← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لولا أني أعزك (١٣) بالقضاء وأخشى دعاءك لوليتك. ثم تركه. وكان من التواضع على غاية، ذكر (١٤) أنه دخل يوما على (بعض) (١٥) فقهاء سوسة وهو محمد بن بسطام (١٦) -وكان فيه ضيق خلق-يعوده (١٧) في مرضه في اليوم الثالث من وجعه، فسلّم ولم يأبه إليه فجلس في الموضع الذي تلقى فيه النعال والأقراق (١٨)، وكانت بينه وبين المريض وقفة، فلمّا اطمأنّ أبو الغصن جالسا سمع المريض وهو يقول: ألا إنّ هذا العبد السوء أبا الغصن (١٩) لم يرض أن يعودني (٢٠) في مرضي/هذا، فقام أبو الغصن على قدميه قائما وقال: هذا أنا قد أتيت لزيارتك وعيادتك إجلالا وإعظاما لحقك، فارتج على الرجل [وقال له] (٢١): لم لم ترتفع؟ فقال له: أنا عبد مولى والعبد لا يتخطّى رقاب مواليه. وكان (٢٢) في جواره شاب بطّال ممعن في الملاهي. وأبو الغصن في كل ذلك (٢٣) لا يتجهم (٢٤) في وجه الشاب خوفا أن يشرد منه، فأقيمت الصلاة يوما في مسجد أبي الغصن (٢٥)، فقال أبو الغصن للشاب: تقدّم فصلّ (٢٦) بنا (فامتنع الفتى، فعزم عليه أبو الغصن وتقدم فصلّى بأبي الغصن) (٢٧) فلما انقضت الصلاة

стр. 737

رجع الشاب فلم يدع في بيته مسكرا ولا أداة (٢٨) ولا ملاهي إلاّ اهرق (٢٩) وكسر ثم عاود العمل الصالح ونزع عمّا كان عليه ونفعه الله تعالى بتلطف أبي الغصن ورفقه به (٣٠). ومن بعض ما يتصل بنا عنه (٣١) من الإسناد أنه قال: حدثنا محمد ابن رزين (٣٢) عن نعيم بن حماد (٣٣) عن عبد الله بن المبارك (٣٤) حدثنا معمر (٣٥) عن أبي إسحاق (٣٦) عن الأغرّ (٣٧) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال (٣٨): «ما اجتمع قوم يذكرون الله إلاّ حفّتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة/وتغشتهم (٣٩) الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده».

стр. 738

قال أبو الربيع سليمان بن محمد: دخلت على أبي ميسرة الفقيه فقال لي: أنت عاقل، فقلت له: لا والله يا أبا ميسرة، من يصف نفسه بالعقل؟ فقال لي عند ذلك أبو ميسرة. قال لي أبو الغصن نفيس السوسي: يا بني يا أحمد إنما العاقل من عقل عن الله وتفكر في بلائه (٤٠) في نزاعه في سياقه (٤١) [و] (٤٢) يوم خروجه من مجلسه إلى الجادة ورجوعهم إلى ما جمع يقتسمونه كأنّهم لم يعرفوه، وتفكّر في اليوم الثالث يوم ينادي (المنادي) (٤٣) من مكان قريب: أيتها (٤٤) العظام البالية والأوصال المتفرقة إن الله- -يدعوكم لفصل القضاء فتشق الأرض عنهم سراعا ويقوموا من مضاجعهم، فقوم (٤٥) على جبل وقوم على نجب (٤٦) وقوم قد أنحمهم (٤٧) العرق على وجوههم، لمثل هذا فليعمل العاملون وفي مثل هذا فليتفكر المتفكرون. وفيها (١) قتل: ١٩٦ - أبو القاسم (٢) بن مفرج (*) صاحب الوثائق.

стр. 739

وصلب برملة (٣) المهدية. وقتل معه ذلك اليوم: ١٩٧ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله السدري (٤) قتلا جميعا بالرماح وصلبا. وكان أبو عبد الله [السدري] هذا من العباد والزهاد البدلاء المريدين العاملين ينتحل التوكل، كثير الحج والأسفار والتغرب عن الأوطان (٥). /حدثنا (٦) [أبو القاسم] (٧) إبراهيم السطيوسي وأثنى عليه خيرا وكان قد صحب أبا عبد الله السدري طويلا بالمشرق وقال: انتهت صحبتي معه إلى أن صعدنا الطور فلما انتهينا إلى الموضع الذي قيل إنّ الله تعالى كلّم فيه موسى ﵇ (خر صعقا) (٨) فاستعنت بمن (٩) بالموضع على حمله وإنزاله وأقام مغشيا عليه باقي يومه وليلته. (قال) (١٠): ثم دخلنا إلى الموضع الذي يقال (١١) إن الشجرة التي سمع موسى ﵇ (الكلام) (١٠) من ناحيتها كانت فيه وقد بنى عليه بيت، وعليه (١٢)

стр. 740

حفظة وقوام. قال ابراهيم: فأمّا أنا فصلّيت ركعتين وأمّا أبو عبد الله فبقي مبهوتا كالولهان (١٣) لا يطيق كلاما ولا يحير جوابا. وأكل (١٤) مرة (١٥) مع قوم طعاما فلمّا أكل منه لقمة أو لقمتين قام وهو يقول: حضر الطعام وغاب ذكر الله سبحانه. ولم يأكل بعد ذلك لقمة. [قال] (١٦) أبو بكر بن شراحيل الصيرفي: صحبت السدري في طريق الجزيرة (١٧) فسرنا حتى انتهينا إلى شجرة لها ظل فوقف السدري يصلّي تحت الشجرة واضطجعت إلى جنبه حتى أقبل سبع فقلت له: -أصلحك [الله] (١٨) - السبع جاءنا فأقبل/على صلاته ولم يشتغل بكلامي والسّبع يقرب (١٩) منا، فلما رأيته لم يشتغل بكلامي تعلّقت بأغصان الشجرة وصرت فوقها وبقيت انظر ما الذي يعمل به فنظرت إلى السبع وقد دار من خلفه فشمه ثم دار عن يمينه وعن يساره فبسط ذراعيه وجعل يحرّك ذنبه، فركع السدري وسلّم ثم قال: خيرا شغلت (٢٠) قلوبنا، إن كنت أمرت فينا (٢١) بشيء [فامتثله] (٢٢) وإلاّ فاذهب، فقام السبع فتمطّى وذهب. فمدّ السدري [يده] (٢٣) إليّ من فوق الشجرة، فجذبني ولكزني (٢٤) في الحلق بيده وقال لي: يا ورنيدة (٢٥) أو يخاف غير الله .

стр. 741

وذكر (٢٦) عبد الله بن هاشم قال: حدثني أبو بكر بن شراحيل قال: خرجنا مرة مع السدري للدور فمررنا على موضع من (٢٧) الجزيرة، فنزل (٢٨) إلينا أهله وسألونا أن نتغدّى عندهم (٢٩) فأجبناهم إلى ذلك فما كان بأوشك شيء أن جاءونا (٣٠) بكنافة (٣١) فمددنا أيدينا لنأكل ومدّ السدري يده معنا ثم قبضها قبل أن يمسها وقال: كلوا رحمكم الله تعالى، فقلنا (٣٢) له: -أصلحك الله-وكل أنت معنا، فقال كلوا كما أقول لكم فلست آكل (٣٣) شيئا منها. قلنا: ولم؟ قال غلبت علي شهوة نفسي فمددت يدي ولم أذكر ربي. قال/: فأكلنا ولم يأكل معنا منها شيئا. حدث (٣٤) أبو محمد منّ الله الفقيه (٣٥) قال: كان عندنا بباجة (٣٦) أبو الحسن

стр. 742

علي ابن أبي سعيد [الفقيه] (٣٧) المتعبد-وكان شيخا جليلا، سمحا كل ما يملك للفقراء-وكانت (٣٨) له أخبار معهم منها: أنه كان لا يشتهي الزبد ولا يميل إليه، فخطر في قلبه مرة فجعل من عمله له على حسب ما أراده، فلمّا قرب إليه عاوده طبعه في كراهيته فقال لنفسه: كنت لا تشتهينه (٣٩) ثم اشتهيته فمكّنت منه ثم عدت إلى النّزوع عنه، فهو كذلك حتى قرع عليه بابه فإذا بأبي عبد الله السدري الشهيد الذي رفعه عبيد الله (٤٠) إلى المهدية (فقتله) (٤١)، فأدخله وقدّم إليه الطعام فلمّا رآه السدري بكى فقال له (٤٢): ما لك؟ فقال له: لمّا وصلت إلى وادي باجة (٤٣) اشتهيت هذا الطعام فدعوت الله فيه، فهلا كان دعائي وسؤالي (في) (٤٤) الجنة والله لا أكلت زبدا حتى ألقى الله . وأكل مرة مع قوم طعاما فلمّا (أكل) (٤٤) لقمة أو لقمتين أقبل وهو يقول: حضر الطعام وغاب ذكر الله تعالى ولم يأكل بعد لقمة (٤٥). وأمّا (٤٦) سبب قتل السدري وجهاده لبني عبيد الله-لعنة الله عليهم-وما جرى عليه في ذلك وما رؤي له بعد قتله من البراهين والكرامات. وذلك أن أبا عبد الله (٤٧) السدري كان (٤٨) من أولياء الله ، وكان قد بايع على جهاد

стр. 743

عبيد الله (وزداجة) (٤٩) وقبائل أهل إفريقية وأكثر أهل القيروان فبلغ عبيد الله خبره/فأمر بطلبه، فقيل له هو في ناحية (٥٠) باجة، فوجه في طلبه خيلا فوجدوه واحتاطوا عليه، فلمّا جنّ الليل قرن قدميه فهو قائم بين يدي الله حتى انصدع الفجر، فرجع أصحاب الخيل بعضهم على بعض وقالوا: هذا رجل من أولياء الله (٥١) نعين (٥٢) على قتله ولا يدخل أيدينا من ذلك شيء إلاّ الآثام والأوزار، الرأي أن نخلّيه (٥٣) ونقول (٥٤) ما وجدناه فخلوا سبيله ورجعوا فقالوا: ما أصبناه ولا وقعنا على (٥٥) خبره (قال) (٥٦): فمضى إلى مكة [و] (٥٧) أقام بها. قال: فالتقى به رجل في الطّواف فلما قضى طوافه أخذ بيده (وقال: والله لا قتلني إلا عنيد) (٥٨) فذكر في رواية: انه (٥٩) كان لعبيد الله بمكة عين (٦٠) تكاتبه بكل ما يجري بمكة في الموسم فكاتبه بخبر السدري واستنفاره الناس عليه. وكان السدري يسأل ربه (في) (٦١) الشهادة فرأى في منامه (كأن) (٦١) قائلا يقول له: إن أردت (أن تنال) (٦١) الشهادة فارجع (إلى) (٦١) المغرب تنلها (٦٢).

стр. 744

فرأى ذلك مرارا كثيرة. فلما كثر عليه ذلك رجع إلى المغرب، فكل بلد وصل إليه يكاتب عبيد الله من بها من عيونه ودعاته (٦٣) /بأخباره حتى وصل إلى الساحل، فبلغ عبيد الله وصوله، فأرسل في طلبه البريد (٦٤) -وكان نازلا عند رجل من إخوانه الصالحين-فخرج من عنده وخرج الرجل الذي كان [السدري] (٦٥) نازلا عنده يشيّعه-وكان أشبه الناس به-فلمّا سار عن المنزل قليلا عرض له حقن (٦٦)، فمال إلى ناحية وبقي صاحبه على الطريق فلقيه (٦٧) البرد فلمّا رأوه قالوا له: أنت السدري؟ فقال لهم: نعم، فجعلوا في رجله قيدا [وكبّلوه] (٦٨) وأركبوه (٦٩) دابة من دوابهم وساروا به إلى عبيد الله-لعنة الله عليه- وهم يحسبون أنه السدري، فأدركهم السدري. فلما قرب منهم أشار إليه صاحبه أن يذهب، فقال له-﵁: [إني] (٧٠) لهذا قدمت، ثم قال للبرد: من (٧١) تطلبون؟ فقالوا له: السدري، فقال لهم: أنا السدري وليس هو هذا. فأزالوا (٧٢) القيد من رجل الرجل وجعلوه في رجله وحملوه على الدابة ووصلوا به إليه. فلما وقف بين يديه قال له: -عبيد الله اللعين-أنت الشاتم لنا الذاكر عنا أنا أحدثنا في الإسلام الحوادث؟ فقال له نعم، أنا القائل ذلك. فقال له: وما الذي رأيته منّا؟ فأخبره بكل ما يعتقده في الدين/والإسلام وكل ما أحدث (٧٣) فيهما. فقال لهم اضربوا عنقه فأخرجوه ليضربوا عنقه، فلما قرّب للقتل قال: اللهم لا تبقه بعدي. ثم قتل رحمه الله تعالى. فلم يقم عبيد الله [بعده] (٧٤) إلاّ

стр. 745

مدّة يسيرة (٧٥) ثم ابتلاه الله بعلة عظم فيها جسده (٧٦) وانتفخ حتى صار كالعدل وتفجر بالدماء فكان إذا ألقي الرقيق من الأردية الشرب (٧٧) عليه صاح ثم رفع عينيه إلى السماء وشخص يقول: أنمروذ أنا؟ أفرعون أنا؟ أقارون أنا؟ ثم مات. خلد الله تعالى عليه ما هو فيه وبارك له في العذاب الذي صار إليه. فذكر (٧٨) [أن] (٧٩) ابن أخت الغساني (٨٠) المقرئ عرض له أمر حوّج (٨١) فيه إلى البغدادي كاتب عبيد الله فمضى إليه، فأنزله عنده فألفى عبيد الله في تلك العلّة. ثم مات عبيد الله، فأتى به البغدادي ليقرأ عند رأسه-وكان من أطيب الناس (٨٢) مساقا-وحول عبيد الله أبناؤه وهم يصرخون بالبكاء فقال لابن أخت الغساني: اقرأ. قال: فطلبت من القرآن ما أقرؤه فلم يتيسّر لي منه إلاّ قوله تعالى يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ /النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٨٣) قال: فطلبت أن أقرأ غير هذه الآية فلم أقدر على ذلك فكنت أردّدها حتى خشيت على نفسي أن يفيقوا من بكائهم فيعاقبوني ويقتلوني فتسلّلت حتى خرجت (٨٤).

стр. 746

وذكر عن أبي عبد الله بن خراسان أن أبا عبد الله السدري لمّا وصلوا به إلى المهدية أدخلوه على البغدادي فقال له: يا شيخ [إن] (٨٥) أمير المؤمنين كثير العفو فإذا دخلت عليه فاعط الإمارة حقها. ثم قام ودخل على عبيد الله بعد أن شاور عليه، فأمر بدخوله، فدخل إلى مجلس فيه بساط (من) (٨٦) حرير مفروش، ثم عطف عليه البغدادي فقال له: إنّ أمير المؤمنين كثير العفو، فقال له السدري: أتكذب (٨٧) عليه في وجهه؟ فقال له عبيد الله: كيف كذب يا شيخ؟ قال: سمّاك بأمير المؤمنين ولو كنت أمير المؤمنين ما أمرت بسبّ السّلف وأظهرت الخمر والقبالات (٨٨) والمراصد ومناله السد (٨٩). قال عبيد [الله] (٩٠): احبسوه فما زال الصالحون يدخلون على الملوك ويعظونهم (٩١)؟ فقالوا له: هذا يكون جرأة عليك واستخفافا (٩٢) بالسلطنة، فقال: اضربوا عنقه، فهم خارجون (٩٣) به وهو يضحك/فقال له عبيد الله: ما الذي أضحكك؟ فقال: تعجبت (٩٤) من حلم الله فيك. فأتوا به عند النخل ليقتلوه فهرب العسكر كلّه فلم يجدوا أحدا (٩٥) يقتله فأخذوا روميا سقوه خمرا (حتى سكر) (٩٦) فقتله (٩٧) ثم صلبوه، فلما كان الليل انفتح باب في السماء ونزل عمود من نور من

стр. 747

السماء. فوقع الصياح، فطلع عبيد [الله] (٩٨) على قصره فرأى نورا على خشبته أضاءت منه الأرض فأمر في الوقت من فتح (٩٩) باب المدينة وأنزله من خشبته ودفنه. وقيل إنه لمّا أخرج من السجن ليقتل ضربه السجّان للوجه (١٠٠). فقال له: قطع الله يديك ورجليك، فلمّا أتى به (١٠١) إلى الرملة قال لهم: لا تقتلوني إلاّ بالسيف يا عبدة الطاغوت، فضربه أسود بالرمح فقال له: فيك وفي بنيك، فقتل بالرماح، ونقب السجن تلك الليلة فخرج منه ثلاثة عشر رجلا، فلما أصبح الصبح قطعت يدا (١٠٢) السجّان ورجلاه وأجاب الله تعالى دعوة الرجل الصالح. وافتخر الذي قتله بقتله، فقام إليه إنسان منهم فضربه ضربة رمى (١٠٣) بذراعه مع كتفه. وفي رواية قال: رأيته في اليوم الذي خرج به للقتل وقد تغيّر لونه وعلاه خوف/ثم سقط على وجهه إلى الأرض، قال: فنظرت إلى لونه وقد حسن واستبشر وجهه، وجعل يسير مسرعا، ثم قتل. فلما كان الليل رأيته في منامي فقلت له: يا أبا عبد الله قال: لبيك. قلت: رأيتك في حين خروجهم بك متغير اللون خائفا من الموت، قال: نعم قد كان ذلك، قلت له: ثم رأيتك وقد سقطت ثم قمت وقد حسن لونك واستبشر وجهك ثم سرت مسرعا، قال: نعم. لما سقطت سمعت قائلا يقول: يا سدري أتكره لقاء الله ؟ (قال) (١٠٤): فأزال الله تعالى ما كان بقلبي وسارعت إلى ما رضيه (١٠٥) الله لي.

стр. 748

وقيل: إنه لمّا سجن رأى في المنام كأنه أتى بقطعة من شهد فتحساها فأصبح، فحكاها لمن حضره (١٠٦)، فقال له رجل [منهم] (١٠٧): هذه شهادة أتتك، فما أضحى (١٠٨) نهار ذلك اليوم حتى قتل ﵁، فلما قدّم للقتل كأنه جزع فقيل له: أتكره القدوم على الله ؟ فوثب كأنه نشط (١٠٩) من عقال وهو يقول: لبيك لبيك ... حتى قتل-﵁ وأرضاه-. ولما بلغ مروان المتعبد (١١٠) قتل السدري بلغ منه مبلغا عظيما وداخله وله. وقيل لمروان: سألناك بالله [هل] (١١١) خفت هؤلاء القوم، يريد بني عبيد الله (١١٢)؟ فقال: ما خفتهم إلاّ مرة واحدة لما قتلوا السدري.

стр. 749

ثم كانت سنة/إحدى عشرة (١) وثلاثمائة وفيها توفي: ١٩٨ - أبو عبد الله محمد بن قطانية (*) المتعبد بقصر الطوب. كان مشهورا بالعبادة والخير والاجتهاد. توفي بقصر الطوب. سمع من محمد بن وضاح (٢). قال: سمعت ابن وضاح يقول: لا تؤاخ من الإخوان إلاّ من يغلب حزنه فرحه، وعمله قوله، ولا تسلك من إخائه في لطف (٣). قال (٤): وكان له اجتماع مع الخضر-عليه أفضل الصلاة والسلام-، فأردت أن أقف على حقيقته. قال أبو جعفر أحمد: فأتيت إلى مسجده (٥) فصليت معه المغرب وسلّمت عليه وقلت: جئت لأبيت عندك الليلة، فقال: على الرحب والسعة ثم نهضنا إلى منزله فقدم ما قسم الله تعالى من طعام (٦) ثم قعدنا للحديث فلما طال بنا قلت له: يا أبا عبد الله إني إنما قصدتك لأمر أردت الوقوف على حقيقته منك، قال: وما هو؟ قلت: أحبّ أن تخبرني بصحة ما أسمعه عنك من اجتماعك بالخضر ﵇، فقال: نعم، قد اجتمعت به. قلت: وكيف ذلك؟ قال: بكرت يوما إلى الجامع فجلست في

стр. 750

أحد ركنيه من الصف الأول فما أذن المؤذن الظهر حتى ختمت ختمة وافتتحت في سورة البقرة، فبينا أنا كذلك إذا برجل قد دخل بيني وبين الصف الملاصق لي (٧) فأحرم فاستحفيت (٨) فعله وقلت: ما وجد هذا الرجل موضعا إلاّ هاهنا [قال] (٩) فأخذت نعلي وقمت [حتى أتيت الركن الذي] (٩) قبالته من الصف نفسه فأحرمت فما آن لي أن أحرم وإذا بالرجل (١٠) قد أحرم إلى جانبي، قال: فقلت: هذا عجب ثم أخذت فيما كنت فيه، فلما انقضت الصلاة عطف عليّ فقال: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا الخضر، قال: فاستبشرت به وسلّمت عليه ثم جعل يعظني ويوصيني بأشياء كان فيها: وعليك بخدمة الله في أرضه -يعني الصلاة-قال: ثم غاب عني فلم أره عشرين سنة، قال: فإني لجالس بعد عشرين سنة في الجانب الشرقي من الجامع إذ أقبل إليّ، فسلّم عليّ وسلمت عليه ثم جلس إليّ وجرت بيننا أحاديث، فقلت له: بعد عشرين سنة؟ فقال: إني خشيت عليك (١١) الفتنة. ثم جعل (١٢) يحدثني حتى خرج أبو عبد الملك مروان بن نصرون المتعبد (من شق الجامع) (١٣) يريد الخروج فقال لي: هذا أبو عبد الملك وأنا أذهب إليه، فودّعني ثم قام، فأتبعته بصري حتى لقي أبا عبد الملك فسلّم عليه ثم مضى معه حتى خرجا جميعا من الجامع. /قال ابن قطانية: ثم لقيني بعد ذلك أبو عبد الملك مروان فسلّم عليّ وقال لي: يا ابن قطانية يسلّم عليك الخضر-﵇-فيكون ردّك عليه كما رأيت، فقلت له: اعذرني فما علمت [انه الخضر] (١٤).

стр. 751

ثم كانت سنة أربع عشرة [وثلاثمائة] (١) وفيها توفي: ١٩٩ - أبو عبد الله محمد بن بدر بن يحيى الجذامي (٢) (*) رحمه الله تعالى، بمنزله بشرف مهرة (٣). ومما يسند عنه قال: موسى بن خاقان (٤) يرفعه قال: قال رسول الله ﷺ : أيها الساهر ليله الذائب شحمه، الصائم نهاره لا تغتر بما أنت فيه فإن الله لن يقبل عملا بغير تقوى، فنوم المتقي أفضل من سهر المخلط وإفطار المتقي أفضل من صوم المخلط (٥).

стр. 752

ثم كانت سنة عشر (١) وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٠٠ - أبو عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب (٢) (*). ودفن بباب سلم (٣). كان رجلا صالحا ذا دين وفضل. سمع من سحنون [و] (٤) كان معدودا في

стр. 753

أصحابه (٥). ولي أبو عمرو مظالم القيروان ثم ولي بعد ذلك قضاء صقلية فلما ولي قضاءها اجتاز بسوسة (إليها) (٦) فقال لهم: يا أهل سوسة هذا كسائي وهذا فروي (٧) وجبّتي وخرج [فيه] (٨) كتبي وهذه السوداء تخدمني معها (٩) جبّة وكساء فبهذا (١٠) دخلت عليكم وانظروا (١١) بأي شيء أرجع؟ [قال] (١٢) قال أبو الربيع: فأخبرني سعيد بن (أبي) (١٣) عثمان من أهل صقلية (قال) (١٣) إنّه لما وصل إلينا قلنا له: هذه (دار) (١٣) القضاء تنزل فيها. فقال: هذه دار عظماء أيش أعمل فيها؟ فنزل في دويرة لطيفة. وكانت السوداء تغزل وتبيع غزلها وتنفق عليه من فضل ذلك فإذا ضرب أحد الباب خرجت إليهم فقالت: الساعة يخرج إليكم القاضي [فيخرج فيقضي بين الناس على بابه ثم يدخل. أقام على ذلك سنين إلى] (١٤) أن اعتلّ فأقام ثلاثة أيام لم يخرج فقرع الناس الباب فخرجت إليهم السوداء وقالت: ادخلوا عودوا (١٥) القاضي فإنه مريض فدخلنا عليه فأصبنا وسادتين محشوتين بتبن (١٦) عند رأسه وحصير بردي تحته فلما رآنا بكى ثم قال: اللهم تعلم أني اجتهدت (١٧) ما استطعت. ثم خرج من صقلية وهو مريض وقال لأهلها: خلف الله عليكم بعدي بخير، فقالوا له: صحبك الله بالعافية. فوصل إلى سوسة فقال (لهم) (١٨): يا أهل سوسة، كما دخلنا عليكم كذلك) (١٨) رجعنا إليكم، هذا كسائي وجبّتي وخرجي فيه كتبي وهذه السوداء تخدمني (١٩). ﵁ وأرضاه.

стр. 754

ثم كانت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٠١ - أبو عبد الله (محمد) (١) بن بسطام بن رجاء الضبي (*) (بمدينة) (١) [سوسة] (٢). يقال [إنه] (٣) من البصرة. قال محمد بن عبد الرحمن بن بسطام: سمعت جدي محمدا (٤) يقول: لا تجلسوا عند عالم يزهدكم في الآخرة، ولكن اجلسوا عند عالم ينقلكم من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكبر إلى التواضع. قال محمد بن بسطام: سمعت يزيد بن عمرو بن يزيد يقول: من قرأ سورة «لقمان» (٥) أمن الغرق (٦) بإذن الله- -وسمعته يقول: من قرأ قوله تعالى وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماااتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٧) من غم يجده فرّج الله تعالى عنه-إن شاء الله تعالى-. وقال غير أبي العرب: إنه (٨) كتب كتبا (٩) بخطه. وكان قد اشترى وصيفا

стр. 755

لإصلاح المصباح في حين نسخه بالليل. وكان يتخذ له القصب الحلو يقطعه (١٠) (له) (١١) قطعا (١٢) لطافا، فإذا نعس الوصيف جعل في فيه قطعة [منها] (١٣) ليزيل عنه النعاس (متى ما عرض له) (١٤). وفيها توفي: ٢٠٢ - أبو محمد عبد الله التاهرتي (*). كان فاضلا عابدا. وكان يشير (١) إلى المحبة والشوق. سكن مدينة سوسة محتسبا للحرس بها على المسلمين. حكى عنه أبو إسحاق السبائي أنه اعتل علة شديدة حتى يئسوا منه فقال للذي يخدمه: [إني] (٢) لست أموت من هذه العلة، وأنا (٣) أفيق منها-إن شاء الله تعالى-فإذا كانت المرضة الثانية بعدها توقعوا (٤) موتي. قال أبو إسحاق السبائي: ما أراه إلاّ دعا الله فأخبر/ [بذلك] (٥) في منامه. قال أبو مالك الدباغ (٦): شهدته وقد احتضر وحوله جماعة، فتذاكروا الموت وسكراته، وشدّته وغمراته، ثم قال: ادخل يا ملك (٧) [الموت] (٨). وأقبل يبتسم وينظر عن يمينه. وشممنا رائحة طيّبة.

стр. 756

ثم كانت سنة أربع (١) عشرة (٢) وثلاثمائة فيها توفي: ٢٠٣ - أبو جعفر أحمد (٣) بن نصر (٤) الفقيه (*) - رحمه الله تعالى- [كان من الفقهاء المبرزين، والحفاظ المعدودين، لا يدانيه في ذلك أحد في زمانه] (٥)، وله مناقب جليلة. الشيخ أبو الحسن بن القابسي ﵁ قال: نزلت (٦) بالقيروان مسألة، وذلك أن امرأة سقت زوجها شيئا (٧) فجذمته فاضطرب علماء القيروان فيها، فسئل عنها أحمد بن نصر هذا فقال لهم: المسألة في المدونة (٨) فقالوا له: أين هي؟ فقال لهم: قال مالك-﵁: في كتاب الجراح (في) (٩) السنّ إذا ضربها رجل فاسودّت أو اخضرّت فقد تمّ عقلها ووجبت فيها الدية. لأن السن إنما يراد منها بياضها وجمالها فإذا ضربت فاسودّت أو اخضرّت فقد ذهب جمالها ووجبت فيها الدية وكذلك الإنسان إنما يراد [منه] (١٠) جماله وحسنه فإذا تجذم

стр. 757

ذهب حسنه فوجبت (فيه) (١١) الدية، فإن قتل بعد ذلك ففيه دية أخرى وكذلك السن/أيضا. وقال (١٢) أيضا الشيخ أبو الحسن (الفقيه) (١٣) ابن القابسي رحمه الله تعالى: ذكر أن قاضيا (١٤) كان في زمن أحمد بن نصر كانت له أحكام خطأ فكان (أحمد) (١٣) ينبّه على خطئه ويتكلّم في أحكامه، فدخل القاضي على عبيد الله فقال: هاهنا رجل من البربر مطاع وله ذكر ونحن لا نأمنه-وكان يتوقّع أمر أبي يزيد-فوجه وراءه وسجنه وقيّده، وكان يعتريه الإسهال، فلما جعل القيد في رجله دعا (١٥) الله أن لا يبتليه في السجن بالاختلاف فارتفع عنه الإسهال طول (١٦) إقامته في السجن. فلما تبين لعبيد الله أنه ليس قبله شيء ممّا رمي به أمر بإخراجه فلما وصل إلى داره عاد (١٧) إليه الإسهال. أقام في السجن تسعة أشهر ثم سعى أبو سعيد الضيف عند عبيد الله في إطلاقه فأطلقه. قال رحمه الله تعالى: حبست في بيت الدّم مع السرّاق وأصحاب الدماء وكنت أخرج في كلّ جمعة يفتقد (١٨) قيدي، أقمت على هذا شهرين ثم أخرجت بعد ذلك من ذلك البيت إلى الموضع الذي يحبس فيه جميع الناس.

стр. 758

قال: ثم أخرج قدمه وضرب/بيده عليه قال: وجعل الحبل (١٩) فيه شهرين على غير ذنب ولا جناية، والله ما سرقت ولا زنيت ولا كان ذلك إلاّ على محبة صاحب القبر والمنبر- ﷺ . قال تميم بن خيران الموثق: أتى (٢٠) رجل إلى أبي جعفر أحمد بن نصر فقال له: أصلحك الله جئت أشاورك في شيء؟ فقال له: ما هو؟ فقال له: لي ولد وليس لي غيره، وقد خطب إلى قوم فقالوا له: إن أعطاك والدك داره زوجناك وإلاّ فلا، وهي-أصلحك الله-دار (٢١) شريفة لها قدر. فقال له أحمد: لا تفعل، فمضى الرجل فاطّرح (٢٢) كلام الشيخ وكتب الدار لولده وتزوج إلى القوم (٢٣) الذين (٢٤) خطب إليهم، فما كان إلاّ مدّة يسيرة حتى أقبل الأب إلى أبي جعفر وشكا إليه ما هو فيه من الحاجة وشدة الفقر، فقال له أحمد بن نصر: قد نهيتك فلم ركبت ما نهيتك عنه. ثم أنشأ-﵁-يقول: إذا احتاج البنون إلى أبيهم ... أتوا بالبر والفضل الجزيل وإن (٢٥) احتاج والدهم إليهم ... يقاسي الهمّ في الليل الطويل فأحسن والد لم يعط شيئا ... وعاش بماله حتى الرحيل (٢٦) قال الشيخ أبو الحسن الفقيه ابن القابسي-﵁: قال (٢٧) أحمد ابن نصر: امرأة معها ألف دينار تعطاك (٢٨) بدرهم واحد غالية، ثم أنشد (٢٩):

стр. 759

لا يعجبنّك يا فتى ... حسن فرش ومتكا إن للعرس فرحة ... بعدها النوح والبكا قال الشيخ أبو الحسن: وكان أحمد بن نصر يقول: تزوجت امرأة حافظة لكتاب الله وحفظت الموطأ، ولقد توفي لها ولد أكله السبع فلما بلغها ذلك، توضّأت وجلست تقرأ، ولم تعبأ بما طرأ عليها، ولم تحزن، وعلى هذا كلّه ما دام لي معها سرور ثلاثة أيام متوالية قط. وفيها (توفي) (١): ٢٠٤ - أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن هارون البجلي (*) الشافعي . كان عالما بمذهب الشافعي. قال بعضهم: كنّا نقرأ يوما على أبي عبد الله البجلي الشافعي حتى نعس، فسكتنا حتى انتبه، فقال (٢) (لنا) (٣) /: رأيت الساعة في المنام رجلا وقف بيني وبينكم، حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الرائحة، فأنشدني (٤):

стр. 760

ألا ذهب الوفاء فلا وفاء (٥ - ) ... وباد رجاله (٦ - ) وبقى الغثاء وأسلمني الزمان إلى رجال ... حياتهم وموتهم سواء (٧ - ) أخلاء إذا استغنيت عنهم (٨ - ) ... وأعداء إذا نزل (٩ - ) البلاء وفيها توفي: ٢٠٥ - أبو سوادة بن الفراء (*). المتعبد بالمنستير. وكانت وفاته بالقيروان. حضر جنازته خلق عظيم من (أهل) (١) القيروان لم ير [مثل] (٢) ذلك الجمع على شيخ من أهل ذلك الوقت. وكان سكناه بقصر ابن الجعد (٣). كان من فضلاء المؤمنين (٤) من أهل العبادة والتبتل والصيام والقيام رقيق القلب، غزير الدمعة، طويل الحزن. كان إذا قرأ القرآن يرتله ويبكي وينتحب فيبكي جميع من يسمعه، ولقد أقام ليلة كاملة يردّد سورة «الرحمن» ويبكي، فلما انتهى إلى قوله تعالى يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّااصِي وَالْأَقْدامِ (٥) اندفع في البكاء (٦) والانتحاب، فإذا سكن (٧) رجع إلى الآية فردّدها واندفع بالبكاء

стр. 761

والانتحاب، فهو كذلك حتى أصبح. /قال بعضهم: شهدت أبا سوادة المتعبد ليلة بقصر المنستير فسمعته يقرأ في أول الليل لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ (٨) (فإذا بلغ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) (٩) رجع إلى قوله لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها لا يكاد يجاوز ذلك ويبكي وأنا أستمع إليه وقتا بعد وقت (١٠) حتى طلع (١١) الفجر. وذكر عنه أنه كان من البكائين وله في ذلك كثير. ولمّا (١٢) توفي أبو سوادة لم يبق أحد بالقيروان إلاّ شهد جنازته، وابراهيم القصري (١٣) جالس في ذلك اليوم وحوله خلق عظيم، فنظر إلى النعش فصاح: واعزهم في سواد الليل إذا قاموا من مضاجعهم إلى محاريبهم، واعزهم إذا انصدع الفجر فرحين مغتبطين (بما) (١٤) آتاهم الله من المناجاة وقد أشرق نور في وجوه (١٥) القوم يحبون الله ويحبهم، لا يشغلهم عن الله تعالى شاغل، واعزهم إذا أشرقت الشمس عليهم وهم صائمون مخبتون متبتلون، واعزهم إذا توفتهم الملائكة طيّبين (١٦)، واعزهم إذا خرجوا هذا الخروج. وكان له/مقامات في ذلك مذكورة.

стр. 762

ثم كانت سنة ست (١) عشرة (٢) وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٠٦ - أبو محمد عبد الله (٣) المعروف بالغيمي (٤) الفخار (٥) (*) ودفن بباب أبي الربيع (٦). كان من العلماء (٧) [المتعبدين] (٨). وكانت له ختمة [في] (٨) كل ليلة. أصله من

стр. 763

سرت (٩). يعنى (١٠) بالمدونة وبكتاب أشهب وبكتاب ابن الماجشون (١١). كان جيد العقل كثير الإنصاف طويل الصمت. (وكان) (١٢) مجاب الدعوة في غير شيء، قال أبو سليمان ربيع بن سليمان القطان: كان يقول لي أبو محمد عبد الله: كان لي ولد وضيء خفت عليه الفتنة، فسألت الله في قبضه، فأجاب دعائي (وقبضه) (١٣). وكان من دعائه إذا دعا أن يقول: «رب أمتني بغتة ولا تفوّتني (١٤) صلاة»، وكان يذكر قصة (١٥) موسى بن عبد الرحمن القطان، فأجاب الله تعالى دعاءه (ومات) (١٦) فجأة (١٧). صلّى المغرب في جماعة ثم دخل ليفطر (١٨) فما زال الشفق إلاّ وهو من أهل الآخرة. وكان يقول: «اللهم لا تمتني حتى أزهد في الدنيا وأترك الدكان والعيال»، فكان كذلك. وكان (١٩) يقول: كل ما بلغني من/التعبد عملته حتى لقد عملت ما روي عن بعض السلف من أنه ختم في ليلة ثلاث ختم (٢٠) ووطئ أهله ثلاث مرّات

стр. 764

عند كل ختمة مرّة ثم طهور (٢١) حلاسي (٢٢). وبلغني عن بعض أصحابنا-يعني أبا محمد بن أبي عيسى (٢٣) -أنه كان بقصر الطوب، وكان في تهجّده بالليل، فوقع قتال عظيم في الحصن بصياح شديد، فبلغني أنه سئل عن ذلك الصياح والقتال، فقال (٢٤): ما علمت به، وهو لم ينم، فإني لم أقدر على ذلك. وإنما اقتدى-﵀-بما جاء عن سليمان بن عتر (٢٥) التجيبي أنه كان يختم القرآن كل ليلة ثلاث مرات ويطأ أهله ثلاث مرات، فلما مات قالت (امرأته) (٢٦): رحمك (الله) (٢٦). لقد كنت مرضيا لربّك، مرضيا لأهلك. وكان (٢٧) من الكدادين (٢٨) ممن يحيي الليل بطوله (٢٩) ويشدّ اللّفائف على ساقيه في أول الليل كأنه خارج إلى سفر ليقوى بذلك على قيام الليل. وغير مرة صلّى الصبح بوضوء المغرب.

стр. 765

قال (٣٠) أبو محمد عبد الله بن عامر الحداد (٣١): خرجنا معه إلى المنستير في رمضان، فلما كان ليلة سبع وعشرين رأيت في آخر الليل/كأنّ قائلا يقول لي: ترقد يا هذا وأبو محمد الغيمي (٣٢) ختم الليلة خمس ختم، فانتبهت، فأتيته فأعلمته بالرؤيا، فتبسّم وقال: هو كذلك قرأت اللّيلة النصف الأخير (٣٣) عشر مرات: وهو الذي كان يحفظه (٣٤). قال (٣٥) أبو سليمان ربيع: حدثنا أبو محمد الكموني-وهو ممن أثق به-قال: خرج أبو محمد الغيمي إلى تونس يشتري (بها) (٣٦) زيتا. فأقام بها شهرا أو أكثر ثم إني قدمت عليه لأحثه على المجيء (٣٧)، فأخبرني اخوان صاحبان ممّن كان معه في الفندق قالا: كنّا والله هاهنا مع أبي محمد، فكان إذا صلّى باللّيل يقف على رأسه قنديل من السماء يزهر لا معاليق له نراه بأعيننا. قال: فالتقيت (٣٨) مع أبي محمد فذكرت له الأخوين، فقال: ما بهما هما رجلان صالحان، فقلت له: كان من خبرهما لي عنك كذا وكذا، فسكت.

стр. 766

ثم كانت سنة ثماني (١) عشرة [وثلاثمائة] (٢) وفيها (توفي) (٣): ٢٠٧ - أبو سعيد لقمان بن يوسف الغساني (*) ، بتونس. (كان فقيها) (٣)، وكان الإبياني (٤) يثني عليه ثناء حسنا، ويذكر أنه كان عالما باثني عشر صنفا (٥) من العلوم. سمع من عبد الجبّار وعيسى بن مسكين ويحيى بن عمر. ويذكر (٦) عنه أنه أقام بصقلية أربع عشرة سنة يدرس المدونة ويأخذها (٧) في اللوح حتى خرج له خراج (٨) في جنبه (٩) من رأس (١٠) اللوح فمنه كان سبب موته [وأصل] (١١) علته التي مات فيها. قال (١٢) الإبياني: كنت معه يوما في جامع تونس (١٣) -وكان يوما مطيرا- فقام إلى ماء مستنقع في صحن الجامع، فغسل رجليه في ذلك (الماء) (١٤) فقام

стр. 767

إليه رجل، فقال له: تغسل (١٥) رجليك في المسجد أيّها الشيخ؟ فقال له: لقمان: عطاء بن أبي رباح (١٦) يتوضأ في المسجد الحرام وهذا يمنعني أن أغسل رجلي في جامع (١٧) تونس. وقد روى موسى بن معاوية الصمادحي (١٨) عن ابن القاسم (١٩): لا بأس (٢٠) بإسباغ الوضوء في صحن المسجد. وكان موسى يتوضأ في (صحن) (٢١) مسجده.

стр. 768

ثم كانت سنة تسع عشرة وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٠٨ - أبو سعيد خلف بن محمد بن جرير (١) السّرتي (٢) اليحصبي (*) بمدينة مصر. سمع من أبي بكر محمد (٣) بن زبّان (٤) الحضرمي. وسمع بالقيروان من عبد الجبّار [بن] (٥) خالد صاحب سحنون. وكان يقوم كل ليلة دائما (٦) بسدس القرآن/فإذا كان شهر رمضان صلّى

стр. 769

بالناس الأشفاع في مسجده ثم ينصرف الناس (٧) بعد فراغه فيلقي بنفسه (٨) في ثيابه فيأخذ راحة ثم يقوم فيبتدئ من أول القرآن، فإذا كان وقت السحور أقام (٩) أصحابه وقد بلغ سورة «الملك» فيتقدم فيصلي بهم تمام الختمة ويدعو هكذا كان دأبه حتى خرج إلى مصر. قال ولده سعيد: كان أبي قد قرأ القرآن على أبي عبد الله محمد بن خيرون المقرئ (١٠) زمانا طويلا، وكان ابن خيرون إذا خرج إلى سوسة يرابط خرج أبو سعيد في إثره، فكان ربما تعذر عليه النوم في القائلة، فيرسل إليّ فآتيه فأقرأ عليه حتى ينام. وكان له صوت حسن بالقرآن. قال ولده: لقد كنت أخرج معه للرباط فينزل بقصر سهل (١١)، فكان يقوم بنا كل ليلة في شهر رمضان ويجتمع خلفه جماعة فأسمع البكاء والشهيق من كل مكان. ولم يكن يتكلف [في] (١٢) قراءته. وكان يحسن الفروسية، مولعا بشراء الخيل، ويخرج إلى الرباط (١٣) بها للحرس على المسلمين والسياحة على (١٤) البحر. وكان ربما خرج من سوسة هو وأبو جعفر (١٥) /أحمد بن سعدون الأربسي وأبو بكر بن أبي عقبة (١٦) فيقفوا صفّا واحدا كأن العدو بين أيديهم ويجرون خيلهم في ذلك الموضع حتى (تطلع) (١٧) الشمس. رحمهم الله تعالى.

стр. 770

ثم كانت سنة اثنتين وعشرين [وثلاثمائة] (١) وفيها توفي: ٢٠٩ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن (٢) بن سعيد (٣) التميمي (*)، يعرف بالقصري (٤). مولى الأغلب (٥) بن سالم الأمير. ودفن بباب سلم (٦). قال (٧) أبو العرب: كان أبو جعفر يسمع معنا من مشايخنا ويكثر الكتاب والسماع. وكان ثقة. وقال ابن الأجدابي الفقيه (٨): كان أبو جعفر رجلا صالحا. قيل إنّه مضى لزيارة يحيى بن عمر إلى سوسة (٩)، فلمّا وصل وجد يحيى بن عمر قد ألّف كتابا، فأراد أن يكتبه فلم يجد ما يشتري به الرق (١٠) فباع القميص التي كانت عليه، فاشترى بثمنها رقوقا وكتب الكتاب وقابله (١١) وأتى به معه إلى القيروان.

стр. 771

قال (١٢) سعيد بن محمد بن جرير (١٣): شهدت أبا بكر بن اللباد يأتي راجلا إلى أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن (١٤) القصري يأخذ منه كتابا كتابا، ينقل منه سماعه من يحيى بن عمر (١٥) وغيره، وهذا لثقته/وضبطه. قال (١٦) ابن شبلون (١٧): وكنّا ونحن صبيان نلعب يمر بنا فنترك اللعب ونهرب إجلالا له وهيبة. قال (١٨) أبو جعفر بن نظيف: (قال (١٩) أحمد) (٢٠) ربما انتبهت من النوم فأرى نورا نازلا من السماء على كتب (٢١) المعجزات. وهذا الكتاب الذي فيه المعجزات كتاب عجيب يشتمل على نيف وستين جزءا، سمّاه «كتاب تجديد الإيمان وشرائع الإسلام» (٢٢). وقفت على جميعه وقرأته مرارا بصقلية وإفريقية، نفعنا الله تعالى به ونفع مؤلفه. وكان-﵁-قد حماه الله تعالى من الطعام المشتبه لما أراد (٢٣) من طهارة قلبه وجوارحه. لقد ذكر أبو محرز خلف بن ابراهيم قال: سأل أحمد ابن عبد الرحمن بعض أصحابنا وأنا أسمع عن غنم الأضاحي تشترى ويؤتى بها من

стр. 772

[وجوه] (٢٤) مكروهة، فقال أحمد: تتحرى وتجتهد، وقد قال مالك: ليس المتحري بحدود الله كاللاعب فيها. قال (٢٥) أحمد: وإني لأشتهي الشيء من الطعام فأشتريه فعند أكله لا أجد له طعما ولا لذة، ولقد تفكّرت في ذلك فما هو إلاّ لأحد (٢٦) أمرين: إمّا للحديث الذي جاء «ترفع حلاوة الدنيا وزينتها» أو من كسب الناس والتباسه قال: ثم تفكّرت (٢٧) في قول (٢٨) آدم عليه أفضل الصلاة والسلام (٢٩): تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبّر قبيح تغير كل ذي لون وطعم ... وقل (٣٠) بشاشة الوجه المليح (٣١) فهذا آدم ﷺ يقول: تغير كل ذي لون وطعم، فكيف بزماننا هذا؟ فقال له بعض أصحابنا: قال لي أحمد بن نصر: إنما أنزلنا إفريقية بمنزلة الميتة يأكل منها المضطر حاجته (قال) (٣٢): فقلت له: عند قوله هذا، المراد بذلك غير الشهوات من القوت الذي لا بد منه [ل] سد (٣٣) جوعة وستر عورة، فسكت أحمد بن نصر. فقال له أحمد بن محمد بن عبد الرحمن: قد أتيته بالحق والصواب، فما يقول؟

стр. 773

وفيها توفي (١): ٢١٠ - عبد الله (٢) بن اسماعيل البرقي (*) - رحمه الله تعالى- كان-رحمه الله تعالى-من أهل الفقه والأدب، مصاحبا لأحمد بن نصر وغلب عليه في آخر عمره الورع، ذكر ذلك ابن حارث (٣). /قال ابن حارث (٤): مات بسوسة من رعدة قاصفة سمعها [وكان قد أغفى في حين الرعدة بعد دعاء شديد وتضرع عظيم] (٥)، فكان قلبه قد أشرب الخوف من الله ، فلما فجأه الرعد [القاصف] (٦) زهقت نفسه. وكان في حين موته من أبناء الأربعين. قال [أبو] (٧) الربيع: قلت له يوما، ورأيته يبكي وقد ذهب بصره، إلى كم هذا البكاء؟ فقال لي: يا أبا الربيع: إنما جعلت عيناي للبكاء ولساني لتعظيم الله وتحميده، والصلاة على نبيّه، وبدني للتراب والبلى، وقلبي للخوف والرجاء، لم أخلق للعب ولا للهو إنما خلقت للعمل الصالح. وبشّر بالجنة في منامه. قال أبو الربيع: دخلت على أبي سعيد النّوفلي (٨)

стр. 774

فقلت له: يا سيدي يا أبا سعيد أخبرني أبو محمد البرقي أنه بشّر بالجنة، فقال لي: يا أبا الربيع من كان يختم القرآن كلّ يوم ختمة والمصحف في حجره وهو صائم، فهل خلقت الجنة إلاّ لمثل هذا-﵁ وأرضاه-. وفيها توفي: ٢١١ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن [أبي] (١) قشاش (*) من أهل سفاقس. قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو إسحاق فاضلا صالحا عابدا مجتهدا خاشعا متواضعا سخي النفس كثير الزيارة لإخوانه ولمن دونه في السن/والعلم والفضل. وكان يعد (٢) الحلوى والدّهن والطيب للفطر والأضحى، فإذا كان يوم العيد ذهب به إلى «دار الجذماء» (٣) فطيّب به أهل البلاء وجعل ذلك بين أيديهم فلا يزال يطعم هذا وهذا حتى يعمّهم ثم يقسم بينهم الذي يبقى ويدهن رءوسهم ويعزّيهم ويصبّرهم ثم ينصرف إلى داره. قال عبد الله (٤): كان ممن علم وعمل، سمعت بعض شيوخنا يقول: بلغني أن عيسى بن مسكين كان يقول: الناس يطلبون علم الدنيا وابن أبي قشاش يطلب علم الآخرة. قال ميسرة (٥) بن مسلم: كنّا نخرج مع أبي إسحاق في جماعة من أصحابه

стр. 775

للسياحة (٦) في كل سنة، فكان إذا تنازع أصحابه أنشأ يقول: أكرم صديقك حتى ينقضي السّفر ... إن الذي أنت موليه (٧) سينتثر (٨) ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا ... إن اللئام إذا ما سافروا ضجروا
следующие страницы →