← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

طول القيام وسرد الصيام. وكان ممن لا يتوسد (٢٦) القرآن، فكان يهجع هجعة لطيفة ثم يثب كأنه قد ضلّ له شيء فهو يطلبه. قال أبو الحسن بن الخلاف بخطه (٢٧): «وحدثت عن عبد الرحيم أنه قال (٢٨): «زيارة الإخوان نقص من العمل».قال أبو بكر بن اللباد: «يريد عبد الرحيم بذلك أنك كنت تكون في باب من الخير: من قراءة القرآن أو صلاة نافلة أو عمل من أعمال البر، فتشغل (٢٩) به أو بالحديث معه عما أردته من عمل البر (٣٠)». وحدث (٣١) من يوثق به قال: دخلت أنا وصاحب لي على عبد الرحيم فقال له (٣٢) صاحبي: «يا أبا محمد، أوصنا بكلمات ينفعنا الله تعالى بها ويؤجرك عليها».فقال له: «يا بني، أوصيك أن تتقي الله، وتجتنب محارم الله، وتؤدّي فرائض الله ، وتحسن إلى عباد الله، وإن زدت زادك الله». وكان سحنون يجلّه ويعظمه ويزوره ويسأله الدعاء إذا أهمه أمر، ويلجأ إليه عند المهمات. فلما ولي سحنون القضاء كتب إليه برسالة وهي (٣٣): بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الرحيم بن عبد ربه إلى سحنون بن سعيد. أما بعد؛ فقد عهدتك وأنت معتن (٣٤) بنفسك: تقرأ القرآن وتعلّم الناس العلم

стр. 457

وتفقههم في الدين. وقد بلغني أنك جعلت قاضيا استوى فيك الأسود والأبيض والضعيف والقوي، وصرت تنظر في أمر دنياهم بعد أن كنت تنظر في أمر أخراهم. فيا عجبا يا سحنون! أي حالتيك كانت أحسن: الأولى أم هذه؟ [والسلام عليك] (٣٥). [فكتب إليه سحنون] (٣٥): بسم الله الرحمن الرحيم. من سحنون بن سعيد إلى أخيه عبد الرحيم بن عبد ربه. أما [بعد] (٣٥)؛ فقد أتاني كتابك تذكر فيه «إني جعلت قاضيا»، فاعلم-يا أخي-أني لم أزل قاضيا منذ أربعين سنة، وقد حدثني ابن وهب حديثا يرفعه (٣٦): «إن المفتي قاض يجري قوله في أشعار المسلمين (٣٧) وأبشارهم»، وأما قولك إنك عهدتني أفقههم في الدين وانظر لهم في أمر أخراهم، وقد صرت انظر في أمر دنياهم، فاعلم، رحمك الله تعالى، أنه لا تصلح لهم أخراهم حتى يصلح لهم أمر دنياهم: آخذ لضعيفهم من قويهم ومن ظالمهم لمظلومهم. وبعد هذا كله فقد ابتليت، فعليك بالدعاء فالزمه (٣٨) لي نفسك والسلام عليك». ذكر إجابة دعوته وصنوف من كراماته: عن محمد بن عليّ بن عبد ربه-ابن [أخي] عبد الرحيم (٣٩) -قال: «كان عمي عبد الرحيم بن عبد ربه مقيما في «قصر زياد»، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: «بقي عليك أن تسمع من سحنون كتب ابن وهب» فاستيقظ فقال: «اللهم كبرت سنّي والحركة تشق عليّ، فيسر لي ذلك».فلم يكن إلا يسير (٤٠) حتى قدم سحنون

стр. 458

بكتبه هاربا من أحمد بن الأغلب (٤١) حين دعاه إلى القول بخلق القرآن، فأقام عند عبد الرحيم شهرين ونصفا مستخفيا، فسمع عليه ما أراد من ذلك، واستجاب الله دعوته. فلما كان بعد ذلك، وصل (٤٢) رسول أحمد بن الأغلب إلى قصر زياد في طلب سحنون ورفعه إلى «رقادة» (٤٣) للمحنة في القول بخلق القرآن، فخرج عبد الرحيم مع سحنون يشيعه. فلما انتهى مع سحنون إلى آخر الحمى، استقبل عبد الرحيم القبلة ووقف سحنون قبالته يوادعه، فتعانقا وبكيا ودعا له عبد الرحيم بدعاء كثير وهو مستقبل القبلة، ثم قال لرسول ابن الأغلب، وهو ابن سلطان (٤٤): «قل لأحمد: عارضتني في ضيفي، فو الله لأعرضنك على رب العالمين»، فاستجاب الله دعاء عبد الرحيم وعافى الله سحنونا مما طلب منه (٤٥)، ولم يصل إليه أذى، وأعزه الله تعالى وشرف قدره وأقام به السّنة وأمات به البدعة. ولم يقم أحمد بن الأغلب بعد ذلك إلاّ أياما حتى هلك (٤٦). قال أبو إسحاق السبائي: «بلغني عن سحنون أنه قال (٤٧): «ذكر لي عن عبد الرحيم أنه أقام ستة أشهر لم يشرب ماء، فأنكرت ذلك وهالني، فمضيت إلى «قصر زياد» فاجتمعت به وقلت له: «اتصل بنا عنك وانتشر أنك أقمت ستة أشهر لم تشرب ماء»، فقال لي: «من لا يأكل (٤٨) الطعام لا يشرب».

стр. 459

قال: فلما أصبح الصبح سلّمت عليه وانصرفت، فلما نزلت على الدرج من «البرج» صيح بي، فرجعت إليه فقال لي: «سألتني عن شيء وكتمته عنك، فلما انصرفت حاسبت نفسي لك، وقلت: «لا أدعه ينصرف على غير صحيح، فالذي قيل لك عنّي هو صحيح: لي ستة أشهر لم أشرب ماء، وذلك أني كنت قائما أصلّي، فأصابني عطش شديد، فلما سلّمت من الصلاة مددت يدي لآخذ القسط، فانقلب القسط وذهب كل ما فيه من الماء، وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد، والماجل أسفل «القصر».فكبر عليّ النزول في طلب الماء، فقلت: «يا رب، إن هذا الماء شغلني عن حزبي، فاحمل عنّي المؤونة». فأجابني صوت من زاوية البيت-ولم أر أحدا-وهو يقول: «أصلحك [الله] (٤٩)، أنا من مؤمني الجن، أصلّي بصلاتك مدة من الدهر، فمر بنا في هذه الليلة شيطان مارد من شياطين الجن-وهم أضر علينا مما هم عليكم، نهرب بأدياننا منهم-فحسدك على ما أعطاك الله من الطاعة، فرمى لك شيئا في القسط، ولو شربته لعرض لك في جسمك شيء ليس لك به طاقة، /فلما مددت يدك إلى القسط سبقتك إليه فهرقته». قال عبد الرحيم: «فأخلصت لله -فسألته (٥٠)، فحمل عني مؤونة العطش، وإن احتجنا-بعد هذا-إلى الماء شربنا».قال: «فنزل سحنون متقلدا بسيفه ليركب دابته، فنظر إليه الناس فقال لهم: «وما تستعظمون من هذا؟ عبد سأل مولاه في حاجة فقضاها له». حدث أحمد بن [أبي] (٥١) حبيب البلياني (٥٢)، وكان رجلا صالحا، قال (٥٣):

стр. 460

[كان] (٥٤) بقرب قصر زياد رجل من بني نافذ (٥٥) وكان له ناحية من السلطان، وكان له فرس وكان يطلقه في زرع المرابطين، فخوطب في ذلك فلم يقبل ولا سأل عن كلام من خاطبه، فأتى الناس إلى عبد الرحيم فذكروا ذلك له، فرفع عينيه إلى السماء وقال: «اللهم اجعله آية للعالمين واكف المسلمين شره»، فطارت عينا الفرس جميعا، وبقي أعمى لا يبصر شيئا، وكفى الله المسلمين شرّه. وبإسناده (٥٦) قال: «بلغنا أن (٥٧) عبد الرحيم نزل به فقير من الفقراء، فلم يجد ما يقدمه إليه إلا قرصا من الشعير أعدّها (٥٨) لإفطاره، فآثر بها الفقير على نفسه فأتى بالقرص وقدمه إليه وبقي هو بلا شيء، فقيل له: «أصلحك الله، وما يكون منك، وأنت لا تقبل لأحد (٥٩) شيئا، وإنما تأكل من حلالك الذي تعرفه؟ » قال: فقال لهم: «إن الله تعالى لا يتركني بالجوع».فلما كان بعد ذلك بساعة، مر رجل من سكان المنستير (٦٠) «ببرج عبد الرحيم» فسمع فيه كلاما (٦١)، فدخل على عبد الرحيم، فلم يجد عنده أحدا، ووجد بين يديه قرصا وتمرا، فقال له: «تقدم فكل» فقال له: «سألتك بالله، أصلحك الله، من أين أتاك هذا؟ » فلما أقسم عليه قال: «أتاني به الخضر وقال لي: هذا التمر أتيتك به من أجدابية»، ثم قال عبد الرحيم: «آثرنا بما عندنا هذا الرجل الفقير فعوضنا الله ما هو أفضل منه».

стр. 461

وقال أحمد بن أبي حبيب وغيره: «حدثنا الذين أدركناهم، قالوا: «كان (٦٢) عبد الرحيم يأخذ الفتات في يده ويبسطها، فينزل الغراب على يده فيلتقط ما عليها من الفتات»، وقالوا: «رأينا ذلك منه عيانا». قالوا: «ومشهور عنه أنه كان يجتمع مع أبي العباس الخضر خلف «صومعة زياد» في الناحية الشرقية (٦٣) منها». ويذكر عن عبد الرحيم أنه رأى ليلة من ليالي رمضان في منامه قائلا (٦٤) يقول له: «كل (٦٥) من بات في هذا القصر مغفور (٦٦) له إلا صاحب التليس».وقد بات في قصبة «القصر» تلك الليلة خلق كثير، فلما صلّى عبد الرحيم الصبح (٦٧) خرج، وكان من شأن [الناس] (٦٨) أن يودعوه وهو في بيته. فنزل ذلك اليوم إلى سقيفة القصبة، فودعه الناس وسألوه الدعاء، فتقدم إليه صاحب التّليس ليودعه، وقد خف الناس عنه، فقال له سرا فيما بينه وبينه: «يا بني، رأى رجل في المنام أن كل من بات في هذه القصبة مغفور (٦٦) له إلا صاحب التّليس، وأخاف أن تكون أنت هو، فعرفني: «ما الذي صنعت؟ » فقال: «أنا عبد مملوك أبقت من سيدي» فقال له: «يا بني، ارجع إلى سيدك وتب إلى الله تعالى من ذنبك» وانصرف عنه، فرجع العبد إلى سيده. وذكر عن جماعة من الشيوخ قالوا (٦٩): خرج (٧٠) عبد الرحيم سنة من السنين إلى المنستير فنزل في «قصر الكبير»، فلما كان العشيّ سمع حس مهاريس، فقال: «ما هذا؟ » فقيل له: «المرابطون يدقون التوابل لقدورهم» فاسترجع عند ذلك وقال: «ما هكذا أعرف حالة المنستير قديما، عند سكانها (٧١) شيء من دقيق الشعير في القلة، وشيء من الزيت، فإذا كان عند إفطارهم لتّوا ذلك الدقيق بشيء من الزيت

стр. 462

فأكلوه. لله عليّ ألاّ أبيت (٧٢) في شيء منّ المنستير».فخرج منها ذلك الوقت، فغايت له الشمس عند «قصر لمطة»، ولم يعد إلى المنستير بعد ذلك. ولم يزل مقيما ملازما «لقصر زياد» معتكفا على صيام النهار وقيام الليل وتلاوة كتاب الله حتى توفي. وكانت وفاته سنة سبع وأربعين ومائتين، ودفن على سيف البحر من ناحية شرقي القصر، رضي الله تعالى عنه. ومن بعض ما قيل فيه من المراثي (٧٣): قال حاتم الجبنياني (٧٤) المتعبد (٧٥): لهفي على عبد الرحيم وفضله ... حتى الممات بكل قلب يستعر ما كان أتقاه وأحسن أمره ... في الله يسعى قد تشمّر واتّزر أما النهار فصائم متهجد ... والليل يهتف بالقرآن إلى السحر شرب الهدى فملا الرشاد فؤاده ... وهوى الصلاح فما على ذنب عثر طلب الخلود، فباع دنياه بما ... يبقى فقد ربح السعيد وما خسر ولى حميدا راضيا عن ربه ... فلقد عفا عنه لأطيب مختبر قد كان في قصص الغراب ... عجائب، للمسلمين جميعهم فيها عبر بعث الغراب إليه رب محمد ... حتى ليعلمه بصالح ما ادخر جعل الفتات له براحة كفه ... فدنا إليه به فقرّ ولم يطر فهوى الغراب لأخذه متبادرا ... من كفه لم يكتس (٧٦) ثوب الحذر يا معشر العباد قوموا فانصروا ... دين النبيّ ووقروه كما نصر وصلوا الرباط وجاهدوا فعساكم ... أن تظفروا بالصالحات كما ظفر

стр. 463

١٤٦ - ومنهم أبو السرى واصل (*) بن عبد الله الجمّي (١) المتعبد «بقصر جمة (٢)». ويعرف الآن «بقصر الرباط» «بالمهدية». كان من أهل الزهد والعبادة والنسك [والارادة] (٣) والفضل والإجابة. أصله من «جمة» وكان له بها حانوت يتجر به فيما يكال ويوزن من حنطة وقطنية (٤) وزيت، ثم ترك ذلك ونبذ الدنيا وسكن «قصر الرباط» وتجرّد لقيام الليل وصيام النهار. وداوم على ذلك حتى صار من الأولياء المعدودين، ومن الأصفياء المقربين، والنساك المتجردين (٥). وطلب العلم على سحنون وعون بن يوسف، ونال من العلم/ما يستعين به على عبادة ربه . وسبب (٦) طلبه العلم أنه أتى إلى «جامع سوسة» يوم الجمعة، فقام يصلّي وسحنون قريب منه، فأذن المؤذن وتمادى واصل في الصلاة ليتم السورة التي كان فيها، فلم يفرغ منها حتى بدأ الإمام في الخطبة، فنظر إليه سحنون كالمنكر عليه. فلما سلم الإمام سأل عنه فأخبر به فدعاه وقال له: «من أنت؟ » فقال: «أنا واصل» فقال له: «أنت واصل الذي يقال (٧) ... ! » فقال له: «أسأل الله بركة ما يقال» فقال له: «رأيتك وأنت تصلّي والإمام يخطب، اطلب العلم ولا تسكن في شيء من «القصور» (٨) حتى تطلبه».قال: فطلب العلم على سحنون ولزمه عشر سنين.

стр. 464

ويقال إن [سبب] (٩) طلبه للعلم أنه صلّى إلى جانب سحنون «بحصن لمطة» (١٠). فسلّم الإمام، وأطال واصل الدعاء بعد سلام الإمام، فقال له سحنون: «يا واصل، اطلب العلم خير لك» فلزم طلب العلم من ذلك الوقت. وكان سحنون يجله ويعظمه. ولقد حدث أبو الحسن عليّ بن عبد الله القطان المعروف بابن الخلاف المتعبد أن واصلا (١١) قدم إلى القيروان، فهجّر إلى الجامع يوم الجمعة، فبينا هو في الصلاة إذ عرض له شيء من الفهم في القرآن (١٢)، فقال له سحنون: «وصلت والله يا واصل». ذكر فضله وصنوف من كراماته: حدّث الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمد القابسي الفقيه، رضي الله تعالى عنه، قال: «ذكر (١٣) أن واصلا، رحمه الله تعالى، كان قبل أن يتعبد يتجر بحانوت له «بجمّة» بما يوزن ويكال، فأتته امرأة فساومته في شيء مما بين يديه، فجرى بينهما منازعة فقالت له: «كفى بك ما أنت فيه بين مكيال وميزان»، فقال لها: «صدقتني (١٤) يا أمة الله».فألقى الله، ، في قلبه في الوقت ترك البيع والشراء، وقام عن الدكان من فوره وترك جميع ما كان فيه، ومضى كما هو إلى «قصر جمّة» فأقام فيه أياما ملازما للقبلة لا يفتر من صلاة وصيام ليلا ونهارا. فلما (١٥) رآه أهل القصر على تلك الصورة، تبينوا فيه الضعف من كثرة العمل وعدم الغذاء، فكانوا يأتونه بعد المغرب بإفطاره، بشيء من خبز الشعير وبقل البرية، فغفلوا عنه ليلتين لم يأتوه بشيء لما طال ذلك عليهم. فلما كان في الليلة

стр. 465

الثالثة، بعد صلاة العشاء الآخرة، إذا بضارب يضرب باب القصر عليهم، فتشرفوا (١٦) من أعلى القصر وقالوا: «من أنت؟ » فقال لهم: «أنا غلام فلان» - فسمى رجلا (١٧) مذكورا بالخير- «أرسلني مولاي بطعام إلى الشيخ واصل، وقال لي: إن أنت وصلت (١٨) إليه في هذه الليلة بهذا الطعام وأكل منه فأنت حر لوجه الله ».ففتحوا باب الحصن في ذلك الوقت، خلاف عادتهم (١٩)، رغبة منهم في عتق الغلام، فإذا مع الغلام حمل بغل موقر، عليه من أصناف الأطعمة والحلوى [شيء كثير] (٢٠). فأتوا بذلك إلى واصل، فمد يده إلى شيء منه فأكل، وقال للمرابطين: «افترقوا (٢١) جميعه فيما بينكم» ولم يدخر منه شيئا. فقال بعضهم [لبعض] (٢٢): «أبيتم أن تطعموه خبز الشعير وبقل البرية، وهو أطعمكم هذا الطعام الطيب الذي لا تعرفونه ولا نقدر على مثله (٢٣)». فمن تلك الليلة عرف القوم فضل واصل وموضعه من العبادة، ثم بانت بعد ذلك كراماته وإجابة دعوته. قال أبو الحسن بن الخلاف المتعبد-وكان يحب أخبار واصل ويثني عليه- قال: «أخبرني أبو ميسرة (٢٤) عن سعيد بن الحداد أن (٢٥) واصلا أقام أربعين سنة لم يدخر شيئا من الدنيا، وإنه ليقيم الأيام لا يطعم شيئا، فإذا جهد خرج إلى الحمى فيجمع شيئا من بقول الأرض يقتات (٢٦) به ثم يعود إلى مصلاه».

стр. 466

وحدث أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبي (٢٧)، قال: «سمع (٢٨) رجل بخبر واصل-و [كان] (٢٩) الرجل من أهل المشرق-فأتى قاصدا ليراه ويزوره ويسأله سؤال امتحان، فقال له: «قرصتك (٣٠) من أين؟ »، قال: «من بين الكاف والنون».قال: «فأخبرني عنك: «أنت مقيم بالمسجد وليس [لك] (٣١) مأوى غيره، فإذا طبخ المرابطون قديراتهم (٣٢) وصلّوا المغرب ودخلوا [بها] (٣١) بيوتهم، وسمعت حسّا على الداموس، هل تتشرّف (٣٣) نفسك إلى من يأتيك بشيء تأكله؟ »، فقال له واصل: «ما لنا عند أحد شيء (٣٤) فننتظره يجيئنا به»، فقال له: «أنت واصل حقا». وعن ربيع بن سليمان القطان، رحمه الله تعالى، قال (٣٥): «قال واصل الجمّي (٣٦): «مكثت إحدى عشرة سنة (٣٧) فما علمت [أن] (٣٨) الشيطان ظفر بي فيها ولا ساعة واحدة، إلا في ثلاث خطوات خطوتها في طريق ثم عاد عليّ العلم ببركته فرجعت وأخذت طريقة أخرى»، فسئل عن بيان ذلك فقال: «نعم، كنت مرة بالساحل، فبينا أنا أمشي في آخر النهار إذ عرضت لي طريقان: إحداهما تنتهي إلى قرية رجل صالح فقير، والأخرى تنتهي إلى قرية رجل صالح غني، وهما جميعا صديقان. فوقفت ساعة أتدبر لمن أقصد منهما، فقالت لي نفسي: «إن قصدت هذا

стр. 467

الفقير فعسى بك أنك لا تجد (٣٩) عنده ما يتعشّى عياله وأطفاله، وإن كان عندهم ما يتعشون به فأنت تضيق عليهم في عيشهم وتشق عليهم وإن لم يظهر لك ذلك؛ وإن قصدت الغني وجدت عنده خبزا طيبا من القمح الذي (٤٠) حرثه في أرضه التي ورثها عن أبيه وجده، وتجد عنده زيتا طيبا وتينا فاخرا من ميراثه أيضا، وعسى أن يذبح لك خروفا من غنمه، وهي ترعى أراضيه وزيتونه، فتسره ولا تدخل عليه بمضرة وتجد بغيتك وتأكل شهوتك. فخطوت في الطريق ثلاث خطوات، ثم استيقظت من نومة الجهل والهوى فقصدت الطريق إلى قرية الفقير، فاجتمعت به، فرحب بي وفرح، وأنزلني عنده. فلما حضر العشاء ضرب علينا إنسان الباب، فخرج إليه صاحب الدار فدخل رجل/وعلى يده صحفة كبيرة فيها ثريد بخبز القمح وعليها لحم خروف سمين، فقال لي: «كل، أيدك الله» فأكلنا حتى شبعنا، وحمل الفضلة إلى عياله. ثم ضرب الباب مرة أخرى، فأتى بطبق في وسطه صحفة فيها زيت فاخر وحولها تين فاخر، فقال لي: «كل، يرحمك الله»، فأكلت حتى بلغت أمنيتي من ذلك، فقلت له: «من أين هذا؟ فأنا أعرف أن هذا ليس من مقدرتك» فقال: «صدقت، ولكن أتاني من عند جاري» فقلت له: «صح به»، فأتاني به. فقلت له: «من عندك هذا الطعام؟ » قال: [نعم] (٤١)، فقلت له: «أكنت منا على وعد؟ » فقال: «لا، لكن كان عندنا خروف سمناه، فلما كان في هذا اليوم حلا بقلوبنا ذبحه، فذبحناه وطبخناه وصنعنا (٤٢) له الخبز، وثردناه (٤٣). فلما رأيت جارنا قد نزلت به، قلت: «هذا الرجل صالح وليس يعرفه وليس يستضيف به إلا رجل صالح مثله، ونعرف أن ليس عنده طاقة»، فقلت للزوجة: «نحن نجد العوض عن

стр. 468

هذا (٤٤) في غير هذا الوقت، فهل لك أن نطعم كل ما هيأناه من الطعام لجارنا هذا وضيفه ونسألهما في دعوة فيحرز (٤٥) الله علينا أولادنا ويبارك فيما أعطانا؟ » فساعدتني على ذلك، فأخذت الصحفة من على المائدة وأتيت بها إليكم. ثم قالت لي الزوجة (٤٦): «لا بد من حلاوة تكون بعد الثريد» فأعطتني هذا التين وهذا الزيت». قال [عبد الله] (٤٧): لما آثر واصل، رحمه الله تعالى، الفقير على الغني أعطاه جميع ما اشتهى أن يأكله عند الغني من غير سؤال ولا استشراف. وهذا كله من ميراث الصدق. حدث الشيخ القدوة الفقيه أبو الحسن عليّ بن محمد القابسي، رحمه الله تعالى، قال (٤٨): ذكر [أن] (٤٩) محمد بن سحنون، رضي الله تعالى عنه، كان يوما جالسا في مسجده ضحى من النهار يلقي على أصحابه العلم وهو منشرح مقبل، حتى وجم فأطرق ساكتا متفكرا، ثم نهض للقيام وقال: «من حضرته [نية] الزيارة (٥٠) لواصل فليقم»، ثم خرج من فوره وخرج معه أصحابه حتى وصل إلى «قصر الرباط» بجمّة (٥١). فدخل إلى «القصر» في اليوم الثاني والمؤذن يؤذن الظهر، فنزل عن دابته وتوضأ للصلاة هو وأصحابه وصلّوا مع واصل الظهر، فلما فرغ من الصلاة والركوع تقدم إليه محمد بن سحنون فقال له: [واصل (٥٢): يا هذا رأيتك، أمررت يدك (٥٣) على لحيتك وهذا عمل لا يجوز! فقال ابن سحنون: وأنت يا شيخ أعد صلاتك

стр. 469

فإنك أشغلت سرّك بي، وسألت الله أن نأتيك ونراه قد فعل فهل من حاجة؟ فقال: أتكون ابن سحنون؟ قال]: نعم، فمدّ يده إليه وصافحه، وأقبل عليه وقال له: «لقد سألت الله تعالى أول أمس ضحوة النهار أن يجمع بيني وبينك».وسرّ به سرورا عظيما، ودعا له ولأصحابه ووادعه ثم انصرف. سعدون الخولاني-وكان يخدم واصلا-قال: «كنت أخدمه إلى أن تزوجت ابنة عمي، وأنا ابن ثماني عشرة سنة، فقال لي يوما: «يا سعدون، اشتهيت زرازير (٥٤) بيضاء، فإذا مضيت إلى قرية خولان فأتنا بها».فمضيت بالغد [وبلغت قريتي وأهلي] (٥٥) فقلت لهم: «هل وقع عندكم زرازير (٥٤)؟ » فقالوا: «والله ما وقع منها شيء (٥٦) حتى الساعة، لا بيض ولا سود (٥٧)»، فأخذت دجاجا وفراريج فسلقتها وسويت بعضها (٥٨)، وأخذت بيضا وجبنا وتمرا وزيتونا مملحا وخبز قمح، وملأت جرابا، وجعلته بين يدي. وركبت حتى وصلت به إلى واصل. فجعلت الجراب بين يديه، فقال: «اللهم طول أعمارهم وتقبل أعمالهم وأصلح نسلهم، وأمت سعدونا على السنة والاعتصام بحبل الله تعالى».فقلت له: «يا سيدي، هذه الدعوة أحب إليّ من الدنيا وما فيها. تقول لك العروس ابنة عمي: «والله ما وقع عندنا من الزرازير البيض شيء في هذه السنة، وهذه هديتي، فأشتهي [أن] (٥٩) تقبلها» فقال: «قد قبلتها». وفتح الجراب فأخرج منه منديلا فيه اثنتا عشرة تردة (٦٠) ما رأيت مثل بياض شحومها وهي مسلوقة، فعزل منها اثنين، وأعطاني أنا اثنين، وأعطى أبا الفرج

стр. 470

الرجل الصالح اثنين، وفرق باقيها على قوم صالحين، ثم قال: «يا سعدون، فرق هذا المزود الذي فيه الهدية على جيراننا واحبس بعضه، فإنه ليس لنا منه إلا شبعة». قال: «فبقيت متعجبا لأني لا أعرف [أنه كان فيه] (٥٩) زرازير بيضاء. فأدلجت في السحر إلى ابنة عمي» قال: «فسألتها، فقالت: «لا والله ما جعلت فيه إلا ما رأيت».فرجعت إلى القصر، ففطن لي واصل فقال: «يا سعدون، إنما أريتك هذا لتعلم يا بني أنه من أطاع الله تعالى نال الدنيا والآخرة». وذكر (٦١) أنه زار سعدون الخولاني واصلا الجمّي، فلما دخل القصر قام المرابطون فسلموا عليه وقالوا له: «نحب منك إذا سلمت على واصل تسأله أن يدعو لنا في زوال البق عنا، فقد حلّ علينا منه أمر عظيم»، فاستأذن سعدون على واصل، فأذن له، فدخل إليه فوجده في بيت مظلم جالسا على حصير قد اسود من طول ما لبس (٦٢) فسلم عليه وجلس، فأصابه من البق ما أقلقه، فقال له واصل: «ما قصتك؟ » قال: «آذاني البق»، وأخبره (٦٣) بما شكا أهل القصر من ذلك، فدعا الله ﵎ في إزالة ذلك عنهم، ثم ودعه وانصرف. قال سعدون: «فلما صرت في الباب سمعته يقول: «أعوذ بالله منك يا ملعون» ثلاث مرات، ثم أطلت القيام فلم أسمع شيئا، فاستأذنت عليه، فأذن فدخلت عليه وسألته ما السبب فيما سمعته منه، فقال: «نعم، لما خرجت تصور لي الشيطان في صورة [امرأة] (٦٤) أقبلت بين يديّ وأدبرت، فقلت: «أعوذ بالله منك يا ملعون»، ثم تصور في صورة حية قرناها في السقف ورأسها في الأرض فقلت: «أعوذ بالله منك يا ملعون»، ثم تصور في صورة أخرى-نسيها أبو بكر الزويلي راوي هذه القصة- فقلت: «أعوذ بالله منك يا ملعون» فذهب عني، وكفاني الله شره». قال: «فوادعته فانصرفت وأخبرت المرابطين بما كان منه من الدعاء. فلما كان بعد ذلك بمدة، دخلت القصر لزيارة واصل، فقام إليّ المرابطون فقالوا لي: «جزاك الله

стр. 471

عنا خيرا، فقد انقطع عنا البق فما رأيناه من الوقت الذي/دعا فيه واصل»؛ رحمه الله تعالى. وذكر سعدون أيضا، قال: أردت الحج، فمضيت إلى واصل الجمّي أودعه وأسأله الدعاء، قال: فدخلت إليه فإذا عنده من البراغيث والبق أمر عظيم، قال: فأقبلت أتحرك كلّما أكلوني، وواصل جالس لا يتحرك، فلما رأى قلقي قال: «يا سعدون، ما لك؟ » فأخبرته بما أصابني من ذلك، فقال لي: «أتحسهم يا سعدون؟ » فقلت له: «نعم» فقال: «يا سعدون، عاذك في أبي جاد (٦٥)، ما أتى بك؟ » فقلت له: «إني أردت التوجه إلى الحج، فأتيت إليك لأودعك وتدعو لي» فقال لي: «وجمعت الدنانير يا سعدون، دينارا على دينار، حتى لزمتك (٦٦) فريضة الحج؟ لقد أكلت، يا سعدون، على هذا الحصير طعاما لم تمسه الأيدي. وما أخبرتك بهذا إلا لتعمل! ». وذكر عن أبي محمد الجبي أن (٦٧) واصلا خرج ليلة من المسجد، فلما صارت إحدى رجليه خارج المسجد والأخرى داخله عرضت له فكرة، فرفع رأسه إلى السماء وقال لنفسه: «أطاعته السّماوات والأرضون على عظمتهن ومن فيهن، وعصيته أنت على صغرك وضعفك! »، قال ذلك يخاطب نفسه، فبقي باهتا حينا طويلا حتى استغرق واسترخت يداه (٦٨) وسقط مغشيا عليه، وصادف رأسه الحائط فجرحه، فبادر سكان القصر فحملوه وغسلوا الدم عنه وربطوا رأسه وهو في حاله، رحمه الله تعالى. ولما حكى أبو الحسن (٦٩) عن واصل قوله لسعدون: «لقد أكلت طعاما على هذا الحصير لم تمسه الأيدي ... » قال له بعض من حضر: «لعله يريد الفواكه، لأنها لم

стр. 472

تعملها الأيدي»، فقال له أبو الحسن: «ومن يقول هذا، وأن هذه لم تعملها الأيدي، والله تعالى يقول: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) (٧٠) إلى قوله تعالى: (وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) (٧٠) فما (٧١) كانوا ممن يحكون (٧٢) هذا اللعب؟ ». وقال سعيد بن الحداد: قال لي واصل يوما: «يا سعيد، من أحب أن يعرف لم يصدق في عبادته، وإنما كره المتقون أن يعرفوا خوفا منهم أن يكرموا لعلمهم، فرغبوا إلى الله تعالى أن يخفي ذكرهم في الدنيا عن جميع خلقه. يا سعيد (٧٣)، من استأنس بالله لم يستوحش وإن كان في رءوس الجبال، فما أوحش من يكن الله أنيسه (٧٤)». قال أبو بكر عتيق بن خلف: كان واصل كثيرا ما يقول: «ثلاثة من أعلام المحبة: حب الليل للتهجد والخلوة، وكراهية الصبح لرؤية الناس والغفلة، والمبادرة بالصالحات مخافة الفترة». وكان يقول: «إن طريق الآخرة قد خلا لسالكيه، فلا يسلكه إلا القليل؛ وازدحم الناس على طريق الدنيا حتى تضاغطوا فيه واندفعوا ولم يسمح أحد لصاحبه. والناس في طريق الدنيا ثلاثة أصناف: صنفان معتلنان، وصنف مستتر. فالصنفان المعتلتان الملوك والتجار: طلبوا الدنيا غير مرائين، استوت أسرارهم وعلانيتهم؛ والصنف الثالث المستترون: أظهروا قصد الآخرة وضمائرهم مطوية على الدنيا، ورأوا أن طلب الدنيا بالدين أعظم ربحا فذهبوا (٧٥) أن يجمعوا بين الحالتين. أن يبقى لهم إجلال الديانة، ويبلغوا إلى شهواتهم الباطنة. ولم يأخذ أحد من الدنيا منزلة إلا ترك مثلها من الآخرة. فلما قصدوا الدنيا من الجهتين سقطت عنهم الآخرة من الجهتين، لأن طلب الدنيا بالدنيا مباح، وطلب الدنيا بالدين محرم». وكانت لواصل أخت، فكان لاشتغاله بالعبادة والتبتل لا يتفرغ لزيارتها،

стр. 473

وكانت هي لا تقدر على الوصول إليه. فلما حضره الموت واشتدّ به الأمر وقرب منه ما بعد، قال لبعض من بحضرته: «امضوا إلى أختي فأتوني بها»، فمضوا إلى منزلها فأتوه بها. فلما وصلت أخبروه وقالوا: «أتدخل إليك؟ » فقال: «لا سبيل إلى دخولها، ولا أكون أول من أباح للنساء دخول الحصون (٧٦). اجعلوها عند باب القصر تبكي وتنوح حتى أسمعها».قال: فبكت وناحت حتى سمعها، فبكى ثم قال: «قولوا لها: انصرفي، فالموعد بيني وبينك الآخرة» ثم توفي، رحمه الله تعالى. أخبر بهذه الحكاية أبو الحسن بن الخلاف، فكان يقول: «عجبا، كيف أمرها برفع الصوت بالنواح؟ لعله إنما استخف ذلك وأباحه لأخته للحديث الذي جاء في «الموطأ» (٧٧) في دخول النبي ﷺ على عبد الله بن ثابت (٧٨) فوجده قد غلب عليه. [فصاح به. فلم يجبه. فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: غلبنا عليك، يا أبا الربيع. فصاح] (٧٩) النسوة وبكين فجعل جابر (٨٠) يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ : «دعهن، فإذا وجب، فلا تبكينّ (٨١) باكية».قالوا: «يا رسول الله، ما الوجوب؟ »، قال: «إذا مات»، فقد أباح لهم ﷺ الصياح والبكاء عند احتضار المريض وقرب الموت منه». وكانت وفاة واصل، رحمة الله عليه، سنة اثنتين وخمسين ومائتين. قال أبو العرب (٨٢): وقبره بين يدي حوانيت الخياطين الذين بقرب القصر، جمع الله تعالى بيننا وبينه في جنته برحمته.

стр. 474

ذكر الطبقة الخامسة من علماء القيروان وعبادها وما يتصل بها من بعض مدنها ومراسيها وأبدأ من هذه الطبقة بذكر أصحاب سحنون، رضي الله تعالى عنهم. فقد كان جمع الله، ، فيهم الفقه والدين والورع والتواضع والزهد. فمما ذكر عنهم أن شيبة (١) بن زنون تحدث فقال (٢): «عرست (٣) فدعوت ليلة عرسي جماعة من أصحابنا منهم أحمد بن نمير، فأتوني»، قال: «وكان فيمن دعوت شيخ (٤) من أهل المشرق- كان قدم علينا-من أصحاب أحمد بن حنبل. وكان الناس يسمعون منه العلم، وكان شيخا مسمتا نبيلا قلّما رأينا مثله».قال: «فكان أصحابنا في أول الليل في قراءة وتغبير (٥) وبكاء وخشوع، ثم أخذوا بعد ذلك في مسائل العلم والمناظرة فيها، ثم ابتدروا بعد ذلك زوايا الدار يصلون أحزابهم»، قال: «فنظر/الشيخ الذي من أصحاب ابن حنبل فقال: «من أصحاب من هؤلاء؟ .ومن معلمهم العلم؟ والله ما رأيت أحدا قط أنبل من هؤلاء: أخذوا في أول الليل في قراءة القرآن والبكاء والخشوع، وبعد ذلك أخذوا يتناظرون في العلم، ثم بعد ذلك وثبوا إلى قيام الليل والتهجد بأحزابهم. والله ما رأينا مثل هؤلاء قط، والله ولا يصحب (٦) هؤلاء رجلا إلا نبلوه وشرّفوه»، فقيل له: «هؤلاء أصحاب سحنون».

стр. 475

قال أبو العرب (٧): حدثني عبد الله بن محمد (٨)، قال: كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر ممن يحضره من طلبة العلم. كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض. ١٤٧ - فمن ذلك ولده أبو عبد الله محمد بن سحنون (*)، رضي الله تعالى عنهما . قال أبو العرب (١)، كان إماما ثقة عالما بالمذهب، مذهب أهل المدينة، عالما بالآثار. لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه، ألف في جميع ذلك كتبا كثيرة تنتهي [إلى] (٢) نحو مائتي كتاب في جميع العلوم وفي المغازي والتواريخ (٣). وكان والده قد تفرس فيه الإمامة، وكان والده يقول (٤): «ما أشبهه إلا بأشهب». وكان والده يقول لمعلمه (٥): «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ممن يؤدب بالضرب [والتعنيف، واتركه على نحلتي (٦)] (٧)، فإني أرجو أن يكون نسيج وحده

стр. 476

وفريد أهل زمانه، وأخاف (٨) أن يكون عمره قصيرا». وانتشرت إمامته في حياة والده، وأدرك من جميع العلوم ما لم يدركه غيره من أهل عصره. وكانت له حلقة غير حلقة أبيه (٩). ومولده سنة اثنتين ومائتين، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن «بباب نافع». سمع (١٠) من أبيه، وعليه معتمده، وسمع من موسى بن معاوية الصمادحي، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وعبد الله بن أبي حسان اليحصبي ورحل إلى المشرق سنة خمس وثلاثين ومائتين فلقي جماعة من العلماء منهم أبو المصعب الزهري صاحب مالك، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وسلمة بن شبيب وغيرهم. ولما (١١) عزم على الرحلة قال له والده: إنك تقدم على بلدان-سمّاها-إلى أن تقدم إلى مكة، فاجهد (١٢) جهدك. فإن وجدت عند أحد من أهل هذه البلدان مسألة خرجت من دماغ مالك بن أنس وليس عند شيخك-يعني نفسه-أصلها، فاعلم أن شيخك كان مفرطا. فلما (١٣) وصل إلى مصر نزل على أبي رجاء بن أشهب، سأله أبو رجاء في ذلك ففعل. قال: فكان علماء مصر يأتونه ويسلمون عليه، قال: فأتاه المزني صاحب الشافعي فيمن أتاه، وجلس معه كثيرا ليقلّ (١٤) الناس ويخلو معه. فلما خرج قدمت إليه دابته ليركب، فقيل له: «كيف رأيته؟ » قال: «لم أر والله أعلم منه ولا أحدّ ذهنا [على حداثة سنّه] (١٥)».

стр. 477

قال [عيسى بن مسكين] (١٦): وكتب كتابا (١٧) الإمامة بمصر بماء الذهب وأهديا (١٨) إلى الخليفة، [قال عيسى] (١٦): وما ألف في هذا الفنّ أحسن منهما. وذكر (١٩) أبو بكر بن اللباد أن محمد بن سحنون أتى بعد موت أبيه زائرا إلى عبد الرحيم بن عبد ربه (٢٠) الزاهد (٢١) فسلم عليه، فرد ﵇ وتركه يجلس حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف. فلما كانت الجمعة الآتية، انتهض ابن سحنون أصحابه في زيارة عبد الرحيم، فقالوا: «رأيناه لم يقبل عليك ولا رحب بك في حين زيارتك له، فكيف تعود إليه بعد هذا؟ » فقال: «ليس هذا بغيتي، هو رجل صالح ترجى بركته وبركة دعائه، وكان والدي، رحمه الله تعالى، يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه عند المهمات من الأمور». قال: فتوجه محمد زائرا لعبد الرحيم، فلما رآه عبد الرحيم قام إليه قائما (٢٢) على رجليه ورحب به وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتى انصرف. قال: فرجع إلى عبد الرحيم بعض أصحاب ابن سحنون فقالوا له: «أصلحك الله، رأينا منك عجبا» فقال: «وما هو؟ » فقالوا: «أتاك محمد بن سحنون تلك الجمعة فلم تقبل عليه، ثم أتاك اليوم فأقبلت عليه»، فقال عبد الرحيم: «والله ما أردت بذلك إلا الله : رأيت اجتماع الناس حوله فخفت عليه الفتنة، فعملت ما عملت لصلاح حاله ولأجرّبه، فرأيت في الليلة المقبلة قائلا يقول لي: «مالك لم تقبل على محمد بن سحنون وهو ممن يخشى الله ؟ » ففعلت ما رأيتم». وذكر الشيخ أبو الحسن القابسي، رضي الله تعالى عنه، عن بعض شيوخه،

стр. 478

قال (٢٣): ذكر لي بعض سكان «المنستير» «بقصر ابن الجعد» (٢٤) أنه خرج من بيته إلى الميضاة التي في أسفل القصبة، فسمع في البيت الذي يفتح إلى القبلة بقرب الميضاة (٢٥) قارئا يقرأ في سورة الأعراف: (وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ) (٢٦). وهو يرددها ويبكي، فقضى حاجته ورجع إلى بيته والقارئ في هذه الآية على حاله يرددها ويبكي. وكانت ليلة شاتية، فلما كان آخر الليل نزل يتوضأ لصلاة الصبح، فجاز بذلك البيت، فسمع الرجل يردّد الآية لم يزل عنها، فوقف عند الباب ليسمع قراءته، فسمع حسّ وقوع الدموع على الحصير، ولم يزل كذلك حتى غشيه الفجر، فخاف أن تفوته الصلاة، فأسرع بالوضوء (٢٧)، ووقف إزاء الباب ينتظر خروج ساكن ذلك البيت، فخرج رجل قد ستر وجهه بردائه، فطلع إلى مسجد القصبة فاستقصى عليه حتى عرفه، فإذا به محمد بن سحنون، رضي الله تعالى عنه. وقال اللبيدي: سمعت من أثق به يقول: «خرج محمد بن سحنون من القيروان إلى «قصر الطوب» (٢٨) للعبادة والحرس على المسلمين، قال: فنزلت قطاع الروم بساحل ذلك البحر، فضربوا على الساحلين وعلى تلك المنازل، فتصايح الناس ولم يكن مع محمد بن سحنون إلا بغل، فخاف إن بعث إلى سوسة في طلب فرس أن ينال الروم من المسلمين بغيتهم، فتقلد بسيف وأخذ رمحا ودرقة، وركب ذلك البغل الذي كان معه، واجتمع إليه الناس في جماعة من المرابطين ومن بقرب من القصر من أهل البوادي/التي حوله، وتمادى بمن معه إلى الروم فوجدهم قد أشرفوا على نهب

стр. 479

الأموال وسبي الحريم، فكبر عليهم هو ومن معه وقد ناشبوهم القتال، فهزمهم الله على يديه، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأتبعهم بالهزيمة حتى أدخلهم البحر هاربين، فحلف محمد بعد ذلك أنه لا يخرج إلى الحرس إلا بفرس». ورأيت (٢٩) موعظة كتب بها محمد بن سحنون إلى بعض أمراء بني الأغلب يقول فيها: «أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله الذي بطاعته نيلت معالي الأمور وارتقي إلى شرفها. وأول ما آمرك به النظر لنفسك ومعادك الذي تصير إليه، فلا دنيا لمن لا آخرة له، وبحسن المنقلب يغبط المرء. فانظر لنفسك وخذ بعنانها واحبسها في (٣٠) كل أمر تنازعك إليه. فعمّا (٣١) قليل تذهب الدنيا وتأتي الآخرة، فلا ينفع نفسا إلا ما قدمت ولا يسوؤها إلا ما عملت. وقد كان يقال: إن خير الخلطاء وأنفع الأخلاء المرشدون في المضلات، المذكرون في الغفلات. فأذكرك يوما هو منك قريب، تنزل فيه بساحتك ملائكة الرحمن، وقد أسلمك الأهل والولدان، تعطي حيث لا يقبل منك، مسلوبا منك ما في يديك منه، مودعا في بطن الأرض. ثم بعد ذلك الطامة الكبرى: يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، ثم ينشر لك كتاب (٣٢) فيه من عملك مثاقيل الذرّ والخردل، فانظر كيف أنت عند ذلك. وقد قلّدت أمرا عظيما، لكل الخلق فيك نصيب، قد اشترك فيك العدو والصديق؛ فخلص نفسك من وثاقها بأن تملأ الأرض عدلا كما أمرك الله سبحانه. واعلم أن الذي ملكك أمر عدوك، وأدال لك عليه، وأذله بين يديك، هو الله ربك وربه، وإلهك وإلهه، ومالكك ومالكه، يديل الأمور بينك وبينه في الدنيا، ثم يتولّى الحكم بينك وبينه يوم القيامة، فيأخذ منك له (٣٣) بمثاقيل الذر والخردل. فانظر، رحمك الله وإيانا، لنفسك نظر من يموت غدا ثم يحاسب بجميع ما قدم. ولا تملّك نفسك عنانها، وتمهل في أمرك، وآثر الله عند غضبك، واعمل في ذلك وكل أمرك بما

стр. 480

يرضى الله سبحانه، فإنه يرضى عنك. وآثر رضى الله على رضى عباده، ولا ترض عباد الله بسخطه، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا. وأنزل كتابي هذا منك بمنزلة من مرض أبوه (٣٤) فهو يسقيه من الدواء ما يكره رجاء منفعته وهو به بار وعليه شفيق (٣٥). والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وذكر (٣٦) عنه أنه كانت له تسعة أسرة لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال لها «أم مدام».فكان عندها يوما من بعض الأيام، فقال لها: «ما عندك الليلة يا أم مدام؟ » فقالت: «زوج فراخ» فقال: «اصنعيهما لنا الليلة»، ففعلت ذلك وقد أخذ فيما هو فيه من التأليف في كتاب يرد فيه على بعض المخالفين، فاشتغل في ذلك إلى الليل، فلما حضر الطعام استأذنته فقال لها: «أنا مشغول الساعة».فلما طال ذلك عليها أقبلت تلقمه الطعام إلى أن أتى على الفرخين، ثم تمادى فيما هو فيه إلى [أن] (٣٧) أذن في الجامع لصلاة الصبح، فقال لها: «يا أم مدام، شغلنا عنك الليلة، قرّبي ما عندك من الطعام»، فقالت: «قد والله يا سيدي أطعمته لك» فقال: «ما شعرت بذلك» لشغله وتعلق قلبه بما كان فيه من التأليف. وقال أبو الحسن القابسي: سمعت عيسى بن مسكين يقول: بينا نحن مع سحنون إذ أقبل ولده محمد، فنظر إليه سحنون ثم نظر إلينا فقال (٣٨): [أي فتى لولا أنّ عمره قصير، ثم أقبل ولده جعفر، فنظر إليه ثم نظر إلينا فقال] (٣٩): «ليس كل فراخ العش تطير». وحضر (٤٠) محمد بن سحنون يوما عند عليّ بن حميد الوزير، وكان عليّ يبغيه، وكان يجل محمدا ويعظمه ويكبره، وكان في مجلسه جماعة ممن يحسن المناظرة،

стр. 481

وأحضر معهم شيخا قدم من المشرق يقال له أبو سليمان النحوي (٤١) صاحب الكسائي الصغير (٤٢)، وكان يقول بخلق القرآن ويذهب إلى الاعتزال، فقال عليّ بن حميد الوزير لمحمد: «يا أبا عبد الله، إن هذا الشيخ وصل إلينا من المشرق، وقد تناظر معه هؤلاء فناظره أنت»، فقال [محمد] (٤٣): «تقول (٤٤) أيها الشيخ أو تسمع؟ » فقال له الشيخ: «قل يا بني» فقال محمد: «أرأيت كل مخلوق هل يذل لخالقه؟ » فسكت الشيخ ولم يحر جوابا، ومضى وقت طويل وانحصر ولم يأت بشيء، فقال له محمد: «كم سنة أتت عليك أيها الشيخ؟ » فقال له: «ثمانون سنة» فقال ابن سحنون للوزير ابن حميد: «قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الميت بعد سنة من يوم موته (٤٥)، فقال بعضهم: «يصلّى عليه»، وأجمعوا أنه إذا جاوز السنة (٤٦) لا يصلى عليه، وهذا الشيخ له ثمانون سنة ميت في عداد (٤٧) الموتى، فقد سقطت الصلاة عليه بإجماع»، ثم قام. فسر بذلك عليّ بن حميد وأهل المجلس. فسئل ابن سحنون أن يبين لهم معنى سؤاله هذا فقال: «إن قال إن كل مخلوق [يذل لخالقه] (٤٨)، فقد كفر، لأنه جعل القرآن ذليلا، لأنه يذهب إلى أنه مخلوق. قال الله : (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤٩)، وإن قال: إنه لا يذل فقد رجع إلى مذهب أهل السنة لأنه لا يذهب [في هذه الحالة] (٥٠) إلى أنه مخلوق الذي هو صفة من صفاته».

стр. 482

وذكر (٥١) أنه كان يصحب محمد بن سحنون ويطلب عليه الفقه وعلم الكلام والحلال فتى يعرف بأبي الفضل بن حميد (٥٢) -أخو عليّ بن حميد الوزير-ولم يكن في علم الجدل بالماهر، فخرج إلى الحج فمر بمصر، فدخل حماما بها فإذا عليه رجل يهودي، فلما خرج من الحمام أقبل (٥٣) يناظر اليهودي على مذهبهم [فغلبه اليهودي] (٥٤)، فرجع إلى القيروان بعد ما حج وفي قلبه حسرة، إذ لم يكن عنده من المناظرة ما يدحض به حجة اليهودي. فلما رجع دخل على محمد بن سحنون فهابه أن يذكر الحكاية. فقضى الله تعالى أن خرج محمد بن سحنون على إثر ذلك إلى الحج فصحبه ذلك الرجل إلى مصر، فقال له: «امض بنا رحمك الله إلى الحمام»، فأجابه ابن سحنون إلى ذلك، فمضى به إلى الحمام الذي عليه ذلك اليهودي، فلما خرج ابن سحنون سبقه ذلك الرجل بالخروج، فأنشب المناظرة مع اليهودي، فلما خرج ابن سحنون وجدهما يتناظران، وقد استعلى اليهودي على الرجل بكثرة الحجاج والمناظرة بالباطل لضعف (٥٥) الرجل وقلة معرفته بالمناظرة، فدخل معهما محمد فيما هما فيه، ورجعت المناظرة بين اليهودي ومحمد بن سحنون حتى حضرت (٥٦) صلاة الظهر، فأقام محمد الصلاة وصلّى، وعاد إلى المناظرة حتى حضرت (٥٦) صلاة العصر فأقام محمد الصلاة وصلّى العصر، ثم عاد إلى المناظرة فلم يزل إلى صلاة المغرب وقد اجتمع الناس إليهما من كل موضع. وشاع ذلك بمصر وقال الناس بعضهم لبعض: امضوا نسمع المناظرة بين الفقيه المغربي وبين اليهودي. فلما كان عند صلاة المغرب انحصر اليهودي وانقطع (٥٧) عن الحجة وظهر عليه ابن سحنون بالدلائل الواضحة والحجة البالغة.

стр. 483

فلما تبين اليهودي الحق بالبرهان وأراد الله هدايته، قال عند ذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله! » فأسلم وحسن إسلامه، فكبّر الناس عند ذلك، وعلت أصواتهم بالتكبير وقالوا: «أسلم اليهودي على يدي الفقيه المغربي! »؛ فقام محمد وهو يمسح العرق عن جبينه، ثم رد وجهه إلى صاحبه وقال: «لا جزاك الله خيرا عنّي» ولامه أشد اللوم، وقال له: «كاد أن تجري على يديك فتنة عظيمة. كيف تأتي إلى رجل يهودي تناظره وأنت ضعيف المناظرة والجدال؟ فإذا رأى (٥٨) من أراد الله فتنته هذا الذي كان يهوديا قد غلبك واستظهر عليك بباطله أدخلت عليه الفتنة وداخله الشك في دينه. فلا تكن لك عودة (٥٩) لمثل هذا وتب إلى الله من ذلك. ولولا أني خفت الفتنة على الناس أن يداخلهم شك في دينهم ما ناظرته».فرضي الله تعالى عنه. وكان عنده من العفو والصفح عمن قصده [بأذى] (٦٠) أمر كبير، وسياسة حسنة، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرف الأمور: حدث الشيخ أبو الحسين علي بن الكانشي (٦١) رحمه الله تعالى فقال: سمعت عيسى بن مسكين يقول: «كان (٦٢) العراقيون قد استعملوا رجلا يسب محمد بن سحنون، وكانوا يصلونه على ذلك. فكان ذلك الرجل إذا لقي محمدا مخليا سبه علانية، وإذا لقيه في أصحابه سبه سرا في أذنه، وفي كل ذلك لا يرد عليه (٦٣) محمد شيئا، صبرا منه على الأذى رجاء لثواب الله . فأتاه يوما فوجده مع أصحابه، فسبه في أذنه، فلما فرغ من سبه خاف [محمد] (٦٤) من أصحابه أن يبطشوا به، فقال له: «نعم وكرامة! إذا أنا تفرغت تعود إليّ تقضى حاجتك إن شاء الله»

стр. 484

وأوهم الحاضرين أنه إنما سأله في حاجة. فبلغ ذلك العراقيين وقيل لهم: «أظننتم أن فلانا يسب محمد بن سحنون، وهو إنما حادثه في أذنه وسأله حاجة؟ » فاتفقوا على قطع صلته، فضاع الرجل وضاع أهله وعياله ووصل إليهم الضرر، فشكا ما نزل به إلى بعض الصالحين فقال: «إن فعلت ما آمرك به حسنت عاقبتك وعاقبة أهلك في الدنيا والآخرة» قال: «وما هو؟ » فقال: «عليك بصاحبك الذي كنت تسبه فأطلعه على أمرك»، فقبل نصيحته ومضى إلى [ابن] (٦٤) سحنون فوجده في مجلسه والناس حوله، فأصغى إليه بأذنه على العادة فقال له: «أصلحك الله ما جئت لهذا، وإنما جئت تائبا منيبا مما كان مني إليك»، فقال له: «اجلس» فجلس. فلما انقضى المجلس أخذ بيده ومضى إلى داره ودفع إليه صرة فيها عشرون دينارا عينا، وقال له: «اتسع بهذه إلى حين (٦٥) يلطف الله لنا»، ثم كتب محمد بن سحنون ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا مياسير من أصحابه بالساحل، يسأل كل واحد منهم في شراء جارية وتوجيهها (٦٦) إليه، فوصل إليه ثلاثون جارية في مدة يسيرة، فأمر ببيع خمس منهن وكسا بثمنهن الخمس والعشرين الباقيات وحلاّهن وأجلسهن صفا واحدا، ثم أحضر الرجل العراقي، فلما دخل أقبل عليه وقال له: «ما أبطأ بك عنا، أصلحك [الله] (٦٤)؟ » فقال: «استحياء منك لما سلف من قبح فعلي وسوء لفظي وعظيم إحسانك إليّ».ثم دفع إليه الجواري، فخرج من دار محمد بخمس وعشرين جارية. [وهذا الفعل من محمد] (٦٧) امتثال لقول الله : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (٦٨)، ثم قال : (وَما يُلَقّاها إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (٦٩). وله في مثل ذلك مقامات عجيبة، رحمه الله تعالى. وكانت له سياسة حسنة، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرفها (٧٠)، ولقد

стр. 485

حدث أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه، قال: خرج أمين (٧١) لسليمان القاضي (٧٢) ليرابط بالمنستير، فصلّى بهم إمامهم فسلم تسليمة ثم وثب فقام، فقال الأمين: «ما له؟ أملدوغ هو؟ » فقالوا: «ما به ما ذكرت، وإنما هذا مذهبه» فأراد أن يجعل الإمام يسلم تسليمتين فلم يساعده على ذلك أهل المنستير وأغلظوا له في ذلك، اتباعا منهم لمذهب مالك رضي الله تعالى عنه. فخرج من المنستير مغضبا فوصل القيروان فدخل على سليمان فأخبره بما جرى له مع أهل المنستير وما تكلموا به، وأغرى بهم سليمان. فتغيظ سليمان وأرسل خلف جماعة منهم، فلما وصلوا إلى الفسطاط (٧٣) بعثوا رجلا منهم إلى محمد بن سحنون فأخبروه، فقال ابن سحنون: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون! ينهرهم ويهينهم ولا يعرفون ما يقابلونه به»، فقال للرجل: «ارجع إليهم فقل (٧٤) لهم: إذا كان غدا فادخلوا من باب أبي الربيع وقت اجتماع الناس، وليكن بين أيديكم رجل من أصحابكم وليقل: «يا معشر المسلمين! الدعاء لأهل المنستير. فإن القاضي سليمان بن عمران بعث وراءهم ولا يدرون فيما ذا أرسل وراءهم».قال: ففعلوا ذلك، فارتجت القيروان/وامتلأت الأزقة بالناس وامتلأت السقيفة على سليمان، وامتلأ الدرب الذي كان يسكن فيه، فقال: «ما بال الناس؟ » فقال له «قليل» (٧٥): «إن أهل المنستير قد جاءوا، وإن أهل القيروان قد أتوا إليك لينظروا ما تعمل بهم» (٧٦)، فخاف سليمان من ذلك خوفا شديدا، وقال لحاجبه: «قل لأهل المنستير ينصرفون إلى مواضعهم، فما لنا عليهم سبيل».

стр. 486

وذكر عن (٧٧) أحمد بن مسعود المعروف بدلك (٧٨) أنه كان يختلف إلى محمد بن سحنون ثم مال إلى ابن عبدوس، فسأل ابن عبدوس يوما فقال: «ما تقول في الإيمان أصلحك الله، إنه مخلوق هو أم غير مخلوق؟ » فقال له ابن عبدوس: «لا أدري، ولكن [سل] (٧٩) صاحب الكوة» -وهو يريد ابن سحنون؛ وكان ابن سحنون يجلس في طاق في مسجده. فأتى الرجل ابن سحنون فسأله، فقال له محمد بن سحنون: «فأين صاحبك؟ » فقال: «قد سألته فلم يجبني وأرسلني إليك»، فقال له محمد: «هذه مسألة تحتاج أن يختلف فيها سنة».ثم قال له: «الإيمان بضع وسبعون درجة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله. فالإقرار غير مخلوق، وما سوى ذلك من الأعمال مخلوقة».قال أحمد: فمضيت إلى العراق، فاجتمعت مع داود (٨٠) فسألته عنها، فكان جوابه كجواب ابن سحنون، رحمه الله تعالى. وذكر عنه، رحمه الله تعالى، أن رجلا أتاه فقال: «آتي العمل من أعمال البر في السر وأحب أن يظهر ذلك عليّ» فقال له محمد: «قل لنفسك: إنه إذا ظهر عليك نفعك عند الله تعالى. فإن قبلت نفسك ذلك فهو رياء، وإن أبت نفسك ذلك فلا يضرك ما دعتك إليه». قال عيسى بن مسكين: «جادت عندنا سنة من السنين البقلة الحرشاء وهي لسان الحمل (٨١)، فحملت منه إلى محمد في طرف ردائي، ثم رميته على كتفي فدفعته إلى

стр. 487

الخادم وأنا محتشم، لأنه شيء لم أفعله قبل ذلك، فلما رآه محمد خرج إليّ فقال لي: «جئتني بهذا ولم تصح لي من وراء الدرب! »، وفرح به وأوصاني أن أكثر له منه، فكنت أحمل إليه منه، وربما ملأت له خرجا منه وأرسل به إليه على حماري».قيل لعيسى: «وكيف جسرت عليه به أول مرة؟ » فقال: «لرزقه الذي كتب الله له فيه». ولما (٨٢) توفي قام الناس على قبره شهورا عدة حزنا منهم عليه وأسفا على فراقه بعد أن ضربت على قبره فازة (٨٣)، ذكر ذلك محمد بن حارث الأندلسي. قال أبو الحسين الكانشي: «بلغني (٨٤) أنه لما مات رثاه جماعة، منهم أحمد بن أبي سليمان رثاه بقصيدة (٨٥) ثلاثمائة بيت، منها يقول (٨٦): ألا فابك للإسلام إن كنت باكيا ... لحبل من الإسلام أصبح واهيا تثلم حصن الدين وانهدّ ركنه ... عشية أمسى في المقابر ثاويا إمام (٨٧) ... حباه الله فضلا وحكمة وفقّهه في الدين كهلا وناشيا وزوّده التقوى وبصّره الهدى ... فكان بلا شك إلى النور هاديا ألا أيها الناعي الذي جلب الأسى ... وأورثنا الأحزان، لا كنت ناعيا! نعيت إمام العالمين محمدا (٨٨) ... وقلت: مضى من كان للدين راعيا

стр. 488

ومن كان مصباحا دليلا على الهدى ... وللصالحين العالمين مواليا ومن كان حبرا عالما ذا فضيلة ... تقيا رضيا طاهر القلب زاكيا وقلت: ابن سحنون مضى لسبيله ... وأبصرته، حقا كما قلت، ماضيا فغادر أهل القيروان بوحشة ... وكان لهم أنسا وخلا مواتيا فجللهم شجوا، وألبسهم (٨٩) [أسى] ... وأوقرهم هما على الحزن راسيا ندبت ابن سحنون معلّمي الذي ... تعرفت خيرا حين كان إماميا قضى وانقضت عني لذلك (٩٠) راحتي ... وأفنى سروري عند ما صار فانيا سأذكر لا أنفك، ما دمت باقيا ... وإن مات، أوصافا له ومساعيا قد ارضى [جميع] الناس إذ كان فيهم (٩١) ... فعنه إله الخلق لا زال راضيا فقد عاش خمسا بعد خمسين حجة ... يحامي عن الإسلام إلاّ (٩٢) ثمانيا وناظر أهل العلم أمرد يافعا ... ولما التحى، بالعلم قام مناديا ولما علاه الشيب أبصرت نوره ... بما [قد] كساه (٩٣) الله أزهر فاشيا كذلك ذو النفس الكريمة إنما ... يعاطي [الفتى] (٩٤) الخطب الجليل تعاطيا ومن قول سحنون ومن قول مالك ... وضعت دواوينا لنا هي ما هيا وكان لك الله الذي حطت دينه ... بجنته (٩٥) الفردوس عنا مجازيا وحدث سحنون حديثا سمعته ... ولم يك سمع (٩٦) غير سمعك واعيا فكنت أمينا في الذي قلت صادقا ... ولست لما أحصاه قلبك ناسيا أقول، وقد أبصرته فوق نعشه: ... عليك سلام الله ألاّ تلاقيا

стр. 489

أيا تارك الدنيا، تركت لأهلها ... أسى باطنا، وجدا عليك، وباديا غدوت إلى قبر (٩٧) لدى «باب نافع» ... فسار إليه الخير أجمع غاديا أزال سرور الناس سترك (٩٨) عنهم ... وألقى عليهم في الخميس الدواهيا فأوجستهم (٩٩): من كان قربك ساكنا ... ومن كان في الآفاق يسكن نائيا (١٠٠) عممتهم بالوجد، إذ بنت، مثلما ... عممتهم بالنفع إذ كنت باقيا لمن (١٠١) جاء يبغي العلم كنت معلما ... ومن جاء للمعروف كنت مواسيا ومن (١٠٢) جاء مظلوما ذليلا لنصره ... تقول له: يا مرحبا بك جائيا فأقسمت نذرا (١٠٣) عامدا قول مالك: ... عليّ به حجا إلى البيت ماشيا ثلاثين عاما إن حججت أحجها ... كذلك أو ألقى من الموت لاقيا لقد حلّ من قلبي مصاب محمد ... بوجد نفى نومي وغيّر حاليا فلو أنه يفدى من الموت والبلى ... لكنت له دون البرية فاديا يقول بنيّ، حين أنكر حاليا ... وأبصر دمعي فوق خدي جاريا وأبصرني صبّا أبيت مسهدا ... أراعي النجوم الطالعات تواليا وأضحي شجيّ القلب دائم عبرة ... كئيبا حزينا خاليا من عزائيا: أراك أبى-في الليل-ساهر (١٠٤) مقلة ... وتصبح مشغولا عن الطعم طاويا أمالا (١٠٥) رزئت، أم أصابتك علة ... فأصبحت منها خافض الصوت عانيا؟ فقلت له: مالي سليم، وليس بي ... سقام فأبغي للسقام مداويا ولكنني، لما فقدت محمدا، فقدت ... لما أرجوه فيك رجائيا

стр. 490

رأيتك مولودا فوجهت رغبتي ... إلى الله واستصحبته لك خاليا بأن (١٠٦) يدفع الأسواء عنك بعصبة ... ولا زلت فيما عدا (١٠٧) ذلك راجيا وأبصرت أهل العلم عند محمد ... وعلمهم يرقى على العلم عاليا وما منهم إلا مناظر صاحب ... وآخر لا ينفك للذكر تاليا فأمّلت أن تأتي إلى المجلس الرّضي ... ومنيت نفسي عند ذاك أمانيا فحال قضاء الله دون مشيئتي ... فأبصرتني من أجل ذاك (١٠٨) لما بيا أكابد أحزانا بقلب مولّه ... عليه [و] ما (١٠٩) يزداد إلا تماديا فيا عين جودي بالبكاء وأسعدي ... عليه عيونا لا تزال بواكيا ويا قلب عش صبا كئيبا محزّنا (١١٠) ... فإنّي (١١١) أدينك إذ وجدتك خاليا وحق لقلب يعرف الله لا يرى ... على حاله خلوا من الشجو صاحيا ويا قبر سحنون وقبر محمد ... أظلكما الله الغمام الغواديا توافى شريف الحلم والعلم فيكما ... ووافاكما التفضيل لما توافيا وقيل: إنه [رثي بثلاثمائة مرثية] (١١٢)، فلمّا (١١٣) اجتمعت المراثي [أتوا] (١١٤) بها «المهري» (١١٥) ليعرضوها عليه فقام شاب من أهل الساحل وأنشأ يقول: خل المدامع كي تجول مجالها ... قطعت يمين العلم ثم شمالها فقال له: حسبك يا هذا لا تزده (١١٦)، فلو قلت ما عسى أن تقول ما قلت مثل هذا البيت.

стр. 491

١٤٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن عبدوس (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان ثقة إماما في الفقه ذا ورع وتواضع، بذّ (٢) الهيئة وكان أشبه الناس بإخوان سحنون في فقهه وهديه (٣) وملبسه ومطعمه. وكان حسن الكتاب، حسن التقييد. ومولده مولد ابن سحنون. مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قال أبو العرب (٤): ولقد قلت لحبيب صاحب مظالم سحنون: «من كنت تسأل إذا نزلت بك المسائل؟ » فقال: «كنت أسأل سحنون، فإن لم أقدر على سؤاله سألت محمد بن عبدوس». قال لقمان بن يوسف (٥): وأقام محمد بن عبدوس سبع سنين يدرس العلم، لا يخرج من بيته (٦) إلا إلى صلاة الجمعة. ومن طريق ابن التّبّان-أبي محمد عبد الله بن إسحاق-أن (٧) ابن عبدوس أقام أربع عشرة سنة يصلّي الصبح بوضوء العشاء الآخرة، مشتغلا بدراسة العلم؛ وأقام أربع عشرة سنة غيرها مشتغلا بقيام الليل والتهجد فيه وتلاوة [القرآن] (٨).

стр. 492

وكان (٩)، ﵀، على غاية من التواضع: يجلس محتبيا زائلا عن صدر مجلسه، فالجاهل به لا يعرف أنه صاحب المجلس. وكان (١٠) يركب بالشند (١١) حتى عوتب في ذلك، فاشترى سرجا دنيا كالقتب، فكان يركب بين السلال إذا ذهب إلى منزله. قال محمد بن بسطام (١٢): كنت ليلة في بيتي، وكانت ليلة شتوية (١٣)، إذ ضرب عليّ الباب، فخرجت إليه فإذا به [محمد بن عبدوس] (١٤) وعليه جبة صوف وقلنسوة فرو، فقلت: «أصلحك الله، ما الذي أتى بك وأخرجك في هذا الوقت؟ » فقال: «يا محمد، ما بتّ هذه الليلة غما منّي بفقراء أمة محمد ﵇، وهذه مائة دينار ذهبا» -وأخرج بها يده من طوقه- «غلة ضيعتي في هذه السنة، أحبّ أن تفرقها على الفقراء والمستورين، ولا يذهب النهار غدا عنك وعندك منها شيء».فأخذتها منه وانصرفت. روى (١٥) بخط ابن حكمون (١٦) بيده، وكان من أصحاب ابن عبدوس، قال (١٧): ذكر محمد بن عبدوس رجلا في مجلسه، فتكلّم فيه بكلام سوء وأكثر من ذلك، فقال له إسحاق أخوه: «يكفيك من القول فيه ما قلت» فقال له محمد: «والله ما يكفيني، سمعت سحنون بن سعيد يقول: «إذا صح عندك فجور الرجل فلا تتورع أن تقول فيه حتى يحذره الناس، لا والله ما يكفيني». وذكر (١٨) الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، عن ابن عبدوس أنه

стр. 493

أتاه رجل يوما في الوقت الذي اختلف فيه أصحاب سحنون في مسألة الإيمان، فضرب عليه باب داره، فخرج إليه فقال له: «ما مذهبك في الإيمان؟ » فقال له: «أنا مؤمن» فقال له: «عند الله؟ » (١٩) فقال: «قد قلت لك إني مؤمن، فأما مؤمن عند الله فلا أقطع لنفسي بذلك، لأني لا أدري بم يختم لي به»، فبصق الرجل في وجه محمد بن عبدوس، فعمي الرجل من وقته وذهب بصره (٢٠). ١٤٩ - ومنهم [أبو] (١) عياش [أحمد بن] (٢) موسى بن مخلد (*) الغافقي (٣). قال أبو العرب (٤): كان شيخا صالحا ثبتا صحيح الكتب حسن التقييد. سمع من سحنون ومن غيره. وكان (٥) لا يكاد يذكر أحد (٦) في مجلسه بغيبة إلا نهى الذاكر عن ذلك. وكان (٧) فيما بلغني ربما ركب ثورا من «باب أبي الربيع» حتى ينتهي إلى منزله «بالروحاء» تواضعا منه، فإذا كلّم في ذلك قال: «حسبك من الدواب ما بلّغك المنهل» (٨). وعرض عليه سحنون (٩) قضاء قصطيلية (١٠) فامتنع من ذلك.

стр. 494

قال أبو القاسم [بن] تمام (١١): لقد رأينا من أبي عياش من الإجابات والفراسات أمرا عظيما: كان ابني أحمد صغيرا مريضا، فأتيته فقلت له: «إني أريد أن أسافر، فإن حدث بابني الموت فصلّ عليه وتولّه» (١٢). فقال لي أبو عياش: «اذهب إلى سفرك فما هو بميت من هذه العلة».فأكدت عليه، فأكده عليّ (١٣)، وأظنه حلف أنه لا يموت منها، فكان كذلك». [قال عبد الله] (١٤) حصل لأبي عياش قوله ﷺ (١٥): «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه». وكان (١٦)، رحمه الله تعالى، يميل إلى الرقايق والمواعظ ويختم مجلسه بها إذا فرغ من المسائل والكلام عليها. وكان يقول في بعض مواعظه: كان سليمان ﵇-على ما أعطاه الله تعالى من النبوة والملك-يلبس المسوح والخلق ويأكل/الشعير والفلق (١٧) ويقول: «مسكين بين ظهراني مساكين»، وسلك هذا المنهاج أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأصحاب الصفة من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى عنهم. وقال محمد بن يونس (١٨): قلت (١٩) لأبي عياش بن موسى: «إني صرت أتقدم الناس في المسجد لأصلّي بهم الفريضة وأنا كاره لذلك، لأني لست براض عن

стр. 495

نفسي، فما ترى في ذلك؟ »، فقال لي (٢٠) [تقدّمهم ولا تعطّل المسجد فإن لك (٢١) فيه أجرا ثم قال لي: ويحك لعله يصلّي خلفك] (٢٢) من يدعو لك، فيستجاب له، فيجيرك الله بدعائه. ١٥٠ - ومنهم محمد بن منيب (*). من فقهاء العراقيين. وكان رجلا فاضلا وكان كريما: أتاه ابن أبي الشوارب يستعينه في دينه فتحمّل بجميعه (١). رضي الله تعالى عنه. ١٥١ - ومنهم أبو حفص عبد الجبار بن خالد السرتي (**) رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان صالحا، متعبدا، طويل الصلاة، كثير الدعاء، مجتهدا. وكان من عقلاء شيوخ إفريقية. سمع من سحنون وعليه اعتماده.
следующие страницы →