← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قال (١٢) سعيد بن محمد بن جرير (١٣): شهدت أبا بكر بن اللباد يأتي راجلا إلى أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن (١٤) القصري يأخذ منه كتابا كتابا، ينقل منه سماعه من يحيى بن عمر (١٥) وغيره، وهذا لثقته/وضبطه. قال (١٦) ابن شبلون (١٧): وكنّا ونحن صبيان نلعب يمر بنا فنترك اللعب ونهرب إجلالا له وهيبة. قال (١٨) أبو جعفر بن نظيف: (قال (١٩) أحمد) (٢٠) ربما انتبهت من النوم فأرى نورا نازلا من السماء على كتب (٢١) المعجزات. وهذا الكتاب الذي فيه المعجزات كتاب عجيب يشتمل على نيف وستين جزءا، سمّاه «كتاب تجديد الإيمان وشرائع الإسلام» (٢٢). وقفت على جميعه وقرأته مرارا بصقلية وإفريقية، نفعنا الله تعالى به ونفع مؤلفه. وكان-﵁-قد حماه الله تعالى من الطعام المشتبه لما أراد (٢٣) من طهارة قلبه وجوارحه. لقد ذكر أبو محرز خلف بن ابراهيم قال: سأل أحمد ابن عبد الرحمن بعض أصحابنا وأنا أسمع عن غنم الأضاحي تشترى ويؤتى بها من

стр. 772

[وجوه] (٢٤) مكروهة، فقال أحمد: تتحرى وتجتهد، وقد قال مالك: ليس المتحري بحدود الله كاللاعب فيها. قال (٢٥) أحمد: وإني لأشتهي الشيء من الطعام فأشتريه فعند أكله لا أجد له طعما ولا لذة، ولقد تفكّرت في ذلك فما هو إلاّ لأحد (٢٦) أمرين: إمّا للحديث الذي جاء «ترفع حلاوة الدنيا وزينتها» أو من كسب الناس والتباسه قال: ثم تفكّرت (٢٧) في قول (٢٨) آدم عليه أفضل الصلاة والسلام (٢٩): تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبّر قبيح تغير كل ذي لون وطعم ... وقل (٣٠) بشاشة الوجه المليح (٣١) فهذا آدم ﷺ يقول: تغير كل ذي لون وطعم، فكيف بزماننا هذا؟ فقال له بعض أصحابنا: قال لي أحمد بن نصر: إنما أنزلنا إفريقية بمنزلة الميتة يأكل منها المضطر حاجته (قال) (٣٢): فقلت له: عند قوله هذا، المراد بذلك غير الشهوات من القوت الذي لا بد منه [ل] سد (٣٣) جوعة وستر عورة، فسكت أحمد بن نصر. فقال له أحمد بن محمد بن عبد الرحمن: قد أتيته بالحق والصواب، فما يقول؟

стр. 773

وفيها توفي (١): ٢١٠ - عبد الله (٢) بن اسماعيل البرقي (*) - رحمه الله تعالى- كان-رحمه الله تعالى-من أهل الفقه والأدب، مصاحبا لأحمد بن نصر وغلب عليه في آخر عمره الورع، ذكر ذلك ابن حارث (٣). /قال ابن حارث (٤): مات بسوسة من رعدة قاصفة سمعها [وكان قد أغفى في حين الرعدة بعد دعاء شديد وتضرع عظيم] (٥)، فكان قلبه قد أشرب الخوف من الله ، فلما فجأه الرعد [القاصف] (٦) زهقت نفسه. وكان في حين موته من أبناء الأربعين. قال [أبو] (٧) الربيع: قلت له يوما، ورأيته يبكي وقد ذهب بصره، إلى كم هذا البكاء؟ فقال لي: يا أبا الربيع: إنما جعلت عيناي للبكاء ولساني لتعظيم الله وتحميده، والصلاة على نبيّه، وبدني للتراب والبلى، وقلبي للخوف والرجاء، لم أخلق للعب ولا للهو إنما خلقت للعمل الصالح. وبشّر بالجنة في منامه. قال أبو الربيع: دخلت على أبي سعيد النّوفلي (٨)

стр. 774

فقلت له: يا سيدي يا أبا سعيد أخبرني أبو محمد البرقي أنه بشّر بالجنة، فقال لي: يا أبا الربيع من كان يختم القرآن كلّ يوم ختمة والمصحف في حجره وهو صائم، فهل خلقت الجنة إلاّ لمثل هذا-﵁ وأرضاه-. وفيها توفي: ٢١١ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن [أبي] (١) قشاش (*) من أهل سفاقس. قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو إسحاق فاضلا صالحا عابدا مجتهدا خاشعا متواضعا سخي النفس كثير الزيارة لإخوانه ولمن دونه في السن/والعلم والفضل. وكان يعد (٢) الحلوى والدّهن والطيب للفطر والأضحى، فإذا كان يوم العيد ذهب به إلى «دار الجذماء» (٣) فطيّب به أهل البلاء وجعل ذلك بين أيديهم فلا يزال يطعم هذا وهذا حتى يعمّهم ثم يقسم بينهم الذي يبقى ويدهن رءوسهم ويعزّيهم ويصبّرهم ثم ينصرف إلى داره. قال عبد الله (٤): كان ممن علم وعمل، سمعت بعض شيوخنا يقول: بلغني أن عيسى بن مسكين كان يقول: الناس يطلبون علم الدنيا وابن أبي قشاش يطلب علم الآخرة. قال ميسرة (٥) بن مسلم: كنّا نخرج مع أبي إسحاق في جماعة من أصحابه

стр. 775

للسياحة (٦) في كل سنة، فكان إذا تنازع أصحابه أنشأ يقول: أكرم صديقك حتى ينقضي السّفر ... إن الذي أنت موليه (٧) سينتثر (٨) ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا ... إن اللئام إذا ما سافروا ضجروا

стр. 776

ثم كانت سنة تسع عشرة [وثلاثمائة] فيها توفي: (١) ٢١٢ - حمدون بن مجاهد الكلبي (*) المتعبد / أصله من قرية أولمش (٢). كان رحمه الله تعالى ذا (٣) أوصاف جليلة. وكان يحسن الفقه (٤). قال (٥) أبو بكر ميسرة بن مسلم: قال لي حمدون: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة (٦) كتاب ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم أكتبه (٧) بعد. كان (٨) رحمه الله تعالى إذا انصرف من المحراب وجد أصحابه موضع (٩) سجوده قد ابتلّ من دموعه. قالوا (١٠): ولقد صلّى بنا التراويح في شهر رمضان، فلما كان ليلة سبع

стр. 777

وعشرين ختم بنا ختمة وأخذ (في) (١١) الدعاء والبكاء والتضرع إلى الله والالتجاء (١٢) إليه والناس خلفه يبكون ويتضرعون، فتاب إلى الله وأناب في تلك (الليلة) (١١) نحو السبعين رجلا، فمنهم من ندم على شرب الخمر، ومنهم من كان على غير ذلك من الذنوب، فصاروا كلهم إلى التوبة النصوح بفضل نيته وجميل طويته. وفيها توفي: ٢١٣ - أبو الحسن الصقلي (*) الجزيري (١) قال أبو سليمان ربيع القطان بخطه: كان أبو الحسن هذا من خيار الناس. ذكر لنا عنه أنه كان على منواله صامتا لا ينطق إلاّ بذكر الله أو بما يعنيه، فإذا أقيمت الصلاة تأوّه (٢) واجتر نفسه وتواجد وقال: واذهاب عمري في خسارة. قال ربيع القطان: وسمعته يقول: والله الذي لا إله إلاّ هو ما شيء في وقتي هذا أقرّ لعيني من القدوم على الله تعالى، لأني قد تحقق ظني به، فقلت له: سررتني والله. ودخلنا عليه بداره نعوده عند مسجد أبي زرجونة (٣)، فقال لنا: كان عندنا (يا أبا سليمان) (٤) بثغر صقلية رجل يقال له أبو علي الطنجي (٥) -أنا رأيته وعرفته-

стр. 778

وكان من الكدادين عمره كله وكان من أهل الشغل والذكر وكان يظهر له عدوه إبليس في هيئة إنسان، قال: فكان يقول له العدو: (أنضحت قلبي) (٦) بكدّك فو الله لأنضحن قلبك أو تكف عمّا أنت فيه (قال) (٦): فيقول أبو علي: إليك [عني] (٧) يا عدو الله، والله لا زلت هكذا إن شاء الله تعالى أبدا. فبينا هو ذات يوم راقد على سدّة (٨) إذ قلبه (٩) عدو الله من فوقها، فانجرح له موضع السّجود، فلم يزل يرم (١٠) وينتشر حتى أخذ الوجه، فكان يأتيه العدو فيقول له: اقصر ويزول عنك ما تجد، فيقول: اذهب يا عدو الله [والله] (١١) لا أقصر أو أموت، فكانت تلك العلّة سبب موته-﵁ قال ربيع القطان/: قال لنا أبو الحسن: يا أبا سليمان كان عندنا رجل فاضل (١٢) من [المتعبدين] (١٣) المشتغلين بالذكر والكدّ اسمه مفرج أبو عبد السلام، فلم يزل على ذكره واجتهاده حتى حضرت غزاة، فخرج معها جماعة من الجياد وخرج مفرج أيضا (١٤) -وكان (١٥) بلدنا إذ ذاك (١٦) الوقت بلد جياد لم تواقعهم فتنة-فتلاقى العدو والإسلام وقتل (١٧) من المسلمين خلق عظيم وأصيب فيما ظننت أبو عبد السلام مفرج (١٨) -قال مفرج: فرأيت والله سلالم منصوبة من الأرض إلى السماء تنزل عليها جوار ما رأيت قط مثلهنّ وبيد كل

стр. 779

واحدة منهن منديل (١٩) أخضر، فنزلت كلّ واحدة منهنّ على صاحبها من الشهداء فأخذت رأسه وجعلته في حجرها ومسحت من دمه بذلك المنديل ثم رفعته أو ارتفعت (٢٠) -قال أبو الحسن (أحدهما) (٢١) -قال لنا مفرج: فلما نزلت صاحبتي لم (٢٢) تجدني ميتا فانصرفت مستخزية (٢٣) وهي تقول: وا شؤم (٢٤) بختي واعاري عند صواحباتي ثم انصرفت قال مفرّج: وكان ذلك منّي في اليقظة ولا أزال (٢٥) أبكي وا إخوتاه (٢٦) حتى ألحق بها. قال أبو الحسن: فكان بعد ذلك غلب عليه/من الكدّ والزهد والاشتغال بالله والدار الآخرة والأكل مما تنبت الأرض من بقولها ما الله به عليم، فكان كلما قيل له: اقصر يا أبا عبد السلام فبدون هذا تدرك الجنان (قال) (٢٧) فيقول: ويحكم اعذروني (٢٨) ثم يقصّ (هذه القصة) (٢٩) عليهم ويبكي. قال أبو الحسن: أقام (٣٠) كذلك نحوا من (٣١) ستّ سنين ثم توفي على خير، فلحق بما أمل إن شاء الله تعالى.

стр. 780

ثم كانت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة (١) وفيها توفي: ٢١٤ - أبو جعفر أحمد بن سعدون الأربسي (٢) (*) توفي يوم الجمعة أول شهر ذي القعدة ودفن بسوسة عند قبة الرمل (٣). كان (٤) ذا سمت وورع وفقه وصلاح وفضل وثقة في الحديث (٥). سمع منه الناس وكتب جميع كتب يحيى بن عمر وسمع عليه أكثرها لما هرب يحيى بن عمر من ابراهيم بن أحمد في الوقت الذي طلبه فيه العراقيون (٦) أودع كتبه عند أحمد فكانت عنده في داره، فكتبها كلها. قال (٧) أبو الأزهر (٨) ما رأيت فيمن أدركت من المتعبدين مثله. وكان قد اعتل فلم يبق في بدنه عضو إلاّ وفيه علة/إلاّ لسانه وعقله وبصره. (وكان إخوانه يزورونه) (٩) وهو ملقى على ظهره لا يستطيع الجلوس ولقد كنت ربما أتيته زائرا

стр. 781

فيأتيه قوم (١٠) من اخوانه بينهم اختلاف رجاء أن يصلح بينهم فيذكر له (١١) كل واحد منهم قصته فأجعل من بالي حفظ ما يطلبه كل واحد منهم وما يحتج به لأقف على ما يجيبهم به وعلى صحة فهمه وربما جازت عليّ أشياء (١٢) من أقاويلهم لا أذكرها إلاّ بجوابه لهم، وهو مع هذا قد أدرك الثمانين وقد خالطه من السقم (١٣) ما [قد] (١٤) أعلمتك به. ورأى رجل (١٥) ثقة في منامه (١٦) قائلا يقول له: إن أردت أن تنظر إلى أبي بكر (١٧) الصديق-﵁-فانظر إلى أبي جعفر الأربسي. (وشكا أبو جعفر القمودي-إذ كان ساكنا عند أبي جعفر الأربسي-) (١٨) أنّ الريح تدخل إليه من الطاق (١٩) الذي (٢٠) في الغرفة التي أبو جعفر القمودي ساكن (٢١) فيها، فأخبر بذلك أبا جعفر الأربسي. قال: نعم أنا أصلحه-إن شاء الله تعالى-فأخرج كيسا مربوطا فنفضه فوقع منه دينار (٢٢)، فقال: هذا بقية ألف دينار دخلت بها سوسة (٢٣). فقالوا له: فيما ذهبت أصلحك الله؟ فقال (لهم) (٢٤) في الزكاة وحبوب البقل. وذكر (٢٥) عنه أنه/لقيه رجل وهو طالع إلى السجن مع المساء وعلى عاتقه

стр. 782

الكساء وبيده طعام، فقال له: ما تريد في هذه الساعة في السجن؟ فقال: حبس صديق لي اليوم، أريد أن أبيت معه الليلة أوانسه بنفسي. حدث (٢٦) أبو بكر بن عمرون السوسي عن أبيه قال: وقف أبو جعفر القمودي على أبي جعفر الأربسي عند موته وهو مسجّى فقال له: خلصت يا أبا جعفر وزرب (٢٧) عليك لا يصل إليك سلطان ولا شيطان وتركتنا بعدك (٢٨) في بحر نسبح فيه لا ندري أننجو أم نغرق. لما (٢٩) مرض أبو جعفر الأربسي صار (٣٠) أبو جعفر القمودي إذا سلّم من صلاته يمضي وينظر إليه من الباب ثم يرجع إلى صلاته فإذا سلّم عاد (فنظر) (٣١) إليه فعل ذلك مرارا، فعاد إليه مرة، فوجده في حال النزع، وقد انقطع (٣٢) كلامه، فقال: الحمد لله رب العالمين: الآن (قد) (٣٣) طابت نفسي عليك، فقد (٣٤) خلصت وبقيت أنا موحولا (٣٥)، فلما سمع ذلك منه أبو جعفر الأربسي أشار إلى حلقه بإصبعه أراد بذلك أن نفسه باقية في الحلقوم لم تخرج بعد وإنما يخلص بعد خروج (٣٦) نفسه على الإسلام. فلما مات-رضي الله تعالى عنه-/قيل لأبي جعفر القمودي: تخرج تصلّي عليه؟ فقال لهم: وكيف لا أخرج [أصلّي] (٣٧) على أخي وصديقي، قال فلما أتى بالحمار وركبه وركب خلفه رجل يمسك (٣٨) بذقنه لأنه قد انحنى من الكبر

стр. 783

والهرم فلما أتى بالنعش قيل له: انزل-أصلحك الله تعالى-وتقدّم [فصلّ] (٣٩) عليه، فقال (لهم: أنا أتقدم) (٤٠)؟ ما أنا أهل [لذلك] (٤١)، فجهدوا عليه فأبى، فقالوا له: إنك قد قلت تصلّي عليه؟ فقال لهم: إنما أردت بذلك أن أصلّي عليه مأموما فتقدم عليه سعدون الخولاني، وكان قد جاء من المنستير مع جماعة الشيوخ (٤٢) لحضور الجنازة، ﵄.

стр. 784

ثم كانت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢١٥ - أبو جعفر القمودي (١) (*) رحمه الله تعالى، بمدينة سوسة، يوم الجمعة في شهر ربيع الآخر، وصلّى عليه سعدون الخولاني ودفن إلى جانب أبي جعفر الأربسي وهو ابن أربع وتسعين سنة. كان ذا (٢) أوصاف جليلة بلغ من العبادة مبلغا عظيما حتى صار كالشن البالي، لم يكن في عصره أكثر منه عبادة حتى ان المثل ليضرب به (في عبادته) (٣)، وكان من أحلم الناس يدعو لمن يؤذيه. أخبر-﵁-أنه جاز إفريقية كلها (قال) (٣): فما طاب على قلبه إلاّ المقام بسوسة. وكانت له زوجة رزق منها ولدين فماتا قبل البلوغ، ثم فارق أمهما وتزوجت بعده وهو باق يدعو لها لأنّها كانت محسنة إليه، وكان لها عليه صداق سبعون دينارا [ف] (٤) أعطاها سبعة دنانير وتركت له ما بقي. وكانت بدايته أنه كان يعمل في الحمّامات ويخدم بها ويوقد النار فيها، فهو يوما يوقد النار فيها وينظر إلى شدة لهبها حتى أيقظه الله ، لما أراد من هدايته، عند نظره إلى [فعل] (٥) النار بالحطب وما عاين من شدة اللهب فوقع في

стр. 785

قلبه ما وقع، فترك الحمام ولزم عبادة الله- -واختار لنفسه عمل الحلفاء (لحلّها) (٦) فكان يعملها بيده ويتقوّت بها حتى هجم عليه أمر فترك عمل الحلفاء، فقيل له: لم تركتها (٧)؟ فقال (لهم) (٨): هجم على قلبي شيء هدّ يدي ورجلي فما استطعت أعمل شيئا. وذكر عنه: أنه لما انخلع من الدنيا دعا بزوجة له عجوز فانية، فقال لها: /خذي هذا المهر تقوّي به على عبادة ربك، وقال لها: أنا رجل وأنت امرأة أنت (٩) أحوج إليه منّي وأبى أن يأخذه منها، وأقبل على الكد والانفراد. قال الحسن بن نصر السوسي: سألني أبو جعفر أن أكتب له كتابي يمن ابن رزق (١٠) ففعلت ودفعتهما إليه فعمل بما فيهما وبقيت أنا انظر من بعيد. روي عن يمن بن رزق أنه أقام أربعين سنة يفطر على الخبز والماء لا غير. وذكر أبو جعفر (١١) القمودي أنّ الشيطان تمثّل له، وهو بقصر الطوب في صورة معزة وهو في المسجد (١٢) قبل أن ينتقل إلى دار الأربسي بسوسة (قال) (١٣) فأتاني لوجهي (١٤) فقال لي: لو عبدت حتى تكون كالقوس ما متّ إلاّ بالجوع، قال: فولّفت (١٥) ما (كان) (١٣) معي، فكان دينارا، فدفعته إلى رجل صالح من أهل الرهانة (١٦) فقلت له: أحب أن تتجر لي به فأخذه وعمل به ثم أتاني بعد

стр. 786

مدّة فقال لي: [قد] (١٧) بلغ الدينار كذا وكذا بعدد (١٨) سماه، فقلت له (١٩): أتجر به ولا تبلغ ما تجب فيه الزكاة، (قال) (٢٠) فعمل به حتى بلغ تسعة عشر دينارا، فأخبرني بذلك، فقلت له: ارفعها لي عندك، فبعد ذلك أتاني إبليس [لعنه الله] (٢١) في الصورة التي أتاني بها أولا، فقال لي مثل مقالته الأولى، (قال) (٢٢): فقلت له: فأين التسعة عشر دينارا التي عندي بسوسة، (قال) (٢٢): فتولّى عنّي. والقمودي إنما خاطب إبليس من حيث يليق به من إيثاره للدنيا ونسيانه لله و (حاشاه) (٢٢) أن تكون ثقته هو بالذهب (٢٣) دون الله لأنه كان من العلماء بالله تعالى. وذكر أبو جعفر في مجلس أبي الفضل الممسي فقيل لأبي الفضل: أصلحك الله ، هل كان (معه) (٢٢) من العلم شيء؟ فقال بنترة (٢٤) وانتهار: كان معه من العلم النافع خلاف ما ترى أو فوق ما نحن فيه. وقيل عنه: لو أن أبا جعفر صعد إلى السماء فرأى عبادة الملائكة ما زاد على حاله الذي هو فيه. وذكر عن أبي بكر الزويلي قال: ما رأيت مثل أبي جعفر قط، ولو وقف بين يدي الله تعالى فرأى ثواب المحسنين وعقاب المسيئين ما زاد على ما (٢٥) هو فيه من العبادة. قال أبو محمد عبد الله بن إسحاق ابن التبان الفقيه: لو عاين أبو جعفر القمودي أهل السماوات الذين وصفهم الله بأنهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ

стр. 787

وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٦) ما زاد على ما هو فيه من العبادة والاجتهاد. ذكر أن الحجام أراد أن يأخذ من شاربه شيئا فما قدر على ذلك من شغله بالذكر، فقال له: أصلحك الله، أتركني آخذ من شاربك شيئا، فقال له: يا هذا كلّ إنسان في شغله خذ ما أمكن. وأهديت إليه رمّانة فأقامت (٢٧) عنده في الطاق مدة فدخل عليه بعض إخوانه، فقال له-أصلحك الله-[ما] (٢٨) لهذه الرمانة عندك مدة فما يمنعك من الانتفاع بها؟ فقال له: من يتفرغ لتحبيبها. وذكر عنه: أنه جلس يوما ورأسه بين أطواقه وهو يدوي بذكر الله سبحانه وأبو جعفر الأربسي جالس يتحدث مع الناس حتى أخرج القمودي رأسه إليهم فقال لهم: اعتقاد ترك ما يكره الله خير من كثير العمل (٢٩)، ثم ردّ رأسه كما كان، وأقبل على الذكر. قال بعضهم: دخلت عليه أزوره فقال لي: تذكر شيئا؟ فقلت (له: لا) (٣٠) إنما اعتقدت زيارتك (فقال لي) (٣٠): كتب الله تعالى لك ثواب الزائرين، قال: فخرجت من عنده وقام في وهمي (٣١) أنه استثقلني (٣٢) فأنا خارج وإذا بقوم آخرين جاءوه زائرين فقلت: والله لأنتظرن (٣٣) هؤلاء حتى أرى هل يمكثون (٣٤) عنده شيئا، فما لبثت أن خرجوا من عنده من فورهم، فقلت لهم: ما وراءكم؟ فقالوا: دخلنا للشيخ (٣٥) فقال لنا: تذكرون شيئا إنّا قوم محفوزون (قال، فقلت: هذه لفظة زائدة (٣٦) على ما قال لي) (٣٧) فعلمت أنه مشتغل بذكر

стр. 788

الله تعالى، يغتنم ساعاته ويتوقع (٣٨) أجله، ﵁. ودخل عليه أبو بكر بن اللباد ﵁، يزوره ويسلّم عليه فردّ ﵇ ولم يقبل عليه كما ينبغي أن يقبل على العلماء، فخرج ابن اللباد وهو مغضب وهو يقول: عالم عند الله تعالى أفضل من سبعين عابدا (٣٩)، فعوتب القمودي في ذلك، فقال: والله ما عرفته لو عرفته لأديت (٤٠) من حقه ما يجب. قال بينما ابن اللباد جالس (٤١) في مسجد (٤٢) السبت حتى قال المغبرون (٤٣) شيئا من صفات أولياء الله تعالى، فقال أبو بكر بن اللباد (٤٤): هذه صفة أبي جعفر القمودي-﵁. ودخل إليه أبو عبد الله بن/دارة (٤٥) المتعبد فأقبل يحدثه فأكثر عليه في حديثه، فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله أبعد الموت عمل؟ فقال: لا. فقال: سلام (٤٦) عليك، واستقبل القبلة وأحرم للصلاة. وقال مرة لأبي جعفر الأربسي: ما تريد بجلوسك مع هؤلاء الذين يدخلون إليك ويشغلونك؟ فقال له (٤٧): أستأنس (٤٨) بهم، فقال له أبو جعفر القمودي: لو

стр. 789

ذقت حلاوة الأنس بالخالق ما احتجت إلى مؤانسة المخلوقين لأنه قد جاء في الحديث: «إن الله تعالى يقول: أنا جليس من ذكرني» (٤٩) ثم قال: ما أجد حسّ الناس إذا صعدوا إليّ من الدرج إلاّ كضرب السياط في أكتافي. حدث أبو اللّيث السّراج قال: دخلت يوما على أبي جعفر القمودي وأبي جعفر الأربسي، فجعلت أكلم أبا جعفر وأخفض من صوتي، فقال لي: ارفع صوتك، فقلت له: إني أخاف أن أشغل الشيخ بكلامي، فقال: إنه ليس يسمعك، فقلت وكيف ذلك؟ قال (٥٠): كان يشغله بعض ما كان يسمع من الكلام عن ذكر الله تعالى، فسأل الله أن ينقص (من) (٥١) سمعه فنقصه (٥٢) الله منه، فهو لا يسمع إلاّ ما رفع (٥٣) به الصوت/كثيرا وكان يكره فضول النظر، فسأل الله أن ينقص من بصره فنقصه منه فهو لا يبصر إلاّ ما كان معه في الغرفة. وحدثنا (٥٤) أبو عبد الله بن يقظان السوسي (٥٥) قال: كان أبو جعفر القمودي ينفرد في بيته للعبادة والاجتهاد، وصاحبه أبو جعفر الأربسي جالس مع أصحابه يتذاكرون العلم ثم يخرجون منه إلى الحديث فيأتي القمودي إلى باب البيت الذي هم فيه، فيجعل يده على قوائم الباب ثم يقرأ هذا الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٥٦) اذكروا الله يذكركم ... [قد] (٥٧) جاءكم الموت ... ثم يرجع إلى بيته-﵁.

стр. 790

وخرج أبو جعفر ليلة بقصر الطوب يكبّر على البحر ويتهجد فرأى رجلا في (٥٨) أعلى القصر ساكنا، فقال: يا هذا اذكر الله تعالى ولا تكن خلاء في خلاء. قال أبو حفص: يريد أبو جعفر لا تكن خلاء من الذكر في الأيام (٥٩) كما قال الله : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٦٠). /قال أبو الأزهر: قلت لأبي جعفر الأربسي: (إنه) (٦١) يتصل بنا عنه أنه لا ينام مضطجعا وإنما ينام جالسا محتبيا؟ فقال لي: نعم، هو أخبرني بذلك وقال: إنما أجد راحتي إذا جلست هكذا. قال أبو الأزهر: فقلت له: بلغنا (٦٢) أن قوته ثمن قمح في شهر وهو ستة أمداد (٦٣) بمدّ النبي ﷺ ؟ فقال: إنما كانت الخادم تعجن له نصف مدّ دقيق فربما أكل منه ليلتين وربما أكل منه ثلاث ليال. فقلت له: فمع هذا إدام؟ فقال لي: وما هذا الإدام؟ فقلت له: اللحم فقال لي: ما كان يأكل اللحم حين (٦٤) كان لحما (٦٥) فكيف حين صار جيفة-يعني لما اشتبهت أغنام الناس واختلطت في الحروب التي كانت-فقلت له: فالحيتان؟ فقال لي: ربما اشتهى منه هذا اللّجي (٦٦) (من أجل) (٦٧) انه ليس (٦٨) عليه قبالة. قال أبو الأزهر: فقلت له: فعنده (٦٩) تين يابس أو غير ذلك يأتدم (٧٠) به [الخبز] (٧١)، فقال لي: ما كان عنده تين، إنما كانت الخادم تطبخ له القدر

стр. 791

ببصلة وزيت وشيء من ملح ثم تكسر له على ذلك شيئا من الخبز (٧٢). وكان يحب التين الأخضر يأكل منه إذا وجده مثل العشرين حبّة. قال أبو الأزهر: فقلت للأربسي: هذا القوت/اليسير من يأتيه [به] (٧٣)، فحسبته اشتدّ سؤالي عليه في هذا، وكره-﵁-أن يمنعني ممّا (٧٤) أردته فقال لي: إخوان معروفون له. وما أراه أراد إلاّ نفسه، لأنه كان له ودودا (٧٥)، وكان له أخ بالأربس [وقرابة] (٧٦) فظننت أنه شقّ عليه أن يقول: أنا، فيكون هذا من باب المنّة، ثم قال لي: وما عسى أن يكون أكله. لقد كان له عندنا قفيز قمح فأقام حتى خشينا عليه السوس، قال فقلت له: أسلفنا إياه، فإذا أردت شيئا منه أعطيناك ففعل ذلك فله مدة طويلة لم يأخذ منه إلاّ ربع قمح. قال أبو الأزهر: ثم عطف عليّ أبو جعفر فقال لي: يا أبا الأزهر إن كان لا يدخل الجنّة إلاّ مثل أبي جعفر القمودي فما أقل من يدخلها وأنا أخبرك عنه بشيء لم (٧٧) أسمعه من (٧٨) أحد ولا رأيته أنا ولا أنت في كتاب: أخبرني (منذ سنتين) (٧٩) أنه يدعو لأزيد من اثني عشر ألفا (٨٠) من إخوانه بأسمائهم قال: وهم في كل يوم يزيدون. قال الأربسي: فقلت له: وكيف تحفظ أسماءهم؟ فقال لي: إذا ذكرت الرجل مرتين أو ثلاثا لم أنسه، فقلت له: كيف يدعو لهم؟ قال: يقول (٨١): اللهم (افعل) (٨٢) بفلان وفلان وفلان إلى أن يبلغ ما أراد من ذلك، ثم يدعو لآبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وذراريهم وجميع أمة (سيد المرسلين) (٨٢) محمد (خاتم النبيين) (٨٢) ﷺ . قال أبو الأزهر (قلت له) (٨٢): متى يدعو لهم-أصلحك الله-؟ وكيف

стр. 792

يدرك الصلاة بالليل مع الدعاء لهؤلاء (٨٣)؟ فقال لي: كان يدعو لهم كل ليلة فلما (كثروا عليه) (٨٤) رجع يدعو لهم ليلة ويصلّي ليلة، وكان إذا قام إلى حزبه من اللّيل قال: اللهم إنك تعلم إن لنا إخوانا فيك وأحباء وأولياء تحاببنا فيك، ما اجتمعنا على زلّة ولا على خزية، فمن كان منهم حيّا في هذا الوقت فأشركه في صالح دعائي (٨٥)، ومن كان منهم (يدعو إليك فاجعل دعانا واصلا إليك، ومن كان منهم) (٨٦) عليلا أو مهموما مغموما ففرّج عنه واجعل بعضنا لبعض بركة ورحمة، وصاحب الكلب اللهم أصلحه ولا تؤاخذه، وإن كان ميتا فارحمه (٨٧). وأمّا سبب ذكر الكلب فإنه (٨٨) خرج إلى قمودة فلقيه (٨٩) قوم من خدمة السلطان فأعطوه كلبا في عنقه (٩٠) شراك ليمسكه (٩١)، قال: فأمسكته، فتفلّت من (٩٢) يدي فلما رأوا الكلب قد هرب تناول أحدهم سوطا فضربني به الرأس (٩٣) فأنضحني (٩٤). وقال أبو الحسن علي بن/عبد الله القطان: كان من دعاء أبي جعفر القمودي المتعبد رحمه الله تعالى: [اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ على محمد، اللهم اكفني سرّ نفسي وسرّ اليقين] (٩٥)، اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ على محمد. اللهم اقض لي كل حاجة مع المغفرة، [اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ على محمد، اللهم اكفني كل هول دون الجنّة] (٩٥). اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ على محمد، اللهم صلّ

стр. 793

على محمد، اللهم اغسل قلبي بماء اليقين وزوّدني بالتقى، واجعل غناك مع محبتك في قلبي. وذكر أبو جعفر الزقاق [المتعبد] (٩٥) قال: أبطأت عليه يوما، وكنت أختلف إليه، فقال: ما أخّرك عني؟ فقلت له: يا سيدي إني (أحب) (٩٦) التغبير (٩٧) وشهود مواضعه والأماكن التي (٩٨) يجتمع فيها له، فأكبّ ساعة وجعل رأسه بين ركبتيه، وكذا كان أكثر جلوسه، ثم رفع رأسه إليّ فقال: احضرها فإنّه إنما وقع في هذه المحافل القلائل (٩٩). [وأشار بإصبعه السبابة، يريد أنهم الآحاد القليلون] (١٠٠). حدّث أبو محمد عبد الله بن عمرون السوسي قال: أتى شاب إلى أبي جعفر القمودي (فسلّم عليه) (١٠١) فسأله الشيخ عن حال جدّته لأنه (١٠٢) كان يعرفها قبل ذلك فقال له: تقرأ عليك السلام وقد وجّهت إليك معي زوجي (١٠٣) فراخ مشوية، وجعلهما بين يديه، وتقول لك: سألتك بالله كل منهما، فاستعظم الشيخ قسمها/عليه بذلك وقال: جلّ الله ثم سكت سكتة ثم قال له: اعرف عندكم في «الكملة» -وهي الجنينة-شيء من العليق (١٠٤) ينبت مع الزّرب؟ فقال له: نعم عندنا منه شيء كثير، فقال ايتني منه بشيء؟ قال: فمضى الشاب فأتاه به (١٠٥)، فأخذ فخذا من فرخ منهما ثم جعل (١٠٦) عليه ذلك العليق، فدلكه به حتى سقاه بمائه، والعلّيق شديد المرارة، ثم أكله وقال له:

стр. 794

يا أخي اقرأ ﵍ وقل لها: قد ابررنا قسمك. وردّ عليها البقية. وكان الشيخ أبو علي المتعبد، حسان بن محمد، يحدّث: أن أبا جعفر القمودي بينا (١٠٧) هو جالس وعنده بعض أصحابه حتى أتته ثلاث دواخل (١٠٨) تمر هدية من عند رجل يعرف أصل ريعه وطيب كسبه، فأمر بتفريغ الدواخل ثم قال: الهدية مشتركة وقسمها بين القوم بالسوية (١٠٩)، وأخذ لنفسه خمس تمرات ﵁-وجعلهم في دوخلة فارغة فلمّا كان بعد المغرب، أخذ في الشغل كعادته فقالت له نفسه: عجّل قليلا تفطر على تمرات (١١٠) حلال فعاتب نفسه بأن قال/لها: (ما) (١١١) استطعت الصّبر عن خمس تمرات حتى أمرتني أن أخفف صلاتي من أجلهنّ -لله عليّ لا أكلت (١١٢) تمرا حتى ألقاه-﵀. ومثل هذا (١١٣) [ما روي عن] (١١٤) مالك بن دينار (١١٥) أنه كان ربما يمر بالأسواق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه: اصبري فو الله ما أمنعك إلاّ لكرامتك عليّ. وكان أبو حازم (١١٦) إذا نظر إلى الفاكهة قال: والله إني لأشتهيك ولكن موعدك الجنة. وكان يقول: من أطلق شهوته أذهب مروءته.

стр. 795

وذكر (١١٧) عنه أنه كان يخدمه رجل من إخوانه فسخّن له ماء في يوم بارد لوضوئه للصلاة (١١٨) فأخذ أبو جعفر ليتوضأ به فرآه سخنا فقال: من سخن هذا [الماء] (١١٩)؟ فقال له: أنا-أصلحك الله-[فإني] (١١٩) رأيته يوما باردا فسخنته [لك] (١١٩) فقال له: لا تعد [لذلك] (١١٩) إنّا نحن ننظر في زيادة الحبّة والحبّتين. قال: أرى أبا جعفر تأوّل الحديث الذي جاء في فصل الوضوء في السّبرات (١٢٠). وكان أول سكناه بقصر زياد وكان سبب خروجه منه أن عبيد الله (١٢١) السلطان أخلى القصر من سكانه المرابطين وجعله مخزنا لعدة البحر، فأخرج كلّ من في القصر غير أبي جعفر القمودي ما جسر عليه أحد (١٢٢) يخرجه فأقام به مدة وحده وهو يظن أنه عامر بأهله لانفراده في بيته وشغله بعبادة ربه، فخرج يوما يتوضأ للصلاة فتأمل القصر فرآه خاليا لا أنيس به، فقال: ما بال الناس؟ فقيل له: أخرجوا ولم يبق [فيه] (١٢٣) غيرك، فقال: وما الفرق بيني وبين إخواني المسلمين؟ فأخذ ركوته وجلدا مصوّفا كان عنده وخرج إلى قصر الطوب المجاور لمدينة سوسة فبلغ خروجه أبا جعفر الأربسي، وكان فقيها [متعبدا، وأبا قحطان قائدا أخاه، وكان فقيها] (١٢٣) وغيرهما من أهل العلم والخير، فخرجوا إليه إلى قصر الطوب، فلما وصلوا سألوا عنه رجلا كان يخدمه فقال لهم: لي أربع عشرة سنة أخدمه ما رأيته قط وجد راحة في النهار (إلاّ الساعة) (١٢٤) وقد نعس، فاقعدوا (فقعدوا) (١٢٤) ساعة حتى قام من نعسته، فسألوه ورغبوا إليه (في) (١٢٤) أن يرجع معهم وسأله كلّ إنسان منهم أن يكون عنده، فقال لهم: دعوني مع صاحبي (١٢٥) -يعني أبا جعفر الأربسي-فرجع أبو جعفر وأبو قحطان ولدا سعدون

стр. 796

بأبي جعفر إلى دراهما، فأقام ساكنا بها معهما إلى أن مات-﵁ وأرضاه-/فدارهم تعرف بدار الشيوخ إلى الآن بمدينة سوسة. قال أبو عبد الله محمد (١٢٦) بن عمرون السوسي (١٢٧): كان ببلدنا أبو جعفر القمودي، فكان يشبّه بالعابدين في الكدّ والاجتهاد في العبادة وكان له ذكر بالمشرق (١٢٨) والمغرب، فقال ذات يوم لأصحابه، لما دخلوا عليه: اتقوا الغيبة، فإنه اغتيب عندي رجل، فلم أساعدهم ولا أنهاهم فنمت، فأتاني آت [في منامي] (١٢٩) وفي يده (١٣٠) طبق فيه لحم، فقال: يا أحمد كل هذا اللحم، إن هذا الدين مثل العين غبارة تعكرها، فقال أصحابه: نبه والله الشيخ من ليلته. قيل لبعض أهل الرقة: من أشجع الناس-قال: من جاهد الشيطان عن طاعة ربه، واحترس من ورود خواطر الهوى على قلبه. حدث أبو محمد عبد الله بن يقظان السوسي قال: قدم أخوان من تجار أهل الأندلس (في مركب) (١٣١) فوقعوا في مدينة عبيد الله، فغصب متولي الموضع رحلهم، فطلبوا إليه أن يردّ إليهم شيئا منه فأبى، فقال أحدهم للآخر: امض [بنا] (١٣٢) إلى عبّاد المنستير نسألهم في الدعاء فإن الله يجيب دعاءهم، فأتى الرجل إلى/المنستير فسأل شيوخها فدعوا له ثم قالوا له (١٣٣): امض إلى سوسة إلى أبي جعفر القمودي فدعاؤه مستجاب، إن شاء الله تعالى، فإن تعذّر عليك الدخول إليه فارفع صوتك وقل: أنا رجل مضطر جئت أسأل في الدعاء فمنعت (١٣٤) وحجبت. قال أبو محمد: وكذا كان شأنه، قل ما يفتح لأحد إلاّ

стр. 797

أن يحتال عليه بمثل هذا لأنه كان مشغولا (١٣٥) بصلاته وتلاوته، فوصل إليه الرجل وقرع بابه فلم يؤذن له ففعل ما أمره (١٣٦) به الشيوخ، فسمعه أبو جعفر فخرج إليه فقال له: أيّ يوم هذا؟ فقال له: يوم الجمعة، فقال له: فأيّ شهر هذا؟ فقال له: شهر رمضان، فقال له: ففي شهر رمضان في يوم الجمعة (يتكلم الناس) (١٣٧)؟ ثم قال (١٣٨): أي شيء خبرك؟ فقصّ عليه قصّته، فقال له: اذهب تكف (١٣٩) إن شاء الله تعالى، فخرج الرجل من عنده (١٤٠) فأقام يومه بسوسة ثم انصرف إلى المنستير فلقيه رجل يعرفه فقال له: هاهنا رجل يسأل عنك، فالتمسه، فإذا به (١٤١) أخوه فقال له: [ايه] (١٤٢) ما كان من أمرك؟ فقال له: قد فرّج الله عنا ودفع (١٤٣) إلينا رحلنا كلّه وخرجت مبادرا لك (١٤٤) /لأسرك بذلك. وذكر من يوثق به من الشيوخ: أن رجلا من كتامة اعتدى على رجل من بادية سوسة وخاف على نفسه الموت فدلّه رجل من إخوانه على رجل من أهل سوسة يعرف بابن طاوس-وكان من الفضلاء الأجلاء-فأتاه فشكا إليه ما حلّ به. فقال له: امض إلى أبي جعفر القمودي فاشك ما نزل بك إليه، فقال له: ما أعرف داره، فقال له: أنا أبعث [معك] (١٤٥) من يريك داره ولكن إذا قرعت الباب قف وتأنّ، فإنّ فتح لك وإلاّ فاقرع ثانية وقف وتأن، فإن فتح لك فاذكر قصّتك وإن لم يفتح فقل (١٤٦) ما أقول لك: أتيناكم نرجو

стр. 798

بركة دعائكم غلقتم في وجوهنا أبوابكم باب الله أقرب إلينا من أبوابكم ثم قف. قال الرجل فمضيت وقرعت الباب وتأنيت فلم يؤذن لي، فقلت ما قال لي ابن طاوس ثم وقفت حتى سمعت (١٤٧) حركة الباب ففتحه أبو جعفر ثم قال لي: سلام عليك، فرددت/﵇ ثم قال لي: مالك؟ فقلت له: جرى (عليّ) (١٤٨) كذا وكذا فرأيته حرّك شفتيه ثم قال لي: انصرف لعلّ الله يكفيك أمره فانصرفت فلما كان الغد (١٤٩) خرجت إلى باب القبلة أستمع الأخبار حتى رآني قوم من أهل منزلي، فقالوا لي: اخرج إلى المنزل (١٥٠) ولا تقعد، فقلت كيف أجد الخروج إليه (١٥١) وأنتم تعلمون (١٥٢) ما جرى؟ فقالوا (١٥٣): لما كان بالأمس في الوقت الفلاني. ووصفوا الوقت الذي اجتمعت (١٥٤) فيه مع أبي جعفر، أصاب الكتامي أمر من الله فمات، فخرجت إلى الموضع فوجدته ميّتا. وأتى رجل مضطر نزلت به نازلة إلى أبي الحسين الكانشي (١٥٥) ﵁-بالمنستير يسأله في الدعاء، فقال له: امض إلى مدينة سوسة إلى أبي جعفر القمودي، وذلك في شهر رمضان، فإذا قرعت بابه ولم يفتح لك فأعد

стр. 799

القرع وقل: نأتي (١٥٦) مضطرين وقد اقرحنا ونزلت النوازل بنا إلى قوم رغبة في دعائهم، فغلقوا أبوابهم في وجوهنا، اللهم لا تغلق أبواب رحمتك عنا، وارفع بذلك صوتك حتى يسمعك/قال: فلما وصل الرجل فعل (١٥٧) كما أمره أبو الحسين، فلما سمعه أبو جعفر نزل إليه، فقال له، بخفض صوت، أي يوم هذا؟ فقال له: يوم الجمعة، فقال له: وأي شهر هذا؟ فقال له: شهر رمضان، فقال له: في (١٥٨) [يوم] (١٥٩) جمعة في شهر رمضان يكلم الناس الناس ويرفعوا أصواتهم؟ فقال له: أنا رجل مضطر، فقال: ما خبرك؟ فقال (١٦٠) له غلام ابن أبي سعيد الضيف (١٦١) وكيل المنزل الذي أنا فيه (١٦٢) حل عليّ (١٦٣) منه كذا وكذا، فهربت منه بروحي وأسلمت أهلي وولدي ومالي في يديه فقال له أبو جعفر: كفاك الله مؤونته وأقلبك (١٦٤) بمغفرته، فمضى الرجل فلجأ إلى جامع سوسة (١٦٥)، فهو في اليوم الثاني جالس (١٦٦) في الجامع حتى رأى رجلا (١٦٧) من أهل منزله يدور عليه (١٦٨)، فلما التقى معه [قال] (١٦٩): أبشر فقد مات الوكيل،

стр. 800

فقال له: وكيف ذلك؟ فقال: هو بالأمس في أحسن ما مرّ به حتى ضربته حية، فهو في النزع (١٧٠) إلى البارحة، (فلما كانت البارحة) (١٧١) مات. فقال له: أيّ وقت ضربته الحية بالأمس؟ فوصف له الوقت (فإذا هو الوقت) (١٧١) الذي مضى هو فيه إلى أبي جعفر (١٧٢) ودعا له فيه. وذكر بعض أهل العلم: أنّ رجلا من أهل سوسة نقم عليه عبيد الله في أمر بلغه عنه من البغضة (١٧٣) لهم والنكير عليهم، فرفعوه من سوسة إلى مدينة عبيد الله وسجنوه في دار البحر (١٧٤)، وكان أبو جعفر ممّن يعرفه، فأتى أهله إلى أبي جعفر [القمودي] (١٧٥) فعرّفوه، فقال لهم: يكف (١٧٦) المؤونة إن شاء الله تعالى ويخلص (١٧٧). فهم في الغد (١٧٨) جلوس حتى أتاهم الرجل المعقول فقيل له: كيف كان سبب خلاصك؟ فقال: كنت في العقلة (١٧٩) حتى بعث السلطان ورائي ليلا، فقال: أنت فلان بن فلان؟ فقلت: نعم. فقال لي: اذهب إلى بلدك فإنه (١٨٠) وقف بي هاتف فقال لي: اترك فلانا الساعة وإلاّ تهلك (١٨١) الآن، وقال لي: انصرف إلى موضعك الساعة، قال: فانصرفت إليكم. وكان بسوسة رجل يقال له شبلون وكانت (له) (١٨٢) والدة أقامت مقعدة

стр. 801

ثلاث عشرة سنة قال شبلون: وكانت لي أخت قد سئمت من طول الخدمة وملّت وخشيت أن تدعها فتبقى منقطعة (١٨٣) وحدها، فأتيت أبا جعفر فشاورته (١٨٤) في التزويج رجاء معونتها لأختي وخلفا منها إن غابت، فأشار بترك التزويج فألححت عليه، فقال: أرجو أن أمّك ستفتح لك الباب عند إتيانك إليها (قال) (١٨٥) فانصرفت من مجلسه وما أطقت القعود (فيه) (١٨٥) سرورا (١٨٦) منّي بما وعدني (به) (١٨٧) حتى (أتيت) (١٨٧) الدار، فقرعت الباب، فإذا بأمّي قد فتحت الباب فقلت: ما هذا؟ فقالت: والله يا بني ما أدري إلاّ أنه لمّا قرعت الباب كأنّ ماسحا مسح على ظهري، فقمت كما ترى وقد ذهب عنّي كلّ ما كنت أجده من العلّة. وكان قد حماه الله من مشتبه الطعام واللباس فما عافته نفسه تركه وما طابت [له] (١٨٨) نفسه [قبله. وجرى مثل ذلك لجماعة من الصالحين مثل المحاسبي (١٨٩) وغيره] (١٨٨). ذكر أن رجلا اسمه عبيد (١٩٠) كان يخدم أبا جعفر قال: فقال لي ذات يوم: اشتر لي جلالة (١٩١)! قال عبيد: فاشتريتها من قوم من أهل النورين (١٩٢)،

стр. 802

قرية بقرب سوسة. ثم أتيته بها، فقال لي: دعها في ذلك الموضع، قال عبيد: ثم عدت إليه فقال لي: إن هذه الجلالة (١٩٢) (التي اشتريتها) (١٩٣) ما طابت نفسي لها (١٩٤) أخرجها عني، فخرجت بها فسألت أهل القرية عن الذين باعوها منّي. فقالوا: إنهم شباب استأجروا (١٩٥) أنفسهم في غنم يرعونها فيأخذون (١٩٦) من صوفها بغير إذن أربابها فما اجتمع عندهم من ذلك أعطوه إلى أمّهم (١٩٧) فتعمله لهم ثم يبيعونه (في السوق) (١٩٨)، فعلمت أن الله حمى أبا جعفر منها. ودخل عليه رجلان فعطف على أحدهما، فقال له/الرجل: بقي على شيء من زكاة مالي لم أخرجه بعد، ثم مضى من عشيته تلك (١٩٩) فأخرج ما بقي عليه وعاد من غد ذلك اليوم، فلما جلس التفت إليه، فقال له-بعد توبيخ-أرباع وأثمان، أي أخرجتها (٢٠٠) أرباعا وأثمانا، أي ربع درهم وثمن درهم، كأنه بالشدة (٢٠١). وكان ﵀، على ما جمع الله فيه من خلال الخير، لا يرى لنفسه قدرا، ذكر الحسن (٢٠٢) أبو محمد بن أبي العباس الأجدابي قال: نظر أبو جعفر إلى شاب كان يخدمه وعليه كآبة مغموم فقال له: مالك يا بني؟ فقال له: قلبي ما وجدت منه ما أحب، فقال له أبو جعفر: عمّك أحمد (يعني بأحمد نفسه) (٢٠٣) له تسعون سنة ما له قلب، تحب أنت أن يكون لك قلب. (حدثنا) (٢٠٣) أبو حفص عمرون بن محمد السوسي [قال: بينما أبو علي الحسن

стр. 803

ابن نصر السوسي] (٢٠٤) بمجلس قضائه في جامع مدينة سوسة-عمرها الله-إذ دخل عليه أبو جعفر القمودي وقد ارتدى برداء صوف فسلم عليه فأدناه وقرّب مجسله وأقبل عليه [يحدثه] (٢٠٤) ثم سأله أبو جعفر في رجل سجنه الحسن وقال له: إن له والدة قد أكثرت من البكاء عليه، وشفع له عنده (٢٠٥)، فقال له الحسن: سجنته في حق لغيري وليس [هو] (٢٠٦) لي وامتنع من تخليته فانصرف أبو جعفر وقد وجد في نفسه، فلما حاذى الماجل (٢٠٧) عاتب نفسه ووبّخها بأن قال لها: بأي شيء تجدين على الحسن وهو أعلم منك وأفضل، وقد قضى بالحق، ثم تحرّج من موجدته وعاد وما استطاع المضي حتى رجع إليه مبادرا من عند الماجل فعرّفه (٢٠٨) بما حدثته نفسه، ثم قال له: نعم ما فعلت إذ لم تتركه، جازاك (الله) (٢٠٩) خيرا عن نفسك وعني، ففعلك هو الحق والصواب ولكن مخالفة النفوس فيها مشقة. ثم تزايد (٢١٠) حاله إلى أن بلغ الغاية من الكدّ والاجتهاد في العبادة، ولمّا مات رحمه الله تعالى وجد الناس جسمه قد اخضرّ مما نهكته (٢١١) العبادة. ونفر الناس إليه من القيروان (لمّا بلغهم موته) (٢١٢) من صلاة الظهر إلى العشاء الآخرة فأتوا باب سوسة سحرا، فقال البوابون: لم يمت، فانتظر الناس إلى طلوع الشمس، فمات رحمه الله تعالى. وقدم سعدون الخولاني مع أهل القصور في عدد عظيم وقد أشرق بنور الله الفحص من نور وجوههم من قيام الليل وصيام النّهار، فدخل عليه سعدون الخولاني، وأبو جعفر مسجّى، وأبو عبد الله الحذّاء (٢١٣) يقرأ عند رأسه:

стр. 804

الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (٢١٤) فصاح الخولاني وبكى وقال: يا أحمد أنت والله من الطيّبين، ثم قال لهم: رأيت البارحة قصورا في طرف المقابر مملوءة بالجوهر والياقوت وفيها جوار ما رأيت مثلهن ورأيت قبابا وأبوابا قد فتحت في السماء ونورا عظيما، فقلت: لمن هذا؟ فقالت (جارية منهن) (٢١٥): هذا للعروس (٢١٦) الذي يخرج غدا من سوسة، فغسّل ثم قام الناس يودّعونه وصلّوا عليه. ورئي أبو جعفر الأربسي في المنام فقيل له: كيف حالك؟ فأخبر بخير فقيل له: فأبو جعفر القمودي صاحبك؟ فقال: ذاك ما أقام في قبره غير ليلة (واحدة) (٢١٧) ثم رفع فما جاز بنا إلاّ كالبرق-رحمه الله تعالى-. ويذكر عن محمد بن يحيى الصيقل-وكان رجلا صالحا-انه قال: كانت عندي زوجة، فخاصمتني (٢١٨) مخاصمة شديدة وسفهت (عليّ حتى أشرفت) (٢١٩) على طلاقها، فتذكّرت أنّ لي منها نشبا (٢٢٠)، فأمسكت عن ذلك، فخرجت عنها يوما وأنا مغضب شديد الهمّ، فأتيت مسجد دمنة سوسة، فركعت فيه ركعات/ثم حدثتني نفسي أن أمضي إلى «قبور الشهداء» (٢٢١) الذين عند «قبة الرمل»، فأتوسل إلى الله تعالى بهم في خلاصي منها، فأتيت إلى «قبور الشهداء» فوقفت بين قبرين فتوسّلت بهما إلي الله وسألته أن يصلح عليّ زوجتي أو يخلّصني منها وأكثرت الدعاء والتضرع ثم نمت في ذلك الموضع حتى استحرّت (٢٢٢) الشمس عليّ، فمر (٢٢٣) بي رجل من إخواني فأنبهني (٢٢٤) وقال لي: ها

стр. 805

هنا تنام؟ فقلت: نعم، فقال لي: وما قصّتك؟ وما الذي أتى بك إلى هاهنا؟ فأخبرته بالقصة، فقال لي: والصالحين (٢٢٥) [إنك] (٢٢٦) تكذبني (٢٢٧)، فقلت له: والله [ما كذبت و] (٢٢٨) لقد صدقتك، فقال لي: يا أخي ومن كان بينه وبين زوجته شيء تطيّبه؟ فقلت له: والله ما طيّبتني، فقال لي: شمّ ثيابك فشممت رائحة طيب لم أر أطيب منه رائحة، فعجبت من ذلك وقلت من أين جاءني هذا الطيب؟ فأقبل الرجل (وهو) (٢٢٩) يدور في المقابر (٢٣٠) بعينيه ويشتمّ الرائحة فإذا بطاق (٢٣١) صغير في القبر، فاستنشق منه رائحة الطيب، فقال: من (ها) (٢٣٢) هنا علق بك الطيب ثم سدّ ذلك الموضع بماء البحر والرمل، ثم قال لي: سألتك بالله لا تدلّ الناس على القبر فينبشونه (٢٣٣) [ثم قال] (٢٣٤): أتدري (٢٣٥) قبر من هذا؟ قلت: لا، قال هذا قبر/أبي جعفر القمودي المتعبد، فعجبت من ذلك ثم مضيت إلى السوق فاشتريت شيئا وأتيت به الدار، فقرعت الباب، فقالت زوجتي (٢٣٦): من هذا؟ فقلت: افتحي، فقالت: نعم يا سيدي ومولاي حبّا وكرامة فقلت في نفسي: انقلبت العين لأني (٢٣٧) لم أعتد منها هذا قبل ذلك، فلما فتحت [الباب] (٢٣٨) أقبلت عليّ تعانقني وتقول لي: ما هذه العداوة التي بيني وبينك؟ مضيت إلى القمودي وشكوتني إليه؟ فقلت لها: وكيف ذلك؟ قالت

стр. 806

بعد ما خرجت عنّي بساعة أخذتني عيني، فنمت، فدخل عليّ من هذا الباب خمسة (٢٣٩) رجال، فقال أحدهم: خذوها، فابتدرني (٢٤٠) اثنان منهم فقبضا علي وشدّاني بالقيد (٢٤١) وعنفا عليّ، ثم قال للاثنين الباقيين (٢٤٢): اضرباها سوطين سوطين على القلب وسوطين على الكلى، فأخذا سوطين من نار ورفعاهما (٢٤٣) ليضرباني بهما، فأقبلت أتضرّع إلى الشخص الذي أمرهما بذلك وأقول له: سألتك بالله لا تضربني حتى تخبرني ما الذنب (الذي) (٢٤٤) استوجبت به هذا (الضرب العظيم) (٢٤٤)، فقال لي: أو ما علمت ذنبك؟ فقلت: لا، فقال لي: أسأت عشرة بعلك وآذيته (٢٤٥) بلسانك فشكاك إلى أبي جعفر القمودي/فرفع أبو جعفر القمودي القصة إلى الله ، فأمرنا فيك بما ترين (٢٤٦)، فقلت (٢٤٧): قد تبت إلى الله عن جميع ذلك، فو الله لا عصيت الله تعالى فيه أبدا، فقال لهم: دعوها فإن عادت إلى الذنب عدنا للعقوبة، ثم انتبهت. قال: وكان سبب بداية أبي علي منصور (٢٤٨) بن عباس-﵁ على ما ذكر أبو بكر أحمد بن يحيى المتعبد-رحمه الله تعالى-أن أهل منزله خرجوا إلى المنستير ليصلّوا عاشوراء (٢٤٩) وخرج شباب المنزل، قال منصور: فخرجت معهم، وأنا حدث السن، فوصلنا وصلّينا عاشوراء بها، ثم رجعنا فمررنا بسوسة، وكان المذكور بها أبا جعفر (٢٥٠) القمودي، وكان لا يصل إليه

стр. 807

أحد إلاّ بعد صلاة العصر وكان له صاحب من العلماء يقال له أبو جعفر الأربسي، فقلت له: كيف السبيل إلى رؤية الشيخ أبي جعفر، فقال لي: اذهب إلى باب حجرته، فإن وجدته غير مطبق [فحرك الباب وإن وجدته مطبقا (٢٥١) فارجع، قال منصور: فمضيت فوجدت الباب غير مطبق] (٢٥٢)، فاستأذنت وسلمت، فقال [لي] (٢٥٢): ادخل، فلما دخلت [عليه] (٢٥٢) أقبل عليّ واستبشر وقال: تقدم إليّ، فلما قربت منه قال لي: أنت منصور (٢٥٣) بن عباس؟ قلت: نعم، ولم يكن رآني قبل ذلك، وجعل يده على قلبي وقرأ عليه وقال: شرح الله صدرك مع كلمات غير ذلك، ثم قال لي: الزم «جبل زغوان» (٢٥٤) فإنك تجبر به، قال: فرجعت إلى المنزل فوجدت لدعائه في قلبي نورا فلزمت «الجبل» فعادت علي بركة دعوته ووصيته-﵁. وفيها (١) توفي: ٢١٦ - أبو الفضل يوسف بن مسرور (٢) مولى نجم (٣) الصيرفي (*) ودفن بقصر الجديد (٤)، وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين ومائتين.

стр. 808

قال أبو عبد الله الخراط: كان (٥) كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صالحا، فاضلا، ثقة. ألّف في الأحمية كتابا وما يجب على سكان الحصون [أن يعملوا به، فكان سكان الحصون] (٦) يبغضونه لذلك ويؤذونه (٧). سمع من يحيى بن عمر ومن فرات بن محمد العبدي وغيرهما. كان (٨) يخبز قوته فيثرده وهو سخن بالزيت ويجعله في إناء ويفطر كل ليلة (٩) على شيء يسير منه، وكان يسرد الصيام طول عمره، وأقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته مصباحا. قال يونس القفصي: كنت أرى له قدرا موضوعة في مكان واحد وإلى جانبها حطب موضوع، أقمت زمانا أراها، فرفعت يوما الغطاء عنها/فإذا هي مملوءة بالعنكبوت. قال يونس (١٠): وكنت إذا رابطت لم أزل ملازما [له] (١١) أتبرك بخدمته ومحادثته، وذلك في المنستير قبل خروجه إلى قصر سهل، فإني لجالس عنده إذ أخرج لي (١٢) دقيقا، فأمرني بصدقته، ففعلت، ثم أخرج إليّ خبزا وأمرني بصدقته، ففعلت، ثم قال لي: لقد ضاقت نفسي من هذه الويبة (١٣)، لي اليوم منذ طبختها ستون يوما. قال يونس: فقدّرت أنه كان فيما فرقته (١٤) من دقيق وخبز مثل ثمنين قمحا (١٥)، فكان قوت الشيخ في الستين يوما (الذي ذكر) (١٦) ثمنين قمحا (١٥).

стр. 809

وذكر (١٧) عنه أنه لم يكن في بيته غير كتبه وجلد صوف (١٨) وركوة معلقة وتاسومة (١٩). قال يونس (٢٠): قال لي يوما: يا بني إنما يريد البقاء في الدنيا من كان يتلذذ بالطعام [والشراب] (٢١) والنوم والنساء، وأنا والله قد عدمت شهوة الثلاث فما شهوتي بعد في المقام. قال (٢٢): ما رأيت أحدا أسر بالموت منه. وكان يقول: والله لو أعلم [أن] (٢٣) أحدا تجاب دعوته لسألته أن يسأل الله تعالى لي في الموت، فقلت له: أصلحك الله، أو تحب أن تموت؟ فقال: وكيف لا أحب الخروج (٢٤) من دار فيها الفتن وإبليس ... وكذا ... وكذا ... إلى دار أرجو فيها (٢٥) الاجتماع مع محمد صلّى/الله عليه وسلم. [ف] تحدّث (٢٦) أبو علي حسن بن فتحون على أثر ذلك قال: أنا أعلم سبب موته: كنت يوما جالسا عند أبي محمد البرقي حتى دخل عليه أبو الفضل، فقال له: إن شئت تدعو ونؤمن أو ندعو وتؤمن، فقال: أي ذلك شئت، فأخذ أبو الفضل في الدعاء وأخذ الآخر يؤمن (٢٧) على دعائه يسألان الله تعالى في الموت، فما أتى بعد ذلك شهر حتى مات أبو الفضل ثم شهر آخر بعده (٢٨) حتى مات أبو محمد (٢٩).

стр. 810

قال (٣٠) أبو الربيع سليمان (٣١): أخبرني فتحون القصري، قال: نزلت على أبي الفضل-﵁-فحملت إليه هدية: عسلا وسميدا وكعكا، فوضعت ذلك بين يديه (فقال لي: ما هذا) (٣٢)! قلت له: هدية مني إليك-أصلحك الله-فقال: يا أبا نصر أسأل الله أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون (٣٣) سنة ما أكلت شيئا من هذه الطرائف التي أتيت بها إنما وظيفتي من الشهر (٣٤) إلى الشهر (٣٤) بقيراط شعير، وإنما ينعم الناس ويأكلون (٣٥) غدا، لم أسكن هذه الحصون لآكل بديني، فيقال: فلان الصالح يهدى إليه، فرّقها يا أبا نصر على الضعفاء [ففعلت] (٣٦) فأخرجت له خريطة فيها دراهم/فقلت له: يا سيدي يا أبا الفضل فرّق هذه على من يستحقها؟ فقال لي: ما أفعل إنما (٣٧) أفرق مالي، وأمّا مالك فأنت تسأل عنه يوم القيامة. ويذكر (٣٨) عنه أنه خرج يوما من سوسة يريد المنستير فمرّ بطفل صغير يبكي بدموع حارّة مع أمّه، وقد حاذت به حانوتا لرجل بين يديه سفنج (٣٩) فقال لأم الطفل: ما لهذا الصبيّ يبكي؟ فقالت له: مشيت وهو معي، فلمّا رأى هذه اشتهاها (٤٠) وقال لي: اشتر لي منها، فقلت له: يفتح الله وأشتري لك) (٤١)، ولطفت به (٤٢)، فجعل يبكي (٤٣) كما ترى، فقال لها: أبوه حيّ أو
следующие страницы →