← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بعد ما خرجت عنّي بساعة أخذتني عيني، فنمت، فدخل عليّ من هذا الباب خمسة (٢٣٩) رجال، فقال أحدهم: خذوها، فابتدرني (٢٤٠) اثنان منهم فقبضا علي وشدّاني بالقيد (٢٤١) وعنفا عليّ، ثم قال للاثنين الباقيين (٢٤٢): اضرباها سوطين سوطين على القلب وسوطين على الكلى، فأخذا سوطين من نار ورفعاهما (٢٤٣) ليضرباني بهما، فأقبلت أتضرّع إلى الشخص الذي أمرهما بذلك وأقول له: سألتك بالله لا تضربني حتى تخبرني ما الذنب (الذي) (٢٤٤) استوجبت به هذا (الضرب العظيم) (٢٤٤)، فقال لي: أو ما علمت ذنبك؟ فقلت: لا، فقال لي: أسأت عشرة بعلك وآذيته (٢٤٥) بلسانك فشكاك إلى أبي جعفر القمودي/فرفع أبو جعفر القمودي القصة إلى الله ، فأمرنا فيك بما ترين (٢٤٦)، فقلت (٢٤٧): قد تبت إلى الله عن جميع ذلك، فو الله لا عصيت الله تعالى فيه أبدا، فقال لهم: دعوها فإن عادت إلى الذنب عدنا للعقوبة، ثم انتبهت. قال: وكان سبب بداية أبي علي منصور (٢٤٨) بن عباس-﵁ على ما ذكر أبو بكر أحمد بن يحيى المتعبد-رحمه الله تعالى-أن أهل منزله خرجوا إلى المنستير ليصلّوا عاشوراء (٢٤٩) وخرج شباب المنزل، قال منصور: فخرجت معهم، وأنا حدث السن، فوصلنا وصلّينا عاشوراء بها، ثم رجعنا فمررنا بسوسة، وكان المذكور بها أبا جعفر (٢٥٠) القمودي، وكان لا يصل إليه

стр. 807

أحد إلاّ بعد صلاة العصر وكان له صاحب من العلماء يقال له أبو جعفر الأربسي، فقلت له: كيف السبيل إلى رؤية الشيخ أبي جعفر، فقال لي: اذهب إلى باب حجرته، فإن وجدته غير مطبق [فحرك الباب وإن وجدته مطبقا (٢٥١) فارجع، قال منصور: فمضيت فوجدت الباب غير مطبق] (٢٥٢)، فاستأذنت وسلمت، فقال [لي] (٢٥٢): ادخل، فلما دخلت [عليه] (٢٥٢) أقبل عليّ واستبشر وقال: تقدم إليّ، فلما قربت منه قال لي: أنت منصور (٢٥٣) بن عباس؟ قلت: نعم، ولم يكن رآني قبل ذلك، وجعل يده على قلبي وقرأ عليه وقال: شرح الله صدرك مع كلمات غير ذلك، ثم قال لي: الزم «جبل زغوان» (٢٥٤) فإنك تجبر به، قال: فرجعت إلى المنزل فوجدت لدعائه في قلبي نورا فلزمت «الجبل» فعادت علي بركة دعوته ووصيته-﵁. وفيها (١) توفي: ٢١٦ - أبو الفضل يوسف بن مسرور (٢) مولى نجم (٣) الصيرفي (*) ودفن بقصر الجديد (٤)، وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين ومائتين.

стр. 808

قال أبو عبد الله الخراط: كان (٥) كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صالحا، فاضلا، ثقة. ألّف في الأحمية كتابا وما يجب على سكان الحصون [أن يعملوا به، فكان سكان الحصون] (٦) يبغضونه لذلك ويؤذونه (٧). سمع من يحيى بن عمر ومن فرات بن محمد العبدي وغيرهما. كان (٨) يخبز قوته فيثرده وهو سخن بالزيت ويجعله في إناء ويفطر كل ليلة (٩) على شيء يسير منه، وكان يسرد الصيام طول عمره، وأقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته مصباحا. قال يونس القفصي: كنت أرى له قدرا موضوعة في مكان واحد وإلى جانبها حطب موضوع، أقمت زمانا أراها، فرفعت يوما الغطاء عنها/فإذا هي مملوءة بالعنكبوت. قال يونس (١٠): وكنت إذا رابطت لم أزل ملازما [له] (١١) أتبرك بخدمته ومحادثته، وذلك في المنستير قبل خروجه إلى قصر سهل، فإني لجالس عنده إذ أخرج لي (١٢) دقيقا، فأمرني بصدقته، ففعلت، ثم أخرج إليّ خبزا وأمرني بصدقته، ففعلت، ثم قال لي: لقد ضاقت نفسي من هذه الويبة (١٣)، لي اليوم منذ طبختها ستون يوما. قال يونس: فقدّرت أنه كان فيما فرقته (١٤) من دقيق وخبز مثل ثمنين قمحا (١٥)، فكان قوت الشيخ في الستين يوما (الذي ذكر) (١٦) ثمنين قمحا (١٥).

стр. 809

وذكر (١٧) عنه أنه لم يكن في بيته غير كتبه وجلد صوف (١٨) وركوة معلقة وتاسومة (١٩). قال يونس (٢٠): قال لي يوما: يا بني إنما يريد البقاء في الدنيا من كان يتلذذ بالطعام [والشراب] (٢١) والنوم والنساء، وأنا والله قد عدمت شهوة الثلاث فما شهوتي بعد في المقام. قال (٢٢): ما رأيت أحدا أسر بالموت منه. وكان يقول: والله لو أعلم [أن] (٢٣) أحدا تجاب دعوته لسألته أن يسأل الله تعالى لي في الموت، فقلت له: أصلحك الله، أو تحب أن تموت؟ فقال: وكيف لا أحب الخروج (٢٤) من دار فيها الفتن وإبليس ... وكذا ... وكذا ... إلى دار أرجو فيها (٢٥) الاجتماع مع محمد صلّى/الله عليه وسلم. [ف] تحدّث (٢٦) أبو علي حسن بن فتحون على أثر ذلك قال: أنا أعلم سبب موته: كنت يوما جالسا عند أبي محمد البرقي حتى دخل عليه أبو الفضل، فقال له: إن شئت تدعو ونؤمن أو ندعو وتؤمن، فقال: أي ذلك شئت، فأخذ أبو الفضل في الدعاء وأخذ الآخر يؤمن (٢٧) على دعائه يسألان الله تعالى في الموت، فما أتى بعد ذلك شهر حتى مات أبو الفضل ثم شهر آخر بعده (٢٨) حتى مات أبو محمد (٢٩).

стр. 810

قال (٣٠) أبو الربيع سليمان (٣١): أخبرني فتحون القصري، قال: نزلت على أبي الفضل-﵁-فحملت إليه هدية: عسلا وسميدا وكعكا، فوضعت ذلك بين يديه (فقال لي: ما هذا) (٣٢)! قلت له: هدية مني إليك-أصلحك الله-فقال: يا أبا نصر أسأل الله أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون (٣٣) سنة ما أكلت شيئا من هذه الطرائف التي أتيت بها إنما وظيفتي من الشهر (٣٤) إلى الشهر (٣٤) بقيراط شعير، وإنما ينعم الناس ويأكلون (٣٥) غدا، لم أسكن هذه الحصون لآكل بديني، فيقال: فلان الصالح يهدى إليه، فرّقها يا أبا نصر على الضعفاء [ففعلت] (٣٦) فأخرجت له خريطة فيها دراهم/فقلت له: يا سيدي يا أبا الفضل فرّق هذه على من يستحقها؟ فقال لي: ما أفعل إنما (٣٧) أفرق مالي، وأمّا مالك فأنت تسأل عنه يوم القيامة. ويذكر (٣٨) عنه أنه خرج يوما من سوسة يريد المنستير فمرّ بطفل صغير يبكي بدموع حارّة مع أمّه، وقد حاذت به حانوتا لرجل بين يديه سفنج (٣٩) فقال لأم الطفل: ما لهذا الصبيّ يبكي؟ فقالت له: مشيت وهو معي، فلمّا رأى هذه اشتهاها (٤٠) وقال لي: اشتر لي منها، فقلت له: يفتح الله وأشتري لك) (٤١)، ولطفت به (٤٢)، فجعل يبكي (٤٣) كما ترى، فقال لها: أبوه حيّ أو

стр. 811

ميت؟ فقالت له: بل مات وهو يتيم كما ترى (٤٤)، (والطفل في ذلك كله يبكي بكاء شديدا) (٤٥)، وكانت شدّة ومجاعة، فأخذ بيد الطفل وقال لصاحب الدكان: خذ هذا المنديل، ونزعه عن رأسه ورمى به إليه، وأطعم هذا الطفل حتى يشبع، وادفع إلى أمه كذا وكذا، فقال له صاحب الدكان: خذ ما شئت حتى تأتي بما عليك، فقال له: ما أحب ذلك إلا برهن، ومضى حاسر الرأس إلى القصر. وذكر (٤٦) عنه أنه اشتهى تينا أخضر، فسمعه إنسان يذكر/ذلك فمضى إلى السوق فاشتراه له وأتى به إليه، فلما رآه أبو الفضل من بعيد قال له: اذهب عنّي، فراع (٤٧) الرجل ذلك، ورجع إلى صاحب التين، فقال له: أحب أن تقيلني من هذا التين لأن (٤٨) الذي اشتريته له لم يرده، فقال له: ومن هو؟ فقال له: أبو الفضل (٤٩) مولى نجم، فقال: ولمثل أبي الفضل (٥٠) يصلح هذا (التين) (٥١) فقلت له: (٥٢): ولم ذلك؟ قال: لأنه لرجل (٥٣) كتامي (٥٤)، سخّر عليه (٥٥) أهل المنزل، حرثوه (٥٦) اثنتي (٥٧) عشر سكة في أرض مغصوبة، قال: فأتى الرجل إلى أبي الفضل فدخل عليه فلم يقل له شيئا ولا قال (٥٨): اذهب عنّي كما قال أول

стр. 812

مرة، فقال له (٥٩): أليس اشتهيت التين؟ فقال له: نعم، فقال له: ولم رددتني به؟ فقال له: وأيش (٦٠) [كان] (٦١) معك؟ والله ما خيل لي أنه كان معك إلاّ خنزير (٦٢) تقوده، فلذلك صرفتك (٦٣). وذكر (٦٤) عن شيخ معمّر كان بالمنستير اسمه عبد السلام. كانت له بنيّة فمرضت بالجدري، فأتى على بصرها (٦٥) وطلع عليه (٦٦) بياض [فكانت] (٦٧) لا ترى قليلا ولا كثيرا وكان له (٦٨) ابن أخ فرغب فيها، فقالت له أمه وأخواته: تأخذ صبيّة مكفوفة (البصر) (٦٩) ترجع تخدمها؟ قال: فوقع على قلبي/من ذلك أمر عظيم فمضيت إلى المنستير، فوجدت أبا الفضل مولى نجم منعزلا (٧٠) عن الطريق (إلى ناحية) (٧١) ورأسه بين ركبتيه، قال: فرفع رأسه [إليّ] (٧٢) فرآني، فقال لي: عبد السلام فقلت: نعم، فسلّمت عليه، فقال: ما قصتك؟ فأخبرته بخبر الصبية وما على قلبي منها، فقال (٧٣) لي: إذا كان غدا هذا الوقت فاتني بها إلى هذا الموضع قال: فقلت له: نعم، وسلّمت عليه ومضيت، قال: فسمعته وهو يقول: أخطأنا الطريق، ليس هكذا هو، ثم صاح بي فأتيته، فقال: لا تحركها ولا تأت (٧٤) بها، [قد] (٧٥) أتاها الله تعالى بالفرج من حيث لا تدري ولا

стр. 813

تشعر، قال: فمضيت إلى المنستير، ثم رجعت (فأتيت) (٧٦) إلى الدار فوجدت الصبية راقدة (٧٧) (فحركتها) (٧٦) فقامت (إليّ) (٧٦)، ففتحت عينين (٧٨)، والله الذي لا إله إلاّ هو، إنّهما لأجمل (٧٩) مما كانتا قبل الوجع، ليس فيهما قليل ولا كثير، فعادت إلى أفضل ما كانت فيه من الصحة وفرّج الله تعالى عن قلبي بجاه أبي الفضل، وعلمت أنه من أولياء الله تعالى. قال أبو الفضل: -وكتب بخط يده-قال أبو ذر (٨٠) ﵁: «ما زال بي/الأمر (٨١) بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اتخذني الناس عدوّا ومالي (٨٢) إليهم من جرم» (٨٣). قال (٨٤) أبو الفضل: وأنا على ذلك وعلى القيام بالحق والقول به، رماني (٨٥) قوم بسهام المنيّة، وأرادوا أن يقطعوني من الأرض جهالة وحميّة، وحسدا منهم لي وبغيا بلا ذنب ولا جناية، حتى نصرني الله تعالى العالم بكل خفيّة، فصبرت صبر الكرام على ما قضى الله به عليّ من كل بليّة، وتجرّعت مرارات وهانت عليّ في الله، إذ كانت سلّما إلى كلّ عليّة. وكان كثير الحرس على المسلمين (٨٦) فلقد ذكر عنه أنه قال: كنت بسوسة [منذ أربعين سنة] (٨٧) فجاءت مخاوف من العدوّ ومشت (٨٨) [مراكبه] (٨٩) في البحر

стр. 814

فأخذ (٩٠) الوالي أهل سوسة-أصحاب النوالات وغيرهم-بالحرس نوبا، وكان المرابطون في ذلك الوقت قلّة (٩١)، فلما سمع الناس بذلك انجفلوا مقبلين إلى سوسة وكثر الناس، فخرجوا إلى «رملة سوسة» مستعدين حارسين على ذراري المسلمين فإنا ذات ليلة في ذلك نحرس وقد علوت في المحارس وأرى أهل الدّور يمشون في ضوء السّرج حتى جنّ اللّيل/ (عليّ) (٩٢)، فسمعت صبيّة وهي تقول لأمها (٩٣): (يا أماه) (٩٤) قد جاء المرابطون يحرسون علينا قومي بنا نرقد، فأعجبني ما سمعت منها واغتبطت بما فتح الله لي من ذلك، والحمد لله رب العالمين وليّ الحمد وأهله. قال أبو العباس الابياني: لما احتضر أبو الفضل قال لبعض من يقوم بشأنه ويلوذ به: إذا أنا مت وأنزلتموني في لحدي، فسنّوا عليّ التراب سنّا ولا تزيدوا على تراب قبري شيئا، فإني رويت في بعض الآثار: أنه إذا زيد على تراب القبر تراب من غيره لم يسمع الميت الأذان ولم ير الزوار. قال عبد الله ﵁: وكان لأبي الفضل-رحمة الله عليه-كلام في معاني العبادات والحضّ على الكدّ والاجتهاد وصوم (٩٥) النهار وقيام الليل. فمن ذلك ما رواه عنه أبو سعيد خلف بن يزيد النوفلي (٩٦) المتعبد بالمنستير قال: سمعت أبا الفضل يوسف بن مسرور يقول: ينبغي لمن عرف الله تعالى وعقل أمره، أن يرفض نعيم حلال الدنيا من قلبه، ويتجلبب بجلباب حزنه، ويكون كالمريض في نفسه، ويعمل ليوم فقره، وينكسر (٩٧) إلى ربه، ويفرّ عن الشاغلين عنه (٩٨)، ويبكي/إذا خلا على ذنبه،

стр. 815

ويعزم على بغض الدنيا، فيتركها (٩٩) لربه، فذلك الكريم حقا. وقال أيضا: من كشف عن قلبه أمر الدنيا، نظر إلى ثواب نور الآخرة، ومن اليقين ترك ما يرى لما لا يرى. ومن ساس نفسه بالجوع وقي شرها، وخشوع القلب قيد العين عن النظر، وما رأيت لسان واعظ أطول من لسان المقابر، وحرام على قلب يلج ملكوت السماء وهو يجد لذة الطعام، ومن فقد (١٠٠) نفسه وجد ربه. وثلاثة أشياء من أخلاق المرسلين: تعذيب النفس في طاعة الله ، وتحبيب الله إلى خلقه، وتصغير الدنيا. والدنيا تغرّ الجاهل (١٠١) بلذاتها، وتعمّ الصالح بآفاتها. وقال: لست أبكي على نفسي إن ماتت، ولكن أبكي على حاجتي إن فاتت، سيدي قسا قلبي وجهلت أمري، فمن لي إن لم ترحمني؟ سيّدي وفي غربة القيامة من يؤنسني؟ ومن أهوالها من ينقذني؟ سيدي [و] (١٠٢) حوض محمد ﷺ من يوردني؟ وعند الميزان من يحضرني؟ وعلى طريق النجاة من يدلّني؟ وبين العراة الحفاة من يسترني؟ ومن أيدي الخصماء من ينزعني؟ وعلى جسر جهنم من يجيزني (١٠٣)؟ أبعد الإيمان [بك] (١٠٤) إلهي تعذبني؟ يا ليت [أمي] (١٠٤) لم تلدني! إلهي! أأنا (١٠٥) أنسى أياديك عندي! ألست الذي أعطيتني الإسلام الذي ارتضيته! وجنّبتني الأهواء ووفقتني! ألست الذي جمّلتني بالعلم وهديتني! وألبستني ثوب التقى (١٠٦) وأكرمتني! ألست الذي أقلتني وسترتني! فلك الحمد

стр. 816

على ما فضّلتني! وهديتني بنور الهدى ورحمتني. فافزع إلى الله بالسّهر (١٠٧) الطويل في فكاك رقبتك، وانقطع إليه بكل (١٠٨) رغبتك، وابذل في طلب رضاه وما عنده طاقتك، وابك (١٠٩) إذا خلوت على ذنبك، واعلم أن الصلاة ترحّل الأبدان إلى الآخرة [والأعمال] (١١٠) تنزلها منازلها، والبكاء من رهبة الله تعالى يؤمنك من سخطه إن شاء الله تعالى، فقل (١١١) (وأنت حزين) (١١٢). ألا يا عين ويحك فاسعديني ... بسكب (١١٣) الدمع في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي ... بخير الفوز في تلك العلالي وقال: إذا قمت في اللّيل فقل: قمنا لك ونحن متعرضون لجودك [ونوالك] (١١٤) فكم من ذي جرم عظيم/صفحت له عن جرمه، وكم ذي كرب عظيم قد فرّجت له عن كربه، فو عزّتك ما دعانا إلى مسألتك-بعد الذي انطوينا عليه من معصيتك-إلاّ الذي عرفناه (١١٥) من جودك وكرمك، فأنت المؤمل لكل خير، والمرجو عند كل نائبة ولو قيل لي: ما تريد؟ لقلت: رضى ربي يحلّه عليّ ومنية سريعة وميتة طيّبة. وأفضل العبادة أن تنام أول الليل وتقوم آخره كما كان يفعل ﷺ (١١٦)، فازرع في جسدك (١١٧) طول التهجد، واسق [زرعك] (١١٨) دموع

стр. 817

عينيك حتى تنبت السعادة، فيكون حصادك إيّاها يوم (١١٩) قفزك للكرامة (١٢٠) فعلق قلبك بربك وانصب بدنك في طاعته لعل (١٢١) قلبك أن يتصدع كمدا واحتراقا وحزنا، فقد قيل: فيا عجبا للناس (١٢٢) لذت عيونهم ... مطاعم (١٢٣) غمض بعدها (١٢٤) الموت منصب وطول قيام اللّيل أيسر مؤنة (١٢٥) ... وأهون من نار تفور وتلهب وقال (١٢٦): وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلّين تنزل /وكيف ينام من خاف النيران (١٢٧)، وخطب الشهيّات الحسان، وما أتاه أمان، ومن (١٢٨) ذكر النار طار نومه، ومن ذكر الجنّة طار قلبه إليها، إلاّ كريما (١٢٩) يصبر أياما بعدد، فيأخذ أيّام الأمد (١٣٠)، فأريدوا الله بأعمالكم وبقراءتكم واتعبوا له أبدانكم، فراحة الآخرة أحب إليكم من راحة الدنيا، ومن نجا من عسر ذلك اليوم فقد نجا، فجانب خدك (١٣١) لين الوسادة، فإن غلب عليك نومك، فضعه على حجر بالتراب (١٣٢)، لكي إذا عفرك رفضت

стр. 818

المنام، وودع الراحة في الدنيا (١٣٣) وداع الكرام، ولا ينبغي لمن عقل أمر نفسه أن يوادعها على حال، فو الله الذي لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له ما رضيت (لله) (١٣٤) نفسي ولا عملي منذ بلغت إلى أن صرت شيخا. قال: ومن ذكر (عمل) (١٣٤) الماضين، استقلّ عمله في الباقين، ومن (كان) (١٣٤) ذا أثقال كيف يلحق بالمخفين، واحذر أن يكون في عملك حبّ المحمدة من المخلوقين ومخافة ذمّهم، فإنّك إن بليت بذلك هلكت وإن نجوت من ذلك كنت من المخلصين، ولم أر أبعث للإخلاص من الوحدة ومتى أحبّ العبد الخلوة فقد تعلّق بعمود الإخلاص، فاجعل الغالب على قلبك أنه لولا الله ما عملت عملا، فإذا غلب على قلبك ذلك فقد صغى القلب للإخلاص (١٣٥). وقال أبو الفضل: أيها القارئ: قد أشرق لك نور الحكمة وضياء المعرفة، واستنارت أنوار (١٣٦) العلم وظهر لك، وألجم بالأدب عقلك لإجابته ولقبول النصح، فقد مهّد لك منهاج السلامة فاستمع القول معهم، فإنه يقول (في كتابه العزيز) (١٣٧): أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (١٣٨) يعني بقلبه، وان قليل الفهم (١٣٩) مع قليل العظة أعظم في النفع من كثير العظة مع قليل الاستماع؛ وهذا الكلام هدية مني لمن قبله، وقد قال النبي ﷺ : «نعمت الهديّة ونعمت العطيّة الكلمة (١٤٠) من كلام الحكمة يسمعها الرجل المؤمن ثم ينطوي عليها حتى يهديها لأخيه» (١٤١) ولو أن

стр. 819

المرء (١٤٢) لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه إذا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الواعظون والساعون (١٤٣) لله في أرضه بالنصيحة، وإني لكثير/الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري، عظيم السقط والزلل عند الغضب والرضى، فو الله الذي لا إله إلاّ هو ما أجدني أرضى نفسي لله تعالى ولا عملي ولا أثق بعملي أنه (١٤٤) ينجّيني، ولو [أني] (١٤٥) كتفت عند الموت وسيق بي مكتوفا إلى ربي لكان لي قليلا، ومن أقل حياء مني ومن أحمق فيما بيني وبين الله تعالى. عصمنا الله وإياكم بتوفيقه ووهب لنا ولكم من التسهيل (١٤٦) علينا ما نسلك به طريقه ونصل به إلى طاعته. وقال أبو الفضل: أصح ما وجدت في عملي الإقرار بعجزي، والانتظار لفضل ربي، ولذلك يقال: من عرف قدره هانت عليه نفسه، وعظم عند الخلق قدره، ولولا أن الله تعالى بمنه يغفر الذنوب ما دخل أحد الجنّة، ولقد عجبت كيف يعذّب الله تعالى أحدا وهو يغفر الذنوب، ولكن أراد أن يعرّف خلقه فضل نعمته، ومن قصد إلى الله بالمحافظة على دينه حفظه الله ، ومن أخلص قلبه إليه صار في محل محبته واختياره، فقدّم الأثرة لله واعرف/قدر ما أذاقك الله من ملاطفته بالشكر منك على ذلك يزيدك لين الله (١٤٧) تعالى، وآها لقلب يحب الله تعالى كيف يصبر عن ذكره أو يلهيه شيء عنه أو كيف يسكن (١٤٨) إلى غيره أو يكون لأحد مكان فيه سواه، فعليك بمن يزيدك كلامه فهما، ومنازعته علما، والاستماع إليه حكمة، والنظر إليه عبرة، إن تكلم لم يلغ، وإن صمت لم يندم، وإن عمل لم يبطئ، فإنّ مجالسته غبطة. وقال أبو الفضل:

стр. 820

من فكر اعتبر، ومن اعتبر ادكر، ومن ادكر انزجر، ومن انزجر راقب الموت، قال الله في كتابه العزيز: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ (١٤٩). وقال: يا أخي اجعل قصدك التوكل على الله تعالى يكفك، وإياك وما يلهيك ويطغيك وينسيك، وضم إلى نفسك الصبر، واعقد على قلبك البر، وكف بصرك ولسانك (عن الإثم، واحتمل مرارة الذل في الله، وتجرع غصص الأذى، تكن من المقربين غدا، وصم عن الدنيا وافطر على الموت، وبادر الفوت، وخف ذنبك/وارج ربك) (١٥٠) وابك على خطيئتك، وناج ربك في الظلم إذا (١٥١) هدأت العيون وعانق الرجال نساءهم وتلذذوا بهنّ وفرحت قلوبهم بشهوات المتع، ونالوا من ذلك عظيم الخطر، فاذكر عند ذلك سرعة زواله عنهم ثم ما يساويه (١٥٢) ويعارضه من التبغيض ونزول الآجال وفرقة الأحباب حتى تصير فريدا قد عانق الهم والحزن، وذهبت (١٥٣) عنه خبيئة نفسه فصارت في قعر الحفر فلا رجعة لها إليه. وقال أبو الفضل: من رد بصره عن شيء لا يحل له النظر إليه وهو يشتهي النظر إلى ذلك إجلالا لله تعالى وتعظيما، أعقبه الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه ومن أطاع نفسه وهواه وتابع النظر إلى ذلك كان سهما من سهام إبليس يصيب قلبه أبدا، فاطلب أبدا، بالعمل الصالح، زكاة نفسك عند الله تعالى، ما نحن -والحمد لله-إلاّ كرجل عطب في لجج البحار وقد تعلق بخشبة فهي ترفعه وتضعه وهو يقول: يا رب، يا رب، عسى (الله تعالى) (١٥٤) أن ينجيه، فقد

стр. 821

قتلنا أنفسنا بأيدينا ونحن بالجهل (١٥٥) نضحك/، فالحمد لله على غفلتنا، فليتني كنت تبنة تسفيني الرياح، وان أميّ لم تلدني أو كنت نسيا منسيا، أو ثمرة تأكلني الطير ثم تبعرني. وقال أبو الفضل: (لك) (١٥٦) ترهّبت خليقتك، وإليك جزعت من عقوبتك، فأنت، ملجأ (١٥٧) الهارب منك، ومستغاث الطالب لطاعتك، فبحقك علي (١٥٨) خلصني من حب الدنيا، وصفّ قلبي ولبّي لك وأذقه من لذة ذكرك وحلاوة مناجاتك ما تغنيني به عن غيرك؛ بل أين هم الأخيار (١٥٩) وخيرة الأبرار، الذين بك وثقت قلوبهم، فعاملوك بخالص من سرّهم (١٦٠) حتى خفيت (١٦١) أعمالهم عن الحفظة وبانت أمامك، فوقع بهم ما أملوه (١٦٢) من شكرك، ووصلوا إلى ما أرادوا من محبتك؟ بل أين الزهاد والسادة العباد الذين خطوا (١٦٣) العمر بحقائق الصبر حتى أفنوه (١٦٤) في طاعتك؟ بل أين الذين تجشموا القتال لمن عاداك وكفر بك حتى خرّوا على الأذقان في محبتك؟ أين الذين ثبتوا في مواطن الامتحان ونواصيهم تجز في حقك، والقيام بأمرك وسلموا الأمور إليك (١٦٥)، فصاروا قد رضوا/بقضائك، رب فبهم ألحقني (١٦٦)، ولأعمالهم وفقني (١٦٧)، فنالوا (١٦٨) منك ما أرادوا، وكنت لهم

стр. 822

مؤدبا، ولفعلهم مؤيدا (١٦٩)، حتى أوصلتهم إلى مقام الصادقين في خدمتك، وإلى منازل العارفين في معرفتك، وأعوذ بك من كل قاطع وشاغل عنك، واجعل قلبي لمحبتك متأهّلا (١٧٠)، ولساني بذكرك مبتهلا، واجعلني إليك متطلعا، وإلى ما في يديك ناظرا، (حتى) (١٧١) لا أعبأ بالدنيا ولا بأهلها، فعن قليل تذهب الآلام عن أبدان الخدام، الذين ألهتهم الطاعة عن الطعام والشراب، وجمع (١٧٢) الحطام، الذين رهلت أقدامهم من طول القيام بين يديك. وقال أبو الفضل: ويجب على من عرف الله تعالى في هذا الزمان، أن لا يصدّق الظلمة بكذبهم، ولا يعينهم على ظلمهم، ولا يدخل عليهم ولا يخرج، وأن يتباعد منهم، وإن أيامنا هذه خوادع، يؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، ويكذّب فيها الصادق، ويصدّق الكاذب، وكفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، وأعلم أنّا (١٧٣) قد بذلنا المجهود لك بالنصيحة، وأن من أضاع أمر الله أضاعه الله تعالى، وإضاعته له أن يسلّط عليه/من لا يرحمه، وإنّا في زمان كثر (١٧٤) شرّه، وقلّ (١٧٥) خيره، وارتدّ أكثر أهله، وفارقوا جماعة الإسلام، وتناجوا فيما بينهم بالضلال، ونقضوا شرائع الدين وتمالئوا على الإفك (١٧٦) والزور. [قال عبد الله] (١٧٧): جميع هذا الكلام إنما تكلّم به أبو الفضل في الوقت الذي اشتدّت فيه فتنة عبيد الله اللعين. قال أبو الفضل: إني نظرت في هذه الأحمية التي على ساحل البحر، فوجدت أهل العلم

стр. 823

(لم) (١٧٨) يثبت عندهم كيف فتحت إفريقية: عنوة (١٧٩) أو صلحا (١٨٠)، فرأينا أن أحسن الأمور لمن سكنها أن يسكنها ومعه ما ينفق فيها على نفسه، ومن تلزمه نفقته ويكون ذلك من حلال، فإن مسّته فاقة فرأيت له: إن كان ذا صنعة أن يعمل صنعته (١٨١)، ويأتي بما يصيب من عمل يده، فينفق منه على نفسه، فيكون له بذلك ثواب الرباط (١٨٢) ويسلم من متشابهات الحرام، وإن لم تكن له قوة بدن ولا صحة فليخرج فليحرث ما يكفيه عند الإخوان، فهذا أحب إليّ (له) (١٨٣) من الحرث في الحمى لما فيه من الشبهة. وقال بعض الشعراء في أبي الفضل (مولى نجم) (١٨٣): أقول (١٨٤) وفي قولي بلاغ من القول ... وإن كنت عن نظم القريض لفي شغل ألا يا أخلائي وأهلي وجيرتي ... ومن يرد التصحيح في الدين عن أصل بقصر المنستير المبارك عالم ... نزيل (غريب) (١٨٥) الدار يكنى أبا الفضل فشدّوا المطايا نحوه (وتغربوا ... لكي) (١٨٥) تسمعوا ما جاء حقا عن الرسل وما عنده في صحة الدّين رخصة ... وكالذهب الإبريز في القول والفعل وينشر نور العلم في كل مشهد (١٨٦) ... فأصبح محمودا بريّا من البخل وكالحسن البصري في الزهد والتقى ... ونصح البرايا حذوك النعل (١٨٧) بالنعل أنار حصون الغرب بالعلم فاهتدى (١٨٨) ... رجال وقد كانوا من الدّين في جهل

стр. 824

وأحيا به الله العلوم فبثها ... ليدحض قول الناصب المارق المغل (١٨٩) كريم يغض الطرف عن جلسائه ... حياء ودينا بالسكينة والعقل ويدعو إلى الله الكريم عباده ... وينصح للإسلام بالحق والعدل (١٩٠) سأملأ دلو (١٩١) الفهم من بحر علمه ... وأصحبه في الله بالبر والوصل وأتبع ما في كتبه بحقيقة ... لصحّة ما فيها وأتبعها أهلي وفيها (١) توفي: ٢١٧ - سعدون (٢) بن أحمد الخولاني (*) المتعبد بالمنستير ﵁، يوم (٣) الخميس ضحى، لثلاث مضين من شعبان، ودفن جبلي (٤) القصر الكبير. كان فاضلا، ذا (٥) أوصاف جميلة، وكان شيخ الحصون لم يكن بالمنستير في وقته أسنّ منه (٦)، أدرك سحنونا ولم يرو عنه وسمع من ولده ومن غيره كثيرا (٧). قال ﵁: قال (لي) (٨) محمد بن سحنون: يا خولاني كيف بك

стр. 825

إذا أردت أن يسلم لك دينك مع قوم لا يبالون ألاّ تسلم (٩) لهم أديانهم. [قال] (١٠): [زرت] (١١) الإبياني (١٢) -وكان من العباد المجتهدين-فدخلت إليه فسلّمت عليه فقال لي: يا سعدون ألك والدان (١٣)؟ فقلت: نعم-أصلحك الله تعالى-فقال: يا سعدون أطع والديك واعص الله يرحمك الله ، وأطع الله واعص والديك يعذّبك الله تعالى، قال سعدون: فأنكرتها في نفسي غير أني لم أراجع الشيخ ثم قدمت القيروان، فدخلت على محمد بن سحنون، فسلّمت عليه، فقال: من أين جئت (يا سعدون) (١٤)؟ فقلت-أصلحك الله تعالى-: من تونس، فقال (لي: هل) (١٤) دخلت على الرجل الصالح جعفر مولى شراش (١٥)؟ قلت: نعم، غير أنه كلّمني بكلمة أنكرتها، ثم أخبرته بما جرى (لي معه) (١٦)، فقال لي محمد: صدق، إنك إذا أطعت والديك فقد أطعت الله ، وإذا عصيت والديك فقد عصيت الله . وكان كثيرا ما يقول: الأذلاء متحيرون يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، حكمت عليهم الهموم، وهجمت عليهم الأحزان في قلوبهم، وقد حال اللطف فيها، (وهجوم المحبة عليها) (١٧) فذاقت لذاذة الانفراد وحمدت السرى عند الصباح (١٨)، فجادوا بما حوت أملاكهم (١٩) ولم يبخلوا بما خولهم، أين هؤلاء؟ . قال محمود السبائي المتعبد بقصر دويد (٢٠): (سمعت سعدون الخولاني رضي

стр. 826

الله عنه) (٢١) يقول: أصول الدين أربع: رد المظالم، والكف عن المحارم، والكف عن أعراض الناس، والنظر في المعيشة، وهي تورث أربعا: غنى بلا مال، وعلما بلا تعلم، وعزّا بلا عشيرة، وأنسا بلا جماعة. قال: وسمعته يقول في صفة المرأة، وذكره عن بعض الحكماء: هي غمّ لا يريم، وشر لا ينفد، وغلّ لا ينفك، إن أيسرت أرضتك بلسانها، وإن احتجت أسرعت إلى فراقك، وإن ذللت [لها] (٢٢) ركبتك، وإن عاودتها غلبتك، وإن فوضت إليها أمرك خسّرتك، وإن فاوضتها سرّا شهرتك (٢٣)، تفجر ودمعها قريب، وتذنب وصوتها عال، وتحلف وجرمها مكشوف، وتهرم وأخلاق الصبى فيها، ويفنى خيرها، ويبقى شرها وطول لسانها، فإن كنت منها بعيدا فلا تقرب (٢٤) إليها، وإن كنت (منها) (٢٥) قريبا (٢٦) فأسرع النجاة وادع ربك بالخلاص فإنه يقدر على ذلك. وكان له دعاء يدعو به لا يكاد يفارقه وهو: يا كافي محمد (٢٧) الأحزاب، يا كافي المؤمنين القتال، يا كافي موسى فرعون، يا كافي ابراهيم النمروذ، اكفنا البلاء قليله وكثيره أوله وآخره، آجله وعاجله/ما قلّ منه وما كثر، اللهمّ لا تشمت بنا الأعداء [ولا تجعلنا مع الظالمين] (٢٨)، اللهمّ افتح لنا أبواب الخير كلها، واغلق عنا أبواب الشر كلها، اللهمّ من أرادنا فرده، ومن كادنا فكده، ومن أراد ضرنا فضره. اللهمّ غلّ أيدي الظالمين عنّا، وغض أبصارهم، وخذ بنواصيهم، واطبع على قلوبهم. اللهمّ من أرادنا بسوء أو مكروه أو أراد (٢٩) فساد ديننا وخلاء مساجدنا، فاشغل

стр. 827

كل جارحة منه بجائحة. اللهمّ استجب دعانا (يا كريم) (٣٠) ولا تحمّلنا ما لا نطيقه، ولا تكلّفنا ما لا نقوى [عليه] (٣١)، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا. اللهمّ امنن علينا بالعفو والمعافاة والغفران في الدنيا والآخرة. اللهمّ عافنا فيمن عافيت، واكفنا شر ما قضيت إنك القاضي ولا يقضى عليك. اللهمّ كن لنا ومعنا ومن بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا، وليّا وحافظا وناصرا إنك على كل شيء قدير، وصلّ (٣٢) اللهمّ على سيدنا محمد النبي وآله [وصحبه] (٣٣) وسلم. وأتى (٣٤) إليه قوم فقالوا-أصلحك الله -إن قوما من كتامة قتلوا عندنا رجلا صالحا، وأضرموا عليه النار طول الليل وأصبح بدنه أبيض لم (٣٥) /تأخذ (٣٦) فيه النار. فقال لهم: لعلّه حجّ ثلاث حجج (٣٧)؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: حدثني واصل (٣٨): أنه من حجّ حجة أدّى فرضه ومن حجّ ثانية داين ربه، فينادي غدا ملك من عند الله ، [يقول] (٣٩): من كان له على الله تعالى وتقدّس دين فليقم، ومن حجّ ثلاث حجج (٣٧) حرّم الله سبحانه جسده وشعره وبشره على النار. ومشهور عن سعدون-﵁-أنه كان (٤٠) يجتمع به رجل من مؤمني الجنّ يكنّى بأبي عبد الله. حدثنا ابن اللباد قال: قال لي أبو عثمان

стр. 828

سعدون [بن أحمد] (٤١): كان يأتيني رجل من الجان إلى بيتي فيوقظني من النوم فقلت له: ما اسمك؟ فقال لي: محمد، فقلت له: مسلم أنت؟ فقال لي: لو كنت غير مسلم ما أيقظتك إلى الصلاة، وكان يصافحني، فكنت (٤٢) أرى يده صغيرة فيها لين، فقلت له: أرني وجهك؟ فقال لي: وما تريد أن ترى (٤٣)؟ وجهي ينكد عليك عيشك. قال: وكانت (٤٤) قد ضاعت (٤٥) لي حمارة وولدها من المرسى، (فأتاني) (٤٦) فقال لي: يا أبا عثمان الذي سرق لك الحمارة (٤٧) وابنها مضى بهما (٤٨) إلى المهدية ليبيعهما (٤٩)، فلقيته في بعض طرق (٥٠) المهدية، فتمثلت له في صفة رجل، فقلت له: هذه الحمارة وولدها (٥١) للخولاني، فردهما (٥٢) عليه وإلاّ/فضحتك في المهدية، فقال لي: نعم، أردّهما (٥٣) (عليه) (٥٤)، فمضى بهما وأنا أسايره حتى بلغ بهما إلى الحمى، فلما كان من الغد أتاني بعض السكان فقال لي: يا أبا عثمان (٥٥) قد جمع الله (الكريم) (٥٦) [عليك] (٥٧) الحمارة وولدها وهما في الحمى. قال أبو عثمان سعدون: وكان (٥٨) عندي في البيت قلة مملوءة ماء للوضوء

стр. 829

فقمت من الليل لأتوضأ (منها) (٥٩) فأصبتها قد فرغت ولم أجد فيها ماء فقلت: ما هذا الفعل الذي فعل بنا؟ فقال لي: يا أبا عثمان اعلم (٦٠) أن حية فقدت ابنها فأتت إلى القلة فشربت (منها الماء) (٦١) ثم تقيّأت فيها لتؤذي من يتوضأ منها، فخفت أن تتوضأ منها فيصيبك شيء، فاهرقتها. قال أبو عثمان: وكانت (٦٢) زوجتي قد اعتلت بعلة، فقال لي: نأتيك بدواء تشربه فتجد العافية إن شاء الله ، فعمل لي دواء ثم أتاني به، فشربت منه، فوجدت العافية. وكان (٦٣) يأتيني فيحدّثني بأخبار الموسم والحج، ثم غاب عني. وزاد أبو الربيع سليمان بن محمد عن سعدون-﵀-أنه قال (٦٤): ثم (٦٥) قلت له: يا أبا عبد الله لم لا تدخل قصور بني الأغلب؟ فقال: أعوذ بالله أن أدخل قصورهم (٦٦) إنما أدخل (إلى) (٦٧) موضع الصالحين. قال (٦٨): فلما خرج إلى الحج سألني في عصا، فأعطيته [عصا] (٦٩)، فأخذها (٧٠) فقال لي: هذه غليظة، فأعطيته قصبة ومضى (عني) (٧١) إلى الحج، فأنا بعد قضاء الحج بنحو خمسة أيام حتى رأيت القصبة قد وقعت (٧٢) بين يديّ ثم سمعت قائلا [يقول] (٧٣): أنا ابن أخي أبي عبد الله [فإنه] (٧٣) مات

стр. 830

بالإسكندرية، وقد أوصاني بهذه القصبة أن أصرفها إليك، فقلت له: لم لم تكن صديقي كما كان عمك؟ فقال: عمي كان رجلا صالحا وأنا فاسق، ثم غاب عنّي. حدثنا أبو الحسن (علي) (٧٤) الأنصاري السائح، [وكان] (٧٥) رجلا صالحا، قال: كنّا (٧٦) مع سعدون الخولاني في الدور الذي (كان) (٧٧) يدور على الحصون حتى حاذينا ينونش (٧٨) فسمعنا سعدونا وهو يسلّم على من لا (٧٩) نراه (٨٠) فقلنا له (٨١): ما هذا-أصلحك الله-؟ فقال صاحبنا جاء يسلّم عليكم وعليّ ويصحبكم (٨٢) حتى ينقضي سفركم، قال السائح، فكنّا إذا جلسنا في بيت نسمع حسّه ولا نراه (٨٣) حتى رجعنا، فلما حاذينا الموضع الذي اجتمعنا به فيه قال لنا سعدون: [إنّ صاحبكم يسلّم عليكم ويؤمل الرجوع، فقلنا لسعدون] (٨٤): وكيف يفارقنا ولم يفدنا بفوائد عن أصحابه الذين/يؤذون الناس؟ فقال الجني لسعدون: إنهم يشاركونكم (٨٥) في المطعم والمشرب والملبس (والنوم) (٨٦) قالوا (٨٧): عرفنا بذلك؟

стр. 831

قال: نعم، إذا أكل أحدكم لا يبتدئ حتى يقول: بسم الله، وإذا شرب لا يبتدئ حتى يقول: بسم الله، وإذا أراد أن ينزع ثيابه ليدخل فراشه فليقل عليها: باسم الله، في حرز الله، وأمان الله، وإذا دخل فراشه فليقل: بسم الله، فإنهم لا يقربونه (٨٨) وأنه إذا لم يذكر (٨٩) اسم الله على ثيابه (٩٠) لبسوها بالليل وسافروا بها، ويردوها، حتى يقول أحدهم: ما أدنى هذا الثوب وأسرع تقطعه وإنما ذلك من لبسهم له (٩١). ووجد بخط الشيخ أبي إسحاق الجبنياني (٩٢) -رحمة الله عليه-قال: ذكر ابن لهيعة (٩٣) عن بكر بن عمرو (٩٤) أنه سمع صفوان بن سليم (٩٥) يقول: إن الجن يستمتعون بمتاع الأنس وثيابهم، فمن أخذ منكم ثوبه أو وضعه فليقل: باسم الله، فإن اسم الله تعالى له طابع (٩٦). وبلغ عبيد الله أن سعدون يجتمع إليه خلق من الناس يخرج بهم إلى الدور (٩٧)، فخاف عبيد الله منه، وقيل له: انه يخرج عليك، فوجه وراءه

стр. 832

ودخل عليه فعارضه جؤذر الصقلبي (٩٨) وقال له: يا شيخ الخير من/الله والشر ممّن؟ فانتهره سعدون وقال له: قال الله : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ... (٩٩) فأنكر عبيد الله على الصقلبي معارضته وأصرفه كما يجب. قال: وأغرى به بعض من كان يسكن بالمنستير ممّن هو متصل بشيعة بني عبيد [الله] (١٠٠) -لعنه الله-فرفع على سعدون أنه يجتمع إليه العامة مع أشياء هو بريء منها وان عنده كتب الحدثان، فبعث عبيد الله وراءه صقلبيا فدخل على سعدون في بيته وقال له: يا شيخ عليك السمع والطاعة (١٠١)؟ فقال له: نعم فقال له: مدّ رجليك؟ فمدّهما، وقيدهما، ثم جمع ما في بيته من الكتب، ثم خرج به وبكتبه حتى وقف به على عبيد الله، فاتصل ذلك بأم أبي القاسم ولد عبيد الله، فكلّمته عليه وقالت له: تأتي إلى رجل صالح ولي من أولياء الله تفعل به هذا؟ [أما] (١٠٢) تخشى أن يدعو على ولدك فيهلك؟ فأمر بتخليته وأزال القيود من رجليه ودفع إليه ثلاثمائة دينار وبعث إليه دابة وقال له: تصرف [هذه] (١٠٢) الدنانير فيما تريد وهذه الدابة تركبها فقال له سعدون ﵁-هذه الدنانير قد قبلتها، ثم دعا أحد أولاد عبيد الله، فجعلها في حجره وجرّ بيده على رأسه ودعا له ثم قال لعبيد الله: هذه الدنانير هبة مني لولدك هذا ودفعها إليه، وأما الدابة فأنا شيخ كبير لا أستطيع ركوبها، وإنما أركب ما لا يتعبني من الحمير، ثم انصرف (عنه) (١٠٣)، فقال له عبيد [الله] (١٠٤):

стр. 833

لا تقطعنا، فكان يأتيهم في الهناء والعزاء مداراة للقوم على المنستير وأهله ليكف أذاهم (وشرهم) (١٠٥) وليبقى عليها الحال الجميل والهيبة، ولا يكون كسائر الحصون التي أخلوها وأفسدوها (١٠٦) فكان ذلك سببا لمعافاة المنستير. وكانوا ربما بعثوا إلى سعدون في الأعياد بالأكبش للضحايا (١٠٧) فيقبلها ويفرقها (١٠٨) على الضعفاء ويبعث [إليه] (١٠٩) بالفستق، فكان يفرقه (١١٠) على من يأخذه-﵁.

стр. 834

ثم كانت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢١٨ - أبو عبد الله محمد بن سهلون (*) المتعبد بقصر جبنيانة (١)، ودفن به. كان ذا (٢) أوصاف جميلة، سمع من عيسى بن مسكين [وغيره] (٣)، نجب على يديه جماعة من المتعبدين منهم: أبو إسحاق الجبنياني وغيره. قال الشيخ أبو الحسن/قال لنا أبو إسحاق السبائي: مضيت إلى زيارة محمد

стр. 835

ابن سهلون-وكان رجلا صالحا-فجئنا إلى بيته ضحى فقيل: لا يخرج من بيته إلاّ إلى وقت الصلاة، ولو ضرب عليه الباب من شاء قال: فجلسنا على باب البيت، فطال علينا الأمر، فافتتح رجل أندلسي كان معنا، (القراءة) (٤) بصوت حزين فسمعنا للشيخ حركة وبكاء وشهيقا، ثم فتح الباب بمرة وخرج وهو يبكي، وقد ابتلت لحيته بدموعه، فتمادى كما هو في حالته فلا ندري (٥) أين ذهب ثم رجع إلينا وقت الصلاة، فسلّمنا عليه. قال أبو جعفر أحمد: كان يأتي إلى محمد بن سهلون-﵀-إفطاره بالعشي، فإن كان في المسجد أحد من الغرباء بعث (٦) إليه منه، وكان إفطاره على الماء، هذا دأبه أبدا. اللبيدي قال: حدثنا أحمد السائح-وكان صالحا فاضلا من أهل طرس (٧) التي عند صدف (٨) -كان إنما يرى أهله وولده في السنة مرة واحدة ثم يخرج عنهم إلى سياحته. قال: جئت مرة مع محمد بن سهلون من الساحل إلى القيروان ليشتري لابنته ما يجهّزها به للدخول (٩) على زوجها، فاشترى لها ما تحتاج إليه من ذلك ثم خرج/وخرجت معه، فبينا نحن على الطريق التفتّ إليه فرأيته يشهق ويبكي، فقلت له: ما بالك-أصلحك الله ؟ فقال: وما سؤالك عن هذا؟ فقلت له: لا بدّ من ذلك، فقال: تفكّرت في بعد عهدي بالمصائب (١٠)،

стр. 836

فخفت أن يكون ذلك استدراجا (١١) من الله ، قال أحمد: فما مشينا إلاّ يسيرا حتى طلعت (١٢) سحابة عظيمة، فأمطرت (١٣) مطرا وابلا وأفسدت جميع ما اشترى لابنته من جهازها، فأقبل وهو يبتسم ويضحك، وزال عن قلبه ما كان فيه من الشغل. وفيها توفي: ٢١٩ - الحسن بن محمد (١) القلانسي (*) (المعلم) (٢) كان له إدراك مع صلاح وفضل، سمع من محمد بن يحيى بن السلام (٣) ومن ابنه يحيى، (وهو) (٤) معلم أبي الحسن الدباغ. قال ربيع القطان: قال لي الحسن بن محمد القلانسي (٥): بينا أنا أمشي في الهجير إلى الجامع يوم الجمعة، فإذا بشيخ ذي لبسة ولحية عظيمة لقيني عند «دار ابن الجمل» فقلت له: يا شيخ هل صلّى الجامع؟ فقال لي: نعم، صلّينا الجمعة، فانصرف، فلم أفعل، ووقع في قلبي (٦) أنه إبليس-لعنه الله- فتماديت، فإذا الإمام ما قعد/على المنبر بعد، فعلمت أنه إبليس.

стр. 837

وذكر أنه قام في حق [في] (٧) وقت الغدوات، فنقم عليه وشهد عليه (٨) أنه قذف السلطان، فحبس بعض يوم، ورميت عليه خمسون دينارا، قال لي: يا بني، فقمت في السجن وصلّيت ركعتين ودعوت الله فقلت: اللهمّ إن كنت تعلم أنما حبست على إحياء حق فيك فخلّصني، فلا والله ما تم دعائي حتى نودي بي، فخرجت بلا غرم والحمد لله. قال ربيع: وكان أبوه صاحبا لنا عند أحمد بن نصر في المسائل. قال أبو الحسن علي (٩) بن محمد الدباغ: أنشدني حسن المؤدب هذا: اعمل وأنت من الدنيا على حذر ... واعلم بأنك بعد الموت مبعوث واعلم بأنك ما قدّمت من عمل ... محصى عليك (١٠) وما خلّفت موروث

стр. 838

ثم كانت سنة تسع وعشرين [وثلاثمائة] (١) وفيها توفي: ٢٢٠ - أبو عبد الله محمد بن العباس بن الوليد (*) الفقيه المعروف بالهذلي (٢) وهو ابن تسعين سنة. [كان] (٣) عالما بمذهب أهل المدينة، حافظا للمسائل (٤)./سمع من محمد ابن سحنون وغيره. ضربه القاضي النفطي (٥) بالدرة، وذلك أن قوما من المشارقة رفعوا إلي محمد بن عمران القاضي النفطي-لعنه الله-أن الفقيه الهذلي يفتي بمذهب مالك-﵁ وأرضاه-ويطعن على مذهب أمير المشارقة ولا يرى إمامته، فأمر بضربه عريانا حتى سال الدم من (٦) رأسه، وكان محلوقا، ثم أركب (٧) عريانا على حمار وشق به جميع أسواق (٨) مدينة القيروان وحبسه (٩). وذلك في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، ثم تركه بعد ذلك.

стр. 839

ثم كانت سنة ثلاثين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٢١ - أبو القاسم عبد الوهاب بن نصر (١) المتعبد (*) في المحرم. وصلّى عليه أحمد (٢) بن أبي خالد الدباغ. ودفن بباب سلم (٣). قال الخراط: كان مجاب الدعوة، وكان ممن علم وعمل، [وكان] (٤) سند (٥) عمله موت النفس والتواضع، لا يكاد يرى في مسجد أو جنازة إلاّ وهو قائم يصلي مع حسن خلق، له ملاحة في العباد (٦)، وحلاوة في النساك، يخدم الأرامل والأيتام والفقراء، كثير الرباط والسياحة، كانت له ختمتان (٧) بين ليله ونهاره/وكان لا يتكلّم في ثلاثة أشهر [من السنة] (٨): رجب وشعبان ورمضان. قال طريف الخياط الساكن بقصر الجديد (٩): سألت عبد الوهاب، وكانت (١٠) بيني وبينه صداقة، أن يخرج معي إلى سوسة، فأتاني بعد أيام فقال لي: يا ابن الرومية تخرج (إلى) (١١) سوسة؟ فقلت له: نعم، فقال لي: توافي

стр. 840

الغداة (١٢) فوافيت إلى باب عبد الله (١٣) لوعده، وكان مرادي أن يأتي فنكتري (١٤) له دابة؛ واكترى (١٥) الناس وخرجوا، وأيست منه فجلست عند القنطرة حتى طلعت الشمس، فبعد طلوع الشمس [أتى] (١٦)، فقمت إليه وقلت له: ما الذي أخرك عن موعدك (١٧)؟ فقال: إن من عادتي أن لا أخرج من بيتي حتى أركع الضحى، ثم قال: اعزم بنا، فأخرج من كمه شراكا (١٨) وتحزّم، ثم أخذ الطريق وأنا معه، فأخذ في تلاوة القرآن، فلم يزل يقرأ حتى اعترضنا قوم سودان مارّين على الطريق، فخفت منهم فأخذني عبد الوهاب فجعلني إلى جانب ومال إلى جانبهم وما ارتاع، ففارقونا، وما كلّمنا أحد منهم، فلم نزل كذلك (١٩) حتى انتهينا إلى ماجل أبي الزمرّد (٢٠) ثم مال إلى قصر القبرياني (٢١)، قال: فجئنا قبل المغرب (٢٢) /فدخلنا، فنزلنا المحرس (٢٣) الذي على باب القصر، فجدّد وضوءه ودخل المسجد فلم يزل يصلّي في المسجد إلى صلاة العشاء الآخرة. قال: فعمدت إلى طعام كان معي فهيأته له وأخذت كسائي الذي معي ففرشته له، وقلت: الشيخ متعوب (٢٤) [ينام] (٢٥) فطلع إليّ، فقرّبت إليه الطعام، فأكل منه ثم قلت له: يا سيدي ألا تنام (٢٦)، فإنك متعوب (٢٤)، وأشرت له إلى المكان المفروش، فقال لي: ارقد أنت وإذا أردت أنا فسوف أرقد، وامتنع، ومال إلى ركن

стр. 841

المحرس، وقام يصلي فمرّة يقرأ ومرة يسقط من غلبة النوم، فلم يزل يصلّي حتى طلع الفجر، فسلّم ونزل إلى المسجد [يذكر الله ] (٢٧) فلا أدري إن كان جدّد وضوءه أم لا؟ قال طريف: فجدّدت وضوئي (٢٨) وصلّيت معه الصبح، ثم جلس إلى القبلة يذكر الله حتى طلعت الشمس وركع ونام إلى أن تعالى النهار فقام من نومه واستجد وضوءه ثم قال لي: اخرج بنا نمشي على البحر، فإنها غزوة، فخرجنا نمشي ناحية القبلة وهو يكبّر ويذكر [الله تعالى] (٢٩)، حتى انتهينا إلى قرب الحمامات (٣٠)، فركع في ذلك الموضع، ثم رجعنا والمؤذن يؤذن/للظهر، فهيأت له إفطاره ثم عمل في ليلته تلك مثل ما عمل في الماضية (٣١)، ثم نزلنا فصلّينا الصبح وجلس يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم صلّى الضحى، فهذا كان دأبه حتى فارقته. وحدث أبو الزاكي حازم بن ميسرة قال: كنت أخرج معه إلى سوسة فإذا عيينا (٣٢) قلت له: اقعد نستريح؟ فيقول لي: اقعد، ثم يقول: الله أكبر فيصلي ثم يقول لي: يا بني إنك إنما خلقت لتعمل، فما فاز القوم إلاّ بأعمالهم لا بأبدانهم. قال أبو الربيع سليمان بن محمد: كنت أدخل المسجد فأجد عبد الوهاب يركع الضحى فإذا ركعت إلى جانبه وسلّم يقول لي: يا بني أخاف (٣٣) أن يحلّق (٣٤) على اسمي؟ فقلت له: يا سيدي كيف يحلّق على اسمك؟ قال: انظر إلى السلطان إذا بدأ بالعرض فقال (٣٥): أين (٣٦) فلان بن فلان؟ فيقال له: هذا هو (٣٧)،

стр. 842

فيقول له: يا مولاي أنا لازم بالباب وقائم بالخدمة (٣٨)، فيعده بالإحسان، فإذا نادى (٣٩) أين فلان بن فلان؟ فيقال له: ما رأيناه (٤٠) فيقول: ما لنا فيه خير، حلّقوا على اسمه، اطردوه، فأنا أخاف أن يحلّق على اسمي وأطرد، فاسمع مني يا بني يا أبا الربيع: إذا مشيت فاذكر الله تعالى، /وإذا قعدت فاذكر الله تعالى، واذكر الله في الليل، فإن ذكرته ذكرك، وإن تاجرته ربحك (٤١)، وإن خدمته أعزّك، وإن قرعت الباب فتح لك، وإن رجعت إليه قبلك ولا يضيع أجرك إنه (٤٢) لا يخلف الميعاد. قال أبو الربيع: ودخلت على مروان الخياط الفاضل العابد فأصبته يخيط جبة من صوف، فقال لي: هذه الجبة لجارك أبي القاسم (٤٣) عبد الوهاب: اشترى كساء فقطعت له منه هذه الجبة وعمامة يصلّي بهما في سواد الليل [قال] (٤٤) فاجتمعت مع عبد الوهاب، فقلت له: لأي شيء لا تلبس؟ فقال لي: يا أبا الربيع اللّباس غدا والنعيم غدا والعزّ (٤٥) غدا والذلّ غدا، الدنيا صدقة على القوم. وكان-رحمه الله تعالى-يوما بباب سلم (٤٦) ينتظر جنازة، فقام يركع حسب عادته إذا خلا، وكان أبو بكر بن اللباد-﵀-في موضع جالسا ينتظر الجنازة، فقال ابن اللباد: إن من الرجال رجالا (٤٧) يرفع الله عنهم الرياء لا يغيرهم ما عملوا [و] (٤٨) عبد الوهاب منهم.

стр. 843

قال أبو الحسن بن الخلاف: وهذه أمور لا يستوي الناس فيها، ولا تستوي مقاصدهم وكلّ إنسان له شأن هو أعلم به، فإذا صحّ له فلا درك/عليه ولا يعنّف أحد يعلم صحته وحسن مقصده، إنما يعنف الذي لا يصحّ مقصده، ويتزين لما يرتفع [به] (٤٨) عند الناس وهذا الرياء والهلاك. قال سليمان: وقف يوما محمد بن عسكر (٤٩) فقال: إن أقبلت قلت (٥٠): صباح أقبلا ... وإن أدبرت قلت (٥١): ليل أظلما جارية تيّمت المتيّما ... يحكي شعاع الشمس منها المبسما فقال عبد الوهاب: الرجل الصالح لا خاطب ولا عاشق، وأقبل يصيح: أين الخطاب، وأين العاملون، وأين العارفون بالله؟ أين المستحيون من الله ؟ ثم صاح وبكى وبكى الناس لبكائه ثم وقع مغشيّا عليه. قال أبو الربيع: وكنت أدخل على عبد الوهاب بعد العصر، فيقول لي: يا بني خذ لي تلك الأبيات: *ضرّ التقى وتصفر الألوان* قال أبو الربيع: فاندفعت أقول: ضرّ التقى وتصفّر الألوان ... من أوجه طفيت على (٥٢) الأبدان ولزومك المحراب ليلك ساجدا ... لتجازي (٥٣) الإحسان بالإحسان فاندفع عبد الوهاب في النياحة [والبكاء] (٥٤) وأقبل وهو يقول: وافرحهم بك، واتغير ألوانهم فيك، واشوقهم إليك.

стр. 844

قال: ولما اعتل عبد الوهاب اجتمع عنده جماعة من أهل العلم (٥٥) فقهاء مذكورون (٥٦)، فقال عبد الوهاب لابنه: يا محمد ايتني بتلك الدراعة (٥٧) الصوف، فأتاه بجبيبة مرقّعة صفراء، فقال لهم: كفّنوني فيها، فإن لي فيها مئات: ختمت القرآن فيها ثلاثة آلاف ختمة في سواد الليل وادفنوني بين والديّ، فإني رأيت البارحة نورا عظيما بين القبرين (وضياء) (٥٨) والاجتماع معكم في دار الكرامة إن شاء الله تعالى مع النبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وفيها توفي: ٢٢٢ - أبو جعفر أحمد بن أبي خالد يزيد (١) الدباغ (*) ﵀ ذو أوصاف جميلة حسنة، يميل إلى التصوف، كريم الأخلاق محبّب إلى الناس. سمع من يحيى بن عمر ومن غيره (٢)، وله أخبار ومجالس مع أهل النسك والرقة. قال أحمد: رأيت بمكة شابا كريم الأخلاق عليه جبة من صوف وقد طال شعره وعلاه (٣) شحوب ونحول، فقلت له: السلام عليك يا صوفي، فقال لي: وعليك السلام يا قطني فقلت له: إنّ لباس القطن مع وجود التقى لا يضر ولباس الصوف مع عدم التقى لا ينفع، فقال لي: صدقت. فقلت له (٤):

стр. 845

ما الذي يورث النفوس الهموم؟ فقال لي: ثلاث، تذكار ما سلف (من الذنوب) (٥)، وتذكر الحالات، وخوف الخاتمات. حدثنا أبو علي القمودي السوسي قال: كان قوم يسمعون العلم على أبي جعفر، فاجتمعوا يوما على بابه ينتظرون الإذن لهم في الدخول، فسمعوا في داخل الدار صوتا عاليا وهو يقول: يا زانية، يا بنت الزانية، يا بنت الشيخ السوء، فنفرت أنفسهم وقالوا: من هذا الذي سفه في دار الشيخ؟ فلمّا أذن لهم في الدخول، ودخلوا عليه قالوا له-أصلحك الله -سمعنا في دارك صوتا عاليا بالشتم، فقال لهم-تلك الزانية: ابنتي، وأمها الزانية: زوجتي، والشيخ السوء: أنا، والشاتم صهري، ولكن لا تجعلوا من عاداتكم الاستماع إلى ما في ديار (٦) الناس (٧). وكان (٨) يقول/: من زعم أن الرزق لا يأتي إلاّ بالاضطراب فقد أخطأ، ومن زعم أن التوكل لا يكون إلاّ بترك الاضطراب فقد أخطأ-يريد أن الإنسان يسلّم إلى الله ولا يجعل التوكل في شيء معين. قال (٩) القاضي عبد الله بن هاشم: حدثني أبو بكر هبة الله بن محمد بن أبي عقبة قال: خرجنا مرة نريد الرباط، وفي جماعتنا أبو جعفر، فاشترينا من بعض القرى خبزا، فلما قدمناه لنأكله نظر إليه ابن أبي خالد فقال: ويحكم كيف تقدرون على أكل هذا الخبز؟ قلنا وما له؟ قال: أو ما ترونه؟ قلنا له: ما نرى إلاّ خبزا قال: لكني (١٠) والله أراه أسود منتنا، (قال) (١١): فأردناه (١٢) على الأكل
следующие страницы →