← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(فيه أحدا) (٥٦) ولا نعرف من أين خرج، فكثر عجبنا من ذلك (٥٧). وفيها توفي (١): ١٨٠ - صدقة الضرير المتعبد (*) رحمه الله تعالى . ودفن بباب تونس ودفن بجواره (٢) مولاه سالم. وكان من فضلاء المؤمنين مجاب الدعوة. وكان قد ذهبت يداه ورجلاه من البلاء، فكان إذا أراد الوضوء للصلاة حمل إلى متوضاه (٣) فوضئ جميع وضوئه (للصلاة) (٤) ثم حمل إلى مصلاّه الذي يصلي فيه. قال/أبو عبد الله الخراط: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: كان صدقة مستجابا. وكان له غلام (٥) اسمه سالم من المتعبدين، وإنما انتفع مروان (٦) بدعاء صدقة وصحبة (٧) سالم مولاه. وكان صدقة معلم مروان القرآن. قال أبو عبد الملك مروان: رأيت أبا هارون الأندلسي-وأنا حدث-بقصر

стр. 702

الطوب-وكان من الأبدال-فتقدّمت إليه وسلّمت عليه، وعليه مرقّعة من صوف فقال لي: من أنت؟ فقلت له: مروان، وكان قائما فعانقني، وقال لي: أنت مروان الخياط معلمك صدقة المجاب الدعوة، سينفعك الله تعالى به. ثم جرّ يده على رأسي ودعا [لي] (٨) فوجدت لدعوته حلاوة في قلبي وبكيت، فلما دخلت على معلمي صدقة أعلمته بالخبر فبكى الشيخ الفاضل (ثم قال لي) (٩): يا بني ذاك سيّد عبّاد المغرب سينفعك الله بدعائه. وذكر أن الناس كانوا إذا حبس الله تعالى عنهم الغيث أتوا إلى صدقة الضرير يسألونه الدعاء (١٠) فأتوا إليه يوما (وقد أصاب البلد قحط شديد) (٩) فسألوه في الدعاء (١١) فرفع يديه إلى السماء (١٢) ودعا بدعاء عظيم ثم قال: يا رب الساعة ... الساعة ... فما خرج الناس عنه حتى أغاثهم الله بالمطر. /قال حمديس القطان لصدقة الضرير: عند (١٣) الله كل يوم دعوتان مجابتان (١٤) فقيل له: فما علمك؟ فقال: أخبرني بعض أهل العلم ممن أثق به أنه رأى ذلك في المنام. وقيل: إن آخر كلمة سمعت من صدقة الضرير وهو يجود بنفسه: ارفق بحبيبك يا حبيبي. ثم فاظت نفسه. قال أبو ميسرة: توفي (١٥) صدقة والصديني في يوم واحد فغسّل الصّديني المقرعة الغاسل (١٦) ثم مضى على أنه يغسّل صدقة، فمنعه الناس وقالوا [له] (١٧)

стр. 703

اذهب لا تنجسه. وكان مولاه سالم على غاية من العبادة والزهد. قيل: دخل ربيع القطان (١٨) ومروان على صدقة الضرير يعودونه فلما خرجوا من عنده وجدوا سالما غلامه في بيته التي في السقيفة وهو يدور من طرفها إلى طرفها ويقول: لك الحمد يا مولاي ... ويكرر ذلك، فبدر ربيع إليه وقال له: تجننت يا ابن السوداء؟ فقال له سالم: اسكت يا سيدي ... يا أبا سليمان مولاي الكبير عوّدني يطعمني من ثلاث إلى ثلاث فلما (ان) (١٩) كان البارحة زادني رابعة. وفيها توفي: ١٨١ - أبو بكر [الصدفي] (١) الصوفي (٢) السوسي (*) ﵁. ومما يسند (٣) عنه أنّه/قال (٤): أخبرنا محمد بن عبد الحكم عن أبيه عبد الله ابن عبد الحكم قال: هيأ (٥) مالك بن انس ﵁ دعوة للطلبة وكنت معهم (٦) فمضينا (٧) معه إلى داره فلما دخل قال لنا: هذا المستراح وهذا الماء ثم دخلنا البيت ولم يدخل معنا ثم دخل بعد ذلك فأتي بالطعام ولم يؤت بالماء قبل الطعام لغسل أيدينا فلما فرغنا من الطعام أتى بالماء لغسل أيدينا (٨) فغسلنا أيدينا ثم

стр. 704

خرج الناس وتخلفت بعدهم، فقال لي: يا عبد الله (٩) ما تخلفك (١٠) عن أصحابك، فقلت له: رأيت منك خلالا أربعا أحب أن تفسرها لي، ثم ذكرت له جميع ما رأيت، فقال لي: أما إعلامي لكم (١١) بالمستراح والماء فأنا (١٢) دعوتكم لأبرّكم، فلعل أحدكم (١٣) يصيبه بول أو غير ذلك فلا يدري أين يذهب فيصل إليه الضرر، وأما تركي الدخول معكم فلعلّي (١٤) إذا دخلت معكم أقول: هاهنا (١٥) يا فلان وهاهنا يا فلان اجلس، وقد أنسى بعضكم أن أقول له ذلك فيظن أن ذلك نقص به (١٦) فتركتكم حتى إذا أخذتم مجالسكم دخلت عليكم، وأما تقديمي إليكم الطعام قبل الوضوء فإن الوضوء قبل الطعام من سنّة (١٧) /الأعاجم (١٨). وقد حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان

стр. 705

يبول فيستنجي بشماله ويأكل بيمينه (١٩). وأما تقديمي إليكم الغسل (بالماء) (٢٠) بعد الطعام فقد جاء في (ذلك) (٢٠) حديث: (أنه) (٢٠) من بات وفي يده (٢١) غمر (٢٢) من الطعام فأصابه بلاء فلا يلوم إلا نفسه (٢٣).

стр. 706

ثم كانت سنة خمس وثلاثمائة وفيها توفي: ١٨٢ - يونس بن أبي النجم المؤدب الأطرابلسي (*) المتعبد . كان شيخا مشهورا بالإجابة. قال ربيع القطان بخطه (١): حكى لنا الشيخ الأطرابلسي عبد الله بن محمد العازب (٢) قال: أخبرني يونس المؤدب هذا-وكان من المجابين الدعاء-قال: كنت أنا والشعاب في غرفة الشعاب (٣) بمسجده الذي بطرابلس (٤) يوم جمعة إلى أن دخل عليه (٥) رجل مبيض يسطع مسكا فقام (٦) الشعاب إليه ولهى عني حتى كأني ليس (معه) (٧) وتحدثا طويلا ثم قال للشعاب: (قرب الهجير، فقال له الشعاب: و) (٧) لا تصلي معنا-يريد الجمعة-فقال له: (لا) (٧) بقرطبة أصلّي، ثم خرج من عند الشعاب فقال لي الشعاب: يا يونس (قم) (٨) فقمت مع الشعاب إلى السترة التي (٩) في جبلي (١٠) مسجده فقال لي: انظر/إليه يخوض البحار بقدميه

стр. 707

[و] (١١) يثور الغبار بين يديه. قال يونس: فنظرت إليه كالنقع (١٢). قال [عبد الله] (١٣): يمكن أن يكون الخضر ﵇ أو من مؤمني الجن. وممن كان في هذا العصر (١): ١٨٣ - سعيد الصبري (٢) المتعبد (*) كان من أهل الفضل والعبادة مشهورا (٣) بالإجابة. قال ربيع بن سليمان القطان بخطه: قال لي محمد بن رصيف (٤) القصري: سمعت أبا يزيد (٥) بن الشعب يقول: قيل للصبري-وقد كان الناس يأتونه من كل أفق يدعو لهم ويجاب دعاه (٦) -ما هذا الجاه الذي لا ترد لك (٧) به دعوة؟ قال: فقال لسائله نعم أنا أخبرك: يأتيني (٨) الناس وكل (٩) واحد منهم مضطر قلق بحاجته وقد علم السائل مقام دعوة المضطر من الله فأقول له: إما تدعو ونؤمن أو ندعو وتؤمن (١٠) فيجيب الله الدّعاء باضطرارهم فينتفعون

стр. 708

بدعائهم وهم يظنون أنهم بنا ينتفعون، فدعنا بسوق قامت لنا من حيث هي لغيرنا. قال ربيع القطان فقلت لابن رصيف (١١): لقد تخلص الشيخ (١٢) ولطف ونعم الستر هذا (١٣) وشبهه. ﵀ وإيانا. وفيها (١) توفي: ١٨٤ - أبو عبد الله محمد بن عمرو (٢) بن خيرون المقرئ الأندلسي (*) قال أبو عبد الله الخراط: كان صالحا ثقة كريم الأخلاق سمح النفس. إماما في القراءة. وكان من ذوي التّجمّل والأنفس الشريفة. وكان قد أصيب بتجارة كبيرة في البحر نحو ألفي (٣) دينار فبلغ ذلك أبا إسحاق بن حبشي بن عمر الأغلبي (٤)، وكان من أهل الجود والمعروف، فاغتمّ لمّا بلغه أمره (٥) وأرسل محمد ابن زكنون-وكان متصلا به-يسأله الاجتماع به. قال: فاجتمعوا بقصر حبشي الذي على البحر بسوسة فكلمه وذكر اغتمامه بما رزئ به وحادثه طويلا ثم أخرج كيسا فيه ألف دينار وقال: يا أبا عبد الله قد علمت (ما جرى) (٦) بيننا من المودّة والإخاء في (ذات) (٦) الله وما يجب بين الإخوان من الحق وقد أحببت أن تسرني

стр. 709

بقبول هذه الدنانير وتصرفها في حاجاتك، فقال له ابن خيرون: أحسن الله مجازاتك وأوجب حقك، الله تعالى أعطانا والله أخذ منا والخلف بيده وهو المحمود على السراء والضراء وقد أبقى علينا من نعمه ما لنا فيه الكفاية. فقال له: قد علمت ذلك ولكني أحببت أن تشركني في ثوابك ولا تبخل علي بما فيه سألتك، فقال له: لك ثواب نيتك-أعزك الله تعالى-ولا سبيل إلى أخذ المال. قال: فخذه مني سلفا ولا ترده (٧) في وجهي وألح عليه وجهد جهده في قبوله (منه فأبى عليه من ذلك) (٨) ولم يأخذ منه شيئا. قال المحدث: فلا أدري والله ممن أعجب من (٩) هذا الذي بذل ألف دينار من غير مسألة أو من هذا (١٠) الذي لم يأخذها تعفّفا ونزاهة. وفيها (١) توفي: ١٨٥ - محمد بن طيب المصري (٢) المتعبد (*) (كان) (٣) من أهل العبادة. صحب أبا سعيد أحمد بن عيسى البغدادي المعروف بابن الإسكاف (٤) وأبا هارون الأندلسي وأبا عقال بن غلبون (٥). نزل

стр. 710

بسوسة (٦) فأوطنها. حدّث عنه الحسن بن نصر السوسي (٧) بحكايات. كان يقول: بركة الصلاح تلحق التاسع من الولد. وشؤم المعاصي تضر الرابع من الولد. كانت وفاته بالقيروان [و] (٨) دفن بباب سلم. ﵁. وفيها توفي (١) ١٨٦ - ابراهيم الدمني (*) المتعبد . صحب محمد بن سحنون. وكان صالحا سكن الدمنة. بنى (٢) مسجد الخميس (٣) بالدمنة فكان الناس يجتمعون إليه فيه للذكر والدّعاء.

стр. 711

(وكان مشهورا بالفضل/والعبادة والنسك والإجابة) (٤). قال أبو الربيع سليمان بن محمد (٥): كان ابراهيم (الدمني) (٤) إذا سمع هذه الآية: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٦) يقوم وينوح ويبكي ويصيح ويقول: اللهم بحقّ هذه العناية وهذه الكفاية وهذا الحفظ احفظ لنا ديننا حتى نلقاك مسلمين. قال أبو الربيع: وكنا في مسجد ابراهيم بحارة المرضى (٧) سنة ثلاثمائة (حتى) (٨) أقبل الشّرط -عشرة منهم-فوقفوا على باب المسجد وقالوا لابراهيم: يا أبا إسحاق إنّا بعثنا إليك صاحب المدينة (٩) حسن بن علي بن أبي خنزير (١٠) لعنه الله تعالى [لنأتيه بك] (١١) وكان أبو إسحاق هذا من المتقدمين في الخير فقال لمن (كان) (١٢) في المسجد: لا تزولوا عن المسجد ولا تفترقوا وأيدوني بالدعاء. قال فمضى به الشرط حتى أوصلوه إلى أبي جعفر (١٣) -صاحب المدينة-فنظر إليه

стр. 712

فقال لهم: أهذا هو (١٤)؟ فقال له مجيبا: أنا ابراهيم صاحب الكسور (١٥) البلق (١٦) وصاحب المرقّعات من المزابل إنما تقدم أبو بكر (١٧) وعمر وعثمان وعلي وأصحاب بيعة الرضوان إلى الله بمناصحتهم للنبي ﷺ فمن ذا الذي يتباعد من الله تعالى ويتقرب إليكم؟ فقال له: يا شيخ هذا الفاسق رفع إلى أمير المشركين (١٨) انك تطعن في الدولة فأمرني (١٩) بقتلك ويأبى الله من ذلك أن أقتل مثلك. (قال) (٢٠): ثم أمر بصفع قفا ذلك السّاعي (٢١). ثم ركب إلى رقادة إلى عبيد الله. فقال له: وجهت إليّ في شيخ صالح ضعيف؟ فقال له: فاضرب السّاعي (٢١) خمسمائة سوط، فرجع، فضربه حتى مات تحت الضرب، فانصرف إليهم ابراهيم فقال: احمدوا الله واشكروه فهذا فعله فيمن رجاه وقصده. قال أبو الربيع: وكان في الدمنة جماعة من العبّاد وكنت أدخل مع جدي غلبون وأنا صبي إليهم، منهم: ابراهيم هذا، ومحمد العنقل من الأبدال، وإسحاق الطانونة (٢٢) السّاكن في مسجد الخضر، وأبو العباس الضرير، ورحيم (٢٣)، فكنت أدخل إلى هذا رحيم (٢٤) العابد فكان يقول لجدي: (يا أبا عقال) (٢٥) اسمع دعائي: اللهم إنك تعلم أنّا نريد أشياء (وأنت) (٢٥) لا تريدها

стр. 713

فتحرمنا إياها فنأسف عليها وأنت العالم لمصالحنا، اللهم افعل (٢٦) بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله (اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا) (٢٧) اللهم طيّب مطاعمنا ومشاربنا (وملابسنا) (٢٧) وآثارنا (٢٨) حتى نلقاك طيبين اللهم اجعلنا من الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] ٢٩. وكان بالدمنة شيخ من المتعبدين يقال له (١): ١٨٧ - سعيد البكاء (*). من الخاشعين (المحزونين. كان) (٢) يقال (٣) له: كيف أصبحت؟ فيقول ما رقدت (٤) أوجعتني ركبتاي وأوجعني (٥) صلبي (٦) فأنا الليل كله أتضرع (٧) إليه وأقول: كيف يا مولاي أقوى على مقطعات النيران وثقل الأغلال وأنا لا أقوى على وجع ركبتي ووجع صلبي اللهم لا تعذب شيبتي بالنار اللهم كما آنستني في هذا الليل (في مضجعي) (٨) [بذكرك آنسني في] (٩) قبري (١٠). وكان كثير النياحة والبكاء، بها كان يقطع أكثر ليله (١١). ﵁.

стр. 714

١٨٨ - [أبو علي، الضرير بالدمنة] (*) ذكر سليمان (١) بن سالم صاحب سحنون (قال) (٢): كان شاب ضرير يختلف إليّ في كتب (٣) ابن أبي كريمة (٤) حتى سمعها منّي ثم إنّي غبت عنه نحو سنتين (٥) ثم قدمت فسألت عنه فقيل لي: صار إلى حاله، فمضيت. [إليه] (٦) إلى الدمنة -وكان بها ساكنا-فضربت الباب فخرجت إليّ سوداء فقلت لها: أبو علي، فقالت لي: ليس يدخل الناس إليه (٧) فقلت لها: أعلميه أني أبو الربيع، فأعلمته ثم خرجت إليّ سريعة (٨) فقالت لي: ادخل إلى السقيفة وجاءت بحصير فقعدت (عليه) (٩) حتّى أقبل متكئا على السوداء وقد ذهبت عيناه ويداه/ورجلاه من البلاء فعانقته وأجلسته فقال لي: لقد كنت مشتاقا إلى لقائك (١٠) لأخبرك (١١) بشيء رأيته. فقلت له: ما هو؟ فقال لي: فتح الله لي في ليلة من الليالي فصليت ما فتح الله لي فيها ثم قعدت أدعو فرد الله عليّ (١٢)

стр. 715

بصري فإذا بطائرين واقفين عن يميني فكنت أدعو الله تعالى للرّجل أسميه فيقولان آمين وربما دعوت للرجل أسميه فلا يقولان آمين، فبعض من ذكرت أمّنا على دعائي وبعض لم يؤمنا [على دعائي له] (١٣) فقلت له: فرأيت الطائرين (١٤)؟ فقال لي: نعم، وسمعت كلامهما. قال: ثم طارا عنّي فلمّا طارا عدت إلى حالتي التي كنت عليها لا أبصر شيئا. ١٨٩ - [شاب ضرير آخر بالدمنة] (*) قال سليمان: وحدثني عبد الله بن عبيد الله (١) المهري، قال: بلغني عن شاب في دمنة القيروان ضرير سقطت رجلاه من ركبتيه (٢) كان يقف على ركبتيه يصلي فمضيت إليه فدخلت فأصبته في مسجده (٣) وهو قائم على ركبتيه [يصلّي] (٤) فسجد وسلّم وقال لي: من الشيخ؟ فقلت: عبد الله بن عبيد الله (٥) المهري، فقال لي: يا أبا محمد (٦) حدّثت بحديث بلغتي عنك. فقلت له: وما هو؟ فقال لي: حديث النجوى. فقلت له: [نعم] (٧) بلغني/أن الله يدني [العبد] (٧) المؤمن يوم القيامة من نفسه حتى يضع عليه كتفه ثم يقول له: عبدي تعرف ذنب (٨) كذا (كذا) (٩)، يوم كذا وكذا فيقول [نعم] (١٠) سيدي أعرف، حتى يقرره [فيعترف] (١٠) بذنوبه. قال: فقال لي الشّابّ: بالله يا أبا محمد قل تعرف،

стр. 716

تعرف، ثم انجدل (١١) في مسجده مغشيّا عليه، فخرجت عنه وتركته، فبت به مغموما ثم عاودته (من الغد) (١٢) لعلمي به، فقال لي: مرحبا بك يا أبا محمد أعد عليّ الحديث، قال: فقلت له: سوف أرجع إليك (١٣) إن شاء الله تعالى ومضيت عنه.

стр. 717

ثم كانت سنة سبع وثلاثمائة وفيها توفي: ١٩٠ - أبو عمرو (١) هاشم بن مسرور صاحب الفرن (*). كان (٢) مشهورا بالخير كثير الصدقة يتصدّق في السنة بالمال العظيم ويفكّ السبايا (٣) كسبي تونس وغير ذلك ويزوّدهم (٤) من ما له. قال أبو عبد الله الحسين بن سعيد الخرّاط: بلغني عنه أنه كان ربما أخرج له (٥) الخبز من الفرن فإذا نظر إليه وأعجبه طيبه أمرهم أن يعطوه للفقراء (فإذا جاءه المشترون قال لهم: بعناه ممن يوفينا ثم يبعث به إلى الفقراء) (٦) والأضراء في الدمنة فيتصدّق به كلّه. ولقد (٧) بلغني أنّه تصدّق [مرة] (٨) /بمال نحو المائة دينار فأنفذه كلّه في الفقراء والمساكين فمرّ يوما في بعض الأزقّة فعارضه رجل فسلّم عليه ثم مدّ يده إليه فقال له: أعطني فإنّي مضطرّ فقال له: ما معي شيء ثم تفكّر (٩) فمدّ يده إلى تكته (١٠) فإذا فيها فضة نحو ثلثي درهم مما فضل من المال الذي تصدّق به فدفعه إليه فأخذه الرجل ثم حمد الله تعالى وذهب فرأى أبو عمرو [في] (١١) منامه قائلا

стр. 718

يقول له: يا هاشم تقبّل الله منك المائة دينار (١٢) بتلك القطاع التي تصدّقت بها على الرجل الذي سألك. قال أبو عمرو (١٣): فجعلت ذلك الرجل من بالي وطلبته بكل حيلة فلم أقدر عليه. وكان (١٤) هاشم في حلقة عبد الجبّار (١٥) في جماعة رجال سحنون حتى وقف سائل فقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ (١٦) فقال عبد الجبّار: ما ظنّك بقوله : فَيُضاعِفَهُ لَهُ فنزع هاشم عمامته عن رأسه وقطعها باثنتين (١٧)، فدفع إلى السائل نصفها وأخذ هو النصف الآخر (١٨). وكان (١٩) أول ما تدخل الفاكهة يقف بالمكتب فيقول للمعلم (٢٠) أخرج إليّ من عندك من الأيتام فيشتري لهم الفاكهة فيطعمهم ويدهن/رءوسهم ويقبّل بين أعينهم ويقول: ما عسى أن أصنع بكم (٢١)؟ ويرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم هذا الجهد مني، فكان يدور على كل مكتب بالقيروان فيفعل ذلك مع صبيانه. وكان (٢٢) رحمه الله تعالى إذا حضر جنازة يجلس (٢٣) على شفير القبر فإذا نظر

стр. 719

إلى اللحد قال: ما أحوج هذا القبر إلى فرش فينصرف (٢٤) فيتصدّق بأحسن ثيابه وإذا نظر إلى التراب وهو يهال على الميت قال: ما أحوج هذا (القبر) (٢٥) إلى ضياء ونور، فينصرف فيتصدّق بالزيت على الأرامل والمساكين. وكان (٢٦) يشتري الكتّان [و] (٢٧) يجعل في كل ربطة رطلا ويصرّ (٢٨) مع الربطة درهما ويخرج إلى بيوت الأرامل والضعفاء والمستورات فيدفع (٢٩) إلى كل بيت ربطة وصرّة حتى يعمّ كلّ من يعرف. وكان (٣٠) ﵁ يقف يوم الخميس (٣١) عند سوق الدجاج فإن رأى امرأة أو شيخا بيده (هرة) (٣٢) أو فرخ (٣٣) أو دجاجة يشير إليهم ويقول لهم: ما دعاكم إلى بيع هذا؟ فإن شكوا فاقة واضطرارا (٣٤) أعطى كل واحد منهم على ما يرى من حاجته وحاله، فلا ينصرف (٣٥) حتّى يذهب آخر الناس وهو متقنع بردائه. وكان (٣٦) يقعد/بالعشي عند سوق الغزل فإذا رأى امرأة خرجت بخصلة قال لها: ما دعاك إلى بيع هذه لو (٣٧) تركتها حتى تكملي (٣٨) عليها؟ فإن شكت إليه الفقر والاضطرار بكى بكاء عظيما ومضى معها حتى تدخل موضعها وينظر (٣٩) ما

стр. 720

عندها فيغيّر حالها ويدفع إليها ما يصلح لها من كتّان وقمح ودثار. وكان (٤٠) يخرج في الشتاء، يقف عند باب تونس ومرة على باب نافع ومرة على باب أبي الربيع فإذا بصر (٤١) بشيخ أو شاب خرج بحبل يحتطب (٤٢) في شدّة البرد والريح، ردّه وقال: ارجع، هذه نفقتك ونفقة عيالك. لو طلبت في الناس كلهم مثل هاشم (٤٣) ... طلبت ما ليس في الدنيا بموجود وكان (٤٤) يذهب إلى الدمنة (٤٥) في الأعياد يصنع (٤٦) لهم الحلوى ويجعل ذلك بين أيديهم ويطعمهم بيده ويفلي ثيابهم (٤٧) ويدهن رءوسهم ويقلّم أظافرهم (٤٨) ويدعو [لهم] (٤٩) وينصرف. وكان (٥٠) هاشم-﵁ وأرضاه-يمشي في الأسواق [يدور] (٥١) على الباعة المقتّرين يزيد في رءوس أموالهم ويقول لهم: كلوا الربح وردوا إليّ رأس المال ثم يذهب عنهم فلا يعود إليهم أبدا. وخرج (٥٢) مرّة في السحر إلى الحمّام وعليه فرو سمور (٥٣) تحته قميص/وعليه منديل وبيده سطل ومئزر (٥٤). فمرّ بشيخ يرتعد ويصيح: البرد! فعدل إليه هاشم

стр. 721

ورمى الفرو (٥٥) والقميص عليه وجلّله (٥٦) بالمنديل ودفع إليه السطل والمئزر وتناول هاشم-﵁ وأرضاه-حصيرا كانت على الشيخ جعلها على نفسه وعاد (راجعا) (٥٧) إلى داره. أخبر (٥٨) القاضي عبد الله بن هاشم قال: وجدت بطاقة في ميراث (٥٩) أبي بخطّه فيها مكتوب: «تصدّقت بمالي كلّه وهو يزيد على الألف دينار حتّى ما بقي معي إلاّ قدر خمسة دنانير، فتجرت (فيها) (٦٠) فأنماها الله وبارك فيها حتى صارت تزيد على الألف (٦١) دينار فتصدّقت بها ثانية حتّى ما بقي معي إلاّ خمسة دنانير، فتجرت فيها فأنماها الله وبارك فيها حتّى صارت تزيد على الألف (دينار) (٦٢) فتصدّقت بها ثالثة حتّى ما بقي منها إلاّ خمسة (٦٣) دنانير (فتجرت بها) (٦٢) فبارك الله فيها وأنماها حتّى صارت تزيد (٦٤) على الألف [دينار] (٦٥)، فلما رأيت ذلك علمت أن الله أوقفني لعباده فكنت أعطي وأحتسب ولا أتوقف عن العطاء لأحد من أهل الحاجة». قال (٦٦) عبد الله بن هاشم/سمعت أبي يحدّث قال: كتب (٦٧) إليّ أهل السجن رقعة يذكرون (٦٨) لي فيها ما هم فيه من الجوع والضيق وسوء الحال ويستحكمون (٦٩)

стр. 722

الله (عليّ) (٧٠)، وكنت في ضيق من الحال ولم أجد ما أمد يدي إليه إلاّ مهراسا (٧١) من نحاس كان عندي من تركة أبي، فبعته بنحو ثلاثة دنانير (٧٢) واشتريت لهم قمحا وعملته خبزا ومضيت به إلى السجن وفرّقته عليهم وجعلت (٧٣) ثوابه لوالدي فرأيت والدي في المنام [في] (٧٤) تلك الليلة فقال لي: يا بني جازاك (الله) (٧٥) عنّي أفضل ما جازى به ولدا (٧٦) عن والده، قد كان (٧٧) بين يدي عقبات (٧٨) عظيمة فلقد أعنتني على جواز أعظمها بثمن ذلك المهراس. قال (٧٩) ابن سعيد (٨٠) الخراط: اجتاز هاشم بن مسرور بابن العزفي وهو يبني الحمّام فقال له: ما هذا الذي تبني؟ فقال له: أخرجت ألف دينار أبني بها حمّاما يكون عدّة لولدي بعدي، فدعا له وانصرف فلمّا وصل إلى بيته أخرج ألف دينار ثم قال: اللهم إن ابن العزفي أخرج ألف دينار يبني بها حماما يكون عدّة لولده وإني أخرجت هذه الألف دينار (٨١) لوجهك، فأنت عدّة لولدي ثم تصدّق بها كلّها على الفقراء والمساكين. /وكان (٨٢) ﵀ طويل الصلاة كثير التلاوة. لقد حدّث عبد الله ابن هاشم قال: كان لأبي-﵁-في كل شهر رمضان تسعون ختمة، وأما سائر أيامه فكان (له) (٨٣) في كل يوم وليلة ختمتان لا بدّ من ذلك على أنه

стр. 723

كان يتصرف في حوائجه. وأخبر عنه أيضا قال: سافرت نحو المغرب فلما صرت في بعض المناهل ونام الناس طلبت النوم فلم يجئني منه شيء فلما تمادى [بي] (٨٤) السهر رأيت أن لا يذهب ليلي خسارة، فتأهبت للصلاة وقمت فأخذت في الصلاة، فطابت لي القراءة، فختمت القرآن كله، فلما حسن ذلك عندي جعلت ثواب تلك الختمة لأبي، فلما قدمت أتاني ابن أبي حميد (٨٥) -وكان (رجلا) (٨٦) صالحا- فقال لي: رأيت أباك في النوم. فقال لي اشكر ابني هاشما وقل له: جازاك الله -عني [من ولد] (٨٧) خيرا فلقد أجزتني بالختمة التي كانت في سفرك عقبة عظيمة. وكان-﵁-مستجاب الدعوة، كانت بالقيروان سنة قليلة المطر (قحطة) (٨٦) فصلّينا يوما على جنازة بباب سلم، فجلست مع هاشم بن مسرور نتحدّث فقال لأبي القاسم بن مسرور الأبزاري (٨٨) أخي (٨٩) الضرير الفقيه (٩٠)، / (انظر) (٩١) يا بني لهذا الفحص-يريد فحص الدوارة (٩٢) -قد اسودّ من قلة المطر وغيث السماء (قال) (٩١): ونحن في شمس تقلي (٩٣)، فرفع يديه إلى

стр. 724

السماء وقال: اللهم أمطرنا وفرّج عنّا واسقنا وأغثنا وعجّل بذلك يا ربنا في يومنا هذا. ودعا بدعاء كثير ثم انصرفنا جميعا فلما صرنا في (٩٤) بعض الطريق سحّبت السماء وهطل المطر فما انتهينا إلى «سوق الكعك» حتى خضنا الطين، [قال] (٩٥) فالتفت إليّ هاشم وقال لي: ما أيمن يومنا هذا، سألتك بالله لا تتحدّث (٩٦) بشيء من أمرنا فما ذكرنا ذلك حتى توفي هاشم. حدثنا عبد الله بن أبي العباس قال: هجرت يوما إلى الجامع فبينما أنا سائر إذا بهاشم (٩٧) أمامي يمشي قد راح إلى الجمعة فأدركته عند دار سعيد ابن السكران فسلّمت عليه-وكان عبد الله صديقا لهاشم-فلم يرد عليّ السلام (ثم سلّمت عليه ثانية، فلم يرد عليّ) (٩٨) فسلّمت عليه مرارا وكلّ ذلك لا يرد عليّ السلام، ونحن نمشي حتى حاذينا ساباط ابن العزفي فأنكرت ذلك من أمره وحدّثت نفسي بغير شيء (٩٩) حتى انتهينا إلى المسجد الذي بجوار «حمام أبي إسحاق» جوار «درب الأقرع بن بكار» فنظرت إليه وقد حال وتغير لونه ثم مال/على المسجد وهمّ أن يسقط فأدركته واحتضنته فأقام ساعة حتى خفت عليه ثم فتح عينيه فأبصرني فقال: عبد الله، أنت (١٠٠) هاهنا؟ فقلت له: نعم. أو لم ترني وأنا معك من قرب منزلك؟ فقال لي: لا والله ما شعرت بك، يا بني عرض على [قلبي] (١٠١) فكرة (١٠٢) في حديث رويناه عن النبي ﷺ أنه قال: في جهنم حية طولها كذا وكذا-ووصف ذلك-للقراء من هذه الأمة، فهؤلاء (١٠٣) القراء فما ظنك بغيرهم.

стр. 725

وفيها (١) قتل: ١٩١ - عروس المؤذن الرجل الصالح المتعبد (*). كان-﵁-يؤذن بمسجد أبي عياش (٢) الفقيه صاحب سحنون وكان اسمه منيب، (وكان) (٣) سبب قتله أنه شهد [عليه] (٤) بعض المشارقة أنه لم يقل في أذانه (٥): «حي على خير العمل» فقطع (٦) لسانه وقتل بالرماح (٧) بعد أن طيف به القيروان ولسانه بين عينيه، ثم قتل (٨) ﵁. وفيها (١) توفي: ١٩٢ - أبو سعيد محمّد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (**) ﵃

стр. 726

ودفن بمقبرة باب نافع (٢) إلى جنب أبيه. كان (٣) ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) (٤) مولده سنة ست وخمسين ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. قال (٥) أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد محمد بن سحنون: خرج محمد بن سحنون مع الأمير محمد بن أحمد بن الأغلب (٦) إلى سوسة فلما صلّى الصبح جلس بعد الصلاة، فقال لمن حوله: يأتيني اليوم (٧) بشير (٨) من القيروان (يخبرني) (٩) بأن «قراطيس» جاريتي وضعت حملها وأتت بغلام وأنا اسميه-إن شاء الله تعالى-باسمي وأكنيّه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا. فما انتصف النهار حتى أتاه غلام (له) (٩) [فبشّره] (١٠) بأن أم ولده «قراطيس» ولدت غلاما، فنزع ثوبا كان عليه له قدر فرمى به إلى الغلام فلما (أن) (١١) صار الثوب (١٢) إليه (١٣) قال له: اختر أيهما شئت: إن أحببت أن ترد الثوب واعتقك، أو تحبس الثوب وأنت مملوك، فرد الغلام الثوب وأعتقه. وإنما كانت (١٤) رؤيا رآها محمد في المنام.

стр. 727

وكان (١٥) أبو سعيد-﵁-أصغر ولد (محمد) (١٦) أمه «قراطيس» (أم ولد محمد) (١٦) قدم بها من مصر في العام الذي (حجّ) (١٦) فيه (١٧)، اشتراها بمصر وذلك أنه سمع بكاء امرأة في الرفقة-في وقت دخولهم مصر-فسأل عن المرأة وشأنها، فأخبر أنها جارية إنسان أندلسي يريد بيعها، فبكت وذكرت أن لها أبوين بالمغرب (١٨) فرقّ لها وبعث في طلب الأندلسي فاشتراها منه وحجّ بها (معه) (١٩) وانصرف بها إلى إفريقية وقال: والله ما أردت شراءها رغبة فيها ولكن (٢٠) لأجمع بينها وبين أبويها فلعل الله أن يجمع بيني وبين أبي فتسرّاها وأولدها أولادا. وكان (٢١) أبو سعيد يقول كثيرا (٢٢): وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (٢٣) وكان كثيرا ما يقول: إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٢٤) ثم يقول: اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ (٢٥) ثم يقول: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (٢٦) ويقول: ابن آدم إنك مسئول. وقيل (٢٧): إن الخضر-﵇-كان يجتمع معه. قال (٢٨) أبو بكر محمد بن محمد بن بشير المؤدب (٢٩): أتيت مرة إلى أبي سعيد

стр. 728

فرأيته مستبشرا ومعه أبو يحيى الأطرابلسي والمارندي (٣٠)، فقال-بعد كلام دار بيننا (٣١) -لقد أتاني إنسان طوال، بعيد الخطى من صفته كذا [وكذا] (٣٢) من جهة البرية-يعني السّبخة-فقمت إليه قصدا وهو قاصدي فسلّمت عليه ودار بيني وبينه كلام ووصية، (ثم فارقني) (٣٣). فقلت له: يا أبا سعيد أظنّه (٣٤) الخضر- ﵇ (٣٣) - فقال لي: هو كذلك. فسألناه (٣٥) أن يحكي لنا ما دار بينهما من الكلام/فأبى من ذلك. وجرت (٣٦) عليه محنة على يدي المروذي-لعنة الله عليه-وذلك انه أحضره وقال له: بلغني عنك أشياء كثيرة يجب في أقل منها سفك (الدماء) (٣٧) ولئن لم تلزم العافية وتتبع ما يعنيك لأنزلنّ بك ما تستحقه. ثم أمر حاجبه فقنعه درات يسيرة. قال المؤرخ: فلمت المروذي على فعله به وقلت له: لو صحّ قبله ذنب لوجب عليك حفظه لجده (قدس الله روحه ونور ضريحه) (٣٧) وتستجلب بذلك قلوب الصالحين. [قال] (٣٨) فقال لي: والله ما ضربته إلاّ شفقة عليه ونظرا له وذلك أن المشارقة أكثروا عليّ في أمره، فأردت أن أرضيهم بما فعلت خوفا أن يرفعوا (٣٩) خبره إلى السلطان فيكون في أمره أكثر ممّا كان، (ثم قال) (٤٠): وهل رأيتني (قط) (٤٠) عاقبت أحدا مثل (٤١) ما عاقبته؟ ﵁ وأرضاه-.

стр. 729

ومن هذه الطبقة (١): ١٩٣ - أبو علي عبد الله بن محمد بن الفرج (٢) المعروف بابن البناء (٣) مولى الأغلب (٤) -. كان (٥) من أهل الفهم والدراية، والفقه والرواية، كتب لعيسى بن مسكين ثم ولي قضاء قصطيلية (٦)، بارعا في علم القضاء لم يكن في عصره أعلم/ [منه] (٧) [بذلك] (٨)، متفنّنا في علوم شتى، عدلا (٩) في أحكامه، كتب لابن طالب وبه انتفع. مولده سنة (١٠) خمس وثلاثين ومائتين. وكان سبب استكتاب عيسى (١١) إياه أن إبراهيم بن أحمد لما ولاّه بعد محاورة (*) مصادره: طبقات الخشني ١٤٢ (ترجمة عيسى بن مسكين ١٦١ - ١٦٢) المدارك ٥: ٩٨ - ١٠٠، معالم الإيمان ٣١٦: ٢ - ٣١٧، البيان المغرب ١٤٢: ١ (حوادث ٢٩٤).

стр. 730

ومراجعة، قال له: عندي مولى لنا قد فقه فأحبّ أن تجعله كاتبا لك، فاستكتبه عيسى بن مسكين وأودعه ودائع، ثم طرأت أزمة شديدة وضيقة عظيمة فقيل لعيسى [بن مسكين] (١٢): ذهبت ودائع الناس التي (١٣) عند ابن البناء فقال: لم؟ فقيل له: رأيناه يقطع الميتة. فوجه إليه عيسى، فقال له: الودائع، فقال له: الساعة آتيك بها، فذهب فأتاه بما عنده من الودائع، فلما رآها عيسى بحالها قال له: تأكل الميتة وهذه عندك؟ فقال له: إن الميتة أحلّت لي مع الاضطرار ولم يحل لي أن أخون أمانتي (١٤). فقال له: ارجع بها. فقال له: والله لا رجعت إليّ (١٥) وامتنع من قبولها وأسلمها إليه. قال (١٦) أبو عبد الله بن الخرّاط: لمّا ولّى إبراهيم بن أحمد أبا علي (١٧) ابن البناء قضاء قصطيلية (١٨) نزل به مثل ما نزل بموسى بن عبد الرحمن القطان مع أهل طرابلس (١٩) فسعى (٢٠) به أهل قصطيلية (١٨) ورفعوا عليه البغي عند ابراهيم/حتى عزله بعد أن كان له مع جماعة من وجوه أهل البلد قصة عجيبة

стр. 731

وذلك أنه قدم البريد إلى عامل قصطيلية بعزله وتخشيبه (٢١) ورفعه إلى حبس رقادة فألفى العامل غائبا وكاتبه في مكانه جالسا، فقال الكاتب للبريد: ما الذي جئت به في هذا الكتاب؟ قال: بعزل ابن البناء وتخشيبه (٢٢) ورفعه إلى حبس رقادة فأرسل بالبشرى إلى القوم الذين كانوا لاحوه وبسببهم نزلت به النازلة فأتوا سراعا إلى دار العامل فاختبروا ذلك، فصحّ عندهم ما أتى به البريد في عزله وتخشيبه فاستخفهم ذلك إلى أن قالوا: نسير إليه في مجلس قضائه فنشتمه ونشفي صدورنا منه، فأتوه في مجلس قضائه-ولا علم عنده بما أتى [فيه] (٢٣) من عند الأمير-فصبوا عليه من قوارع السب (ما أحبّوا) (٢٤)، فلم يشك ابن البناء انهم لم يجسروا عليه بذلك إلاّ وقد أيقنوا بعزله. ونظر إلى نفسه في مجلس قضائه لم يصل إليه العزل فقال من (ها) (٢٤) هنا من الأعوان؟ فابتدروه (٢٥) فأمرهم (٢٦) بإمساكهم ثم عصبهم إلى العمود رجلا رجلا فضرب كل واحد منهم ضربا وجيعا ونكّل بهم جميعا وأمر (٢٧) بتقييدهم في الحديد (٢٨) وأودعهم الحبس وساعده القدر فيهم قبل أن يقدم العامل حتى نفذ (٢٩) فيهم ما أحب ثم أتى العامل بأثر ذلك، فأرسل إليه فأوثقه وأرسله إلى رقادة، فلما قدم (إلى) (٣٠) رقادة تولّى مناظرته، بين يدي ابراهيم بن أحمد، [محمد بن] (٣١) عبد الله بن عبدون، فأبان ابن البناء عن نفسه وكشف عن السبة المرفوعة عليه، فرفع ابراهيم [الأمير] (٣٢) رأسه إلى

стр. 732

بلاغ الفتى (٣٣) فقال له بالصقلبية (٣٤): إني أرى هذا الرجل-يريد ابن البناء- يستحق أن تنزع قلنسوة القاضي-يعني ابن عبدون-وتجعل على رأسه. ثم بعد ذلك ضمّه [ابراهيم ابن أحمد] (٣٥) إلى كتابة قاضيه عيسى بن مسكين. ومنهم (١): ١٩٤ - عبد الله بن محمد الأعمش (٢) الطرابلسي المتعبد، يعرف بالعازب (*). كان من فضلاء المؤمنين وخيار المتعبدين، روى عن جماعة من العلماء. قال ربيع القطان: قال لي عبد الله المشهور بالعازب: كان عندنا رجل يقال له أبو القاسم الأندلسي (٣) صحب النساك والصالحين، طريقة الفقراء الصادقين وساح في طلب الأولياء-قال عبد الله: وهو ترب (٤) صاحبك علي بن زكرون (٥) إلى طريق

стр. 733

الآخرة-فحدثني أبو القاسم/من فيه إلى أذني قال (٦): خرجت أريد الشبلي (٧) الناسك ببغداد فنزلت بها فأردت أن أستريح بدخول الحمام فأتيت صاحب الحمّام لأدخل، فقال لي: يا هذا فيه (٨) [رجل] (٩) من أهل (الله) (١٠) المتقين (١١)، فدفعت إليه درهما لأدخل فأذن لي فدخلت فإذا [أنا] (١٢) بشيخ جالس بين يديه صبي (١٣)، فلما جلست ابتدر (١٤) إليّ وقال لي: أنت أبو القاسم؟ قلت نعم. قال الأندلسي الجائي إلينا؟ قلت: نعم. وأنت أبو فلان (١٥) الشبلي؟ قال (١٦) نعم. فقال (١٧): خذ هذا السطل (فإذا صبّ الماء الحار) (١٨) فاملأه من الميزاب، ففعلت ثم استلقى على ظهره وقال لي صب (١٩) ذلك الماء الحار على بدني، فصببته، فلما فرغ قام فجلس ومسح وجهه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علينا سلطانا [يعني حرارة الماء] (٢٠) ثم خرجنا (من الحمام) (٢١) فإذا ناس عند منزله

стр. 734

ينتظرون خروجه فلما رآهم جلس ودعا بالخادم فقال له: هلم بالنار (٢٢)، فأتاه بها تتوقد فبسط كفه وقال له: اجعلها (٢٣) في كفي فجعلها (٢٤) في كفه فلم يزل يلقي عليها (٢٥) بخورا مرة فمرة حتى بخرهم (٢٦) عشرين رجلا واحدا فواحدا ثم ألقاها من كفه ثم مسح كفه بكفه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لها (٢٧) علينا سلطانا.

стр. 735

ثم كانت سنة تسع وثلاثمائة وفيها توفي: ١٩٥ - أبو الغصن نفيس (١) السوسي (٢) (*) ﵁ كان ثقة فقيه (البدن) (٣) سمع من سحنون ومن جماعة بمصر، عرض عليه حماس قضاء سوسة فامتنع من ذلك. وكان يحفظ موطأ ابن وهب (٤) عن ظهر قلب (٥) وكانت صنعته عمل الغرابيل يعيش منها، وكانت له رباع [في] (٦) بني وشتيت (٧)، وكان مولى لامرأة من بني وشتيت (٧). وأراد (٨) ابراهيم الأمير أن يوليه قضاء سوسة فأبى وامتنع وقال له: سألتك بالله-أيها الأمير-لا تعر القضاء بي لأنيّ عبد رومي أعور غرابيلي (٩) مولى امرأة (١٠) وهذه هجنة عليك أن تولي مثلي-أو كما قال-فقال له ابراهيم (١١): (والله) (١٢)

стр. 736

لولا أني أعزك (١٣) بالقضاء وأخشى دعاءك لوليتك. ثم تركه. وكان من التواضع على غاية، ذكر (١٤) أنه دخل يوما على (بعض) (١٥) فقهاء سوسة وهو محمد بن بسطام (١٦) -وكان فيه ضيق خلق-يعوده (١٧) في مرضه في اليوم الثالث من وجعه، فسلّم ولم يأبه إليه فجلس في الموضع الذي تلقى فيه النعال والأقراق (١٨)، وكانت بينه وبين المريض وقفة، فلمّا اطمأنّ أبو الغصن جالسا سمع المريض وهو يقول: ألا إنّ هذا العبد السوء أبا الغصن (١٩) لم يرض أن يعودني (٢٠) في مرضي/هذا، فقام أبو الغصن على قدميه قائما وقال: هذا أنا قد أتيت لزيارتك وعيادتك إجلالا وإعظاما لحقك، فارتج على الرجل [وقال له] (٢١): لم لم ترتفع؟ فقال له: أنا عبد مولى والعبد لا يتخطّى رقاب مواليه. وكان (٢٢) في جواره شاب بطّال ممعن في الملاهي. وأبو الغصن في كل ذلك (٢٣) لا يتجهم (٢٤) في وجه الشاب خوفا أن يشرد منه، فأقيمت الصلاة يوما في مسجد أبي الغصن (٢٥)، فقال أبو الغصن للشاب: تقدّم فصلّ (٢٦) بنا (فامتنع الفتى، فعزم عليه أبو الغصن وتقدم فصلّى بأبي الغصن) (٢٧) فلما انقضت الصلاة

стр. 737

رجع الشاب فلم يدع في بيته مسكرا ولا أداة (٢٨) ولا ملاهي إلاّ اهرق (٢٩) وكسر ثم عاود العمل الصالح ونزع عمّا كان عليه ونفعه الله تعالى بتلطف أبي الغصن ورفقه به (٣٠). ومن بعض ما يتصل بنا عنه (٣١) من الإسناد أنه قال: حدثنا محمد ابن رزين (٣٢) عن نعيم بن حماد (٣٣) عن عبد الله بن المبارك (٣٤) حدثنا معمر (٣٥) عن أبي إسحاق (٣٦) عن الأغرّ (٣٧) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال (٣٨): «ما اجتمع قوم يذكرون الله إلاّ حفّتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة/وتغشتهم (٣٩) الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده».

стр. 738

قال أبو الربيع سليمان بن محمد: دخلت على أبي ميسرة الفقيه فقال لي: أنت عاقل، فقلت له: لا والله يا أبا ميسرة، من يصف نفسه بالعقل؟ فقال لي عند ذلك أبو ميسرة. قال لي أبو الغصن نفيس السوسي: يا بني يا أحمد إنما العاقل من عقل عن الله وتفكر في بلائه (٤٠) في نزاعه في سياقه (٤١) [و] (٤٢) يوم خروجه من مجلسه إلى الجادة ورجوعهم إلى ما جمع يقتسمونه كأنّهم لم يعرفوه، وتفكّر في اليوم الثالث يوم ينادي (المنادي) (٤٣) من مكان قريب: أيتها (٤٤) العظام البالية والأوصال المتفرقة إن الله- -يدعوكم لفصل القضاء فتشق الأرض عنهم سراعا ويقوموا من مضاجعهم، فقوم (٤٥) على جبل وقوم على نجب (٤٦) وقوم قد أنحمهم (٤٧) العرق على وجوههم، لمثل هذا فليعمل العاملون وفي مثل هذا فليتفكر المتفكرون. وفيها (١) قتل: ١٩٦ - أبو القاسم (٢) بن مفرج (*) صاحب الوثائق.

стр. 739

وصلب برملة (٣) المهدية. وقتل معه ذلك اليوم: ١٩٧ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله السدري (٤) قتلا جميعا بالرماح وصلبا. وكان أبو عبد الله [السدري] هذا من العباد والزهاد البدلاء المريدين العاملين ينتحل التوكل، كثير الحج والأسفار والتغرب عن الأوطان (٥). /حدثنا (٦) [أبو القاسم] (٧) إبراهيم السطيوسي وأثنى عليه خيرا وكان قد صحب أبا عبد الله السدري طويلا بالمشرق وقال: انتهت صحبتي معه إلى أن صعدنا الطور فلما انتهينا إلى الموضع الذي قيل إنّ الله تعالى كلّم فيه موسى ﵇ (خر صعقا) (٨) فاستعنت بمن (٩) بالموضع على حمله وإنزاله وأقام مغشيا عليه باقي يومه وليلته. (قال) (١٠): ثم دخلنا إلى الموضع الذي يقال (١١) إن الشجرة التي سمع موسى ﵇ (الكلام) (١٠) من ناحيتها كانت فيه وقد بنى عليه بيت، وعليه (١٢)

стр. 740

حفظة وقوام. قال ابراهيم: فأمّا أنا فصلّيت ركعتين وأمّا أبو عبد الله فبقي مبهوتا كالولهان (١٣) لا يطيق كلاما ولا يحير جوابا. وأكل (١٤) مرة (١٥) مع قوم طعاما فلمّا أكل منه لقمة أو لقمتين قام وهو يقول: حضر الطعام وغاب ذكر الله سبحانه. ولم يأكل بعد ذلك لقمة. [قال] (١٦) أبو بكر بن شراحيل الصيرفي: صحبت السدري في طريق الجزيرة (١٧) فسرنا حتى انتهينا إلى شجرة لها ظل فوقف السدري يصلّي تحت الشجرة واضطجعت إلى جنبه حتى أقبل سبع فقلت له: -أصلحك [الله] (١٨) - السبع جاءنا فأقبل/على صلاته ولم يشتغل بكلامي والسّبع يقرب (١٩) منا، فلما رأيته لم يشتغل بكلامي تعلّقت بأغصان الشجرة وصرت فوقها وبقيت انظر ما الذي يعمل به فنظرت إلى السبع وقد دار من خلفه فشمه ثم دار عن يمينه وعن يساره فبسط ذراعيه وجعل يحرّك ذنبه، فركع السدري وسلّم ثم قال: خيرا شغلت (٢٠) قلوبنا، إن كنت أمرت فينا (٢١) بشيء [فامتثله] (٢٢) وإلاّ فاذهب، فقام السبع فتمطّى وذهب. فمدّ السدري [يده] (٢٣) إليّ من فوق الشجرة، فجذبني ولكزني (٢٤) في الحلق بيده وقال لي: يا ورنيدة (٢٥) أو يخاف غير الله .
следующие страницы →