← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

١٤٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن عبدوس (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان ثقة إماما في الفقه ذا ورع وتواضع، بذّ (٢) الهيئة وكان أشبه الناس بإخوان سحنون في فقهه وهديه (٣) وملبسه ومطعمه. وكان حسن الكتاب، حسن التقييد. ومولده مولد ابن سحنون. مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قال أبو العرب (٤): ولقد قلت لحبيب صاحب مظالم سحنون: «من كنت تسأل إذا نزلت بك المسائل؟ » فقال: «كنت أسأل سحنون، فإن لم أقدر على سؤاله سألت محمد بن عبدوس». قال لقمان بن يوسف (٥): وأقام محمد بن عبدوس سبع سنين يدرس العلم، لا يخرج من بيته (٦) إلا إلى صلاة الجمعة. ومن طريق ابن التّبّان-أبي محمد عبد الله بن إسحاق-أن (٧) ابن عبدوس أقام أربع عشرة سنة يصلّي الصبح بوضوء العشاء الآخرة، مشتغلا بدراسة العلم؛ وأقام أربع عشرة سنة غيرها مشتغلا بقيام الليل والتهجد فيه وتلاوة [القرآن] (٨).

стр. 492

وكان (٩)، ﵀، على غاية من التواضع: يجلس محتبيا زائلا عن صدر مجلسه، فالجاهل به لا يعرف أنه صاحب المجلس. وكان (١٠) يركب بالشند (١١) حتى عوتب في ذلك، فاشترى سرجا دنيا كالقتب، فكان يركب بين السلال إذا ذهب إلى منزله. قال محمد بن بسطام (١٢): كنت ليلة في بيتي، وكانت ليلة شتوية (١٣)، إذ ضرب عليّ الباب، فخرجت إليه فإذا به [محمد بن عبدوس] (١٤) وعليه جبة صوف وقلنسوة فرو، فقلت: «أصلحك الله، ما الذي أتى بك وأخرجك في هذا الوقت؟ » فقال: «يا محمد، ما بتّ هذه الليلة غما منّي بفقراء أمة محمد ﵇، وهذه مائة دينار ذهبا» -وأخرج بها يده من طوقه- «غلة ضيعتي في هذه السنة، أحبّ أن تفرقها على الفقراء والمستورين، ولا يذهب النهار غدا عنك وعندك منها شيء».فأخذتها منه وانصرفت. روى (١٥) بخط ابن حكمون (١٦) بيده، وكان من أصحاب ابن عبدوس، قال (١٧): ذكر محمد بن عبدوس رجلا في مجلسه، فتكلّم فيه بكلام سوء وأكثر من ذلك، فقال له إسحاق أخوه: «يكفيك من القول فيه ما قلت» فقال له محمد: «والله ما يكفيني، سمعت سحنون بن سعيد يقول: «إذا صح عندك فجور الرجل فلا تتورع أن تقول فيه حتى يحذره الناس، لا والله ما يكفيني». وذكر (١٨) الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، عن ابن عبدوس أنه

стр. 493

أتاه رجل يوما في الوقت الذي اختلف فيه أصحاب سحنون في مسألة الإيمان، فضرب عليه باب داره، فخرج إليه فقال له: «ما مذهبك في الإيمان؟ » فقال له: «أنا مؤمن» فقال له: «عند الله؟ » (١٩) فقال: «قد قلت لك إني مؤمن، فأما مؤمن عند الله فلا أقطع لنفسي بذلك، لأني لا أدري بم يختم لي به»، فبصق الرجل في وجه محمد بن عبدوس، فعمي الرجل من وقته وذهب بصره (٢٠). ١٤٩ - ومنهم [أبو] (١) عياش [أحمد بن] (٢) موسى بن مخلد (*) الغافقي (٣). قال أبو العرب (٤): كان شيخا صالحا ثبتا صحيح الكتب حسن التقييد. سمع من سحنون ومن غيره. وكان (٥) لا يكاد يذكر أحد (٦) في مجلسه بغيبة إلا نهى الذاكر عن ذلك. وكان (٧) فيما بلغني ربما ركب ثورا من «باب أبي الربيع» حتى ينتهي إلى منزله «بالروحاء» تواضعا منه، فإذا كلّم في ذلك قال: «حسبك من الدواب ما بلّغك المنهل» (٨). وعرض عليه سحنون (٩) قضاء قصطيلية (١٠) فامتنع من ذلك.

стр. 494

قال أبو القاسم [بن] تمام (١١): لقد رأينا من أبي عياش من الإجابات والفراسات أمرا عظيما: كان ابني أحمد صغيرا مريضا، فأتيته فقلت له: «إني أريد أن أسافر، فإن حدث بابني الموت فصلّ عليه وتولّه» (١٢). فقال لي أبو عياش: «اذهب إلى سفرك فما هو بميت من هذه العلة».فأكدت عليه، فأكده عليّ (١٣)، وأظنه حلف أنه لا يموت منها، فكان كذلك». [قال عبد الله] (١٤) حصل لأبي عياش قوله ﷺ (١٥): «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه». وكان (١٦)، رحمه الله تعالى، يميل إلى الرقايق والمواعظ ويختم مجلسه بها إذا فرغ من المسائل والكلام عليها. وكان يقول في بعض مواعظه: كان سليمان ﵇-على ما أعطاه الله تعالى من النبوة والملك-يلبس المسوح والخلق ويأكل/الشعير والفلق (١٧) ويقول: «مسكين بين ظهراني مساكين»، وسلك هذا المنهاج أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأصحاب الصفة من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى عنهم. وقال محمد بن يونس (١٨): قلت (١٩) لأبي عياش بن موسى: «إني صرت أتقدم الناس في المسجد لأصلّي بهم الفريضة وأنا كاره لذلك، لأني لست براض عن

стр. 495

نفسي، فما ترى في ذلك؟ »، فقال لي (٢٠) [تقدّمهم ولا تعطّل المسجد فإن لك (٢١) فيه أجرا ثم قال لي: ويحك لعله يصلّي خلفك] (٢٢) من يدعو لك، فيستجاب له، فيجيرك الله بدعائه. ١٥٠ - ومنهم محمد بن منيب (*). من فقهاء العراقيين. وكان رجلا فاضلا وكان كريما: أتاه ابن أبي الشوارب يستعينه في دينه فتحمّل بجميعه (١). رضي الله تعالى عنه. ١٥١ - ومنهم أبو حفص عبد الجبار بن خالد السرتي (**) رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان صالحا، متعبدا، طويل الصلاة، كثير الدعاء، مجتهدا. وكان من عقلاء شيوخ إفريقية. سمع من سحنون وعليه اعتماده.

стр. 496

وقد (٢) حدث أبو عمرو هاشم (٣) بن مسرور، قال: مضيت ليلة من ليالي رمضان إلى مسجد عبد الجبار لأصلي خلفه التراويح، فصليت معه صلاة العشاء الآخرة، فلما فرغ من الصلاة تنفّل الناس ما شاء الله أن يتنفّلوا. ثم قام المؤذن فقال: «الصلاة، رحمكم الله».فقام الناس ودخل عبد الجبار المحراب، فقرأ في الترويحة (٤) الأولى «البقرة» و «آل عمران» و «النساء» و «المائدة»، فلما قضاها انصرف أكثر الناس. ثم قام في الترويحة الثانية فقرأ «الأنعام» و «الأعراف» و «الأنفال» و «براءة»، فلعهدي برءوس الناس أراها (٥) في [ظلّ] (٦) ضوء القناديل تتمايل يمينا وشمالا. ثم تمادى في الصلاة، فكان يمر في القراءة مرّ الجواد، فإذا اشتبه عليه الحرف أو تعايا [فيه] (٦) تركه وقرأ ما يليه، فيقرأ العشرين آية والثلاثين آية والأقل والأكثر، ثم يتفكر في ذلك الحرف فيرجع إليه فيقرأه (٧) مفردا، ثم يعود إلى الموضع الذي كان [فيه] (٨) فيقرأ منه. قال: فما زال كذلك حتى تراجع الناس إلى المسجد من آخر الليل وعاد إلى العمارة (٩) بحسب ما كان في أول الليل، حتى ختم عبد الجبار، وأتاه مؤذنه بقصعة (١٠) فيها شيء يسير من ثريد، فتسحر [منه] (٨) ثم أذن المؤذن وطلع الفجر، فصلّى بهم الصبح. قال عبد الله بن هاشم: فجاهدت نفسي على أن أقدر على ما قدر عليه عبد الجبار من مجاوزته الموضع الذي أشكل عليه ورجوعه إليه بعد ذلك ببرهة، ثم

стр. 497

رجوعه إلى الموضع الذي كان فيه، فما قدرت على ذلك إلا بعد ثلاثين سنة. قال (١١): وخرج من داره يوم الجمعة لصلاة الجمعة (١٢)، فإذا شاب جميل له هيئة حسنة ولباس جميل وقد اتبع صبية يمشي خلفها، فلما رآه عبد الجبار شقّ عليه ذلك، فاتكأ برجله على رجله الأخرى فقطع شسع نعله، فصاح (١٣): «يا شاب، يا شاب! » فالتفت الشاب إليه، فمشى إليه عبد الجبار، فوقف الشاب فقال له عبد الجبار: «قد كبرت سنّي وضعف بصري، وقد انقطع شسع نعلي، فأصلحه لي» فأصلحه له. ثم نظر عبد الجبار إلى الصبية وقد أمسكت في مشيتها (١٤)، فأخذ النعل من الشاب وأدخله في رجله، وتمادى الشاب في أثر الصبية، فاتكأ عبد الجبار على نعله ثانية فقطعه، ثم صاح: «يا شاب، يا شاب! » وكانت (١٥) لعبد الجبار هيبة عظيمة، فعاد إليه الشاب فقال له: «أصلح النعل يا مبارك، ما أصلحته إصلاحا جيدا، أظنك أصلحته وأنت مستعجل» فأخذه الشاب وأصلحه، فعطف عليه عبد الجبار وقال: «يا شاب، أنا قطعت النعل في المرة [الأولى] (١٦) والثانية، وإنما فعلت ذلك إشفاقا عليك ورحمة لك، وخفت والله يا بنيّ على هذا الشباب الصبيح من لفح النار».وبكى عبد الجبار وبكى الشاب. ثم قال له: «جزاك الله خيرا، فو الله لا عدت إلى ما كان منّي أبدا»، ثم صحب عبد الجبار إلى الجامع وتاب وحسنت توبته وإنابته. وكان من فضلاء أهل وقته، ونفعه الله بنية عبد الجبار وبتلطفه وترفقه. حدث الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، قال (١٧): راح عبد الجبار

стр. 498

بن خالد إلى صلاة الجمعة [يوم] (١٨) طين على بغل راوية (١٩)، لم يجد ما يركب عليه غير ذلك، فلما فرغ من صلاة الجمعة لم يجد دابة يرجع عليها إلى داره. وكانت داره بعيدا من الجامع، فأتاه رجل من جند ابن الأغلب بفرس مسرج فسأله في ركوبه فركب، فلما استوى على الفرس نظر إليه أصحابه، فقال لهم: ما لكم تنظرون إليّ؟ أما ورع انتقص أو علم [زاد] (٢٠). [وإنما] (٢٠) فعله-رضي الله تعالى عنه-لوجه الضرورة لمنعه من المشي، وأخذ [في] (٢١) ذلك بالعلم، ولا يحمل عليه إلا أنه تصدق بقدر انتفاعه بركوب الفرس. وذكر (٢٢) أن أولاد إبراهيم بن أحمد الأمير طهرهم، فمضى أهل العلم من شيوخ القيروان لتهنئته. وكان فيمن مضى إليه عبد الجبار بن خالد، فلما أتى إلى الأمير أكبره وعظمه وسر برؤيته، وأخرج إليه أولاده فدعا لهم وبارك (٢٣) عليهم. ثم قال: «أيها الأمير، هل علمت مقدار هذه النعمة التي أنعم الله تعالى عليك بها؟ فإنه أعطاك مثل هؤلاء البنين، وعلمتهم (٢٤) كتاب الله ، وأحييت فيهم سنة رسول الله ﷺ ، وقد (٢٥) بلغني [أنك بالغت] (٢٦) فيما عملت [من الأطعمة] (٢٦) ودعوت إلى ذلك الأغنياء» فقال له: «أجل، لموضع المسرة [لا منّا] (٢٧) بذلك» فقال له عبد الجبار: «فلو استكملت هذه المسرة بأن تذكر الفقراء فيها! » فقال له/: «صدقت وبررت»، ثم دعا بكيس فيه خمسمائة دينار ودفعه لعبد الجبار وسأله أن يفرقه على الفقراء والمساكين، فأجابه عبد الجبار إلى ذلك، فسر الأمير

стр. 499

بذلك وخرج معه إلى باب القصر وقال: «[احملوا] (٢٨) الشيخ على دابة» (٢٩) وقال: «والله لا برحت حتى تركب! » فركب عبد الجبار والأمير قائم. فلما ركب واستوى على دابته وأصلح الغلمان ثيابه وانصرف، التفت الأمير إلى كاتبه رجاء بن محمد وقال له: «يا رجاء، رأيت ما أعقله، وما أظرفه! أتعرف في رعيتي مثله؟ إنه قضى ذمامنا وتعافى من طعامنا وأخرج مالنا فيما يرضينا».فتصدق عبد الجبار بجميع الدنانير على الفقراء والمساكين ولم يبق منها شيئا. رضي الله تعالى عنه (٣٠). ومن مناقب عبد الجبار (٣١)، قال حمديس [القطان] (٣٢): ما رأيت أورع من عبد الجبار. وكان سحنون (٣٣) إذا اجتمع إليه الناس للسماع منه يقول: «انظروا هل عبد الجبار حضر»، فإن جاء قرأ لهم وإلا أخر ذلك حتى يأتي، فإذا جاء أمر القارئ فيقرأ. وقال أبو العرب: وبلغني أنه قيل لعبد الجبار: «أكان سحنون لا يسمع الناس حتى تحضر أنت؟ » فقال: «لا أدري، غير أني كنت إذا حضرت أمر القارئ أن يقرأ، فقرأ للناس». وكان ممن ينطق بالحكمة: فمن ذلك ما ذكره أبو الفضل بن الصائغ عنه أنه

стр. 500

كان يقول (٣٤): «من كان همه في الله قل في الدنيا والآخرة غمّه (٣٥)». وكان يقول (٣٦): «ما أبعدنا منه على قربه إذا لم يردنا، ومتى أرادنا وجدنا وإن لم نرده، ومتى ما أردناه (٣٧) لم نجده إلا أن يريدنا (٣٨)». وكان يقول: «من أقعده العلم عن الجهل قام به العلم (٣٩) عند (٤٠) الله». وكان يقول: «ما أكثر السلامة عند من حصن عن العثرات (٤١) بالندامة». وقال: «ما أكثر الآفات عند من جهل حكم السلامات». وكان يقول: «إن سرور (٤٢) العبد بنعم الله تعالى يشغله عن الله ، وإن كان السرور بنعم الله من فضل الله ﵎». وكان يقول: «الفرار من الأخيار والأشرار يزيد في القلوب من العلم بالله أنوارا (٤٣)». وقال: «من اشتغل بالأشغال المضرة بالعقول عن الإقبال [ ...... ] (٤٤)، فما أخوفني ألاّ

стр. 501

نؤمل (٤٥) إلا ليقال من سوء حال إلى أحسن حال». وقال: «ما أكثر في الدنيا الغنائم، و [ما] (٤٦) أكثر من هو عنها غافل نائم». وقال (٤٧): «من أصبح وأمسى وهمه بغير الله مجتمع، لم يبال الله في أي واد من أودية الدنيا وقع». وقال (٤٨): «لو أهمك شأنك لكل لسانك وتهيجت أحزانك، (٤٩) ولولا الفضول لصفت العقول، ولكان المجهول عندها معقولا (٥٠). ولكن بكثرة الفضول (٥١) تكدرت العقول، وكان المعقول عندها مجهولا (٥٢). ومن كان بالليل [نائما] (٥٣)، وبالنهار هائما (٥٤) متى ينال الغنائم؟ ». وقال (٥٥): «من سكت سلم، ومن تكلم بذكر الله غنم، ومن خاض أثم». وقال (٥٦):

стр. 502

«من زم لسانه كثر في الدنيا وفي الآخرة أمانه». وكان يقول (٥٧): «من وبخك فقد نفعك، ومن نفعك فقد رفعك (٥٨)». وقال (٥٩): «كل كلمة لم يتقدمها نظر فالكلام فيها خطر، وإن كانت من أسباب الظفر». وقيل (٦٠) إنه، رضي الله تعالى عنه، ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة، وجد ذلك مكتوبا في قبلة مسجده. ١٥٢ - ومنهم أحمد بن معتّب (١) بن أبي الأزهر بن عبد الوارث بن حسن الأزدي (*). كان نبيلا معدودا من أصحاب سحنون. وكانت له رحلة إلى المشرق وسمع سماعات كثيرة. وكان (٢) [سبب موته] (٣) -على ما ذكر ابن اللباد الفقيه-من خوف الله عز

стр. 503

وجل: وذلك أنه حضر مجلس الذكر «بمحلة المرضى» وكان له بكاء ونوح، وكان (٤) القراء إذا علموا أنه جاء تحركوا له وأقروا واعترفوا له بالحزن. فلما كان يوم السبت حضر جماعة [من القراء]-وذكر غير ابن اللباد: أنه مر (٥) في ذلك اليوم قبل دخوله المسجد بموضع فسمع قائلا يقول (٦): العفو أولى بمن كانت له القدر ... لا سيما عن مقر ليس ينتصر (٧) أقر بالذنب إجلالا لسيده ... فقام بين يديه وهو يعتذر (٨) فبكى وخشع ودعا للقائل وللذين حضروا، فانتفعوا بدعائه. ثم تمادى أحمد بن معتب (٩) -فدخل المسجد فسمع بعض القوالين يقول (١٠): دع الدنيا لمن جهل الصوابا ... فقد خسر المحب لها وخابا وما الدنيا، وإن راقتك، إلا ... كبلقعة رأيت بها سرابا (١١) قال ابن اللباد: فلمّا انتهى منها إلى قوله: يظل نهاره يبكي بشجو (١٢) ... ويطوى الليل بالأحزان دابا [تحرك وبكى] (١٣). قال: ثم قرأ القارئ آيات من القرآن، فخر صعقا، فاحتمل إلى داره فلم

стр. 504

يزل منازعا إلى مغيب الشمس، فتوفي بعد العشاء الآخرة (١٤)، رحمه الله تعالى. قيل: فلما انصرفوا به من مجلس الذكر مروا به على الصديني (١٥) العراقي فقال: «هذا الرياء! » فلما مات قال الصديني: «هذا والله الإخلاص في الصدق! » فكان يصاح خلف نعشه: «هذا شهيد (١٦) القرآن». ويروى (١٧) أن سحنون قال له يوما: «إني أحب أن أسر إليك سرا، فإياك أن تفشيه» قال: فقلت له: «يا أبا سعيد، أو منزلتي عندك منزلة من تخاف منه؟ فلا تفشي لي سرك! » فقال لي: «ليس الأمر كما تظن، ولكن لكل إنسان صديق يكون موضع ثقته وراحته، ولذلك الصديق [صديق] (١٨)، ومن مثل هذا تخرج الأسرار». ١٥٣ - ومنهم أبو جعفر (١) أحمد بن وازن الصواف (*). كان يسمّى جوهرة أصحاب سحنون، وسمع منه. وكان (٢) إذا قام بين يدي الله، ، لم يتعلق قلبه بشيء سوى ما هو فيه. ووجد (٣) بخط الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، قال: حدثني تميم بن خيران (٤) قال: «كان لأحمد الصواف، صاحب سحنون، ولد له شبيبة (٥)، وكان

стр. 505

يخالط أصحابا له على سماع اللهو والغناء. وكان إذا اجتمع عنده أصحابه تقول له والدته: «يا بني، لا تتحركوا حتى يأخذ/والدك في الصلاة»؛ فإذا أخذ في الصلاة أخذوا في عزفهم ولهوهم، فلا يشعر بهم ولا يسمع شيئا مما يجرى لهم. فكانت والدته إذا أحست أنه ينصرف من الصلاة، ضربت الحائط عليهم ليسكتوا. ١٥٤ - ومنهم أبو عبد الله أحمد بن يزيد القرشي ويعرف بالمعلم (*)، رضي الله تعالى عنه . قال أبو العرب (١): كان ثقة فاضلا ورعا فقيها نزها عالما بحديثه، وكان يعرف براوية (٢) الصمادحي، سمع منه ومن سحنون. وكان في (٣) أول عمره يعلم القرآن. ذكر (٤) أن محمد بن سحنون وأحمد بن لبدة ورجالا من المدنيين تذاكروا أحمد بن يزيد وصيامه وقيامه فقال لهم محمد: «دعونا من ابن يزيد لا تقرنوه بغيره، فإن أحمد جمل (٥) الليل»، فيقال إنه ختم القرآن على قدميه ستة آلاف ختمة، وختمه في غير الصلاة أمثال ذلك. وحدث هاشم بن مسرور، قال: دخلت وأنا صغير على أحمد بن يزيد- وكنت كثير التردد إليه-فرأيت في جدار بيته القبلي حزازا (٦) -وهي الخطوط -فقلت له: «أصلحك الله، ما هذه الخطوط التي في الحائط؟ » فقال: «وما سؤالك يا هاشم عن هذا؟ » فقلت له: «أصلحك الله، إن سألني عنها (٧) أحد فقال لي: ما

стр. 506

هذه الخطوط التي في حائط معلمك؟ ما الذي أقول له؟ » فقال لي: «ولهذا تسأل؟ » فقلت: «نعم» فقال: «هذه تسعة (٨) عشر ألف ختمة ختمتها لله عزل وجل على قدميّ. وإنما أخبرتك بهذا لتعمل». قال (٩): ثم عمر حتى كان لا يقوى على القيام، فكان يصلّي جالسا. ١٥٥ - ومنهم أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب (*). له أوصاف جليلة: ذكر ابن أبي عقبة، قال (١): خرج ابن طالب إلى القصر (٢) فلقي غلاما راعيا، فسقط السوط من يد [ابن] (٣) طالب فجرى الغلام فناوله إياه، فقال له: «من مولاك؟ » فأخبره، فلما وصل قال: «ايتوني بفلان»، فجاءه، فقال له: «أحب أن تبيعني غلامك فلانا (٤)» فقال له: «أصلحك الله، ما نستغني عنه» فقال له: «لا بد من ذلك» فقال له: «هو لك بلا ثمن» فقال له: «لا، إنما تأخذ ثمنه وثمن الغنم التي (٥) معه»، فأجابه إلى ذلك. فدفع إليه ثمن العبد وثمن الغنم، ثم بعث وراءه فقال له: «اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى، والغنم لك». وذكر عنه أنه كان كريم الطبع كثير السماحة: قيل (٦) إن ابن الحسيني (٧) زوّج ابنته فشكا إلى ابن طالب الشوار (٨) -وهو يريد

стр. 507

جهازها-وكانت له (٩) ابنة تخرج إليه من عيد إلى عيد، فقال لأمها: «إني أحب أن تريني ابنتي وتلبسيها ثيابها وحليها، ولا تدعي منه شيئا» ففعلت الأم ذلك، فلما رآها رحب بها وقال لها ولأمها: «إن ابن الحسيني زوج ابنته وشكا إليّ تعذر الأشياء عليه، وأنا أحب أن تنزعي (١٠) هذا الحلي وتخلعي هذه الثياب وتأتي بها إليّ ندفعها لابن الحسيني وأنا أعوض لكما أكثر مما أخذ» فدفعت إليه الحلي والحلل، فأعطاه جميع ذلك. وذكر (١١) عنه أنه كان يمشي ذات يوم فإذا بجمال عليها حمولة قمح، فقال له رجل من أصحابه كان يسايره: «أصلحك الله، إن الذي تنزل هذه على بابه في أمن من هذه المجاعة (١٢)» ثم فارقه الرجل، فسار ابن طالب (١٣) إلى داره، فنزلت الحمولة على باب داره، أتاه بها وكيله. فقال لهم ابن طالب (١٣): «اذهبوا بهذه الأحمال كلها كما هي إلى دار فلان» -يعني الرجل الذي كان يسايره-وقال لهم: «قولوا [له] (١٤): قد أمنت مما كنت تحذر». وقال ابن أبي عقبة (١٥): كان رجل كفيف فقير يمشي مع زوجته في «السوق الكبير» بالقيروان، فإذا بصقلبي قد أتى إلى بعض الطباخين فقال له الصقلبي: «يقول لك مولاي: تأخذ لنا خروفا من حاله وصفته (١٦) [كذا وكذا] (١٧) وتعمله في التنور، وتأخذ له من الخبز والزيتون وبقل المائدة ما يصلح، ويكون ذلك مهيأ حتى إذا رجعت (١٨) مع مولاي القاضي من صلاة الجمعة أتيت إليه فأخذته».

стр. 508

وانصرف (١٩) الغلام، والكفيف وزوجته يسمعان ما قال. فقالت له زوجته: «والله ما اشتهيت إلا أن آكل من هذا الشواء»، وكانت حاملا. فقال لها: «أنت طالق إن تغديت إلاّ منه» فلما سمعت ذلك منه قالت: «لا تمش معي ولا تصحبني، لأنك حلفت بالطلاق».قال: فلما رجع القاضي سبقاه (٢٠) إلى الدار وجلسا حتى أتى القاضي فدخل، وكان في سقيفة داره بيت يجلس فيه للنظر بين الناس ويتغدى فيه إذا حضر غداؤه. قال: فلما جلس القاضي وجلس معه إخوانه قال الكفيف لزوجته: «[إذا رأيت] (٢١) هذا الخروف قد جاء على رأس الغلام فتسمعي (٢٢) لوقوع الماء في الطست» فقالت (٢٣) له: «ما الذي يوصلك إليه؟ » فقال (٢٣) لها: «اسكتي عني»، فلما سمعت وقوع الماء في الطست أخبرته، فقال الكفيف: «يا قاضي، قال الله ﵎: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) (٢٤)، وقال ﵎: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً، إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً، فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) (٢٥)» قال: فصاح القاضي للصقلبي وقال له: «صح بالغلام واجعل على رأسه هذا الخوان كما هو بما فيه وامض معه حتى توصله إلى دار هذا المتكلم، وفرّغه ورد الخوان»، ففعل الغلام ذلك. وكان (٢٦) إبراهيم بن أحمد الأمير قد فوّض [إليه] (٢٧) النظر في الولاة والجباة والحدود والقصاص والعزل والولاية، فقطع المنكر والملاهي من القيروان. وجعل على أكتاف اليهود والنصارى رقاعا بيضاء، في كل رقعة [صورة] (٢٧) «قرد»

стр. 509

و «خنزير»، وعلى أبواب دورهم ألواحا (٢٨) مسمرة في الأبواب مصورا فيها قردة (٢٩). وضيق على أهل القيروان في ملاهيهم وملاعبهم. وكان (٣٠) إذا أشكل عليه أمر وقف عن تنفيذه، ويقول: «لئن يسألني الله : لم وقفت؟ أيسر عليّ من أن يسألني: لم جسرت؟ ». وكان يقول في آخر مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس: «اللهم ما كان في هذا المجلس من زيغ أو زلل أو إقبال على خصم دون الآخر أو استيفاء حجة [من] (٣١) خصم [دون] (٣١) صاحبه، فأسألك أن تغفره لي، وأن تراجع بي [إلى] (٣١) الحق». وكان (٣٢) يكتب على أحكامه: «حكمت لك بقول ابن القاسم»، «حكمت لك بقول أشهب» (٣٣)، ثم يقول له: «في البلد فقهاء وعلماء، اذهب إليهم، فما أنكروه عليك فارجع إليّ». وفي حكاية أخرى، أنه (٣٤) كان إذا فرغ وقام من مجلس حكمه وقف وحول وجهه إلى القبلة، ثم بسط كفيه وسالت الدموع على خديه ولحيته ويقول: «اللهم إن كانت زلة أو هفوة، أو أصغيت بأذني إلى خصم دون خصم (٣٥)، فأسألك أن تغفر لي ولا تؤاخذني ولا تنتقم مني، إنك على كل شيء قدير».ثم يصلّي على محمد ﷺ ، ثم ينصرف. هكذا كان عمله في كل مجلس يجلس فيه للقضاء. وقال إبراهيم بن الكوفي: دخلت مع الأمير إلى جنان (٣٦) فيه ثمر (٣٧) قد طاب، فأخذ بعض الثمر (٣٧) يناولنيه، فقبلته ثم أكلت ولم أقل له شيئا. فقال لي: «دخلت

стр. 510

هذا (٣٨) الجنان مع ابن طالب في مثل هذا الحين، فناولته من بعض ثمره، فقال لي: «أيها الأمير، يجب لله عليك شكران أن بلغك غرسه (٣٩)، ثم أكلت ثمرته» فقلت له: «وما هذا الشكر؟ » قال: «أن تصلّي ركعتين» قال: «فأمرت بحصيرين، فبسط لي واحد وله آخر (٤٠)، فصلينا ركعتين»، ثم قال لي: «وبقي آخر» (٤١) فقلت: «وما هو؟ » قال: «تبعث بصدقة إلى أهل «الدمنة» فإنهم أهل زمانة وضعف»، قال: «ففعلت»، قال: وبقي [آخر] (٤٢) قلت: «وما هو؟ » قال: «تعزل من عمالك من كان جائرا وتجعل [مكانه] (٤٢) من يعدل في الرعية» قال: «فأمرت بذلك».قال الأمير إبراهيم: «فدخلت مع غيره، فلما ناولته من ثمره قال: «الأمير يحب قاضيه والرعية تمتهنه» فجعلني ضربت وقتلت. [قال عبد الله] (٤٣) فكم بين الرجلين! ». وله فصل من رسالة كتب بها إلى محمد بن قمود (٤٤) قاضي طرابلس (٤٥): « .... فلا تبق غاية من الخير إلاّ بلغتها واتقيت الله فيما استرعيت بحسن الكفاية والاجتهاد. وما بلغني إلا الجميل، فقد ربيتك وعلمتك وعرفتك العلم، فلو لم تحفظ إلاّ إياي [ ...... ] (٤٦) فكيف وقد عرفت ما عند الله لمن سأل عنه؟ ألا تراه، عز

стр. 511

وجهه الكريم، يقول لنبيه داود ﵇: (يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (٤٧) وأكثر ذكر الموت وشدة هوله، وظلمة القبر ووحشته، وتضرع إلى الله تعالى في خلواتك. ولا تنسك الجماعة حظّك من القرآن وتدبره والوقوف عند عجائبه. وبالله توفيقك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» (٤٨). ١٥٦ - ومنهم أبو الفضل أحمد بن علي (*) [بن حميد التميمي] (١)، رضي الله تعالى عنه. سمع (٢) من سحنون، وكان واسع الرواية. وذكر أحمد بن [أبي] (٣) سليمان أن كتبه بيعت بعد وفاته بألف دينار ومائتي دينار، وكانت له دنيا عريضة لكنه كان زاهدا فيها مؤثرا بها تاركا للشبهات (٤). لقد حدثت عن سعيد (٥) صاحب سحنون أنه قال (٦): «ترك أبو الفضل هذا من ميراث أبيه أكثر من ألف دينار لم يرثها، فقيل له في ذلك: «ما منعك منها؟ » قال: «كان ذلك من تجارة العاج، فكرهت أن أتلبس بشيء جاء فيه عن أهل العلم كراهية» فترك ذلك تورعا وزهدا.

стр. 512

١٥٧ - ومنهم أبو الحسن بن دارس (*) المتعبّد . كان رجلا فاضلا مجتهدا ورعا متقلّلا من الدنيا. حدث عبد الله بن نصر، قال: دخلت أنا وأبو الحسين بن غسان إلى أبي الحسن بن دارس، وكان في دار فيها بيت مهدوم ليس فيه غير ثلاث حوائز (١) وهو تحتها ساكن، فقلنا له: «شيخنا وسيدنا، جئناك في حاجة تقضيها لنا» فقال: «حوائجكم مقضية، فما حاجتكم؟ » فقلنا: «هذا البيت نبنيه ونعمل له أبوابا ونصلحه ونشتري لك سريرا وفراشا وملحفة ومشملة (٢) وخادما يخدمك. وقد علمت أن أموالنا حلال» فقال: «ما منكم أحد إلاّ أعرفه وقد حج، أكنتم إذا حججتم ومضيتم إلى بيت الله، ، وقبر النبي، ﷺ ، هل تبنون في كل مرحلة بيتا وتجعلون فيه سترا (٣) وفراشا وكانونا بالفحم (٤)؟ » فقلنا له: «لا» فقال لنا: «فهكذا الدنيا، إنما تقطع مراحل، وقد دنا نزولنا في المرحلة. وإنما يبتني الإنسان لآخرته. أيبني (٥) الإنسان ما لا يسكنه؟ لا ضيع الله أجركم. أعطوها لضعيف يحتاج إليها» فخرجنا من عنده، وإذا بعجوز في الدار تخدمه، فقلنا لها: «هذه مثاقيل، خذيها» فقالت: «وأيش أعمل بها؟ إنما أخدمه لله تعالى: أبيع له هذه المراوح التي يعملها من الخوص، يأخذ منها قوته ويتصدق بالباقي». قال: فأقمنا سنيّات يسيرة، فاعتلّ وجئنا إليه، فأصبنا عنده يحيى بن عمر وحمديس القطان وجبلة وأكابر أصحاب سحنون هؤلاء قعودا (٦) عند رأسه وهو مسجّى إلى القبلة ودموعه تنصب. فقال له يحيى بن عمر: «أصلحك الله، ما الذي أبكاك؟ » فقال: «والله ما بكيت خوفا من الموت، لأنه كأس لا بد منه، ولا بد من

стр. 513

قدومي على الله ، لأني أقدم على كريم رحيم، ولا بكيت إلا على تمتعكم بعدي بتلاوة القرآن وقيام الليل وصيام النهار والتهجد والتبتل، وانقطاع عملي» ثم قال لهم: «إن لي إليكم حاجة: هذه الجبة الصوف والكساء ختمت فيهما (٧) القرآن ثمانية آلاف ختمة ليلا ونهارا، كفنوني فيهما؛ وهذه الحصير كنت أسجد عليها في سواد الليل، اجعلوها معي في لحدي؛ وقليل من الشعير تصدقوا به؛ وهذه السطيحة (٨) حبسوها. والله ما خلفت شيئا يسألني الله عنه غير هذا. ثم [أسأل الله] (٩) الاجتماع معكم على الحوض مع النبي ﷺ وأصحابه. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله».ثم قضى، رحمة الله تعالى عليه. وكان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: «اللهم بك أصبحنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا. اللهم أصبحنا وأصبح الأمر [و] الليل والنهار وما سكن فيهما لله وحده، لا شريك [له] (٩). اللهم اجعل أول هذا اليوم صلاحا، وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا. بسم الله على نفسي وديني وأهلي وولدي ومالي. الله، الله، الله، ربي لا أشرك به شيئا. اللهم لا تؤدبنا بعقوبتك، ولا تمكر بنا في حكمك، ولا تؤاخذنا في تقصيرنا عن رضاك لعظيم خطايانا. فاغفر لنا، ويسر أعمالنا، وتقبل منا. وكيف النجاة يا إلهي ولا توجد إلا من قبلك؟ اللهم إننا نستودعك أنفسنا ولحومنا ودماءنا وأدياننا وأهلنا وأولادنا وجميع ما أنعمت به علينا في الدنيا والآخرة. اللهم اكنفنا بكنفك الذي لا يرام، واحرسنا بعينك التي لا تنام، وأعزنا بسلطانك الذي لا يضام، وارحمنا بقدرتك علينا يا ذا الجلال والإكرام فإنك خير حافظ (١٠) وأنت أرحم الراحمين، واجعلنا في عبادك [الذين تحميهم] (٩) من السلطان الجائر، ومن الشيطان الرجيم وأشياعه وأتباعه وخيله ورجله وأعوانه وإخوانه وجلاوزته (١١) ورسله وقهارمته وخدمه. عليك توكلنا وإليك أنبنا. ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم».

стр. 514

[وكانت سنة أربع وثمانين ومائتين وفيها توفي]: ١٥٨ - أبو الأحوص (*) المتعبد بسوسة: أحمد بن عبد الله . توفّي يوم الجمعة، قبل الضحى (١)، وصلّى عليه الناس يوم السبت قبل الضحى (١). قال أبو العرب (٢): كان أصله من المغرب، سكن سوسة وأوطنها، وكان ثقة متعبدا كثير العمل [والاجتهاد] (٣). كان يصلّي من الضحى إلى العصر، ثم يجلس فيسمع الناس. [سمع] (٣) من سحنون وغيره. وكان قد كفّ بصره. وكانت (٤) بداية أبي الأحوص ولزو [مه] (٥) مدينة «سوسة» أنه أتى إليها مرابطا، فأقام بها مدة حتى نفدت نفقته، وأراد الرجوع إلى بلده المغرب، فأتى إلى جامعها ليركع فيه وينصرف، فبينما هو راكع إذ رأى عصفورا دخل الجامع وفي فمه شيء (٦) يطعمه فراخه، فسقط من فم العصفور ما كان فيه، فخرج من خلف الحصير فأر فأكل ما سقط من فم العصفور، فخاطب نفسه بأن قال لها (٧): «فأر خلف الحصير

стр. 515

قيض الله تعالى له من رزقه كما قد رأيت ولم يضيعه، فكيف أضيع أنا؟ لله عليّ أن لا أدع (٨) مدينة الرباط إلى غيرها أبدا».فأقام بمدينة «سوسة» واشتهر بها حتى مات، رحمه الله تعالى. وكان (٩) إبراهيم الأمير (١٠) يزوره، فإن وجده يطحن قوته بيده جلس على التراب، وإن وجده فارغا جلس على جلد المطحنة، لأنه لم يكن في بيته حصير ولا غيرها، وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة، لله فيها رضى، كتب إليه فيها بالفحمة في شقفة (١١). قال عبد الوهاب الزاهد (١٢): قمت (١٣) إلى برج وهو على شاطئ البحر، فإذا أبو الأحوص بين (١٤) شرافتين (١٥) في سواد الليل ودوي البحر وهو يقول: (١٦) أبوا أن يرقدوا الليل (١٧) ... فهم لله قوّام أبوا أن يفطروا الدهر (١٨) ... فهم لله صوّام أبوا أن يخدموا الدنيا ... فهم لله خدّام ثم يقول: «لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد» ثم اندفع في النياحة، ثم سمع حسّي فقال لي: «من أنت؟ » فقلت: «أنا عبد الوهاب» فقال: «يا بني يا أبا القاسم، إنما تقطع الدنيا بالهموم والأحزان والعلل والأمراض والأنكاد (١٩)، وإنما

стр. 516

نفرح (٢٠) غدا بالنظر إلى وجه الله إذا صرنا (٢١) إلى دار السلام». وقال بعض المتعبدين (٢٢): كنت بمدينة «سوسة» مرابطا، فبلغني أن سعيد الضرير (٢٣) قدم، فتوجهت إليه مع أبي الأحوص لنسلم عليه، فأصبنا عنده ناسا (٢٤) من الأضراء، وذلك بعد صلاة العصر، فدعوا وختم سعيد الصبيري الضرير (٢٣) المجلس بالدعاء، ثم افترقنا عند جواز المغرب (٢٥) إلى الجامع-وكان (٢٦) [وقت] (٢٧) قحط وصيف وحاجة الناس (٢٨) إلى الماء، وقد فرغت مواجلهم-فوقف أبو الأحوص في الطريق، فوقف الناس لوقوفه، فقال: «اللهم إن كنت استجبت لنا في مجلسنا فعرفنا بركة ذلك بأن تسقط الغيث»، فما دخلنا المسجد إلا ونحن نخوض الماء من المطر الذي أصابنا. وقال رجل صالح (٢٩): رأيت في منامي كأني واقف علي باب الجنة، وأبو الأحوص يريد أن يدخل الجنة، ورجل أعرفه (٣٠) من أهل «سوسة» يمنعه الدخول ويقول له: «لا أدعك تدخل حتى تدفع لي حقي»، فقال: «هذا قصر أعطيكه (٣١) في الجنة»، فقال له: «لا» قال: «فأعطيك قصرين»، [قال: لا] (٣٢)، قال: فقلت له: «يا هذا، يعطيك قصرين في الجنة فتأبى، وإنما لك عليه درهمان (٣٣)؟ » فنفضني

стр. 517

نفضة (٣٤) ثم قال: «إن الله لا يكذب ولا يكذب، لا بد من القصاص يوم القيامة» فانتبهت [لنفضته] (٣٥) وأنا أعرف الرجل بوجهه، فغدوت إلى الجامع فجلست بين الأبواب لصلاة الصبح، حتى دخل الرجل فأشرت إليه أن يأتيني فأتاني وقعد إلى جانبي، وأقيمت الصلاة فصلينا، فلما انقضت الصلاة قلت له: «يا أبا فلان، إن أبا الأحوص أوصاني أن أدفع إليك شيئا، وقد أنسيته، فما لك عليه؟ » فقال: «درهمان» (٣٣) فدفعت إليه الدرهمين وأعلمته بالرؤيا. وذكر بعض الشيوخ أن إبراهيم بن أحمد جار على الناس وتعسّفهم، فكتب إليه رقعة أغلظ له فيها (٣٦). وقيل (٣٧) إنه كتب إليه رقعة فيها: (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) فلما وصلت إلى إبراهيم بلغت منه مبلغا عظيما، فأتاه في الليل فاستأذن عليه، فلم يسمع من حس المطحنة، لأن زوجته كانت تطحن، فلما سمعوا/فتحوا له الباب، فدخل إليه فقال، بعد السلام والسؤال عن الحال: «أتتني رقعة ذكر أنها من عندك» فقال: «أنا مكفوف البصر كما ترى، ولكن تقرأ الرقعة عليّ، فإن كنت أمليتها أخبرتك» فقرئت [عليه] (٣٨)، فقال: «نعم؛ أنا أمليتها»، فوعظه فاتعظ.ثم قال له: «أحب أن ترفع إليّ كلما ثبت عندك من مثل هذا فأغيره». وسأله (٣٩) إبراهيم الأمير أيضا في بعض زوراته له أن يكلفه حاجة يقضيها له، فقال له: «هذا البلد قد عمر، وهو ثغر، وأهل إفريقية إليه (٤٠) مقصدهم وهو مرابطهم، والقرويون في ليلة كل جمعة يرابطون إليه (٤١) والجامع يضيق بهم،

стр. 518

وأحب أن تزيدهم فيه. وهذه الدواميس والدواليب (٤٢) التي وسط المدينة تجري إليها ساقية من خارج (٤٣) المدينة، وتوصل إليها ماء السماء فينتفع بذلك الناس والأرامل والأيتام، ويجد فيه راحتهم أهل الموسم من الغرباء والمرابطين والمنقطعين إلى رب العالمين لحله وقدم أجله! .وتخرج الذين حبستهم في الدواميس من أهل تونس» فأجابه إلى جميع ذلك، وأخرج المحبوسين، وكان ذنبهم (٤٤) عنده عظيما. وزاد في الجامع الثلاثة سقوف (٤٥) العالية التي تلي القبلة. ويقال: إنه سأله أيضا أن يبني للمسلمين مصلّى يصلون فيه يوم العيد ففعل ذلك. وذكر (٤٦) عن بعض أمراء بني الأغلب أنه أتى إلى سوسة، فتأخر عنه بعض من يخدمه، فقيل له بعد ذلك: «لم تأخرت؟ » قال: «كان معي شيء من المسكر، فتأخرت فأهرقته، لأني ما جسرت [أن] (٤٧) أدخل هذه المدينة به». وقال عمرون (٤٨): «وسوسة طرسوس [المغرب] (٤٩)». وذكر أيضا أن إبراهيم بن أحمد أظهر يوما في قصره عزفا ولهوا، فدخل رجل من المتعبدين إلى المسجد الجامع من بابه الغربي فقال لأصحابه: «قوموا بنا إلى هذا الرجل، فقد أحدث علينا أمورا لا نعرفها، ولا نصبر له عليها، فإما أن يزيل عنا هذا الأمر وإلاّ فنحن نخرج وأرض الله واسعة. ونحن إنما سكناها لله الواحد القهار».

стр. 519

فخرج من باب الجامع الشرقي فصحبه نحو سبعين رجلا من المتعبدين، فتوجهوا إلى قصر إبراهيم، فملئوا الفضاء الذي بين يدي القصر مع من تبعهم، فوجدوا الأمر الذي يكرهونه قائما من اللهو والعزف، فقيل لهم: «ما تريدون؟ » قالوا: «نريد الأمير لنجتمع به» فقيل لهم: «الأمير في شغل، لن تصلوا إليه في يومكم» فقالوا له: «عرفوه أنا لا نبرح من هنا حتى نجتمع به» فدخل الحاجب إلى الأمير فقال: «شيوخ سوسة كلهم بالباب، وأرادوا الاجتماع بك» فقال له: «أو يمكنني الاجتماع بهم وأنا على هذه [الحال] (٥٠)؟ ألا اعتذرت لهم عني؟ » فقال: «اعتذرت فلم يقبلوا عذري وقالوا: لا نبرح حتى نرى الأمير» فقال له: «اخرج إليهم فانظر ماذا طلبوه نفذه لهم» فخرج الحاجب إليهم فقال: «إن الأمير أمر بتنفيذ ما تحبون، لأنه على حال لا يمكن الاجتماع بكم» فقالوا: «نحن إنما جئنا إلى هذه المدينة وسكناها لله الواحد القهار، وقد أحدثت علينا هذه الأمور من اللهو والعزف، فإما أن يقطع عنا هذا الأمر وإلا فنحن نخرج عنه وأرض الله واسعة».فعاد الحاجب إلى الأمير فأخبره، فقال للحاجب: «ارجع إليهم فقل لهم: لن تروا ما أنكرتموه بعد هذا»، فانصرفوا. وخرج هو إلى «قبة الرمل» فكان يخلو فيها بما يحب، فإذا قضى وطره رجع ليلا إلى قصره. وكانت مدينة «سوسة» في ذلك الوقت ليس بها شيء من المنكر: لا خمر ولا لهو ولا عزف، وإنما كان أهلها مشتغلين بالحرب والحرز (٥١) على المسلمين والمسلمات وقيام الليل وصيام النهار.

стр. 520

[وفي سنة تسع وثمانين ومائتين توفي] (١) ١٥٩ - أبو جعفر حمديس (*) [القطان] (٢) واسمه أحمد بن محمد الأشعري. كان (٣) من أصحاب سحنون مشهورا بالفضل. وفضله أكبر من أن يحمله هذا الكتاب. [روي عنه أنه] (٤) قال: «لا تسلّموا على أهل الأهواء» (٥). وقال ابن حكمون (٦): مشيت مع حمديس يوما فسقط إلى الأرض، فرفعته، فقلت له: «لو أخذت على القنطرة التي عند المسجد التي «بالسواري» عند الفحامين؟ » فسكت عني، ثم قال: «تلك بناها داود بن حمزة (٧) من خدم السلطان». وذكر حمديس هذا أن سحنون ترك شهوده الجمعة وراء معد بن عقال إذ كان يصلي بمسجد القيروان، قال حمديس: «وكان يقول بخلق القرآن». وقال حمديس: «كان أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، يقول (٨): أطيعوني ما أطعت الله تعالى فيكم، فإذا عصيته فلا تطيعوني، ولا طاعة لي عليكم فيما أمرتكم به من المعصية».

стр. 521

قيل لحمديس (٩): «فلو أن إماما عمل بالمعصية أكنت تأمره أو تنهاه؟ » فقال: «لا»، واحتج بالحديث (١٠): «ينبغي للمؤمن ألا يذل نفسه» قالوا: «وكيف يذل نفسه؟ » قال (١١): «يعرضها من البلاء إلى ما [لا] (١٢) طاقة لها به».وذكر حديث مالك الذي قال [فيه] (١٣): «أدركت سبعة عشر تابعيا، فما سمعت أنهم قاموا إلى إمام جائر فوعظوه».قيل لحمديس: «فلو أن إماما دعا إلى البدعة وأمر بها وبات بالدار؟ » قال: «نجاهده». وقال حمديس (١٤): «اجتمعنا عند إبراهيم بن أحمد أنا ويحيى بن عمر وجماعة، فطال بنا المجلس والمذاكرة، ثم عطف عليّ إبراهيم فقال [لي] (١٥): «من أين عيشك؟ وفي كم أنت من العيال؟ » فقلت: في ستة. فقال لي: العيش من أين؟ فقلت له: «نحن من الله في ستر جميل».فسكت عني، فقلت له: «لي إلى الأمير حاجة».فنشط إليها وقال: «اذكر حاجتك» فقلت له: «تعافيني من المجيء إليك بعد هذا المجلس، فإنك لست تجد عندي ما تريده» فسكت ساعة ثم قال: «قد فعلت».فعطف عليه يحيى بن عمر وقال: «وأنا أيها الأمير» فقال: «لست أفعل»، ثم انصرفنا». وقال أبو سعيد [بن] محمد بن سحنون (١٦): «لما اعتل حمديس أحضرنا له طبيبا، فتبسم وقال: «ما أقبح المخالفة بعد الموافقة! من أراد الله به حالا /وأراد هو غيره، أليس قد خالف؟ » ثم قال:

стр. 522

بيد الله دوائي ... الذي يعلم دائي (١٧) إنما أظلم نفسي ... باتباعي لهوائي كلما داويت دائي ... غلب الداء دوائي وكتب (١٨) إلى حمديس رجل من أهل المشرق، من أهل الورع، كتابا يقول فيه: «خبرني إن كان الخبز عندكم من حلال حتى أقدم عليكم»، قال حمديس: «فأنا منذ سنة ما وجدت له جوابا». [وفيها توفي] (١): ١٦٠ - يحيى [بن عمر] (٢) بن يوسف الأندلسي (*) بسوسة. توفّي، رحمه الله تعالى، في شهر [ذي] (٣) القعدة. قال أبو بكر بن اللباد: «كان يحيى بن عمر من أهل الصيام والقيام، وكان مجاب الدعوة، وكانت له براهين (٤)». قال أبو العباس الابياني (٥): «ما رأيت مثل يحيى بن عمر في علمه وورعه وزهده وكثرة دعائه وبكائه، [وكان حريصا على أهل العلم، يحرض طالبه ويشرفه] (٦).

стр. 523

والوصف، والله، يقصر عن ذكر يحيى بن عمر وفضله، ولا يجهل أمره إلا جاهل». وقال محمد بن حارث (٧): «كان يحيى بن عمر متقدما في الحفظ. لقي المصريين: يحيى بن بكير ومحمد بن رمح، [وسمع بالحجاز من] (٨) ابن كاسب. وسمع بإفريقية من سحنون ويحيى بن سليمان (٩) الحفري (١٠). قال (١١): لما قدمت إلى سحنون سألت عنه، فقيل لي: «خرج إلى البادية».

стр. 524

فمضيت إلى البادية، فاجتمعت به فرأيت رجلا أشعر (١٢) عليه جبة صوف ومنديل، وهو يتولى حرث ضيعته وأسباب مؤنته (١٣)، فاستقللته فقلت: «إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. جئت من المشرق وخلفت به العلماء، وجئت إلى هذا الرجل وما أراه يحفظ من العلم شيئا ولا معه شيء! ».فأنزلني ورحب بي، فلما كلمته وسألته في العلم رأيت بحرا لا تكدره الدلاء، والله العظيم ما رأيت مثله قط، كأن العلم، والله، جمع بين عينيه وفي صدره. وقال يحيى الكانشي (١٤): «إن يحيى بن عمر أنفق في طلب العلم ستة آلاف دينار». وقال أبو العباس الابياني (١٥): «سمعت يحيى بن عمر يقول: أدخلت ابنا لي على يمن (١٦) بن رزق فقلت له: «أصلحك الله، ادع الله تعالى له» فقال: «جعله [الله] (١٧) في ميزانك» قال: فقلت له: «أصلحك الله، إنما أردت أن تدعو له» فقال: «جعله [الله] (١٧) في ميزانك» فقلت له: «أصلحك الله، إنما أردت أن تدعو له بالنماء» فقال: «جعله الله في ميزانك» (١٨) فقلت له: «أصلحك الله تعالى، [ادع] (١٧) له بالنماء، والزيادة» فقال: «أردت شيئا وأردنا شيئا، بارك الله فيه». قال أبو القاسم (١٩): فذكرت هذه الحكاية لأبي محمد محرز بن خلف، رحمه الله تعالى، فتعجب منها ثم قال محرز: «كان يحضر (٢٠) إليّ رجل، وكان له ولدان، فقال لي: «ادع الله تعالى أن يعلمهما القرآن» فأقام مدة ثم أتاني فقال: «إنهما قد قرآ

стр. 525

القرآن، ولكن ادع الله تعالى أن يتقبلهما منّي» فأقام مدة ثم أتاني فقال: «قد قبل منّي أحدهما» ثم أقام مدة وأتاني وقال: «قبل الله الآخر».قال أبو محمد محرز: «فأخبرني من كان في جنازتهما، قال: «دخلت إلى داره فكأن ليس بها جنازة، فلما أخذنا في غسله بكت امرأته، فعطف عليها فقال لها: «هكذا كان بيني وبينك؟ » فسكتت كأنها لم تبك». وكان (٢١) ليحيى بن عمر كرسي في الجامع للسماع فيجلس عليه ويسمع عليه الناس. قال أبو بكر الزويلي: «وما عملت أنه عمل ذلك لغيره (٢٢)». وكان يسمع بجامع القيروان (٢٣)، فبينا (٢٤) هو يوما يسمع الناس وحوله خلق كثير يسمعون عليه، إذ أتاه كتاب من عند أبي زكريا يحيى بن زكرياء بن عبد الواحد الأموي (٢٥) الساكن «بقصر زياد»، قال: فدفعه إليه الرسول، فلما فكه أسكت القارئ وقال لجماعة الناس: «صاحب هذا الكتاب منّ جده على جدّي بالعتق، فأنا من مواليه»، فعجب الناس من ذلك، وعلموا أنه إنما ذكر ذلك تواضعا لله . حدّث (٢٦) أبو بكر الزويلي قال (٢٧): «ألف يحيى بن عمر كتابا في النهي عن حضور «مسجد السبت» (٢٨)، فدسوا عليه رجلا أندلسيا كان حسن الصوت بالقراءة، فأتى

стр. 526

إلى «مسجد يحيى بن عمر» -وهو المسجد الذي بحذاء «حمام النعمان» -فلما فرغ يحيى بن عمر من صلاة الظهر وسلّم، استفتح الأندلسي بصوت حسن وقرأ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها) (٢٩)، وتمادى في القراءة إلى آخر الآيتين، فبكى يحيى بن عمر حتى [سالت دموعه على لحيته] (٣٠) ثم قال: «اللهم إن هذا القارئ ما أراد بقراءته رضاك ولا ما عندك، وإنما أراد بذلك نقصي وعيبي؛ اللهم فلا تمهله بعد ثلاث»، قال: فيقال إنه ما بلغ ثلاثة أيام حتى مات فيها، استجاب الله تعالى فيه دعوته». وذكر بعض الشيوخ (٣١) أن يحيى (٣٢) بن عمر مضى إلى قرطبة من (٣٣) القيروان على دانق (٣٤) حتى رده على أهله (٣٥)، [فخوطب في ذلك فقال: «رد دانق على أهله] (٣٦) أفضل من عبادة سبعين سنة».قال: «فمضينا إلى قرطبة ورجعنا في سنة، وبقيت معنا تسع وستون سنة ربحا». ولما (٣٧) أمر السلطان بإنشاء المراكب للخروج فيها إلى صقلية هدم (٣٨) الذين ينشئونها مقابر المسلمين ورفدوا (٣٩) بها المراكب إلا قبر يحيى بن عمر، ما جسر أحد على

стр. 527

هدمه، فكلم في ذلك بعض السودان فقالوا: «إنا لنرى عليه نورا عظيما، فهو الذي منعنا من هدمه». وكان، رحمه الله تعالى، لا يكاد يخرج عن مذهب مالك وأصحابه، كثير النهي عن كل محدثة وبدعة. وكان يشتدّ عليه أمر «مسجد السبت» ويودّ لو أنه هدم حتى لا يجتمع فيه أحد. وقد تكلّم فيه بكلام شديد كبير (٤٠). وخالف يحيى بن عمر من أصحاب سحنون جماعة، وغيرهم، (٤١) في جميع ما ذكره، فكانوا يحضرونه ويجتمعون فيه، منهم أحمد بن معتب وغيره، وفيه كانت وفاته. وحضره- ممن هو دون أحمد بن معتب في الطبقة-أبو بكر بن اللباد وأبو بكر بن سعدون وربيع القطان. لكنه كان في ذلك الزمان على خلاف ما هو عليه اليوم، وذلك أنهم كانوا يحضرونه بالوقار والسكينة والخشوع وغزر الدمعة وكثرة الصدقة والمعروف، وكانوا يقولون فيه أشعار أبي معدان (٤٢) في الزهد والمواعظ وأهوال يوم القيامة وصفات أولياء الله تعالى، ويركّبون (٤٣)

стр. 528

عليها أعمالها (٤٤) على طريق الحزن والخوف. وكان المتعبدون والصالحون إذا سمعوها استراحوا إليها بقلوبهم وانشرحت نفوسهم وانصرفوا منه وهم محزونون نادمون. ولقد ذكر عن [أبي] محمد بن فطيس (٤٥) المتعبد أنه قال: «كان الذين يحضرون «مسجد السبت» إذا خرجوا منه يرى عليهم أثره إلى السبت الآخر». حدّث أبو الحسن عليّ بن محمد الأنصاري عن أبيه قال: «حضرت مسجد السبت القديم وكان مبنيا بالطوب، فقال القوالون أشعارا في الزهد، فبكى الناس بكاء عظيما حتى امتلأ المسجد بالبكاء وارتفعت أصواتهم، فقال رجل جالس بجواري: «لقد طاب المسجد اليوم» فقال له رجل كبير السن شيخ: «يا هذا، حال (٤٦) المسجد عما كنا عهدناه قبل هذا الوقت. أعرف أني حضرته يوما فقام ابن السامة (٤٧) فقرأ (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ، اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٤٨) فقام شاب من الركن يبكي ويصيح: «الأمان بالله! »؛ فرجع القارئ في الآية من أولها، فقال الشاب: «الأمان بالله! » فرجع القارئ مرة ثالثة فصاح الشاب: «الأمان بالله! » وخرّ ميتا، رحمة الله تعالى عليه. فهكذا كانت صفة المسجد في الزمان الذي كان يحضر فيه هؤلاء الأفاضل. وأما في هذا الوقت فهو على خلاف ذلك، فلا ينبغي حضوره ولا السعي إليه، ولا يحتج في حضوره بمن حضره ممن قدمنا ذكره لأنهم لو أدركوا هذا الزمان لتركوا حضوره».

стр. 529

ومن فضائل يحيى بن عمر: وأما استجابة دعوته وكثرة ذكره وحكمته وصنوف من كراماته (٤٩): فقال: (٥٠): كان (٥١) قوم من الجزيريين (٥٢) «بزقاق الروم» (٥٣) يكبّرون في «أيام العشر» ويرفعون أصواتهم بالتكبير، وكان يحيى بن عمر يجوز عليهم إذا مضى إلى الجامع ويسمع تكبيرهم، فنهاهم عن ذلك وقال لهم: «هذه بدعة»، فلم ينتهوا. فيقال إنه دعا عليهم فصار ذلك المكان خرابا، وأقام كذلك مدة ثم عمر بعد ذلك. وحدّث الحسن بن نصر (٥٤) قال (٥٥): «قال لي يحيى بن عمر: «اكتب عندك: لا ترغب في مصاحبة الإخوان، فكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه، انفردوا يا أهل العلم، انفردوا». وعن الحسن (٥٦) عن يحيى بن عمر، قال: «ليس شيء أضر على ابن آدم من النظر في النجوم: يخرجه نظره في النجوم إلى الدهرية». حدث خلفون التونسي المتعبد بالمنستير، قال: «كان يحيى بن عمر يأتي إلينا، إلى المنستير، يصوم رمضان، وكان يحدثنا. فقلت له: «فهل حفظت شيئا من حديثه تحدثنا به؟ » فقال: «نعم مما حفظت عنه أنه قال-يرفع الحديث-إن الله ﵎ يقول (٥٧): «يا عبيدي تعملون عمل الفجار وتطلبون منازل الأبرار؟ «إنك لا

стр. 530

تحصد من الشوك الرطب» (٥٨)، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار». قال بعض المؤرخين: كان يحيى بن عمر كثيرا ما ينشد (٥٩): هممت ولم أفعل، ولو كنت صادقا ... عزمت ولكن الفطام (٦٠) شديد ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... إليك انقطاعي؟ إنني لسعيد (٦١) وقال يحيى بن عمر: قال بعض الحكماء: «التفاتة خير من دمعة (٦٢)».وأنشد يحيى بن عمر: اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام (٦٣) وكتب يحيى بن عمر رسالة إلى حمديس القطان وهي (٦٤): رضاك (٦٥) الله بقضائه، وأسعدك بقدره، وأطال عمرك في طاعته، وأوزعك الشكر على نعمه، حتى تكون الآجلة خيرا (٦٦) لك من العاجلة. ولولا ما انتهى إليك من ضعفي عن الخطو (٦٧) إليك لأكثرت من عيادتك، ولكنت بذلك مسرورا مع جزيل الذي كنت آمله من ربي سبحانه على ذلك، غير أنه قد أنهى إليّ صاحبنا ما كنت عهدتك عليه، ثم رآك في آخر مرة وقد تماثلت عن حالتك الأولى فسرني ذلك، لما رجوت لك من تمحيص ذنوبك. وهذا أفضل ما يناله المؤمن في الدنيا ويرغب إلى ربه فيه. وكذلك قال نبينا محمد، ﷺ ، سيد العالمين وإمام
следующие страницы →