← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[فاغتنم ذلك] (١١) ما كان لله (١٢) مبذولا، واعلم أنك لا تقوى (١٣) على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره، فعند ذلك تقوى على ما تريد ويهون عليك طلب ذلك وتقدر عليه إن شاء الله تعالى، وأبعد ما تكون منه حين تعطي نفسك مناها وتدرأ عنها ما تكره، واعلم أن ذلك بالله ومنه. فعليك بالاستعانة بالله (١٤) في ذلك، فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيتك». (١٥)

стр. 422

١٣٠ - ومنهم أبو البشر (١) زيد بن بشر (٢) بن عبد الرحمن الأزدي (*). كان أصله من مصر فقدم مدينة القيروان (٣). وكان فاضلا (٤)، رحمه الله تعالى. ذكر [أبو] (٥) سعيد بن أخي هشام، قال (٦): كان طريق بشر على سوق الخرّازين (٧) فأقبل يوما يريد الجامع (٨) وحوله الطلبة، فإذا بشاب خرّاز يقول لجار له (٩): «ما رأيت أوحش من هذا الشيخ ولا أوحش لباسا من لباسه».وكان زيد يلبس المفرج (١٠)، فلما سمع ذلك زيد نكس رأسه وتمادى إلى الجامع. فلما انصرف من الجامع عاوده الشاب بقبيح اللفظ، فانصرف زيد ولم يلتفت إليه، فاتفق طلبة زيد على أنهم يضربون

стр. 423

الشاب، فلما بلغ ذلك زيدا قال: «ما هذا الذي أردتم؟ و [ما] (١١) الذي بلغني أنكم تنفستم به في شأن الشاب؟ » فقالوا: «هو ما قيل لك، أصلحك الله، لاستخفافه بحقك وامتهانه لقدرك وعلمك» فقال لهم: «أعطي الله عهدا إن تقدم إليه أحد منكم إلا بالتي هي أحسن [ما] وطئ (١٢) لي بساطا. أنا أصلح شأن الشاب».فصرّ صرة فيها عشرة دراهم، وجعلها في جبته (١٣)، واستعمل لفردة (١٤) نعل من/نعليه قبالا (١٥) واهيا، ثم توجه إلى الجامع. فلما مر بالشاب عاود اللفظ القبيح حسب عادته، فلما حاذاه اتكأ على القبال فقطعه، ثم مال إلى الشاب فسلم عليه ثم قال: «أي بني، لعل عندك قبالا (١٦)؟ » فأعطاه قبالا، فدفع إليه بالصرة، فقال له الشاب: «ما بال هذه الصرة؟ » فقال: «إنك صنعت لي هذا القبال، فهو مكافأة لك عليه» وانصرف مع الطلبة إلى الجامع. فلما انصرف من الجامع وقرب من حانوت الشاب قام الشاب على قدميه وقال: «الحمد لله الذي اختص بلدنا بهذا الشيخ الفاضل»، ثم قال: «اللهم أبقه لنا واحرزه للمسلمين، فلقد انتفع به شبابنا وحظي به شيوخنا. ليت في بلدنا آخر مثله». استعمل، رحمه الله تعالى، أدب ما أنزل في كتابه: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقّاها إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (١٧).

стр. 424

١٣١ - ومنهم أبو الوليد مروان (*) بن أبي شحمة (١) المسلي (٢) الإفريقي-﵀ تعالى. قال أبو العرب (٣): كان ثقة مستجابا فاضلا. وهو مولى آل عامر (٤) بن نافع. سمع من وكيع بن الجراح ومن عبد الرحمن بن مهدي. وكان سحنون يعرف فضله. سمع منه أحمد بن وزان (٥) الصواف. قال (٦): وبعث في طلبه بعض أمراء بني الأغلب في أمر نسب إليه (٧)، فأقبل، وقت دخوله إلى الأمير، خصيّ (٨) بيده عود أو طنبور، فأخذه مروان من يده بنزع عنيف [فكسره] (٩). فدخل [الخصي] (٩) على الأمير وقال: «شيخ بالباب كسر من يدي كذا وكذا»، وخرق الخصي ثيابه لعظم ما نزل به عند نفسه. فلما دخل مروان على الأمير عاتبه فيما صنع، فقال: «نعم، رأيت منكرا فغيرته» فلم يراجعه الأمير، ثم عافاه الله تعالى منه وخرج. وحدث عبد الرحمن ابنه فقال (١٠): كان أبي يعمل الطوب بيده، فيتصدق بثلث

стр. 425

ما يربح فيه، وينفق الثلث الثاني، ويرد ثلثا في الطين والتبن وفيما يصلح به عمل الطوب. قال: ولم يكن له سرير يرقد عليه، إنما كان قد نصب طوبا [فعليه] (١١) ينام [في بيته] (١١). وقال غير أبي العرب: كان مروان رجلا صالحا متقللا من الدنيا. وكان (١٢) يهجّر (١٣) إلى الجامع وعليه تأزير (١٤) مرتديا بإزار آخر. وكان إذا جنّه الليل ينادي (١٥): «إلهي، لئن كنت أطلت في الدنيا جهدي وتطيل شقائي في الآخرة لقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم»، ثم يبكي حتى يغشى عليه. ويقول عند ذلك: «قال مالك بن دينار: إن كنت تحب البقاء فعليك بدار تعافى فيها فلا تسقم، ولا تشيب فيها ولا تهرم، وتقيم فلا تظعن، وتعيش فلا تموت» -يعني الجنة. ١٣٢ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عياض (*) المعلم . قال أبو العرب (١): كان رجلا صالحا ثقة عالما بتعبير الرؤيا، وله سماع من البهلول وغيره.

стр. 426

أقام (٢) خمس عشرة سنة يشتهي [التمر] (٣)، فاشتري له منه رطل. فلما مرض [قال] (٣) لهم: «انظروا التمر (٤) في الطاق فتصدقوا به».ومات ولم يأكله، رحمه الله تعالى. ١٣٣ - ومنهم أبو جعفر عبد الله بن محمد (*) بن علي الدغشي (١)، رحمه الله تعالى. ذكر أبو العرب أنه كان ضعيفا في الحديث (٢). وذكر غيره أنه كان من العلماء الزهاد، وأنه كتب إلى سهل بن يونس (٣) كتابا يسأله فيه أن يعظه ويكتب إليه بحاله، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت إليّ تسألني عن حالي؛ وما عسى أن أخبرك به من حالي وأنا بين خصال موجعات أبكاني منهن أربع: [حبّ عيني] (٤) للنظر (٥)، ولساني للفضول (٥)، وقلبي للرئاسة (٥)، وإجابتي (٦) إبليس لما يكره الله مني. وأمرضني مثلها: عين لا تبكي للذنوب المثبتة، وقلب لا يخشع عند الموعظة، ومعرفة كلما قلبتها لم أحمدها، وحب المحمدة من الخلق. وأضناني مثلها: عدمت خير زاد الآخرة وهو التقوى، وحرمت خير خصال الإيمان وهو الحياء، وبعت أيامي بمحبتي الدنيا، وضيّعت قلبا لا أقتني مثله أبدا؟ ».

стр. 427

١٣٤ - ومنهم عباس (١) بن عبد الله الضرير (*). كان مكفوف البصر، وكان من [أهل] (٢) الفضل والعبادة، كثير الحزن والبكاء. حدث جبلة بن حمود عن عون بن يوسف، قال (٣): كان عباس الضرير ينادي إذا أجنّه (٤) الليل: «ليت شعري، إلى متى تحبسني؟ أنت تعلم أني لا أريد من الدارين غيرك، فعجل راحتي». وكان (٥) يحيي الليل صلاة، فإذا طلع الفجر وأصبح يقول: يا ابن آدم، إنه ليس أحد أبرّ منه بخلقه، ولا أعلم بالدنيا وضررها من خالقها، فكان من بره بهم (٦)؛ أن أراد لهم ما يبقى (٧) وكره لهم ما يفنى، فقال ﵎: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (٨) الآية، ثم يقول: «إلهي، لاطفت العصاة حتى كأن بك الحاجة إليهم، وقد طال صبري عنك ولا بد لي منك»؛ ثم يندفع في النياحة. ١٣٥ - ومنهم أحمد بن أبي محرز القاضي (**)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو بكر بن اللّبّاد (١): إنه لم يحكم في قضائه منذ ولي حتى مات إلا بحكم واحد: يقال إنه حكم في حمار وغرم ثمنه (٢)، وذلك أنه ولي القضاء مكرها في شهر رمضان سنة عشرين ومائة، فأقام على القضاء تسعة أشهر ثم توفي.

стр. 428

قال أبو العرب (٣): كان أحمد بن أبي محرز ورعا، لم يحكم بحكم حتى مات. وكان سحنون إذا تكلم فيمن تقدمه من القضاة لم يتكلّم فيه إلا بخير [لفضله] (٤). وكان (٥) سبب توليته القضاء أن الناس احتاجوا إلى قاض، وكانوا في ذلك الوقت إذا عرض القضاء على أحد امتنع من ذلك، فجمعهم الأمير عنده في مقصورة وقال لهم: «ليس تخرجوا من عندي من هذا المكان حتى تشيروا عليّ بقاض أوليه على المسلمين» فامتنعوا من ذلك. فلما رأى الأمير ذلك دسّ عليهم من عنده عينا وقال [له] (٦)، : «انظر إليهم وقت الصلاة من يقدمونه يصلّي بهم»، /فرجع إليه الرسول فأخبره أنهم قدموا على أنفسهم أحمد بن أبي محرز، فقال الأمير: رضوه لدينهم رضيته أنا للدنيا (٧)».فعندها أجبره على القضاء وأطلق الباقين. فلما ولي القضاء اشترط على الأمير ألاّ يقبل من أحد من أقاربه أو حشمه أو من يلوذ به وكيلا. وقال (٨) من له عناية بأخبار القضاة: تخاصم رجل من أهل القيروان مع رجل يعنى به عليّ بن حميد الوزير في دار من دور مدينة القيروان بقرب موضع يعرف «بسقيفة المساكين» «بالسماط الأعظم»، فلما نشبت الخصومة في هذه الدار عند أحمد بن أبي محرز وجب عقلها (٩) حتى يفصل (١٠) فيها، فطبعها (١١) على الرجل الذي كان يعنى به

стр. 429

عليّ بن حميد. فمضى ذلك الرجل إلى عليّ بن حميد فأخبره، فأمر عليّ بن حميد بحل الطابع-وذلك أن عليّ بن حميد هذا [كان] (١٢) من دولة بني الأغلب بمحلّ الوزارة ورفيع الرئاسة، حتى كان بنو الأغلب يدعونه «العم» -فمضى الرجل المطبوع [له] (١٣) إلى أحمد ابن أبي محرز وهو جالس في مجلس قضائه بجامع القيروان فأخبره بذلك. فغضب القاضي وضم (١٤) ديوانه (١٥) ومضى إلى داره، وأخذ سجلّ ولايته ومضى إلى القصر (١٦) القديم نصف النهار وقت قائلة الأمير زيادة الله، فوافق مسرورا (١٧) الحاجب وسأله الإذن على الأمير، فمنعه من ذلك وقال: «ليس هذا وقت إذن» فقال له أحمد القاضي: «وتمنعني من بابه؟ » فقال له: «لا أمنعك ولا آمرك» فأتى أحمد القاضي إلى باب قصر زيادة الله فقرع حلقته، فخرجت والدة زيادة الله من مقصورتها فزعة، فقيل لها: «القاضي أحمد يريد الإذن [على] (١٨) الأمير لأمر أهمه». فأتت إلى مقصورة زيادة الله وهو نائم على سريره مع بعض حرمه، فحركت حلقة الباب، [فقال] (١٨) الأمير: «من هذا؟ » فقالت: «الوالدة» فقال: «وما حاجتك؟ » فقالت: «القاضي بالباب، وذكر أنه أتى في أمر دهمه» فأذن له بالدخول عليه، [فدخل، وسلم] (١٨) عليه بالإمارة وقص عليه قصته وقال: «هذا سجلّك، فإن رأيت أن تعافيني فإن الله تعالى يجزل مثوبتك» فكان جوابه: [لا تغضب] (١٩)، اجلس خارج القصر حتى أريك ما أفعله». قال: [فخرج] (١٩) أحمد إلى سقيفة القصر وقام زيادة الله فاغتسل ولبس ثيابه

стр. 430

وركب وجمع جنده حوله، وركب أحمد القاضي معه يحادثه ولا يدري أين يتوجه الأمير، حتى دخل من «باب أبي الربيع».ووقف على باب المسجد المعروف «بمسجد المقرعة» (٢٠) بالقرب من الجامع، فقال لأحمد: «أين الدار التي أمرت بطبعها؟ » فقال: «هذه هي» فقال: «اجعل عليها طابعا» ففعل ذلك، وختم بطابع الأمير زيادة الله، ثم عطف على أحمد فقال: «إنّا نرضيك يا قاضي». فلما سمع عليّ بن حميد بذلك (٢١) ومجيء الأمير ووقوفه «بالسماط الأعظم» خرج راجلا حتى أتاه، فكان من زيادة الله إلى عليّ كلام خشن، وقال له في كلامه: «والله لولا واجب قديم صحبتك ما جعلت طابعه إلا على رأس من حلّه! من تنقّص قاضيّ فإنما تنقّصني وحلّ من أمري».ثم رجع الأمير زيادة الله إلى قصره، فكان من ذلك بالقيروان رجة عظيمة. وتبرّأ عليّ بن حميد من ذلك الرجل وودّ لو أن حياته انقضت قبل ذلك. وجرى مثل ذلك غير ما مرة، فرحمة الله تعالى ورضوانه على الأمير وعلى قاضيه. وكان (٢٢) زيادة الله يقول: «ما أبالي، إن شاء الله، ما (٢٣) قدمت عليه يوم القيامة وقد قدّمت أربعة قبل وفاتي»، قيل: «وما هي؟ » قال: «بنائي المسجد الجامع بالقيروان، أنفقت فيه ستة وثمانين ألف دينار، وبنائي «القنطرة» «بباب أبي الربيع»، وبنائي «الحصن بسوسة» (٢٤)، وتوليتي أحمد بن أبي محرز قضاء إفريقية». وسمع ابن زرقون (٢٥) يحكي: أنه تخاصم رجل أبزاري مع رجل آخر عند أحمد بن

стр. 431

أبي محرز، فراجع الأبزاري ابن أبي محرز وجفا عليه، فأمر بأدبه. فلما كان في تلك الليلة راجع ابن [أبي محرز] (٢٦) القاضي نفسه في أمر الأبزاري فوقع عنده أنه أنتصر لنفسه، فلما أصبح وجه في طلب الأبزاري ليتحلل منه، فوجده قد رحل إلى المشرق للحج، فلحقه إلى مدينة «قلشانة» (٢٧) فاجتمع معه وسأله [أن] (٢٦) يحلله، فحلله (٢٨) فرجع. فلما صار في بعض الطريق قال في نفسه: «رجل فعلت به ما فعلت في جماعة من المسلمين سألته أن يحللني بيني وبينه؛ هذا لا يصلح» (٢٩)، [فرجع] (٣٠) إلى رفقة (٣١) الحاج وجلس في وسط الناس وطلب الأبزاري، وجمع الرفقة وأعلمهم بالقصة، وسأل الأبزاري بحضرتهم أن يحلّله أو يقتص منه، فحلّله الأبزاري وقال: «ما أردت، أصلحك الله، إلا خيرا. وأنا رفعت كلامي عليك ولم أجلّ القضاء، وقد أخطأت فيما فعلت وأنت في حلّ مما أمرت به وفي سعة في الدنيا والآخرة عن طيب نفس مني»، فشكره على ذلك ودعا الناس لابن أبي محرز وشكروه على ذلك وبكوا لفرقته، وانصرف إلى مدينة القيروان. فرحم الله ابن أبي محرز (٣٢): حاسب نفسه قبل أن يحاسب، ولم يتقلد لأحد قلادة يطالب بها يوم القيامة، فلقي الله تعالى خفيف الظهر. وكان كثير البكاء غزير الدمعة؛ قال عبد الله الربعي: ذكر (٣٣) يوما في مجلس ابن أبي محرز أن عمر بن عبد العزيز عزم على إبراهيم بن أبي عبلة (٣٤) أن يوليه القضاء فامتنع من ذلك إبراهيم، فشدّد عليه عمر في ذلك فقال إبراهيم: «يا أمير المؤمنين،

стр. 432

بيني وبينك كتاب الله » قال: «وما هو؟ » قال: «قوله تعالى: (إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماااتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها) (٣٥) [فلم ي] (٣٦) كرهها (٣٧) على حملها ولا عتب (٣٨) إذ أشفقت منها». فبكى ابن أبي محرز عند ذلك بكاء عظيما حتى انصرف الناس، /ولم ينتفع به باقي يومه ذلك. ولم يزل قاضيا بالقيروان لزيادة الله حتى توفي (٣٩)، وكانت ولايته تسعة أشهر. ولما احتضر أحمد (٤٠)، قال لابنه عمران (٤١): «إني أظن هذا الملك-يعني زيادة الله-إذا أنا متّ يبعث (٤٢) إليّ بكفن وحنوط ويصلّي عليّ، فإذا أنا مت فاستر موتي وغسّلني (٤٣) وكفني وحنطني وصل (٤٤) عليّ أنت ومن حضرك من أهل خاصتنا، ثم أظهر موتي وأخرجني إلى قبري»؛ ثم مات رحمه الله تعالى، وفعل عمران ما أمره. فلما أخرجه وصار على باب داره، وافاهم «خلف» الخادم من عند الأمير زيادة الله ومعه اثنا عشر ثوبا وبرمة فيها مسك، فقال: يا عمران ما هذا الذي صنعت؟ » [فقال له: ما كان عندنا علم من هذا الذي صنعتم] (٤٥) قال: فلا بدّ (٤٦) أن تدخلوا هذه الثياب في كفنه؟ » فقال: «ليس إلى هذا سبيل، ولا يصلح هذا».فأخذ خلف

стр. 433

الخادم تلك البرمة وفرّغها (٤٧) على كفن أحمد القاضي حتى أتى على آخرها، ومضوا به، فلقيهم. زيادة الله عند المصلّى، فنزل وصلّى عليه، وحضر دفنه وعزى عمران ولده. ثم قال زيادة الله: يا أهل القيروان، ما لكم عند الله من [خير، ولو أراد بكم] (٤٨) خيرا لم يزل أحمد [فيكم] (٤٨) وبين (٤٩) أظهركم (٥٠) وإنما استكفاه أموركم تسعة أشهر». ١٣٦ - ومنهم أبو عبد الملك (١) الملشوني (*) وابنه اسحاق. قال أبو العرب (٢): حدث عن مقاتل بن سليمان وغيره، وحديثه يدل على ضعفه. وقال غير أبي العرب: كان أبو عبد الملك الملشوني صاحب أخبار ومغاز. وله كتاب كبير في أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم وفي البديء (٣). وقال أبو العرب (٤): وكان أمراء بني الأغلب يرسلون إلى إسحاق (٥) فيكون عندهم في شهر رمضان، فيحدثهم بتلك العجائب حتى يقطع بهم طول النهار. وكان ربما جالس سحنون بن سعيد.

стр. 434

وحدّث (٦) الشيخ أبو القاسم بن شبلون الفقيه، رضي الله تعالى عنه، فيما [بلغه] (٧)، أن سحنون بن سعيد دخل على محمد بن الأغلب الأمير أول يوم من شهر رمضان، فألفى الأمير خاليا، فقال له: «أراك أيها الأمير خاليا» فقال: «نعم، انفردنا (٨) في هذا الشهر المعظم وخلونا فيه وتركنا ما كان لغير الله »، فقال سحنون: «فأين أنت أيها الأمير من إسحاق [بن] (٩) الملشوني يحدثك بأخبار الأمم السالفة والأعوام الماضية؟ »، فأمر محمد بن الأغلب بإحضاره. وكان يحضر عند محمد بن الأغلب في كل يوم يحدثه بذلك حتى انقضى شهر رمضان، فلما رأى هلال شوال خرج الحاجب إليه فقال: «انصرف، [آجرك الله] (١٠). قال إسحاق: «فقلت في نفسي: ما أحد أعجز مني ولا أزهد في نفسه! (١١) حضرت مجلس الأمير ثلاثين يوما فلم أذكر الدّين الذي عليّ ولا الفقر الذي أنا [فيه] (١٠)! [قال] (١٠): فلما بلغت الباب إذا برسول يركض خلفي فقال: «أجب الأمير»، فرجعت فدخلت عليه فقال: «يا ابن الملشوني، أردت أن أسألك عن شيء أجبني عنه» فقلت: «أصلحك الله، ما هو؟ » فقال: «عقل الرجل أين مسكنه؟ » فقلت: «أما من عاقل مثلك فبين عينيه، وأما من حليم مثلك فوسط رأسه، وأما في غير حازم مثلي وفي عاجز يشبهني ففي قفاه» قال: «ولم ذاك؟ » فقلت: «أصلح الله الأمير، جالستك وسامرتك ثلاثين يوما ولم أذكر لك دينا عليّ ولا أعلمتك به» قال: «ويحك! وكم عليك من الدّين (١٢)؟ » قلت: «مائة وخمسون دينارا»، فأمر بها [لي] (١٣) من بيت المال».قال إسحاق: «فقلت له: القمح الذي تقوم به الأبدان ليس في البيت منه شيء» قال: «وكم قوتك في السنة؟ » قلت: «خمسون قفيز (١٤)

стр. 435

قمح» قال: «فأمر لي بها، فقلت له: «أصلح الله الأمير، البرذون الذي يحمل رحلي (١٥) لا يقوم إلا بالعلف» قال: «وكم يقوم به في السنة؟ » قلت: «خمسون قفيز (١٤) شعير» فأمر لي بها، فقلت: «أصلح الله الأمير، الزيت الذي نأتدم به ونستصبح به ليس في البيت منه شيء» قال: «وكم يقوم بك في السنة؟ » قلت: «ثلاثمائة قفيز» فأمر لي بها، فقلت: «أصلح الله الأمير، الحطب الذي ليس عنه غنى ليس عندنا منه شيء» قال: «وكم يقوم بك؟ » قلت: «عشرة أحمال» فأمر لي بها. قال: ثم أمر الأمير إبراهيم بن دارم كاتبه أن يدفع إليّ الخمسين ومائة دينار وقال: «إن شئت تقضي (١٦) بها، وإن شئت اصنع بها ما شئت» (١٧) قال: «فأخذت ذلك كله وانصرفت، وذلك ليلة العيد». ١٣٧ - ومنهم أبو الوليد عبد الملك (*) بن قطن [المهري] (١) اللغوي. كان (٢) شيخ أهل اللغة والعربية والرواية ورئيسهم وعميدهم والمقدم في زمانه وبلده. وكان من أحفظ العلماء وأكثرهم رواية لأنساب العرب ووقائعها وأيامها: وحسبك معرفة بعلمه وصحة روايته أن أكثر الأشعار المشروحة كانت تقرأ عليه مجرّدة

стр. 436

من الشرح، فيشرحها ويبين معانيها فلما دخلت المشروحات [نظر] (٣) طلبة العربية فيها، وفيما كانوا رووا عنه، فلم يجدوا في شرحه خلافا لما قال أصحاب الشرح، ولا أخذوا عليه في تفسيره خطأ. كان (٤) قليل النظر في تدبير معيشته: لا يمسك دينارا ولا درهما، على كثرة (٥) ما كان يوصل ويحبى ويعطى. حدث (٦) حمدون النحوي المعروف بالنعجة (٧)، قال: كنا عند أبي الوليد المهري يوما فقال: «اخرجوا بنا إلى «ماجل مهرية» نتفرج»، وكانت داره بالقرب من «سوق الأحد» (٨). فخرجنا معه. فجلس وجلسنا حوله إلى أن مرت بنا نحو عشرين بغلا أو أكثر ومعها رجل راكب، فلما رأى المهري عدل إليه ونزل وقال له: «يقرأ مولاي عليك السلام ووجّه إليك بهذه الدواب وهي محملة طعاما وعسلا وزيتا، وبهذه العشرين دينارا» فقبضها منه متكرها (٩) ثم دمع (١٠) وقال: «ذهب الناس! » ثم قال: (إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) أبو الفضل بن عليّ بن حميد (١١) يوجه إليّ بهذه! ».قال حمدون: فقلت له: «احمد الله واشكره، فإن هذا كثير». فنظر إليّ وهو مغضب وقال: «هذا كثير لك ولأمثالك، وأما لي فلا». قال سعيد/بن الحداد، صاحب سحنون (١٢): «كنت يوما أمشي مع «المهري»

стр. 437

إلى أن مررنا بالجزارين، فقام إليه رجل منهم فقال: «يا أبا الوليد، أضررت بي، لأن بضاعتي كلها عندك، ولا بد لي من أداء مالي قبلك! » فاعتذر إليه وسأله الصبر، فأبى عليه، فمرّ بنا رجل فقال للجزار: «كم لك على الشيخ؟ » قال: «عشرة دنانير» قال: «هي لك عليّ، امض معي حتى أدفعها لك» فمضى معه فدفع (١٣) إليه الدنانير. وظننت أنا أنه من إخوان المهري، وظن المهري أنه من أجلي فعل ذلك به، فلما سرنا قال لي (١٤) المهري: «الرجل الذي ودّى عنّي الدنانير من هو؟ » فقلت: «لا أعرفه، ولكن أسأل عنه»، فسألت فإذا هو رجل عطار» (١٥). قال: «وكان الناس من تعظيم أهل العلم [والأدب على] (١٦) خلاف ما هم عليه اليوم. [قال صاحب الكتاب] (١٧) ولقد تذكرت بهذه الحكاية حكاية أخبرني بها بعض المشايخ، قال: «كان شيخ له أدب وعقل، وكان يأتي إلى «زقاق الفرانين» بقرب «السماط» فيجلس مع قوم، وكان أكثرهم من أهل العلم. فأبطأ عليهم أياما، فمضوا إليه يتعرفون (١٨) أحواله، فسألوه عما أخره عنهم فأعلمهم أن حماره الذي كان ينصرف عليه أصيب به، فأصبح (١٩) كل واحد منهم-من غير أن يعلم صاحبه-فاشترى له حمارا بسرجه ولجامه، وكانوا جماعة، فأصبح على بابه نحو من أربعين [حمارا] (٢٠). قال المهري (٢١): «اغتممت ليلة غما ما مرّ بي مثله، ثم سررت سرورا ما سررت مثله، ثم اغتممت» [كذلك، ثم سررت كذلك] (٢٢)، فقيل له: «وكيف ذلك،

стр. 438

أصلحك الله؟ » قال: «كانت شدة وأزمة عظيمة، وضاق بنا الحال، فبلغني أن رجلا من أشراف مهرة عنده طعام كثير يصل منه ويعطي»، قال: «فحسن عندي [المسير إليه] (٢٢)، فركبت دابتي ومضيت حتى وصلت منزله، فوجدته جالسا في مسجده وعنده جماعة من الناس: مشترون (٢٣) وغيرهم. [فسلّمت عليه] (٢٢) وجلست ثم عرّفته بنفسي، فلم يكن منه انشراح يرضيني، فصلى المغرب ثم دخل منزله، ثم خرج فصلّى بنا العشاء الآخرة، ثم دخل فلم نشعر إلا بالموائد [قد] (٢٢) نصبت للناس، فأكلنا، ثم أمر من أعلف (٢٤) دوابنا. فلما كان آخر الليل سمعت حركة الناس للإدلاج، فإذا بغلام ينبهني، فقلت: «ما بالك (٢٥)؟ [فقال: قم] (٢٦)، إن الناس راحلون» فامتنعت، فقال لي: [يا هذا] (٢٦) «بهذا أمرني مولاي» فقدّم إليّ دابتي، فركبت وأنا من أكثر الناس هما، وجعلت أقول في نفسي: «هذا الكذا، لم يلق [لي] (٢٦) بالا ولا اكترث بقدومي عليه! » وندمت على إتياني إليه. ومضى الغلام معي حتى لقينا الناس، فقال لبعض أهل الرفقة: «هذا الرجل» ثم قال لي: «إن مولاي احتشم منك ومن لقائك والاجتماع معك والاستماع لمحادثتك إذ لم يستقبلك بما يجب لك» (٢٧) فزادني ذلك غما، فقال لي الرجل الذي جمع الغلام بيني وبينه: «هل أصلحت موضعا؟ » قلت: «لماذا؟ » قال: «هذه العشرون جملا محملة طعاما كلها لك» فسري عنّي وسررت سرورا كثيرا. وكان القمح في ذلك [الوقت] (٢٦) القفيز بدنانير كثيرة. وأقبلت وأنا أفكر فيما أبيع منه وما أبقي، وكيف أصنع، [وأنا] (٢٦) في سرور عظيم. فبينا أنا على ذلك إذا بقوم محاربين قد خرجوا علينا وأحاطوا بنا وأخذوا كل شيء كان معنا، وعرّونا من ثيابنا، وأخذوا دوابنا، وكتفت فيمن كتف، فما مر عليّ غم مثله. فبينا أنا على ذلك، وكانت ليلة مقمرة، إذ مرّ بي أحد السلاّبة، فنظر إليّ وتأملني ثم قال لي: «من أنت؟ » قلت: «أنا أبو الوليد المهري» فطأطأ عليّ وقبّل رأسي وعانقني، ثم مضى [عنّي] (٢٦) مسرعا، ثم أتى بأصحابه وهو يقول لهم:

стр. 439

«كانت سفرتكم سفرة خائبة! » ثم أتيت بثيابي فلبستها، وبدابتي فركبتها، وهو آخذ بركابي، وردّ على (٢٨) جميع ما كان لأهل الرفقة بسببي. ثم قال لي: «أتعرفني؟ » فقلت: «لا، إلا أنك أنعمت عليّ وأحسنت إليّ» فقال لي: «وأين هذا من إحسانك [أنت] (٢٦)؟ » ثم قال لي: «أتعرف الفتى الحدث الذي قدم إلى زيادة الله بن الأغلب بالقيروان ليقتل مع أصحابه، فسألته (٢٩) فيه وخلصته منه؟ » فقلت: «نعم» فقال: «أنا هو» فجعلت أشكره، فقال: «وكيف لي بمكافأتك؟ خلصتني من القتل [وأنا] (٢٦) إنما كففت (٣٠) عنك شري».ثم ودعني وانصرف مع أصحابه بعد أن مشوا معنا إلى أن أصبح الصبح».

стр. 440

ذكر من كان في هذه الطبقة من المتعبدين والزاهدين الخائفين والوجلين المشفقين ﵃ أجمعين ١٣٨ - ومنهم أبو خلف الخياط (*) واسمه مطروح بن قيس، رضي الله تعالى عنه . كان (١) فاضلا جليلا مشهورا (٢) بالعبادة والاجتهاد. سمع من البهلول، وسمع من الفضيل، وصحب جماعة من العلماء والمتعبدين. وذكر (٣) [عن] (٤) حمديس أنه قال: «إن كان لا يدخل الجنة إلا مثل أبي خلف الخياط وحمدون بن العسا [ل] (٥) فما أقل من يدخلها». قال سليمان بن سالم: «رأيت في المنام كأني أتيت إلى أبي خلف الخياط، فوجدته عند مسجده، فإذا بهاتف يقول لي: «هذا أبو خلف الخياط، من نقل عنه حديثا واحدا دخل الجنة».قال سليمان: «فأصبحت، فغدوت على أبي خلف فجلست إليه فسمعته يقول: «من تعبد لله (٦) بعبادة ثم تركها ملالة مقته الله تعالى» فكتبت ذلك. ثم سمعته يقول: «دخل [على] (٧) معاذ بن جبل وهو يبكي، فقيل له: «ما يبكيك؟ » فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٨): «إن الرياء شرك».

стр. 441

وسمعته يقول (٩): «سمعت الفضيل بن عياض يقول: «اللهم لا تعذبني بالنار بعد إذ أسكنت توحيدك بقلبي (١٠)، إنك إن تعذبني جمعت بيني وبين قوم عاديتهم فيك». وقال عون بن يوسف: «رأيت في منامي كأن قائلا يقول/لي: «زر أبا خلف، فإنه [رجل صالح] (١١) فأصبحت، فركبت دابة وزرته». حدث أبو خلف الخياط عن بعض أهل العلم يرفعه، عن رسول الله ﷺ أنه قال يوما لأصحابه (١٢): «أما تستحيون من الله؟ » قالوا: «يا رسول الله، ما منا إلا من يستحيي من الله».قال: «فمن استحيى من الله فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى (١٣)، وليذكر الموت والبلى (١٤)». وذكر عنه أنه كان يوما جالسا حتى أتاه رجل فقال له: «يا أبا خلف، غلام كان لي يعود علينا بشيء أبق فقطع بنا فيه».فسكت عنه أبو خلف ساعة ثم قال له: «اذهب نحو باب سلم فخذ غلامك» فمضى إلى «باب سلم» فمشى وهو يريد ناحية «باب أصرم» (١٥) فوجد غلامه راقدا في خندق، فأخذه ومضى. قال سعيد بن الحداد: «كنت يوما عند أبي خلف الخياط، أنا وعبد الله النّفوسي، فقال عبد الله لأبي خلف «يا أبا خلف، ما الذي تشير به علينا: نلزم بيوتنا أو نزور إخواننا؟ » فقال أبو خلف: «وما على الإنسان من زيارة إخوانه؟ »، قال: ثم ارتاع بعقب كلامه. وأقبل عليه وهو يقول له: «أي شيء قلت لي؟ ما الذي تشير به

стр. 442

علينا؟ لا والله ما ندري! »، [و] تكدر (١٦) بعد بشر كان منه إلينا، وأقبل يردد ذلك علينا ويقول: «لا والله، عافاك الله! ما أعرف غير أن ابن المبارك يقول: وعبرة في سواد الليل جارية ... على الخدود، لحرّ النّار قد (١٧) دمعوا واندفع في البكاء ورمى الابرة من يده، ثم قال: «وا حسرتي، وا مصيبتي في نفسي»، ثم أنشد البيت ثانية، وبكى وتمادى في بكائه. فكان ذلك جوابه»: ١٣٩ - ومنهم أبو عبد الله حمدون (*) بن عبد الله العسال (١). كان من أهل الفضل والدّين والاجتهاد في العبادة. كان يصلّي ثلث الليل وينام ثلثه ويبكي ويدعو ثلثه (٢). وذكر ابن الحداد، قال: «كنت أذهب إلى «باب سلم» أصلّي قيام رمضان خلف حمدون، فكان إذا مر بآية [بشارة] (٣) جال في المحراب وتقدم وتأخر، وإذا مر بآية خوف خشع واجتمع (٤). ولقد قرأ ليلة في سورة يوسف قوله تعالى (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) (٥). فسقط على وجهه في المحراب، فأقام ساعة طويلة. ثم نهض قائما، رحمه الله تعالى». وعن عمران (٦) بن الخشاب، قال: «خرجت مع حمدون بن العسال إلى «قصر

стр. 443

الطوب»، فلما كنا بالقرب من القصر إذا بجبلين: جبل منهما شعث (٧) ليس فيه نبت ولا خضرة، وآخر إلى جانبه حسن النبات والخضرة، فقال لي: «يا عمار، هذه أرض متقاربة إحداهما (٨) شعثة والأخرى خضراء» فقلت له: «العمل! » فصاح: «العمل، قلت يا عمار! العمل! ».ولم يزل يكرر ذلك ويصيح ويبكي حتى دخل قصر الطوب». وقال ابن الحداد (٩): «مات غلام لحمدون بن العسال، وكان هو القائم به، فجئنا لنعزيه. فنحن جلوس عنده حتى التفت إلينا فقال: «أشهدكم أن أهله وولده أحرار لوجه الله تعالى» فأحزننا ذلك، فإنه لم يكن له شيء يقوى به على معيشته غيرهم. ثم قال لنا: «إن العدوّ (١٠) عرض لي فقال: «مات من يقوم بك فما أنت صانع؟ » فأردت أن أرغمه بعتقي لزوجته وأولاده». ١٤٠ - ومنهم أبو محمد الأنصاري الضرير (*)، رحمه الله تعالى . كان، رحمه الله تعالى، رجلا صالحا مستجابا، وكان ضرير البدن والبصر، وله فضائل مشهورة. فمن ذلك ما حدث به الثقة (١)، قال: «كنا ليلة النصف من شعبان عند أبي محمد الأنصاري، وكان ساكنا (٢) بالدمنة (٣)، وكنا نجتمع عنده مع القراء للذكر مع وجوه الناس ليلة النصف من شعبان وليلة النصف (٤) من رمضان، وكان أمراء بني

стр. 444

الأغلب يأتون إلى «جامع القيروان» في تينك (٥) الليلتين ويكون فيهما من الصدقات أمر كثير (٦)، ثم يخرجون من المسجد الجامع إلى «الدمنة» ويزورون أبا محمد الأنصاري، يتبركون به وبدعائه. قال: فخرج زيادة الله بن الأغلب من الجامع مقبلا إليه حتى وقف على باب داره في حشمه وأهل بيته وخدمه، ثم قال لخلف الخادم ومسرور الخادم: «ادخلا جميعا إلى هذا الرجل الصالح وأعلماه وقولا [له] (٧): «إمامك بالباب يريد الدخول إليك والسلام عليك».فدخلا إليه وأعلماه بما أمرهما به زيادة الله، فقال لهما: «قولا له ينصرف عنّي إلى حال سبيله (٨)، فما له عندي حاجة ولا لي عنده حاجة».فخرجا إلى زيادة الله فأعلماه بما رد عليهما، فاغتاظ زيادة الله، [عند ذلك] (٩)، غيظا عظيما وقال لهما: «ادخلا إليه وأخرجاه شاء أو أبى».فدخلا إليه فأعلماه بما أمرهما، فحمله قوم من أصحابه، من الصالحين، حتى وقفوا به إليه فقال له زيادة الله: «يا هذا، أتيناك لتأمرنا بمعروف (١٠) فنفعله ونسارع إليه وتنهانا (١١) عن منكر (١٢) فننزجر عنه، فجبهتني (١٣) وحجبتني [عن نفسك] (١٤) وأنا إمامك! » فانتهره أبو محمد الأنصاري وقال له: «جرأك عليّ علماء (١٥) السوء الذين يغرونك ويزينون لك زخارف الدنيا (١٦) وغرورها، ولو عملت بما علمت أنبأتك بما جهلت. اذهب عنّي لئلا (١٧) أشتكيك إلى الله » فقال: «صدقت» ثم انصرف عنه.

стр. 445

فأرسل إليه (١٨) بصلة فلم يقبلها. وقال (١٩): لما انصرف منصور الطنبذي من القيروان إلى تونس (٢٠)، وكانت عندي دنانير مصرورة، وكان منصور قد أصلح سور القيروان وغلق أبوابها، فخرجت في آخر الليل ومعي الدنانير حتى أتيت إلى الكسر الذي عند الدمنة فتراميت منه فمضيت إلى دار [أبي محمد] (٢١) الأنصاري فضربت الباب وأخبرت بنفسي، ففتح لي فدخلت فوجدته جالسا في مصلاّه، فقال لي: «ما جاء بك في هذا الوقت؟ » فقلت له: «إن هذا الرجل قد رحل في هذه الليلة وهذه الدنانير ارفعها لي [عندك] (٢١) لأني أخاف من زيادة الله بن الأغلب أن ينهب هذه المدينة»، فقال لي: «خذ دنانيرك معك»، فقلت له: «أصلحك الله، إني أخاف»، فقال لي: «لا تخف فإني رأيت الساعة وأنا بين النائم واليقظان رجلا راكبا على فرس [أخضر] (٢١) وعليه ثياب خضر وبيده لواء [أخضر] (٢١) وقد أخذ الدنيا فقلت له: «من أنت يرحمك الله؟ » فقال: «أنا جبريل» فقلت له: «صلّى الله عليك يا جبريل»، فقال لي: «يا أنصاري، إن الله تعالى بعثني لأهل هذه القرية بالأمان-يعني القيروان-[] (٢٢) فرددت دنانيري معي، وما را [عني شيء] (٢١)».

стр. 446

١٤١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم المسوحي (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان من المجتهدين في العبادة، وكان سحنون يعرف له فضله. قال أبو داود العطار: «صحبت أبا عبد الله المسوحي إلى الرباط، قال: فنزلنا منزلا لإخوان لي، فأتونا بطعام (٢) فأكل وأكلت معه، ثم قام فتقيأ الطعام وقال: «يا أبا داود، أدخلت بطني [طعاما لا يحل] (٣)»، فتدبرت قوله فإذا القوم غرمائي ولي عليهم دين، وهدية المديان (٤) مكروهة عند مالك إلا أن تكون قد تقدمت بينه وبين المديان مهاداة من قبل ذلك، وأنه لم يهد إليه لمكان دينه فلا بأس بذلك». سمع أبو الغصن (٥) [يقول: «صحبت] (٣) المسوحي إلى الدور (٦)، حتى انت [هينا إلى حص] ن (٧) سوسة، أقمنا أكثر من عشرين يوما، /فما علمت أنه أكل إلا أكلتين في دارين؛ [الأولى: ] (٣) سأله بعض أصحابه أن يفطر عندهم وأن [يضع] (٣) يده في طعامهم، فأجابهم إلى ذلك. فلما تهيأ طعامهم تقدم وقال: بسم الله، وأخذ لقمة فجعلها في فم أبي الغصن، ثم رفع يده وأتى بزاده فإذا بدوخلة فيها تمر وبطة فيها

стр. 447

زيت، فشقق منها تمرات وصب عليها زيتا (٨) وألقى على ذلك شيئا من دقيق الشعير، فأكل منه وفرق على أصحابه ما بقي؛ والثانية: جاز برجل من أهل المدينة يعرف طعامه فأكل عنده. وكان تحته فرس جواد فلما أتيا «سوسة» تلقته امرأته «تقية» -وكانت من الصالحات-فحملته على السرج وقالت: «اللهم اجعله لوجهك خالصا» وذهبت تبتقل له» -يريد: تجمع له بقل الفحص المباح يتغذى به. قال أبو الغصن: «وكان يمكث السبعة أيام والأقل والأكثر لا يأكل طعاما»، يريد أنه كان يتغذى في تلك الأيام بالبقول مع الزيت. وقال أبو الغصن: «سمعت امرأة المسوحي تقول: قال لي أبو عبد الله المسوحي يوما: «قومي فاكنسي البيت، فإن إخواني الساعة يأتون إليّ».قالت: ففعلت وغلقت الباب، فما لبثت أن سمعته يتكلم مع أقوام ويقول: «لقد كنت مشتاقا (٩) إليكم»، فهممت أن أفتح الباب، ثم جسرت ففتحته بعد سويعة، فإذا به ميّت (١٠) مسجّى، رحمه الله تعالى، ولم أدر من أين دخلوا، لأن الأبواب مغلقة، باب الدار وباب البيت». ١٤٢ - ومنهم أبو زكريا الهرقلي (*). أصله (١) من الأندلس. وكان صاحبا لسحنون لا يكاد يفارقه جلوسا وحديثا، فلما ولي القضاء ترك مجالسته وصد عنه.

стр. 448

ذكر (٢) أن سعدون [الصواف شارك] (٣) أبا زكرياء في الزرع، فلما حصداه وصار في الأندر (٤) أقبل سعدون فرأى حماره مقيدا على الأندر ورأى حمار أبي زكرياء [مبعدا منه، فعاتب أبا زكريا في ذلك، فقال له] (٥): «إني اختبرت أكل حماري وحمارك فرأيت حماري آكل من حمارك».فقال له سعدون: «أما حلّل (٦) بعضنا بعضا»، ثم قسما ما حصداه بينهما، فأقبل سعدون بحصته إلى القيروان، فلم يشعر حتى أبصر أبا زكرياء، فقال له: «ما الذي أقدمك يا أبا زكرياء؟ » فقال له: «بت بليلة طويلة عرض العدو بقلبي (٧) بأن سيحول الشعير (٨) وأصيب فيه، فأتيت لأبيعه وأخرج حاجا، ولم يبق إلا رفقة تخرج بعد (٩) ثلاثة أيام»، فقال: «يا سعدون، بع طعامي بعرض (١٠) طعامك» [ففعل] (١١) وتوجه معه إلى السوق (١٢) لشراء (١٣) دابة فلم يجدها، وعاد في اليوم التالي فلم يجدها، فلما كان في الثالث توجه معه والحاج يضرب لهم الطبل وهم خارجون، فجعل أبو زكرياء كلّما ضرب الطبل يقول: «يا خفي اللطف! » ويردد ذلك، فنحن كذلك وإذا بجماعة من جماعة بني

стр. 449

أبي حسان اليحصبي أتوا الموقف (١٤) فسألتهم «ما الذي أتى بكم؟ » فقالوا: «مولانا (١٥) تجهز يريد الحج فمات، فجئنا نبيع جهازه ودابته»، فاشتريت منهم لأبي زكرياء حمارة (١٦) وجميع جهازها حتى المخلاة والسوط، فركب أبو زكرياء دابته وانطلق مع الحاج». حدث أبو عياش (١٧)، قال: كان أبو زكرياء يمشي [و] (١٨) صاحب له على شاطئ البحر، فقال له: «يا أبا زكريا، لقد اشتهيت تينا أخضر» فقال له أبو زكريا: «تمشي إلى تلك الصخرة فانظر ما [عندها] (١٨)».قال: فذهب. فوجد تينا أخضر، فأتى به يحمله، فأكل منه حتى شبع، وأراد أن يحمل الباقي فقال له أبو زكريا: «أترى أمك وضعته لك؟ ألقه! » فألقاه. استشهد أبو إبراهيم الخراساني المتعبد برومة (١٩) عن عداتها (٢٠)، فجعل أبو زكريا هذا-وكان صاحبه-يقول: «يا رب، خرجت أنا وصاحبي في حاجة فقضيت

стр. 450

حاجته وتركت حاجتي؟ »، فخرج عنق (٢١) من الروم فدفعوا دفعة واحدة فقتلوا أبا زكرياء وانصرفوا. قال: «فنظرت إليه وإلى [أبي] (٢٢) إبراهيم ووجه هذا إلى وجه هذا، رضي الله تعالى عنهما». ١٤٣ - ومنهم أبو عمرو بشير بن عمروس (*) المتعبد بالمنستير (١)، رضي الله تعالى عنه. قال أبو بكر بن خلف التجيبي (٢): كان بشير المنستيري (١) هذا من المتعبدين الزهاد المنقطعين إلى الله ، وكان من رهبان الليل لا ينام منه إلا قليلا، فإذا أصبح يقول: «أصبحت ونفسي وقلبي مصران على محبتك، مشتاقان إلى لقائك فعجّل سيدي بذلك قبل أن يأتي الليل».أقام على هذا ستين سنة. قال حمدون العسال (٣): خرج يوما بشير إلى موضع داليته (٤)، وجاء ابن حسام القارئ من سوسة فقلت له: «ادخل بنا إلى بشير»، فدخلنا إليه وسلّمنا عليه وجلسنا، فأقبل ابن حسام يقول: *قل لمن جاء يخطب حورا لاعبا* فأدخل بشير رأسه تحت ثوبه وأخذ في البكاء، فلما قال: *أنت في الخطبة عندي كاذبا* شبك بشير يديه على رأسه وصاح وسقط إلى الأرض.

стр. 451

وحدث بعض المشايخ، قال: كنت عند بشير المنستيري فأتى شاب من أهل القيروان فصلّى بهم قيام رمضان، فلما كانت ليلة الفطر تنهد الشاب، فقال له بشير: «مالك؟ » فقال: «فكرت في والدي في هذه الليلة» فقال له بشير: «يا عدو الله، تركت أعمال البرّ معك في بيتك سرا، وجئت تطلب البرّ علانية؟ والله لو علمت ما صلّيت وراءك (٥)». قال ابن الحداد: وكانت له قريحة جيدة في العلم، وكان يحسنه، إلا أن العبادة غلبت [عليه] (٦). وكان ملوك إفريقية يأتونه إلى بيته بالمنستير فلا يخرج [إليهم] (٦). وكان قد حج ودخل الشام وطرسوس ولقي جماعة من الصالحين وانتفع بهم. وقال، رحمه الله تعالى: «كنت بطرسوس، وكان بها رجل من أهل خراسان، وكان من المبرزين في الفضل، إنما يلبس جبة صوف مرقعة أكثرها جلود، فأتاه كتاب قاضي خراسان بوفاة والده وأنه خلف نعمة كثيرة وأموالا ورقيقا، ويسأله في كتابه أن يقدم، فلم يفعل؛ وجاءه كتاب ثان (٧) بمثل ذلك، فلم يرد جوابا (٨)، ثم جاءه كتاب ثالث يحرج (٩) عليه في المقام»، قال: «فمضى وتصدق بجميع ما ترك والده ورجع على حالته التي خرج بها».

стр. 452

١٤٤ - ومنهم مكرم المتعبد (*) بالمنستير، رضي الله تعالى عنه . كان فاضلا ورعا، وكان سكناه «بالقصر الكبير» وبه قبره على ساحل البحر، وبجواره قبر فيزر (١) المتعبد صاحبه. وبرجه معروف به إلى الآن «بالقصر الكبير». وقيل: كان تحت بيته بيت صغير يسكنه رجل فقير، قال: فنزل مكرم ذات يوم إلى ذلك الرجل فسلّم عليه وسأله عن حاله فقال له: «خبّرتني رائحة قدرك البارحة»، فقال له مكرّم: «وما كان في قدري؟ إنما كان فيها بصل وزيت وكمون» قال: «آذيتني بها على كل حال» فقال له: «فهلاّ جئتني؟ » قال: «كرهت أن أنغصك» قال: «فقال مكرم: «وعشت أنا حتى طبخت قدرا فاحت رائحتها فشمّها هذا وهذا! والله الذي لا إله إلا هو لا طبخت قدرا حتى ألحق بالله ! ». قال: فما طبخ قدرا ولا أكلها حتى مات، ﵀ . قيل: وكان الشيوخ يذكرون عن مكرم أنه كان يجتمع مع الخضر ﵇، ويروون (٢) أنهم كانوا يسمعون كلامه معه. وكان يخرج له رأسه من الطاق التي (٣) في البرج والخضر خارج البرج، يشبحون (٤) حديثه [معه] (٥). وكان هذا عنه مشهورا. وكان كثير الحرس. ولما جاء ابن الجعد إلى المنستير، وأراد أن يبني قصرا بجزيرة المنستير، أتى إلى مكرم هذا [يستأذنه] (٦) في ذلك، فقال له مكرم: «بينا أنا ذات ليلة أحرس إذ رأيت فارسا في يده حربة، فقلت له: «من أنت؟ وإلى أين تريد؟ » فقال: «أريد جزيرة ابن [الجعد] (٧)»، فمضى وأنا انظر إليه، فإن كنت بانيا فابن هناك» قال: فبنى القصر في ذلك المكان الذي ذكره مكرم فسمى «قصر ابن الجعد».

стр. 453

وذكر شيوخ المنستير أن الروم أتوا مرة إلى المنستير وقد أصابهم عطش شديد، فاستسقوا الماء فلم يسقوهم ومنعوهم أخذ الماء، فاستسقى الروم، وأسبلوا شعورهم ودعوا، فأمطروا، فنصبوا الأنطاع وتلقوا بها الماء فشربوا حتى رووا. قال مكرم لأصحابه: «ها هنا قوم جهّال لا علم لهم، قد داخل قلوبهم من هذا شيء، ويظنون أن هؤلاء الروم على حق».قالوا: واجتمع شيوخ المنستير بجماعتهم إلى مكرم، وصلوا ركعتين، واجتهدوا في الدعاء، فأرسل الله سبحانه ريحا من داخل البحر فكسّرت مراكبهم (٨) ورمتهم على شاطئ البحر. قال: فخرج إليهم المسلمون وغنموهم، وجمعوا جميع ما حصل من ذلك وبنوا به «ربض القصر الكبير».وهذا يدلّ على أنه لم يكن بينهم وبين المسلمين عهد ولا هدنة، فلذلك استحلّوا سبيهم وأخذ أموالهم. ١٤٥ - ومنهم أبو محمد عبد الرحيم (١) بن عبد ربه الربعي (*) الزاهد ويعرف بعبد الرحيم المستجاب. قال سحنون (٢): «رأيت ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن أبي كريمة وعلي بن زياد والبهلول بن راشد وابن أشرس، فما رأيت مثل عبد الرحيم، وذلك أني علمت باطنه وظاهره وهؤلاء إنما علمت ظاهرهم. سمع من سحنون ومن أسد، وطلب العلم وعني به، وحبس كتبا كثيرة بخطه وضبطه بقصر زياد. وقال أبو العرب (٣): وكان أول أمره (٤) تاجرا في «سوق البزازين» (٥) في القيروان، ثم

стр. 454

ترك ذلك. وسكن «قصر زياد»، وهو (٦) الذي تولّى بناءه، وذلك أن أسدا، لما أراد الغزو إلى صقلية، أراد [عبد الرحيم] (٧) الخروج معه فشاور في ذلك سحنونا فكسر عليه (٨) وقال له: «لا تفعل»، ثم قال له: «كنت ذكرت لي (٩) أنك تحب بنيان «قصر زياد» وأن عندك أخبارا توجب الخوف من البر والبحر. وبنيانك لهذا القصر يكون حرسا للمسلمين وغوثا لهم، يلجئون إليه ويرابطون فيه، أفضل من مسيرك إلى صقلية».فمضى عبد الرحيم إلى أسد فأخبره بما قال سحنون، فقال: «الذي أشار عليك به هو الصواب».ثم دخل (١٠) [على] (١١) زيادة الله بن الأغلب الأمير، فخرج [و] (١١) معه سجلاّن: سجل منهما (١٢) بولايته على صقلية أميرا وقاضيا، وسجل آخر لعبد الرحيم في الإذن له في بناء «قصر زياد».فتولّى عبد الرحيم بناءه وإصلاحه وأنفق فيه اثني عشر ألف دينار [ستة آلاف من عنده] (١٣) وستة آلاف من عند إخوانه، وكان ذلك سنة اثنتي عشرة ومائتين. ويذكر عن ميسرة (١٤) بن مسلم أنه قال لأصحابه يوما وهم يسمعون عليه تحت صومعة «قصر زياد»: «أتدرون كم أعطى عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد لبناء هذه الصومعة لما فرغ من بنائها؟ »، قالوا: «لا علم لنا»، قال: «وهب اثني عشر جملا محمّلة بالأ [موال] (١٥) والهدايا».

стр. 455

وكان (١٦) البنّاء يعرف بعبد الله بن مالك من «قرية بني عمروس».وكان بقرية «البرج» التي «بقصر زياد» شيخ فقيه (١٧) اسمه «مسعود»، رأى في المنام كأنه وزن مع عبد الله بن مالك البنّاء، فرجح عليه عبد الله بن مالك، فقال له مسعود: «بماذا رجحت عليّ وأنا أطلب العلم وسمعت وصحبت العلماء؟ » فقال له عبد الله: «رجحت عليك ببنيان هذه الصومعة»، وأشار إلى «صومعة قصر زياد». قال (١٨): وكانت عند عبد الرحيم ضيعة واسعة، وكان عنده سبعة عشر ألف شجرة زيتون، وكان مع هذا أزهد أهل زمانه. وكان كثير الصدقة والمعروف، لم يكن للدنيا عنده قدر: لقد ذكر عن عيسى بن مسكين أنه قال: «كان لعبد الرحيم أخ يقال له «هاشم» من أهل الفضل والعبادة، أتاه يوما بسبعين دينارا من ضيعته فأقامت عنده مدة يسيرة، ثم أتاه أخوه فقال له عبد الرحيم: «جئتنا بشيء؟ » فقال له: «أين السبعون (١٩) دينارا التي دفعت إليك؟ » [] (٢٠) وجرّ بيده على الحصير فقال له عبد الرحيم: / «قليلا، قليلا! (٢١) لا تعفّر (٢٢) يدك الحصير! ».فعلم أنه تصدّق بها، فأخلف له غيرها. وذكر (٢٣) عنه أنه ما تزوج قط ولا تسرى. وكانت عنده وصيفتان مولدتان لهما جمال تقومان به وتخدمانه، فقيل له: «لم لا تتخذ إحداهما سرية لك؟ فإنهما تصلحان لذلك»، فحلف أنه لا يعرف صفة وجهيهما (٢٤) لشغله بعبادة ربه . قال أبو بكر عتيق بن خلف: «كان (٢٥) عبد الرحيم إذا جنّ الليل قام إلى محرابه، فهو راكع وساجد إلى أن ينادى بالفجر. وكان السهر قد غيره حتى كأنه مبهوت من

стр. 456

طول القيام وسرد الصيام. وكان ممن لا يتوسد (٢٦) القرآن، فكان يهجع هجعة لطيفة ثم يثب كأنه قد ضلّ له شيء فهو يطلبه. قال أبو الحسن بن الخلاف بخطه (٢٧): «وحدثت عن عبد الرحيم أنه قال (٢٨): «زيارة الإخوان نقص من العمل».قال أبو بكر بن اللباد: «يريد عبد الرحيم بذلك أنك كنت تكون في باب من الخير: من قراءة القرآن أو صلاة نافلة أو عمل من أعمال البر، فتشغل (٢٩) به أو بالحديث معه عما أردته من عمل البر (٣٠)». وحدث (٣١) من يوثق به قال: دخلت أنا وصاحب لي على عبد الرحيم فقال له (٣٢) صاحبي: «يا أبا محمد، أوصنا بكلمات ينفعنا الله تعالى بها ويؤجرك عليها».فقال له: «يا بني، أوصيك أن تتقي الله، وتجتنب محارم الله، وتؤدّي فرائض الله ، وتحسن إلى عباد الله، وإن زدت زادك الله». وكان سحنون يجلّه ويعظمه ويزوره ويسأله الدعاء إذا أهمه أمر، ويلجأ إليه عند المهمات. فلما ولي سحنون القضاء كتب إليه برسالة وهي (٣٣): بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الرحيم بن عبد ربه إلى سحنون بن سعيد. أما بعد؛ فقد عهدتك وأنت معتن (٣٤) بنفسك: تقرأ القرآن وتعلّم الناس العلم

стр. 457

وتفقههم في الدين. وقد بلغني أنك جعلت قاضيا استوى فيك الأسود والأبيض والضعيف والقوي، وصرت تنظر في أمر دنياهم بعد أن كنت تنظر في أمر أخراهم. فيا عجبا يا سحنون! أي حالتيك كانت أحسن: الأولى أم هذه؟ [والسلام عليك] (٣٥). [فكتب إليه سحنون] (٣٥): بسم الله الرحمن الرحيم. من سحنون بن سعيد إلى أخيه عبد الرحيم بن عبد ربه. أما [بعد] (٣٥)؛ فقد أتاني كتابك تذكر فيه «إني جعلت قاضيا»، فاعلم-يا أخي-أني لم أزل قاضيا منذ أربعين سنة، وقد حدثني ابن وهب حديثا يرفعه (٣٦): «إن المفتي قاض يجري قوله في أشعار المسلمين (٣٧) وأبشارهم»، وأما قولك إنك عهدتني أفقههم في الدين وانظر لهم في أمر أخراهم، وقد صرت انظر في أمر دنياهم، فاعلم، رحمك الله تعالى، أنه لا تصلح لهم أخراهم حتى يصلح لهم أمر دنياهم: آخذ لضعيفهم من قويهم ومن ظالمهم لمظلومهم. وبعد هذا كله فقد ابتليت، فعليك بالدعاء فالزمه (٣٨) لي نفسك والسلام عليك». ذكر إجابة دعوته وصنوف من كراماته: عن محمد بن عليّ بن عبد ربه-ابن [أخي] عبد الرحيم (٣٩) -قال: «كان عمي عبد الرحيم بن عبد ربه مقيما في «قصر زياد»، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: «بقي عليك أن تسمع من سحنون كتب ابن وهب» فاستيقظ فقال: «اللهم كبرت سنّي والحركة تشق عليّ، فيسر لي ذلك».فلم يكن إلا يسير (٤٠) حتى قدم سحنون

стр. 458

بكتبه هاربا من أحمد بن الأغلب (٤١) حين دعاه إلى القول بخلق القرآن، فأقام عند عبد الرحيم شهرين ونصفا مستخفيا، فسمع عليه ما أراد من ذلك، واستجاب الله دعوته. فلما كان بعد ذلك، وصل (٤٢) رسول أحمد بن الأغلب إلى قصر زياد في طلب سحنون ورفعه إلى «رقادة» (٤٣) للمحنة في القول بخلق القرآن، فخرج عبد الرحيم مع سحنون يشيعه. فلما انتهى مع سحنون إلى آخر الحمى، استقبل عبد الرحيم القبلة ووقف سحنون قبالته يوادعه، فتعانقا وبكيا ودعا له عبد الرحيم بدعاء كثير وهو مستقبل القبلة، ثم قال لرسول ابن الأغلب، وهو ابن سلطان (٤٤): «قل لأحمد: عارضتني في ضيفي، فو الله لأعرضنك على رب العالمين»، فاستجاب الله دعاء عبد الرحيم وعافى الله سحنونا مما طلب منه (٤٥)، ولم يصل إليه أذى، وأعزه الله تعالى وشرف قدره وأقام به السّنة وأمات به البدعة. ولم يقم أحمد بن الأغلب بعد ذلك إلاّ أياما حتى هلك (٤٦). قال أبو إسحاق السبائي: «بلغني عن سحنون أنه قال (٤٧): «ذكر لي عن عبد الرحيم أنه أقام ستة أشهر لم يشرب ماء، فأنكرت ذلك وهالني، فمضيت إلى «قصر زياد» فاجتمعت به وقلت له: «اتصل بنا عنك وانتشر أنك أقمت ستة أشهر لم تشرب ماء»، فقال لي: «من لا يأكل (٤٨) الطعام لا يشرب».

стр. 459

قال: فلما أصبح الصبح سلّمت عليه وانصرفت، فلما نزلت على الدرج من «البرج» صيح بي، فرجعت إليه فقال لي: «سألتني عن شيء وكتمته عنك، فلما انصرفت حاسبت نفسي لك، وقلت: «لا أدعه ينصرف على غير صحيح، فالذي قيل لك عنّي هو صحيح: لي ستة أشهر لم أشرب ماء، وذلك أني كنت قائما أصلّي، فأصابني عطش شديد، فلما سلّمت من الصلاة مددت يدي لآخذ القسط، فانقلب القسط وذهب كل ما فيه من الماء، وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد، والماجل أسفل «القصر».فكبر عليّ النزول في طلب الماء، فقلت: «يا رب، إن هذا الماء شغلني عن حزبي، فاحمل عنّي المؤونة». فأجابني صوت من زاوية البيت-ولم أر أحدا-وهو يقول: «أصلحك [الله] (٤٩)، أنا من مؤمني الجن، أصلّي بصلاتك مدة من الدهر، فمر بنا في هذه الليلة شيطان مارد من شياطين الجن-وهم أضر علينا مما هم عليكم، نهرب بأدياننا منهم-فحسدك على ما أعطاك الله من الطاعة، فرمى لك شيئا في القسط، ولو شربته لعرض لك في جسمك شيء ليس لك به طاقة، /فلما مددت يدك إلى القسط سبقتك إليه فهرقته». قال عبد الرحيم: «فأخلصت لله -فسألته (٥٠)، فحمل عني مؤونة العطش، وإن احتجنا-بعد هذا-إلى الماء شربنا».قال: «فنزل سحنون متقلدا بسيفه ليركب دابته، فنظر إليه الناس فقال لهم: «وما تستعظمون من هذا؟ عبد سأل مولاه في حاجة فقضاها له». حدث أحمد بن [أبي] (٥١) حبيب البلياني (٥٢)، وكان رجلا صالحا، قال (٥٣):

стр. 460

[كان] (٥٤) بقرب قصر زياد رجل من بني نافذ (٥٥) وكان له ناحية من السلطان، وكان له فرس وكان يطلقه في زرع المرابطين، فخوطب في ذلك فلم يقبل ولا سأل عن كلام من خاطبه، فأتى الناس إلى عبد الرحيم فذكروا ذلك له، فرفع عينيه إلى السماء وقال: «اللهم اجعله آية للعالمين واكف المسلمين شره»، فطارت عينا الفرس جميعا، وبقي أعمى لا يبصر شيئا، وكفى الله المسلمين شرّه. وبإسناده (٥٦) قال: «بلغنا أن (٥٧) عبد الرحيم نزل به فقير من الفقراء، فلم يجد ما يقدمه إليه إلا قرصا من الشعير أعدّها (٥٨) لإفطاره، فآثر بها الفقير على نفسه فأتى بالقرص وقدمه إليه وبقي هو بلا شيء، فقيل له: «أصلحك الله، وما يكون منك، وأنت لا تقبل لأحد (٥٩) شيئا، وإنما تأكل من حلالك الذي تعرفه؟ » قال: فقال لهم: «إن الله تعالى لا يتركني بالجوع».فلما كان بعد ذلك بساعة، مر رجل من سكان المنستير (٦٠) «ببرج عبد الرحيم» فسمع فيه كلاما (٦١)، فدخل على عبد الرحيم، فلم يجد عنده أحدا، ووجد بين يديه قرصا وتمرا، فقال له: «تقدم فكل» فقال له: «سألتك بالله، أصلحك الله، من أين أتاك هذا؟ » فلما أقسم عليه قال: «أتاني به الخضر وقال لي: هذا التمر أتيتك به من أجدابية»، ثم قال عبد الرحيم: «آثرنا بما عندنا هذا الرجل الفقير فعوضنا الله ما هو أفضل منه».
следующие страницы →