فأما حديث البخاري فأخبرنا به أبو علي بن عبد الله المجاور بالحرم الشريف، أنا أبو الحسن علي بن حميد المقرىء، أنا عيسى بن أبي ذر، أنا أبي، أنا المشايخ الثلاثة: أبو محمد السرخسي، وأبو إسحاق المستملي، وأبو الهيثم الكشميهني، قالوا: أنا الفربري، أنا البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا أبو القاسم، هبة الله بن علي المصري، واللفظ له، أنا محمد بن بركات النحوي، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الأديب، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني السائب بن يزيد، ابن أخت نَمِر، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، قال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا، وأعبدا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال له النبي ﷺ : "خذه، فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك". هكذا أخرجه البخاري في "كتاب الأحكام".
وأما حديث النسائي، فأخبرناه الشيخ العلامة البارع، أبو عبد الله محمد بن محمد ابن حامد الأصبهاني ﵀، قراءة عليه، أنا الفقيه الزاهد، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن نبهان الغنوي الرقي، بقراءتي عليه بمدينة السلام، بالجانب الغربي، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، قال: سمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، يقول: سمعت أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري، يقول: سمعت الحافظ أبا محمد بن عبد الغني بن سعيد بن علي ﵀ يقول: حدثنا حمزة بن محمد الكناني، حدثنا أحمد بن شعيب ﵀ وأخبرنا عاليا أبو بكر عبد العزيز بن أحمد البغدادي، أنا طاهر بن محمد الهمداني، أنا أبو محمد الدُّوني، أنا أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن النسائي، ثنا كثير بن عبيد، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافة عمر، فقال له عمر: أُخْبِرتُ أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، وذكر الحديث بكماله (١) أنا اختصرته.
стр. 107
أخبرنا الشيخان الحافظ: أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، قراءة عليه، وأنا أسمع، وأبو الطاهر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، بقراءتي عليه، قالا: أنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، أنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج البغدادي، سنة أربع وتسعين وأربع مائة ﵀ وأخبرنا الحافظ، أبو الحسن المقدسي أيضًا، قال: وأنا أبو محمد العثماني بقراءتي عليه، أنا أبو الحسن علي بن المشرف الأنماطي، قالا: أنا أبو زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ، ثنا أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ﵀ وسمعت الشيخ البارع، أبا عبد الله الأصبهاني، قراءةً عليه يقول: سمعت الفقيه أبا إسحاق الْغَنِوي الرقي بمدينة السلام يقول: سمعث الحافظ أبا عبد الله الحميدي يقول: سمعت الحافظ أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري يقول: سمعت الشيخ الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد قال: سمعت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ ﵀ يقول: سمعت أبا محمد الحسن ابن أحمد بن صالح السبيعي يقول: قدم علينا حَلَبَ الوزير، أبو الفتح، الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، فتلقاه أهل البلد، وكنت فيهم، فقيل له: إني من أصحاب الحديث، فقال لي: تعرف إسنادا اجتمع فيه أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ كل واحد منهم يروي عن صاحبه، فقلت: نعم وذكرت له حديث السائب بن يزيد عن حُويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب ﷺ في العُمَالة، فقال لي: صدقت، وعرف لي ذلك، وصارت لي به منزلة عنده.
قلت: وقد اختُلف في اسم السعدي، والد عبد الله هذا، فقيل: اسمه قُدَامة. وقيل: وقدان، وقيل: عمرو بن وقدان. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن هذا القول الأخير هو الصواب، عند أهل العلم بنسب قريش، وهو من بني مالك بن حسان ابن عامر بن لؤي، قرشي عامري مالكي، وإنما قيل له: السعدي؛ لأنه استُرْضِعَ في بني سعد بن بكر.
ووقع في كتاب مسلم في بعض طرق هذا الحديث، عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي بزيادة ألف، وقال القاضي عياض: لا نعرف له وجها. والله أعلم.
(١٦) - الحديث الثالث:
قال مسلم ﵀ في "كتاب الرجم" (١): حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، ثنا يحيى ابن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي- عن غيلان -وهو ابن جامع- عن علقمة بن
стр. 108
مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهرني ... وذكر الحديث بطوله، هكذا إسناد هذا الحديث في جميع النسخ التي رأيتها من "صحيح مسلم"، وذكر الحافظ أبو علي: إنه أيضًا كذلك لجميع الرواة عندهم، وقد سقط من إسناده رجل، وهو يعلى بن الحارث المحاربي، والد يحيى بن يعلى المذكور في هذا الإسناد، فإن يحيى هذا إنما يروي هذا الحديث فيما قيل عن أبيه، عن غيلان بن جامع. وكذلك أخرجه النسائي في "سننه".
قال الحافظ أبو علي: وقد نبه عبد الغني -يعني ابن سعيد الحافظ- على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان. وقال البخاري في "تاريخه": يحيى بن يعلى سمع أباه، وزائدةَ بنَ قُدَامة، وقال ابن أبي حاتم مثله أيضًا.
وإذا ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم من وجه آخر، ومع ذلك فقد اتصل حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، في كتاب النسائي (١)، فإنه أخرجه عن إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجاني، وذكر أنه ثقة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع بإسناده. وأخرج أبو داود أيضًا في "سننه" (٢) عن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بهذا الإسناد المتقدم، أن النبي ﷺ استنكه ماعزا فقط. وكأنه طرف من هذا الحديث. والله أعلم. فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، ولله الحمد.
(١٧) - الحديث الرابع:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الفتن" حديث عبد الله بن وهب، عن أبي شريح المعافري، أن عبد الكريم بن الحارث حدثه، أن المستورد بن شَدّاد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة، والروم أكثر الناس" ... الحديث.
قلت (٣): وهذا إسناد منقطع فإن عبد الكريم هذا لم يدرك المستورد، ولا أدركه أبوه الحارث بن يزيد. قاله الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀. قلت. وهذا الحديث إنما أورده مسلم ﵀ هكذا في الشواهد، وإلا فهو في الأصل ثابت متصل في كتابه، من وجه آخر، فإنه أخرجه عن عبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة، والروم أكثر الناس ... " وذكر باقي الحديث.
стр. 109
فصح اتصاله من هذا الوجه في كتاب مسلم، والحمد لله.
(١٨) - الحديث الخامس:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الطلاق" حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن أبا عمرو بن حفص، خرج مع علي ﵃ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ... " الحديث بطوله.
قلت: وفي سماع عبيد الله هذا من أبي عمرو بن حفص ﵁ نظر، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذا الحديث من هذا الوجه غير متصل. قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم، دون البخاري، وأخرجه في "صحيحه" متصلا من عدة طرق من حديث الشعبي، وأبي سلمة، وغيرهما عن فاطمة بنت قيس ﵄. ولو سلمنا أنه منقطع من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من عدة أوجه. وقد أخرجه النسائي في "سننه" من هذا الوجه الذي ذكرناه، فأورده من حديث شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طَلَّق ابنة سعيد بن زيد البتة، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال من بيت عبد الله بن عمرو، فسمع ذلك مروان، فأرسل إليها أن ترجع إلى مسكنها، وساق الحديث بطوله. وأورده الحافظ أبو القاسم الدمشقي في "أطرافه" في ترجمة عبيد الله بن عبد الله هذا، عن فاطمة بنت قيس، ولم يذكر أنه لم يسمع منها، وعادته في هذا الكتاب أنه إذا ذكر راويا عن الصحابي، لم يكن سمع منه يقول: فلان عن فلان، ولم يسمع منه، وذكر غيره أيضًا أن عبيد الله هذا روى عنها. والله أعلم.
واختلف في اسم أبي عمرو بن حفص المخزومي هذا، فقيل: اسمه عبد الحميد، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: اسمه كنيته، فإن ثبت أن اسمه أحمد، فلا أعلم في الصحابة ﵃ من اسمه أحمد سواه. ووقع في "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث، من رواية شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن فاطمة، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها، والمشهور عندهم أنه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقد ذكر الحافظ أبو أحمد الكرابيسي الحاكم فيه ثلاثة أقوال:
فقال: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، ويقال: أبو حفص بن عمرو ابن المغيرة، ويقال: أبو حفص بن المغيرة، له صحبة من النبي ﷺ ، والله أعلم بالصواب. آخر الجزء الأول. ويتلوه في أول الثاني إن شاء الله تعالى:
الحديث السادس أخرج مسلم في "كتاب الحج" حديث منصور بن المعتمر، عن
стр. 110
سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم استعنت
أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ قدوة الحفاظ، رَشِيد الدين، أبو الحسين يحيى ابن الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله القرشي قال:
(١٩) - الحديث السادس:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الحج" حديث منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃ قال: كان مع النبي ﷺ رجل، فوقصته ناقته فمات، فقال النبي ﷺ : "اغسلوه، ولا تقربوه طيبا، ولا تغطوا وجهه، فإنه يبعث يلبي". هكذا أخرجه مسلم في "صحيحه". وانتقده الحافظ أبو الحسن الدارقطني عليه، وقال: إنما سمعه منصور من الحكم -يعني ابن عتيبة- وأخرجه البخاري عن قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد، وهو الصواب. وقيل: عن منصور، عن سلمة، ولا يصح. انتهى كلام الدارقطني ﵀.
قلت: وقد تابع البخاري على إخراجه كذلك أبو داود السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي، فأما أبو داود فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، وأما النسائي فرواه عن محمد بن قُدامة، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن الحكم بإسناده، كما رواه البخاري، وجرير بن عبد الحميد من أعلم الناس بحديث منصور، وهذا مما يؤيد قول الدارقطني ﵀، إلا أن مسلما قدس الله روحه، ونور ضريحه، قد أخرج هذا الحديث من طرق ثابتة، من رواية عمرو بن دينار، وأبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بألفاظ أتم من حديث منصور الذي قدمناه، ثم أورد حديث منصور آخر طرق هذا الحديث، فإن ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من طرق أُخَرَ سواه، وأن البخاري وغيره قد أخرجوه في كتبهم متصلا من حديث منصور أيضًا، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، ونحن نورده من كتب الأئمة الثلاثة ليتضح اتصاله.
فأما طريق البخاري، فأخبرنا بها الشيخ أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود، وأبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي الأنصاريان، قراءة عليهما معًا، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي، قراءةً عليه، وقال الأرتاحي: أنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء الموصلي إجازةً قالا: أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية بمكة شرفها الله، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا أبو عبد الله الفربري، أنا محمد بن
стр. 111
إسماعيل البخاري، ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: وَقَصَت برجل محرم ناقته فقتلته، فأتي به إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يُهِلُّ".
وأما طريق أبي داود، فأخبرنا بها الحافظ أبو الفتوح، نصر بن أبي الفرج بن علي البغدادي ﵀، في كتابه إلي من مكة، شرفها الله مرات عدة بخطه، أنا الشريف النقيب، أبو طالب، محمد بن محمد بن أبي زيد البصري، قراءةً عليه، وأنا أسمع سنة ست وخمسين وخمسمائة، أنا أبو علي علي بن أحمد بن علي التستري ﵀ وأنا أبو حفص، عمر بن محمد بن معمر البغدادي، فيما كتب به إلي بخطه، غير مرة، أنا أبو البدر إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخي، قراءةً عليه، ثنا الحافظ، أبو بكر، أحمد بن علي ابن ثابت البغدادي، قالا: أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أنا أبو علي، محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "وَقَصَت برجل محرم ناقته، فقتلته، فأتي فيه رسول الله ﷺ ، فقال: "اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يُهِلّ"، لفظهما واحد.
وأما طريق النسائي، فأخبرنا بها الشيخ أبو بكر بن أبي الفتح المعدل، قراءة عليه، أنا طاهر بن أبي الفضل الهمداني ببغداد، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الدوني، أنا القاضي، أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أبو بكر أحمد ابن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، أخبرني محمد بن قُدَامة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "وَقَصَت رجلا محرما ناقته، فقتلته، فأتي رسول الله ﷺ ، فقال: "اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث يهل".
قلت: فهذه طرق هذا الحديث من الكتب الثلاثة التي ذكرناها، فقد اتضح اتصاله، وبان وجه الصواب فيه، والحمد للَّه.
ووقع في بعض طرقه في كتاب مسلم أيضًا، من رواية إسماعيل ابن علية، عن أيوب، قال: نُبِّئت عن سعيد، عن ابن عباس: "أن رجلا كان واقفا مع النبي ﷺ ، وهو محرم ... " الحديث. وهذا أيضًا يدخل في باب المقطوع، على مذهب الحاكم وغيره، إلا أن مسلما ﵀، لم يورده هكذا إلا بعد أن أورده من حديث حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، وأيوب، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﵃ متصلًا، ثم أورده بعده حديث ابن علية الذي ذكرناه لينبه -والله أعلم- على الاختلاف فيه على أيوب،
стр. 112
وإذا اختلف حماد بن زيد، وغيره، في حديث أيوب بن أبي تميمة، فالقول قول حماد ابن زيد. وقد روى ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، أنه قال: ليس أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد. قلت: ولهذا قدم مسلم في هذا الحديث طريق حماد على طريق ابن علية. والله أعلم.
وقد أخرجه البخاري عن سليمان بن حرب، وأبو داود عن مسدد، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فتبين اتصاله، والحمد للَّه.
وقوله في هذا الحديث: "وقصته ناقته" ورُوي "فأوقصته"، وهما صحيحان. قاله القاضي، أبو الفضل اليحصبي. قال ولم يذكر صاحب "الأفعال إلا "وقصه" لا غير، والوقص ههنا كسر العنق، ومعناه: أنها صرعته، فدقت عنقه. وجاء في بعض طرقه أيضًا "فأقعصته": ومعناه: قتلته لوقته. ورُوي "فأقصعته" بتقديم الصاد على العين، ومعناه: فضخته، وهكذا جاء "فأقعصته" رباعيا. وقال بعض العلماء: الوجه فيه أن يكون ثلاثيا. والله أعلم.
(٢٠) - الحديث السابع:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الجنائز" حديث عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: حدثني رجال عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثل حديث معمر، يعني حديثه عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان".
قلت: وقول الزهري في هذا الإسناد: حدثني رجال، ولم يسم واحدا منهم، يدخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، وهذا الحديث قد أخرجه مسلم ﵀ متصلا من غير وجه، فأخرجه من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن الأعرج. ومن حديث معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، كلاهما عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ثم أردفهما بحديث عُقيل الذي ذكرناه.
وهذا الاختلاف الذي وقع في إسناد هذا الحديث عن الزهري، لا يؤثر في صحته، فإن الحديث قد يكون عند الراوي له عن جماعة من شيوخه، فيحدث به تارة عن بعضهم، وتارة عن جميعهم، وتارة يُبْهِم أسماءهم، وربما أرسله تارة على حسب نشاطه وكسله، كما أشار إليه مسلم ﵀ في "مقدمة كتابه" (١)، ومع ذلك فلا يكون ما
стр. 113
ذكرناه اعتلالا، يَقْدَح في صحة الحديث. وإنما أخرجه مسلم من طريق عُقيل الذي قدمنا كذلك؛ ليحقق به -والله أعلم- أن الزهري يرويه عن غير واحد من أصحاب أبي هريرة ﵁ وقد نبه البخاري ﵀ "في صحيحه" على أن الزبيدي قد روى هذا الحديث عن الزهري، فجمع فيه بين الأعرج وسعيد بن المسيب، وهذا يؤيد ما ذكرناه. وبالله التوفيق.
(٢١) - الحديث الثامن:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" حديث عبد الله بن الحارث البصري، عن ابن عباس ﵃، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: "أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلُّوا في بيوتكم ... " الحديث. ثم أورده من عدة طرق عنه، قال في آخرها: وحدثنا عبد بن حميد، ثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن عبد الله بن الحارث، قال وهيب: لم يسمعه منه (١)، قال: أمر ابن عباس مؤذنه في يوم جمعة، وفي يوم مطير بنحو حديثهم.
قلت: وقول وُهيب بن خالد: إن أيوب لم يسمعه منه -يعني من عبد الله بن الحارث- يدل على انقطاعه من هذا الوجه. وهذا الحديث متصل في "الصحيحين" من حديث حماد بن زيد، عن عبد الحميد، صاحب الزيادي، وأيوب، وعاصم الأحول، كلهم عن عبد الله بن الحارث المذكور، ومداره عليه، عن ابن عباس ﵃. وإنما أورد مسلم حديث وهيب هذا، لينبه -والله أعلم- على الاختلاف فيه على أيوب؛ لأن وهيبا كان من حفاظ أهل البصرة وثقاتهم، إلا أن حماد بن زيد أثبت في أيوب من غيره، كما قدمنا ذكره عن يحيى بن معين، ولذلك قَدَّم مسلم حديثه على حديث وهيب، ومع ذلك فلو سلمنا أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم وغيره من حديث غير واحد عنه. وبالله التوفيق.
(٢٢) - الحديث التاسع:
أخرجه مسلم ﵀ في "كتاب الجهاد" (٢) حديث يونس، عن الزهري، عن سالم،
стр. 114
عن أبيه، قال: نَفَّلَنا رسول الله ﷺ نَفَلًا سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارف -والشارف المسن الكبير- ثم أردفه بقوله: حدثنا هناد بن السري، ثنا ابن المبارك ﵀ قال: وحدثني حرملة بن يحيى، أنا ابن وهب، كلاهما عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن ابن عمر، قال: نَفَّل رسول الله ﷺ سرية، بنحو حديث ابن رجاء، يعني عن يونس.
قلت: وهذا الحديث قد أورده مسلم من حديث عبد الله بن رجاء الْغُدَاني، عن يونس، عن الزهري بإسناده المتصل الذي ذكرناه أَوّلًا، ثم أورد بعده حديث ابن المبارك، وابن وهب، كلاهما عن يونس، بإسناده المقطوع، وإنما أراد بذلك -والله أعلم- أن ينبه على الاختلاف فيه على يونس، كما فعل في عدة أحاديث، تشبه هذا الحديث، وقد تقدم بعضها. وعبد الله بن رجاء الذي وصله ثقة صدوق، عند أهل النقل، إلا أن عمرو بن علي الفلاس نسبه إلى كثرة الغلط، وعبد الله بن المبارك، وابن وهب مقدمان عليه في الحفظ عندهم، ولهذا جعل الدارقطني القول قولهما في إسناد هذا الحديث، وقال: لو كان الزهري سمعه من سالم لم يَكْنِ عن اسمه، والله أعلم.
قلت: والعذر لمسلم ﵀ في ذلك، أنه إنما أورده هكذا في الشواهد، وإلا فقد أورد في أول الباب الحديث المتفق على صحته في هذا المعنى، وهو حديث نافع، عن ابن عمر، قال: "بعث النبي ﷺ سرية، وأنا فيهم قِبَلَ نَجْدٍ (١) ... " الحديث. ووقع في بعض طرقه أيضًا في كتاب مسلم عن ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن النفل، فكتب إليّ أن ابن عمر كان في سرية ... الحديث، وسنذكره فيما بعدُ مع الأحاديث التي وقعت في كتاب مسلم بالمكاتبة، دون السماع، وننبه على اختلاف العلماء فيها، إن شاء الله (٢).
(٢٣) - الحديث العاشر:
قال مسلم ﵀ في "كتاب الجهاد" (٣) أيضًا حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، واللفظ لابن المثنى قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، أنه سمع البراء ﵁ في هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فأمر رسول الله ﷺ زيدا، فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضررا به (٤)،
стр. 115
فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. قال شعبة: وأخبرني سعد بن إبراهيم، عن رجل، عن زيد في هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ بمثل حديث البراء. وقال ابن بشار في روايته: سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن رجل، عن زيد ابن ثابت.
قلت: هكذا أورده مسلم في "صحيحه"، وقد اشتمل هذا الحديث على طريقين عن صحابيين ﵄، فالأول منهما: حديث البراء بن عازب ﵄، وهو صحيح متصل، ثابت متفق عليه. والثاني: حديث زيد بن ثابت، وفي إسناده اختلاف، ورجل غير مسمى، فهو داخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، إذا لم يعرف ذلك الرجل.
والجواب عن ذلك أن مسلما ﵀، إنما احتج بحديث البراء وحده، وإنما أورد الإسناد الثاني؛ لأن شعبة حدث به غندرًا هكذا، فأورده مسلم كما سمعه من أصحاب غندرًا، والظاهر من مذهبه أنه لا يختصر من الحديث شيئا، وإن اختصر منه شيئا لضرورة نبه عليه.
وقد أخرج البخاري حديث البراء هذا في "صحيحه" في غير موضع من رواية شعبة، عن أبي إسحاق عنه، ولم يذكر فيه حديث زيد بن ثابت، فيحتمل (١) أن يكون تركه عمدا لما فيه من الاعتلال، ويحتمل أن يكون إنما سمعه كذلك من غير زيادة، على ما أورده، لكنه أخرج حديث زيد بن ثابت المذكور من طريق آخر، من حديث الزهري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم عنه، وهو إسناد اجتمع فيه ثلاثة من الصحابة ﵃، يروي بعضهم عن بعض، ويدخل أيضًا في رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سهلا أكبر من مروان، ومروان وإن لم يثبت سماعه من النبي ﷺ ، فهو معدود في الصحابة ﵃. وقد أخرج له البخاري في "صحيحه" حديثا عن النبي ﷺ مقرونا بالمسور ابن مخرمة. والله أعلم.
فقد تبين بما ذكرناه أن حديث زيد بن ثابت متصل أيضًا في "كتاب البخاري". والله أعلم.
ووقع في "كتاب الأشربة" (٢) حديث نحو هذا من رواية سليمان التيمي، عن
стр. 116
أنس ﵁ قال: "إني لقائم عل الحي، على عمومتي أسقيهم ... " الحديث، وفي آخره: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب، قال: فقال أبو بكر بن أنس: كانت خمرهم يومئذ، قال سليمان: وحدثني رجل عن أنس، أنه قال ذلك أيضًا، ثم أردفه بطريق آخر عن التيمي، عن أنس بنحوه، وقال التيمي في آخره: حدثني بعض من كان معي، أنه سمع أنسا يقول: كانت خمرهم يومئذ.
قلت: وقد أورد مسلم بعد ذلك حديث قتادة، عن أنس متصلا، وفيه: "نزل تحريم الخمر فأكفأناها يومئذ، وإنها لخليط البسر والتمر"، قال قتادة: وقال أنس بن مالك: "لقد حُرِّمت الخمر، وكانت عليه خيورهم يومئذ خليط البسر والتمر"، فثبت اتصاله، والحمد لله.
(٢٤) - الحديث الحادي عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الجهاد" (١) أيضًا حديث عبد الله بن نمير، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق، ورماه رجل من قريش بن الَعَرِقَة، وساق الحديث إلى آخره، ثم أردفه بقوله: وحدثنا أبو كريب، ثنا ابن نمير، ثنا هشام، قال أبي: فأُخْبِرت أن رسول الله ﷺ قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله".
قلت: وقول هشام: قال أبي: فأُخبرت ليس بمتصل على مذهب الحاكم وغيره، كما تقدم. والجواب عنه أن مسلما ﵀، قد أخرج هذا اللفظ بعينه متصلا، من رواية أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، وإذا ثبت اتصاله من وجه صحيح، فلا يؤثر قول بعض الرواة فيه: فأُخبرت من وجه آخر. والله أعلم.
وابن الْعَرِقَة اسمه: حِبَّان -بكسر الحاء المهملة، وبالباء بواحدة- وقيل في تقييده: جبار -بالجيم، والباء المعجمة بواحدة، وآخره راء- والأول أصح، وهو حبان ابن أبي قيس، ويقال: ابن قيس، وكان قد رَمَى سعد بن معاذ يوم الخندق بسهم في أكحله (٢)، وقال: خذها، وأنا ابن الْعَرِقة، فرُوي أن النبيّ ﷺ قال: "عَرَّق الله وجهه في النار" (٣)
стр. 117
والْعَرِقَة: هي أمه، نُسب إليها، وقيل: إنها أم عبد مناف جد أبيه، واسمها قلابة بنت سعيد، وقيل: بنت سعيد بن سهم، وذُكر أنها سميت بذلك لطيب ريحها. ونُقِل عن الواقدي أنه كان يقول فيها: الْعَرَقَة -بفتح الراء- ويقول: إن أهل مكة يقولون ذلك، والمشهور ما تقدم (١). والله أعلم.
ومما يشبه إسناد هذا الحديث حديث أخرجه مسلم في "الصلاة" من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيّ ... الحديث بطوله في السهو، وفيه ذكر ذي اليدين، وفي آخره: "ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع"، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين، أنه قال: "وسلّم".
قلت: وذكر السلام في هذا الحديث من هذا الوجه مقطوع الإسناد، على مذهب الحاكم. والجواب عنه أنه قد جاء متصلا في كتاب مسلم من وجه آخر، من حديث أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ ، فثبت اتصاله، والحمد للَّه.
والقائل: فأُخبرت عن عمران بن حصين، هو ابن سيرين. ويحتمل أن يكون أيوب، والأول أظهر، فقد ذكر الدارقطني أن ابن سيرين يقول في غير حديث من حديث عمران بن حصين: نُبِّئت عن عمران. والله أعلم.
(٢٥) - الحديث الثاني عشر:
وأخرج في "الجهاد" أيضًا (٢) أيوب بن موسى (٣)، عن مكحول، عن شُرَحبيل بن السِّمْط، عن سلمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ... " الحديث.
قلت: وفي سماع مكحول من شرحبيل بن السمط نظر، فإن شرحبيل معدود في الصحابة ﵃، وتقدمت وفاته، فقيل: إنه توفي في سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة أربعين. وتوفي مكحول سنة ثماني عشرة ومائة، في أحد الأقوال. وقيل: سنة اثني عشرة. وقيل: سنة ثلاث عشرة. وقيل: سنة أربع عشرة.
وقد اختُلف في عدد الصحابة الذين لقيهم مكحول، وسمع منهم، فقال البخاري:
стр. 118
سمع أنس بن مالك، وأبا مرة الداري، وواثلة بن الأسقع، وأم الدرداء. وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه قال: سألت أبا مسهر، هل سمع مكحول، من أحد أصحاب النبي ﷺ ، فقال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك، قلت: وواثلة؟ فأنكره. وسئل أبو داود السجستاني: وكم يصح لمكحول من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: واثلة. وذكر الحافظ أبو سعيد بن يونس المصري، أنه رأى أبا أمامة الباهلي، وسمع واثلة بن الأسقع، ولقي أنس بن مالك ﵃.
قلت: وذكر ابن أبي حاتم في "كتاب المراسيل" قال: سمعت أبي يقول، وذكر حديثًا رواه الوليد بن مسلم، عن تميم بن عطية، عن مكحول، قال: جالست شُريحا ستة أشهر، ما أسأله عن شيء، إنما أكتفي بما يقضي به بين الناس، فقال أبي: لم يدرك مكحول شُريحا وهذا وَهَمٌ.
قلت: وإذا لم يدرك مكحول شريحا، وكانت وفاته في سنة ست وسبعين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، فإدراكه لشرحبيل أبعد؛ لأنه توفي سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين كما بيناه من قبلُ. ويحتمل أن يريد بالإدراك اللقاء، وإذا لم يثبت لمكحول سماع من شُرحبيل، فإسناده مقطوع، إلا أن مسلما ﵀ قد أخرج هذا الحديث، من طريق آخر، عن شُرَحبيل من حديث أبي شريح المعافري المصري، عن عبد الكريم بن الحارث المصري، عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، عن شرحبيل بإسناده نحوه.
وظاهر هذا الإسناد الاتصال، إلا أن عبد الله بن المبارك رواه عن أبي شريح هذا، عن أبي عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة، عن رجل من أهل الشام، أن شرحبيل بن السمط قال: طال رباطنا، أو إقامتنا على حصن، فمر بي سلمان، وذكر الحديث.
وقد ذكر الحافظان: أبو أحمد الكرابيسي الحاكم، وأبو عمر بن عبد البر النمري، أن أبا عبيدة هذا، روى عن ابن عمر، وأخيه عياض بن عقبة، وعن رجل عن شرحبيل ابن السمط، وفي لفظ الحاكم رجل من أهل الشام، وهذا يؤيد رواية ابن المبارك، والله أعلم.
إلا أن أبا أحمد وأبا عمر ذكرا أبا عبيدة هذا فيمن لم يعرف اسمه، وذكر ابن يونس أن اسمه مُرّة، وأنه أدرك معاوية، وروى عن ابن عمر ﵃، وتعريف ابن يونس باسمه أولى بالصواب؛ لأنه من أهل بلده، وهو أعلم به. والله أعلم.
стр. 119
وقد أخرج مسلم ﵀ لمكحول هذا حديثا آخر في "كتاب الصيد" عن أبي ثعلبة الخشني لم يورد له متنا، بل قال حديثه في الصيد فقط، وفي سماعه منه أيضًا نظر، إلا أن مسلما ﵀ أورد حديث أبي ثعلبة هذا من طرق ثابتة الاتصال، وهو قوله: "إذا رميت بسهمك، فغاب عنك، فأدركته فكل ما لم يُنتن". انفرد به مسلم، دون البخاري. والله الموفق (١).
(٢٦) - الحديث الثالث عشر:
وأخرج في "الجهاد" (٢) أيضًا حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن، قال مسلم: ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع، قال: "لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا، مع رسول الله ﷺ ، فارتد عليه سيفه فقتله ... " الحديث بطوله، وفي آخره: قال ابن شهاب: ثم سألت ابنا لسلمة بن الأكوع، فحدثني عن أبيه، مثل ذلك، غير أنه قال حين قلت: إن ناسا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله ﷺ : "كذبوا، مات جاهدا مجاهدا، فله أجره مرتين" وأشار بأصبعيه.
قلت: وقول ابن شهاب في آخره: ثم سألت ابنا لسلمة، ولم يسمه يدخل في باب المقطوع على مذهب من قدمنا ذكره، ولا يخلو أن يكون هذا المبهم، هو إياس ابن سلمة، أو غيره، فإن كان إياسا فهو ثقة، متفق على إخراج حديثه في "الصحيحين" عن أبيه، وإن كان غيره فهو مجهول، فقد ثبت في كتاب مسلم وغيره، قوله: كذبوا، مات جاهدا مجاهدا إلى آخره، من حديث يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، عن النبي ﷺ ، وأخو سلمة هذا اسمه: أُهبان فيما ذكر بعض العلماء، وعزاه إلى ابن الكلبي، وقاله ابن قتيبة أيضًا، وسلمة منسوب إلى جده، وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع، والأكوع لقب، واسمه سنان بن عبد الله.
وقول مسلم ﵀ في هذا الإسناد: عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن، ونسبه غير ابن وهب من بديع التصرف في العدول عن الوهم، إلى الصواب، وذلك أن عبد الله بن وهب، كان يقول في هذا الإسناد: قال أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله ابنا كعب، ويقال: إنه وَهِمَ في ذلك، وهكذا أورده أبو داود في "سننه" عن أحمد بن صالح، عن
стр. 120
ابن وهب، إلا أنه قال: قال أحمد: كذا قال هو وعنبسة -يعني ابن خالد- قال أحمد، والصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب.
قلت: وقد نَبَّهَ على هذا الوهم أيضًا أبو عبد الرحمن النسائي، وأبو الحسن الدارقطني، وذكر الدارقطني أن القاسم بن مبرور، رواه عن يونس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن سلمة، قال وهو الصواب. وكذلك رواه غير واحد، عن الزهري. والله أعلم.
وفي هذا الحديث إشكال، وهو قوله: قاتل أخي، فارتد عليه سيفه فقتله؛ لأن هذه القصة مشهورة لعامر عم سلمة، وقد أوردها مسلم بعد ذلك في حديث سلمة بن الأكوع الطويل، وفيه أن عامرا هو الذي ارتد عليه سيفه يوم خيبر، وأنه الذي كان يرتجز بالقوم، وكذلك ذكر ابن إسحاق في "السير".
والجمع بين الحديثين عسير، إلا أن يكون عامر أخا سلمة من الرضاعة، أو يكون أراد أخوة الإسلام (١). والله أعلم.
(٢٧) - الحديث الرابع عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الطلاق" (٢) حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر ﵃، حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ الحديث بطوله، وقال في آخره: قال معمر: فأخبرني أيوب، أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني أخبرتك، فقال لها النبي ﷺ : إن الله أرسلني مبلغا، ولم يرسلني متعنتا".
قلت: وهذا مقطوع، فإن أيوب السختياني لم يدرك عائشة ﵂؛ لأن مولده سنة ست وستين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وستين، وتوفيت عائشة ﵂ سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة سبع وخمسين، والأول أشهر. ومسلم ﵀ إنما أخرج هذه الزيادة تبعا للحديث المسند الذي وقعت هي في آخره، ولم ير اختصارها منه، على عادته التي بيناها من قبلُ، ومع ذلك فهذه الزيادة متصلة في كتابه في حديث التخيير، من رواية أبي الزبير، عن جابر، فثبت اتصالها في كتاب مسلم، والحمد للَّه.
стр. 121
(٢٨) - الحديث الخامس عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب اللعان" (١) حديث حُجَين بن المثنى، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: بلغنا أن أبا هريرة كان يحدث عن رسول الله ﷺ بنحو حديثهم.
قلت: يعني حديثا قبله، وهو حديث ابن عيينة ومعمر وغيرهما، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من بني فَزَارة إلى النبي ﷺ ، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود ... الحديث.
قلت: وهو حديث متصل في "الصحيحين" من حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وأخرجه مسلم أيضًا وحده من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة متصلا، ثم أردفه بحديث عُقيل الذي ذكرناه، وإنما أورده مسلم هكذا في الشواهد، آخر الباب؛ ليكثر -والله أعلم- بذلك طرق هذا الحديث، ولينبه على مخالفة عُقيل للجماعة الذين رووه عن الزهري، وجودوا إسناده. والله أعلم.
والرجل الفزاري المذكور في هذا الحديث، اسمه ضمضم بن قتادة. قاله الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي. والله أعلم.
(٢٩) - الحديث السادس عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "المغازي" (٢) حديث زيد بن سلام، عن أبي سلام الحبشي، قال: قال حذيفة: يا رسول الله، إنا كنا بِشَرّ، فجاء الله بخير، فنحن فيه ... الحديث.
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: هذا الحديث عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأن حذيفة تُوُفي بعد قتل عثمان ﵁ بليال، وقد قال فيه: قال: قال حذيفة: فهذا يدل على إرساله.
قلت: وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في "صحيحه" متصلا من وجه آخر، من حديث بُسْر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، عن أبي إدريس الخولاني، عن حذيفة، وهو أتم من حديث أبي سلام، وكذلك أخرجه البخاري في "صحيحه" أيضًا، فإن ثبت أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة، فقد بينا أن هذا الحديث متصل في "الصحيحين" من حديث أبي إدريس، عن حذيفة ﵁. وبالله التوفيق.
стр. 122
(٣٠) - الحديث السابع عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب النذور والأيمان" (١) حديث الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الوراق، عن زَهْدَم الجرمي قال: دخلت على أبي موسى الأشعري، وهو يأكل لحم دجاج ... الحديث.
وهذا الحديث أيضًا قد انتقده الحافظ، أبو الحسن الدارقطني ﵀، وعاب على مسلم إخراجه من هذا الوجه، وقال: الصعق ومطر ليسا بالقويين، ومع هذا لم يسمعه مطر من زهدم، إنما رواه عن القاسم بن عاصم، عنه، قال ذلك ثابت بن حماد عن مطر.
قلت: وهذا الحديث أيضًا قد أخرجه مسلم في "صحيحه" من طرق صحاح متصلة عن زهدم، عن أبي موسى ﵁ وطريق مطر التي انتقدها الدارقطني، إنما أوردها مسلم في الشواهد، لا في الأصول، وإذا كان الحديث ثابتا متصلا من وجه صحيح، ثم رُوِي من وجه آخر دونه في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذدك في ثبوته، واتصاله من الوجه الآخر، على أن مطرا قد قال فيه: حدثنا زهدم، وليس هو ممن يُتَّهَم بالكذب، لكنه سيء الحفظ عندهم، وقد سئل عنه يحيى بن معين، فقال صالح، وكذلك قال أبو حاتم الرازي. ويحتمل أن يكون مطر قد سمعه من القاسم بن عاصم، عن زهدم، كما ذكره الدارقطني، ثم لقي زهدما فسمعه منه، فحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا. والله أعلم بالصواب.
(٣١) - الحديث الثامن عشر:
أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الحج" (٢) حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه، أن رسول الله ﷺ "كان يبعث معه بالبدن ... " الحديث.
قلت: وهذا الإسناد غير متصل عند جماعة من أهل النقل، فإن قتادة لم يسمع هذا الحديث من سنان بن سلمة، قاله الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وناهيك بهما جلالة، ومعرفة بهذا الشأن. وذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي أيضًا، أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه، عمدتها ما قاله يحيى القطان وابن معين.
قلت: ومما يؤيد ذلك أن سنان بن سلمة هذا هو سنان بن سلمة بن المحبق
стр. 123
معدود في الصحابة ﵃، وله أيضًا رواية عن النبي ﷺ ، وقد نص الإمام أبو حاتم الرازي على أن قتادة لم يلق من أصحاب النبي ﷺ إلا أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِسَ، وذكر البخاري في "تاريخه" أنه سمع أنسا، وأبا الطفيل، ولم يذكر له من الصحابة غيرهما.
والعذر لمسلم ﵀ أنه إنما أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد، في الشواهد؛ ليبين -والله أعلم- أنه قد روي من غير وجه، عن ابن عباس، وإلا فقد أخرجه قبل ذلك من حديث أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس متصلا، فثبت اتصاله في الكتاب. والله الموفق (١) للصواب.
(٣٢) - الحديث التاسع عشر:
وأخرج أيضًا في "كتاب الأدب" (٢) حديث عراك بن مالك الغفاري المدني، عن عائشة ﵂، أنها قالت: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات ... " الحديث.
قلت: وفي سماع عراك من عائشة ﵂ نظر، فإنه إنما يروي عن عروة، عن عائشة. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، أحمد بن حنبل ﵀، أن حديثه عن عائشة مرسل. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا نعلم له سماعا من عائشة. وقال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد الزاهد في كلامه على هذا الحديث: هذا عندنا حديث مرسل، واستدل بما ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون، ولم يخرج البخاري لعراك عن عائشة شيئا. وأخرج له ابن ماجه عنها حديثين، وحديثه عن رجل عنها لا يدل على عدم سماعه بالكلية منها، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في "مقدمة كتابه"، فسماع عراك من عائشة ﵂ جائز ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة ﵃. والله أعلم.
ومما يشبه هذا الحديث في إسناده، حديث أخرجه مسلم ﵀ في "البر والصلة" (٣) من رواية ابن عيينة، عن أبي مُحيصن، وهو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن المقرىء، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ﴾ الحديث. وقد ذكر بعض الحفاظ أن محمد بن قيس هذا لم يسمع من أبي هريرة. قلت:
стр. 124
وذكر غير واحد من العلماء أن محمد بن قيس هذا حجازي، وأنه سمع عائشة، فسماعه من أبي هريرة جائز ممكن؛ لأنهما متعاصران، ويجمعهما قطر واحد، فعلى مذهب مسلم تُحمل روايته عنه على السماع، إلا أن يقوم دليل بَيِّنٌ على خلافه. والله أعلم.
(٣٣) - الحديث العشرون:
وأخرج أيضًا في "كتاب الأدب" (١) حديث أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي بَرَّة، فقالت لي زينب ابنة أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا.
وذكر بعض الحفاظ أنه قد سقط من هذا الإسناد رجل بين يزيد ومحمد بن عمرو، وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، قال كذلك رواه المصريون -يعني عن الليث-.
قلت: وقد وجدته كما قال من حديث غير واحد من أهل مصر، منهم يحيى بن بكير، وعيسى بن حماد زُغْبة، وأخرجه أبو داود في "سننه" عن عيسى بن حماد، عن الليث كذلك، وأثبت في إسناده محمد بن إسحاق. وذكر بعض العلماء أن غسان بن الربيع الكوفي، رواه عن الليث كذلك أيضًا. وهذا إنما أورده مسلم بهذا الإسناد استشهادا، وإلا فقد أورده قبل هذا بإسناد متصل، فرواه من غير وجه عن الوليد بن كثير المخزومي المدني، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أبي سلمة ﵂، وهذا متصل، لا شك فيه، فإن ثبت انقطاعه من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو، فقد بينا أنه متصل في الكتاب من حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو. وبالله التوفيق.
وقد رأيت في بعض النسخ من "كتاب الأطراف" (٢) لأبي مسعود الدمشقي أن
стр. 125
مسلما أخرج هذا الحديث عن عمرو الناقد، عن هاشم بن القاسم، عن الليث، عن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو، كما رواه المصريون عن الليث، فلعله كذلك في أصل مسلم، وسقط من بعض النسخ ذكر ابن إسحاق. والله أعلم.
[فصل]: ومما يُظَنُّ أنه مقطوع على مذهب عبد الله الحاكم وغيره، وليس كذلك. (٣٤) - حديث أخرجه مسلم في "كتاب الفتن" (١) من حديث شعبة، عن فُرَات القزاز، قال: سمعت أبا الطفيل، يحدث عن أبي سَرِيحة، قال: كان رسول الله ﷺ في غرفة، ونحن تحتها نتحدث، يعني فاطلع إلينا، فقال ﷺ : "ما تَذْكُرون؟ ، قلنا: الساعة، قال ﷺ : "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات ... " الحديث، وفي آخره: قال شعبة: وحدثني رجل بهذا الحديث، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة، ولم يرفعه انتهى.
قلت: وهذا الرجل المبهم اسمه هو -فيما ظهر لي- عبد العزيز بن رُفيع المكي، وقد بين ذلك غير واحد من الثقات، في روايتهم لهذا الحديث عن شعبة، منهم معاذ بن معاذ العنبري، وأبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، فإنهما روياه عن شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة موقوفًا. وأخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث من سمينا عن شعبة، عن عبد العزيز بإسناده موقوفا. وقال الدارقطني: لم يرفعه غير فُرَات، عن أبي الطفيل من وجه يصح، فتبين بما ذكرناه أن هذا الحديث من هذا الوجه متصل الإسناد، إلى أبي سريحة ﵁ ولكنه موقوف عليه (٢) انتهى.
وفي كتاب مسلم أحاديث يسيرة موقوفة أيضًا، وليس هذا موضع ذكرها. وبالله التوفيق. اهـ.
(٣٥) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الديات" حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... " الحديث. وابن أبي بكرة
стр. 126
المبهم اسمه في هذا الإسناد، هو عبد الرحمن ثقة متفق عليه، بَيَّنَ ذلك عبد الله بن عون وغيره في روايتهم لهذا الحديث عن أيوب، وبنو أبي بكرة ستة، فيما ذكر علي بن المديني، وهم: عبد الرحمن، ومسلم، وعبد العزيز، ويزيد، وعبيد الله، ورَوّاد، وزاد غيره: كَيِّسة بنت أبي بكرة، وهي بفتح الكاف، وتشديد الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وسين مهملة، وتشبه بكبشة بالياء بواحدة، وبالشين المعجمة.
فأما عبد الرحمن، فاتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، عن أبيه، وأما مسلم فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز فأخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأما كيسة فأخرج لها أبو داود، عن أبيها، والباقون لم يخرج لهم شيء في الكتب الستة فيما أعلم. والله أعلم.
وقد ذكر عبد الغني بن سعيد الحافظ: كَيِّسة هذه، وقيدها كما ذكرناه، إلا أنه قال بإسكان الياء وبالتشديد قيدها الأمير أبو نصر بن ماكولا، وذكر أن غير ذلك تصحيف. والله أعلم. اهـ.
(٣٦) - حديث آخر: مثل الذي قبله، قال مسلم ﵀ في "كتاب الجنائز" (١) حدثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد رحمه اللهُ تعالى قال: وثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، جميعا عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن محمد بن عمرو، عن ابن كعب ابن مالك، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ يعني مثل الحديث الذي قبله: أن رسول الله ﷺ مُرّ عليه بجنازة، فقال: "مستريح ومستراح منه ... " الحديث. اهـ.
قلت: وابن كعب المبهم اسمه في هذا الإسناد، هو معبد بن كعب، بَيَّن ذلك الإمام أبو عبد الله، مالك بن أنس في روايته لهذا الحديث، عن محمد بن عمرو الديلي، وأخرجه مسلم في "صحيحه" عن قتيبة، عن مالك كذلك. اهـ.
وبنو كعب بن مالك ﵁ ستة: عبيد الله، وعبد الله، وعبد الرحمن، وفضالة، ووهب، ومعبد. حكى ذلك أبو زرعة الدمشقي، عن أحمد بن حنبل، فمنهم أربعة اتفق الإمامان على إخراج حديثهم في "الصحيحين"، وهم: عبيد الله، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومعبد، وأما وهب، وفضالة، فلم يخرجا لهما في "الصحيحين"، ولم أقف على ذكرهما في غير "تاريخ أبي زرعة"، والله أعلم.
(٣٧) -[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث مروية بالوجادة، وهي داخلة في
стр. 127
باب المقطوع عند علماء الرواية، إلا أن منها ما وقعت الوجادة في إسناده، من أحد شيوخ مسلم خاصة، على ما سنبينه.
فمن ذلك حديثٌ أخرجه في "كتاب الفضائل" (١) فقال فيه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: "أين أنا اليوم؟ ، أين أنا غدا؟ " استبطاء اليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي، قبضه الله بين سَحْرِي ونَحْرِي.
قلت: هكذا أورده مسلم، ولم يخرجه في كتابه إلا في هذا الموضع وحده فيما علمت، بهذا الإسناد، وقد أخرجه البخاري في "صحيحه" متصلا من غير وجادة، وهو ما أخبرنا أبو القاسم، هبة الله بن علي السعودي الأنصاري، أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي، أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا إسماعيل، ثنا سليمان، عن هشام ﵀ قال: وحدثني محمد بن حرب، ثنا أبو مروان، يحيى بن أبي زكرياء، عن هشام، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه، أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاءا ليوم عائشة، فلما كان يومي، قبضة الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي ﵈ اهـ.
وأخرجه أيضًا عن عبيد بن إسماعيل الكوفي، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ هكذا مرسلا، إلا أنه قال في آخره: قالت عائشة: فلما كان يومي سكن. وهذا متصل، والله أعلم.
ويحيى بن أبي زكريا المذكور في هذا الإسناد، هو الغساني شامي، وربما اشتبه بيحيى بن زكريا الكوفي، وهو ابن أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة، والأول يكنى أبا مروان، وابن زائدة يكنى أبا سعيد همداني.
وقوله في هذه الرواية التي أوردناها من طريق البخاري: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر، قال الخطابي: معناه يتعسر، ويتمنع، وأنشد:
وَيَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَتِيبِ تَعَذَّرَتْ
وأكثر الرواة يرويه: "ليتقدر" بالقاف من التقدير. وفي كتاب مسلم: "ليتفقد" من الافتقاد كما أوردناه. وقولها: "بين سحري ونحري" والمسحر بفتح السين المهملة، وضمها: الرئة، وقال بعضهم: هو ما بين ثدييها، والله أعلم.
стр. 128
ومن ذلك حديثان، إسنادهما واحد، رواهما مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا، قال أبو بكر في كل واحد منهما: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، إلا أن مسلما ﵀ رواهما عن أبي كريب أيضًا، عن أبي أسامة، فاتصلا من طريق أبي كريب. اهـ.
(٣٨) - فأحد الحديثين أخرجه في "الفضائل" من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غَضْبَى ... " الحديث.
(٣٩) - والآخر أخرجه في "النكاح" من حديث أبي أسامة أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين ... الحديث. وقد بينا أنهما متصلان في الكتاب، من رواية أبي كريب، عن أبي أسامة، من غير وجادة. وبالله التوفيق.
[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث مرسلة، وفيها ما وقع الإرسال في بعضه خاصة، فأحببت أن ألحقها بما تقدم؛ لكونها داخلة في معناه؛ لأن كل ما لم يتصل فهو مقطوع في المعنى، إلا أن منه ما يوافق معناه التسمية المصطلح عليها، فيكون اسمه ومعناه واحدا، ومنه ما يكون له تسمية أخرى، على أن جمهور المتقدمين من علماء الرواية يسمون ما لم يتصل إسناده مرسلًا، سواء كان مقطوعا، أو معضلًا، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال، من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ ، وإن كان معنى الجميع عدم الإتصال، والله أعلم.
فمن الأحاديث المرسلة: حديث يشتمل على ثلاثة أحاديث، اثنان مرسلان، والثالث متصل، أخرجه في "كتاب البيوع"، فقال فيه: وحدثني محمد بن رافع، ثنا حُجَين، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة أن يباع ثمر النخل بالتمر، والمحاقلة أن يباع الزرع بالقمح واستكراء الأرض بالقمح، قال: وأخبرني سالم بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر"، وقال سالم: أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ أنه رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك.
قلت: هكذا أورده مسلم ﵀ في كتابه.
فإن قيل: كيف اختار إخراج المراسيل في "صحيحه"، وليست من شرطه، ولا داخلة في رسمه؟ .
فالجواب أن مسلما ﵀ من عادته أن يورد الحديث كما سمعه، وكان هذا الحديث
стр. 129
عنده عن محمد بن رافع، على هذه الصفة، فأورده كما سمعه منه، ولم يحتج بالمرسل الذي فيه، وإنما احتج بما في آخره من المسند، وهو حديث سالم، عن عبد الله، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ رَخّص بعد ذلك في بيع العرية ... الحديث. فهذا القدر الذي احتج به مسلم منه.
فإن قيل: فقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المسند خاصة، ويحذف ما فيه من المرسل، ولا يطول كتابه بما ليس من شرطه؟ .
قيل: هذه مسألة اختلف العلماء فيها، فمنهم: من أجاز تقطيع الحديث الواحد، وتفريقه في الأبواب، إذا كان مشتملا على عدة أحكام، كل حكم منها مستقل بنفسه، غير مرتبط بغيره، كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه. ومنهم من منع ذلك، واختار إيراد الحديث كاملا كما سمعه، والظاهر من مذهب مسلم ﵀ إيراد الحديث بكامله، من غير تقطيع له، ولا اختصار، إذا لم يقل فيه مثل حديث فلان، أو نحوه. والله أعلم.
فإن قيل: فهل يُسنَد هذان المرسلان من وجه يصح؟ .
قيل: نعم كلاهما مسند متصل في "الصحيح"، أما حديث سعيد بن المسيب، فقد أخرجه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ومن حديث سعيد بن ميناء، وأبي الزبير، كلاهما عن جابر، عن النبي ﷺ . وأخرجه أيضًا هو والبخاري من حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، فثبت اتصاله.
وأما حديث سالم، فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه. وأخرجه البخاري في "صحيحه" متصلا من الوجه الذي أورده مسلم مرسلًا، وهو:
ما أخبرنا الشيخ أبو علي ناصر بن عبد الله الفقيه بالحرم الشريف، تجاه الكعبة المعظمة، أنا أبو الحسن، علي بن حميد بن عمار المقرىء بمكة شرفها الله، أنا أبو مكتوم، عيسى بن أبي ذر الهروي، أنا أبي، أنا عبد الله بن أحمد السرخسي، وإبراهيم ابن أحمد المستملي، ومحمد بن مكي الكشميهني، قالوا: أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا أبو القاسم الخزرجي، واللفظ له، أنا محمد بن بركات السعيدي، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر". قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر،
стр. 130
ولم يرخص في غيره.
حديث آخر: أخرج مسلم في "كتاب الأضاحي" (١) حديت مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث". قلت: وهذا مرسل، فإن عبد الله بن واقد تابعي، يروي عن عبد الله بن عمر وغيره، وهو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵃، ولم يحتج مسلم بهذا المرسل، إنما احتج بباقي الحديث، وهو قول عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة، تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية، حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: "اذخروا ثلاثا ... " الحديث. وهذا مسند، ولا يخفى على من له أنس بعلم الرواية، أن هذا المسند من هذا الحديث، هو الذي احتج به مسلم. وقد رواه القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة به، لم يذكر فيه عبد الله بن واقد. وكذلك رواه يحيى القطان، عن مالك أيضًا. وأخرجه أبو داود في "سننه" (٢) عن القعنبي كذلك، وأخرجه النسائي أيضًا في "سننه" (٣) عن عبيد الله بن سعيد، وهو أبو قدامة السرخسي، عن يحيى، وهو القطان -فيما علمت- عن مالك كذلك.
وأما المرسل الذي في أوله، فإنه متصل في كتاب مسلم، من حديث ابن عمر وغيره، عن النبي ﷺ .
وقولها: "دَفّ أهل أبيات": معناه: ساروا سيرا رفيقا في جماعة، والدَّفّ السير ليس بالسريع في جماعة.
وقولها: "حضرةَ الأضحى" بإسكان الضاد: أي وقته وحينه، وقد قيده بعضهم بفتحها، والمعنى واحد. قاله القاضي، أبو الفضل اليحصبي. والله أعلم.
حديث آخر: وأخرج في "كتاب الصلاة" حديث مِسْعَر، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن مسعود "اقرأ علي"، فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ... الحديث، وقال في آخره: قال مسعر: فحدثني معن، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال النبي ﷺ : "شهيدا عليهم ما دمت فيهم، أو ما كنت فيهم" شك مسعر.
стр. 131
قلت هكذا هو في كتاب مسلم، وهو حديث ليس بمتصل من هذا الوجه، إلا ما في آخره من حديث مسعر، عن معن، فإنه مسند، وهذا القدر هو الذي احتج به مسلم. وأما أوله: فإن مسلما ﵀ قد أخرجه قبل هذا الحديث متصلا، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ فثبت اتصاله، والحمد للَّه.
وإبراهيم هذا هو ابن يزيد النخعي الفقيه، معدود في الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، رأى عائشة، وأدرك أنس بن مالك، ﵃. والله ولي التوفيق.
(٤٣) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الطهارة" حديث أبي العلاء بن الشخير: كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضا ... الحديث، وأبو العلاء هذا معدود في التابعين، من أهل البصرة، واسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير، روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعياض بن حمار، وغيرهم، وهو أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهذا الكلام لا أعلم أحدا رواه عن أحد من الصحابة، ﵃ من وجه يصح. وقد رُوي بمعناه من حديث عبد الله بن الزبير بن العوام، عن أبيه الزبير ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول القول، ثم يلبث أحيانا، ثم ينسخه بقول آخر، كما ينسخ القرآن بعضه بعضا.
قلت وفي إسناده نظر، وليس من شرط مسلم. والله أعلم. اهـ.
(٤٤) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب النكاح" حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة، وأصبحت عنده، قال لها: "ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سَبّعت عندك ... " الحديث، وأورده أيضًا من حديث سليمان ابن بلال، وأبي ضمرة، أنس بن عياض، كلاهما عن عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه مرسلا كذلك.
قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم، دون البخاري، وأخرجه في "صحيحه" متصلا من وجه آخر، من حديث سفيان الثوري، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ ، ثم أردفه بحديث مالك وغيره مرسلا، كما ذكرناه، وإنما أراد بذلك -والله أعلم- ليبين الإختلاف الواقع في إسناده، بين رواته، ويَخرُج من عهدته. وقد أورده البخاري ﵀ في "تاريخه" (١) من حديث الثوري مسندا، كما أورده مسلم، ثم قال عقيبه قال: أنا إسماعيل، حدثني
стр. 132
مالك، وذكر الإسناد الذي قدمناه عنه مرسلا، ثم قال: الصحيح هذا.
قلت: وقد حكى بعض العلماء عن الدارقطني، أنه حكم بصحة حديث الثوري الذي أسنده، ولو لم يكن كذلك، لما أخرجه مسلم، والله أعلم. اهـ.
(٤٥) - حديث آخر: وأخرج في "مقدمة الكتاب" حديث معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".
قلت: وهذا مرسل، وكذلك رواه غندر، وحفص بن عمر، عن شعبة، إلا أن مسلما ﵀ أردفه بطريق آخر متصل، من حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فاتصل ذلك المرسل من هذا الوجه الثاني، لكن رواية ابن مهدي، ومن تابعه على إرساله أرجح؛ لأنهم أحفظ، وأثبت من المدائني الذي وصله، وإن كان قد وثقه يحيى بن معين، والزيادة من الثقة مقبولة، عند أهل العلم، ولهذا أورده مسلم من الطريقين؛ ليبين الاختلاف الواقع في اتصاله، وقَدَّم رواية من أرسله؛ لأنهم أحفظ، وأثبت كما بيناه. وقد سئل أبو حاتم الرازي عن علي ابن حفص هذا، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به. ولهذا قال أبو الحسن الدارقطني. الصواب في هذا الحديث المرسل. والله أعلم.
(٤٦) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الصلاة" (١) حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء، وهي التي يدعونها العتمة ... الحديث. وفي آخره: قال ابن شهاب: وذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تَنْزُروا رسول الله ﷺ على الصلاة"، وذلك حين صاح عمر ابن الخطاب ﵁.
قلت: هكذا هو في كتاب مسلم، وقد أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢) والنسائي في "سننه" (٣) فلم يذكرا هذه الزيادة التي في آخره، من قول الزهري، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، والله أعلم.
وقوله: "تنزوا" -بفتح التاء باثنتين من فوقها، بعدها نون ساكنة، ثم زاي مضمومة، بعدها راء مهملة-: معناه تُلِحّوا، من نزره إذا ألح عليه، وقيده بعضهم
стр. 133
"تُبْرِزوا" -بضم التاء المعجمة باثنتين من فوقها، والباء بواحدة بعدها، وتقديم الراء المهملة على الزاي- من الإبراز، وهو الإخراج، والإظهار، والأول أليق بالمعنى. والله أعلم.
(٤٧) - ووقع في الكتاب موضع آخر نحو هذا، أورده مسلم في أواخر الكتاب من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس، قال: قال نبي الله ﷺ : "إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ... " الحديث، وفي آخره: قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويُملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون.
قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم من هذا الوجه، دون البخاري، وأخرجه النسائي في "سننه" من هذا الوجه، ولم يذكر هذه الزيادة، وقد أخرج البخاري هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة، عن أنس، فذكره أتم من حديث شيبان، عن قتادة، ولم يذكر فيه هذه الزيادة كلها، غير أنه قال فيه: قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره فقط. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مختصرا، ولم يذكر فيه هذه الزيادة أيضًا. والله أعلم، ولا أعلم الآن من أسندها، وإنما أوردها مسلم جريا على عادته في ترك الاختصار من الحديث، وإيراده إياه كاملا كما سمعه، والله أعلم.
(٤٨) - حديث آخر: وأخرج أيضًا في "كتاب الصلاة" حديث قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُمّي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: "ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم ... " الحديث، وفي آخره: قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
قلت: هكذا أورده مسلم، وهو حديث بعضه مسند، وبعضه مرسل، والمرسل منه قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يسنده. وقد أخرج البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلما ﵀، قد أخرجه من وجه آخر عن أبي صالح، وفيه هذه الزيادة متصلة مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوح بن عُبادة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم ﵀.
стр. 134
قلت: فقد اتصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد لله (١).
وقوله: "أهل الدثور" يعني أهل الأموال الكثيرة، وواحد الدثور دَثْرٌ بفتح الدال المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وهو المال الكثير. ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادةٌ، أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان: قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى.
(٤٩) - ووقع أيضًا مثل ذلك في "كتاب الجهاد" (٢) في حديث أخرجه عن شيبان ابن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي هريرة، قال: وَفَدَتْ وُفود إلى معاوية ... وساق الحديث إلى قوله: ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: "أبو هريرة" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "لا يأتيني إلا أنصاري"، قال مسلم: زاد غير شيبان: "اهتف لي بالأنصار"، قال: فأطافوا به، وهذه الزيادة غير متصلة أيضًا في الكتاب. والله أعلم.
(٥٠) - حديث آخر: وقع في آخره زيادة مرسلة، وهو حديث أخرجه في "الصلاة" (٣) من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة أنهما أخبراه عن
стр. 135
أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمّن الإمام فأمنوا ... " الحديث، وفي آخره: قال ابن شهاب: كان رسول الله ﷺ يقول: "آمين"، وهذا مرسل، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "آمين" من غير وجه، خارج "الصحيحين" أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) في كتابيهما، من حديث وائل بن حجر، ﵁ عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: حديث وائل بن حجر حديث حسن. وبالله التوفيق.
(٥١) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الجهاد" (٣) حديث ابن شهاب، عن أنس، قال: لما قدم المهاجرين من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمارهم كل عام ... وساق الحديث إلى قوله: فأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه. قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أمِّ أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنةُ رسول الله ﷺ بعدما تُوفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كَبِرَ رسول الله ﷺ ، فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعدما تُوفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
قلت: وهذه الزيادة من قول ابن شهاب، متضمنة عتق النبي ﷺ لأم أيمن، وغير ذلك، وهي مرسلة، كما ترى، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه، ، ولم يذكر فيه هذه الزيادة، وهذا يدل على ما قدمناه، من إيراد مسلم للحديث بتمامه، من غير اختصار له في الغالب، والله علم.
(٥٢) - وفي الكتاب من مرسلات الزهري أيضًا مواضع، وقعت في أحاديث نحو هذا: فمن ذلك ما وقع في حديث أخرجه في "الصيام" (٤) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أن رسول الله ﷺ أقسم ألا يدخل على أزواجه شهرا، فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن ... الحديث.
قلت: هكذا هو في كتاب مسلم، والمرسل الذي في أوله من قول الزهري قد أخرجه مسلم متصلا، من حديث عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ ، فثبت اتصاله، والحمد للَّه.
стр. 136
(٥٣) - ومن ذلك أيضًا ما أخرجه في "كتاب الصيام" (١) من حديث ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، وفي آخره: قال ابن شهاب: فصبّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان اهـ.
(٥٤) - ومن ذلك أيضًا ما أخرجه في "التوبة" (٢) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام، ثم قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن عبد الله بن كعب، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب ابن مالك، وساق الحديث بطوله في توبة كعب ﵁.
قلت: وهذان الحديثان قد أخرجهما البخاري، ولم يورد ما فيهما من مرسل ابن شهاب، ولا يَخْفَى على من له أنس بعلم الرواية، أن مسلما ﵀ إنما احتج بما في هذه الأحاديث، وما شاكلها من المسند، دون المرسل، وإنما أوردها بما فيها من المرسل جريا على عادته في ترك الاختصار. والله أعلم.
(٥٥) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الدعوات" (٣) حديث أبي إسحاق، وهو السبيعي، عن عمرو بن ميمون، قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل"، هكذا أخرجه مسلم في "صحيحه"، وكذلك هو في "صحيح البخاري" أيضًا، إلا أن مسلما ﵀ أردفه بحديث الشعبي، عن الربيع بن خُثَيم بمثل ذلك، قال: فقلت للربيع: ممن سمعته؟ قال: من عمرو بن ميمون، فأتيت عمرو بن ميمون، فقلت له: ممن سمعته؟ قال: من ابن أبي ليلى، فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب، يحدثه عن رسول الله ﷺ .
قلت: فقد اتصل هذا الحديث في كتاب مسلم من طريق الشعبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب ﵁ والحمد للَّه.
وفي إسناد هذا الحديث اختلاف كثير، ذكره البخاري، والنسائي، وقال البخاري: والصحيح قول عمرو -يعني ابن ميمون- والله أعلم.
стр. 137
وعمرو بن ميمون هذا هو الأودي، يكنى أبا عبد الله، كان بالشام، ثم سكن الكوفة بعد ذلك، فهو معدود في أهلها، أسلم في حياة النبي ﷺ ، وصَدَّق إليه، وليس له رواية عنه، وروى عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، ومعاذ، وغيرهم من الصحابة ﵃. وفي رجال "الصحيحين": عمرو بن ميمون رجل آخر، غير هذا، وهو دونه في الطبقة، جَزَرِيّ من أهل الرَّقَّة، يروي عن سليمان بن يسار وغيره، ويكنى أبا عبد الله أيضًا، ولم يذكرهما الحافظ أبو علي الجياني في تقييده، وهما من شرط كتابه، أخرج لهما البخاري ومسلم جميعا، ولهما نظير ثالث في التسمية، وهو عمرو بن ميمون المكي، حَدَّث عن الزهري، روى عنه عنبسة بن سعيد، ولم يخرجا له فيما علمت شيئا. والله ولي التوفيق.
(٥٦) - حديث آخر: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الأشربة" -باب في "الأطعمة" (١) حديث مالك، عن أبي بكر، بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن جده عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ... " الحديث. قال الدارقطني: لم يسمع أبو بكر بن عبيد الله هذا الحديث من جده عبد الله بن عمر، إنما سمعه من عمه سالم، عن أبيه، والله أعلم.
قلت: وقد تابع مالكا على روايته كذلك عبيد الله بن عمر، وسفيان بن عيينة، وفي إسناده اختلاف بين رواته، وقد أخرجه مسلم من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري بنحوه. والله أعلم.
(٥٧) - حديث آخر: وأخرج في "كتاب الوصايا" (٢) حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده ... الحديث.
قلت: وهذا مرسل، وليس في ولد سعد بن أبي وقاص ﵁ من له صحبة، ولا رواية عن النبي ﷺ ، قاله الدارقطني وغيره، وهذا الحديث وإن كان مرسلا من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم وغيره، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ومن حديث مصعب بن سعد أيضًا عن أبيه. وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي (٣)، من حديث عائشة بنت سعد، عن أبيها أيضًا كذلك، والطريق الذي ذكر الدارقطني أنها مرسلة، إنما أوردها مسلم في الشواهد، ومع ذلك فقد أخرجها في كتابه
стр. 138
متصلة من وجه آخر، من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب بإسناده المتقدم، وقال فيها: عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه، أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة ... الحديث، فثبت اتصاله في الكتاب، من حديث أيوب بن أبي تميمة أيضًا، والحمد للَّه. وإنما أورده مسلم من الوجهين المذكورين عن أيوب؛ لينبه على الاختلاف عليه في إسناده، والله أعلم.
وبنو سعد بن أبي وقاص ﵁ سبعة، فيما ذكر علي بن المديني، وهم: مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم، وعمر، ويحيى، وعائشة، وذكر أبو زرعة الدمشقي أنهم ثمانية: فعد هذه السبعة، وزاد إسحاق بن سعد. والله أعلم. اهـ.
[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث فوق العشرة مروية بالمكاتبة، لم يسمعها الراوي لها ممن كاتبه بها، وإنما رواها عن كتابه فقط، فهي مقطوعة من طريق السماع، متصلة من طريق المكاتبة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع الرواية بالمكاتبة، ومنهم من أجاز ذلك بشرط، وهو أن يأذن الكاتب للمكتوب بها إليه في روايتها عنه، وإلى هذا القول ذهب أبو حامد الغزالي، ونص عليه في كتابه "المستصفى"، وقال الإمام أبو المعالي الجويني في كتاب "النهاية" كل حديث نسب إلى كتاب، ولم يُذكر حامله فهو مرسل، والشافعي لا يرى التعلق بالمراسيل.
قلت: وذكر القاضي عياض أن الذي عليه الجمهور، من أرباب النقل، وغيرهم، جواز الرواية لأحاديث المكاتبة، ووجوب العمل بها، وأنها داخلة في المسند، وذلك بعد ثبوت صحته عند المكتوب إليه بها، ووثوقه بأنها عن كاتبها، ولهذا أضربت عن إيرادها، وإنما نبهت عليها في الجملة؛ لأجل الخلاف الواقع فيها، ولأن أبا الحسن الدارقطني انتقد على البخاري ومسلم إخراجهما أحاديث منها، على أن أكثر هذه الأحاديث المشار إليها، إنما وقعت كذلك في الكتاب، من بعض طرقها، دون بعض. والله الموفق (١).
(٥٨) - قلت: ويدخل في هذا الباب ما أخرجه مسلم ﵀ في مواضع من كتابه، من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، فإنه لم يسمع من أبيه شيئا، إنما روى من كتاب أبيه.
ومع صحة المكاتبة، وثبوتها عند الأكثر، فقد رجح جماعة من العلماء، ما روي بالسماع المتصل، على ما روي بها، ووقع في مثل ذلك مناظرة بين الإمامين: أبي عبد
стр. 139
الله محمد بن إدريس الشافعي، وإسحاق بن راهويه، بحضرة الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليهم، وهي ما أخبرنا الشيخان: أبو محمد العثماني، وأبو علي منصور بن علي الصوفي الكاغدي، قراءةً عليهما منفردين، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار، قراءة عليه ببغداد، قيل له: أخبركم أبو الحسن علي ابن أحمد بن علي بقراءتك عليه؟ ، فأقر به، أخبرنا أحمد بن إسحاق القاضي، أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد القاضي، حدثنا زكرياء الساجي، حدثني جماعة من أصحابنا، أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي، وأحمدُ بنُ حنبل حاضر، في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ مَرَّ بشاة ميتة، فقال: "هلا انتفعتم بجلدها؟ " فقال إسحاق: حديث ابن عُكيم: "كتب إلينا النبي ﷺ قبل موته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب" أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتاب، وذاك سماع، فقال إسحاق: إن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عُكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي، فأفتى بحديث ميمونة اهـ.
سمعت شيخنا الإمام الحافظ، أبا الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، ﵁ يقول: سمعت أبا طاهر السلفي يقول: سمعت أبا سهل، غانم بن أحمد بن محمد الحداد الأصبهاني ببغداد يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن الفضل بن محمد الباطرقاني الحافظ يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ يقول: سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري، وما رأيت أحفظ منه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج اهـ.
أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي البغداديان، وغيرهما إجازةً، قالوا: أنا أبو منصور، عبد الرحمن بن محمد الشيباني، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، أخبرني محمد ابن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم الضبي، ثنا أبو الفضل، محمد بن إبراهيم قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم الرازيين، يقدمان مسلم ابن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
قال الخطيب: وأخبرني ابن يعقوب، أخبرنا ابن نعيم قال: سمعت الحسين بن محمد الماسرجسي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. آخره. والحمد للَّه رب
стр. 140
العالمين، وصلواته على سيدنا محمد نبيه المصطفى، وعلى آله وعترته وأصحابه أجمعين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٥٩) - ومما ألحقه سيدنا الحافظ، رشيد الدين، أثابه الله الجنة في أول الكتاب، وفي آخره ما يأتي ذكره، قال: حديث أخرجه مسلم ﵀ في "المناسك" من رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة ﵂، قالت: حِضتُ بسَرِفَ، فطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله ﷺ : "يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة، عن حجك وعمرتك".
قلت: وفي اتصال هذا الإسناد نظر، فإن جماعة من أئمة أهل النقل، أنكروا سماع مجاهد، عن عائشة، منهم شعبة، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد عن عائشة مرسل.
والعذر لمسلم ﵀ ما بيناه في غير موضع من هذا الكتاب، وهو اعتبار التعاصر، وجواز السماع، وإمكانه ما لم يقم دليل بَيِّنٌ على خلاف ذلك، ولا خلاف في إدراك مجاهد بن جبر لعائشة، ومعاصرته لها، ومع هذا فقد أخرج مسلم معنى هذا الحديث، من رواية طاوس، عن عائشة، بإسناد لا أعلم خلافا في اتصاله، وقَدَّمَه على حديث مجاهد هذا، والله أعلم.
وقد أخرج البخاري ومسلم حديثا غير هدا لمجاهد عن عائشة، من رواية منصور، عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى ... الحديث بكماله، وفيه وسمعنا استنان عائشة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أم المؤمنين، إلى ما يقول أبو عبد الرحمن ... الحديث اهـ.
قلت: وفي ظاهر لفظ هذا الحديث ما يدل على سماع مجاهد من عائشة، ولهذا أخرجه البخاري، ولو لم يكن عنده كذلك، لما أخرجه؛ لأنه يشترط اللقاء، وسماع الراوي ممن روى عنه مرة واحدة فصاعدا، والله أعلم.
وقد أخرج النسائي في "سننه" (١) من رواية موسى الجهني، عن مجاهد قال: أُتِي مجاهدٌ بقدَح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل بمثل هذا.
стр. 141
قلت: وهذا أيضًا يدل على سماعه منها، والله أعلم اهـ.
(٦٠) - وقال شيخنا وفقه الله: حديث أخرجه مسلم ﵀ في "الذبائح" (١) منفردا به من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي قال: قال البراء: أصبنا يوم خيبر حمرا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : "أن اكفؤوا القدور"، قال أبو مسعود الدمشقي الحافظ ﵀: لهذا الحديث تعليل في مسند الحسن بن سفيان، وهو أنه مرسل.
قلت: يعني أن أبا إسحاق لم يسمعه من البراء ﵁ ولذلك قال فيه: قال البراء، فإن ثبت إرساله من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم ﵀، من رواية الشعبي وغيره، عن البراء بنحوه، وبالله التوفيق.
(٦١) - حديث أورده مسلم في "مقدمة كتابه" تعليقا بغير إسناد، فقال فيه: ويُذكر عن عائشة ﵂، أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم". وهذا الحديث رواه أبو هشام الرفاعي وغيره، من الثقات، عن يحيى بن يمان، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة ﵂. وأخرجه أبو داود في "سننه" من هذا الوجه، وإسناده جيد، إلا أنه معلول، فإن ميمون بن أبي شبيب لم يسمع من عائشة ﵂، قاله غير واحد من العلماء، وقد نبه أبو داود على هذه العلة، عقيب هذا الحديث، ولذلك لم يذكر له مسلم إسنادا، فيما أُرَى، وإن كان رجال إسناده كلهم من شرط كتابه، وإنما أورده على وجه التعليق، والله أعلم.
(٦٢) - حديث وقع في أثنائه ألفاظ في اتصالها نظر، أخرجه مسلم في "كتاب الإيمان" من حديث ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن أبي ذر ﵃، في المعراج، وفيه: قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حبّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ : "عُرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صَريف الأقلام".
وابن حزم هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ قاضيها، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، ويقال: اسمه كنيته، ولا نعلم له سماعًا من أحد من الصحابة ﵃، وإنما يروي عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم من التابعين، وإن كان أبوه قد وُلد في آخر حياة رسول الله ﷺ سنة تسع من الهجرة، وقيل: سنة عشر، لكنه معدود في التابعين.
стр. 142
وأما رواية أبي بكر بن حزم، عن أبي حبّة الأنصاريّ البدريّ، فغير متّصلة بلا شكّ؛ لأن أبا حبّة قُتل يوم أحد، وكانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وأبو بكر بن حزم تُوفّي سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، فيما ذكر غير واحد من العلماء، فيكون مولده على هذا سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فلا يتصور إدراكه له، وأما روايته عن ابن عباس، فغير معروفة، لكنها جائزة ممكنة؛ لإدراكه له؛ لأن ابن عباس ﵃ توفي سنة ثمان وستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وستين، وقيل: سنة سبعين، فإدراكه له معلوم، غير مشكوك فيه، وسماعه منه جائز ممكن، وهذا محمول على الاتصال، عند مسلم ﵀، حتى يقوم دليل على أنه لم يسمع منه. والله أعلم.
وأبو حبة البدري: اسمه عامر، وقيل: مالك، واختلف في ضبطه على ثلاثة أقوال: فقيل: أبو حبة بالباء بواحدة، وقيل: بالنون، وقيل: بالياء باثنتين من تحتها، والصحيح الأول، ذكر ذلك ابن عبد البر في "استيعابه" بنحوه، وقيل: في اسمه غير ذلك، ولا خلاف أنه بالحاء المهملة، والله أعلم. اهـ.
(٦٣) - حديث آخر: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" (١) حديث أبي الجوزاء الربعي، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه رب العالمين ... الحديث، وأورده أبو عمر بن عبد البر النمري الحافظ، في "تمهيده" في ترجمة العلاء بن عبد الرحمن، وقال عقيبه: ما هذا نصه: اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وأورده أيضًا في كتابه المسمى "بالإنصاف" وقال عقيبه: رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يُختَلف في ذلك، إلا انهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال.
قال شيخنا الحافظ، أبو الحسين، يحيى بن علي أسعده الله: وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂ معلوم، لا يُختَلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن؛ لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه "الصحيح"، إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فحينئذ يكون الحديث مرسلا. والله أعلم.
وقد روى البخاري في "تاريخه" عن مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكْري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة،
стр. 143
ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها، قال البخاري: في إسناده نظر.
قلت: ومما يؤيد قول البخاري ﵁ ما رواه محمد بن سعد، كاتب الواقدي، وكان ثقة، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، فذكره، ولم يذكر عائشة، وهذا أولى بالصواب. والله أعلم.
وقد روى أبو الجوزاء هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وقُتِل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، ولم يخرج البخاري له عن عائشة شيئا، وبالله التوفيق.
وقد رَوَى هذا الحديث، أعني حديث أبي الجوزاء إبراهيم بن طهمان الهروي، وهو من الثقات الذين اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثهم في "الصحيحين" عن بُديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة ﵂، أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير ... الحديث.
أخبرنا أبو الْيُمْن الكندي، بقراءتي عليه بدمشق، أخبرنا القاضي، أبو بكر، محمد ابن عبد الباقي بن محمد الأنصاري ببغداد، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي، أخبرنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا مزاحم بن سعيد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة ﵂، أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث. وهذا الحديث مخرج في "كتاب الصلاة" لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة، يؤيد ما ذكر ابن عبد البر. والله أعلم. اهـ.
(٦٤) - قال شيخنا الحافظ: وفقه الله: عبدة بن أبي لبابة، روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم ... الحديث. وأورده مسلم في أول حديث رواه أبو عمرو الأوزاعيّ، عن قتادة، عن أنس، قال: صلّيت خلف النبيّ ﷺ ... الحديث. وفي رواية عبدة، عن عمر ﵁ نظرٌ، والصحيح أنه مرسل، وإنما احتجّ مسلم بحديث قتادة، عن أنس. والله أعلم. اهـ.
هذا آخر الأحاديث الملحقة في هذا الكتاب. والحمد للَّه وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا. حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: انتهت "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع
стр. 144
في "صحيح مسلم" من الأحاديث المقطوعة". تأليف الإمام الحافظ أبي الحسين يحيى بن عليّ بن عبد الله القرشيّ الشهير برشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة عشرة: أنه مما يجدر بي أن ألحق برسالة الحافظ الرشيد العطار رحمه الله تعالى مما كُتب على "صحيح مسلم" جزء كتبه الإمام الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧) رحمه الله تعالى (١) موسومًا بـ "علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج"، وها هو نصّ الجزء (٢):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربّ يسّر، وأعن، وتمّم
قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الْحُميديّ الأندلسيّ ﵀ (٣): أفادني بعض إخواننا ببغداد جزءًا فيه عن أبي الفضل الحافظ حفيد أبي سعيد الهرويّ -يعني أبا الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمّار الحافظ الشهيد، حفيد أبي سعد يحيى بن أبي نصر منصور الهرويّ الزاهد (٤) رحمهما الله، قال:
(١) - وجدت في كتاب مسلم الذي سمّاه كتاب "الصحيح" عن أبي غسّان
стр. 145
الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قَتَل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة".
زاد فيه كلامًا لم يجىء به أحد عن معاذ بن هشام، ولا عن هشام الدستوائيّ، وهو قوله: "من ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة".
هذا الكلام لا أعلم أحدًا ذكره غيره. وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة غير هشام أيضًا لم يذكروا فيه هذه الزيادة. وليست هذه الزيادة عندنا محفوظة في حديث ثابت بن الضحّاك. وأكبر وَهمي أن الغلط من أبي غسّان الْمِسْمَعيّ.
(٢) - وقال: وجدت عن يوسف بن يعقوب الصفّار، عن عليّ بن عَثّام، عن سُعير ابن الْخِمس، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ في حديث الوسوسة (١).
وليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسليمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود. وسُعير ليس ممن يُحتجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث مع قلّة ما أسند من الأحاديث (٢).
(٣) - وروى من حديث أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، أن زيدًا حدّثه أن أبا سلاّم حدّثه، عن أبي مالك الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "الطهور شطر الإيمان"، وفيه كلام آخر (٣). قال أبو الفضل: بين أبي سلاّم وبين أبي مالك في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ. رواه معاوية عن أخيه زيد، ومعاوية أعلم عندنا بحديث