← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ليدارنّ بهذا (١٧٢) الرأس-وأشار إلى رأسه-فشاء (١٧٣) الله تعالى أن دير برأسه بطرابلس. وعوتب (١٧٤) -رحمه الله تعالى-في خروجه مع أبي يزيد إلى حرب بني عبيد، فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني، فمن ذلك أني حضرت يوما إشهادا، وكان فيه جمع كثير، أهل سنة ومشارقة (١٧٥)، وكان بالقرب مني أبو قضاعة الداعي (١٧٦)، فأتى رجل مشرقي من أعظم المشارقة، فقام إليه رجل من المشارقة وقال له: إلى هاهنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله ﷺ -يعني أبا قضاعة، ويشير بيده إليه-فما أنكر أحد (١٧٧) منهم شيئا من هذا، فكيف يسعني أن أترك القيام عليهم؟ وروي (١٧٨) بخطه-رحمه الله تعالى-قال: لما كان في رجب سنة إحدى وثلاثين قام الصبي المكوكب (١٧٩) يقذف الصحابة ويطعن على النبي ﷺ ، وعلّقت عظام رءوس أكباش وحمير وغيرها على أبواب الحوانيت والدروب عليها قراطيس معلقة/مكتوب فيها (أسماء) (١٨٠) يعنون (١٨١) رءوس الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-فلما رأى ذلك ربيع لم يسعه التأخر عن الخروج عليهم [لمّا] (١٨٢)

стр. 912

أن وجد رجلا من أهل القبلة قام عليهم، وكذلك كان جميع الشيوخ يتأولون (١٨٣). قال الشيخ (الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن الخولاني: حدثنا) (١٨٤) أبو الحسن الفقيه-رحمه الله تعالى-قال: خرج الشيخ أبو إسحاق السبائي-رحمه الله تعالى-مع شيوخ إفريقية إلى حرب بني عدوّ الله مع أبي يزيد (١٨٥)، فكان (١٨٦) أبو إسحاق يقول-ويشير بيده إلى عسكر أبي يزيد- (١٨٧): هؤلاء من أهل القبلة (١٨٨)، وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة-يريد عسكر بني عدوّ الله-فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل القبلة لقتال من [هو] (١٨٩) على غير القبلة-وهم بنو عدوّ الله- (١٩٠) فإن ظفرنا (بهم) (١٩١) لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، لأنه خارجي، والله يسلّط عليه إماما عادلا (١٩٢) فيخرجه من بين أظهرنا ويقطع أمره عنّا. والذين خرجوا معه من الفقهاء والعبّاد (١٩٣): أبو العرب بن تميم، وأبو عبد الملك (١٩٤) مروان بن نصرون، وأبو إسحاق السبائي، وأبو الفضل الممّسي، وأبو سليمان (١٩٥) ربيع القطان/مع جماعة من العراقيين.

стр. 913

وقيل (١٩٦) لأبي الحسن بن الخلاف: ما الذي عاق أبا ميسرة عمّا فعل أصحابه؟ قال: ذهاب بصره، ولكنه قد أخرج محمدا ابنه وقال: أدخلني الله تعالى في شفاعة أسود رمى على هؤلاء القوم حجرا-وشهق الشيخ أبو الحسن (١٩٧) بالبكاء-فقيل لأبي الحسن: إن أبا سعيد بن أخي هشام (١٩٨) لم يخرج؟ فقال: قد شهر أبو سعيد السيف وحمله على عاتقه مصلتا، وهذا غاية في أنه يقول [بقول] (١٩٩) الشيوخ في الخروج عليهم، فقال له بعض من حضر (٢٠٠): كان أبو سعيد (٢٠١) يذكر أن الجبن منعه من حضور الحرب. ويذكر (٢٠٢) أن أبا الفضل الممّسي (٢٠٣) تكلم في أمر الجهاد للمشارقة مع الشيوخ، وكان من بعض خطابه أن قال لهم: إن كنتم تعزمون عزيمة رجل واحد وتجتهدون في هذا الأمر فإنّي لا أضن بنفسي (٢٠٤) عنكم. فقال له أبو إسحاق السبائي: جازاك الله يا أبا الفضل عن الإسلام (وأهله) (٢٠٥) خيرا، أي والله نشمّر ونجدّ في قتال (٢٠٦) اللّعين المبدّل للدين (٢٠٧)، فلعلّ الله أن يكفّر عنّا بجهادنا تفريطنا وتقصيرنا عمّا يجب علينا من جهادهم، فكلّمهم أبو الفضل

стр. 914

واحدا واحدا/فقال ربيع القطان أنا أول من يشرع (٢٠٨) في هذا الأمر ويخرج فيه، ويندب الناس إليه ويحضّهم عليه. وتسارع جميع الفقهاء والعباد، فلما كان الغد (٢٠٩) خرج أبو العرب وخرج جميع الفقهاء ووجوه التجار إلى المصلّى بالسلاح الشاكي والعدّة العجيبة التي لم ير مثلها، وضاق بهم الفضاء. وتواعد الناس أن ينظروا في الزاد وآلة السفر إلى يوم السبت، وذلك يوم الاثنين، وركب بعض الشيوخ من الموضع إلى الجامع بالسلاح، وشقّوا سماط القيروان، وزادوا في استنهاض الناس. فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا في الجامع، وركبوا بالسلاح الكامل، وعملوا البنود والطبول، وأتوا بالبنود فركزوها قبالة باب المسجد الجامع (٢١٠)، وهو المعروف بالحدّادين (٢١١)، وكانت سبعة بنود: -بند (٢١٢) أصفر لربيع بن سليمان القطان-﵁-مكتوب عليه: البسملة ومعها «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله». -وفي الثاني، وهو لربيع أصفر أيضا: نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (٢١٣) على يد أبي يزيد، اللهمّ انصره على من سبّ نبيّك (٢١٤). -وفي الثالث، وهو أصفر، لأبي العرب: بعد البسملة/ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (٢١٥).

стр. 915

-وفي الرابع، وهو بند أحمر، لعباس [الممّسي] (٢١٦): لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. -وفي الخامس، وهو بند أخضر، لمروان المتزهد (٢١٧)، بعد البسملة (٢١٨): قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (٢١٩). -وفي السادس، وهو بند أبيض، [للسبائي] (٢٢٠)، بعد البسملة: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله (٢٢١)، «أبو بكر الصديق»، «عمر الفاروق». -وكان ثم [بند] (٢٢٢) سابع، وهو لإبراهيم بن العمشاء (٢٢٣)، وكان أكبر البنود، لونه أبيض، [فيه] (٢٢٢): لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا (٢٢٤). فلما (٢٢٥) اجتمع الناس وحضرت صلاة الجمعة طلع (الإمام) (٢٢٦) على المنبر، وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد (٢٢٧) -وكان الممّسي هو الذي أشار به-وخطب خطبة أبلغ فيها، حرض الناس على الجهاد وأعلمهم بما (لهم) (٢٢٦) فيه من

стр. 916

الثواب، وتلا هذه الآية: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٢٢٨) الآية. وقال: يا أيها الناس جاهدوا من كفر (بالله) (٢٢٦) وزعم أنه ربّ من دون الله تعالى وغيّر أحكام الله /وسبّ نبيّه وأصحاب نبيّه وأزواج نبيّه (٢٢٩). فبكى الناس بكاء شديدا. وقال في خطبته (٢٣٠). اللهمّ (٢٣١) إن هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بابن عبيد الله (٢٣٢) المدّعي (٢٣٣) الربوبية من دون الله، جاحدا لنعمك (٢٣٤)، كافرا بربوبيتك (٢٣٥)، طاعنا على أنبيائك ورسلك، مكذّبا لمحمد- ﷺ -نبيّك وخيرتك من خلقك، سابّا لأصحاب نبيّك وأزواج نبيّك، أمهات المؤمنين، سافكا لدماء أمته، منتهكا لمحارم أهل ملّته، افتراء عليك، واغترارا بحلمك. اللهمّ فالعنه لعنا وبيلا، واخزه خزيا طويلا، واغضب عليه بكرة وأصيلا، واصله جهنّم وساءت مصيرا (٢٣٦)، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين، وأحاديث (٢٣٧) في الغابرين (٢٣٨). واهلك اللهمّ شيعته (٢٣٩)، وشتّت كلمته، وفرّق

стр. 917

جماعته، وأكسر شوكته، واشف صدور قوم مؤمنين (٢٤٠) منه. ونزل. فصلّى الجمعة ركعتين وسلّم. وقال: ألا إنّ الخروج غدا يوم السبت إن شاء الله تعالى. وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب وفي عنقه المصحف وحوله جمع من الناس (٢٤١) من أهل القيروان متأهبون (٢٤٢) معدّون (٢٤٣) لجهاد أعداء الله، /عليهم آلة الحرب، فنظر إليهم ربيع القطان، فسر بهم وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك، وإعزاز دينك، يا رب بأيّ عمل [و] (٢٤٤) بأي سبب (٢٤٥) وصلت إلى هذا؟ ثم أخذ في البكاء حتى جرت دموعه على لحيته، ثم قال لهم: والله لو رآكم محمد (رسول الله) (٢٤٦) ﷺ -لسرّ بكم. [و] (٢٤٧) قال (٢٤٨) في موطن [آخر] (٢٤٧) بعد أن أنصت الناس: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٢٤٩)، ثم قال (٢٤٨): أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٥٠) ثم أشار بيده وقال: اذكروا الله يذكركم، فكبّر الناس، ومشى حتى بلغ الجامع، وأبو سعيد بن أخي هشام الفقيه تحت ركابه وفي يده سيف مصلت.

стр. 918

فاستشهد ربيع القطان-رحمه الله تعالى-في قتال أعداء الله يوم الاثنين في صفر من سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة/وكان بينه وبين أبي الفضل الممّسي ستة أشهر. وقيل إنهما استشهدا في يوم واحد (٢٥١)، وذلك من قائله وهم. وكان (٢٥٢) غرض المجوس بني عبيد (٢٥٣) -لعنهم الله-وشهوتهم (٢٥٤) أخذ ربيع حيّا ليتشفوا (٢٥٥) [منه] (٢٥٦). قال الشيخ الفقيه أبو الحسن بن القابسي-﵀: فلما تلاقوا في القتال (٢٥٧) أقبل ربيع وهو يطعن فيهم ويضرب وهم يتوقفون (٢٥٨) عن طعنه طمعا أن يأخذوه حيّا، فلما أثخنهم بالضرب والطعن حمل عليه جماعة منهم فقتلوه، وما ولّى دبرا.-رحمة الله عليه ورضوانه-. واستشهد معه فضلاء وأيمة وعباد وصالحون. ذكر أبو القاسم اللّبيدي (٢٥٩) ﵁-قال: قال [لنا] (٢٦٠) الشيخ أبو الحسن علي بن محمد (٢٦١) الفقيه ﵁-أخبرنا شيوخنا الذين أدركناهم: أن الذين ماتوا في دار البحر (٢٦٢) بالمهدية من حين دخل عبيد الله إلى الآن (٢٦٣) أربعة آلاف رجل، في العذاب، ما بين عالم وعابد و (رجل) (٢٦٤) صالح. ولذلك يقول سهل الورّاق (٢٦٥) ﵁:

стр. 919

وأحل دار البحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات وقال بعض الشعراء في هجو بني عبيد الله (٢٦٦) -لعنهم الله تعالى-: الماكر الغادر الغاوي لشيعته ... شرّ الزناديق (٢٦٧) من صحب وتباع الناكثين عهود الله كلّهم ... قوم إلى سفه (٢٦٨) في الناس أوضاع العابدين (إذا) (٢٦٩) عجل يخاطبهم ... بسحر هاروت من كفر وتبداع (٢٧٠) لو قيل للرّوم أنتم مثلهم لبكوا ... أو اليهود لسدّوا صمخ أسماع ولو عزينا (٢٧١) إلى إبليس ما مكروا ... لقال إبليس: ما هذا من اطباعي [ولقد] (٢٧٢) رئي لربيع، بعد وفاته، رؤى (٢٧٣) كثيرة مما يدل على شهادته وصدق نيته. ٢٣٦ - [محمود (*) أخو ربيع القطان] قال (١): وكان له أخ اسمه محمود (٢) -رحمة الله عليه-كان ذا أوصاف جليلة (٣) وظهرت له إجابات وكرامات.

стр. 920

قال مكي بن يوسف الأبزاري: رابطنا ومشينا الدور (٤) ومحمود معنا، ونحن على الساحل، فأصابني عطش، فشكوت ذلك وقلت: لا أستطيع أن أصبر، فقال لي: تعال، فدخل البحر فوقف فيه ثم غرف بيديه جميعا فشرب من ماء البحر. ثم غرف ثانية وقال لي: اشرب. فشربت من يديه حتى ارتويت وزال عطشي، فغرفت أنا بيدي لأشرب فوجدت ماء البحر [ما ألفته] (٥)، فألقيته من فمي. وعلمت (٦) فضله. ثم مشينا. وكان ﵁ حبّب إليه، في صباه، حضور الجنائز [والصلاة عليها] (٥) والصلاة في الخلوة والمشي بين المقابر (٧) والمواضع الخالية (٨) من الناس. وكانت والدته عملت له قميصا (فلبسها) (٩). ثم إنها رأته يلبس قميصا مرقعة بعد ذلك، فسألته عن القميص (التي عملت له) (٩)، فقال لها: ذهبت (١٠)، فاستقصت الوالدة على خبرها (١١). فأخبرت أنه باعها واشترى بثمنها قمحا وتصدّق به (١٢) على الفقراء في «دار حجّاج الزقاق» (١٣)، وتولى إعطاءه لمساكين (١٤) حجاج، فلما صحّ عندها الخبر (١٥) قامت إليه فضربته ضربا شديدا، وأغاظها ذلك من فعله وقالت له: عملتها لك بيدي لتفرح بها فنزعتها عن بدنك وبقيت

стр. 921

في خلقان (١٦)، أخبرني ما كان سبب بيعها وأنت تأكل مع إخوتك كما يأكلون، ولم تحتج إلى نفقة، ولا عسر بك أمر؟ فقال لها: نعم، هو كما قلت، ولكن تفكرت أن عليّ أيمانا بالله تعالى وجبت (١٧) عليّ فيها الكفارة، فلم أرد أن آخذ (من) (١٨) شيء لم يؤذن لي فيه. وقميصي هي ملك لي ولا يقبل الله سبحانه إلاّ (ما كان) (١٨) طيّبا، فما رأيت شيئا طيّبا ليس لإخوتي فيه ملك ولا شركة [غيرها] (١٩) فبعتها، وكفرت الأيمان التي وجبت عليّ قبل أن أموت. ولقد شقّ عليّ غضبك، وشغل سرّك، فاجعليني في حلّ، فو الله ما أردت بفعلي [هذا] (٢٠) إلاّ مرضاة الله تعالى، فتغلغلت الدموع في عيني والدته، ثم سألته أن يجعلها في حلّ من ضربها [له] (٢١)، ففعل. وكانت قبل ذلك تؤذيه بلسانها وتصيح عليه وتؤنبه، فلما رأت صدق نيته في طلب ما يقرّب إلى الله تعالى أمسكت عنه وعطفت عليه، ولاطفته في أموره وسارعت إلى ما يسره من الخير. وكان (٢٢) له -رحمه الله تعالى-دعاء وكلام من الحكمة، فمن دعائه أنه كان يقول: اللهمّ آنسني بك في الخلوة (٢٣)، واحفظ عليّ أسباب العزلة، وسلّمني في المجالسة والمخالطة. وكان يقول (٢٤):

стр. 922

الدنيا أمل ووجل، والآخرة جزاء وعمل، والمتوسط بينهما أجل، واذكر أجلا يطلبك، وخدّة (٢٥) تحث بك، وقوة منك تنتقص، ونفسا منك تختلس مع كل نفس (٢٦). وكان يقول: ألا أخبركم بالحازم العازم، الذي قال: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٧). وقال-رحمة الله عليه-عند عارض من بعض الأصحاب عرّض بشيء (٢٨). لا تطمئن فإن الناس قد حالوا ... واقبض لسانك عما قلت أو قالوا واحذر زمانك إذ أخرت (٢٩) عن زمن (٣٠) ... بادي (٣١) النصيحة إما ملت أو مالوا وابك الدماء على ما فات من زمن ... فيه الوفاء وفيه الدين والحال (٣٢) لله أنت لقد غودرت في زمن ... أعلى الفضائح آداب (٣٣) وأفضال (٣٤) واقنع بحلسك (٣٥) إن تقبل نصيحتنا ... أو تصمتن (٣٦) فما يعنيك تسآل

стр. 923

ثم كانت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٣٧ - سعيد بن الأصفر المعلم (*) كان ذا أوصاف جميلة، وكان إذا جنّه (١) الليل يقول: اللهمّ اجعلنا من قوم رفعهم الوفاء بعهدك، فخضعت لك نفوسهم، واستحيت منك قلوبهم، وأطرقت جوارحهم بالفقر والفاقة، والرضى والتسليم فصرخوا إليك بلسان الفقر، وأعولوا (٢) بالبكاء خوف الانقطاع، يبكون بأنفسهم على أنفسهم. قال أبو عبد الله بن التمار: كنت أحضر عنده في المسجد، فأنا عنده يوما حتى أقبل أبو محمد الجبي (٣)، وأبو بكر بن سعد، ويونس السقاء (٤)، قال يونس: ومررنا في طريقنا بفول أبيض سخن قد أخرج من القدر، فتاقت نفسي إليه أنا (٥) وأبو بكر ابن سعد وأعجبنا. قال أبو عبد الله: فلمّا سلّموا على سعيد المعلم وجلسوا أخرج خرّوبة (٦) من تحته وقال لي: اذهب فاشتر (٧) (بها) (٨) فولا سخنا. قال: فجئته به. فقال اجعله بين يدي أبي بكر، فقال له/أبو بكر: لست (٩) آكله حتى تعرفني ما سبب هذا؟ فقال له سعيد: لما رأيتك مقبلا تاقت

стр. 924

نفسي إلى فول، فعلمت أن ذلك من أجلك. رحمة الله تعالى عليه. وفيها توفي ٢٣٨ - أبو محمد الأوساني (١*)، المتعبد (*) بالمنستير ، ﵁. كان مشهورا بالعبادة. كان إذا صلّى بكى. وإذا تحدث بكى، حتى عمشت عيناه. كان صاحب أقوات معلومة: يخيّر نفسه عند إفطاره في نصف المدّ (٢*) فإن اختارت دقيقا أو سويقا أو زبيبا أو تمرا أو تينا، لم يطعم غيره إلى مثلها من الليلة القابلة. وكان هجّيره: «ما أبعد الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشها على من لم تكن أنيسه، إلا هي وأي دهر لم يعصك فيه أهله، فكنت أنت العوّاد عليهم بالمغفرة». وكان كثيرا ما يقول: يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النّعم وفيها توفي: ٢٣٩ - أبو عبد الله محمد بن حنيف (١) الجندي (**) المتعبد ، رحمه الله تعالى. كان صالحا، فاضلا، مشهورا بالعبادة. ومما أسند [عنه] (٢) ما ذكره أبو بكر الزويلي (٣) عنه أنه قال: يروى عن رسول

стр. 925

الله ﷺ أنه قال: أعلمكم/بالله أعرفكم بنفسه، من قيّد سرّه بعلانيته، وراقب الله تعالى عند همومه، وحاسب نفسه عند كل نفس، فقد أدرك آداب نفسه. قالوا: وكان يقول: الدنيا عوار يتداولها أهلها على قدر أعمالهم فيها، ثم يدعها صادر لعابر (٤) حتى تتم العدة وتنقطع المدة، ويحصد [كل] (٥) إنسان ما زرع. وأمر الدنيا صغير وحقير (٦)، وهي فانية، والفاني يشبه بعضه بعضا. وما مضى منها لا يوجد له طعم ولا لذة. وكفى بك من علم ما بقي منها علمك بما مضى، أمورها أشباه، وأيامها دول، فأنت بعد الصادر عابر، وبعد الأول آخر، فخذ مثلك من مثلك، فكم همام بسط له في أمله ثم لاح له نجم المنيّة، فإذا الملك مملوك، وأخو السلطان صعلوك، قبض على أمواله، وشغل عن أعماله، [وصار] (٧) بعد القصور إلى جدث بالفلاة محفور. فاعمل في حسابك لوفاتك قبل نزول الأسباب، وانقطاع الأنساب. ومنهم (١): ٢٤٠ - أبو إبراهيم (٢) ابن العربي (*)، المتعبد. ﵁. مذكور بالخير والدّين والحقائق. من أجلاء عبّاد الجزيرة (٣) كان أبو العباس الابياني يجله ويعظمه ويذكر مناقبه.

стр. 926

وكان من شأن عباد الجزيرة إذا أرادوا التوجه إلى الحصون للرباط، أتوا إليه وسألوه (٤) أن يمضي معهم رغبة في صحبته، فيقول لهم: حتى أشاور والدتي -وكان برّا بها، مطيعا لها (٥)، مؤديا لحقها-فيدخل إليها فيشاورها، فإن أذنت له مضى معهم. وإن أبت حلس (٦) وتركهم. فقالوا له يوما: في مثل السّير (٧) إلى الرباط وأبواب البرّ تشاور والدتك؟ فقال لهم: نترك ما هو أفضل لي من طاعة الوالدة ونخرج في ما هو أتعب لي وأشق عليّ وأقل أجرا، بل أجري في طاعتها أكبر من أجري في المواضع التي نتوجه إليها معكم (٨). وذكر عنه من إبرارها (٩) شيء عظيم. وكانت له فراسة فضّله الله تعالى بها، فمن ذلك (١٠) أنه كان إذا أقرأ (١١) الصبيان أعشارهم يقول لطفل (منهم) (١٢): اقرأ أنت يا شصّ (١٣)، ويكثر من قول ذلك، فإذا كبر الطفل تسرّق (١٤) وتلصّص وصحّت (١٥) فيه فراسة أبي إسحاق-رحمه الله تعالى-وبصيرته (١٦). ولما قرأ كتاب آداب المعلمين (١٧) لمحمد بن سحنون-﵃-ترك

стр. 927

التعليم وقال: /لله عليّ لا علّمت أبدا. وذلك أنه خاف أن يضعف عن القيام بالشرائط (١٨) التي فيه، فتركه تورعا (١٩). وذكر أنه لما حج، ومعه عطية الجماجرى (٢٠) لينتفع بصحبته، فلما وصلا إلى برقة-ومنها أصل أبي إبراهيم-سأل عن نسبه بها، فعرّف أنه من العجم، فكتب (إلى بعض) (٢١) إخوانه بالجزيرة كتابا (٢٢) فيه: قد كنت انتسبت (٢٣) عندكم إلى البربر، فتقصيت في بلدي عن نسبي، فإذا بي (٢٤) من العجم، فنحمد الله تعالى إليكم الذي (٢٥) لم يجعلني من البربر. وإنما خاف-والله تعالى أعلم-أن يكون من البربر لأحاديث رويت في ذمهم، فمن ذلك ما ذكر في مسند ابن سنجر مسندا عن عثمان بن عفان ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: قسم الله تعالى الخبث على سبعين (جزءا) (٢٦) فجعل في البربر تسعة وستين جزءا والثقلين جزءا واحدا (٢٧). ويروى عن شيخ ثقة من أهل الإسكندرية أن سليمان بن داود-صلّى الله عليهما-أرسل بربريا (٢٨) مع شيطان (في حاجة) (٢٩)، فرجع الشيطان يتعوذ بالله من البربري (٣٠).

стр. 928

وكان بالجزيرة فضلاء وعباد، منهم: ٢٤١ - نصرون اللوزي المتعبد (*) ، رحمة الله عليه. أوصافه/كلها حسنة، له براهين وكرامات. فمن ذلك ما حدثنا به جماعة من شيوخ الجزيرة: أن سلما (١) وأبا إبراهيم بن العربي وغيرهما مضوا لزيارة نصرون بقرية اللوزة (٢) بالجزيرة، فقال بعضهم لبعض: ليشته (٣) كل واحد منا شهوة، فقال سلم: أنا أشتهي إفريقية (٤) بزيت طيب. وقال أبو علي: أنا أشتهي قرصا من سميذ بعسل. وقال أبو إبراهيم: أشتهي أنا قمحا مقلوا، فلما وصلوا إلى نصرون سلموا عليه، فقال لهم: ما الذي أتى بكم؟ قالوا: زائرين. قال: زائرين لله تعالى؟ قالوا: نعم، (فقال: إن صدقتم فقد أفلحتم، ثم أعاد عليهم القول ثانية، فقالوا: نعم. فقال لهم: إن صدقتم فقد أفلحتم وأفلح البلد الذي جئتم منه، ثم أعاد عليهم القول ثالثة، فقالوا له: نعم) (٥) فقال: إن صدقتم فقد أفلحتم وأفلح البلد الذي جئتم منه والبلد الذي جئتم إليه. ثم أقاموا عنده، فلما كان الليل أتى إليهم بالعشاء، فقدّم إليهم ثردة (٦) بدجاجة وعليها زيت طيب، وقال لسلم: كل يا سلم يا صاحب الإفريقية. ثم أتى بقرص سميذ بعسل طيب وقال: كل يا أبا علي يا صاحب الحلوات. ثم أتى بقمح مقلو/وقال: كل يا

стр. 929

أبا إبراهيم يا صاحب المحفّفات (٧). فذكرت هذه الحكاية للمؤدب محرز (٨) -رحمه الله تعالى-فقال: يمكن أن يكون سمع ذلك منهم رجل من مؤمني الجنّ فوصّله (٩) إلى نصرون أو رأى ذلك في المنام، ﵁.

стр. 930

ثم كانت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٤٢ - أبو عبد الله محمد بن أبي المنظور (١) عبد الله بن حسان الأنصاري (*) القاضي، رحمه الله تعالى. يوم السبت الظهر، وصلّى عليه عبد الله ابن هاشم. وهو يومئذ حاكم (٢) القيروان، ودفن حينئذ بباب سلم (٣) لعشر بقين من المحرّم. قال [أبو] (٤) عبد الله بن سعيد الخراط: أصله من الأندلس، له رحلة إلى العراق وإلى اليمن، سمع من إسماعيل القاضي (٥)، وابن قتيبة (٦)، والحارث بن أبي أسامة (٧)، وأبي يعقوب الدبري (٨) بصنعاء.

стр. 931

ولي قضاء القيروان لإسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. سمع منه أحمد بن عبد الرحمن القصري وعبد الله بن أبي هاشم وعبد الله ابن التبّان وغيرهم. وتوفي وهو قاض (٩). وكانت له عند أهل البلد جلالة، وأغلق (١٠) عن (١١) نفسه باب السماع واعتذر بأنه لزمته يمين غليظة أن لا/يسمع (١٢) أحدا (١٣) من أهل القيروان، وربما أسمع الرجل الغريب. وحجّ في رحلته، وولي القضاء وقد ناف على التسعين سنة ولم يشب شعره، كان غرابيّا (١٤). وذكر أنه لما شدّ عليه إسماعيل في ولاية القضاء قال له: لا التزم لك هذا الأمر إلاّ على أن لا آخذ لكم صلة، ولا أركب لكم دابة، ولا أقبل شهادة لمن طاف بكم (١٥) أو قاربكم، ولا أذممكم (١٦) في شيء ولا أحدا بسببكم، ولا أركب لكم مهنئا ولا معزّيا، فأجابه إلى ذلك والتزم له ما شرط عليه. وقال له: فإذا لم تأخذ صلة فمن أين تعيش؟ فقال: بما أعيش (١٧) الآن فقال له: فعلى ماذا تركب وأنت شيخ كبير؟ فقال: الجامع قريب من داري أستطيع المشي إليه. وكان ﵀ قد سار بالعدل في أقضيته وإيثار الحق (١٨)، لا تأخذه في

стр. 932

الله- -لومة لائم. ذكر (١٩) الشيخ أبو الحسن بن القابسي-رحمه الله تعالى-قال: سبّ يهودي النبي- ﷺ -فرفع إلى القاضي ابن أبي المنظور، وشهدت عليه البيّنة، فقال: ما الذي أعمل لم أعط السيف، فأخرج من داره منبرا وقعد/عليه على باب داره، في الشارع الأعظم. قال: وأحضر اليهودي، فعرض عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، فأجلسه ومدّ رجليه وقال لرجاله (٢٠): خذوا بيده واجذبوه إلى أنفسكم حتى يتقوس ظهره، وأمر حاجبه راشدا (٢١) -وكان ذا قوة في الضرب-أن يضرب ظهره من حذو قلبه، فضربه راشد حتى غشي عليه، ثم أمر غيره فابتدأ في ضربه، فلم يزل يضربه حتى مات تحت الضرب، فقالوا له: مات (٢٢) -أصلحك الله-فقال: الحق قتله. ثم أمرهم بدفعه إلى أهل دينه. وإنما فعل ذلك-رحمه الله تعالى-لأنه لو رفع أمره لم يقتله بسبب السبّ، فأظهر إنما يضربه ضرب الأدب (٢٣) ليصل بذلك إلى قتله، فإذا قيل له: قتلته، قال: مات (٢٤) من ألم الضرب. وذكر (٢٥) الشيخ أبو الحسن [القابسي] (٢٦) قال (٢٧): قام القاضي [ابن] (٢٨) أبي المنظور من مجلسه في الجامع منصرفا إلى داره، فلما دخل من باب داره أحسّ (٢٩) في الدار حركة وشمّ رائحة طيّبة، فدخل إلى بيته، فلما جلس قال له أهله:

стр. 933

«سلاف» داية (٣٠) السلطان جاءت إليك-وكانت سلاف هذه لم يكن عند إسماعيل أعزّ منها-قال: فجعلوا لها منبرا/على باب البيت [قال] (٣١): وكان القاضي قد حبس نائحة وقد اشتهرت بالفسق ومخالطة السّفهاء (٣٢) وشهد عليها عنده بألوان من الفسق، فضربها وسجنها في الفلقة. قال: فقالت له: سلام على القاضي (٣٣)، فقال لها: مالك يا هذه؟ فقالت له «قضيب» جارية السلطان، فقال لها: ما لها؟ فقالت: تقول لك: «مشتاق» المسكينة قد انتهيت منها إلى ضربها وسجنها، وانتهيت منها إلى ما رأيت أنه الحق عندك، فأحب أن تخرجها وتطلق سبيلها، فقال القاضي لسلاف: والله يا منيتنة لولا ... (٣٤) لأوجعتك ضربا ولجعلتك (٣٥) في مكانها، أيش تحبوا (٣٦) أن تجعلوا ظهر الشيخ السوء [قنطرة] (٣٧)؟ اذهبي لعنك الله تعالى ولعن من أرسلك. قال: فولولت (٣٨) وشقت ثيابها وكشفت رأسها وذهبت إلى «قضيب» [قال] (٣٩) -وكانت قضيب ليس عند السلطان (إسماعيل) (٤٠) أعزّ منها، حتى انه كان يقول لها: الناس كلهم عبيدي وأنا عبدك، وكان قد شغف بها-فذكرت لها ما قال القاضي، فدخلت (بها) (٤٠) إلى إسماعيل، فقال لها مالك؟ وشق عليه ما رآه منها، لأنه كان يجلّها (٤١)، فذكرت له ما جرى، فقال لها: أيش نعمل له (٤٢) ما أخذ

стр. 934

لنا صلة ولا ركب لنا دابة ولا نقدر على عزله، ونحن نحب صلاح البلد (٤٣). قال: فانصرفت مخزية (٤٤) هي و «قضيب». وقال الشيخ أبو الحسن (٤٥) -رحمه الله تعالى-: كانت لمعلمي التونسي خصومة عند القاضي، فلما ثبت حق المؤدب عنده أنفذ الحكم له. فلما كان يوم الجمعة لبس المؤدب ثيابه وتعرّض للقاضي ابن أبي المنظور في طريقه، فشكره وأثنى عليه وعلى حكمه (٤٦) له بحقه. قال: فانتهره (القاضي) (٤٧) وقال له: يا ورنيدة (٤٨)، تشكرني على ما لزمني من الحق لك، ما الذي أقول لك؟ لكنك معلم حقا. وفيها توفي: ٢٤٣ - أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه (*) كنيته أبو جعفر (١)، يوم الاثنين (٢)، ودفن يوم الثلاثاء. أراد إسماعيل أن يوليه قضاء القيروان فامتنع من ذلك. سمع منه جماعة من أهل العلم منهم: أبو محمد بن أبي زيد وغيره. وكان من المجتهدين في العبادة. وكان (٣) أبو ميسرة-رحمه الله تعالى- يختم كل ليلة ختمة في محراب مسجده: فبينا هو ليلة في تهجده وبكائه، بعد ما أتى على صلاته، إذا بنور عظيم خرج له من حائط المحراب، وبوجه

стр. 935

كأنه البدر (٤) فقال له: تملّأ من وجهي يا أبا ميسرة، فأنا ربك الأعلى، فبصق في وجهه وقال له: اذهب (يا ملعون) (٥) فعليك (٦) لعنة الله تعالى، فطفئ ذلك النور من ساعته كسراب بقيعة، وإذا به إبليس لعنه الله أراد أن يفتنه فحماه الله تعالى منه بمنّه وكرمه. ووقع في عقل إسماعيل أن أبا ميسرة لم يكن يرى الخروج عليهم، فأراد (٧) أن يوليه القضاء فأداره عليه (٨)، فقال له: كيف يلي القضاء رجل (٩) أعمى يبول تحته؟ وما علم به أحد أنه أعمى إلاّ ذاك اليوم، فقال له: منذ كم عميت -أصلحك الله تعالى-؟ فقال: منذ ثماني عشرة (١٠) سنة. ثم قال: اللهمّ إنك تعلم أني انقطعت إليك وأنا ابن ثماني عشرة (١٠) سنة فلا تمكّنهم مني، فما جاء العصر إلاّ وهو من أهل الآخرة، فغسّل، وكفن وخرج [به] (١١)، فوجه إليه إسماعيل بالكفن (١٢) والطيب، فوافاه (١٣) الرسل على النعش، فأنزلوه في «درب ابن دينار» في المسجد وجعلوا عليه الكفن. وكان (١٤) ﵁-بجواره رجل أسود، فكان ينقب ويسرق ولا يبالي ما ارتكب، فمضى إليه الجيران وقالوا له: ارحل عنا، فشتمهم وسبّهم، فلما صلّوا العشاء الآخرة قالوا له: يا أبا ميسرة ادع (الله) (١٥) تعالى عليه، فقال:

стр. 936

اللهمّ [إنه] (١٦) عبد من عبيدك ونحن نخافه (١٧) لأنه لا يخافك فأصلحه (١٨). وإن لم يسبق في علمك إصلاحه فخذه بعلمك وأزل عنه حلمك وفاجئه (١٩) بسطوتك (٢٠) ونقمتك. قال: (فلما) (٢١) أصبح الصبح جاء الشرط فأخرجوه (٢٢) من داره ومضوا به فضربوا عنقه. فقال أبو ميسرة بعد ذلك: بالدعاء يتقرب إلى (الله) (٢١) ، وبالدعاء يصرف البلاء، وبالدعاء يتنزّل (٢٣) الغيث من السماء، لأن الله أمر به ووعد بالإجابة. وكان متواضعا في نفسه-رحمه الله تعالى-وقالت له والدته: يا بني ما تتقي المقت من الله وعلى مائدتك ثلاثة ألوان: ثردة بالسلق، وصير (٢٤)، وزيت وخبز. ذكر صنوف من كراماته وفضائله: قال (٢٥) الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن الفقيه-﵁: خرج أبو ميسرة ليصلي على جنازة بباب سلم، فشق الجبانة (٢٦) فإذا بامرأة مع رجل في مجنبة (٢٧) قد أمكنته من نفسها، وهو يحل سراويله (٢٨)، فصاح أبو ميسرة: لا

стр. 937

حول ولا قوة إلاّ بالله، وأقبل وهو يريد السير إلى ناحيتهما (٢٩)، فتركها الرجل وهرب، فأقبلت المرأة إلى أبي ميسرة، فضربت بيدها على أطواقه (٣٠) وصاحت بأعلى صوتها: معاشر المسلمين: هذا الرجل راودني عن نفسي (٣١). وأبو ميسرة ساكت، فلما رأت ما هو فيه من قلة المقدرة، تركته وقالت له: إياك أن تغيّر المنكر إلاّ ومعك غيرك (قال) (٣٢) فانصرف أبو ميسرة وهو يقول: بين مصدق ومكذب، (بين مصدق ومكذب) (٣٢)، وأقبل وهو يكرر هذا الكلام حتى انتهى إلى منزله. قال أبو بكر أحمد بن سفيان الداودي (٣٣): أتيت أبا ميسرة (٣٤) فدخلت عليه وسألته عن حاله، وكان ضعيف البصر، وكنت حدثا ليس لي لحية، فقال لي: ما معك أحد؟ فقلت: لا، فقال لي: قم فاخرج فإذا جاء أصحابك دخلت معهم. قال ابن الخلاف (٣٥): وأتت إليه امرأة تسأله عن شيء، فقال لها: يا هذه ارفعي صوتك، فقيل له في ذلك، فقال: خفت أن تمرض (٣٦) لي كلامها. وقال له رجل (٣٧): ادع الله تعالى أن يكفيني الهمّ كلّه، فقال له: أما ما دمت في الدنيا. أي لا بد فيها من الهمّ (٣٨). وشكا إليه رجل أنه لا يقوم الليل، فقال له: إذا استيقظت (٣٩) فتوضأ وصلّ ركعتين، فإذا نودي يوم القيامة: أين قوّام الليل؟ قمت معهم بتلك الركعتين. قال أبو الحسن بن الخلاف-﵁-لقد أعجبني هذا من قول

стр. 938

أبي ميسرة وهكذا يكون الأدلاء. وكان (٤٠) يقول: معرفة الصالحين تورث الفردوس الأعلى. وشكا (٤١) إليه بعد عهده به (٤٢)، فقال له: يا أخي (إنما) (٤٣) فائدة الاجتماع الدعاء، فإذا ذكرتني دعوت لي، وإذا ذكرتك دعوت لك، فنكون كأنا التقينا وإن لم نلتق. وقال (٤٤) ابن الخلاف: كنت عنده يوما (٤٥) اقرأ عليه رقعة، فوقف بالباب سائل (٤٦) فقلت له: فتح الله لك، فقال لي أبو ميسرة-رحمه الله تعالى-: قل فتح الله تعالى لنا ولك، فلعلها ساعة توافق إجابة. وذكر (٤٧) -رحمه الله تعالى-: قال: رمتني والدتي عند رجل من الرهادنة (٤٨)، وأنا صبيّ، وكان عنده صبيان، فكان يعطيهم سلع الناس يبيعونها، ولا يعطيني أنا من تلك السلع شيئا، فكان هذا دأبه معي يوم وثان (٤٩) وثالث (٥٠)، فلما رأيت ذلك منه، قلت لرجل من جيراننا: ما علّة هذا الرجل في دفعه لصبيانه ما يبيعونه دوني؟ فقال لي: أنت إذا بعت استقصيت وهؤلاء لا

стр. 939

يستقصون (٥١) في البيع/يبيعون (٥٢) ذلك ليأخذه من تحت يده (٥٣)، فينفعونه (٥٤) بذلك، فتركت ذلك ورجعت أكتب في البركة (٥٥)، فباعوا رأسا وشرطوا فيه عيوبا، فأبى المشتري أن يقبله بتلك العيوب، فلما كان آخر النهار باعوه من رجل ولم يذكروا له العيوب التي ذكروها (٥٦) للرجل الأول، فقلت لهم: غدوة (٥٧) ذكرتم أن به عيوبا (٥٨)، والساعة تبيعونه بلا عيب، فقال بعضهم لبعض من أين جئتم لنا بهذا (٥٩)؟ قال فتركت البركة ورجعت أكتب في باب الغنم (٦٠). قال: فأتاني صاحب القنية (٦١) يوما، فقال لي: اقرأ ما على فلان، فقلت له (٦٢): على فلان كذا وكذا، فقال لي: أرأيت (٦٣) لو قال لك ليس عليّ إلاّ كذا وكذا ما الذي تقول (له) (٦٤)؟ [قال] (٦٥) فقلت له: أقول له: ما عندك إلاّ كذا وكذا، (قال) (٦٤): فقال لي: أرأيت لو قال (٦٦) لك امرأتي (٦٧) طالق كذا وكذا، وما

стр. 940

عندي (٦٨) صدقة، ما عندي شيء من ذلك، ما الذي تقول له؟ فقلت له: أقول له ما عندك (٦٩) إلاّ كذا وكذا، فقال لي: اترك الدفتر من يدك. وكان أراد مني أن أقول له: امرأتي طالق وأحلف كما حلف ما عندك إلاّ كذا وكذا، فتركت ذلك ولزمت الدار، وكانت خربة، فضرب عليّ عباس الزيات الباب، فخرجت إليه، فسألني وقال لي: قم اعجن لي (٧٠) الطين وأنا أبني لك، فعجنت له الطين وكان يبني (٧١) حتى بنى لي غرفة، فلزمت (طلب العلم و) (٧٢) العبادة من حينئذ. وكان أبو بكر بن اللباد الفقيه-﵁-يجلّه ويعظمه ﵀. وفيها توفي: ٢٤٤ - أبو رزين الأسود الجمونسي المتعبد (*) الساكن بجمونس (١). كان من أهل الاجتهاد في الطاعة، صحب أبا ميسرة وكانت بينهما اخوة. وصحب غيره. ظهرت له براهين وكرامات. أثنى عليه ربيع القطان. قال: عبد الملك بن داود: صحبت (٢) أبا رزين إلى الحج، فكنت أنا وصاحبي إذا عجنّا عن أنفسنا مدّين كان قوتنا غداء وعشاء، وإذا عجن أبو رزين جاءنا فيه الغداء والعشاء ونشبع. وقلت له يوما: إني لا أعلم اسم المرأة التي احج عنها، وذلك عند

стр. 941

الإهلال، فقال لي: أهلل (٣) باسم الله، وقل اللهمّ عن ميمونة، [وهو لا يعرفها، ولا يعرف اسمها ميمونة ولا موضعها، ففعلت (٤) ما أمرني به، ثم قدمت فسألت عن اسمها، فإذا اسمها ميمونة] (٥). قال: وقال لي أبو رزين: حشدني حاشد السودان قديما إلى رقادة، فبذل أهل البلد للحاشد دينارين ليتركني فأبى بكل حيلة (٦)؛ فأخذني ومضى بي إلى رقادة، وأبو معلوم الكتامي يسمي (٧) [الناس] (٨) المحشودين (٩) فلما قربت منه نظر إليّ /وقال: من أمركم أن تجيبوا هذا؟ وهو لا يعرفني، وقال: [جيبوا] (١٠) دواة وقرطاسا وكتب: يا معشر الحشاد لا تعرضوا لأبي رزين هذا في أي بلاد كان، وأطلقني وأمر بالحاشد أن يعلّق ويضرب، فانطلقت وأنا أسمع صياحه من الضرب.

стр. 942

ثم كانت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٤٥ - أبو محمد عبد الله بن فطيس (*) المتعبد ، ﵁. أوصافه جميلة. سمع من يحيى بن عمر وغيره. وكان أحد المشيخة الذين عقدوا الخروج في الجامع على [بني] (١) عبيد الله. وقال بعضهم: مرّ [ابن فطيس] (١) بجماعة نساء وهنّ يبكين، قال: فدخل وسطهنّ (٢) يبكي وينوح، فقيل له-أصلحك الله تعالى-: إنهن نساء، فقال، والله ما حسبتهنّ (٣) إلاّ رجالا اجتمعوا يبكون على الذنوب. قال: وكان إذا سمع نواح النساء في مقبرة باب نافع، وهو في بيته، ينوح وينتحب ويندب نفسه. وكان مستجاب الدعوة: بينما هو يؤذن إذ مرّ به رجل (٤)، كان معروفا بالأذى، متعلقا بحدث، فاستغاث الحدث بأبي محمد وقال له: يا عمّ خلصني منه؟ فقال له: دعه يا فاسق، فعطف عليه الرجل، وبيده سكين مصلت، وقال له: والله يا شيخ كذا وكذا، وشتمه بأقبح الشتم، لئن لم تربح عافيتك (٥) لخضبتها (٦) من دمك (٧)، فقال: اللهمّ عاجله، فما هو إلاّ أن [بلغ] (٨) كسر (٩)

стр. 943

ركن المسجد، إذا بالصبي قد أقبل وهو يقول: يا عمّ انظر والله ما معي سكين. فقال: مالك يا بني؟ فقال: لمّا عطف بي الركن (١٠) خرج إليه رجل وبيده خطر (١١)، فضربه به الرأس (١٢) فصرعه وها هو (١٣) ميت، فقال له: انصرف، فقد عافاك الله . ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان، وقد هجم أصحابه في أبوابها، وعاث عسكره في البلد، وانتهب وأفسد (١٤)، [قال] (١٥): فحملنا أبا محمد [ابن] (١٦) فطيس على أيدينا ووقفنا به إلى أبي يزيد، وسلّمنا عليه، (فخاطبه أبو محمد) (١٦) وقال له: أيها الأمير إني إذا ذكرت الآية التي في سورة محمد ﷺ تذكرتك (١٧)، فقال [أبو يزيد] (١٨): وما هذه الآية؟ قال: قول الله ﵎ إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١٩) فقال له أبو يزيد: هذا جزاء وشرط.وقد قال الله في كتابه العزيز [ما] (٢٠) هو آكد من ذلك [وهو] (٢١) قوله تعالى وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٢) فقال له أبو محمد: إن العسكر هجم القيروان (٢٣).

стр. 944

وقد عاث/وأفسد، فقال له: ما يحلّ [لي] (٢٤) أن أمنعهم ما أباح الله تعالى لهم (٢٥). لأن بلدكم هذا قد أخذته بلا عهد ولا عقد. ألم يشتم النبي ﷺ وأصحابه وعائشة أم المؤمنين وأنتم تسمعون ولا تغيرون؟ فقال له أبو محمد: كنّا مستضعفين. فقال له أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ ااسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها (٢٦) ما أحد أضعف منّي ومن صاحبي، أنا أعرج وصاحبي أعمى (٢٧)، وقد قمنا بما يجب علينا من حق، فقال له: أيّها الأمير أحسن إلى أهل هذه البلدة، فقال له أبو عبد الله محمد بن سعيد الخشاب المؤدب (٢٨): أتيناك بمديح، فقال: إني امرؤ لا أقبل المديح، فقلنا له: في الدّين، فقال: هات (٢٩) فتكلم كلاما بالبربرية أظنه قال: اسكتوا، فصاح العسكر صيحة عظيمة حتى ظننا أن الدنيا [قد] (٣٠) انطبقت (٣١). ثم سكتوا حتى لا يسمع صوت أحد، وأصغى إلى أن أنشدته إياها وأولها (٣٢): *ألا يا عباد الله قوموا فجاهدوا* قال: فلما أتممتها صاح بقوم فقال لهم: نادوا في القيروان بأن لا يبقى أحد فيها من العسكر، (ففعل ذلك) (٣٣)، فخرجوا في الوقت (٣٤).

стр. 945

قيل: وكان إذا سمع النساء يبكين (٣٥) في مقبرة باب نافع (وهو في بيته) (٣٦) ينوح (وينتحب) (٣٦) ويندب نفسه كما قال موسى بن أصبغ. فأصبحت مرتاد المآتم (٣٧) والها ... إذا ما بكى باك على ميت نحت وحقّ بأن أفنى ضنى وصبابة ... على جلل الحوب (٣٨) الذي كنت أسلقت وكان مستجاب الدعوة: (بينما هو يؤذن، وذكر الحديث الذي تقدم) (٣٦). وفيها توفي: ٢٤٦ - أبو محمد عبد الله (١) بن أبي المهزول (*) المتعبد. كان (٢) -رحمه الله تعالى-من كبار الشيوخ. كان له علم بالله تعالى ومعرفة (٣) ويقين، انتفع بصحبته الشيخ أبو إسحاق السبائي. كان ساكنا مرسى الياقوتة (٤) بناحية بنزرت (٥). كانت (٦) له روايات عن شيوخه، فمن ذلك ما رواه عن محمد بن عبد الله

стр. 946

بن بشير عن منصور بن عمار (٧) قال: كنت بمكة فنمت في المسجد الحرام، إذ رأيت (٨) كأنّ امرأة تطوف بالبيت عليها ثياب خضر تتبختر فيها، فقمت كالمنكر عليها، فقلت لها: من أنت يا هذه تطوفين (٩) بالتكبر والتجبر حول بيت الله تعالى الحرام؟ فقالت لي أنا زبيدة، فقلت لها (أنت) (١٠) أمّ الخليفة محمد الأمين، زوجة الرشيد أمير المؤمنين، وابنة الخلائف؟ فقالت (١١): تعس الخلائف وددت لو أني كنت راعية بعدن أعيش بالبقل والحنظل، فقلت لها: قد كانت لك أفعال حسنة في تسهيل (١٢) العقاب وسقي (١٣) الماء بالاستنباط يروي القريب والبعيد ووفد الله تعالى من الحجيج، وبناء المساجد والحصون، فقالت: قد جاء ذلك من حيث جاءوا وأحصاه (الله) (١٤) عددا وأوقف الأباعد والأقارب كلاّ على حقه. ولقد رأيت زنة الذرة تصير إلى ميزان صاحبها، غير أني حرقت في الدنيا بولدي، حرقت بوابه؟ وطفت مع الرشيد أمير المؤمنين، فإذا امرأة أرملة معها (أيتام) (١٤)، فأهويت إلى خاتم فألقيته (١٥) إليها وله فصّ يساوي أربعين ألفا (أعنتها) (١٤) به، وكان ميراثي من آبائي قبل الخلافة، فوهب الله (لي نفسي) (١٤)، فلم أر شيئا-يا منصور-عند الله ﵎ أفضل (١٦) من الصدقة على الأيتام. قال الفقيه أبو عبد الله الأجدابي: رأيت بخط ربيع القطان قال: كان ابن

стр. 947

أبي المهزول لا يقرأ البسملة في صلاته. وكان مؤذّن مسجده لا يقول في آذانه: «حيّ على خير العمل»، فانتشر ذلك عنه وفشا حتى انتهى الأمر إلى السلطان فوردت الكتب إلى عامل الموضع أن يأمرهما أن يرجعا (١٧) عن ذلك، فأمرهما، فلم يفعلا، وراجعه العامل غير مرّة، فلم يفعل. فبعث ابن زريق ليشهد (١٨) على فعلهما/ويعاتبهما، فقدم ابن زريق إلى الموضع، فقال للشيخ (١٩) ابن أبي المهزول: إلى هاهنا، فقال له: لا، فقام ابن زريق وقال له: إن لم تنته عن هذا أعلمت السلطان، فلم يجاوبه الشيخ بشيء. ثم كرر عليه القول، فلم يجبه بشيء، فذهب ابن زريق، فقال المؤذن لابن (أبي) (٢٠) المهزول: نترك الآذان؟ فقال له الشيخ: لا تفعل، فاني سألت الله أن يميتني وإياك قبل أن يبتلينا بأمر من عندهم. [قال] (٢١): فأتى كتاب من الملعون (٢٢) السلطان بقتلهما والناس منصرفون من جنازة أحدهما، وقد دفنا جميعا أحدهما بعد (٢٣) الآخر. وذكر-﵀-أن كتامة أرادوا قتله والدخول عليه في المسجد، فنظروا فيه وداروا ثم خرجوا، وأنا أراهم، فمنعني الله تعالى منهم أن يروني وسلمت. قال مكي بن يوسف الهمداني: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: سقط ولد [ابن] (٢٤) أبي المهزول من فوق القصر إلى أسفل فقام ابن أبي المهزول إلى الصلاة لما سمع بخبره، فسلم الصبي من وقعته وقام يمشي على رجليه وقام يجبذ (٢٥) بثوب أبيه ويقول: يا أبي (٢٦) هذا أنا.

стр. 948

قال الشيخ أبو الحسن الفقيه بن القابسي (٢٧) -رحمه الله تعالى-: سمعت/الشيخ أبا إسحاق السبائي يقول: خرجنا مرة نزور ابن أبي المهزول بصطفورة (٢٨)، وكان معنا سبعة أنفس، فما أخذت عليهم شيئا أنكرته (٢٩) إلاّ أنهم كانوا إذا دخلوا الخلاء للاستنجاء يدخلون بركاهم، ثم يتوضئون منها ثم يحملونها على أكتافهم، فيقطر الماء من أسافلها على ثيابهم، فهذا وحده أخذته عليهم. وكان فيهم شيخ فيه مزح (٣٠)، فإذا قال أصحابه: ميلوا بنا إلي هذا القصر [فإن] (٣١) فيه رجلا صالحا (٣٢) نسلّم عليه، يقول (٣٣): صلاحه لنفسه، فلما قربنا إلى منزل ابن أبي المهزول صبروا حتى يجدّدوا (٣٤) الوضوء، وكنت بوضوء، فسبقتهم، فدخلت المسجد، وركعت تحية المسجد إلى أن دخلوا المسجد، فلما رآهم (٣٥) الشيخ قال: -وأنا أسمعه-إلى أين يدخل (٣٦) هؤلاء المسجد وهم أنجاس؟ فجلسوا بين يدي الشيخ وسلّموا عليه، فأقبل يشير بإصبعه (٣٧) إلى الشيخ [الذي] (٣٨) من جملتهم ويقول: هذا شيخ هو أو صبي، هذا شيخ هو أو صبي (٣٩)؟ قال: ثم حيانا فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام. وما قال لي شيئا،

стр. 949

فسمعت قوما يشكون إليه: إن الذين يرصدون (٤٠) المراكب (٤١) الجائزة من الأندلس إلى مصر قد آذوا الناس، فقال الشيخ ابن [أبي] (٤٢) المهزول: هؤلاء (٤٣) /قعدوا ينتظرون قوما (قد) (٤٤) سلمهم الله تعالى فقال أبو إسحاق: فقلت له: من أين علمت؟ قال أخبرت. قال فسكت. قال إبراهيم بن سعيد (٤٥) بخطّه: ذهب عبد الله وعيسى، يعرفان (٤٦) بابني (٤٧) الصقلّي من تونس إلى حصن ابن أبي المهزول. وكان من شأنهما الإقامة عنده أربعين يوما فورد عليهما كتاب أبيهما: أن زوجة عيسى على سبيل (٤٨)، وما أراكما تلحقانها، فأخبر الشيخ بالقضية (٤٩)، فقال: ما عزمكما؟ قالا: على الرحيل، فقال لهما تمّما ما جئتما له. أنت يا عيسى تجد زوجتك قد قامت، وتحمل منك وتلد ولدا وتسميه موسى، وهو ولدك حقّا، فقعدا (٥٠) ولم يخالفاه وأتمّا (٥١) أربعين (يوما) (٥٢) ثم قدما (٥٣)، فوجد عيسى زوجته في عافية وحملت وولدت له ولدا سمّاه موسى. وعاش أربعين يوما ثم توفي. قال عيسى: فلما انصرفت من دفنه ذهبت إلى ابن أبي المهزول فقلت: يا أبا محمد، كل شيء عرفناه منك غير أن علم الغيب من أين؟ فتبسّم وقال: استغفر الله تعالى، لست أعلم الغيب،

стр. 950

ولكني أسأل الله في الأمر (٥٤)، فإذا سكنت نفسي واستقرّ عليّ قلبي: علمت أنه يكون، وربما هتف بي في المنام إن الله تعالى قد أجاب دعوتك في كذا وكذا. وفضائله كثيرة، وحقه كان معروفا، وكان يزوره أبو إسحاق السبائي كما ذكرنا (٥٥) وأبو العباس (الابياني) (٥٦) ولقمان بن يوسف-رحمهما الله تعالى- ومؤمنو (٥٧) الجنّ. ومنهم: ٢٤٧ - عمرون الأسود الحامي (*) المتعبد بحصن الحامة (١). ظهرت له براهين وكرامات: حدثنا أبو بكر محمد بن اللباد (٢) قال: لما استقرّ عند إبراهيم بن أحمد الأمير أمر عمرون أراد أن ينظر إليه، فقيل له: إنه ليس يظهر إلاّ يوم الجمعة. ويظهر ساعة من النهار ثم لا يظهر إلى الجمعة الأخرى يملأ جرّته بالماء (٣) ثم يعود، فلا يزال يشرب منها ويتوضأ سائر جمعته، فركب
следующие страницы →