت لهم دابة، ولا أخذت لهم صلة. وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد، وبما عليه العمل وفيه النجاة، ثم أخرج من عندهم فأنظر في أمري فأجد عليّ الدرك، مع ما ألقاهم به من الشدّة والغلظة وكثرة مخالفتني لهم ووعظي لهم، فوددت أني [أنجو مما] (٩٤) دخلت فيه كفافا، لا عليّ ولا لي» (٩٥). /قال: «وكنت أسمع منه يقول: إنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم».وقال زيدان (٩٦) بن إسماعيل: «سمعت سحنونا يقول-وقد ذكر بعض هذه المواجل (٩٧) التي بناها هؤلاء الولاة فقال: «إنما هي حجارة، جمعوا

стр. 390

ذلك فبنوا به ما جلا، فدخل فيه ماء ساقه الله إليه، فما أرى بشرب ذلك الماء بأسا»، قال: فحدثت بذلك سعيد (٩٨) بن إسحاق فقال لي: ما شرب سحنون من ماجل بناه الأمراء حتى لقي الله ، تورعا ونزاهة». حدث أحمد بن أبي سليمان (٩٩)، قال: «كنا يوما جلوسا عند سحنون حتى أتاه غلامه بدرهم و [نصف فضة باع له به زيتونا] (١٠٠)، فقال سحنون: «الحمد لله، زيتوننا وغلامنا ودابتنا»، ثم رمى بها، ثم قال لنفسه: «يا شقي، يا شقي، يا شقي، تدري ممن باعها لك؟ » وهذا من إشفاقه، رضي الله تعالى عنه. قال سليمان بن سالم (١٠١): ذكر «خشيش البزّاز» (١٠٢) يوما عند سحنون وصدقاته وزكواته وما كان يفعل من المعروف في ماله، فلما أكثروا عليه قال لهم سحنون: «اسكتوا! فلو لم يكن موقف خشيش عند الله تعالى إلا أنه يسأله عن كسبه ماله من أين كسبه [لكان حسبه! .و] (١٠٣) قد قيل لابن هرمز (١٠٤): مات فلان وترك من المال كذا وكذا .. فقال: لكن المال لا يتركه! ». قال محمد عن أبيه سحنون (١٠٥): «اعلموا أن ترك الحلال أفضل من عبادة

стр. 391

التطوع (١٠٦)، وترك الحلال لله تعالى أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله ». وحدث يونس بن محمد الورداني، قال: سأل محمد بن عبدوس، ومحمد بن حسن، ونفيس الضرير سحنونا عن الورع فقال (١٠٧): «ترك دانق مما كره الله أفضل من سبعين ألف حجة يتبعها سبعون (١٠٨) ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل الله تعالى بزادها وسلاحها، وأفضل من سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت الله الحرام، وأفضل من [عتق] (١٠٩) سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل». فذكر هذا الحديث صاحب (١١٠) لعبد الجبار [بن خالد] (١٠٩) فقال عبد الجبار: «نعم، وأفضل من ملء الأرض (١١١) إلى عنان السماء ذهبا وفضة من كسب حلال وأنفقت في سبيل الله لا يراد بها إلا وجه الله تعالى». قال: «وهذا كلام صحيح، وذلك أن ترك الحرام فريضة، وهذه الأشياء التي [ذكرها] (١١٢) كلها تطوع، فالفريضة أولى من التطوع» (١١٣). حدث (١١٤) عبد الجبار بن خالد، قال: كنا نسمع من سحنون بمنزله في الساحل، فصلى يوما الصبح، ثم دخل فخرج علينا وعلى كتفه المحراث وبين يديه زوج بقر مقرون، فقال لنا: «إن الغلام [قد] (١١٥) حمّ [البارحة] (١١٥)، فأنا أريد

стр. 392

أن أذهب لأحرث ثم أرجع إليكم إذا فرغت أسمعكم».قال عبد الجبار: «فقلت له: أنا أذهب أحرث لك، واجلس أنت تسمع أصحابنا فإذا رجعت قرأت عليك ما فاتني به أصحابي. قال: فدفع إليّ المحراث، فذهبت به فحرثت فلما رجعت أدخلت البقر (١١٦) الدار. قال: فقرب إليّ سحنون غداءه فإذا هو خبز شعير وزيت قديم، فأكلت معه ثم قرأت عليه ما فاتني». وحدث إسماعيل بن إبراهيم قال: دخلت على سحنون، وهو يومئذ قاض وأنا يومئذ غلام، فإذا هو جالس في بيته وفي عنقه تسبيح وهو يسبح به (١١٧) وفي الدار جشيش (١١٨) قد طبخ، فقال: «احتس من هذا الجشيش» فأبيت عليه من ذلك، فقال: «يا بني، خذ هذه الشقة فقل لأخيك يبيعها وأخبره أنه قد دخل في طعمتها (١١٩) كذا وكذا، وتبين لمن تبيعها منه أن قيامها (١٢٠) أصطبة (١٢١)، وعجل عليّ بثمنها، فإن لشيخك ثلاثة أيام لم يجد ما يشتري به سخينة (١٢٢) يأكلها» قال: فذهبت بالشقة فبعتها، وجئته بالثمن عشية وهو ينظر بين الناس، فأخذ الدراهم، وكنت قد جعلتها في كمي وجعلتها بين أصبعين من أصابعي، قال: فعرك سحنون أذني بيده وقال: «ليس هكذا تمسك الدراهم، إنها يا بني حلال، فإذا ذهبت فأين أجد مثلها؟ ».قال: ثم وجه ربع درهم فاشترى به أربع ثردات (١٢٣)، فطبخها وأفطر عليها، فلما خرج لصلاة العشاء قال: «ما أطيب الثرد! اشتري لي

стр. 393

منها أربع (١٢٤): فبعثت بواحدة إلى ابني محمد، وواحدة إلى ابنتي خديجة، وأخرى إلى كذا، وأكلت أنا واحدة». وكان (١٢٥) يبعث في كل يوم إلى معتب بن [أبي] الأزهر (١٢٦) يشتري له ربع رطل لحما (١٢٧) ليفطر عليه، ثم استكثره وتركه اقتداء منه بالصالحين. ولقد كان يتصدق على الرجل الواحد بالمال الكثير الذي تجب فيه الزكاة. ولقد حدث (١٢٨) سعيد بن عباد المعروف بالمزغلة صاحب سحنون، قال: قال لي سحنون يوما، وقد خلا معي: «يا سعيد، أليس أنا إمامك؟ » فقلت: «نعم، أصلحك الله» فقال: «أو تقبل قولي؟ » فقلت: «وكيف لا أقبل قولك ولو لم أقبل قولك لم أختلف [إليك] (١٢٩)» قال: فقال لي: «هذا قولي ويميني» وحلف لي بالله، وأراني صرة في يده، وذكر أن فيها ثلاثين دينارا وقال: «ما هي مال سلطان ولا من تاجر ولا من وصية (١٣٠)، وما هي إلا من ثمن ثمرة غرستها (١٣١) بيدي، فخذها تتقوّ بها على أمر آخرتك ودنياك» قال: فقلت له: «أنا عنها غني» -قال [محمّد] (١٣٢): «[و] هو والله كان محتاجا إلى خروبة» -.قال: فقال [لي] (١٣٣)

стр. 394

سحنون: -لما قلت له إني عنها غني-: «فخذها سلفا فتتزوج منها وتنفق، فإن رزقك الله [فيها] (١٣٤) فردها نقبلها منك، /وإن تعذر عليك ردها فأنت في حل»، فقلت: «ما كنت بالذي أتعجل دينا في ذمتي من غير حاجة» فقال: «فإذا أبيت من قبولها فلا تذكرها لأحد ما دمت أنا حيا». وكان، رحمه الله تعالى، نزه النفس: قال (١٣٥) أبو داود العطار (١٣٦): «باع (١٣٧) سحنون زيتونا له بنحو ثمانمائة [دينار] (١٣٨) فدفع ذلك المال إليّ»، قال: «فكان [يبعث] (١٣٩) إليّ رقعة يقول: «ادفع لفلان كذا وكذا دينارا، ولفلان كذا» صدقة منه عليهم، حتى فنى ذلك المال كله». قال أبو داود: «فأتيته بإضبارة (١٤٠) فيها تلك البطائق التي كان يبعث بها إليّ، فلما فرغ من سماع الناس عليه تقدمت إليه بتلك البطائق فقال: «ما هذه؟ » فأعلمته بها فقال: «أبقى من ذلك شيء».قلت: «لا» قال: فرمى بتلك البطائق إليّ وأبى أن يحاسبني، وقال لي: «إذا فرغ المال فلم (١٤١) أحاسبك؟ ». وحدث أبو محمد عبد الله بن سعيد الصائغ، قال (١٤٢): دفع سحنون لرجل ذات يوم صرة (١٤٣)، وهو في بيته، ثم قال له: «اذهب، فأول رجل تلقاه فادفعها إليه».قال: فتخلّل (١٤٤) الأزقة، فإذا برجل عليه ثوب أبيض وتحته شيء يحمله،

стр. 395

فدفع إليه الصرة، فلما أخذها ألقى الذي بيده وقال: «هذه ميتة، كانت حلاّ لنا (١٤٥) فحرمت الآن علينا». فكانت هذه الفراسة من سحنون من العجب، إذ وقعت على غائب لم يشهده. وله في ذلك حكايات من عطاء ومسامحة وتفريق (١٤٦) غلة زيتون يطول بها الشرح. قال بعض أصحابنا: «مررت (١٤٧) بمحمد بن بشار المعروف بالزريني (١٤٨) الفقيه وهو جالس في صحن مسجده، فصعدت إليه فسلمت عليه، فرد عليّ ردا (١٤٩) فيه انكسار، فسألته: «ما بالك مغتما؟ » فقال: «وكيف لا أغتم وخادم لي سوداء كانت تكفيني مؤونة الفرن والماء أصبت بها؟ » قال: «فمضيت إلى سحنون فأعلمته باغتمام الزريني بموت خادمه، فقال سحنون (١٥٠): «اذهب إلى فندق كذا وكذا فإن فيه رجالا (١٥١) خمسة من الساحليين فائتني بهم».قال: فذهبت فأتيته بهم، فأقعدهم وقال لي: «اذهب إلى جامع العطار (١٥٢)، وقل له: «الشيخ يقول لك: ادفع إليّ خمسين (١٥٣) دينارا».فأتيت بها إلى سحنون، فعدها عشرة عشرة إلى أولئك الساحليين وقال: فرقوها (١٥٤) على زيت من ثقات (١٥٥)، وكان ذلك قريبا من

стр. 396

جمع الزيتون، ففعلوا ثم كتبوا إليه: إن الزيت قد اجتمع، فكتب إليهم ببيعه، فباعوه (١٥٦) بمائة دينار، فرد سحنون الخمسين دينارا إلى جامع [العطار] (١٥٧)، فأنكر ذلك وقال: «شيخ مبارك يأخذ ويرد؟ ».ثم قال لي سحنون: «اذهب بهذه الصرة إلى الزريني، فيها خمسون دينارا».ففعلت، فأخذها مني ودعا لسحنون وقال: «يفتقدنا في دنيانا وآخرتنا». قال سليمان بن سالم (١٥٨): [تأدب سحنون] (١٥٩) بأدب أهل المدينة حتى في العيش، وكان يقول: «ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا [على] (١٦٠) قدر ذات يده، ولا يتكلف إلى أكثر من ذلك (١٦١)، وإن احتاج إلى امرأة طلبها على قدر ذات يده في مؤنتها وقناعتها حتى يبقى في يده ما يستغنى به، وإن كان له مال صالح حلال-والحلال هو الذي ارتضاه الله لأنبيائه حين يقول: (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) (١٦٢)، والطيب هو الحلال-اعتمد عليه وتفرغ للعبادة؛ وإن لم يكن عنده فعليه بكسب يده، [فذلك] (١٦٣) أولى به من ذل (١٦٤) المال، وهو مسألة الناس؛ وإن كان مستغنيا عن الزوجة فتركها أحب إليّ، وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكلها بالعلم والقرآن إذا احتاج إلى ذلك». سليمان بن سالم (١٦٥)، قال: رأيت لسحنون، رحمه الله تعالى، ساجا كحليا

стр. 397

وأزرق وقلنسوة حبر. وكان (١٦٦) يركب بلجام حديد ليس فيه من الفضة شيء. وكان له برنس أسود كثيرا ما يلبسه في المطر والبرد والريح، وربما قعد للسماع وهو عليه، وربما (١٦٧) حمل حزم البصل من حانوت «جامع العطار» وغير ذلك إلى داره تواضعا لله . فرات بن محمد العبدي، قال (١٦٨): كنت عند سحنون عشية فجاءه حسان فقال له سحنون: «اجلس وخذلي «يا عاشق الحور» (١٦٩) لابن المبارك ولا تطرّب»، فابتدأ في القصيدة فكلما أراد أن يطربها يقول له سحنون: «هيه! اسكت من التطريب»، حتى انتهى إلى قول هذا البيت: لمن رآك قتيلا بين أودية ... في غربة قد سقيت المر والصبرا فقال سحنون: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، كيف يكون غريبا من تبكي عليه السماء والأرض؟ إنما الغريب الذي قال [فيه] (١٧٠) الله : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) (١٧١). عبد الجبار بن خالد السّرتي (١٧٢)، قال: كنا نسمع على سحنون في بيت

стр. 398

قبلي (١٧٣)، فدخل يوما فجلس محتبيا، فطوى الكتاب وجعله بين عينيه وعليه كآبة وحزن، فما جسر أحد منا [أن] (١٧٤) يسأله، حتى دخلت الشمس البيت؛ فقرع الباب، فقيل: «من؟ » فقال: «غلامك فلان في منزل صقلاب»؛ فدخل الغلام، فقال له سحنون: «ما وراءك؟ » فقال: «هلك الزوج الفلاني، وماتت الخادم الفلانية، وقطع لك البين-يعني الريح-نحو خمسين ومائة شجرة»، فتهلل وجهه وظهر سروره ودفع (١٧٥) الكتاب الذي يقرؤه، ولما فرغ من القراءة قلنا له: «أصلحك الله؛ دخلت علينا وعليك كآبة وحزن، فلما جاء هذا الغلام وحكى لك مصائب وهموما استبشرت وظهر عليك سرور! » فقال: «أصبحت وأنا مفكر في نفسي بأني لم أصب بمصيبة في جسم ولا ولد ولا مال، فقلت: «ما أظنّ الله تعالى ذكرني، ولا لي عنده جاه! » فلما جاء هذا الغلام وذكر ما ذكر عرفت أن الله تعالى قد ذكرني وأنه يخلف ما ذهب». قال (١٧٦) [] (١٧٧): «مات لولده ولد يكنّى أبا بكر، فلما تقدم /ليصلّي عليه سكت فأطال السكوت، فقال له أحمد بن لبدة: «إنك لم تكبر» فكبر، فلما فرغ من الصلاة قال له ابن لبدة: «يا عمّي، ما بالك؟ » فقال له: «إني لما نظرت إلى قامته بأعلى النعش راعني أمره، فظننت أني كبّرت حتى أنبهتني» ثم قال: «لئن وفي جدك ثوابك يا أبا بكر فما أحسن حاله». وكان إذا بلغه موت أحد ممن سمع عليه يبكيه ذلك ويحزنه جدا. قال ابن الحداد: «وكان إذا قرئ عليه «مغازي ابن وهب» تسيل دموعه». قال سليمان بن سالم (١٧٨): «وكان اذا قرئ عليه «كتاب الجهاد» لابن وهب (١٧٩)» أو

стр. 399

«كتاب الزهد» بكى حتى تسيل دموعه على لحيته». قال أبو بكر بن اللباد (١٨٠): «حدثت أن رجلا من أهل الأندلس يقال له «إبراهيم بن لبيب» (١٨١) كان يسمع من سحنون، فأراد أن يعلم حزبه وصلاته بالليل. قال إبراهيم: فأتيته فقلت: «إني أريد أن أسافر، وعندي غلام معه نعمتي ولا تطمئن نفسي أن يكون إلا عندك، فأحب أن تبيح له أن يبيت معك في البيت الذي تبيت فيه، قال: فأجابه إلى ذلك. فقال إبراهيم للغلام: «لا يكون لك عمل في النهار إلا النوم والسهر في الليل، حتى ترى صلاة سحنون في الليل».فأقام ثلاث ليال مع سحنون في البيت، ثم رجع إلى مولاه، فسأله عما عاين من سحنون، فقال له: «كان يصلّي العشاء الآخرة ثم يوتر ثم ينام فما يقوم إلا لصلاة الصبح، فيركع ركعتي الفجر ثم يصلّي الصبح».فمضى إبراهيم بن لبيب إلى سحنون فقال: «أصلحك الله، إنك إمامي، وقد أخذت عنك ديني، وقد أردت أن أعلم حزبك في الليل» فقال له: «وما دعاك إلى هذا يا إبراهيم؟ ».فقال: «أردت أن اعلم ذلك» فقال له سحنون «قليل من العمل مع الورع كثير». هذا ويمكن (١٨٢) أن يكون عرض لسحنون في هذه الليالي ما منعه من قيام الليل، فقد وردت عنه أخبار في قيام الليل صحيحة مما يدل على كثرة تهجده وملازمته لقيام الليل». يحيى بن عون، قال (١٨٣): «دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض، وكان من أصحابه، وأصابه في علته قلق، فقال له: «يا ابن القصار، ما هذا القلق الذي أنت فيه؟ » قال: «الموت والقدوم على الله » فقال له سحنون: «ألست مصدقا بالرسل أولهم وآخرهم والبعث والحساب والجنة والنار؟ وأن أفضل هذه الأمة-بعد نبيها ﷺ -أبو بكر ثم عمر؟ و [أن] (١٨٤) القرآن كلام الله غير مخلوق؟

стр. 400

وأن الله تعالى يرى يوم القيامة؟ وأنه (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)؟ ولا تخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا؟ » قال: «إي والله الذي لا إله إلا هو».فضرب سحنون بيديه على ضبعيه وقال له: «مت إذا شئت، مت إذا شئت»، ثم خرج عنه». حدث فرات بن محمد العبدي، قال (١٨٥): حدثت عن سحنون أنه قال لابنه محمد: «يا بني، سلم على الناس، فإن السلام عليهم يزرع المودة في قلوبهم، وسلم على عدوك، فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس». وكان سحنون يقول (١٨٦): «ليس للأمور (١٨٧) بصاحب من لم ينظر لها في العواقب». وحدث أبو محمد بن معاوية، قال (١٨٨): حضرت سحنونا، وكان ينهى الطلبة عن الجلوس في موضع الطريق لخروج أهل الدار إلى حوائجهم، فجلست يوما في الطريق لضيق الموضع، فجاءه حمل طعام من البادية، فنظر إليّ وقال لي: «قم من الطريق».فلم أقدر أن أقوم، فقال: «قد جاءنا رزق، فمن أين يدخل إلينا إذا قعدتم لنا في الطريق؟ ».ثم تخطاني وجاز، ثم نظر إلينا ثم قال: «قد نهيتكم غير مرة أن تقعدوا في الطريق»، وضاق علينا وقال: «إنما غايتكم أن أحتاج إلى هؤلاء! » - وأومأ إلى السلطان- «فإذا أخذنا منهم فما تصنعون بكتبكم هذه؟ ارموها في ذلك الماء» وأشار إلى ماء بين يديه. فلما كان من الغد خرج علينا وعلى يده الكتب للسماع، فلما قعد في موضعه (١٨٩) أخذ الكتاب ليقرأ، فلما قرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» وضع الكتاب من يده ثم تبسم قليلا ثم قال: «كبرنا وساءت أخلاقنا! ويعلم الله ما أصيح عليكم إلا لأؤدبكم، وما أريد بكم-يعلم الله-مكروها، ألا إنّا ابتلينا عند الكبر و [نحن] (١٩٠) أحوج ما كنا إلى أنفسنا» -كأنه يريد أن يعتذر بما ابتلى به من أمر القضاء- «وما أريد إلا لترعووا (١٩١) وتفقهوا وتعملوا بما سمعتم».

стр. 401

قال عيسى بن مسكين: وأتى قوم من الأندلسيين قد كتبوا «المدونة» وأرادوا أن يسمعوها من سحنون، فقال لهم: «إني مشغول» فقال له شاب منهم: «إنا قد كتبناها فما نصنع بها؟ لئن لم تسمعناها لنطرحنها (١٩٢) في هذا الغدير! » [وأشار] (١٩٣) لغدير ماء بين يديه، فتغير سحنون وعض بنانه من الغيظ ثم قام فمضى إلى أزواجه (١٩٤) وهي تحرث، ثم رجع إليهم فقال: «إني لو احتجت إليكم في مثل هذه-ورفع شيئا من الأرض-ما سوى علمي عندكم شيئا»، ثم أسمعهم. وقال سليمان بن سالم: كنت قاعدا عند سحنون حتى أتاه رجل يقال له حسان بن شاكر، فسلم عليه ثم قال: «أين غبت يا حسان؟ » فقال: «في البادية، أصلحك الله» فقال له: «إن لله تعالى نبيا من البادية».ثم قال: «ما حال مسجدكم؟ » فقال له: «كما تعرف البادية» فقال له سحنون: «وإني لأظنه تفتل فيه الحبال» (١٩٥) فقال له: «نعم، فما أصنع بهم؟ » فتبسم سحنون ثم قال: «يا شيخ، ابن سبعين سنة ولا تعرف ما تصنع بهم؟ أنا أخبرك ما تصنع بهم: تأخذ الحبل (١٩٦) من يده فتثنيه على أربعة وتضرب به رأسه وتخرجه من المسجد، فإن المساجد لم تبن لفتل [الحبال] (١٩٧)، ثم قال له: «ما حال زرعكم؟ » فقال له: «جيد، أصلحك الله، وأرجو أن تكون سنة مباركة».فقال سحنون: «آمين، جعلها الله سنة مباركة! » وكرر ذلك ثلاثا. ثم قال: «يا حسان، تدري ما السنة المباركة؟ [قال: لا. قال: هي] (١٩٨) السنة التي يسلم فيها للناس دينهم وإن كان نيلهم من الدنيا قليلا، والسنة التي لا يسلم للناس فيها دينهم، وإن كان نيلهم من الدنيا كثيرا، فتلك سنة مشئومة عليهم (١٩٩). حدث الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمد/بن خلف الفقيه القابسي، رضي الله

стр. 402

تعالى عنه، قال (٢٠٠): أتى رجل إلى سحنون، رضي الله تعالى عنه، فجلس حتى انصرف الناس وخلا المجلس فأخذ (٢٠١) في البكاء، فسأله سحنون وألح عليه فيما أوجب ذلك، فذكر له أنه رأى ما استعظمه، فلم يزل به حتى شرح له ذلك، فذكر له أنه رأى كأن القيامة قد قامت وأن الناس قد حشروا، [ثم] (٢٠٢) قال لسحنون: «وأتى بك، [وأنا] (٢٠٢) أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي»، ثم وصف له أنه فعل به من الأغلال والسرابيل وأصناف الأنكال أمر عظيم، وأنه أمر به فألقي في النار. قال الرائي لذلك: «فانتبهت مذعورا» فزعموا أن سحنونا صبّره وسكّنه وأرسل في طلب رؤساء كنيسة النصارى، فأتى إليه باثنين منهم، فجلسا، ثم سألهما سحنون فقال لهما: «هل مات لكم في هذا الوقت أحد تعظمونه؟ » قالا (٢٠٣): «بلى» ووصفا من حال ميتهم شيئا كثيرا، فقال لهما سحنون: «هل من شأنكم أن تروا في منامكم لميتكم شيئا؟ » قالا: «بلى» قال: «فهل رأيتما لهذا الميت الذي وصفتما شيئا؟ » فقالا: «نعم، جاءت فيه رؤى كثيرة»، ووصفا فيه من الخير والترفيع له أمرا كبيرا، فقال: «انصرفا».ثم قال للرجل: «كيف ترى؟ هل تشك في هؤلاء ومن مات منهم أنه من أهل النار؟ » فقال الرجل: «لا»، فقال له سحنون: «فاعلم أن الشيطان يأتي المؤمن (٢٠٤) بما يثبطه وينفره عن الخير ويمقّته إليه ويمقت إليه أهله، ويأتي إلى الكافر بما يغبط إليه حاله (٢٠٥) ويثبته على أمره (٢٠٦). وإنما رآك تكثر الاختلاف إلينا والائتمام بنا، فأراد أن يخذلك (٢٠٧) ويصدّك». وسأل أشهب عن سحنون فقال: «ما لي لا أسمع له ذكرا في بلدكم؟ » فقيل له: «إنه رجل قليل ذات اليد، وإنما لزومه البادية أكثر أيامه» فقال أشهب: «الحمد

стр. 403

لله، لقد ظننت أنه زل زلة سقط بها عند أهل بلده، فأما إذ كان هكذا فلا يضره شيء». حدث أبو موسى عيسى بن مسكين، قال: قدم سحنون إلى «منزلة بني هنغلات» (٢٠٨)، فصلى العتمة في المسجد، قال: فجعل [أهل] (٢٠٩) القرية يسألونه عن أخبار القيروان حتى مضى حين من الليل، فقال سحنون لغلام له: «اذهب إلى البيت فافرش لي، فلم يجد فيه شيئا يفرشه، فجاء سحنونا فقال له: «أفرشت لي؟ » فقال الغلام: «لم أصب ما أفرش لك» فأخذ سحنون برذعة الحمار ففرشها وجعل الشند (٢١٠) عند رأسه وقال للغلام: «هكذا كنت تفعل». قال سليمان بن سالم: وسمعت سحنونا يقول: «اشتري لي شيء بخروبة ونصف، فتغديت به أمس وتعشيت منه البارحة وتغدّيت منه اليوم قبل أن أخرج إليكم، وبقي لي ما أتعشى به».قال سليمان بن سالم: ولم يسألوه ما هو. قال: وكنا عنده يوما ومعنا رجل يقال له خلف بن جبير (٢١١)، والقارئ يقرأ، فنعس خلف هذا حتى قرأ القارئ ما شاء الله من ذلك، ثم انتبه فاختلفنا في سماعه، فسألنا سحنونا فقال: «إذا جاء السماع وله قصده فهو يجزي». وذكر أبو حفص القصطلاني عن الجزري، قال (٢١٢): بينا أنا جالس في مجلس سحنون إذ أتاه رجل فسأله عن مسألتين أو ثلاث ثم قال له: «ما اليوم، وما غدا وما بعد غد؟ » فقال له سحنون مجيبا «اليوم عمل، وغدا الحساب، وبعد غد الجزاء». قال الجزري: فلما ولّى السائل قمت في طلبه فتبعته إلى «باب سلم» وأنا في طلبه حتى دخل المقبرة، فلما خفت أن يفوتني قلت له: «بالله قف لي يا رجل، فوقف وقال لي: ما تريد مني؟ أنا رجل من الجان، جئت أغشى مجلس أبي سعيد أسأله

стр. 404

عن مسائل فحرمتني (٢١٣) السؤال. ثم غاب عني وهو يتشبه برجل (٢١٤) من الرجال أكحل العينين. قال الجزري: فحضرني الخروج إلى الحج فخرجت، فبينا أنا في الطواف إذ جذبني رجل بثوبي من ورائي، فإذا بالجنّي فسلّم عليّ فرددت ﵇، وأخبرني خبر من خلّفت من أهلي وضيعتي ثم قال: «إن الطلبة رأيتهم مختلفين إلى رجل في جبلي (٢١٥) البيت ومعهم كتبهم ومحابرهم».فمضيت إلى الرجل معه، فلما أشرفنا على الجماعة جبذ يدي وقد تغير لونه وقال: «هذا إبليس، والله لو رآني لقتلني».فقلت له: «فما العمل؟ » فقال لي: «ارجع إليه فالكمه الرأس وقل له: يا لعين يا ملعون، ايش أتى بك ها هنا؟ » ففعلت ذلك، فاضمحلّ حتى صار مثل الدخان. فالتفت إليّ الطلبة فقلت: «أين الذي كنتم تسمعون منه؟ هل ترون أحدا؟ » ثم أخبرتهم بالقصة، فعجبوا من ذلك وحرقوا الكتب التي سمعوها منه. ومما يسند هذه الحكاية ما رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه (٢١٦) عن أبي سعيد الأشج، قال: حدثني وكيع عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة (٢١٧)، قال: قال عبد الله-يعني ابن مسعود-: «إن الشيطان ليتمثّل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدّثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون. فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، يحدّث. دخل إسحاق بن إبراهيم بن عبدوس عند سحنون-وكان أبوه قد شكاه إلى سحنون-فقال له سحنون: «تعال يا ولدي فاسمعه».قال: فلما أتاه وعاتبه بكى سحنون وقال له: «يا ابني أنت مثل ولدي، فاجعلني في حل»، فقال له إسحاق: «قد فعلت، أصلحك الله».

стр. 405

قال سليمان: وسمعته يقول في الطلبة: «ما أريد منهم إلا لعل الله ينفعني منهم بواحد». قال: وسمعته يقول: «كادت (٢١٨) تفوتني كتب ابن وهب، وبالله ما تشرى بكتاب منها الدنيا وما فيها، وما عميت عن مسألة قط إلا وجدت/فرجها في كتاب ابن وهب». قال: وسمعته يقول في كتب ابن القاسم: وكذا هذه (٢١٩)، فقلّما رأيت أحدا أخذها إلا ونفعه الله تعالى بها، وذلك أن صاحبها كان يريد الله ». قال وسمعته يقول: «من صحت كتبه صحت روايته، ومن سقم كتابه سقمت روايته». قال وسمعته يقول في «كتاب الصمت» (٢٢٠) من «جامع ابن وهب»: «هذا الكتاب يورثه الرجل ولده خير من أن يورثه الدنيا بجميع ما فيها». قال سليمان (٢٢١): وكنت قاعدا قدام سحنون وهو يقرأ «كتاب الترغيب» من «جامع ابن وهب» فرددت عليه حديثا هو في كتابي ولم يكن في كتابه، فقال لي: «اقرأ الحديث»، فلما قرأته أنكر الحديث وصاح عليّ وقال: «من أين دخل هذا الحديث في كتابك؟ » فأمسكت ولم أرد عليه، فكلمه محمد ولده وقال: «أصلحك الله، الكتب تختلف»، فقال لي: «اطرح الحديث من كتابك»، فخططت عليه بالقلم وهو ينظر، فقال لي: «زد خطا عليه» (٢٢٢)، فطلسته كلّه. فلما كان بعد ذلك خرج، فقعد، فنظرت في وجهه (٢٢٣) زبل حمام، [فمسحته] (٢٢٤) فقال لي (٢٢٥): «ايش هو؟ » فقلت: «زبل حمام، أصلحك الله»

стр. 406

فقال: «قد آذونا بالحمام، وقلت لهم ينحونه (٢٢٦) عنا فأبوا».ثم قال: «إذا رأيت الطالب يصاح عليه وينهر فلا يبرح من مكانه فارجه (٢٢٧)، وإذا رأيته إذا صيح عليه تنحى من مكانه ويقعد بعيدا (٢٢٨) ثم لا يرجع (٢٢٩)، فليس يفلح».فقال (٢٣٠) أصحابنا الطلبة: «قد أعتبك». وحدث بعض أصحابنا، قال (٢٣١): «رأيت فيما يرى النائم كأن سحنونا يبنى (٢٣٢) الكعبة»، قال: «فغدوت إليه فوجدته يقرأ للناس «كتاب المناسك في الحج» الذي اختصره. وحدّث أبو عبد الله محمد بن المبارك بن الزيات (٢٣٣) صاحب مظالم ابن طالب، قال: كان يألفني رجل أطرابلسي، دون أصحابنا أيام سماعنا من سحنون، فرأيت معه كتبا قد محيت وكتب فيها قول أهل المدينة. قال: فكان يسمع معنا فيها. قال، فقلت له: ما قصة هذه الكتب؟ قال: إني كنت أسمع قول أهل العراق، فرأيت في منامي كأني واقف في وسط غدير وقد أصابني عطش شديد بلغ مني، فإذا شربت من الماء شربت دما، ثم أملأ ركوتي بالماء فإذا شربت منها شربت دما فأمجّه من فمي، ثم التفتّ إلى رجل كان منّي على القرب فقلت له: اسقني الماء فإن العطش قد بلغ مني، فقال: أنت في الماء وتطلب من يسقيك؟ فقلت له: إني إذا شربته صار في فمي دما، فقال لي: اذهب إلى الشيخ فهو يسقيك، قال: فمضيت إليه فأصبت الشيخ قاعدا ووجهه إلى القبلة، فقلت له: لعلّ معك ماء فتسقيني، فقال لي: أنت في الماء وتطلب من يسقيك؟ فقلت له: إني إذا شربته صار دما في فمي، وجعلت

стр. 407

أريه ذلك (٢٣٤)، فقال لي: هلمّ الإداوة (٢٣٥) التي معك في يدك، فناولته الإداوة فصب لي فيها ماء فشربته فرويت. فلما أصبحت ذهبت أسأل عن تأويل رؤياي فقيل: تطلب علما لا تنتفع به وسيبدلك الله تعالى به علما خيرا منه. فقلت في نفسي: ما هو إلا قول أهل العراق! فتركته وطلبت قول أهل المدينة من كل طريق». قال: «فرحلت إليكم، فلم يكن لي هم إلا السؤال عن الرؤيا، فدلّوني على أبي زكريا الحفري. فمضيت إليه فسألته عن رؤياي، فقال لي مثل قول الأطرابلسي. واختلفت إلىّ عون حينا، فقال لي رجل: «ممن تسمع؟ » فقلت: «من عون»، فقال: «تدع سحنونا وتسمع من عون؟ » فقلت له: فأين موضعه؟ فقال لي: بالقرب من مسجد عون. فقلت له: «إنه يمر بنا قوم معهم المحابر والدفاتر» فقال: «إلى سحنون يمرون»، قال: فتبعتهم، فأول ما رأيت سحنونا».وزاد (٢٣٦) أبو القاسم: (٢٣٧) «رأيت الرجل الذي سقاني الماء في نومي» (٢٣٨).

стр. 408

١٢٧ - ومنهم أبو جعفر موسى بن معاوية (*) الصمادحي (١)، رضي الله تعالى عنه. قال أبو بكر بن اللباد: هو من ولد جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين. وكان فاضلا. وقال أبو العرب (٢) وغيره: كان ثقة مأمونا صالحا عالما بالحديث والفقه. حدثت عن معتب بن أبي الأزهر [قال] (٣): قلت لسحنون (٤): «إن موسى جلس

стр. 409

في الجامع يفتي الناس» فقال لي سحنون: «ما جلس في الجامع منذ ثلاثين سنة أحق من موسى (٥) بالفتوى». أبو بكر بن اللباد، قال: «[لقي] (٦) موسى بن معاوية في رحلته جماعة من الفضلاء، منهم (٧) وكيع بن الجراح والفضيل بن عياض وجرير بن عبد الحميد». وعن موسى بن معاوية (٨)، قال: «لم ألق أحدا أروى (٩) من وكيع (١٠)، وكان يروي خمسة وثلاثين (١١) ألف حديث، يقرؤها علينا ظاهرا على تأليفها ما يشك في حديث منها». وحدث أبو سليمان داود بن يحيى، قال (١٢): «سمعت موسى بن معاوية الصمادحي يقول: رحلت من القيروان ولا أظن أني أرى أحدا أخشع من البهلول بن راشد، حتى لقيت وكيع بن الجراح. وكان يقال إنه يختم في رمضان ختمة وثلثا (١٣) كل ليلة، فبت في مسجده، فدخل معتكفه فقلت: الليلة يبين لي ما قيل لي فيه. فصلّينا التراويح، فخرج إلى صحن المسجد وأنا انظر إليه، فلما أوترنا دخل في مكانه فأحرم وأنا جالس فافتتح فقرأ بأم القرآن، ثم قرأ بعدها البقرة وآل عمران، فأخذتني عيني فنمت. ثم انتبهت وقد ذهب من الليل أكثره وهو يقرأ في «الحواميم»، فجلست حتى ختم، فدخل عليه [ابنه] (١٤) بطبق فيه خبز وتمر وركوة فيها ماء، فقال: «أين المغربي (١٥)؟ » فقمت إليه فقال: «تنال من سحورنا هذا شيئا»، فأكل وأكلت معه، ثم قام فقرأ ثلث القرآن إلى «سورة براءة» ثم ركع وسجد وسلم وجلس موضعه

стр. 410

حتى أقيمت الصلاة فصلّى. ثم جلس في مصلاّه، والطلبة حوله وأنا معهم، حتى ركع الضحى شبيه (١٦) باثنتي عشرة ركعة، ثم تحول فحدث إلى نصف النهار أو قريب من ذلك. ثم رقد في مكانه فقام وقت الظهر فدخل الميضأة، وهي قريبة من المسجد، فتوضأ للصلاة، ثم دخل المسجد فصلى الظهر، ثم قرن (١٧) كعبيه إلى العصر. فكان هكذا الشهر كله، حتى انقضى وأنا معه في المسجد. قال (١٨): ثم رحلت إلى الفضيل فقلت: ما أظن أني أرى أحدا أخشع من وكيع، حتى قدمت مكة فطلبت الفضيل فلم أقدر عليه. فبينا أنا ذات عشية في بعض أزقة مكة فإذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه: «وعدنا الشيخ يحدثنا»، فقلت لهما: «من الشيخ؟ » فقالا: «الفضيل».فاغتديت إلى المسجد الحرام، فصلّى بنا هارون الخليفة صلاة الصبح، فقرأ بنا سورة الرحمن وسورة الواقعة في الركعة [الثانية] (١٩)، فتمنّيت ألاّ يسكت من حسن قراءته، فقمت لأبادر (٢٠)، فجذبني رجل إلى جانبي وقال لي: «تقوم بعد صلاة الصبح مسرعا! » فاعتذرت له بطلبي للفضيل لأسمع منه، فقال: «أتحب أن تراه؟ » قلت: «نعم».فأشار إلى ناحية من المسجد وقال لي: «هناك هو»، فقمت إليه فسمعته يقول: «مسكين هارون! قرأ سورة الرحمن وسورة الواقعة ولا يدري ما فيهما»، ثم قام إلى منزله فدخل وأغلق الباب. وأتى الطلبة من كل مكان، فإذا شيخ آدم، فقال له [الناس] (٢١): اجلس يا أبا عبد الله اقرأ، لعل الشيخ يسمع قراءتك [فيخرج] (٢١). فسألت رجلا إلى جانبي: «من هذا؟ » فقال [لي: هذا] (٢١) صالح (٢٢) المري؛ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا. وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ

стр. 411

يَظْلِمُونَ (٢٣) قال: ففتح الكوة وقال لابنه عليّ: «اخرج بي إلى هؤلاء القوم»، فخرج به وأقعده على مصطبة، فختم القارئ الآية ثم دعا. فقام إليه رجل حسن الوجه [حسن] (٢٤) الإحرام فقال له: «يا أبا عليّ، [ما] (٢٥) تفسير هذه الآية: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ (٢٦)؟ » فقال الفضيل: «حدثني هشام بن حسان عن الحسن أنه قال (٢٧): تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم عودوا فيعودون» (٢٨) فصعق الفضيل (٢٩) وغشى عليه، فحمل إلى داره. فبلغ ذلك هارون الخليفة، فأرسل إلى سفيان بن عيينة وقال له: «إن الفضيل بن عياض فسر آية (٣٠) من القرآن فصعق به، فإذا صليت عشاء الآخرة فواف (٣١) الباب» ثم أمر بعض خدمه فقال [له] (٣٢): «إذا رأيت هذا الشيخ-يعني سفيان-فأدخله إليّ»؛ فأتى سفيان فأدخله إليه، فدعا ببغلة وبدرة، والبدرة ألف دينار، فأمر خادما فحملها وخرج وهو يبكي حتى أتى باب الفضيل، فقرعه سفيان واستأذن، فأذنت له الخادم بالدخول، قال: «أو يدخل من معي؟ » قالت (٣٣): «نعم» فدخلوا، فسلّموا عليه ثم قال له سفيان: «هذا أمير المؤمنين قد جاء عائدا لك».فاستوى الفضيل جالسا، فمد هارون يده إليه وسأله عن أحواله وقال: «عظني يرحمك الله» فقال له الفضيل: «يا حسن الوجه، أنت المسئول عن هذه الرعية غدا».فقال له: «عظني، يرحمك الله» فقال له: «أنت المسئول عن هذه الرعية»، وكرر ذلك ثلاث مرات، فبكى

стр. 412

هارون حتى مسح دموعه بطرف ثوبه، ثم قال له هارون: «هذا شيء أتيناك به، فاستعن به على نفقتك وعيالك»، فقال له الفضيل: «أنا غني عنه» ثم كرر [ذلك] (٣٤) عليه فأبى، فقال له: «ففرّقه على بعض أصحابك» فقال: «إني رجل ضعيف لا أستطيع»؛ فرجع بها هارون معه، ولم يأخذ الفضيل منها شيئا (٣٥). [حدّث] (٣٦) محمد بن وضاح، قال (٣٧): خرج علينا موسى بن معاوية الصمادحي يوما وقد احمر وجهه، فقلنا له: «ما لك يا أبا جعفر (٣٨)؟ » فقال: «جيران لي آذوني في دجاجي».وقد أخبرني أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن خيثمة (٣٩) قال: «إن لي جيرانا ما لهم عندي دينار ولا درهم ولا سألوني حاجة إلا قضيتها. وإني لأبغض إليهم من الكلب الأسود إلى أهله».قيل: «ولم يا أبا عبد الرحمن؟ » قال: «لأنه لا يحب منافق مؤمنا أبدا». وعن موسى بن معاوية عن ابن القاسم أنه قال: «لي اليوم عشرون سنة ما دخلت السوق، ولي عشرون سنة ما دخلت الحمام» قيل: «ولم؟ » قال: «نهاني عنه مالك» فقيل [له] (٤٠): «وكيف تعمل بالنورة؟ » (٤١) قال: «أطلي بها من الشهر إلى الشهر، تطليني بها أم ولدي في البيت». [موسى بن معاوية عن] (٤٢) الحارث بن مسكين قال (٤٣): «كان، والله، ابن القاسم محبا لله ولرسوله. وكانت فيه العبادة والسخاء والشجاعة والورع والزهد».

стр. 413

[موسى بن معاوية] (٤٢) عن ابن عبد الحكم أنه قال: «كان ابن القاسم يصوم الدهر كله». وروى عنه (٤٤) [أنه] (٤٥) قال (٤٦): «ذكر لي رجل بخراسان، فأتيته فأصبته في المسجد يحدث، [فسلّمت عليه] (٤٥)، فقال [لي] (٤٥): «من أين الرجل؟ » فقلت: «من المغرب» فقال: «من أي موضع؟ » فقلت: «من القيروان» قال: «ومن لقيت؟ » قلت: «الفضيل ووكيعا وأبا معاوية (٤٧) الضرير» فقال لي: «ما أظنك تريد بهذا الله ، أما كان يكفيك أن تجعل أحدهم لدينك؟ ولكنك أردت أن تقدم بلدك فتقول: لقيت فلانا وفلانا. والله لا أسمعتك (٤٨) إلا ثلاثة أحاديث لعنائك! ».فأخذت كتبه، فانتخبت منها ثلاثة أحاديث رويتها عنه، ثم خرجت من الغد إلى جرير بن عبد الحميد [الضبي] (٤٩). وهذا إشفاق من الرجل على موسى خيفة أن تؤديه رغبته في كثرة الرواية إلى أن يروي عن الضعيف والمتروك، كما قال مالك، رحمه الله تعالى، لولدي (٥٠) أخيه وهما أبو بكر وإسماعيل ابنا أبي أويس لما رأى حرصهما على كثرة (٥١) الرواية (٥٢): «إن أردتما أن ينفعكما الله [به] (٥٣) فأقلاّ منه وتفقها». وقال سحنون (٥٤): «كنا نرابط بالمنستير في شهر رمضان، وكان موسى أكثرنا صلاة (٥٥) فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من رمضان طبقها من أولها إلى آخرها (٥٦)، فإذا

стр. 414

أصبح قال: «توجهوا بنا إلى القيروان» فنقول له: «أقم بنا حتى نعيّد (٥٧) ها هنا» فيقول: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من شهر رمضان (٥٨)، فإذا مضت ليلة سبع وعشرين رئيت فيه الفترة» (٥٩)، قال: «فلا نجد بدا من مساعدته (٦٠)، فإذا أشرف على القيروان حرك دابته وقال: «إن رسول الله ﷺ [كان] (٦١) إذا قفل من حج أو عمرة فأشرف على المدينة أوضع راحلته (٦٢) وقال: «أسرعوا بنا إلى بنات الأقوام». قال فرات: ثم قال لي سحنون: «ويحك، اطلب لي هذا الحديث لموسى» فطلبته، فأصبته لموسى عن عيسى بن يونس السبيعى بإسناده إلى النبي ﷺ ». قال أبو سهل فرات (٦٣): حضرت موسى [بن معاوية] (٦٤) وقد أتاه رسول الأمير زيادة الله [بن إبراهيم] (٦٤) يسأله عن عمود في مسجد خرب بالساحل أراد أن يحوله (٦٥) إلى المسجد الجامع، يجعله (٦٦) مع صاحب له، فقال موسى: «لا تحركه من الموضع الذي هو فيه»، ثم قال موسى: «حدثني سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم،

стр. 415

عن سعيد بن المسيّب، أن عمر بن الخطاب (٦٧) لما بنى مسجد مكة (٦٨) أراد أن يدخل أرضا للعباس ليعتدل (٦٩) بها المسجد، فمنعه العباس وقال: «أرضي وملكي» فقال له عمر: «الأرض أرض الله، والمسجد مسجد الله» فقال له العباس: «بيني وبينك رجل من المسلمين يحكم بيني وبينك» فتراضيا بأبيّ [بن كعب فسا] را (٧٠) إلى أبيّ فضربا عليه الباب، فخرج إليهما، فلما رأى عمر قال: «يا أمير المؤمنين، ألا أرسلت إليّ حتى آتيك؟ » فقال له عمر: «إن ا [الحاكم يؤتى] (٧١) إليه ولا يأتي إلى أحد، وإني والعباس تشاجرنا في أمر وحكمناك فيه».ثم دخلا معه داره، فأخذ وسادة فألقاها إلى عمر فنبذها عمر برجله وقال له: «هذا أول جورك، اجلس أنت عليها» فجلس أبيّ عليها، ثم ذكر له عمر القصة، فقال له: «يا أمير المؤمنين، إن الله أوحى إلى داود ﵇ «أن ابن لي بيتا في الأرض أقدسه وأشرفه وأعظمه وأذكر فيه»؛ فوضع داود يده فيه فبنى أساسه، وهو «بيت المقدس»، ثم أتمه بعده ولده سليمان. فلما أخذ في إتمامه إذا فيه بيت لامرأة من بني إسرائيل لا يعتدل المسجد إلا به، فأعطاها سليمان فيه عطاء، فلم ترض، فأمسك سليمان عن البناء، فأوحى الله إليه: «يا سليمان إن كنت إنما تعطي من عندك فأمسك، وإن كنت إنما تعطي من عندي فأعط» فأعطاها سليمان حتى رضيت. فما أرى يا أمير المؤمنين الحق إلا للعباس، فأرضه» (٧٢)، فقال العباس: «ألست قد حكمت لي؟ » قال: «نعم»، قال: «فإني أشهد الله وأشهدك أني تركت أمير المؤمنين يدخله في المسجد. وتركته (٧٣) لله تعالى»؛ رضي الله تعالى عن جميعهم.

стр. 416

وحدث موسى، قال: «لما خرجت أريد جريرا (٧٤) «بالري» من بلد خراسان، صحبني شاب عليه جبة صوف وكساء صوف راجلا (٧٥)، فقلت له: «إلى أين تريد؟ » قال: «إلى جرير» فقلت له: «فالطريق واحدة».فوصلنا إليه نصف النهار، فجلسنا على بابه في ظل حائط، حتى خرج متوكئا على عصا يريد الأذان في المسجد والصلاة فيه، فسلمنا عليه فقال: «أين بلدكم؟ » فقلت: «إفريقية» فقال: «إفريقية! » يستعظم ذلك، وقال: «ثم إلى أين؟ » فقلت له: «ثم إليك، يرحمك الله» قال: فرق لنا ثم قال: «ادخلا المسجد لتصليا (٧٦)» ثم أذن وصلينا معه، ثم أخرج كتابه فقرأ لنا، وأنا أمسك كتابي معه والشاب جالس وليس معه كتاب. فانصرفنا إلى الموضع الذي نزلنا فيه والشاب معي، فلما جلسنا نتذاكر ما حدثنا به الشيخ قال لي الشاب: حدث (٧٧) فلان عن فلان، فقلت له: «عن فلان عن فلان» فقال: «ليس كذا قرأ الشيخ (٧٨)، اقرأ: «فلان عن فلان» فقمت إلى الكتاب فأصبته كما قال. فلم يزل الشاب معي حتى فرغنا من كتب جرير بن عبد الحميد، ثم انصرفنا، فضاق صدري، فكاشفت الفتى فقلت له: «أين كتبك؟ » فتبسم ثم قال لي: «يا أبا جعفر، أخرج إليّ أي كتاب شئت» فأردت الاستقصاء عليه، فأخرجت إليه كتابا فقال: «أي كتاب هو؟ » فنسبته له، فقال لي: «اسمع»، فاندفع يقرؤه ظاهرا، فرأيت منه قدرة الله، فقلت له: «حسبك، يكفيك».

стр. 417

١٢٨ - ومنهم أبو محمد عون بن يوسف الخزاعي (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان [رجلا] (٢) صالحا ثقة مأمونا. حدثني عنه ابنه يحيى أنه قال: «قدمت المدينة سنة ثمانين ومائة (٣)، وأدركت بها أربعين رجلا من معلمي ابن وهب رحمه الله تعالى». قال أبو العرب (٤): وكانت له، رحمه الله تعالى، حبة من شعير (٥)، في حين كان يبيع الكتان، إذا أعطى جعلها مع المثقال وإذا أخذ جعلها مع الدراهم التي يأخذ فيعطى بزيادة [حبة] (٦) ويأخذ بنقصان [حبّة] (٦)؛ وذكر عنه أبو العباس (٧) بن طالب، قال (٨): سمعت عون بن يوسف يقول: «إني لأحب أن ألقى الله وأنا طالب». وكان يقول (٩): «لا يبالي من لقي الله على الإسلام والسنة على أي جنب لقي الله تعالى».قال: فقال له ولده: «وإن كثرت ذنوبه؟ » فقال: «نعم»، فاستعظمت ذلك وتعجبت منه، فقال لي: «وتلك الذنوب كلها تدخل في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء». وروى عنه (١٠)، رحمه الله تعالى، أنه عاد رجلا مبتلى فقال له عون: «وهب الله

стр. 418

لك العافية» فقال المبتلى: «لا تفعل يا أبا محمد، فإني إذا وجدت العافية سكنت عروقي وجوارحي فلم أناج ربي، وإذا ضربت عليّ عروقي ناجيت ربي سبحانه». أخبرني سليمان بن سالم عنه، قال (١١): كنت جالسا عنده، فأتاه ثلاثة من المبتلين (١٢) فقالوا: «مات عندنا رجل يقول بخلق القرآن، فما نصنع به؟ » فقال: «إن وجدتم/من يكفيكم مؤنته فلا تقربوه»، فسكتوا ثم أعادوا السؤال ثانية فأجابهم بمثل الأول. ثم أعادوا السؤال ثالثة، فأجابهم بمثل ذلك، فقالوا: «لا نجد من يكفينا مؤنته» فقال لهم: «اذهبوا فواروه من أجل التوحيد».قال سليمان: «يريد تغسلونه وتكفنونه وتصلون عليه وتدفنونه». قال أبو الحسن بن الخلاف بخطه: قال عون بن يوسف: «إذا أردت أن تكفر القدري فقل له: «ما أراد الله من خلقه؟ » فإن قال: «أراد منهم الطاعة» فقد كفر، لأن منهم من عصى، وكل إله لا تتم طاعته فليس بإله. وإن قال: «أراد منهم المعصية» فقد كفر، لأن منهم من أطاع وكل إله لا تتم إرادته فليس بإله». قال: «فإن قال لك المسئول: «ما أراد منهم؟ » فقل: «أراد منهم الذي أراد لهم والذي كان لهم» -يريد ما سبق لهم عنده في اللوح المحفوظ. قال عون (١٣): ولقد بلغ بعض [الخلفاء] (١٤) أن رجلا تكلم في القدر، فبعث إليه ونهاه، فقال: «يا أمير المؤمنين، ابعث إليّ من يكلمني، فإن ظفر بي فاقتلني، وإن ظفرت به فما لك عليّ سبيل».فبعث في طلب الأوزاعي فأتاه فأخبره بما قال الرجل، وقال: «خاطبه وحاججه» [والله لئن ظفرت به لأقتلنّه] (١٤). فقال له الأوزاعي: «أسألك أو تسألني؟ » فقال له القدري: «سلني ولا تكثر» فقال له الأوزاعي: «هل علمت أن الله قضى على ما (١٥) نهى عنه؟ » قال القدري: «ما عندي من هذا علم» فقال له الأوزاعي: «هل علمت أن الله تعالى حال دون ما أمر به؟ » فقال: «هذه أعظم من الأولى، ما عندي من هذا علم» قال

стр. 419

له الأوزاعي: «هل علمت أن الله أعان على ما حرّم؟ » فقال: «هذه أعظم من الاثنتين، ما عندي من هذا علم» فأمر به الخليفة فقتل، ثم قال (١٦) للأوزاعي: «يا أبا عمرو (١٧)، تكلّمت ففسّر» فقال: «سألته عن ثلاث كلمات من كتاب الله تعالى؛ قلت له: «هل علمت أن الله قضى على ما نهى (١٨) [عنه] (١٩)؟ »، فإن الله تعالى نهى آدم عن أكل الشجرة، وقضى عليه بأكلها. وقلت له: «هل علمت أن الله حال دون ما أمر به؟ »، أمر إبليس لعنه الله تعالى بالسجود لآدم وحال بينه وبين ذلك. وقلت له: «هل علمت أن الله أعان على ما حرم؟ »، فإنه حرم الميتة وأعان المضطر على أكلها». قال بكر بن حماد (٢٠): لما فرغت من قراءة كتبي كلها على عون-وهي كتب ابن وهب-قلت له: «يا أبا محمد، كيف كان سماعك من ابن وهب؟ » فقال لي: «يا بني، أقال لك أحد فينا شيئا (٢١)؟ » ثم قال لي: «والله ما أحب أن يعذب الله أحدا من أمة محمد ﷺ بسببي بالنار؛ أبطل الله سعيه وصومه وصلاته وسائر عمله (٢٢) إن كنت أخذتها من ابن وهب إلا [قراءة]: (٢٣) قرأت عليه أنا وقرأ عليّ، ولو كانت إجازة لقلت إنها إجازة. وقد حضرت ابن وهب وأتاه رجل بكتبه في تليّس فقال له: «يا أبا محمد، هذه كتبك»، فقال له ابن وهب: «صححت، وقابلت؟ » فقال: «نعم» فقال له: «اذهب فحدّث [بها] (٢٣) فقد أجزتها لك، فإني حضرت مالكا وقد فعل (٢٤) [مثل] (٢٣) ذلك» (٢٥).

стр. 420

١٢٩ - ومنهم أبو سنان زيد بن سنان الأسدي (*)، رضي الله تعالى عنه . كان [رجلا صالحا] (١) ثقة مأمونا فقيها. قال أبو العرب (٢): وكان سعيد بن الحداد يقول: «ما سمعت الدنيا تذكر (٣) عنده قط».ولقد كان من تواضعه يحمل الخبزة على يده إلى الفرن فيراوده الطلبة على أن يحملوها له فيأبى إلا أن يحملها بنفسه تواضعا. قال أبو سنان (٤): كان بالمدينة رجل يصلي كل وقت تحل فيه الصلاة، فإذا جاء وقت لا تحل فيه الصلاة ألقى ظهره على الحصى (٥) في المسجد ورفع رجله على جدار المسجد ثم قال: اللهم امنن عليّ بلقائك حتى أستريح، فإنه لا راحة لمن عرفك حتى يلقاك. قال سليمان بن سالم (٦): قال لي أبو سنان: «يا سليمان، إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟ ». وكان (٧)، رحمه الله تعالى، لا يتكلم أحد في مجلسه بغيبة أحد، وإذا هم بذلك أحد نهاه وأسكته. قال أبو سنان (٨): كتب إليّ عبد الرحمن بن أبي الغمر (٩) كتابا، فكان فيما كتب به إليّ: «عليك يا أخي بنفسك، فلها فاعمل، وعلى حظها فاحرص، وعلى دوام بقائها بالنعيم (١٠) المقيم فقم لها بذلك، فكأن قد حجبت عن القيام بما ذكرت لك

стр. 421

[فاغتنم ذلك] (١١) ما كان لله (١٢) مبذولا، واعلم أنك لا تقوى (١٣) على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره، فعند ذلك تقوى على ما تريد ويهون عليك طلب ذلك وتقدر عليه إن شاء الله تعالى، وأبعد ما تكون منه حين تعطي نفسك مناها وتدرأ عنها ما تكره، واعلم أن ذلك بالله ومنه. فعليك بالاستعانة بالله (١٤) في ذلك، فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيتك». (١٥)

стр. 422

١٣٠ - ومنهم أبو البشر (١) زيد بن بشر (٢) بن عبد الرحمن الأزدي (*). كان أصله من مصر فقدم مدينة القيروان (٣). وكان فاضلا (٤)، رحمه الله تعالى. ذكر [أبو] (٥) سعيد بن أخي هشام، قال (٦): كان طريق بشر على سوق الخرّازين (٧) فأقبل يوما يريد الجامع (٨) وحوله الطلبة، فإذا بشاب خرّاز يقول لجار له (٩): «ما رأيت أوحش من هذا الشيخ ولا أوحش لباسا من لباسه».وكان زيد يلبس المفرج (١٠)، فلما سمع ذلك زيد نكس رأسه وتمادى إلى الجامع. فلما انصرف من الجامع عاوده الشاب بقبيح اللفظ، فانصرف زيد ولم يلتفت إليه، فاتفق طلبة زيد على أنهم يضربون

стр. 423

الشاب، فلما بلغ ذلك زيدا قال: «ما هذا الذي أردتم؟ و [ما] (١١) الذي بلغني أنكم تنفستم به في شأن الشاب؟ » فقالوا: «هو ما قيل لك، أصلحك الله، لاستخفافه بحقك وامتهانه لقدرك وعلمك» فقال لهم: «أعطي الله عهدا إن تقدم إليه أحد منكم إلا بالتي هي أحسن [ما] وطئ (١٢) لي بساطا. أنا أصلح شأن الشاب».فصرّ صرة فيها عشرة دراهم، وجعلها في جبته (١٣)، واستعمل لفردة (١٤) نعل من/نعليه قبالا (١٥) واهيا، ثم توجه إلى الجامع. فلما مر بالشاب عاود اللفظ القبيح حسب عادته، فلما حاذاه اتكأ على القبال فقطعه، ثم مال إلى الشاب فسلم عليه ثم قال: «أي بني، لعل عندك قبالا (١٦)؟ » فأعطاه قبالا، فدفع إليه بالصرة، فقال له الشاب: «ما بال هذه الصرة؟ » فقال: «إنك صنعت لي هذا القبال، فهو مكافأة لك عليه» وانصرف مع الطلبة إلى الجامع. فلما انصرف من الجامع وقرب من حانوت الشاب قام الشاب على قدميه وقال: «الحمد لله الذي اختص بلدنا بهذا الشيخ الفاضل»، ثم قال: «اللهم أبقه لنا واحرزه للمسلمين، فلقد انتفع به شبابنا وحظي به شيوخنا. ليت في بلدنا آخر مثله». استعمل، رحمه الله تعالى، أدب ما أنزل في كتابه: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقّاها إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (١٧).

стр. 424

١٣١ - ومنهم أبو الوليد مروان (*) بن أبي شحمة (١) المسلي (٢) الإفريقي-﵀ تعالى. قال أبو العرب (٣): كان ثقة مستجابا فاضلا. وهو مولى آل عامر (٤) بن نافع. سمع من وكيع بن الجراح ومن عبد الرحمن بن مهدي. وكان سحنون يعرف فضله. سمع منه أحمد بن وزان (٥) الصواف. قال (٦): وبعث في طلبه بعض أمراء بني الأغلب في أمر نسب إليه (٧)، فأقبل، وقت دخوله إلى الأمير، خصيّ (٨) بيده عود أو طنبور، فأخذه مروان من يده بنزع عنيف [فكسره] (٩). فدخل [الخصي] (٩) على الأمير وقال: «شيخ بالباب كسر من يدي كذا وكذا»، وخرق الخصي ثيابه لعظم ما نزل به عند نفسه. فلما دخل مروان على الأمير عاتبه فيما صنع، فقال: «نعم، رأيت منكرا فغيرته» فلم يراجعه الأمير، ثم عافاه الله تعالى منه وخرج. وحدث عبد الرحمن ابنه فقال (١٠): كان أبي يعمل الطوب بيده، فيتصدق بثلث

стр. 425

ما يربح فيه، وينفق الثلث الثاني، ويرد ثلثا في الطين والتبن وفيما يصلح به عمل الطوب. قال: ولم يكن له سرير يرقد عليه، إنما كان قد نصب طوبا [فعليه] (١١) ينام [في بيته] (١١). وقال غير أبي العرب: كان مروان رجلا صالحا متقللا من الدنيا. وكان (١٢) يهجّر (١٣) إلى الجامع وعليه تأزير (١٤) مرتديا بإزار آخر. وكان إذا جنّه الليل ينادي (١٥): «إلهي، لئن كنت أطلت في الدنيا جهدي وتطيل شقائي في الآخرة لقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم»، ثم يبكي حتى يغشى عليه. ويقول عند ذلك: «قال مالك بن دينار: إن كنت تحب البقاء فعليك بدار تعافى فيها فلا تسقم، ولا تشيب فيها ولا تهرم، وتقيم فلا تظعن، وتعيش فلا تموت» -يعني الجنة. ١٣٢ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عياض (*) المعلم . قال أبو العرب (١): كان رجلا صالحا ثقة عالما بتعبير الرؤيا، وله سماع من البهلول وغيره.
следующие страницы →