← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بن بشير عن منصور بن عمار (٧) قال: كنت بمكة فنمت في المسجد الحرام، إذ رأيت (٨) كأنّ امرأة تطوف بالبيت عليها ثياب خضر تتبختر فيها، فقمت كالمنكر عليها، فقلت لها: من أنت يا هذه تطوفين (٩) بالتكبر والتجبر حول بيت الله تعالى الحرام؟ فقالت لي أنا زبيدة، فقلت لها (أنت) (١٠) أمّ الخليفة محمد الأمين، زوجة الرشيد أمير المؤمنين، وابنة الخلائف؟ فقالت (١١): تعس الخلائف وددت لو أني كنت راعية بعدن أعيش بالبقل والحنظل، فقلت لها: قد كانت لك أفعال حسنة في تسهيل (١٢) العقاب وسقي (١٣) الماء بالاستنباط يروي القريب والبعيد ووفد الله تعالى من الحجيج، وبناء المساجد والحصون، فقالت: قد جاء ذلك من حيث جاءوا وأحصاه (الله) (١٤) عددا وأوقف الأباعد والأقارب كلاّ على حقه. ولقد رأيت زنة الذرة تصير إلى ميزان صاحبها، غير أني حرقت في الدنيا بولدي، حرقت بوابه؟ وطفت مع الرشيد أمير المؤمنين، فإذا امرأة أرملة معها (أيتام) (١٤)، فأهويت إلى خاتم فألقيته (١٥) إليها وله فصّ يساوي أربعين ألفا (أعنتها) (١٤) به، وكان ميراثي من آبائي قبل الخلافة، فوهب الله (لي نفسي) (١٤)، فلم أر شيئا-يا منصور-عند الله ﵎ أفضل (١٦) من الصدقة على الأيتام. قال الفقيه أبو عبد الله الأجدابي: رأيت بخط ربيع القطان قال: كان ابن

стр. 947

أبي المهزول لا يقرأ البسملة في صلاته. وكان مؤذّن مسجده لا يقول في آذانه: «حيّ على خير العمل»، فانتشر ذلك عنه وفشا حتى انتهى الأمر إلى السلطان فوردت الكتب إلى عامل الموضع أن يأمرهما أن يرجعا (١٧) عن ذلك، فأمرهما، فلم يفعلا، وراجعه العامل غير مرّة، فلم يفعل. فبعث ابن زريق ليشهد (١٨) على فعلهما/ويعاتبهما، فقدم ابن زريق إلى الموضع، فقال للشيخ (١٩) ابن أبي المهزول: إلى هاهنا، فقال له: لا، فقام ابن زريق وقال له: إن لم تنته عن هذا أعلمت السلطان، فلم يجاوبه الشيخ بشيء. ثم كرر عليه القول، فلم يجبه بشيء، فذهب ابن زريق، فقال المؤذن لابن (أبي) (٢٠) المهزول: نترك الآذان؟ فقال له الشيخ: لا تفعل، فاني سألت الله أن يميتني وإياك قبل أن يبتلينا بأمر من عندهم. [قال] (٢١): فأتى كتاب من الملعون (٢٢) السلطان بقتلهما والناس منصرفون من جنازة أحدهما، وقد دفنا جميعا أحدهما بعد (٢٣) الآخر. وذكر-﵀-أن كتامة أرادوا قتله والدخول عليه في المسجد، فنظروا فيه وداروا ثم خرجوا، وأنا أراهم، فمنعني الله تعالى منهم أن يروني وسلمت. قال مكي بن يوسف الهمداني: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: سقط ولد [ابن] (٢٤) أبي المهزول من فوق القصر إلى أسفل فقام ابن أبي المهزول إلى الصلاة لما سمع بخبره، فسلم الصبي من وقعته وقام يمشي على رجليه وقام يجبذ (٢٥) بثوب أبيه ويقول: يا أبي (٢٦) هذا أنا.

стр. 948

قال الشيخ أبو الحسن الفقيه بن القابسي (٢٧) -رحمه الله تعالى-: سمعت/الشيخ أبا إسحاق السبائي يقول: خرجنا مرة نزور ابن أبي المهزول بصطفورة (٢٨)، وكان معنا سبعة أنفس، فما أخذت عليهم شيئا أنكرته (٢٩) إلاّ أنهم كانوا إذا دخلوا الخلاء للاستنجاء يدخلون بركاهم، ثم يتوضئون منها ثم يحملونها على أكتافهم، فيقطر الماء من أسافلها على ثيابهم، فهذا وحده أخذته عليهم. وكان فيهم شيخ فيه مزح (٣٠)، فإذا قال أصحابه: ميلوا بنا إلي هذا القصر [فإن] (٣١) فيه رجلا صالحا (٣٢) نسلّم عليه، يقول (٣٣): صلاحه لنفسه، فلما قربنا إلى منزل ابن أبي المهزول صبروا حتى يجدّدوا (٣٤) الوضوء، وكنت بوضوء، فسبقتهم، فدخلت المسجد، وركعت تحية المسجد إلى أن دخلوا المسجد، فلما رآهم (٣٥) الشيخ قال: -وأنا أسمعه-إلى أين يدخل (٣٦) هؤلاء المسجد وهم أنجاس؟ فجلسوا بين يدي الشيخ وسلّموا عليه، فأقبل يشير بإصبعه (٣٧) إلى الشيخ [الذي] (٣٨) من جملتهم ويقول: هذا شيخ هو أو صبي، هذا شيخ هو أو صبي (٣٩)؟ قال: ثم حيانا فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام. وما قال لي شيئا،

стр. 949

فسمعت قوما يشكون إليه: إن الذين يرصدون (٤٠) المراكب (٤١) الجائزة من الأندلس إلى مصر قد آذوا الناس، فقال الشيخ ابن [أبي] (٤٢) المهزول: هؤلاء (٤٣) /قعدوا ينتظرون قوما (قد) (٤٤) سلمهم الله تعالى فقال أبو إسحاق: فقلت له: من أين علمت؟ قال أخبرت. قال فسكت. قال إبراهيم بن سعيد (٤٥) بخطّه: ذهب عبد الله وعيسى، يعرفان (٤٦) بابني (٤٧) الصقلّي من تونس إلى حصن ابن أبي المهزول. وكان من شأنهما الإقامة عنده أربعين يوما فورد عليهما كتاب أبيهما: أن زوجة عيسى على سبيل (٤٨)، وما أراكما تلحقانها، فأخبر الشيخ بالقضية (٤٩)، فقال: ما عزمكما؟ قالا: على الرحيل، فقال لهما تمّما ما جئتما له. أنت يا عيسى تجد زوجتك قد قامت، وتحمل منك وتلد ولدا وتسميه موسى، وهو ولدك حقّا، فقعدا (٥٠) ولم يخالفاه وأتمّا (٥١) أربعين (يوما) (٥٢) ثم قدما (٥٣)، فوجد عيسى زوجته في عافية وحملت وولدت له ولدا سمّاه موسى. وعاش أربعين يوما ثم توفي. قال عيسى: فلما انصرفت من دفنه ذهبت إلى ابن أبي المهزول فقلت: يا أبا محمد، كل شيء عرفناه منك غير أن علم الغيب من أين؟ فتبسّم وقال: استغفر الله تعالى، لست أعلم الغيب،

стр. 950

ولكني أسأل الله في الأمر (٥٤)، فإذا سكنت نفسي واستقرّ عليّ قلبي: علمت أنه يكون، وربما هتف بي في المنام إن الله تعالى قد أجاب دعوتك في كذا وكذا. وفضائله كثيرة، وحقه كان معروفا، وكان يزوره أبو إسحاق السبائي كما ذكرنا (٥٥) وأبو العباس (الابياني) (٥٦) ولقمان بن يوسف-رحمهما الله تعالى- ومؤمنو (٥٧) الجنّ. ومنهم: ٢٤٧ - عمرون الأسود الحامي (*) المتعبد بحصن الحامة (١). ظهرت له براهين وكرامات: حدثنا أبو بكر محمد بن اللباد (٢) قال: لما استقرّ عند إبراهيم بن أحمد الأمير أمر عمرون أراد أن ينظر إليه، فقيل له: إنه ليس يظهر إلاّ يوم الجمعة. ويظهر ساعة من النهار ثم لا يظهر إلى الجمعة الأخرى يملأ جرّته بالماء (٣) ثم يعود، فلا يزال يشرب منها ويتوضأ سائر جمعته، فركب

стр. 951

إبراهيم بن أحمد يوم الجمعة وكمن له في طريقه حتّى أقبل عمرون وجرّته على عنقه، فبدر إليه الحجّاب فقالوا له: الأمير يا أبا حفص يريد أن يسلّم عليك، فلما نظر عمرون إليه رمى بجرته (٤) عن عنقه وسلّم عليه، فنزل [الأمير] (٥) إبراهيم (إليه) (٦) وصافحه وقال: ألك حاجة في خاصّتك أو في عامّة بلدك (٧) (نأتي عليها فوق إيثارك) (٨)؟ فقال له: ليست (٩) لي حاجة ولكن اِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا/تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (١٠). ذكر الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الفقيه قال: ذكر الشيخ أبو إسحاق السبائي حكاية فاستفهمته فيها فوقف وقوف (١١) المتنبه، فما علمت أني سمعته (١٢) ذكرها حتى فارقته لسفري (١٣) وأنا أذكرها لأبيّن موضعها عنده لمن عسى أن يكون قد سمعها منه قبل المواقفة (١٤) فيها فتلبس (١٥) عليه. ذكر أن أبا الحسن بن تمام الأجدابي-رجل من التجار-أخبره أنه خرج مع أبيه وهو صغير إلى تونس من القيروان، لحاجة كانت لأبيه عند إبراهيم ابن أحمد (١٦) قال: فباتوا في الحصن الذي كان فيه عمرون الحامي، فذكر أنّ أباه

стр. 952

عمد إلي المبيت في سقيفة الحصن وجعل فرشه (١٧) خلف الباب بعد أن غلق (١٨)، و [ذكر أنه] (١٩) اجتمع تمام بعمرون في داخل القصر بعد أن غلق، فلما كان في السحر سمع آذان عمرون خارج القصر والباب مغلق بعد لم يفتح، ثم فتح الباب وخرجوا (إلى عند عمرون) (٢٠)، فوجدوه عند شجرة لوز، فقعدوا (عنده) (٢٠)؛ قال أبو الحسن (بن تمام) (٢٠): فقمت-لمكاني من الصغر-إلى شجرة (٢١) اللوز فتناولت منها [شيئا] (٢٢) فكسرته وأكلته (٢٣)، فأصبته مرّا، فقلقت (٢٤) منه فلما رآني عمرون وقلقي مدّ يده إلى الغصن، فأخذ منه وكسر (٢٥) وأعطاني إيّاه، فأكلت [منه، فوجدته] (٢٦) حلوا، فمددت يدي، وأخذت ثانية، فوجدته مرّا (٢٧)، فمدّ عمرون يده، فأخذ وكسر (أيضا) (٢٨) ثم أعطاني (٢٩)، فوجدته حلوا. قال الشيخ الفقيه أبو الحسن: فلما فرغ الشيخ أبو إسحاق من الحكاية قلت أنا له: كيف (٣٠) كان أبو الحسن هذا؟ قال: ما كان إلاّ رجل صدق، وذكر (أنه) (٣١) ليس ممن يتعمّد الكذب، ولا يرضى به. فقلت له: فما ترى أنت -أصلحك الله-في هذا؟ فانتبه وقال لي: إنما أخبرني به أبو الحسن بن تمام،

стр. 953

وذكر أنه كان صغيرا، فقلت له: فما تقول أنت في هذا؟ فقال لي: أنا ما أعرف هذا، وأبى أن يقول لي يمكن أن يكون، وراجعته ما أمكنني عسى أن يشير إليّ إلى إمكان أن يكون ذلك (٣٢)، فما استطعت أكثر من (أن) (٣٣) يقول: أنا ما أعرف. قال أبو ميسرة الفقيه: حدثني سهلون [الفقيه] (٣٤) قال: سألته، فقلت له: إن الناس يقولون (٣٥) إنك تشرب ماء البحر؟ فقال لي: إذا أحوجت (٣٦) إليه شربته. قال عبد الله بن نصر الصوّاف: اغتممت يوما، فأتيت إلى أبي/عبد الملك مروان (٣٧) لأتسلى برؤيته، فجرت عنده حكايات، فقلت له-أصلحك الله-: أحبّ (٣٨) أن تخبرني بما رأيته من براهين الأولياء، فقال: نعم، كنت ليلة نازلا عند عمرون الحامي فإني لجالس (٣٩) معه على سطح القصر، وقد أشرق (٤٠) القمر، إذ جرى بيني وبينه كلام (٤١) في مثل هذا المعنى، فقلت له: أصلحك (الله) (٤٢) إنه (قد) (٤٢) ذكر لي عنك أهل الحصن أنهم ربما غلّقوا (٤٣) باب الحصن، وأنت بالجبل، فيجدونك (٤٤) قبل فتح الباب بالحصن، وربما غلّقوه وأنت فيه فيجدونك بالغداة في الجبل، (فأحبّ) (٤٢) أن توقفني من ذلك على ما أزداد به

стр. 954

يقينا، فقال لي (٤٥): يا مروان إذا أريتك شيئا أتوقن (٤٦) أن الله يعطي أولياءه ما هو أكثر من ذلك (٤٧)؟ فقلت له: نعم. قال: فنظر فإذا في أسفل القصر ثوران: أحمر قائم، وأبلق رابض. فقال: ايّ هذين الثورين تريد أن أحرك لك؟ قلت: الأبلق؛ قال: فمدّ رجله حتى بلغ بها الثور. فأقامه من (٤٨) مربضه، ثم قبضها إليه، قال مروان: فكأنها-والله يا ابن أخي-عمامة أو كرزية (٤٩) سوداء أسالها (٥٠) إنسان ثم قبضها. وذكر الشيخ أبو علي حسن بن حمّود التونسي المعروف بالفوني-﵁-قال: حدثنا أن عبيدا الذي بنى المهدية/أخرج من المهدية (٥١) صقلبيا (له) (٥٢) عنف وسلطنة، ووجه معه عسكرا لحشد (٥٣) البحريين والزّوليين (٥٤) فحشد من تونس وباديتها وصطفورة (٥٥) خلقا عظيما، وجاز بهم على قصر الحامّة، فوجد قوما من أهل القصر يسقون على البئر فقرمهم (٥٦) فجرى أهلوهم (٥٧) إلى عمرون مستغيثين به، فخرج عمرون وقطع قدام (٥٨) الصقلبي الخيل (٥٩) وأشار

стр. 955

بعصاه، فانهزم الصقلبي وخيله، فلم يردّهم ردّ (٦٠) إلى منزل بني صلتان (٦١)، وهي فحوص مسيرة أميال، ثم وقف عمرون وقال للناس: حلّوا أكتفتهم (٦٢) ففعلوا، وبقي القوم وقوفا، فقال لهم: امضوا إلى مواضعكم، فقالوا: نخاف إذا فارقناك أن تلحقنا الخيل وتأخذنا وتؤسي إلينا، فقال لهم: اذهبوا أنا هاهنا قائم لا يصل إليكم أحد قال: فمضوا وخلصوا. ووصل الصقلبي إلى المهدية وليس معه أحد من المحشودين (٦٣) فقال له (٦٤) السلطان: وأين الحشد (الذي حشدت؟ ) (٦٥) فقال له [الصقلبي] (٦٦): حشدت خلقا عظيما، فلما قربت من مرسى الحامة خرج منها شيخ وبيده حربة قد انتهت إلى السماء، فصاح صيحة وأشار بها، فما جمع الله منّا واحدا مع واحد (٦٧) وافترق الحشد. ونزل بالقصر/رجل غريب محتار ومعه زوجته، وهي حامل، فأتى الرجل إلى جماعة حول القصر وقال لهم: إن لي امرأة حاملا قد اشتهت حوتا، وليس عندي ما أشتريه به، فعسى تسلفوني ربع درهم (٦٨) أشتري لها به (٦٩) شهوتها، فلم يقدر له منا بشيء، فجاء عمرون المتعبد، فأخبروه الخبر (٧٠)، فدعا بالرجل ونزل معه، حتى إذا بلغا (٧١) ذلك السمار الذي بين البحر والقصر قطعا سمارتين

стр. 956

ومضيا إلى البحر-ونحن ننظر-فما كان بأوشك [من] (٧٢) أن طلع الرجل وفي كل سمارة (٧٣) حوت (كبير) (٧٤) يثقل الإنسان. (قال) (٧٤): فكشفنا عن خبره، فقال: إن في أمر هذا الرجل لعجبا: لما حاذينا السمار، [الذي بين القصر والبحر] (٧٥)، أمرني فقطعت سمارتين، ومشينا حتى دخلنا إلى موضع من البحر ينتهي إلى نصف الساق، قال: فأقبل إليه من الحيتان ما لا يوصف، فتناول منها حوتا وقال: اجعل هذا في سمارة. ثم تناول آخر وقال: اجعل هذا في الأخرى. ثم قال: انصرف [بنا] (٧٥)، فإن في هذا كفاية. [ومنهم]: ٢٤٨ - زهرون بن حسنون الحمّال (*) كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحجّ حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه زادا. وكان يأكل من المناهل (١)، من أتاه بشيء أكله. حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية (٢) فلقيت أبا عبد الله محمد بن يحيى الأجدابي (٣)، وكان من أصحاب أبي إسحاق بن شعبان (٤) الفقيه، فبتّ معه في محرس من محارس برنيق (٥) يعرف

стр. 957

بميلة (٦). (وكان هذا سنة اثنتين (٧) وثمانين [وثلاثمائة] (٨) في إثر قصة عبد الرحمن ابن الصقلّي (٩) (١٠) وكان قد شنع على الشيخ أنه لا يقول (١١) بالكرامات (١٢) -أعني (١٣): [أبا] (١٤) محمد بن أبي زيد- (فقال محمد بن يحيى: ما هذا الذي بلغنا عن الشيخ أبي محمد أنه ينكر الكرامات) (١٠)؟ فقلت له: ما (من) (١٠) هذا شيء وبيّنت (له) (١٠) القصة كما جرت، فسرّ بذلك، وقال: [والله] (١٤) ما حسبت [إلاّ] (١٤) أن اتساعه في الدنيا (١٥) حجبه عن هذا، ثم قال لي: كنا عند (١٦) الشيخ أبي إسحاق بن شعبان، فكان يحكي (لنا) (١٠) من كرامات الصالحين شيئا كثيرا، ويتبرك بذكرهم وأخبارهم، ويتأسى بطريقهم. ثم قال لي أبو عبد الله: كان زهرون يأخذ الطرقات وحده متقفّرا (١٧). وكان لا يحمل معه زادا إنما (كان) (١٨) يأكل من منهل إلى منهل، فقال لنفسه يوما: يا زهرون صار يذكر عنك أنك لا تحمل الزاد، وأنك تأكل من منهل إلي منهل، فصار لك هذا عادة، وليس هذا من حقيقة التوكل، إن كان حقا ما تقول، فهذه طريق خالية فيها الماء خذها. وأنت تعلم أنه ما كان لك (من) (١٨) رزق يأتيك أينما كنت، (قال) (١٨): فمضى عليها حتى أتى إلى ماء، فنزل عليه وشرب وتوضأ (وصلّى) (١٨) وقال لنفسه: هذا الماء للوضوء والشرب،

стр. 958

والله معك في كلّ /مكان وهو الرازق (١٩)، فاصبري هاهنا واقعدي في هذه الخلوة، فبينما (٢٠) هو كذلك جالس إذ رأى شبحا في الصحراء مقبلا إليه [فلما وصل] (٢١) سلّم [عليه] (٢١) واستسقى (الماء) (٢٢) وسقى دابته (٢٣)، فقال في نفسه: هذا رجل قد تاه وانقطع، وأضعفه الجوع-قال: وزهرون من الشّموس والتعفار (٢٤) قد تغيّر حتى صار كالشنّ البالي-.قال: ففتح سفرة (٢٥) فيها طعام، فقال له: تعال (٢٦) نأكل (٢٧)، فلم يكلّمه، فقال الرجل: عزّ عليّ، قد بلغ منه الجوع وأضعفه، فقام إليه بالسفرة ووضعها بين يديه. وقال له: كل، فلم يكلمه ولا أكل، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله: قد بلغ منه الجوع، فأخذ اللقمة وأتى بها إلى فيه، فوجد أسنانه مشدودة (٢٨)، (قال) (٢٩): فأخذ يعالج أسنانه حتى فتحها (٣٠)، (قال) (٢٩): فقال زهرون لنفسه: (هيه) (٢٩) هذا رزق جاءك كرها، (يا هذه) (٢٩) سواء عليك أخذت عمارة أو قفارا، لو شاء الله تعالى أن لا يعطف عليك أولائك الذين على طريق العمارة لفعل. وإنما هو رزق لك عند الله مفروغ منه (٣١) أخذت عمارة أو قفارا. فالزمي طريقك وسلّمي (٣٢) الأمر لله. (قال) (٢٩): ثم أكل من الطعام الذي أتى به الشيخ. فقال له الشيخ:

стр. 959

يا هذا ما منعك من كلامي؟ فقال له [زهرون] (٣٣): لا تسل (٣٤) عما لا يعنيك (٣٥)، لي عذر لا يمكنني ذكره. ثم رجع زهرون إلى الطريق الذي يعرف. قال أبو بكر بن سعدون (٣٦): دخل زهرون/الأطرابلسي على أبي بكر ابن اللّباد الفقيه، فرأى في بيته زيّا حسنا وفرشا وطيئا، فأنكر ذلك، فقال أبو بكر ابن اللّباد: خذوا برجله، فقيل له: لا تفعل-أصلحك الله تعالى-هذا زهرون الأطرابلسي، فقال له (أبو بكر) (٣٧) بن اللّباد: تعال (٣٨) [يا] (٣٩) زهرون تسمع مسألة من وضوئك، فقيل له: (٤٠) إن شئت [ألقيت عليه] (٤١)؟ فألقى عليه من كتاب (٤٢) الصلاة والزكاة، فأجابه عن ذلك كله جوابا حسنا. فقال له أبو بكر ابن اللّباد: لو قدّمت إليك الساعة ثردة من حلوى وخبزا (٤٣) من شعير أيّهما تأكل (٤٤)؟ فقال له: ما قسم الله لي منهما أكلته. فقال له: أنت زهرون حقا. ثم قال له: اجعلني في حلّ؟ فقال: قد جعلتك في حلّ. ثم سلّم عليه وانصرف. قال زهرون لأبي بكر بن سعدون: نعلّمك في الفقر ثلاثة وفي الطعام ثلاثة، فقلت له: ما هي؟ فقال لي: أما الفقر فلا تسأل، ولا تصرّ (٤٥)، ولا تردّ. قال: هذا قد عرفته، فما الطّعام؟ فقال لي: كل بالتظرف وبالانبساط

стр. 960

وبالإيثار (٤٦)، فقلت: كيف يكون هذا؟ فقال لي: إذا كنت مع الأغنياء فكل بالتظرف لئلا يقولوا: الفقير ليس له همّة، فيمقتوا الفقر من أجلك. وإذا كان الطعام كثيرا والإخوان حضور، فانبسط معهم تسرّهم، وان كان الطعام قليلا، فآثر الجماعة/على نفسك. وذكر عنه أنه أصابه المطر يوما، فآوى إلى كهف في سند جبل، فلم يلبث إلاّ قليلا، فإذا بأسد عظيم يزأر قد سدّ عليه باب المغارة، فمدّ يديه، وحرّك أذنيه (٤٧) وجعل يبصبص (٤٨) إلى زهرون ويلعقه بلسانه. قال زهرون: فكان الأسد في ناحية [وأنا في ناحية] (٤٩) حتى أتيت على حزبي (٥٠) من الليل وتهجدي، ولا والله ما عدا عليّ بمكروه وانه معي كالخروف، فلما كان في اليوم الثاني مررت ببعض القرى، فإذا بامرأة ما رأيت قط أجمل منها ولا أبهى، وقد خرجت من دار، فجعلت انظر إلى شكلها، حتى حاذيت كلبا، فهرّ (٥١) نحوي ونبح عليّ وقام كالأسد العظيم وكبش (٥٢) عليّ فخرق لحمي ومزّقه (٥٣)، فرجعت على نفسي باللّوم والعتاب، وقلت (في نفسي) (٥٤): يا نفس [كنت] (٥٥) البارحة مع الأسد لم يعد عليك وقد أنس بك (٥٦)، فلمّا عصيت الله في يومي هذا، ورميت ببصري إلى ما نهاني عنه سلّط عليّ هذا الكلب. اللهمّ إني تائب

стр. 961

إليك، وبكيت على نظري إليها زمانا (٥٧). ومنهم (٥٨): ٢٤٩ - أبو عبد الله محمد بن أبي حميد (*) شيخ متعبد أطرابلسي (١)، فضله مشهور. قال أبو عبد الله مكي بن يوسف: نزلت بطرابلس [حين] (٢) انصرافي من الحجّ، فكنت أكثر الاختلاف إليه فإني لجالس (٣) عنده ذات يوم إذ أتته امرأة بصبيّ قد احدودب (٤) ظهره، فلا يقدر أن يمشي، ولا يرفع رأسه، فأجلسته بين يدي الشيخ (٥)، فقال له الشيخ: يا بني ارفع رأسك؟ فما قدر، ثم قال له: امش (٦)؟ فما قدر، فالتفت إليّ وقال: يا أبا عبد الله أما ترى (٧) هذا الصبي ما استطاع المشي ولا قدر أن يرفع رأسه؟ فقلت له: نعم يا سيدي، فأمرّ بيده (٨) على ظهره ثم كتب باصبعه ثلاثة أسطر لم أقف (٩) على ما فيها، ثم قال للصبيّ (١٠): ارفع رأسك، فرفع رأسه، ثم قال له (١١): امش (١٢)، فمشى. قال: واني لعنده ذات يوم ومعنا رجل جالس، إذ قام الشيخ لحاجة

стр. 962

الإنسان، فالتفت إليّ الذي كان معي، فأقبل يذكر (١٣) من فضل الشيخ، فقلت: نعم هو كما تذكر، (قال) (١٤): وأخبرك بشيء رأيته منه، سألته ليلة أن أبيت عنده، تبركا بذلك وطلبا للفائدة فيه، فقال لي: يا أخي، ما عندنا إلاّ كسرة (١٥) يابسة، فقلت: يا سيدي إنما سروري الاجتماع بك، قال: فصلّيت معه العشاء الآخرة وما فتح الله بعدها وأوتر، ثم صعد على سدّة له (١٦) ورمى إليّ جلدا ذا صوف لأنام عليه، ثم أقبل عليّ، فقال: كنت أشتهي الساعة أن آكل معك لحما مطبوخا بلفت (١٧) وبعده (١٨) سنبوسقا (١٩). قال الرجل: فما استتم الكلام حتى سمعنا قرع الباب (٢٠)./فقال: ويحك، انظر من هذا؟ فقمت، فإذا بخادم، فأعلمته بها، فخرج إليها، فقالت: يا سيدي، سيدي يقرأ عليك السلام ويقول لك: [يا سيدي] (٢١) هذا شيء عملناه لك فلم (٢٢) يتمّ إلاّ الآن، فاقبله. قال الرجل: فإذا [هو] (٢١) -والله-لحم مطبوخ بلفت، وسنبوسق (٢٣).

стр. 963

وكان في عصره رجل يقال له: ٢٥٠ - أبو العباس التنمزيلي (*) ظهرت له كرامات. قال أبو الليث السراج: حدثني رجل ثقة أطرابلسي (١) نسيت اسمه قال-: احتيج إلى سارية لمسجد بناحية أطرابلس (٢)، فأرادوا إخراجها (إليه) (٣) من المدينة، فلما توسطوا بالعجلة التي عليها السارية (الباب) (٣) نشب رأسها في عتبة الباب، (قال) (٣): ووراء العتبة حجر، فاجتمع لها خلق من الناس بالحبال والشرك- (يعني السيور (٣) -والخشب، ففرجهم عنها وخلع كرزية (٤) كانت على رأسه، فأدخلها تحت السارية ودعا رجلا، فدفع إليه طرفها وأمسك هو الطرف الآخر، ثم قال: قل باسم الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وارفع، فقالا جميعا ورفعا، فارتفعت السارية من ذلك الوحل. وهذا المسجد معروف بمسجد البدوية (٥)، وهو اليوم في قبلي أطرابلس (٦) بموضع يعرف بالسوق القديم (٧)، وهي قرية مسكونة/وفيه نحو الخمسين (٨) سارية، وهذه السارية إذا تلي (٩) القرآن فيه جهرا ترشح عرقا، دون ما سواها حتى يقول الراءون (لها) (١٠): إنها إنما تبكي من خشية الله تعالى، وأن بركة أبي العباس عادت عليها.

стр. 964

واختصم مرة بمدينة طرابلس قوم من المسلمين مع قوم من النصارى على حجر (١١)، فزعم المسلمون أنه كان بمسجد (١٢) (قد) (١٣) انهدم وأن النصارى قد أدخلوه في ركن من أركان كنيستهم عمادا له، وزعم النصارى أن الحجر لهم قديما، وأن المسلمين ادعوا (١٤) عليهم فيه. قال: فقال أبو العباس: اذهبوا بنا إلى موضع الحجر، (قال) (١٣): فساروا حتى حاذوا المكان، فوقف أبو العباس (ووقف الناس معه-﵁) (١٣)، فقال: أيها الحجر، إن كنت كما قال المسلمون، فقع بإذن الله تعالى وقدرته، وإن كنت كما قال النصارى فاثبت في مكانك، قال: فمال الحجر حتى سقط بالأرض (١٥) وانهدم ركن الكنيسة الذي كان معتمدا عليه. قال: فقال للمسلمين: ارفعوا حجركم. وقال للنصارى: ابنوا أنتم كنيستكم.

стр. 965

ثم كانت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥١ - أبو علي الحسن (١) بن نصر السوسي (*) الفقيه، مولى امرأة من أهل قصطيلية (٢). صلّى عليه بمدينة سوسة/ودفن بها وخرج إلى حضور (٣) جنازته خلق كثير من أهل القيروان، وكان في فضله وورعه وصلابته (٤) في الحق وفقهه، وتصحيح كتبه وسماعاته وتقييده (٥)، وتلاوته لكتاب الله وقيام ليله وصيام نهاره، ما لا يحمله كتاب. كان أبو الفضل الممّسي يشرف قدر الحسن (٦) بن نصر ويرفع من حاله على من هو أعلى منه ذكرا، ولا يعجبه من العلماء إلاّ العاملون (٧)، وكان يقول: إنما (٨) في نواحي إفريقية أربعة رجال: سحنون بن أحمد بن ملول (٩) بقصطيلية، والحسن بن نصر بسوسة، وحمود بن سهلون (١٠) بالساحل وقمود (١١) بقابس.

стр. 966

قيل عن الحسن بن نصر انه كان لا تذكر (الدنيا في مجلسه، أقام فوق الأربعين سنة إذا دخل شهر رمضان لم يكلّم) (١٢) أحدا من الناس، ولا أهلا ولا ولدا، وإذا أراد حاجة (١٣) كتب بها ويقول: ينبغي للصائم أن لا يتكلم بما لا يحلّ له ولا ينظر إلى ما لا يحلّ له، وكان يختم في كل ليلة من شهر رمضان ختمة. وذكر (١٤) عنه أنه قال لولده محمد: (يا بني) (١٥) اربط لي حبلا في السقف لعلّي أقدر أصلّي قائما-وكان ذلك في علّته التي مات فيها-قال محمد: فربطت له الحبل وحملناه حتى وقف على نفسه وأمسك الحبل، فغلب ولم/يستطع القيام كما كان، فبكى وقال: وا غوثاه! يا لله! حيل بيني وبين طاعة ربي. قال: فقلت له: يا أبي صلّ جالسا، وأنت تعلم أن الفرض يصلّى جالسا مع الضرورة فكيف النفل؟ فقال لي: يا بني العمر قصير والعمل (١٦) قليل، وإنما أردت أن أعمل أكثر مما عملت، فالحمد لله على ما قضى وقدّر. قال محمد: ولما طالت بأبي العلّة قال لوالدتي: يا عائشة طالت علّتي وتولّيت منّي خيرا وتعبت معي تعبا كثيرا، وأنت في ذلك مأجورة مثابة، لا تملّي ولا تزهدي في خدمتي واصبري. فإني ما أشك أن أجلي قد قرب، فيذهب أجرك بقلّة الصبر، سمعت هاتفا يقول لي من هذا الطاق: يا حسن غداة صلاة الظهر تنفرج عنك (١٧)، فما أشك أني بالغداة أموت، فكان كذلك. رحمة الله عليه.

стр. 967

وأمّا ورعه، فحدّث محمد ولده قال (١٨): كان أبي جالسا يوما في داره (وحوله طلبة العلم) (١٩)، حتى دخل عليه عمرون الفقيه (٢٠) -وكان من رجاله- فدفع إليه ثمن درهم وقال له: اشتر لنا بهذا حوتا من هذا السراف (٢١)، قال: فمضى عمرون فاشتراه وجاء به إلى الدار، قال: فأخذنا الحوت وقليناه وجعلناه في بواقي (٢٢) حتى دخل الشيخ بعد صلاة المغرب/وكنّا نعمل له حريرة (٢٣) يفطر عليها، وكان يسرد الصيام، فقدّمناها إليه، فشربها. (قال) (٢٤): ثم قدّمنا له الحوت، فلما رآه استعظمه وقال، أرأيت ما فعل عمرون؟ حرمنا (٢٥) في هذه الليلة العشاء، أعطيناه ثمن درهم يشتري لنا به، فزاد من عنده واشترى هذا كله. فلما كان الغد (٢٦) جلس الشيخ في مسجده، وأتى عمرون مع سائر الناس، فقال له: يا أبا حفص أعطيناك (ثمن درهم تشتري لنا به سرافا، فاشتريت لنا بأكثر مما أعطيناك وحرمتنا (٢٥) العشاء البارحة) (٢٧)، فقال له عمرون:

стр. 968

ما زدتك-أصلحك الله-من عندي شيئا، لكني وجدته رخيصا (فاشتريت لك منه رطلا بالكبير (٢٨) بثمن درهم، فقال له: حيث وجدته (رخيصا) (٢٩) كنت تشتري (لنا) (٢٩) منه بخروبة وتردّ خروبة (٣٠). قال: ثم أكل الشيخ منه في الليلة الآتية هو وأهل داره. وكان-رحمه الله تعالى-متوقفا عن الشبهات طيب المكسب. ذكر عن حسنة بنت البندوني-الرجل الصالح-وهي زوجة محمد ابن الحسن، (وكانت صالحة) (٢٩)، وكانت تسكن مع الحسن في داره (٣١)، [أنها] (٣٢) قالت: لما كان يوم من الأيام، بعد صلاة العصر والشيخ في المسجد، قرع علينا الباب، ففتحنا، فإذا بثلاثة (٣٣) من الخدم على رءوسهم طيافير (٣٤) مغطاة، فقلنا لهم ما هذا؟ فذكروا أن ذلك من عند رجل من فقهاء سوسة جليل القدر. قال: فأخذنا الأطباق (٣٥) وتركناها (٣٦) على حالها مغطاة حتى دخل الشيخ من المسجد وقت إفطاره، فقدّمنا له فطره (٣٧) الذي (٣٨) يفطر عليه ثم قدّمنا له

стр. 969

الأطباق، وكشفناها [له] (٣٩) فإذا فيها: قبّاط (٤٠) وفالوذج (٤١) ومشاش (٤٢)، فقال لزوجته: من أين هذا؟ أليس (٤٣) قد قلت لك: لا تقبلي من أحد شيئا ولا هدية، (ولا تأخذي) (٤٤) إلاّ ما يأتي (٤٥) به عمرون فإنه بقطاعي يشتري، فقالت له زوجته: وجّه به إليك (٤٦) فلان الفقيه (٤٧)، فقال لها: فلان [الفقيه] (٤٨) متولّي أحباس سوسة؟ وإن كنت أعلم أنه من أهل الدين والفضل والعلم، فأنا ممن لا آكل له طعاما ولا لغيره (٤٩)، وغضب على زوجته غضبا شديدا إذ عصته وقبلت الهدية، فقالت له زوجته: فادفعها لولدك محمّد يأكله (٥٠) هو وعياله، فقال لها: سبحان الله! وتستفتيني (٥١) لمن أعطيه (٥٢) وتدخل عليّ الدواخل (٥٣)، أنت أولى به وبحسابه غدا، اعملي (٥٤) به ما شئت، فأبت من ذلك زوجته وتورّعت (٥٥)

стр. 970

وأخذت الأطباق بما فيها/وجعلت من حملها لها ومضت بنفسها معها (٥٦) إلى دار الرجل، واعتذرت له عن الشيخ، فأخذها منها وغضب لذلك وقال لها: قولي له (٥٧): يا أبا علي أتعلم في أموالنا (٥٨) حراما؟ وغضب على الشيخ مدّة ثم رجع إليه بعد ذلك. وكان الرجل الذي وجّه [إليه] (٥٩) بالأطباق (٦٠): عبد الله بن حمّود السلمي المعروف بابن الحفنة (٦١) وكان فقيه البدن (٦٢) واسع (الرواية) (٦٣). قيل (٦٤): إنه (٦٥) انكسر عليه من جملة الكراء مال. فأدّى ذلك من ما له ولم يضطر السكان إلى الغرم رقة منه عليهم، رحمة الله تعالى عليه. قال (٦٦) ولده محمد: غلا السعر مرة بسوسة، فقلت لأبي: اشتر (٦٧) لنا (الطعام) (٦٨)، فإني أرى السعر قد غلا، فقال لي: ادع لي بحسان-يعني خادمه-قال: فدعوتها، فأتت (الخادم) (٦٨) فقال لها: اكتالي (٦٩) ما عندنا من القمح. قال محمد: فظننت أنه يشتري لنا ويزيدنا، فعرّفته الخادم أن عندنا (٧٠)

стр. 971

ثمنين قمحا (٧١)، فقال لها: امضي به إلى السوق إلى الجروي (٧٢) الحنّاط وقولي له: يقول لك (٧٣) الشيخ: بع لنا هذا القمح (٧٤)، (ففعلت الخادم) (٧٥) فقال لي: يا بني يا محمد (أنت) (٧٥) إنما متّكلك على ما في يديك، فما أنت (٧٦) من المتوكلين على الله تعالى. كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجّيك (٧٧) من قضاء الله (عليك) (٧٨)، أنت رجل قليل اليقين، يا بني: من توكّل على الله كفاه. وكان متقلّلا من الدنيا. قال أبو عبد الله محمد بن خليفة (٧٩): وجّهني معلّمي-وكان يقال له ابن الكشاطة-بمسألة في كتف (٨٠) إلى الحسن بن نصر (٨١)، فكتب له جوابها. قال: فمضيت إليه فوجدته قائما على رجل سدّة وهو يطيّن (٨٢) حائطا في داره بالطين وزوجته تكور له الطين بيديها وتناوله (٨٣) إيّاه يملّس به الحائط، فأخبرته بالمسألة، فأخذ الكتف من يدي وقرأها وقال لي: معك (٨٤) دواة؟ فقلت: نعم. فأخذها وكتب الجواب ودفعه إليّ وهو قائم على حاله. وكان (٨٥) يلبس جبّة صوف، فإذا اتّسخ صدر الجبّة أدارها فردّ الذي منها

стр. 972

على ظهره حذو صدره (٨٦). وكان يجعل على رأسه مربعة زوجته (٨٧). وهي خرقة لطيفة. وكان إذا صبّ المطر يقرأ هذه الآية إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (٨٨) خوفا على داره أن تقع من وهاها (٨٩). وكان أكثر زيّه فروا (٩٠) وقلنسوة منه. وكان يقول: بعت ريعا بتوزر (٩١)، فرأيت في المنام (كأن) (٩٢) قائلا يقول لي: اجعله في التراب، فلما استيقظت تذكرت الحديث: «من باع ريعا أو عقارا فقمن (٩٣) أن لا يبارك له فيه إلاّ أن يردّه في مثله» (٩٤) قال: فلما/جئت إلى مدينة سوسة ضاق عليّ الحال بها، إذ ليس بيدي صنعة أتعيش بها، ولا معرفة بأمور الدنيا والتصرّف فيها، فرأيت والدي في المنام فقال لي: أين مالك؟ فأتيته به، فحفر له في الأرض وجعله فيها (٩٥) وردّ عليه (التراب) (٩٦)، فلما أصبحت (٩٧) سألت (عنها) (٩٦) بعض المعبرين، فقال لي: إنما أمرك أن تشتري به أرضا تنتفع

стр. 973

بشجرها (٩٨) وما تحرث فيها، فاشتريت ريعا بمدينة سوسة، وقرية المريدين (٩٩) ومنزل أبي سعيد (١٠٠). وكان يقول لولده: قد اشتريت لك ريعا تمضي إليه بالغداة (١٠١) مع الرفقة المتوجهة (١٠٢) إلى القيروان وترجع بالعشي مع الرفقة المتوجهة (١٠٢) من القيروان إلى سوسة والشمس مع ذلك وراءك في سيرك ووراء ظهرك في رجوعك. قالت (١٠٣) حسنة زوجة ولده محمد: بينما هو ليلة في صلاته إذ سمعته زوجته عائشة- ﵂ - (١٠٤) وهو يصيح بها. قالت عائشة: فطلعت إليه وأنا مذعورة-إذ ليس من عادته (١٠٥) (أن يصيح) (١٠٤) بعد أخذه في الصلاة- فقال: كأني أسمع صرير مزمار، فقلت له: ومزمار في سوسة من أين (وأين) (١٠٤)؟ [وأنت] (١٠٦) قد قطعت منها الملاهي وكسرت ما في دار الخمر من أواني الخمر، فقال لي: تسمّعي (١٠٧)، (قالت) (١٠٤): فسمعت حسّ مزمار من ناحية قصر طارق (١٠٨) فأخبرته بذلك، فلما تيقنه، قطع ما هو فيه ونزل إلى باب

стр. 974

داره، ففتحه وصاح إلى بعض جيرانه، وقال: التمسوا لي (١٠٩) هذا المزمار في أي دار هو وعرّفوني بذلك (١١٠)، فمضوا حتى وصلوا (إلى) (١١١) قصر طارق فسألوا أهل القصر عمّن نزل بالمسكن (١١٢) الذي بنى طارق في غربي قصره، فقالوا (١١٣): نزل به رجل من هؤلاء القوم يقال له: الأمير طاهر جاء من المهدية وهو ابن عم إسماعيل (١١٤) السلطان، أتى معه بالمسكر والملاهي، فرجعوا إلى الشيخ وعرّفوه بذلك، فقال لهم: اجمعوا الناس، فلما جمعوهم قال لهم (١١٥): تصلون (١١٦) إلى هذا الفاسق وتقولون (١١٧) له: أتيت بالمنكرات إلى رباط المسلمين وثغر من ثغورهم، اخرج عنّا وإلاّ جاهدناك حتى تخرج، (قال) (١١٨): فذهبوا إليه وعرّفوه ما قال الحسن-رحمه الله تعالى-فقال لهم: أنا منصرف عنكم بالغداة، وقطع التي كانت عنده، ولم يسمع منه بعد النكير عليه شيء، فلمّا أصبح رحل عنهم. وكان هذا من الحسن بعد (تركه) (١١٨) النظر بين أهل سوسة، لأنه إنما ولي في أيام زيادة الله (١١٩). ولما (١٢٠) كان بعد فتنة أبي يزيد جاء إسماعيل السلطان إلى مدينة سوسة،

стр. 975

فنزل في الملعب (١٢١) وقال لعبده/جوهر (١٢٢): تمضي إلى الحسن بن نصر فتأتيني به بعد ما ينام الناس عند الرقدة، فركب جوهر وأتى دار (١٢٣) الحسن، فاستأذن وقال: يخرج إليّ الشيخ، فطلع ولده إليه، فوجده يتهجّد، فقال له: اقصر (١٢٤) في صلاتك، فإنّ جوهر رسول الأمير إسماعيل بالباب. قال: فنظر إليه نظرة منكرة كراهة (١٢٥) منه لذلك. قال: فخرج إلى جوهر فاعتذر له عن الشيخ بأعذار (١٢٦)، فلم يقبل ذلك (منه) (١٢٧) جوهر وقال له: لست انصرف (١٢٨) من ها هنا حتى أجتمع به (١٢٩)، فإمّا أن يمضي معي أو يعتذر بعذر يظهر لي صوابه مما يزيل عنه العتب، فرجع إلى أبيه، فقال له: إن جوهر قال: لا يمضي إلاّ بك (١٣٠) ولا يزول (١٣١) من على الباب حتى يجتمع بك (١٣٢) قال: فو الله ما نظر إليّ ولا اشتغل بكلامي حتى فرغ من حزبه. ونحن والجيران تحت خوف عظيم من وقوف جوهر على الباب، فلمّا قضى صلاته التفت إليّ وقال لي: أما استحييت من الله ، أنا قائم (١٣٣) بين يديه وتقول لي: جوهر واقف بالباب

стр. 976

(قال) (١٣٤): وعزم الشيخ على الخروج، وكان (عليه) (١٣٤) فرو مقلوب، قلبه من جرّاء إصابة فيه، فقلت له: بهذا الفرو المقلوب تخرج إلى جوهر؟ (قال) (١٣٤): فقال لي: ما أقلّ حياءك من الله تعالى، قمت به بين يدي الله وتقول (١٣٥) لي اخرج بغيره إلى جوهر، ثم خرج إلى جوهر واجتمع به واعتذر له (١٣٦) بأعذار كثيرة وجرت بينهما مراجعات (١٣٧) طويلة، فقبل جوهر أعذاره وقال له: أنا أجتمع بمولاي وأحمل عنك هذا الأمر، وأرجع إليك بما يكون في ذلك، فلما كان عند السحر عاد إليه (١٣٨) وقال له: قد اجتمعت بمولاي وأخبرته بأعذارك، فعذرك وشقّ عليه إذ لم (١٣٩) يجتمع بك، وهو يقرأ عليك السلام ويسألك في الدعاء، فقال له: قل له: أصلحك الله للمسلمين وأصلح جميع قضاتك. ولم يزده على ذلك. وقيل انه، إذ كان حاكما، فكان (١٤٠) في أيام الموسم وقدوم أهل القيروان إلى الرباط -يجلس في القبة التي (١٤١) يؤذن فيها، في جامع سوسة، وكانت تشرف على أبواب البحر، فإذا رأى رجلا معه حدث أمر بأن يؤتى به، فإن كان الصبي من الرجل [مثل] (١٤٢) أبيه أو قرابته تركه، وإن استرابه (١٤٣) منعه من التصرف به. قال أبو الحسن اللّواتي الفقيه (١٤٤): إنّ الحسن ردّ شهادة رجل وأسقطه من

стр. 977

أجل أنه كان ينزل من حانوته فيتصرّف (١٤٥) متّزرا بمئزر عاري البدن (١٤٦)، فقال: أسقط مروءته وهمته، ﵁. وفيها صلب: ٢٥٢ - محمد بن [إسحاق] (١) الحبلي (*) قاضي مدينة برقة (وكان) (٢) السبب في ذلك، أنه أتاه عامل برقة المعروف بابن كافي فقال له: إن غدا العيد، فقال له (٣): إن رئي الهلال اللّيلة كان (٤) ما قلت، وإن لم ير (٥) لا أخرج لأنه لا يمكنني (٦) أن أفطر الناس يوما (٧) من رمضان وأتقلّد ذنوب الخلق (٨) فقال له: بهذا وصل كتاب مولاي (٩)، فالتمس الناس الهلال تلك اللّيلة فلم يروه، فأصبح العامل إلى القاضي بالطّبول والبنود وهيئة العيد، فقال له: لا والله، لا أخرج ولا أخطب ولا أصلي (١٠) [العيد] (١١) ولا

стр. 978

أتقلّد أن أفطر الناس يوما (١٢) من رمضان ولو علّقت بيدي، فمضى العامل، فجعل (١٣) من خطب وصلّى. وكتب بما جرى إلى مولاه (١٤)، فلما وصل إليه الخبر أمر برفعه إليه، فلما وصل قال له: إمّا أن (١٥) تتنصّل (١٦) وأعفو عنك، وإلاّ فعلت بك ما قلت، فامتنع من الدخول في دعوته، وقال له (١٧): امتثل (١٨) ما شئت، فنصب له صاريا (١٩) عند الباب الأخير (٢٠) من أبواب الجامع الذي يلي درب المهدي (٢١) وعلّق بيده إليه في الشمس، فأقام كذلك ضاحيا (٢٢) [للشمس] (٢٣) في شدّة الحرّ يومه ذلك، فلمّا كان بالعشيّ مات ﵀. وكان يطلب من يسقيه الماء في ذلك الحال، فلا يجسر أحد (٢٤) من الناس يسقيه لأنهم خافوا، فلما مات أخذوه ومضوا (به) (٢٥) فصلبوه على خشبة ب «باب أبي الربيع».رحمه الله تعالى ورضي عنه، وكان الله حسيب الظالمين والمنتقم منهم يوم الجزاء والدّين.

стр. 979

ثم كانت سنة اثنتين (١) وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي (٢): ٢٥٣ - أبو علي المكفوف، [وهو] (٣) الحسن بن علي النحوي الزاهد (*) (كان) (٤) ﵀ ذا (٥) أوصاف جميلة، معروفا بالإجابة، متقللا من الدنيا من المؤثرين/على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وكان عالما باختلاف العلماء واتفاقهم مع المعرفة الواسعة بالنحو واللغة وعلوم القرآن [الكريم] (٦). وكان يحسن التعبير (٧) وولد أكمه (٨)، انتفع به خلق [كثير] (٩) من الناس.

стр. 980

ذكر (١٠) الأجدابي (١١) الفقيه عن أبي محمد عبد الله بن نصر الخيّاط انه كان يقال: إن أبا علي المكفوف يعرف اسم الله الأعظم. قال عبد الله: فكنت إذا سألته [أن] (١٢) يعلّمنيه يتناعس لي، فلما ألححت عليه قال لي: لا أفعل (١٣)، فقلت له: لم يا سيدي؟ فقال: لأنك لا تقوى على حمله [علّمته] (١٤) مرة لإنسان، فمات وهو شص (١٥). قال عبد الله بن نصر: وقلت له-أصلحك الله-أردت سكنى المنستير؟ فقال لي: (١٦) لا تفعل، فقلت له: ولم؟ فقال: كان أندلسي من طلبة سحنون (١٧) بن سعيد-﵁-فقال له: أردت سكنى المنستير؟ فقال له: لا تفعل، فإن الذي أنت فيه أولى. قال: ثم قال سحنون: إن سكنته فاجتنب أربعا: لا تجلس في السقيفة، ولا تأخذ مزرعة ولا جنانا، ولا تأخذ صدقة، ولا تكن لهم أماما. قال: ثم فسّرها أبو علي فقال: أما السقيفة: فهي سوق الخسارة (١٨)، ومن أخذ مزرعة أو جنانا لزمه أن يذب عنهما (١٩) في كلّ أمر من لوازم الحصون (٢٠)، وأما الصدقة: فهي أوساخ الناس، وأما الإمام: فإنما يعني المتولّي لأمورهم كالأمير وشبهه.

стр. 981

قال (٢١) عبد الله وكنت جالسا عنده حتى دخل عليه رجل، فشكا إليه فاقة، فنزع جبّته، فرمى بها إليه، وبقي عريانا في مئزر خلق (٢٢) (من) (٢٣) صوف، فقلت له: هذا مرفوع عنك، أنت في فاقة وليس لك من الدنيا شيء (٢٤)، فقال: اجلس يا خيّاط ليس نصلّي حتى يأتي ما هو خير إن شاء الله تعالى، فبعد ساعة دخل عليه رجل ومعه غلامه (٢٥) يحمل رزمة فيها جبّة شرب (٢٦) رفيعة مستعملة، ومنديلا مهلبيّا جديدا (ومئزرا جديدا) (٢٧)، ودفع إليه صرّة فيها نفقة، فقال (له: الرجل) (٢٧): يا سيدي أحبّ أن تقوم على رجليك حتى ألبسك بيدي، ففعل ذلك وكساه الجبّة، وجعل المنديل على رأسه، وشدّ المئزر في وسطه، ثمّ انصرف. فقال لي يا خيّاط: أعطيناه (٢٨) جبّة خلقة فعوضنا [جبّة] (٢٩) جديدة ومنديلا ومئزرا ونفقة كثيرة. (قال) (٣٠): ورأيت مرّة الجوع في وجهه، وقد أقام ثلاثة أيام لم يطعم [شيئا] (٣١)، فأردت الانصراف، فقال لي اجلس حتى نتغدّى، فما كان بأوشك [من] (٣١) أن (٣٢) دخل أبو عبد الله الرعيني (٣٣) المتعبد بسكباج (٣٤) وخبز

стр. 982

فرني (٣٥)، فأكلنا، فلما انصرف أبو عبد الله قلت له: أكنت معه (٣٦) تحت وعد؟ فقال: لا والله، ولكن أقمت ثلاثا لم أطعم، فسألت الله تعالى أن يسدّ جوعتي ويرزقني من حيث لا أحتسب. قال أبو عبد الله: ثم اجتمع بي أبو محمد الخياط فقال لي: أكنت مع الشيخ في وعد؟ فقلت: لا والله إلاّ أن عجلة (٣٧) جاءتنا من القرية، فذبحناها وعملنا منها للشيخ ما يأكل. قال أبو محمد الخواص (٣٨): اشتهى أبو علي لحما بإطرية (٣٩)، قال: وذكر ذلك لمن حوله، فلما فرغ من ذلك إذا بامرأة في يدها طاس (٤٠) عليه منديل لطيف، وهو مملوء بلحم وإطرية ومعه خبز سخن، فجعل بين يدي الشيخ أبي علي، فقال: سبحان الله، وأخذ الطاس. (قال) (٤١): فقلنا للمرأة: من وجّه معك بهذا (الطاس) (٤١)؟ فقالت: رجل أعطانيه في رأس (٤٢) هذا الزقاق وقال لي: امضي (٤٣) به، فادفعيه (٤٤) إلى الشيخ، وما أدري (من هو) (٤٥). وقال مرّة لرجل مرشا (٤٦)، في شيء نازعه فيه من أبيات شعر، ثم استدرك وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وقال للرجل: لا بدّ لك أن تقول لي مثلما قلت لك، فكبر ذلك على الرجل، فلم يزل به حتى قال له مثلما قال،

стр. 983

فحينئذ طابت نفسه وحمد الله (٤٧) تعالى على ذلك. ومن قوله في الشعر، ما أنشده الفقيه [أبو عبد الله] (٤٨) الأجدابي قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن نصر الخياط قال: أنشدني أبو علي (النحوي ﵁ (٤٩): مراض من الأشواق تحيا قلوبهم ... بذكرك بل كادت إليك تطير /يضيء ظلام اللّيل نور قلوبهم ... فهم للّيالي المظلمات بدور لهم طرق كانت إلى الله سهلة ... وهنّ (٥٠) على من لا يحب وعور يناجيك بالشكوى دخيل ضميرهم ... وأنت بشكواهم لديك خبير هم القوم لا يلهيهم عن مليكهم ... أعاليل دنيا للفناء تصير (٥١) وكتب إلى بعض إخوانه يعرّض له بشيء: من كان يبغي الذلّ في نفسه (٥٢) ... فليطلع الناس على فقره ما للفتى إن عضّه دهره ... معوّل أحسن من صبره فلما قرأ البيتين دخل عليه فوجده جالسا (٥٣)، وعليه فرو خلق قديم، وهو مكشوف الرأس فخلع (٥٤) عليه ثوب كتان جديد، وجبة شرب (٥٥) عجيبة رقيقة، ومنديلا (٥٦) (جديدا) (٥٧) وسراويل (٥٨) طرنيا (٥٩)، وجعل بين يديه صرّة فيها مائة درهم.

стр. 984

ثم كانت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وفيها توفي: ٢٥٤ - أبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسّال الفقيه (*) للنصف من شعبان، وسنّه نحو من أربعين سنة (١)، ودفن بباب أبي الربيع. صلّى عليه أبوه. كان ذا (٢) أوصاف جميلة. [وكان] (٣) فقيها عظيما (٤). قال السبائي: ما تطيب على قلبي فتيا أحد مثل فتيا أبي حفص لأنه يشوب (٥) فتياه بورع وخوف وشدّة مراقبة (٦) وإشفاق وحذر. قال أبو بكر بن عثمان المؤدب: ما قام (٧) أبو/إسحاق السبائي لأحد إلاّ لأبي حفص بن العسال، وذلك أن (٨) أبا إسحاق كان جالسا في داره حتى دخل عليه أبو حفص (٩)، فقام إليه أبو إسحاق السبائي (وتلقاه) (١٠) وصافحه وجلس، فقال له أبو إسحاق: ما الذي أتى بك-أصلحك الله ؟ -فقال له أبو حفص: نعتني نفسي، وما أظن (١١) أجلي إلاّ قد قرب (١٢) فأردت أن أحدث بك (١٣) عهدا، فقال له أبو إسحاق: جمع الله شمل المسلمين بك وأبقاك لهم؛

стр. 985

فقيل لأبي إسحاق يدخل إليك العلماء فلا تقوم لأحد منهم وتقوم لأبي حفص؟ فقال: أبو حفص عالم عامل. (وكان (١٤) يقول: إذا أردت أن ترى العالم العامل) (١٥) فعليك بأبي حفص. وكان قد جمع الله تعالى فيه خصال الخير كلّها. وكان قصير العمر (١٦)، توفي في حياة والده. ذكر (١٧) الشيخ أبو الحسن بن القابسي أنه دخل على (١٨) الشيخ أبي عبد الله ابن العسّال (١٩) وولده أبو حفص في النزع، والشيخ جالس وفي يده جزء من القرآن يقرأ فيه بحذاء طاق في داره (٢٠)، وكان في المجلس جماعة من الفقهاء (٢١) فيهم ابن أبي زيد وغيره، فكان يحوّل وجهه إليهم فيقول لهم: كيف رأيتم أبا حفص؟ فتقول له الجماعة: بخير (٢٢) إن شاء الله تعالى، فنحن كذلك حتى مات أبو حفص، قال فأدركتنا وجمة وخشينا أن نفجأ (٢٣)، قلب الشيخ أبي عبد الله والده/فسكتنا، فحوّل وجهه إلينا وقال: مات أبو حفص؟ فقلنا له: نعم، -أصلحك الله تعالى-جبر الله مصابك (٢٤). قال: فثنى (٢٥) الجزء على إبهامه (٢٦) ولم يطبقه. ثم حوّل وجهه إليه، وهو جالس في مكانه، فقال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت صوّاما قوّاما، حافظا لكتاب
следующие страницы →