النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين، أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون: مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه مات في خلافة عمر. وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبَيش لقيه في خلافة عثمان. وروى البخاري في "تاريخه" عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان ... فذكر قصة. وروى البغوي عن الحسن، في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة .. وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر. وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان. وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: "كفارات"، فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ قال: "وإن شوكةً فما فوقها"، فدعا أبي ألا يفارقه الوَعْكُ حتى يموت، وألا يَشْغَله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حَرّه حتى مات. رواه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبراني، من حديث أبي بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. قاله في "الإصابة" (١).
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٠) حديثًا (٢).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) أي روى كلّ واحد منهما حديثًا واحدًا.
[تنبيه]: أما حديث أبي عثمان عن أُبَيّ ﵁ فهو ما أخرجه مسلم في "المساجد، ومواضع الصلاة"، ونصّه:
حدثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِيّ، حدثنا عَبّاد بن عباد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا، يقيك من الرَّمْضَاء، ويَقِيك من هَوَامّ الأرض، قال: أَمَا والله ما أحب أن بيتي مُطنَّبٌ ببيت محمد ﷺ ، قال: فحملت به حملًا، حتى أتيت نبي الله ﷺ ،
стр. 982
فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبيّ ﷺ : "إن لك ما احتسبت" (١).
وأما حديث أبي رافع، عن أبيّ ﵁، فهو ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
حدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي، وحسن بن موسى، وعفان، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وقال عفان: أخبرنا ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ ... وحدثنا عبد الله، حدثنا هُدْبة بن خالد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبَيّ بن كعب: "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر سنة، فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل، اعتكف عشرين يومًا". وأخرجه أبو داود في "سننه" في "كتاب الصوم" رقم (٢١٠٧)، وابن ماجه في "كتاب الصيام" برقم (١٧٦٠)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٣٩.
قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: لم يُخرجه مسلم ﵀ في "الصحيح"، وذلك يدلّ على توقّف له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحة يُوردها، ويَجعَل هذه متابعةً لها، والحديث في حكم وسنّة، وقد أنصف بذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما قاله المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن احتجاج المصنّف بحديث أبي عثمان، وأبي رافع على إلزام خصمه غير صحيح.
أما بالنسبة لحديث أبي عثمان عن أُبيّ ﵁ فلثبوت تصريحه بسماعه منه، كما سبق آنفًا. وأما بالنسبة لحديث أبي رافع عن أبيّ ﵁، فلأنه ليس مما تلقّاه الأئمة بالقبول، وصححوه، بل حتى عند مسلم نفسه؛ لأن إعراضه عنه مع أنه حديث يحتوي على حكم وسنة لم يورد بدله في "صحيحه" دليلٌ على توقّفه في صحته. فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا) يعني أنه لم يثبت صريحًا أنهما أخذاه سماعًا من أُبَيّ ﵁، مع أن أهل الحديث صححوه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما بالنسبة لأبي رافع، فمقبول، وأما بالنسبة لأبي عثمان، ففيه نظر؛ لأنه ثبت في "مسند أحمد" تصريحه بأن أبيا ﵁ حدَّثه به، ودونك نصّه:
[٢٠٦٦] حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ، قال: كان ابن عم
стр. 983
لي، شاسع الدار، فقلت: لو أنك اتخذت حمارا، أو شيئًا، فقال: ما يسرني أن بيتي مُطَنّبٌ ببيت محمد ﷺ قال: فما سمعت عنه كلمة، أكره إلي منها، قال: فإذا هو يذكر الخطا إلى المسجد، فسأل النبيَّ ﷺ فقال: "إن له بكل خطوة درجة".
حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبَيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما إن لك ما احتسبت".
فثبت بهذا أن ما ادّعاه مسلم من عدم معاينة أبي عثمان لأبيّ ﵁، وعدم سماعه غير صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَيْنِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لما ادّعاه من إلزامه خصمه، حيث ذكر أن أبا عمرو الشيبانيّ، وهو من كبار التابعين، ممن أدرك زمن الجاهليّة، وكان في عهده ﷺ رجلًا بالغًا، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة قد روى كلّ منهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدري المتقدّم قريبًا، عن النبيّ ﷺ حديثين، أي ولم يثبت لدينا لقاؤهما له، وسماعهما منه، مع أن هذين الحديثين صحيحان عن أهل الحديث. هذا حاصل ما أشار إليه، وسيأتي ما فيه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ) أي روى حديثًا مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ (أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سعد بن إياس، أبو عمرو الشيباني الكوفي، روى عن ابن مسعود، وعلي، وحذيفة، وأبي مسعود البدري، وجَبَلَة بن حارثة، وزيد بن أرقم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحارث بن شُبَيل، والوليد بن العيزار، والأعمش، ومنصور، وعيسى بن عبد الرَّحمن السلمي، وغيرهم.
قال إسماعيل بن أبي خالد عنه: تكامل شبابي يوم القادسية، فكنت ابن أربعين سنة، وكانت وقعة القادسية سنة (١٦). وقال أيضًا: بُعِث النبيّ ﷺ ، وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظمة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، ووثقه العجلي أيضًا. وقال هبة الله بن الحسن الطبري: مجمع على ثقته.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: عاش عشرين ومائة سنة. فتكون وفاته سنة (٩٦).
стр. 984
وأرخه ابن عبد البر في "الاستيعاب" سنة (٩٥). وسماه ابن حبان في "الثقات" سعيدا، وقال: حَجّ في الجاهلية، وليست له صحبة، وروى عن عمر، وغيره، وعنه الناس، حضر القادسية، وهو ابن أربعين سنة، ومات بعد أن تم له عشرون ومائة سنة، وكانت القادسية سنة (٢١)، قال: فكأنه مات سنة (١٠١). وقال أبو نعيم في "الصحابة": سعد ابن إياس، ويقال: سعيد. وذكر الصَّرِيفيني أنه مات سنة (٩٨). وقال في "التقريب": ثقة مخضرمٌ، من الثانية، مات سنة خمس، أو ستّ وتسعين، وهو ابن عشرين ومائة سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" سبعة أحاديث بالمكررات.
وقوله: (وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ) تقدَّم تفسيرها قريبًا.
(وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا) أي كبيرًا، وقد سبق آنفًا في ترجمته أنه قال: بُعث النبيّ ﷺ ، وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظِمَةَ، وهي اسم موضع على سِيف البحر من البصرة، على مرحلتين. قاله في "اللسان" (١).
وغرض المصنّف بهذا إثبات إمكان لقاء أبي عمرو الشيبانيّ وسماعه من أبي مسعود ﵁ حيث كان رجلًا كبيرًا في أيام الجاهليّة، وأبو مسعود ﵁ متأخّر بعد النبيّ ﷺ ؛ لأنه مات بعد الأربعين، وقيل: قبلها.
(وَأَبُو مَعْمَرٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة- الأزدي الكوفي، من أزد شنوءة، رَوَى عن عمر، وعلي، والمقداد، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأرسل عن أبي بكر الصديق. وروى عنه عمارة بن عمير، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وتميم بن سلمة، ويزيد بن شريك التيمي.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد: تُوُفي في ولاية عبيد الله بن زياد، وهو ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات في إمارة عبيد الله بن زياد. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٢) حديثًا.
(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريِّ ﵁ المتقدّم قريبًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَيْنِ) يعني أن كلّا من أبي عمرو الشيباني، وأبي معمر روى، عن أبي مسعود ﵁ حديثين مرفوعين إلى النبيّ ﷺ .
[تنبيه]: أما حديثا أبي عمرو الشيبانيّ، [فأحدهما]: هو ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، فقال:
стр. 985
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن أبي عمر، واللفظ لأبي كريب، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: إني أُبدع بي، فاحملني، فقال: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (١).
[والثاني]: هو ما أخرجه مسلم أيضًا في "كتاب الجهاد"، فقال:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة" (٢).
وقد روى أبو عمرو عن أبي مسعود ﵁ أيضًا حديثًا ثالثًا، أخرجه ابن ماجه في "سننه"، فقال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن" (٣).
قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على ما اقتضاه كلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى من الانقطاع: ما نصّه: وكلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة، كقوله ﷺ : "من سنّ سنة حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها". رواه مسلم. وقوله: "من دعا إلى هُدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه".
ودليل الثاني: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وللثالث شواهدُ من حديث جابر، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، ومعناه ثابت في العقول أن الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك، فقد ائتمنك. انتهى كلام المعلّمي (٤).
стр. 986
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه على تقدير الانقطاع، فإن لها ما يثبتها من الشواهد.
وإنما قلت: على تقدير الانقطاع، نظرًا إلى مذهب الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فإن شروط الاتصال عنده متوفّرة، كما لا يخفى ذلك على متأمل. والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما حديثا أبي معمر، [فأحدهما]: هو ما أخرجه مسلم أيضًا في "صحيحه"، فقال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (١).
[والثاني]: هو ما أخرجه أصحاب "السنن"، وغيرهم، قال أبو داود رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
حدثنا حفص بن عمر النَّمَريّ، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود البدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود". وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على حديثي أبي معمر المذكورين: ما نصّه: أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدّة أحاديث صحيحة، تؤدّي معناه، فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير (٢)، فهو إذًا في معنى المتابعة.
وأما الحديث الثاني فلم يُخرجه مسلم، ولعلّ ذلك لأنه في حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا. ومن شواهده حديث المسيء صلاته، وفيه
стр. 987
قوله ﷺ : "ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ"، وهو في "الصحيحين"، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصّر بأنه لم يُقم صلبه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح" (١).
ومن شواهده قول زيد بن وهب: رأى حذيفة رجلًا لا يُتمّ الركوع والسجود، فقال: ما صلّيت، ولو متّ مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ . أخرجه البخاريّ (٢)، ولكن في الحكم له بالرفع خلاف. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر، وهو رواية عبيد بن عُمير، وهو ممن وُلد في زمنه ﷺ عن أم سلمة، عن النبيّ ﷺ حديثًا واحدًا بالعنعنة، ومن المعلوم أنَّها ممن تأخر وفاتها بعده ﷺ سنين عديدة بحيث عاش معها، وعاصرها عبيد بن عمير دهرًا طويلًا، فقد قيل: ماتت سنة (٦٢) وقيل: سنة (٦١) وقيل: قبل ذلك، والأول أصحّ كما سيأتي قريبًا.
ومع ذلك فلم يثبت لدينا أنه لقيها، وسمع منها حديثًا، وقد صحّح العلماء حديثه عنها، وهو على ما قاله المنتحل ضعيف؛ لإمكان الإرسال. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة بن سعيد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث الليثي، ثم الجندعيّ، أبو عاصم المكي، قاصّ أهل مكة، روى عن أبيه، وله صحبة، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وروى عنه عطاء، ومجاهد، وعبد العزيز بن رفيع، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة، من كبار
стр. 988
التابعين، كان ابن عمر يجلس إليه، ويقول: لله در ابن قتادة، ماذا يأتي به. ويُروى عن مجاهد قال: نفخر على التابعين بأربعة، فذكره فيهم. وقال العوام بن حوشب: رُئي ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي، قال ابن جريج: مات عبيد بن عمير قبل ابن عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٦٨). أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١١) حديثًا.
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) هي: هند بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، تزوجها رسول الله ﷺ سنة اثنتين من الهجرة، بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسود.
قال الحافظ: والصحيح أنه ﷺ تزوجها سنة أربع، ويقال سنة ثلاث، فان أبا سلمة بن عبد الأسد شهد أحدا، ورُمي بسهم، فعاش بعده خمسة أشهر، أو سبعة ومات، وحَلّت أم سلمة في شوال سنة أربع، وقد نص على ذلك خليفة بن خياط، والواقدي.
روت عن النبيّ ﷺ ، وعنها ابناها عمر، وزينب ابنا أبي سلمة بن عبد الأسد، ومكاتبها نبهان، وأخوها عامر بن أبي أمية، وابن أخيها مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، ومواليها: عبد الله بن رافع، ونافع، وسفينة، وأبو كثير، وابن سفينة، وخيرة أم الحسن البصري، وسليمان بن يسار، وأسامة بن زيد بن حارثة، وغيرهم.
قال الواقدي: توفيت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة. وقال أحمد بن أبي خيثمة: توفيت في ولاية يزيد بن معاوية. وقال غيره: توفيت سنة اثنتين وستين.
وأما قول الواقدي، إنها توفيت سنة تسع وخمسين، فمردود عليه بما ثبت في "صحيح مسلم" أن الحارث بن عبد الله بن ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف بهم، وكانت ولاية يزيد في أواخر سنة ستين. وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين، بعدما جاءها نعي حسين بن علي ﵄. أخرج لها الجماعة، ولها في "صحيح مسلم" (٤٣) حديثًا (١).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، فقال:
стр. 989
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن عبيد بن عمير، قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب، وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يُتَحَدَّث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد، تريد أن تُسعِدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ ، وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه مرتين"، فكففت عن البكاء، فلم أبك (١).
قال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد أن ذكر الحديث المذكور: ما نصّه: فهو في النهي عن النياحة، وهو ثابتٌ بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابتٌ. انتهى (٢).
(وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أنه كان رجلًا كبيرًا يسمع من أم سلمة ﵂، ولكن ما أتى التصريح بسماعه منها حسب زعم المصنّف، وقد عرفت ما فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهَ تعالى أيضًا مثالًا آخر -حسب زعمه- لما ادّعاه من إلزامه خصمه، وذلك أن قيس بن أبي حازم، وهو ممن أدرك زمن النبيّ ﷺ روى عن أبي مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ ثلاثة أحاديث، وكلّها معنعنة، ولم يثبت -حسبما ادعاه- سماعه منه، وقد صحح تلك الأحاديث أهل العلم، وهي بزعم المنتحل ضعيفة لإمكان الإرسال، هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي ما فيه من الانتقاد في الشرح التفصيليّ، وفي كلام ابن رُشيد -إن شاء الله تعالى-.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) واسمه حصين بن عوف، ويقال: عوف بن عبد الحارث، ويقال: عبد عوف بن الحارث بن عوف البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبيّ ﷺ ليبايعه، فقبض وهو في الطريق، وأبوه له
стр. 990
صحبة، ويقال: إن لقيس رؤية ولم يثبت. روى عن أبيه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وسعيد، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: لم يسمع منه، وأبي عبيدة، وبلال مولى أبي بكر، ومعاذ، وغيرهم.
قال علي بن المديني: روى عن بلال ولم يلقه، وعن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه أم لا، ولم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان. وقال إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة: ما كان بالكوفة أحدٌ أروى عن أصحاب رسول الله ﷺ من قيس. وقال الآجري عن أبي داود: أجود التابعين إسنادا قيس بن أبي حازم، رَوَى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. وقال يعقوب بن شيبة: وقيس من قدماء التابعين، وقد روى عن أبي بكر فمن دونه، وأدركه وهو رجل كامل، ويقال: إنه ليس أحد من التابعين جمع أَنْ رَوَى عن العشرة مثله، إلا عبد الرحمن بن عوف، فإنا لا نعلمه روى عنه شيئًا، ثم قد روى بعد العشرة عن جماعة من الصحابة، وكبرائهم، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب، ومنهم من حمل عليه في مذهبه، وقالوا: كان يحمل على علي، والمشهور عنه أنه كان يقدم عثمان، ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. وقال ابن خِرَاش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد، روى عن العشرة إلا قيس بن أبي حازم. وقال ابن معين: هو أوثق من الزهري، وقال مرّة: ثقة. وقال أبو سعيد الأشج: سمعت أبا خالد الأحمر يقول لعبد الله بن نمير: يا أبا هشام أما تذكر إسماعيل بن أبي خالد، وهو يقول: حدثنا قيس هذه الأُسطوانة -يعني في الثقة؟ -. وقال يحيى بن أبي غنية: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كبر قيس حتى جاز المائة بسنين كثيرة، حتى خَرِف، وذهب عقله. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير، منها حديث الحوأب.
وقال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه. كذا قال.
قال عمرو بن علي، مات سنة أربع وثمانين. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين. وقال خليفة، وأبو عبيد: سنة ثمان. وقال الهيثم بن عدي: مات في آخر خلافة سليمان. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٦) حديثًا.
(وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أنه رجل كبير (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) متعلّقٌ بـ"أسند" (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كون أبي مسعود راويًا عن
стр. 991
النبيّ ﷺ . وقوله: (ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ) بالنصب على المفعولية لأسند.
[تنبيه]: هذه الأخبار الثلاثة المشار إليها هنا:
[أولها]: ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ، قال:
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس، عن عقبة بن عمرو، أبي مسعود، قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن، فقال: "الإيمان يمان، هَهنا، إلا إن القسوة، وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر" (١).
[الحديث الثاني]: هو ما أخرجاه أيضًا، واللفظ للبخاريّ، قال:
حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبيّ ﷺ : "إن الشمس والقمر، لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما، فقوموا فصلوا" (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مما انتُقد على المصنّف حيث ذكره من أمثلة ما لم يأت فيه سماع قيس من أبي مسعود مع أنه قد ثبت عند البخاريّ في هذه الرواية تصريحه بسماعه منه. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
[الحديث الثالث]: هو ما أخرجاه أيضًا، واللفظ للبخاريّ، قال:
حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا إسماعيل، قال: سمعت قيسا، قال: أخبرني أبو مسعود، أن رجلا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة، من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: "إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس، فليتجوز، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الحديث أيضًا مما انتُقد على المصنّف، فقد ثبت قول قيس: أخبرني أبو مسعود ﵁، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا).
стр. 992
إيضاح المعنى الإجمالّي لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثلًا آخر لما ادّعاه من إلزام خصمه، وذلك أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وهو من كبار التابعين، حيث أدرك عمر ﵁، وسمع منه، وصحب عليّا ﵇، قد روى عن أنس بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ ، بالعنعنة، ولم يثبت سماعه منه، وحديثه مما صححه أهل الحديث، وهو بحسب زعم المنتحل ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قال: (وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) اسم أبي ليلى يسار، وقيل: يلال، وقيل: داود بن بلال، وعبد الرحمن من كبار التابعين الأثبات الفقهاء، تقدّمت ترجمته في ١/ ٢.
وقوله: (وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁) جملة في محل نصب على الحال، وقيده بها؛ ليبيّن أنه متقدّم العصر، لا يُسَتنكر سماعه من أنس ﵁، ومثله قوله: (وَصَحِبَ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ﵇ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) متعلّق بـ"أسند". حال كون أنس ﵁ راويًا (عَنِ النَّبِيِّ). وقوله: (حَدِيثًا) مفعول "أسند". والحديث هو: ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، قال:
وحدثني عمرو الناقد، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس بن مالك، قال: أمر أبو طلحة أم سليم، أن تصنع للنبي ﷺ طعاما لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه ... وساق الحديث، وقال فيه: فوضع النبيّ ﷺ يده، وسَمَّى عليه، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأَذِن لهم، فدخلوا، فقال: "كلوا، وسموا الله"، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبيّ ﷺ بعد ذلك، وأهل البيت، وتركوا سؤرًا (١).
قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو عنده في "كتاب الأشربة، والأطعمة"، ساقه من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة أنه سمع أنسًا، ثم من طريق بسر بن سعيد، حدثني أنس، ومن طريق أخرى عنه، سمعت أنسًا، ثم ذكر رواية ابن أبي ليلى، فهي عنده متابعة، ثم ذكره من طريق خمسةٍ آخرين عن أنس. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أجاب به المعلّميّ ﵀ أن حديث عبد
стр. 993
الرحمن بن أبي ليلى هذا لا يصلح حجةً لغرض المصنّف؛ لأنه إنما أورده في المتابعات، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لما ادّعاه من إلزام خصمه، وذلك أن رِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من كبار التابعين، قد سمع من عليّ بن أبي طالب ﵁ روى عن عمران ابن حصين ﵄ حديثين، وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ حديثًا، وكلها بالعنعنة، دون ذكر السماع، وهي أحاديث صحيحة عند أهل العلم، وهي ضعيفة عند هذا المنتحل؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، وفي كلام ابن رُشيد أيضًا -إن شاء الله تعالى-.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قال: (وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ) بكسر الراء، وسكون الموحدة (ابْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة- أبو مريم الْعَبسيّ الكوفيّ الثقة العابد المخضرم المتوفّى سنة (١٠٠) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ١/ ٣.
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بن عبيد بن خَلَف بن عَبْدِ نَهْم بن حُذيفة بن جَهْمة بن غاضرة بن حُبَشية بن كعب بن عمرو الخزاعي، هكذا نسبه ابن الكلبي ومن تبعه، وعند أبي عمر: عبد نهم بن سالم بن غاضرة، ويكنى أبا نجيد -بنون وجيم مصغرا- روى عن النبيّ ﷺ عدة أحاديث، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قاله ابن البرقي. وقال الطبراني: أسلم قديما، هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها. روى عنه ابنه نُجيد، وأبو الأسود الدؤلي، وأبو رجاء العطاردي، وربعي بن حراش، ومطرف، وأبو العلاء ابنا عبد الله بن الشّخِّير، وزَهْدَم الجرمي، وصفوان بن مُحرِز، وزُرارة بن أوفى، وآخرون. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قَدِمت البصرة، وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها. وقال خليفة: استَقْضَى عبد الله بن عامر عمران بن حصين على البصرة، فأقام أياما، ثم استعفاه. وقال ابن سعد: استقضاه زياد، ثم استعفاه فأعفاه. وأخرج الطبراني، وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحدٌ من الصحابة ممن
стр. 994
نزل البصرة. وقال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة، وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى. وأخرج الحارث بن أبي أسامة من طريق هشام، عن الحسن، عن عمران أنه شق بطنه، فلبث زمانا طويلًا، فدخل عليه رجل، ... فذكر قصته، فقال: إن أحب ذلك إلي أحبه إلى الله، قال: حتى اكتوى قبل وفاته بسنتين، وكان تسلم عليه، فلما اكتوى فقده، ثم عاد إليه. وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران، وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسَّرْوَ (١) خير لهم من عمران. أخرجه أحمد في "الزهد" عن سفيان، قال: كان الحسن يقول نحوه. وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها. وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة. وقال الدارمي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن مطرف، قال عمران بن حصين: إني محدثك بحديث إنه كان يُسَلَّم علي، وإن ابن زياد أمرني، فاكتويت، فاحتبس عني، حتى ذهب أثر الكي ... فذكر الحديث في سنة الحج. مات سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٤) حديثًا (٢).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ) [أحدهما]: هو ما أخرجه النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" ١/ ٥٤٨ قال:
[٩٩٨] أخبرني زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عثمان -هو ابن أبي شيبة- قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا زكريا -هو ابن أبي زائدة- قال: حدثنا منصور بن المعتمر، قال: حدثني ربعي بن حراش، عن عمران ابن حصين، قال: جاء حصين إلى النبيّ ﷺ قبل أن يُسْلِم، فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومك منك، كان يطعمهم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم، فقال له رسول الله ﷺ "ما شاء الله أن يقول"، ثم إن حصينا قال: يا محمد ماذا تأمرني أن أقول؟ قال: تقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وأسألك أن تعزم لي على رُشْد أمري"، ثم إن حصينا أسلم بعدُ، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فقال: إني كنت سألتك المرة الأولى، وإني أقول الآن: ما تأمرني أن أقول؟ قال: "قل: اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما جهلت، وما علمت". وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وهو المعروف بخيّاط السنة، وهو ثقة حافظ. ورواه أيضًا عبد بن حميد في "مسنده" ١/ ٤٢٦ بإسناد صحيح.
стр. 995
[والحديث الثاني]: هو ما أخرجه النسائيّ في "السنن الكبرى ٥/ ٤٦"، فقال":
٨١٥٠ - أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا عمر بن عبد الوهاب، قال: أنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن منصور، عن ربعي، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله"، أو قال: "يحبه الله ورسوله"، فدعا عليا، وهو أرمد، ففتح الله على -يعني يديه-. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح.
قال المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: لم يُخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد تُوبع ربعيّ على كلّ منهما. انتهى.
وقوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) عطف على قوله: "عن عمران بن حُصين": أي وأخرج ربعي أيضًا عن أبي بكرة ﵁.
وهو: نفيع بن الحارث بن كَلَدَة -بفتح الكاف، واللام- ابن عمرو بن عِلاج بن أبي سلمة، واسمه عبد العزى بن غِيَرَة بن عوف بن قيس، وهو ثقيف الثقفي، وقيل: اسمه مسروح، وقيل: كان أبوه عبدا للحارث بن كلدة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارثُ أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سُمَيَّة لأمه، وكانت سُمَيَّة أمة للحارث بن كلدة، وإنما قيل له: أبو بكرة لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبيّ ﷺ ، فأعتقه يومئذ. روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: عبيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، وكبشة، وأبو عثمان النهدي، وربعي بن حراش، وغيرهم.
وقال العجلي: كان من خيار الصحابة. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن معبد، ثم استتاب نافعا وشبلا، فتابا فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة، فأبى وأقام فلم يقبل شهادته، وكان أفضل القوم. وقال يعقوب بن سفيان: نفيع، ونافع، وزياد، وهم إخوة لأم، أمهم سُمَيّة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا هوذة بن خليفة، ثنا هشام ابن حسان، عن الحسن، قال: مَرّبي أنس بن مالك، وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقت معه، فدخلنا على الشيخ، وهو مريض، فأبلغه عنه، فقال: إنه يقول: ألم أستعمل عبيد الله على فارس، ورَوّادا على دار الرزق، وعبد الرحمن على الديوان؟ فقال أبو بكرة: هل زاد على أن أدخلهم النار، فقال له: أنس إني لا أعلمه إلا مجتهدا، فقال الشيخ: أقعدوني إني لا أعلمه إلا مجتهدا، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا أم أخطئوا؟ قال أنس: فرجعنا مخصومين. قال ابن سعد: مات بالبصرة في ولاية زياد. وقال المدائني: مات سنة خمسين. وقال البخاري: قال مسدد: مات أبو
стр. 996
بكرة والحسن بن علي في سنة واحدة، قال: وقال غيره: مات بعد الحسن سنة إحدى وخمسين. وقال خليفة: مات سنة ثنتين وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، زاد غيره: وكان أوصى بذلك. وقال أبو نعيم: آخى النبيّ ﷺ بيهما. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٨) حديثًا (١).
وقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) أي واحدًا، وهو ما أخرجه مسلم في "كتاب الفتن" من "صحيحه"، فقال:
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة ح وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي ابن حراش، عن أبي بكرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا". (٢).
قال المعلّميّ: أخرجه مسلم، وأشار إليه البخاريّ، أقول: ذكراه في المتابعات. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى: أشار المعلّميّ بهذا الكلام إلى أن كونه معنعنًا، مع عدم العلم بسماعه منه لا يضرّ؛ لأنه ما أخرجه مسلم، وأشار إليه البخاريّ إلا متابعة، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (وَرَوَى عَنْهُ) أَتَى به تأكيدًا لاحتمال سماع ربعيّ من أبي بكرة ﵁؛ لأنه إذًا سمع من عليّ ﵁، وهو متقدّم الوفاة، فلأن يسمع من عمران، وأبي بكرة، وهما متأخران من باب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
стр. 997
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه أيضًا، وذلك أن نافع بن جبير بن مطعم روى عن أبي شُريح الخزاعيّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ حديثًا واحدًا بالعنعنة، وهو حديث صحيح عند أهل العلم، ضعيف عند المنتحل المذكور؛ لما سبق بيانه. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قال: (وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه، والعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم. وروى عنه عروة بن الزبير، وسعيد ابن إبراهيم، والزهري، وحبيب بن أبي ثابت، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: روى عن أبي هريرة، وكان ثقة، أكثر حديثا من أخيه. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة مشهور، أحد الأئمة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من خيار الناس، كان يحج ماشيا، وناقته تقاد (١). وقال أبو الحسن بن البراء، عن علي بن المديني: أصحاب زيد ابن ثابت، الذين كانوا يأخذون عنه، ويُفتون بفتواه، فذكره فيهم. قال الزبير بن بكار، وغير واحد: مات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال الواقدي عن ابن أبي الزناد: مات سنة تسع وتسعين. وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٣) حديثًا.
(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ) -بضم الشين المعجمة، مصغّرًا- قيل: اسمه خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المْحُتَرِش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعيّ الكعبي، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن ابن مسعود، وعنه أبو سعيد المقبري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان ابن أبي العوجاء. قال ابن سعد في طبقة الخندقيين: أسلم قبل الفتح، ومات بالمدينة سنة ثمان وستين، وله أحاديث. وقال الواقدي: كان من عقلاء أهل المدينة. وقال العسكري: تُوُفي سنة ثمان وستين. وقيل: سنة ثمان وخمسين. انتهى. قال الحافظ:
стр. 998
والأول أصح؛ لأنّ له قصّة مع عمرو بن سعيد بن العاص، وهو يبعث البعوث إلى مكة، لقتال ابن الزبير، وكان ذلك في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث بالمكرّر، برقم (٦٩) و (٢٤١٣) و (٣٢٥٥) و (٣٢٥٦)(١).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في "الإيمان" من "صحيحه"، فقال:
حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، جميعا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو، أنه سمع نافع بن جبير، يخبر عن أبي شريح الخزاعي، أن النبيّ ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليسكت".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث من رواية نافع بن جبير، عن أبي شُريح من أفراد مسلم، وقد أخرجه هو، والبخاريّ من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شُريح، فهو شاهد، كما قال الشيخ المعلّمي.
والحاصل أن الحديث محفوظ عن أبي شريح برواية سعيد المقبريّ عن أبي شريح، كما هو متّفق عليه، فتكون رواية نافع بن جبير شاهدة، فلا تصلح لاحتجاج المصنّف بها لغرضه في الباب، حيث إنها مما أوردت للاستشهاد، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
إيضاح المعنى الإجمالّي لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر إلزامًا لخصمه أيضًا، وذلك أن النعمان بن أبي عياش، روى ثلاثة أحاديث عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وكلُّها معنعنة، وهي أحاديث صحيحة، مع أنه لم يثبت سماع النعمان من أبي سعيد ﵁ -حسبما زعمه المصنّف- وهي في نظر المنتحل ضعيفة؛ لما سبق. هذا خلاصة كلامه، وسيأتي مناقشته في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.
стр. 999
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرَقيّ الأنصاري، أبو سلمة المدني، رَوَى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وجابر، وخولة بنت ثامر. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وسهيل بن أبي صالح، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، ومحمد بن عجلان، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو بكر بن منجويه: كان شيخا كبيرا من أفاضل أبناء أصحاب رسول الله ﷺ . وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله في "صحيح مسلم" ثمانية أحاديث.
[تنبيه]: أبو عيّاش، والد النعمان هذا قيل: اسمه زيد بن الصامت. وقيل: زيد ابن النعمان. وقيل: عُبيد بن معاوية بن الصامت. وقيل: عبد الرحمن. ذكره النوويّ (١).
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خُدْرَة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، استُصغِر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وأخيه لأمه قتادة بن النعمان، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة الأنصاري، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وزيد بن ثابت، وغيرهم.
قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقه من أبي سعيد. قال الواقدي، وابن نمير، وابن بكير: مات سنة (٧٤). وقيل: مات سنة (٦٤)، وهو ابن (٧٤) سنة. وقال أبو الحسن المدائني: مات سنة (٦٣). وقال العسكري: مات سنة (٦٥). أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٠٨) أحاديث.
(ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) [أحدها]: ما أخرجاه من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمعا
стр. 1000
النعمان بن أبي عياش، يحدث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا".
[والحديث الثاني]: ما أخرجاه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا -المغيرة بن سلمة- المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها". قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام، ما يقطعها".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا مما يُنتقد على مسلم، حيث مثّل به لما لم يتبيّن فيه سماع النعمان من أبي سعيد، مع أنه في كتابه صرّح بقوله: "حدّثني أبو سعيد الخدريّ ﵁"، سبحان من لا يضلّ، ولا ينسى.
[الحديث الثالث]: هو ما أخرج مسلم في "كتاب الإيمان"، فقال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجل صرف الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومَثَّلَ له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة، أكون في ظلها ... " الحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي الجواب عن هذه الأحاديث الثلاثة مستوفىً في مناقشة ابن رُشيد -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه، وذلك أن عطاء بن يزيد الليثيّ روى عن تميم الداريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ حديثًا واحدًا بالعنعنة، وهو حديث صححه أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع عطاء من أبي سعيد ﵁، وهو عند المنتحل المذكور ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
стр. 1001
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) ثم الْجُنْدَعي، أبو محمد، وقيل: أبو يزيد المدني، ثم الشامي، روى عن تميم الداري، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سليمان، والزهري، وأبو عبيد، صاحب سليمان بن عبد الملك، وأبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، وهلال بن ميمون الرملي، وغيرهم.
قال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: أبو يزيد، عطاء ابن يزيد شامي ثقة. وقال ابن سعد: كناني من أنفسهم، تُوُفي سنة سبع ومائة، وهو ابن (٨٢) سنة، وهو كثير الحديث. وقال عمرو بن علي: مات سنة (١٠٥)، وكذلك قال ابن حبان في "الثقات" وزاد: وهو ابن ثمانين سنة. وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٥) حديثًا.
(عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) هو: تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذِيمة بن وَدّاع، ويقال: ذَرّاع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم، أبو رُقَيّة الداري، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وكان إسلامه سنة تسع، روى عن النبيِّ ﷺ ، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم.
قال يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَرٌ، وإنما كانت له ابنة تُسَمّى رُقَيّة. وقال ابن سُمَيع: مات بالشام، ولا عقب له. وقال قتادة: كان من علماء أهل الكتابين. وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة. وقال مسروق: قال لي رجل: قام بآية حتى أصبح. رواه النسائي. وجاء من وجوه عديدة: أن النبيّ ﷺ أقطعه بيت حَبْرُون، وهو أول من أسرج السراج في المسجد، رواه ابن ماجه، قيل: وُجِد على قبره أنه مات سنة (٤٠). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (٥٥) وهو: "الدين النصيحة".
[تنبيه]: روى النبيّ ﷺ عن تميم الداريّ ﵁ قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة لتميم، ويدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر. وقصّة الجسّاسة مشهورة، أخرجها الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة" من "صحيحه" (٢٩٤٢) برقم محمد فؤاد، و (٥٢٢٥) برقم العالميّة. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأما تميم الداريّ فكذا هو في مسلم،
стр. 1002
واختلف فيه رواة "الموطإ"، ففي رواية يحيى، وابن بكير، وغيرهما: "الدَّيْرِيّ" بالياء، وفي رواية القعنبيّ، وابن القاسم، وأكثرهم: "الداريّ" بالألف.
واختلف العلماء في نسبته، فقال الجمهور: إلى جد من أجداده، وهو الدار بن هانىء، فإنه تميم بن أوس بن خارجة بن سُور -بضم السين- ابن جَذِيمة -بفتح الجيم، وكسر الذال المعجمة- ابن ذراع بن عديّ بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نمارة بن لخم، وهو مالك بن عديّ.
وأما من قال: "الدَّيْريّ" فهو نسبة إلى دَيْرٍ كان تميم فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيا، هكذا رواه أبو الحسين الرازيّ، في كتابه "مناقب الشافعيّ" بإسناده الصحيح، عن الشافعيّ أنه قال في النسبتين: ما ذكرناه، وعلى هذا أكثر العلماء. ومنهم من قال: الداريّ بالألف إلى دارين، وهو مكان عند البحرين، وهو محط السفن، كان يجلب إليه العطر من الهند، ولذلك قيل للعطار: داريّ. ومنهم من جعله بالياء نسبة إلى قبيلة أيضًا، وهو بعيد شاذ، حكاه والذي قبله صاحب "المطالع"، قال: وصوب بعضهم الدَّيْرِيّ، قلت: وكلاهما صواب، فنُسب إلى القبيلة بالألف، وإلى الدير بالياء؛ لاجتماع الوصفين فيه. قال صاحب "المطالع": وليس في "الصحيحين"، و"الموطإ": داريّ، ولا دَيْريّ إلا تميم. انتهى كلام النوويّ (١). والله تعالى أعلم.
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) وهو ما أخرجه مسلم في "كتاب الإيمان" من "صحيحه"، فقال:
حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا سفيان، قال: قلت لسهيل: إن عمرا حدثنا عن القعقاع عن أبيك، قال: ورجوت أن يُسقِط عني رجلا، قال: فقال: سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقا له بالشام، ثم حدثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري، أن النبيّ ﷺ قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
قال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: أخرجه مسلم في "كتاب الإيمان"، وذكر معه أحاديث تؤدّي معناه، منها: حديث أبي هريرة ﵁: "لا تؤمنوا حتى تَحابّوا"، وحديث جرير ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكلّ مسلم"، وقد رُوي: "الدين النصيحة" من حديث ثوبان، وغيره، ومعناه ثابتٌ بنصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]،
стр. 1003
وقوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يَظلمه، ولا يُسلمه". رواه البخاريّ. وقوله ﷺ : "من غشّنا فليس منا" إلى غير ذلك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار الشيخ المعلّميِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى أن احتجاج المصنّف بهذا الحديث لغرضه من إلزام الخصم غير مسلّم؛ لأن هذا الحديث ليس تصحيحه لما ادّعاه، بل لما احتفّ به من الشواهد، فلا يتمّ به الاستدلال، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رحمه الله تعالى:
(وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ضرب رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه أيضًا -حسبما رآه- وذلك أن سليمان بن يسار روى حديثًا معنعنًا عن رافع بن خديج ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وهو حديث صحيح عند أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع سليمان من رافع ﵁، وهو في نظر المنتحل ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلالي، أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله المدني، مولى ميمونة، ويقال: كان مكاتبا لأم سلمة، روى عن ميمونة، وأم سلمة، وعائشة ﵂، وفاطمة بنت قيس، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم.
وروى عنه عمرو بن دينار، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن الفضل الهاشمي، وأبو الزناد، وبكير بن الأشج، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، وغيرهم.
ذكر أبو الزناد أنه أحد الفقهاء السبعة، أهل فقه، وصلاح وفضل. وقال الحسن ابن محمد بن الحنفية: سليمان بن يسار عندنا أفهم من ابن المسيب، وكان ابن المسيب يقول للسائل: اذهب إلى سليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم. وقال مالك: كان سليمان من علماء الناس بعد ابن المسيب. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، فاضل عابد. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال النسائي: أحد الأئمة. وقال ابن حبان في
стр. 1004
"الثقات": وهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وكان من فقهاء المدينة وقرائهم. وقال العجلي: مدني تابعي، ثقة، مأمون، فاضل، عابد.
وقال ابن سعد: كان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، كثير الحديث، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن (٧٣) سنة. وكذا أرّخه غير واحد. وقيل: مات سنة (٩٤). وقيل: سنة (١٠٠). وقيل: سنة (٣). وقيل: سنة (٤). وقيل: سنة (١٠٩). وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٢) حديثًا.
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بن رافع بن عدي بن تَزِيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، شهد أحدًا، والخندق، وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمه ظهير بن رافع، وعم آخر لم يسمه، وعن أبي رافع ولعله عمه الآخر، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحُفَداؤه: عباية بن رفاعة، وعيسى، ويقال: عثمان بن سهل، وهرير بن عبد الرحمن، وابن أخيه يحيى بن إسحاق، وابن عمه، ويقال: ابن أخيه أسيد بن ظهير، وثابت بن أنس بن ظهير، ومولاه أبو النجاشي، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وغيرهم.
قال يحيى بن بكير: مات أول سنة (٧٣). وقال الواقدي: مات في أول سنة (٧٤)، وحضر ابن عمر جنازته. وكذا أرخه خليفة، وابن نمير. وقال البخاري في "تاريخه": مات في زمن معاوية. وذكره في "التاريخ الأوسط" في "فصل من مات من الخمسين إلى الستين". وأرخه ابن قانع سنة (٥٩)، فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٥) حديثًا (١).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في "البيوع" برقم (١٥٤٨) فقال:
وحدثني علي بن حجر السعدي، ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية- عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: كنا نُحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ ، فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فَنُكريها على الثلث،
стр. 1005
والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها، وما سوى ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أخرج مسلم هذا الحديث عن رافع، من طرق أخرى، فأخرجه من رواية أبي النجاشيّ مولى رافع بن خديج، عنه، وعن حنظلة بن قيس، عنه. فيكون من باب المتابعة.
والحاصل أن صحة حديث سليمان هذا ليس لمجرّد المعاصرة فقط؛ بل الظاهر لوجود الشواهد المذكورة له، فلم يتمّ غرض المصنّف من الجزم بأن ذلك للمعاصرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر -وهو آخر الأمثلة- على ما ادّعاه من إلزام الخصم، وذلك أن حميد بن عبد الرحمن روى أحاديث عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، كلها بالعنعنة، وكلها صحيحة عند أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع حميد من أبي هريرة ﵁، وليس ذلك إلا للاكتفاء بالمعاصرة، وهي في نظر المنتحل ضعيفة؛ لما سبق، من إمكان الإرسال فيها. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) البصري، روى عن أبي بكرة، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبيد الله، ومحمد بن المنتشر، وعبد الله بن بريدة، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
قال العجلي: بصري ثقة. وقال هو ومنصور بن زاذان: وكان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة، زاد منصور: قبل أن يموت بعشر سنين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان فقيهًا، عالمًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وذكر أنه روى عن علي بن أبي طالب ﵁. وقال في "التقريب": ثقة، فقيهٌ، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثمانية أحاديث.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ) منها: حديث أخرجه مسلم في
стр. 1006
"كتاب الصيام" من "صحيحه" برقم (١١٦٣) فقال:
حدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل".
[تنبيه]: قال أبو عبد الله الحميديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في آخر مسند أبي هريرة ﵁ من "الجمع بين الصحيحين": ليس لحميد بن عبد الرحمن الحميريّ عن أبي هريرة، في "الصحيح" غير هذا الحديث، قال: وليس له عند البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة شيء. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهذا الذي قاله الحميديّ صحيح، وربما اشتبه حميد بن عبد الرحمن الحميريّ هذا، بحميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، الراوي عن أبي هريرة أيضًا، وقد رويا له في "الصحيحين" عن أبي هريرة أحاديث كثيرة، فقد يقف من لا خِبْرَة له على شيء منها، فينكر قول الحميديّ توهما منه أن حميدا هذا هو ذاك، وهو خطأ صريح، وجهل قبيح (١)، وليس للحميريّ عن أبي هريرة أيضًا في الكتب الثلاثة التي هي تمام أصول الإسلام الخمسة: أعني "سنن أبي داود"، و"الترمذي"، و"النسائيّ" غير هذا الحديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وكذلك ليس له عن أبي هريرة في "سنن ابن ماجه" غير هذا الحديث، أخرجه في "الصيام" برقم (١٧٣٢). فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه آخر]: وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف، فقد رواه أبو عوانة كما عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ موصولًا، وتابع أبا بشر في الوصل محمد بن المنتشر عند المصنّف، وابن ماجه، والبيهقيّ. ورواه شعبة، عند النسائي عن أبي بشر، عن حميد، قال: قال رسول الله ﷺ مرسلًا. وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو (٣) الرَّقِّيّ، فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان البجليّ، قال: كان النبيّ ﷺ يقول، فذكره.
стр. 1007
[تنبيه آخر]: قال الشيخ المعلّمي رحمهُ اللهُ تعالى بعد ذكر الاختلاف في إسناد هذا الحديث: ما حاصله: وفي هذا الحديث نظر من وجوه:
[الأول]: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لحميد الحميريّ لقاء لأبي هريرة.
[الثاني]: ما سمعت من الاختلاف. [والثالث]: أنه لا يُتابع عن أبي هريرة ﵁، ولا عن جندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفّاظ المكثرين. [والرابع]: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهدٌ -فيما أعلم- إلا ما رواه الترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليّ. وقال الترمذيّ: حسنٌ غريب. وعبد الرحمن بن إسحاق هو ابن شيبة الواسطيّ، قال أحمد: ، ويحيى: ليس بشيء. وقال أحمد، وغيره: منكر الحديث. وقال مرّةً: ليس بذاك، وهو الذي يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير. وضعّفه غيرهم أيضًا. والنعمان بن سعد تفرّد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم (١) وكذا قال البخاريّ ٤/ ٣/ ٧٧ كما ثبت في بعض نُسخ "التاريخ". قال ابن حجر في "التهذيب": والراوي عنه ضعيف، فلا يُحتجّ بخبره.
قال المعلمي: وذكره ابن حبّان في "الثقات" ٥/ ١١، والثقة عنده من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا؛ لأن الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مرّ.
[الخامس]: أن الثابت عن النبيّ ﷺ أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملًا إلا أنه كان كثير الصيام في شعبان. والله أعلم. انتهى كلام المعلميّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه الشيخ المعلّميّ بهذا البحث أن حديث حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ المذكور لا يصلح الاحتجاج به لغرض المصنّف؛ للعلل التي ذكرها، فليس من الأسانيد الصحاح كما ادّعاه المصنّف، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: جملة الأحاديث التي أشار إليها مسلم في هذه المحاجّة ثلاثة وعشرون حديثًا، منها: ثمانية، قد ثبت السماع فيها، خلاف ما ادّعاه، وأربعة منها لم يُخرجها في "صحيحه"، وأحد عشر أخرجها في المتابعة، والشواهد، والذي أخرجه محتجًّا به فيما يظهر حديث واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1008
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(فَكُلُّ هَوُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينِ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ، فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ، وَهِيَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ، لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رَحِمَهُ اللهَ تعالى أن هؤلاء التابعين الذين رووا عن هؤلاء الصحابة الذين سبق ذكرهم لم يثبت لقاؤهم لهم، ولا سماع منهم في رواية معيّنة، وهي مع ذلك أحاديث صحاح الأسانيد عند العلماء النقّاد الذين لهم معرفة تامّة بالأخبار، لم يُضعّفوا منها شيئًا، ولا طلبوا ثبوت سماع المعنعن من المعنعن عنه؛ اكتفاءً بإمكانه؛ لوجود المعاصرة مع ارتفاع الموانع. هذا خلاصة ما أشار إليه، وقد عرفت ما في ذلك من الانتقادات فيما سبق، فكن على بصيرة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(فَكُلُّ هَوُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا) أي أقمنا (رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لم يُحْفَظْ) بالبناء للمفعول (عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ) قد عرفت أن هذا ليس مسلّمًا للمصنف في كلهم، كما اتّضح مما أسلفناه، لكن يُعتذر عنه بأنه إنما نفى علمه، كما أشار إليه بقوله: "علمناه". والله تعالى أعلم.
(وَهِيَ أَسَانِيدُ) مبتدأ وخبر. وقوله: (عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ) متعلّق بحال مقدَّر (بِالْأَخْبَارِ) بفتح الهمزة جمع خبر (وَالرِّوَايَاتِ) من عطف المرادف. وقوله: (مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ) متعلّق بصفة لـ "أسانيد" (لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا) أي ضعّفوا (مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) هذا فيه نظر لا يخفى، فقد سبق أن المحقّقين ممن سمّاهم المصنّف، وغيرهم فتّشوا عن السماع كثيرًا، فلا يتمّ له هذا الادّعاء، فتنبّه بالإنصاف.
(إِذِ السَّمَاعُ) "إذ" تعليلية؛ أي لأن السماع (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أي من التابعين المذكورين (مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ) أي من الصحابي الذي روى عنه بالعنعنة (غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ) بصيغة اسم المفعول، يعني أنه لا يُنكَر ذلك عنهم (لِكَوْنِهِمْ) أي لكون المعنعِنين،
стр. 1009
والمعنعن عنهم (جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ) أي اتّفق وجودهم فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ، أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ، إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا، وَكَلَامًا خَلْفًا، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شرَحْنَا، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه بعدما تبيّن ما كان عليه الأئمة النقّاد من تصحيح الحديث المعنعن إذا ثبتت المعاصرة مع ارتفاع الموانع من اللقاء والسماع، ثبت أن هذا القول المحدث في تضعيف الأحاديث المعنعنة من المتعاصرين بسبب احتمال الانقطاع أقلّ من أن يُمال ويُلتفت إليه، ويُشاع ذكره بين طلاب العلم؛ حيث كان -حسب زعم المصنّف- قولًا مخترغًا، وكلامًا ساقطًا، لم يقله أحد من السلف، ويُنكره من أتى بعدهم من الخلف، فلا حاجة إلى ردّه بأكثر مما سبق؛ إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي بيّنّاه من أنه قول محدث، وكلام ساقط، والله هو الذي يُطلب منه العون على دفع ما خالف مذهب العلماء، وعليه الاعتماد في كلّ ذلك.
هذا خلاصة ما ذكره، وقد مضى، ويأتي ما ناقشه فيه ابن رُشيد، وغيره من العلماء، فتأمل ما قاله بفكر سديد، ولا تتهوّر بالتقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ) بالرفع على أنه اسم "كان" (الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ) وهو الذي عبر عنه فيما مضى تارة بالمنتحل، وتارة بالمخترع المستحدث (فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ) متعلّق بـ "أحدث" (بِالْعِلَّةِ) متعلّق بـ "توهين" (الَّتِي وَصَفَ) بالبناء للفاعل: أي وصفها القائل (أَقَلَّ) بالنصب على أنه خبر "كان" (مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ) بتشديد الراء، من التعريج، والفعل مبنيّ للمفعول: أي يُتوقّف عنده، ويُعتمد عليه، يقال: عرّجت على الشيء بالتشديد: إذا توقّفت عنده. أفاده في "المصباح". وقال في "القاموس": وعرّج تعريجًا: مَيَّلَ، وأقام، وحَبَسَ المطيّة على المنزل. انتهى. (وَيُثَارَ ذِكْرُهُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي يُهَاج، ويُنشر ذكر ذلك القول (إِذْ) تعليليِّة أيضًا: أي لأنه (كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا)
стр. 1010
أي مستجدّا بعد أن لم يكن (وَكَلَامًا خَلْفًا) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام: أي ساقطا فاسدًا، قال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الخلف وزانُ فلس، الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا، ونطق خَلْفًا: أي سكت عن ألف كلمة، ونطق بخطإ. وقال أبو عبيد في "كتاب الأمثال": الخلف من القول السَّقَط الرديء، كالْخَلْفِ من الناس. انتهى (١).
(لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ) بصيغة الماضي: أي مضى. ويحتمل أن يكون "سَلَفٌ" بفتحتين مرفوعًا بدلا من "أحدٌ": أي لم يقله سلف.
(وَيَسْتَنْكِرُهُ) أي يُنكره، فالسين، والتاء للمبالغة (مَنْ) بفتح الميم موصولة بالظرف (بَعْدَهُمْ خَلَفَ) بصيغة الماضي أيضًا: أي أتى بعد السلف. ويحتمل أن تكون "من" حرف جرّ، و"بعدهم" مجرور بها، و"خلف" بفتحتين مرفوع على أنه فاعل "يستنكره".
والمعنى أن هذا الذي قاله هذا المنتحل من اشتراط السماع لقبول المعنعن لم يتقدّمه أحد من السلف، ولا يقبله، بل يستنكره كلّ من أتى من بعدهم من الخلف.
لكن قد عرفت مناقشته في هذا الادّعاء، وسيأتي أيضًا إكمال ما تبقّى من المناقشة قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
(فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ) أي ردّ هذا القول المحدث فيِ زعمه (بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا) أي أوضحنا فيما مضى من الكلام (إِذْ) تعليليّة، أي لأنه (كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ) بالنصب على أنه خبر "كان" (الَّذِي وَصَفْنَاهُ) أي بكونه قولا محدثًا، وكلاما خلفًا، غير مسبوق قائله به (وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ) أي الذي يُطلب منه العون (عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ) بضم التاء، وسكون الكاف: اسم من الاتّكال، يقال: توكّل على الله: اعتمد عليه، ووثق به، واتّكل في أمره كذلك (٢)، أي وعليه الاتكال. انتهى شرح المقدمة، ولله تعالى الحمد والمنة، وله الفضل والنعمة، ومنه التوفيق والعصمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه:
ولْنَعُد إلى إكمال مناقشة الإمام ابن رُشيد للمصنّف رحمهما الله تعالى فيما ذكره من قوله: "وهذا أبو عثمان النهديّ، وأبو رافع الصائغ -إلى آخر كلامه".
قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(الدليل الرابع): وهو أيضا خاصٌّ، وهو كالتتميم للثاني؛ لأنه تمثيل له، إلا أن
стр. 1011
ذلك تمثيل في الصحابة، وهذا تمثيل في التابعين، وكلاهما بالحقيقة جزء من الدليل الثاني.
قوله: "وهذا أبو عثمان النهديّ، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصحبا أصحاب النبيّ ﷺ ... " الفصل إلى قوله: "فكل هؤلاء من التابعين الذين نَصَبْنَا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم، لم يُحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه ... الكلام إلى آخره الذي اشتد فيه بالإنكار على قائله، وحَمَلَ عليه أشدَّ الحمل، ولعله لم يَعلَم أنه قولُ ابن المديني والبخاري، وكأنه إنما تكلم مع بعض أقرانه أو من دونه، ممن قال بذلك المذهب -والله أعلم- فإنه لو علمه لكَفّ من غَرْبه (١)، وخَفَضَ لهما الْجَنَاح، ولم يَسِمْهما الكِفَاح (٢).
وحاصل هذا الدليل الرابع ادِّعاء الإجماع أيضا على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس، إذا عنعنوا عن الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم، وإن لم يُعلَم اللقاء ولا السماع، كما أُصِّلَ ذلك في أحاديث الصحابة ﵃.
قال: ولنا عن هذا الدليل أجوبة ثلاثة:
(الأول): نقض الإجماع بما تقدم من نقل ذلك عمن عُلِمَ.
(الثاني): أن هؤلاء الذين سَمَّيتَ ممن عُلِم سماعُ بعضهم من بعض عند من أثبت صحة حديثهم، ألا ترى أن أبا الحسن علي بن المديني قد قال في "كتاب التاريخ" له: أبو عثمان النهديُّ عبد الرحمن بن مَلّ، وكان جاهليّا ثقةً، لَقِيَ عمر، وابن مسعود، وأبا بكرة، وسعدًا، وأسامة، ورَوَى عن علي، وأبي موسى، وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: حدثني أبي بن كعب، وقد أدرك النبيّ ﷺ . انتهى.
فقد نَصّ عليٌّ أنه يقول في بعض حديثه: حدّثني أبي بن كعب، فمنه ما اطلعنا عليه، ومنه ما لم نَطَّلِع عليه حسبما نُبَيّن -إن شاء الله تعالى-.
(الثالث): أن هذه أمثلة خاصة لا عامة، جزئية لا كلية، يمكن أن تَقتَرن بها قرائن تُفهِم اللقاء أو السماع، كمن سَمَّيتَ ممن أدرك الجاهلية، ثم أسلم بعد موت النبيّ ﷺ ، وصَحِبَ البدريين فمن بعدهم، فهذا يَبْعُد فيه ألا يكون سمع ممن رَوَى عنه، وإن جَوّزنا أنه لم يسمع منه، قلنا: الظاهر روايته عن الصحابة، والإرسالُ لا يَضُرّه، كما قدّمنا من الجواب عن الدليل الثالث.
стр. 1012
على أن الإمام الحافظ أبا حاتم البستِيّ قد طَرَدَ هذا الحكم فيمن تحقق منه أنه لا يرسل إلا عن ثقة.
قال ﵀: وأما المدلسون الذين هم ثقات عدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بَيَّنُوا السماع فيما رووا، مثل الثوري، والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقنين، وأهل الورع في الدين؛ لأنا متى قبلنا خبر مُدَلِّس لم يُبَيِّن السماع فيه، وإن كان ثقة لَزِمَنا قبولُ المقاطيع والمراسيل كلها؛ لأنه لا يُدرَى لعل هذا المدلس دَلّس هذا الخبر عن ضعيف، يَهِي الخبرُ بذكره إذا عُرِف.
اللهم إلا أن يكون المدلس يُعلَم أنه ما دَلّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قُبِلت روايته، وإن لم يُبَيّن السماع، وهذا شيء ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يُدَلّس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وُجِد ذلك الخبر بعينه قد بَيَّنَ سماعه فيه عن ثقة، فالحكم في قبول روايته لهذه العلة، وإن لم يُبَيِّن السماع فيها، كالحكم في رواية ابن عباس إذا رَوَى عن النبيّ ﷺ ما لم يَسمَع منه. انتهى ما قاله أبو حاتم (١).
فهذه الأمثلة التي أتيتَ بها أيُّها الإمام كلُّها جزئيات، والحكم على الكليات بحكم الجزئيات لا يَطَّرد، فقد يكون لكل حديث حكمٌ يخصه، فَيُطَّلَع فيه على ما يُفهِمُ اللقاء أو السماع (٢)، ويُثِير ظنّا خاصّا في صحة ذلك الحديث، فَيُصَحَّح اعتمادًا على ذلك، لا من مجرد العنعنة.
ومثل هذا أيُّها الإمام لا تقدر على إنكاره، وقد فَعَلتَ في كتابك مثله من رَعْيِ الاعتبار بالمتابعات والشواهد، وذلك مشهور عند أهل الصنعة، فيُتْبِعُون ويستشهدون بمن لا يُحْتَمَلُ انفرادُهُ، ومثل ذلك لا يُنكَر في الفقه وأصوله.
وقد فعلتَ أنت أيُّها الإمام ما هو أشد من ذلك في كتابك "المسند الصحيح" حيث أدخلتَ فيه أَسْبَاط بن نصر، وقَطَنَ بن نُسَير، وأحمد بن عيسى المصري، فاعتَرَض فعلك أبو زرعة الرازي، وأنكر عليك، فاعتذرت حين بلغك إنكاره، فيما ذكره الحافظ الثقة الإمام أبو بكر الْبَرْقانيّ، عن الحسين بن يعقوب الفقيه، قال: نا أحمد بن طاهر الميانجي، نا أبو عثمان سعيد بن عمرو، قال: شَهِدتُ أبا زرعة الرازي، وذَكَرَ قصةً فيها طول اختصرتها، قال فيها: وأتاه ذات يوم رجل بكتاب "الصحيح" لمسلم،
стр. 1013
فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: ما أبعد هذا من الصحيح، يُدخِل في كتابه أسباط بن نصر، ثم رَأَى في الكتاب قَطَنَ بن نُسَير، فقال لي: وهذا أطمُّ من الأول، قَطَن بن نُسير وَصَلَ أحاديثَ عن ثابت، جعلها عن أنس، ثم نَظَر، فقال: يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه "الصحيح"؟ قال لي أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة إلى لسانه كأنه يقول الكذب.
ثم قال لي: يُحَدِّث عن هؤلاء، ويترك محمد بن عجلان ونظراءه، قال: فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه ذلك، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر، وقطن، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهمِ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتَصِر على أولائك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات. انتهى ما أوردنا من الحكاية، وبعضها منقول بالمعنى، ذكرها عن الْبَرْقاني الحافظُ المتقنُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأَوْنَبِيّ في "كتاب المنتقى" له (١).
وهذا المعنى الذي قصدتَهُ إن عُدَّ مُخَلِّصًا بالنظر إليك فيما يلزمك التطوق به، حيث غلب على ظنك صحته، فلا يلزم غيرك ممن يَجتهد في الرجال، نعم يكون
стр. 1014
صحيحا في حقّ من يكتفى بتقليدك -وإنك لخليق بذلك- من الفقهاء، أو المحدثين ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في معرفة الصحيح والسقيم.
وقد نحا نحوًا من مذهبك الإمام أبو حاتم البستيُّ فيما حَكَى عن نفسه في صدر كتابه الذي وسمه بكتاب "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطعٍ في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها": ما نصه: "إذا صَحّ عندي خبر من رواية مدلس بأنه بَيَّنَ السماع فيه لا أُبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر". انتهى (١).
فلا يُنكر أيها الإمام الْمُعْتَمَدُ أن يكون مَنْ قَبِل تلك الأحاديث، وصحت عنده، واحتج بها قد اعتَمَد نحوًا من هذا المسلك، فلم يقبلها بمجرد العنعنة، بل بضميمةٍ إليها أفادته صحة اللقاء والسماع، وإن لم يقترن بها ذلك لفظًا.
وقد وقع للإمام أبي عبد الله البخاري في "جامعه الصحيح" ما يَنظُر إلى هذا المعنى، وهو ما ذكره في "كتاب الصلاة" من كتابه في "باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة"، قال فيه: نا آدم، قال: نا شعبة قال: نا الأزرق بن قيس، قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جُرُف نهر، إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجَعَلتِ الدابة تنازعه، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي (٢) - فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت معِ رسول الله ﷺ ست غزوات، أو سبع غزوات، أو ثمان، وشهدت تيسيره، وإني أنْ كنت أن أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها، فيشق علي.
فهذا الأزرق بن قيس البصري، من بلحارث بن كعب من التابعين، قال أبو حاتم فيه: صالح الحديث، وقال ابن معين، والنسائيّ، وغيرهما فيه: ثقة، لم يَعرِف أبا برزة، ولا يَثبُتُ قول قائل لا يُعرَف صدقُه مُخبرًا عن رسول الله ﷺ أنه سمعه قال كذا، أو أنه رآه فعل كذا، إلا بعد ثبوت صحبته، أو ثبوت عدالته قبل أن يُخبر أنه صاحب، على نظر في هذا القسم الآخر، فإنه إذا قال لنا من عاصره ﷺ ، ممن ثبت إسلامه وعدالته: أنا صاحبٌ صُدِّقَ، وقُبِل قولُهُ، وسُمِعت روايته.
стр. 1015
قال الإمام الفقيه المالكي أبو عمرو بن الحاجب: ويحتمل الخلافُ؛ للاتهام بدعوى رتبة لنفسه.
قلت (١): لكن لما ثبت عند شعبة أن هذا الرجل الذي نازعته دابته هو أبو برزة الأسلمي، وهو معروف الصحبة والسماع من النبيّ ﷺ ثبت الحديث وصحّ، فلذلك أخرجه البخاري في "صحيحه"، فهذا حديث صح بضميمة.
وعلى نحوٍ من هذا تأول علماء الصنعة بَعْدَكُما عليكما -أَعنِيك والبخاريَّ فيما وقع في كتابيكما من حديث مَنْ عُلِم بالتدليس، ممن لم يُبَيِّن سماعَهُ في ذلك الإسناد الذي أخرجتما الحديث به، فظنوا بكما ما ينبغي من حسن الظن، والْتِمَاس أحسن المخارج، وأصوب المذاهب؛ لتقدمكما في الإمامة، وسَعَة علمكما وحفظكما، وتمييزكما ونقدكما، أن ما أخرجتما من الأحاديث عن هذا الضرب، مما عرفتما سلامته من التدليس.
وكذلك أيضا حَكَمُوا فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا، فحَمَلُوا ذلك على أنه مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِمُوا فيه عند التحديث، على نَظَرٍ في هذا القسم الآخر، يحتاج إلى إمعان التأمل، فبعضٌ منها تَوَصَّلُوا إلى العلم بالسلامة فيه بطبقة الرواة عنهم، وتمييز وقت سماعهم، وبعضٌ أشكل، وقد كان ينبغي فيما أشكل أن يُتَوَقَّف فيه، لكنهم قَنِعُوا، أو أكثرهم بإحسان الظن بكما، فقَبِلُوه ظنّا منهم أنه قد بان عندكما أمره، وحسبنا الاقتداء بما فَعَلُوا، ولزومُ الاتباع ومجانبةُ الابتداع.
وقد سلك أيضا هذا المسلك أبو حاتم البستيّ، فقال في صدر كتابه: وأما المختلطون في أواخر أعمارهم، مثلُ الجريريّ، وسعيد بن أبي عروبة، وأشباههما، فإنا نَرْوي عنهم في كتابنا هذا، ونَحتَجُّ بما رووا، إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما رَوَى عنهم الثقات من القدماء الذين يُعلَم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات من الروايات التي لا شك في صحتها، وثبوتها من جهة أخرى؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحُمِل عنهم في اختلاطهم بعدَ تقدم عدالتهم حكم الثقة إذا أخطأ، أن الواجب ترك خطئه إذا عُلِم، والاحتجاج بما يُعلَم أنه لم يخطىء، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما رَوَى عنهم القدماء، من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء. انتهى ما قاله أبو حاتم البستيّ.
стр. 1016
وفي بعض كلامه نظرٌ فليسا سواء، وتشبيهه بحال الثقة إذا أخطأ لا يُسَاعَد عليه، أما ما رُوي عنهم قبل الاختلاط، وتَمَيَّز مما رُوي بعده فلا إشكال فيه، وأما ما رُوي عنهم مستقيما بعد الاختلاط ففيه نظر، وقد أنكره يحيى بن معين على وكيع، وقال له: تُحَدّث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنما سمعت منه في الاختلاط، فقال رأيتَنِي حدثتُ عنه إلا بحديث مستو؟ .
فإنه إن كان الاعتماد على الثقات الذين وافقوهم دونهم، فلم يُعتَمَد عليهم، في الفائدة في تخريج الحديث عنهم، دون أولائك الثقات، وإن كان الاعتماد على الرواة عنهم، وعلى ما قرؤوه عليهم من صحيح كتبهم التي كتبوها في حال الصحة، أو التي كَتَب عنهم أصحابهم قبل الاختلاط، كما قال ابن معين: سمعت ابن أبي عدي يقول: لا نكذب الله كنا نأتي الْجُرَيري، وهو مختلط، فنُلَقِّنُه، فيجيء بالحديث كما هو في كتابنا، فقد حصل في الحديث انقطاع، وصار وجودهم كعدمهم، ولا فرق بين أن يُقرأ عليه، وهو مختلط، وأن يقرأ على قبره وهو ميت، فآل الأمر إلى الاعتماد على الوِجَادة.
وأحسنُ ما يُلتَمس لهم أنهم لم يَفرُط الاختلاط فيهم، بحيث يكونون مُطبَقِين، أو كانت لهم أوقاتٌ تَثُوب إليهم عقولهم فيها، فيتحين الآخذون عنهم تلك الأوقات، ويقرأون عليهم مِنْ كتبهم، أو كتب أصحابهم، أو يسمعون منهم ما حَفِظوه مما تظهر لهم السلامة فيه.
هذا هو الذي يَجِب أن يُعتَقَد فيمن رَوَى عنهم من الثقات، وعلى ذلك يُحمَلُ فعل وكيع بن الجراح وغيره، ممن فعله، وإلا عاد ذلك بالقدح على الرواة عنهم، على أن أبا حاتم البستيَّ، وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حَكَمَ بصحته مما لم يَحكُم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح، يكون من قبيل الحسن، وكلاهما يُحتَجّ به، ويُعمَل عليه، إلا أن يَظهَر فيه ما يوجب ضعفه.
ثم اعلم أَيُّها الإمام الْمُتَّبَع الْمُعْتَمَد أنك سميت في جملة مَن ذَكَرتَ أنك لا تَعلَم سماعهم ممن حدّثوا عنه قيسَ بن أبي حازم، عن أبي مسعود، والنعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، وذكرت غيرهم ممن انفردت عن البخاري بتخريج بعضهم، ولم يُخَرِّجهم لأحد وجهين:
إما لعدم ذلك الشرط عنده، كحديث عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداريّ، عن النبيّ ﷺ ، وهو أحد مَن سَمَّيت، وانفردتَ بإخراجه عنه، وهو حديث: "الدين النصيحة، لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، خَرَّجته في "كتاب
стр. 1017
الإيمان" (١)، من كتابك، وليس لتميم الداري في كتابك غيره، وأما البخاري فلم يُخَرِّج لتميم الداري شيئًا.
وكما أنك أيضًا لم تُخَرّج حديث بعض من سَمَّيتَ كحديث أبي رافع، عن أُبَيّ، وهو حديث: "أن النبيّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يَعتكف عامًا، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما (٢).
وإما لأنه لم يقع له -أعني للإمام أبي عبد الله البخاري- على بُعْدِ ذلك عليه (٣) فقد روينا عن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأعرف مائتي ألف غير صحيح"، وإن خَرّج منها شيئًا، قلنا: اطّلع على ما لم تَطّلِع عليه من ذلك.
فأما ما ذكرت من شأن قيس عن أبي مسعود، والنعمان عن أبي سعيد، فاعلم أيّها الإمام الأوحد، أنهم عَلِمُوا صحة سماع قيس من أبي مسعود، والنعمان من أبي سعيد، فَجَرَوا على نَهْجهم الواضح، وشرطهم الصحيح.
فأما قيس فقد ذكر البخاري سماعه من أبي مسعود في موضعين من كتابه: (أحدهما) في "باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود"، فقال: نا أحمد ابن يونس قال: نا زهير قال: نا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيسا قال: أخبرني
стр. 1018
أبو مسعود، أن رجلا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا (ح) فقال فيه عن قيس: أخبرني أبو مسعود.
(والثاني): ذكره في "باب صلاة كسوف الشمس"، فقال: نا شهاب بن عباد قال: نا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبيّ ﷺ : "إن الشمس والقمر لا يَكسِفان لموت أحد من الناس" (ع) قال فيه عن قيس: سمعت أبا مسعود، فقد انتهى إليه ما لم ينته إليك.
وسماع قيس -وهو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث- من أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو- البدري مشهور مذكور عند أئمة الصنعة.
وقد نص عليه الإمام الناقد، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نَجِيح بن المديني في "كتاب التاريخ والعلل" من تأليفه قال:
"قيس بن أبي حازم سَمِع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأَبِي شَهْم (١) وجرير بن عبد الله البجليّ، وأبي مسعود البدري، وخباب بن الأرتّ، والمغيرة بن شعبة، ومِرْدَاس بن مالك الأسلمي، ومُستورِد بن شداد الفهري، ودُكَين بن سعيد المزني، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبي سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، وأبي جُحيفة.
قيل لعلي: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعًا؟ قال: نعم سمع منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نَعُدّه له سماعًا (٢).
فانظر عنايته بسماعه، وتأكيده له المرة بعد المرة.
وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد، فقد خَرَّجها البخاري، وخَرَّجْتَها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك، منصوصًا فيها على السماع، فأثبتَّ في آخر كتابك ما نَفَيتَ في أوله، وأقررت بما أنكرت، وشَهِدتَ من نفسك على نفسك، فما ذنبهم أن حَفِظوا ونسيتَ، ولا غَرْوَ فإنما ذلك تعويذ لكمالك.
[من الكامل]:
شَخَصَ الأَنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ ... مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدِ
стр. 1019
وذكرت أيّها الإمام في "صفة الجنة" -يسر الله علينا فيها بلا محنة-:
"حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا المخزومي (١)، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقِيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ . (٢).
وخَرّجه أيضا البخاري كذلك؛ لوجود شرطه في "صفة الجنّة"، وهو معرفة السماع، فقال: وقال إسحاق بن إبراهيم، أنا المغيرة بن سلمة، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها"، قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد، عن النبيِّ ﷺ : قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب الْجَوَاد الْمُضمَر السريع مائة عام ما يقطعها" (٣).
فقد اتفقتما على تخريج هذا الحديث عن شيخ واحد، منصوصًا فيه عندكما على سماع النعمان من أبي سعيد.
(الموضع الثاني): قريب منه في الباب نفسه، من كتابك، قلت فيه: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة، كما تراءون الكوكب في السماء".
قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كما تراءون الكوكب الدُّرّيّ في الأفق الشرقيّ، أو الغربيّ".
وخَرّجه البخاري أيضا في "صفة الجنة"، فقال: أنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز (٤)، عن أبيه، عن سهيل، عن النبيّ ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغُرَف في
стр. 1020
الجنة، كما يتراءون الكوكب في السماء". قال أبي: فحدثت النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد الخدري يحدث، ويزيد فيه: "كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق الشرقيّ والغربيّ".
(الموضع الثالث): قلتَ في "المناقب" من كتابك: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم قال: سمعت سهلا يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحوض"، وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلا يقول؟ ، قال: فقلت: نعم، قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد: "فأقول: إنهم مني ... "، وذكر الحديث بتمامه.
وخَرّجه البخاري في موضعين في "الفتن"، وفي "ذكر الحوض"، فقال في "كتاب الفتن" في باب قول الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]: نا يحيى بن بكير، نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحوض"، (ح) وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلًا؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه: قال: "إنهم مني ... "، ثم ذكر تمام الحديث.
وقال في "باب الحوض": ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن مُطَرِّف، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: قال النبيّ ﷺ : "أنا فَرَطُكم على الحوض، مَن مَرَّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظما أبدًا، لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم". قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ ، فقلت: نعم، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته، وهو يزيد فيها: فأقول: "إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا بعدي".
والعذر لك أَيُّها الإمام بادٍ، فإنّ النصّ على السماع فيما خَرَّجت أنت من هذه الأحاديث وَرَدَ مضَمَّنًا غُضُون الحديث ليس مُصَدَّرًا به، ولا ملاقيًا للناظر، وإنما ذُكِرت هذه الأحاديث في المسانيد، في مسند سهل؛ لأن هذه الزيادة إنما وقع ذكرها عن أبي سعيد بحكم التَّبَع، وقد جَرَّت هذه الغفلةُ عليك يرحمك الله غفلةً أُخرَى، رأينا أن نُنَبِّهَ عليها تَتِمَّةَ الفائدة، وصِلَةً بالنفع عائدةً، وهي أنك قلت: وأسند النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث، عن النبيِّ ﷺ ، فهذا الكلام يُفهِمُ ظاهرُه أنه لم يُسنِد غيرها، وقد أخرجت له في "صحيحك" ستة أحاديث من رواية النعمان بن أبي