قلت: وهذا أيضًا يدل على سماعه منها، والله أعلم اهـ.
(٦٠) - وقال شيخنا وفقه الله: حديث أخرجه مسلم ﵀ في "الذبائح" (١) منفردا به من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي قال: قال البراء: أصبنا يوم خيبر حمرا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : "أن اكفؤوا القدور"، قال أبو مسعود الدمشقي الحافظ ﵀: لهذا الحديث تعليل في مسند الحسن بن سفيان، وهو أنه مرسل.
قلت: يعني أن أبا إسحاق لم يسمعه من البراء ﵁ ولذلك قال فيه: قال البراء، فإن ثبت إرساله من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم ﵀، من رواية الشعبي وغيره، عن البراء بنحوه، وبالله التوفيق.
(٦١) - حديث أورده مسلم في "مقدمة كتابه" تعليقا بغير إسناد، فقال فيه: ويُذكر عن عائشة ﵂، أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم". وهذا الحديث رواه أبو هشام الرفاعي وغيره، من الثقات، عن يحيى بن يمان، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة ﵂. وأخرجه أبو داود في "سننه" من هذا الوجه، وإسناده جيد، إلا أنه معلول، فإن ميمون بن أبي شبيب لم يسمع من عائشة ﵂، قاله غير واحد من العلماء، وقد نبه أبو داود على هذه العلة، عقيب هذا الحديث، ولذلك لم يذكر له مسلم إسنادا، فيما أُرَى، وإن كان رجال إسناده كلهم من شرط كتابه، وإنما أورده على وجه التعليق، والله أعلم.
(٦٢) - حديث وقع في أثنائه ألفاظ في اتصالها نظر، أخرجه مسلم في "كتاب الإيمان" من حديث ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن أبي ذر ﵃، في المعراج، وفيه: قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حبّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ : "عُرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صَريف الأقلام".
وابن حزم هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ قاضيها، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، ويقال: اسمه كنيته، ولا نعلم له سماعًا من أحد من الصحابة ﵃، وإنما يروي عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم من التابعين، وإن كان أبوه قد وُلد في آخر حياة رسول الله ﷺ سنة تسع من الهجرة، وقيل: سنة عشر، لكنه معدود في التابعين.
стр. 142
وأما رواية أبي بكر بن حزم، عن أبي حبّة الأنصاريّ البدريّ، فغير متّصلة بلا شكّ؛ لأن أبا حبّة قُتل يوم أحد، وكانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وأبو بكر بن حزم تُوفّي سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، فيما ذكر غير واحد من العلماء، فيكون مولده على هذا سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فلا يتصور إدراكه له، وأما روايته عن ابن عباس، فغير معروفة، لكنها جائزة ممكنة؛ لإدراكه له؛ لأن ابن عباس ﵃ توفي سنة ثمان وستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وستين، وقيل: سنة سبعين، فإدراكه له معلوم، غير مشكوك فيه، وسماعه منه جائز ممكن، وهذا محمول على الاتصال، عند مسلم ﵀، حتى يقوم دليل على أنه لم يسمع منه. والله أعلم.
وأبو حبة البدري: اسمه عامر، وقيل: مالك، واختلف في ضبطه على ثلاثة أقوال: فقيل: أبو حبة بالباء بواحدة، وقيل: بالنون، وقيل: بالياء باثنتين من تحتها، والصحيح الأول، ذكر ذلك ابن عبد البر في "استيعابه" بنحوه، وقيل: في اسمه غير ذلك، ولا خلاف أنه بالحاء المهملة، والله أعلم. اهـ.
(٦٣) - حديث آخر: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" (١) حديث أبي الجوزاء الربعي، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه رب العالمين ... الحديث، وأورده أبو عمر بن عبد البر النمري الحافظ، في "تمهيده" في ترجمة العلاء بن عبد الرحمن، وقال عقيبه: ما هذا نصه: اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وأورده أيضًا في كتابه المسمى "بالإنصاف" وقال عقيبه: رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يُختَلف في ذلك، إلا انهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال.
قال شيخنا الحافظ، أبو الحسين، يحيى بن علي أسعده الله: وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂ معلوم، لا يُختَلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن؛ لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه "الصحيح"، إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فحينئذ يكون الحديث مرسلا. والله أعلم.
وقد روى البخاري في "تاريخه" عن مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكْري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة،
стр. 143
ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها، قال البخاري: في إسناده نظر.
قلت: ومما يؤيد قول البخاري ﵁ ما رواه محمد بن سعد، كاتب الواقدي، وكان ثقة، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، فذكره، ولم يذكر عائشة، وهذا أولى بالصواب. والله أعلم.
وقد روى أبو الجوزاء هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وقُتِل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، ولم يخرج البخاري له عن عائشة شيئا، وبالله التوفيق.
وقد رَوَى هذا الحديث، أعني حديث أبي الجوزاء إبراهيم بن طهمان الهروي، وهو من الثقات الذين اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثهم في "الصحيحين" عن بُديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة ﵂، أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير ... الحديث.
أخبرنا أبو الْيُمْن الكندي، بقراءتي عليه بدمشق، أخبرنا القاضي، أبو بكر، محمد ابن عبد الباقي بن محمد الأنصاري ببغداد، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي، أخبرنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا مزاحم بن سعيد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة ﵂، أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث. وهذا الحديث مخرج في "كتاب الصلاة" لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة، يؤيد ما ذكر ابن عبد البر. والله أعلم. اهـ.
(٦٤) - قال شيخنا الحافظ: وفقه الله: عبدة بن أبي لبابة، روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم ... الحديث. وأورده مسلم في أول حديث رواه أبو عمرو الأوزاعيّ، عن قتادة، عن أنس، قال: صلّيت خلف النبيّ ﷺ ... الحديث. وفي رواية عبدة، عن عمر ﵁ نظرٌ، والصحيح أنه مرسل، وإنما احتجّ مسلم بحديث قتادة، عن أنس. والله أعلم. اهـ.
هذا آخر الأحاديث الملحقة في هذا الكتاب. والحمد للَّه وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا. حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: انتهت "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع
стр. 144
في "صحيح مسلم" من الأحاديث المقطوعة". تأليف الإمام الحافظ أبي الحسين يحيى بن عليّ بن عبد الله القرشيّ الشهير برشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة عشرة: أنه مما يجدر بي أن ألحق برسالة الحافظ الرشيد العطار رحمه الله تعالى مما كُتب على "صحيح مسلم" جزء كتبه الإمام الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧) رحمه الله تعالى (١) موسومًا بـ "علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج"، وها هو نصّ الجزء (٢):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربّ يسّر، وأعن، وتمّم
قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الْحُميديّ الأندلسيّ ﵀ (٣): أفادني بعض إخواننا ببغداد جزءًا فيه عن أبي الفضل الحافظ حفيد أبي سعيد الهرويّ -يعني أبا الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمّار الحافظ الشهيد، حفيد أبي سعد يحيى بن أبي نصر منصور الهرويّ الزاهد (٤) رحمهما الله، قال:
(١) - وجدت في كتاب مسلم الذي سمّاه كتاب "الصحيح" عن أبي غسّان
стр. 145
الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قَتَل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة".
زاد فيه كلامًا لم يجىء به أحد عن معاذ بن هشام، ولا عن هشام الدستوائيّ، وهو قوله: "من ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة".
هذا الكلام لا أعلم أحدًا ذكره غيره. وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة غير هشام أيضًا لم يذكروا فيه هذه الزيادة. وليست هذه الزيادة عندنا محفوظة في حديث ثابت بن الضحّاك. وأكبر وَهمي أن الغلط من أبي غسّان الْمِسْمَعيّ.
(٢) - وقال: وجدت عن يوسف بن يعقوب الصفّار، عن عليّ بن عَثّام، عن سُعير ابن الْخِمس، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ في حديث الوسوسة (١).
وليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسليمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود. وسُعير ليس ممن يُحتجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث مع قلّة ما أسند من الأحاديث (٢).
(٣) - وروى من حديث أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، أن زيدًا حدّثه أن أبا سلاّم حدّثه، عن أبي مالك الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "الطهور شطر الإيمان"، وفيه كلام آخر (٣). قال أبو الفضل: بين أبي سلاّم وبين أبي مالك في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ. رواه معاوية عن أخيه زيد، ومعاوية أعلم عندنا بحديث
стр. 146
أخيه زيد بن سلاّم من يحيى بن أبي كثير (١).
(٤) - ووجدت فيه (٢) من حديث عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدّثني أبو سلمة، قال: حدّثني سالم مولى الْمَهْريّ، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار".
قال أبو الفضل: وهذا حديث قد خالف أصحابَ يحيى بن أبي كثير، عكرمةُ بن عمّار.
رواه عليّ بن المبارك، وحرب بن شدّاد، والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني سالم. وقد قيل: عن عكرمة في هذا الحديث. حدثني أبو سالم، وليس بمحفوظ. وذِكْرُ أبي سلمة عندنا في حديث يحيى بن أبي كثير غير محفوظ. وقد روي عن أبي سلمة، عن عائشة من غير رواية يحيى بن أبي كثير، من غير ذكر سالم فيه (٣).
(٥) - قال: ووجدث فيه (٤) من حديث أبن أعين، عن معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب، أن النبيّ ﷺ : "رأى رجلًا توضّأ، فترك موضع ظفر على قدميه ... ".
وهذا الحديث إنما يُعرف من حديث أبن لَهِيعة، عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لهيعة لا يُحتجّ به (٥)، وهو خطأ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر.
(٦) - قال: ووجدت فيه (٦) لعمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد بن زريع، عن رَوح بن القاسم، عن سُهيل، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها".
стр. 147
قال أبو الفضل: وهذا حديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد ابن زُريع؛ لأنه حديث يُعرف بمحمد بن عجلان عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإسناد أصلٌ (١).
رواه أمية بن بسطام، عن يزيد بن زُريع على الصواب، عن روح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بطوله. وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر.
(٧) - قال: ووجدت فيه (٢) حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال: أن النبيّ ﷺ : "مسح على الخفّين، والخمار".
قال أبو الفضل: وهذا حديثٌ قد اختُلف فيه على الأعمش، فرواه أبو معاوية، وعيسى، وابن فُضيل، وعليّ بن مُسهر، وجماعة هكذا. ورواه زائدة بن قُدامة، وعمّار ابن رُزيق عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال. وزائدة ثبتٌ مُتقنٌ. ورواه سفيان الثوريّ، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، لم يذكر بينهما لا كعبًا، ولا البراء. وروايته أثبتُ الروايات. وقد رواه عن الحكم غير الأعمش أيضًا: شعبة، ومنصورٌ بن المعتمر، وأبان ابن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة، وجماعة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن الأعمش. وحديث الثوريّ عندنا أصحّ من حديث غيره (٣). وابن أبي ليلى لم يلق بلالًا.
(٨) - ووجدت فيه (٤) عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب ابن شيبة، عن مسافع بن عبد الله، عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ في المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل.
قال أبو الفضل: هذا الحديث رواه عن ابن أبي زائدة غير واحد، فقالوا: عبد الله
стр. 148
ابن مسافع الْحَجَبيّ، وهو الصحيح. وقد روى عنه أبن جريج حديثًا غير هذا. وحديث أبي كريب خطأ، حيث قال: مسافع بن عبد الله (١).
(٩) - ووجدت فيه (٢) حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في الاغتسال من الجنابة، وفيه: "تم غسل رجليه".
قال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعليّ بن مسهر، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين إلا أبو معاوية. ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة. وسمعت أبا جعفر الحضرميّ يقول: سمعت ابن نمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش. وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجة، وفي غيره لا.
(١٠) - ووجدت فيه (٣) حديث سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غلّاب، حديث أبي موسى، وفيه من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال أبو الفضل: وقوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" هو عندنا وَهَمٌ من التيميّ، ليس بمحفوظ، لم يذكره الحفّاظ من أصحاب قتادة، مثلُ سعيد، ومعمر، وأبي عوانة، والناس.
(١١) - ووجدت فيه (٤) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "كانت الصلاة تُقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ ﷺ مقامه".
قال أبو الفضل: وهذا اختصار عندنا من الوليد بن مسلم، اختصر الحديث، والحديث حديث الزبيديّ، ومعمر، ويونس، والأوزاعيّ، وأصحاب الزهريّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، ثم خرج رسول الله ﷺ ، فلما أخذ مقامه، أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر". فالحديث هو الذي رواه الزهريّ.
стр. 149
(١٢) - ووجدت فيه (١) من حديث يزيد بن زُريع، عن خالد الحذّاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى". وذكر الحديث، وفيه زيادة: "وإياكم وهَيْشَات الأسواق". حدّثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث منكر. قال أبو الفضل: قلت: إنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاريّ، فهو صحيح (٢).
(١٣) - ووجدت فيه (٣) عن عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة بأي شيء كان النبيّ ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ وذكر الحديث.
قال أبو الفضل: وهو حديث تفرّد به عكرمة بن عمار، عن يحيى، وهو مضطربٌ في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب.
وحدّثني أحمد بن أبي الفضل المكيّ، حدثنا صالح بن أحمد، ثنا عليّ قال: سألت يحيى -يعني القطان- عن أحاديث عكرمة بن عمار -يعني عن يحيى بن أبي كثير؟ فضعّفها، وقال: ليست بصحاح.
وأخبرني أحمد بن محمود قال: سمعت أبا زرعة الدمشقيّ يقول: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: رواية عكرمة بن عمار، وأيوب بن عتبة، عن يحيى ابن أبي كثير ضعيفة.
(١٤) - ووجدت فيه (٤) حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، كنا نسلّم على النبيّ ﷺ ... الحديث. وبعده لِهُرَيم بن سُفيان، عن الأعمش مثله.
قال أبو الفضل: وافقهما على ذلك جماعة: أبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد. ورواه الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير، وأبو معاوية، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، ولم يذكروا علقمة. وهؤلاء الذين أرسلوه أثبت، وأجلّ ممن
стр. 150
وصله. ورواه الحكم بن عتيبة أيضًا، عن إبراهيم، عن عبد الله مرسلًا أيضًا. إلا ما رواه أبو خالد الأحمر عن شعبة موصولًا، فإنه وَهِمَ فيه أبو خالد.
(١٥) - ووجدت فيه (١) حديث جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: أصابنا مطرٌ، ونحن مع رسول الله ﷺ ، فحسر ثوبه عنه، وقال ﷺ : "إنه حديث عهد بربّه".
قال أبو الفضل: وهذا حديث تفرّد به جعفر بن سليمان، من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره. وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد الْمَخْلديّ، عن علي بن المدينيّ، قال: لم يكن عند جعفر كتابٌ، وعنده أشياء ليست عند غيره. وأخبرنا محمد ابن أحمد بن البرّاء، عن علي بن المدينيّ قال: أما جعفر بن سليمان، فأكثر عن ثابتٍ، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف.
(١٦) - ووجدت فيه (٢) حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس أن ذؤيبًا الْخُزاعي حدّث عن النبيّ ﷺ : كان يبعث معه بالبدن ... الحديث. ورواه معمر بن راشد، عن قتادة نحوه. ورواه همام، عن قتادة، عن سنان، ولم يذكر ابن عباس، وأرسله. وهذا حديث لم يسمعه قتادة من سنان بن سلمة. وسمعه من سنان أبو التيّاح الضبعيّ. حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر -وهو ابن أبي الأسود- قال: قال يحيى القطّان: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن. وسمعت عبد الله بن موسى بن أبي عثمان البغداديّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، إنما هو مرسل. قال أبو الفضل: قلت: وقد سمع قتادة من أخيه موسى بن سلمة. وسنان وموسى أخوان.
(١٧) - ووجدت فيه (٣) لأحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع ذُكر لابن عمر عمرة النبيّ ﷺ من الْجعْرانة، قال: لم يَعتمر منها. قال أبو الفضل: وهذا حديث لم يروه غير ابن عبدة، عن حمّاد، وهو غير صحيح. وقد صحّ أن النبيّ ﷺ اعتمر من الجعرانة.
(١٨) - ووجدت فيه (٤) عن عبد الجبّار بن العلاء، عن سفيان، عن الزهريّ عن
стр. 151
أبي عبيدة، قال: شهدت العيد مع عليّ بن أبي طالب ﵁، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. قال أبو الفضل: ورفع هذا الحديث عندي غير محفوظ في حديث ابن عيينة. أخبرنا بشر بن موسى، عن الحميديّ، قال: قلت لسفيان: أنتم ترفعون هذه الكلمة عن عليّ؟ فقال سفيان: لا أحفظها مرفوعة، وهي منسوخة.
(١٩) - ووجدت فيه (١) حديث أبي خالد الأحمر، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله". قال أبو الفضل: هذا غَلِطَ غيه أبو خالد الأحمر، إنما هو مستخرج من قصة أبي طالب أن النبيّ ﷺ قال له: "قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة".
(٢٠) - ووجدت فيه (٢) عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ "طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحْجَنه". قال أبو الفضل: وهذا حديث خالف الليث بن سعد في إسناده ابنَ وهب، ورواه الدراورديّ عن ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، فوافق ابن وهب في الإسناد. أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان الطائيّ، عن يحيى بن بُكير، أخبرنا الليث بن سعد، عن يونس، قال: قال ابن شهاب: بلغني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : "طاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه". ورواه أيضًا أسامة بن زيد، عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. ورواه أبو عامر العقديّ، عن زَمْعَة، عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. فقد اتّفق هؤلاء الثلاثه على هذه الرواية. ورواه الدراورديّ، ورواية هؤلاء الذين أرسلوه أصحّ عندنا. والله أعلم.
(٢١) - ووجدت فيه (٣) عن سلمة بن شبيب، عن ابن أعين، عن معقل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عمر بن عبد العزيز، قال: حدّثني الربيع بن سَبْرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة، فقال: "إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئًا، فلا يأخذه". قال أبو الفضل: وهذا رواه حسين بن عيّاش، وهو شيخٌ بدون ابن أعين، عن معقل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سَبْرة، وهو الصحيح عندنا؛ لأن هذا اللفظ إنما هو لعبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز، رواه عنه الناس.
стр. 152
(٢٢) - ووجدت فيه (١) لهشيم، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة، قال: "أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء". قال أبو الفضل: هذا حديث اختُلف فيه على خالد، فرواه جماعة عن خالد هكذا، وقال آخرون: عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن عبادة، والاضطراب إنما هو من خالد. ورواه محمد بن المنهال الضرير، عن يزيد بن زُريع، قال: قلت لخالد -يعني في هذا الحديث- كنتَ حدّثتنا عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: غَيِّره، واجعله أبي أسماء، عن عبادة.
أخبرنا أبو المثنّى معاذ بن المثنّى، عن محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا خالد الْحَذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ ... قال محمد: قال يزيد بن زريع: -وكان حدّثنا به قبل ذلك عن أبي الأشعث الصنعانيّ- قال: قلت لخالد الحذّاء: كنتَ حدّثتنا به عن أبي الأشعث الصنعانيّ، قال: غَيّره، واجعله عن أبي أسماء، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء ستّا، وقال: "من أصاب منكم حدّا عُجّلت عقوبته، فهو كفّارة له، ومن أُخّر عنه، فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه".
(٢٣) - قد روى من حديث الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "قال رجل: إن قتلتُ في سبيل الله تُكفّر عني خطاياي؟ ... ". ورواه أيضًا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن المقبريّ نحوه. قال أبو الفضل: وهذا حديث رواه بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن رجل من أهل نجران، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورواه عمرو بن الحارث. فأفسده بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وهو أحد علماء مصر. ورواه عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس مرسلًا. وقال محمد بن عجلان: عن محمد بن قيس، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه. وعمرو بن دينار أثبت من ابن عجلان، وقد أرسله.
(٢٤) - ووجدت فيه (٢) عن سنان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب الشهادة صادقًا، أعطيها، وإن لم تُصبه". قال أبو الفضل: وافقه على هذه الرواية المؤمّل بن إسماعيل، وهذا حديث وَهِمَ فيه شيبان، والمؤمّل جميعًا، فأما المؤمّل، فكان قد دَفَنَ كتبه، وكان يحدّث حفظًا، فيُخطىء
стр. 153
الكثير. والصحيح ما رواه الحجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، والعبسيّ، عن حماد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ . وعن حماد، عن ثابت، عن النبيّ ﷺ مرسلًا مثله. والصحيح من حديث ثابت مرسلٌ، وحديث أبان مسند.
(٢٥) - ووجدت فيه (١) عن يحيى بن حسّان، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يجوع أهل بيت عندهم التمر". وروى بهذا الإسناد أيضًا عن النبيّ ﷺ : "نعم الإدام الْخلّ". حدّثنا أحمد بن محمد بن القاسم الْفَسَويّ، حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثنا يحيى بن حسّان بهذين الحديثين. قال أحمد بن صالح: نظرت في كتاب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلًا. قال أحمد بن صالح: وحدّثني ابن أبي أويس، قال: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ سأل قومًا: "ما إدامكم؟ " قالوا: الخلّ، قال: "نعم الإدام الخلّ".
(٢٦) - ووجدت فيه (٢) لأبي النضر هاشم بن القاسم، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي بَرّة، فقالت لي زينب ابنة أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا. قال أبو الفضل: وهذا الحديث بين يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عمرو بن عطاء في إسناده محمد بن إسحاق. كذلك رواه المصريّون. أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن إسحاق.
(٢٧) - ووجدت فيه (٣) عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ أمر بالأجراس، أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر. قال أبو الفضل: وهذا حديث لا أصل له عندنا من
стр. 154
حديث شعبة، وإنما يُعرف من حديث سعيد بن أبي عروبة. ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد موقوفًا أنها قالت: "لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جرس". قال قتادة: فأمر بها نبيّ الله ﷺ أن تُقطع من أعناق الإبل. حدّثنيه جدّي ﵀، حدثنا يحيى بن خلَف، حدّثنا عبد الأعلى، فجعل عبدُ الأعلى هذه اللفظة من قول قتادة، وهو الصحيح عندنا. ورواه القعنبيّ، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. وهو وَهَمٌ، إما من القعنبيّ، أو ممن دونه.
(٢٨) - ووجدت فيه (١) حديث ابن عيينة، عن ابن مُحصين، عن محمد بن قيس ابن مَخرمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ... الحديث. فذكر بعض شُيوخنا أنه سأل أبا عبد الله السُّكّريّ -وكان أبو عبد الله أحفظ أهل زمانه- عن هذا الحديث؟ فقال: هذا مرسل، محمد بن قيس لم يسمع من أبي هريرة ﵁ شيئًا".
(٢٩) - ووجدت فيه (٢) عن القواريريّ، عن أبي بكر الحنفيّ، عن عاصم بن محمد الْعُمريّ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال. "قال الله : أبتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عُوّاده أطلقته من أسار علّته، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم ليأتنف العمل".
قال أبو الفضل: وهذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبد الله ابن سعيد المقبريّ، عن أبيه. وعبد الله بن سعيد شديد الضعف. قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدًا أضعف من عبد الله بن سعيد المقبريّ. ورواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيدن عن أبيه، عن أبي هريرة. وهو حديث يُشبه أحاديث عبد الله بن سعيد.
(٣٠) - ووجدت فيه (٣) عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن زياد مولى ابن عباس، عن عراك بن مالك، عن عائشة، قالت: "جاءتني مسكينة، فأعطيتها ثلاث تمرات ... " وذكر الحديث.
قال أبو الفضل: وهذا عندنا مرسل. وذكر أحمد بن حنبل أن عراك بن مالك،
стр. 155
عن عائشة مرسل. سمعت موسى بن هارون يقول: عراك بن مالك لا نعلم له سماعًا من عائشة.
(٣١) - ووجدت فيه (١) عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ كان إذا كان في سفر، فأسحر يقول: "سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا". وذكر الحديث.
قال أبو الفضل: وهذا الحديث إنما يُعرف بعبد الله بن عامر الأسلميّ، عن سُهيل، وعبد الله بن عامر ضعيف الحديث، فيُشبه أن يكون سليمان سمعه من عبد الله ابن عامر. ولا أعرفه إلا من حديث ابن وهب هكذا.
(٣٢) - ووجدت فيه (٢) عن عبد بن حميد، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبيّ ﷺ إذا اجتهد في الدعاء قال: "جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل، ويصومون النهار، وليسو بأَئَمة، ولا فُجّار".
قال أبو الفضل: ورفع هذا الحديث إلى النبيّ ﷺ خطأ، وأحسبه من عبد بن حميد، والصحيح ما حدّثنا محمد بن أيوب قال: حدّثنا موسى، حدّثنا حماد، أخبرنا ثابتٌ، قال: قال أنسٌ: "كان أحدهم إذا اجتهد لأخيه في الدعاء ... "، فذكر الحديث مثله.
(٣٣) - ووجدت فيه حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ : "يُجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح ... ". لأبي معاوية وجرير (٣). وكذلك رواه ابن نمير، وعلي بن مسهر، ويعلى، ومحمد ابنا عبيد. ورواه أبو بدر شُجاع بن الوليد، فأفسده. أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا سلمان بن توبة، حدّثنا أبو بدر، حدثنا سليمان بن مهران، قال: سمعتهم يذكرون عن أبي صالح، عن أبي سعيد موقوفًا بهذا الحديث.
فتبيّن أن هذا الحديث ليس هو مما سمعه الأعمش من أبي صالح. ووقفه أيضًا على أبي سعيد، غير أن رفعه صحيح إلى النبيّ ﷺ (٤).
(٣٤) - ووجدت فيه (٥) حديث الأشجعيّ، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن
стр. 156
فضيل بن عمرو، عن الشعبيّ، عن أنس، قال: كنا عند النبيّ ﷺ ، فضحك، فقال: "ضحكت من مخاطبة العبد ... " الحديث.
قال أبو الفضل: هذا حديث رواه الأشجعيّ، وأبو عامر الأسديّ، عن الثوريّ بهذا الإسناد. ورواه شريك بن عبد الله، عن عبيد المكتب، عن الشعبيّ، عن أنس، ولم يذكر في إسناده فضيل بن عمرو. ورواه عمارة بن القعقاع، عن الشعبيّ، عن النبيّ ﷺ ، ولم يذكر أنسًا. ولا يُعرف بهذا الإسناد حديث غير هذا. والشعبيّ عن أنس شيء يسير.
(٣٥) - ووجدت فيه (١) حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "من نفّس عن مؤمن كربة ... " الحديث.
قال أبو الفضل: وهو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. ورواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والأعمش كان صاحب تدليس، فربما أخذ عن غير الثقات.
(٣٦) - ووجدت فيه (٢) حديث سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "وفقت ربي في ثلاث ... ".
قال أبو الفضل: فوجدت له علّةً، حدثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم السّرّاج، حدثنا محمد بن إدريس، حدثنا محمد بن عمر بن عليّ، حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع أن عمر قال: "وافقني ربي في ثلاث ... "، فذكر الحديث، ولم يذكر أبن عمر في إسناده، وأدخل بين جويرية ونافع رجلًا غير مسمّى.
قال ناسخ الأصل: آخر الموجود من كلام أبي الفضل الحافظ ﵀، وفيه بضعة ستة وثلاثون موضعًا (٣). والحمد للَّه حمدًا يُرضيه، ويكفل المزيد من إحسانه. وصلى
стр. 157
الله على سيدنا محمد وسلّم تسليمًا كثيرًا.
المسألة العشرون: في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في "صحيحي البخاري ومسلم" المشتبهة ، فمن ذلك "أُبَيٌّ" كله بضم الهمزة، وفتح الباء، وتشديد الياء، إلا "آبي اللحم"، فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة، ثم باء مكسورة، ثم ياء مخففة؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذُبِح على الأصنام.
ومنه: "الْبَرَاء" كله مخفف الراء، إلا أبا معشر البرّاء، وأبا العالية البراء، فبالتشديد، وكله ممدود.
ومنه: "يزيد" كله بالمثناة من تحت، والزاي، إلا ثلاثة، أحدهم: بُرَيد بن عبد الله ابن أبي بُرْدة، بضم الموحدة، وبالراء. والثاني: محمد بن عَرْعَرَة بن الْبِرِنْدِ، بالموحدة، والراء المكسورتين، وقيل: بفتحهما، ثم نون. والثالث: عَلِيّ بن هاشم بن الْبَرِيد، بفتح الموحدة، وكسر الراء، ثم مثناة من تحت.
ومنه: "يسار" كله بالمثناة، والسين المهملة، إلا محمد بن بشار شيخهما، فإنه بالموحدة، ثم المعجمة.
وفيهما: "سَيّار" بن سَلامة، وابن أبي سَيّار، بتقديم السين. ومنه: "بشر" كله بكسر الموحدة، وبالشين المعجمة، إلا أربعة، فبالضم والمهملة: عبد الله بن بُسْر الصحابيّ، وبُسْر بن سعيد، وبُسْر بن عبيد الله، وبُسْر بن مِحْجَن، وقيل: هذا بالمعجمة.
ومنه: "بَشِير" كله بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة، إلا اثنين، فبالضم، وفتح الشين، وهما: بُشَير بن كعب، وبُشَير بن يسار، وإلا ثالثا، فبضم المثناة، وفتح
стр. 158
السين المهملة، وهو يُسَير بن عمرو، ويقال: أُسَير، ورابعا بضم النون وفتح المهملة، وهو قَطَن بن نُسَير.
ومنه: "حارثة" كله بالحاء والمثلثة، إلا جارية بن قُدَامة، ويزيد بن جارية، فبالجيم والمثناة.
ومنه: "جرير" كله بالجيم، والراء المكررة، إلا حَرِيز بن عثمان، وأبا حَرِيز عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة، فبالحاء والزي آخرا. ويقاربه حُدَير بالحاء والدال، والد عمران بن حُدَير، ووالد زيد، وزياد.
ومنه: "حازم" كله بالحاء المهملة، إلا أبا معاوية محمد بن خازم، فبالمعجمة.
ومنه" "حَبِيب" كله بالحاء المهملة، إلا خُبَيب بن عَدِيّ، وخبيب بن عبد الرحمن، وخبيبا غير منسوب، عن حفص بن عاصم، وخبيبا كنية ابن الزبير، فبضم المعجمة.
ومنه: "حيان" كله بفتح الحاء، وبالمثناة، إلا حَبّانَ بن مُنقِذ والد واسع بن حَبّان، وجد محمد بن يحيى بن حَبّان، وجد حَبّان بن واسع بن حَبّان، وإلا حَبَّان بن هلال منسوبا، وغير منسوب، عن شعبة، ووهيبٍ، وهمامٍ، وغيرِهم، فبالموحدة، وفتح الحاء، وإلا حِبّان بن الْعَرِقَة، وحِبَّان بن عطية، وحِبّان بن موسى منسوبًا، وغير منسوب، عن عبد الله هو ابن المبارك، فبالموحدة، وكسر الحاء.
ومنه: "خِراش" كله بالخاء المعجمة، إلا والد رِبْعِيّ، فبالمهملة.
ومنه: "حزام" في قريش بالزاي، وفي الأَنصار بالراء.
ومنه: "حُصَين" كله بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، إلا أبا حَصِين عثمان بن عاصم، فبالفتح، وإلا أبا ساسان حُضَين بن المنذر، فبالضم، والضادُ معجمة فيه.
ومنه: "حَكِيم" كله بفتح الحاء، وكسر الكاف، إلا حُكَيم بن عبد الله، ورُزَيق بن حُكَيم، فبالضم، وفتح الكاف.
ومنه: "رَبَاح" كله بالموحدة، إلا زياد بن رِيَاح عن أبي هريرة، في أشراط الساعة، فبالمثناة عند الأكثرين، وقاله البخاريّ بالوجهين: المثناة، والموحدة.
ومنه: "زُبَيد" بضم الزاي، وفتح الموحدة، ثم مثناة، هو زُبيد بن الحارث، ليس فيهما غيره. وأما زُيَيْد بضم الزاي، وكسرها، وبمثناة مكررة، فهو ابن الصَّلْت، في "الموطإ"، وليس له ذكر فيهما (١). ومنه: "الزبير" كله بضم الزاي، إلا
стр. 159
عبد الرحمن بن الزَّبِير، الذي تزوج امرأة رِفَاعة، فبالفتح. ومنه: "زياد" كله بالياء، إلا أبا الزناد، فبالنون. ومنه "سالم" كله بالألف، ويقاربه "سَلْمٌ" بن زَرِير، بفتح الزاي، وسلم بن قتيبة، وسلم بن أبي الذَّيّال، وسلم بن عبد الرحمن، فبحذفها. ومنه: "سُرَيجٌ" بالمهملة والجيم، ابن يونس، وابن النعمان، وأحمد بن أبي سُرَيج، ومن عداهم فبالمعجمة، والحاء. ومنه: "سلمة" كله بفتح اللام، إلا عمرو بن سَلِمَة إمام قومه، وبني سَلِمَهَ القبيلة من الأنصار فبكسرها. وفي عبد الخالق بن سَلِمَة الوجهان. ومنه: "سُليمان" كله بالياء، إلا سلمان الفارسيّ، وابن عامر، والأَغَرّ، وعبد الرحمن بن سلمان فبحذفها. ومنه: "سلام" كله بالتشديد، إلا عبد الله بن سلام الصحابيّ، ومحمد بن سلام، شيخ البخاريّ، وشَدّدَ جماعة شيخ البخاريّ، ونقله صاحب "المطالع" عن الأكثرين، والمختار الذي قاله المحققون التخفيف. ومنه: "سُلَيم" كله بضم السين، إلا سَلِيم بن حَيّان فبفتحها. ومنه: "شَيْبَان" كله بالشين المعجمة، وبعدها ياء، ثم باء. ويقاربه "سِنَان" بن أبي سِنان، وسنان بن ربيعة، وسنان بن سَلَمة، وأحمد بن سنان، وأبو سنان ضِرَار، وأم سنان، وكلهم بالمهملة، بعدها نون. ومنه: "عَبّاد" كله بالفتح وبالتشديد، إلا قيس بن عُبَاد فبالضم والتخفيف. ومنه: "عُبَادة" كله بالضم، إلا محمد بن عَبَادة شيخ البخاريّ، فبالفتح. ومنه: "عَبْدَة" كله بإسكان الباء، إلا عامر بن عَبَدَة، وبَجَالة بن عَبَدة ففيهما الفتح، والإسكان، والفتح أشهر. ومنه: "عبيد" كله بضم العين. ومنه: "عُبَيدة" كله بالضم، إلا السلمانيّ، وابن سفيان، وابن حُميد، وعامر بن عَبِيدة فبالفتح. ومنه: "عَقِيل" كله بفتح العين، إلا عُقَيل بن خالد، ويأتي كثيرا عن الزهري غير منسوب، وإلا يحيى بن عُقَيل، وبني عُقَيل فبالضم. ومنه: "عُمَارة" كله بضم العين. ومنه: "واقد" كله بالقاف.
وأما الأنساب فمنها: "الأيليّ" كله بفتح الهمزة، وإسكان المثناة، ولا يرد علينا شيبان بن فَرُّوخ الأُبُلّيّ بضم الهمزة وبالموحدة، شيخ مسلم، فإنه لم يقع في "صحيح مسلم" منسوبا. ومنها: "البصريّ" كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة، نسبة إلى البصرة، إلا مالك بن أوس بن الحدثان النَّصْريّ، وعبد الواحد النَّصْريّ، وسالما مولى النصريين فبالنون. ومنها: "الثوريّ" كله بالمثلثة، إلا أبا يعلى محمد بن الصَّلْت التَّوَّزيّ فبالمثناة فوقُ، وتشديد الواو المفتوحة، وبالزاي. ومنها: "الْجُرَيريّ" كله بضم الجيم، وفتح الراء، إلا يحيى بن بِشْر شَيْخَهما، فبالحاء المفتوحة. ومنها: "الحارثيّ" بالمهملة، والمثلثة. ويقاربه سعيد الجاريّ بالجيم، وبعد الراء ياء مشددة. ومنها: "الْحِزَاميّ" كله بالزاي. وقوله في "صحيح مسلم" في حديث أبي الْيَسَر: كان لي على فلان الْحِزَاميّ، قيل: بالزاي، وقيل: بالراء، وقيل: الْجُذَاميّ بالجيم والذال المعجمة. ومنها: "السَّلَميّ" في الأنصار
وَكُلُّ مَا فِي ذَيْنِ وَ"الْمُوَطَّا" ... فَهْوَ "الْحَرَامِيُّ" بِرَاءٍ ضَبْطَا
إِلَّا الَّذِي أُبْهِمَ عَنْ أَبِي الْيَسَرْ ... فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهِ الْخُلْفَ قَرْ
وَحِّدْ "زُبَيْدًا" مَا عَدَا ابْنَ الصَّلْتِ ... وَ"وَاقِدٌ" بِالْقَافِ فِيهَا يَأْتِي
بِالْيَاءِ "الايْلِيُّ" سِوَى شَيْبَانَا ... لَكِنَّهُ بِنَسَبٍ مَا بَانَا
وَلَمْ يَزِدْ مُوَطَّأٌ إِنْ تَفْطُنِ ... سِوَى بِضَمِّ "بُسْرٍ" ابْنِ مِحْجَنِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: تكرر في "صحيح مسلم" قوله: حدثنا فلان وفلان كليهما عن فلان، هكذا يقع في مواضع كثيرة في أكثر الأصول "كليهما" بالياء، وهو مما يُسْتَشكل من جهة العربية، وحقه أن يقال: "كلاهما" بالألف، ولكن استعماله بالياء صحيح، وله وجهان: [أحدهما]: أن يكون مرفوعا تأكيدا للمرفوع قبله، ولكنه كتب بالياء؛ لأجل الإمالة، ويُقرأ بالألف، كما كتبوا "الربا" و"الربى" بالألف والياء، ويقرأ بالألف لا غير. [والوجه الثاني]: أن يكون "كليهما" منصوبًا، ويقرأ بالياء، ويكون تقديره أعني كليهما. قاله النوويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية والعشرون: وهي آخر المسائل في ذكر رسالتين مهمّتين لهما صلة
بكتابنا هذا، حيث إنه ضِمْنَ الكتب التي وُضعتا للبحث عن شروطها.
الرسالة الأولى:
شروط الأئمة للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ المتوفّى سنة (٥٠٧ هـ) رحمه اللهُ تعالى (٢)، ونصّ الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ رحمه اللهُ تعالى: [فإن قيل]: إن كلّ واحد من الأئمة الستّة -يعني البخاريّ ومسلمًا، وأبا داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه- صنّف كتابًا على حِدَة، ولم يَتّفقوا على ما أخرج
стр. 163
الأول من غير زيادة ونقصان، فهل تجري كلها مَجْرًى واحدًا في الصحّة أم تتباين في المعنى؟ .
[الجواب]: إن بعض أهل الصنعة سألني ببغداد عن شرط كلّ واحد من هؤلاء الأئمة في كتابه، فأجبته بجواب أنا أذكره بعينه ورُمّته.
[قلت]: اعلم: أن البخاريّ ومسلمًا، ومن ذكرنا بعدهما لم يُنقَل عن أحد منهم أنه قال: شرطت أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلانيّ، وإنما يَعرف ذلك من سبر كتبهم، فيُعلَم بذلك شرط كلّ رجل منهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لم يُنقَل عن أحد إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن مسلمًا قد بيّن شرطه في هذه المقدّمة، وكذلك أبو داود أوضح شرطه في رسالته إلى أهل مكّة، فكيف يقال: لم يُنقل عن أحد منهم إلخ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
قال: فاعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المتّفق على ثقة نقلته (١) إلى الصحابيّ المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متّصلًا غير مقطوع، فإن كان للصحابيّ راويان فصاعدًا فحسنٌ، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صحّ الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه، إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاريّ حديثهم لشبهه وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثلُ حمّاد بن سلمة، وسُهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
جعلنا هؤلاء الخمسة مثالًا لغيرهم، لكثرة رواياتهم وشُهرتهم، فلما تكلم في هؤلاء بما لا يُزيل العدالة والثقة ترك البخاريّ إخراج حديثهم معتمِدًا عليهم تحرّيًا، وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة.
ومثال ذلك أن سُهيل بن أبي صالح تكلم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة، فترك البخاريّ هذا الأصل، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه، ومسلم اعتمد عليه لَمّا سَبَر أحاديثه فوجده مرّةً يُحدّث عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، ومرّة عن الأعمش، عن أبيه، ومرّةً يُحدّث عن أخيه، عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه، فصحّ عنده أنه سمع من أبيه؛ إذ لو كان سماعه صحيفةً لكان يروي هذه الأحاديث مثل تلك الأُخَر.
стр. 164
وكذلك حمّاد بن سلمة إمام كبيرٌ مدحه الأئمة، وأطنبوا لَمّا تكلّم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يُخرج عنه معتمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع ليُبَيّن أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة، وحمّاد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي الأحوص، وغيرهم.
ومسلم اعتمَد عليه؛ لأنه رأى جماعةً من أصحابه القدماء والمتأخّرين رووا عنه حديثًا لم يَختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته.
فهذا الكلام فيما اختلفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاء، وما جرى مجراهم.
وأما أبو داود، فمن بعده، فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح، وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاريّ ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على "الصحيحين" فيما اتّفقا عليه، واختلفا فيه.
والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود، والنسائيّ إخراج أحاديث أقوام لم يُجمَع على تركهم إذا صحّ الحديث باتّصال الإسناد من غير قطع، ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح، فإن البخاريّ قال: أحفظ مائتي ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، ومسلم قال: أخرجت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
ثم إنا رأيناهما أخرجا في كتابيهما ما اتّفقا عليه، وما انفردا به قريب عشرة آلاف تزيد أو تنقص، فعلمنا أنه قد بقي من الصحيح الكثير إلا أن طريقه لا يكون كطريق ما أخرجاه في هذين الكتابين، فما أخرجوه مما انفردوا به دونهما، فإنه من جملة ما تركه البخاريّ ومسلم من جملة الصحيح.
والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدّيّة في الباب المتقدّم، وأوردوها لا قطعًا منهم بصحّتها، وربّما أبان الْمُخْرِج لها عن علّتها بما يفهمه أهل المعرفة.
[فإن قيل]: لم أودعوها كتبهم، ولم تصبحّ عندهم؟ .
[فالجواب]: من ثلاثة أوجه:
أحدهما: رواية قوم لها، واحتجاجهم بها، فأوردوها، وبيّنوا سقمها؛ لتزول الشبهة.
والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاريُّ ومسلم ﵃ على ظهر كتابيهما من
стр. 165
التسمية بالصحّة، فإن البخاريّ قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول، ومسلم قال: ليس كلُّ حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه، ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يُخرجون الشيء وضدّه.
والثالث: أن يُقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء، وسائر العلماء يوردون أدلّة الخصم في كتبهم مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما هذا كفعل الفقهاء. والله أعلم.
وأما أبو عيسى الترمذيّ ﵀ فكتابه وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاريّ ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بيّنّا، وقسم أخرجه للضدّيّة، وأبان عن علّته، ولم يُغفله، وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وهذا شرط واسعٌ، فإنّ (١) على هذا الأصل كلّ حديث احتجّ به محتجّ، أو عمل بموجبه عاملٌ أخرجه، سواء صحّ طريقه، أو لم يصحّ، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفَى في تصنيفه، وتكلّم على كلّ حديث بما يقتضيه، وكان من طريقته رحمة الله عليه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابيّ قد صحّ الطريق إليه، وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابيّ آخر لم يُخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق الأول، وإن كان الحكم صحيحًا، ثمّ يُتبعه بأن يقول: "وفي الباب عن فلان وفلان"، ويعُدّ جماعة فيهم ذلك الصحابيّ المشهور وأكثر، وقلّما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة. والله أعلم.
قال السائل: فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوريّ الحافظ ذكر في كتاب "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" شرطًا على غير هذا النحو.
قلت: نعم أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ الأديب الشيرازيّ بنيسابور، قال: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ القسم الأول من المتّفق عليها اختيار البخاريّ ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابيّ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقِن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريّ أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.
стр. 166
الجواب: أن البخاريّ ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدّر هذا التقدير، وشَرَطَ لهما هذا الشرطَ على ما ظَنَّ عن واحد، ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضةً في الكتابين جميعًا.
فمن ذلك في الصحابة: أن البخاريّ أخرج حديث قيس بن أبي حازم، عن مِرْداس الأسلميّ: "يذهب الصالحون الأول فالأوّل ... " الحديث، وليس لمِرداس راوٍ غيرُ قيس. وأخرج هو ومسلم حديث المسيّب بن حَزْن في وفاة أبي طالب، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد. وأخرج البخاريّ حديث الحسن البصريّ، عن عمرو بن تغلِب: "إني لأعطي الرجل، والذي أَدَعُ أحبّ إليّ ... " الحديث، ولم يرو عن عمرو غيرُ الحسن.
هذا في أشياء عند البخاريّ على هذا النحو. وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغرّ الْمُزَنيّ: "إنه لَيُغانُ على قلبي ... "، ولم يرو عنه غير أبي بُرْدة. وأخرج حديث أبي رِفَاعة الْعَدَويّ، ولم يرو عنه غير حُميد بن هلال الْعَدَويّ. وأخرج حديث رافع بن عَمْرو الْغِفَاريّ، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت. وأخرج حديث رَبِيعة بن كعب السلميّ، ولم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن.
هذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر؛ ليُعلَم أن القاعدة التي أسّسها منتقضةٌ، لا أصل لها، ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم، ولمن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربى على كتابه "المدخل" أجمع، إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يُفيد فائدةً، وله في سائر كتبه مثل هذا الكثيرُ -عفا الله عنّا وعنه-.
وأما الإمام الحافظ المتقن، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندهْ، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم، أخبرنا أبو عمرو عبد الوهّاب بن أبي عبد الله بن منده، قال: قال أبي: من (١) حكم الصحابيّ إذا روى عنه تابعيّ واحد، وإن كان مشهورًا، مثل الشعبيّ، وسعيد بن المسيِّبِ يُنسب إلى الجهالة (٢)، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتُجّ به، وعلى هذا بَنى محمد بن إسماعيل البخاريّ ومسلم بن الحجّاج كتابيهما "الصحيحين"، إلا أحرفًا تبيّن أمرها، فأما الغريب من الحديث، كحديث الزهريّ وقتادة وأشباههما من الأئمة، ممن يُجمَعُ حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم
стр. 167
بالحديث يُسمّى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة اشتركوا في حديث يُسمّى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سُمّي مشهورًا.
فاستثنى أبو عبد الله بن منده أحرفًا، وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صحّ لديك بيان ما قدّمته إليك. والله أعلم بالصواب.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسيّ (١) قال: سمعت أبا محمد عليّ ابن أحمد بن سعيد الحافظ الفقيه (٢)، وقد جرى ذكر "الصحيحين"، فعظّم منهما، ورفَعَ من شأنهما، وذكر أن سعيد بن السكر اجتمع إليه يومًا قوم من أصحاب الحديث، فقالوا له: إن الكتب في الحديث قد كثُرت علينا، فلو دلّنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها، فسكت، ودخل إلى بيته، فأخرج أربع رزم (٣)، ووضع بعضها على بعض، وقال: هذه قواعد الإسلام، كتاب مسلم، وكتاب البخاريّ، وكتاب أبي داود، وكتاب النسائيّ.
سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ (٤) بهَرَاةَ، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذيّ وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاريّ ومسلم؛ لأن كتاب البخاريّ ومسلم لا يَقِف على الفائدة منهما إلا المتبحّر العالم، وكتاب أبي عيسى يَصِلُ إلى فائدته كلُّ أحد من الناس.
رأيت على ظهر جزء قديم بالريّ حكايةً كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش، قال أبو زرعة الرازيّ: طالعت كتاب أبي عبد الله بن ماجه، فلم أجد فيه إلا قدرًا يسيرًا (٥) مما فيه شيء، وذكر قريب بضعة عشر أو كلامًا هذا معناه.
ورأيت بقزوين له تاريخًا على الرجال والأمصار من عهد الصحابة إلى عصره، وفي آخره بخط جعفر بن إدريس صاحبه: مات أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه المعروف يوم الاثنين، ودُفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان من سنة ثلاث
стр. 168
وسبعين ومائتين، وسمعته يقول: وُلدت سنة تسع ومائتين، ومات وله أربع وستون سنة، وصلّى عليه أخوه أبو بكر، وتولّى دفنه أبو بكر، وأبو عبد الله أخواه، وابنه عبد الله.
أخبرنا أبو زيد واقد بن الخليل القزوينيّ الخطيب بالريّ، أنبأنا والدي الخليل بن عبد الله الحافظ في كتاب قزوين قال: أبو عبد الله محمد بن يزيد يُعرف بماجه (١)، مولى ربيعة، له "سنن"، و"تفسير"، و"تاريخ"، وكان عارفًا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقين: البصرة والكوفة، وبغداد، ومكة، والشام، ومصر، والريّ لكَتْب الحديث، مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميميّ الفقيه، قدم علينا الريّ حاجّا، أنبأنا علي بن محمد بن نصر الدينوريّ، حدّثنا القاضي أبو الحسن عليّ بن الحسن بن محمد المالكيّ، حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد، حدّثني أبو بكر محمد بن إسحاق، ثنا الصوليّ، قال: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجيّ يقول: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب "السنن" لأبي داود عهد الإسلام.
أخبرنا أبو القاسم عليّ بن عبد العزيز الخشّاب بنيسابور، أنبأنا محمد بن عبد الله البيّع، فيما أذِن لنا، قال: سمعت أبا سليمان الخطابيّ يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفّار يقول: سمعت محمد بن إسحاق الصغانيّ يقول: أُلين لأبي داود السجستانيّ الحديث كما أُلين لداود ﵊ الحديد.
أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمرقنديّ مناولةً، أنبأنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدّثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسيّ الحافظ قال: محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيّ الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنّف كتاب "الجامع"، و"التواريخ"، و"العلل" تصنيف رجل عالم متقِنٍ، كان يُضرَب به المثلُ في الحفظ. قال الإدريسيّ: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد ابن محمد بن الحارث المروزيّ الفقيه يقول: سمعت أحمد بن عبد الله بن داود المروزيّ يقول: سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكّة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمرّ بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، فقالوا: فلان، فذهبت إليه، وأنا أظنّ أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين، كنت ظننت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفِرت به، وسألته أجابني إلى ذلك، فرأى البياض في يدي، فقال: أما تستحي مني، قلت. لا، وقصصت عليه القصّة، وقلتُ: أحفظه
стр. 169
كلّه، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ على الولاء، فلم يُصدّقني، وقال: استظهرتَ قبل أن تجيئني، فقلت: حَدِّثْنِي بغيره، فقرأ عليّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ ما أخطأت في حرف، فقال لي: ما رأيت مثلك.
أخبرنا أبو بكر الأديب، أنبأنا محمد بن عبد الله البيّع إجازةً قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرمليّ بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائيّ يقول: لَمّا عزمت على جمع كتاب "السنن"، استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم.
سألت الإمام أبا القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ بمكة عن حال رجلٍ من الرواة، فوثّقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائيّ ضعّفه، فقال: يا بُنيّ إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشدّ من شرط البخاريّ ومسلم.
قرأت على أبي القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجانيّ بنيسابور، أخبركم أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلميّ الصوفيّ فيما أَذِن لك، قال: سألت أبا الحسن عليّ ابن عمر الدارقطنيّ الحافظ، فقلت: إذا حدّث محمد بن إسحاق بن خُزيمة، وأحمد بن شعيب النسائيّ حديثًا من تُقَدِّم منهما؟ قال: النسائيّ؛ لأنه أسند، على أني لا أُقدّم على النسائيّ أحدًا، وإن كان ابنُ خزيمة إمامًا ثبتًا، معدوم النظير.
وقال: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: مَن يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائيّ؟ ، عنده حديث ابن لَهِيعة ترجمة ترجمة، فما حدّث بها، وكان لا يرى أن يُحدّث بحديث ابن لهيعة.
سمعت أبا زكريّا الحافظ يقول: سمعت عمّي أبا القاسم يقول: سمعت الحافظ أبا عبد الله بن منده يقول: ما رأيت في اختلاف الحديث، والإتقان أحفظ من أبي عليّ الحسين بن عليّ بن داود اليزديّ النيسابوريّ.
تم وكمل بحمد الله وعونه، وصلواته على نبيّنا محمد، وآله وصحبه وعترته، وسلّم تسليمًا كثيرًا. انتهت الرسالة الأولى.
الرسالة الثانية:
شروط الأئمة الخمسة: البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، والترمذيّ، والنسويّ ﵃-
стр. 170
للحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازميّ المتوفّى سنة (٥٨٤ هـ) رحمه الله تعالى (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الحافظ زين الدين أبو عبد الله محمد بن موسى الحازميّ الهمدانيّ ﵀ من لفظه:
الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام دينًا، وآزره وأظهره على الدين كلّه، وآثره، وجعله حصنًا حصينًا، ومنهاجًا مُبينًا، لا يَدْرُس منارُه، ولا تُطمس آثارُه، وصلى الله على محمد النبيّ المبعوث مِن أظهر المراتب، والمختار من أطهر المناسب، وعلى آله وصحبه ذوي السوابق والمناقب.
أما بعد: فقد سألتني -وفّقك الله لاكتساب الخيرات، وجنّبني وإياك موارد الهلَكات- أن أذكر لك شروط الأئمة الخمسة في كتبهم المعتمد على نقلهم وحكمهم: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بن بَرْدِزْبَهْ الجعفيّ مولاهم البخاريّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ، وأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزديّ السجستانيّ، وأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذيّ، وأبي عبد الرحمن أحمد ابن شُعيب النسويّ ﵏ ﵄، وما قصدوه، وغرض كلّ واحد منهم في تأسيس قاعدته، وتمهيد مرامه، وذكرتَ أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أبي عبد الله الجعفيّ، وأبي الحسين القشيريّ أن لا يُخرجا إلا حديثًا سمعاه من شيخين عدلين، وكلّ واحد منهما رواه أيضًا عن عدلين كذلك إلى أن يتّصل الحديث على هذا القانون برسول الله ﷺ ، ولم يُخرجا حديثًا لم يُعرف إلا من جهة واحدة، أو لم يروه إلا راو واحد، وإن كان ثقة.
فاعلم -وفّقك الله تعالى- أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار، ولم يَلِج تيّار الأخبار، وجَهِلَ مخارج الحديث، ولم يَعثُر على مذاهب أهل التحديث، ومن عَرَف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد، ووقف على اصطلاح العلماء في كيفيّة مخرج الإسناد لم يذهب إلى هذا المذهب، وسهُل عليه المطلب، ولعمري هذا
стр. 171
قول قد قيل، ودعوى قد تقدّمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين.
أنبأنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد الوهّاب بن محمد المالكيّ، أنبأنا زاهر بن أبي عبد الرحمن المستملي، أنبأنا أحمد بن الحسين الخسرو جرديّ، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ، قال:
والصحيح من الحديث ينقسم على عشرة أقسام، خمسة منها متّفقٌ عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها.
فالقسم الأول من المتّفق عليها: اختيار البخاريِّ ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور بالرواية عن الرسول ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وهم راويان ثقثان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله راويان ثقتان من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريّ ومسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح، والأحاديث المرويّة بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث.
والقسم الثاني من الصحيح المتّفق عليها الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رواه الثقات الحفّاظ إلى الصحابيّ، وليس لهذا الصحابيّ إلا راو واحد، ومثاله حديث عروة بن مضرّس الطائيّ أنه قال: "أتيت النبيّ ﷺ ، وهو بالمزدلفة ... " الحديث، وهذا الحديث من أصول الشريعة مقبول، مُتداولٌ بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يُخرجه البخاريّ، ولا مسلم في "الصحيحين"؛ إذ ليس له راو عن عروة بن مضرّس غير الشعبيّ، وشواهد هذا كثيرة في الصحابة، كعمير بن قتادة الليثيّ، ليس له راو غير ابنه عبيد، وأُسامة بن شَريك، وقُطبة بن مالك على اشتهارهما في الصحابة، ليس لهما راو غير زياد بن عِلاقة، وهو من كبار التابعين، ومِرْداس بن مالك الأسلميّ، والمستورِد ابن شدّاد الفِهْريّ، ودُكين المزنيّ، كلهم من الصحابة، وليس لهم راو غير قيس بن أبي حازم، والشواهد لما ذكرناه كثيرة، ولم يُخرج البخاريّ ومسلم هذا النوع من الصحيح.
والقسم الثالث من الصحيح المتّفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة -والتابعون ثقات- إلا أنه ليس لكلّ واحد منهم إلا الراوي الواحد، وذكر له مثالًا.
والقسم الرابع من الصحيح المتّفق عليها: هذه الأحاديث الأفراد، والغرائب التي يرويها الثقات العدول، تفرّد بها ثقة من الثقات، ليس لها طرق مخرّجة في الكتب، وذكر له مثلًا.
والقسم الخامس من الصحيح: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم، عن
стр. 172
أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم، عن أجدادهم بها إلا عنهم.
قال: وهذه الأقسام الخمسة مخرّجة في كتب الأئمة، محتجّ بها، ولم يُخَرَّج في "الصحيحين" منها حديثٌ؛ لما بيّنّا في كلّ قسم منها. هذا آخر كلام الحاكم.
ولم يُصب في قسم من هذه الأقسام، وسنبيّن أوهامه فيما بعدُ، وربّما لو رُوجع، وطولب بالدليل، وكُلّف البحث والسبر عن مخارج الأحاديث المخرّجة في الكتابين بالاستقراء، وتتبّع الطرق، وجمع التراجم والمشايخ، وتأليف الأبواب لاستوعر السبيل، ولم يتّضح له فيه دليل إلا في قدر من ذلك، وآفة العلوم التقليد.
وبيان ذلك إما إيثار الدَّعَة، وترك الدأب، وإما حسن الظنّ بالمتقدّم، ولعمري إن هذا القسم الثاني لحسنٌ، غير أن الاسترواح إلى هذا غير ممكن؛ لأنه يُفضي إلى سدّ باب الاجتهاد، والبحث عن مخارج الحديث، وأحوال الرجال.
وهذا الحاكم أبو أحمد الحافظ النيسابوريّ، وهو أحد أركان الحديث، وممن أخرج التخاريج الكثيرة، وكتابه المؤلّف في الأسماء والكنى يشهد له بتبحّره في علم الصنعة، وقد ذكر في بعض تراجمه حارثة بن مالك الأنصاريّ في الصحابة، مقلّدًا لآخر تقدّمه، ثم جاء بعده جماعة من المؤلّفين في الحديث والتواريخ والمعارف، ممن كان يُنسب إلى التحقيق والتدقيق نحو أبي عمر بن عبد البرّ القرطبيّ، والأمير أبي نصر بن ماكولا في كتابه "الإكمال"، وغيرهما قلّدوا المتقدّم، وركِبوا في ذلك الْمَجَرّة (١) وأثبتوه في كتبهم على ما رسمه المتقدّم، ولو عدل واحد من هؤلاء الأستاذين إلى كتب السير وتواريخ المحدّثين لبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وبان أن حارثة بن مالك الأنصاريّ لم يكن من الصحابة، ولا من أنصار رسول الله ﷺ ، ولا من الموجودين في زمنه أو بعده، وإنما هو في نسب الأنصار، وهو عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جُشَم جاهليّ قديم من ولده بنو زُريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك، بطن، وبنو بياضة بن عامر بن زريق إليهما يُنسب الزرقيّون، والبياضيّون في الأنصار جماعة منهم صحبوا النبيّ ﷺ ، ولهم رواية، وشهدوا معه بدرًا، وفيهم من بينه وبين عبد حارثة الذي سمّوه حارثة، وجعلوا له صحبة تسعة آباء، وأقلّ من ذلك، والعجب من الحاكم، ومن أبي عمر أنهما أحالا بذلك على الواقديّ، وإنما قال الواقديّ في تسمية البدريين: ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة، وغيره يقول: زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة ابن مالك بن عضب بن جشم، ثم من بني مخلد بن عامر قيس بن محصن، وسمّى
стр. 173
جماعة، فلعلّ الحاكم ظنّ أن الواقديّ انتهى بنسبه لزريق إلى عبد، ثم ابتدأ قال: حارثةُ مرفوعًا، وأن حارثة هو المراد بالصحبة، وإنما هو عبد حارثة مضافًا، وهو اسم لشخص واحد كما بيّنّاه، وأن أبا عمر بن عبد البرّ، والأمير قلّدا أبا أحمد، وقد أشبعت الكلام في هذا الاسم في "تهذيب الإكمال"، و"أوهام الأمير".
وقد أحسن أحمد بن حنبل ﵀ في ترك التقليد والحثّ على البحث حيث ذاكر عليّ بن المدينيّ في أصحاب الزهريّ، وكان أحمد يقدّم مالكًا، وابن المدينيّ يقدّم سفيان.
أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الفرج الوكيل، أنبأنا عبد القادر بن محمد، أنبأنا عمر بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمد بن هارون، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن محمد، قال: سمعت أبي يقول: كنت أنا وعليّ بن المدينيّ، فذكرنا أثبت من روى عن الزهريّ، فقال عليّ: سفيان بن عيينة، فقلت أنا: مالك بن أنس، وابن عيينة يُخطىء في نحو عشرين حديثًا عن الزهريّ، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين، أو ثلاثة، قال: فنظرت فيما أخطأ فيه سفيان بن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا.
ألا ترى أن ابن المدينيّ ومحلّه من هذا الشأن ما قد عُرف لَمّا لم يُمعن النظر في البحث عن حديث إمام الهجرة حكم بغير ما تقتضيه النصفة حتّى ذكّره أحمد، وكان السبب فيه أن ابن المدينيّ فاته مالك، ومُتّع بسفيان، وكان ربّما يعتقد في حديث مالك عن الزهريّ أنه عرضٌ، وحديث سفيان تحديث، حدّثه به الزهريّ، وإن كان الأمر على خلاف ذلك، وأحمد لم يكتف بذلك حتى سبر حديثهما، ثم حكم لأحدهما على الآخر.
باب إبطال قول من زعم أن شرط البخاريّ إخراج الحديث عن عدلين، وهلمّ جَرّا إلى أن يتّصل الخبر بالنبيّ ﷺ -
قد تقدّم منّا القول بأن هذا حكم من لم يُمعن الغوصَ في خبايا الصحيح، ولو استقرأ الكتاب حقّ استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه دعواه، وأما قول الحاكم في القسم الأول: إن اختيار البخاريّ ومسلم إخراج الحديث عن عدلين إلى النبيّ ﷺ ، فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا، بل لو عكس القضيّة، وحكم كان أسلم له، وقد صرّح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث، وهو أبو حاتم محمد بن حبّان الْبُستيّ.
стр. 174
أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن عليّ الهمدانيّ، أنبأنا القاسم المستملي، أنبأنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن عليّ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد ابن محمد بن هارون الزوزنيّ، حدّثنا ابن حبّان البستيّ، قال: وأما الأخبار، فإنها كلّها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبيّ ﷺ خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكلّ واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما استحال هذا وبطل، ثَبَت أن الأخبار كلها أخبار آحاد، ومن اشترط ذلك، فقد عمد إلى ترك السنن كلّها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد. هذا آخر كلام ابن حبّان، ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبّان أقرب إلى الصواب.
وأما قوله: أن الموجود المرويّ من الأحاديث على الوتيرة التي لم تسلم يبلغ قريبًا من عشرة آلاف، فهذا ظنّ منه بأنهما لم يخرجا إلا على ما رُسم، وليس كذلك، فإن أقصى ما يمكن اعتباره في الصحّة هو شرط البخاريّ، ولا يوجد في كتابه من النحو الذي أشار إليه إلا القدر اليسير.
وأما قوله: أن شرط الشيخين إخراج الحديث عن عدلين، وهلُمّ جرّا إلى أن يتّصل الحديث، فليس كذلك أيضًا لأنهما قد خرجا في كتابيهما أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد، وأحاديث لا تعرف إلا من جهة واحدة، وأنا أذكر من كلّ نوع أحاديث تدلّ على نقيض ما ادّعاه، فمن ذلك:
حديث مِرداس الأسلميّ: "يذهب الصالحون الأول فالأول ... " الحديث، وهذا حديث تفرّد البخاري بإخراجه، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، رواه البخاريّ عن يحيى بن حمّاد، عن أبي عوانة، عن بيان، عن قيس، عن مرداس، وليس لمرداس في كتاب البخاريّ، سوى هذا الحديث.
وقد ذكر الحاكم في القسم الثاني مرداس بن مالك الأسلميّ، وعدّه فيمن لم يخرج عنه في الصحاح شيء، وهذا الحديث يردّ عليه قوله، ويُبيّن خطأه.
ومنها: حديث حزن بن أبي وهب المخزوميّ، خرّج عنه البخاريّ حديثين: أحدهما: "وجاء سيلٌ في الجاهليّة، فكسا ما بين الجبلين ... "، والثاني أن النبيّ ﷺ قال له: "ما اسمك؟ ... " الحديث، وقد انفرد بهما عنه ابنه المسيّب، وعن المسيّب ابنه سعيد ابن المسيّب.
ومنهم: زاهر بن الأسود الأسلميّ خرّج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا، وهو: "إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر"، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه مَجْزَأة بن زاهر.
стр. 175
ومنهم: عبد الله بن هشام بن زُهرة القرشيّ، أخرج البخاريّ عنه حديثين: أحدهما: "كنّا مع النبيّ ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء ... " الحديث. والثاني: "قال: ذهبت به أمه زينب بنت حُميد إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال ﷺ : هو صغير ... " الحديث، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه زهرة بن معبد.
ومنهم: عمرو بن تغلب، أخرج عنه البخاريّ حديثين: أحدهما: "إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل ... " الحديث. والثاني: "أن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون ... " الحديث، وقد تفرّد برواية هذين الحديثين عنه الحسن بن أبي الحسن، ولا يُعرف له راو غيره.
ومنهم: عبد الله بن ثعلبة بن صُعير، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا موقوفًا، تفرّد به الزهريّ عنه، ولا يُعرف له راو غير الزهريّ.
ومنهم: سُنين أبو جَميلة السلميّ من أنفسهم، أخرج البخاريّ عنه طرفًا من حديث، ولم يرو عنه غير الزهريّ من وجه يصحّ مثله.
ومنهم: أبو سعيد بن المعلَّى، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا: "قال: كنت أصلّي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي ... " الحديث، وقد تفرّد به عنه حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، ولا رواه عنه غير خُبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف.
ومنهم: أبو عقبة سُويد بن النعمان بن مالك بن عامر الأنصاريّ، وكان من أصحاب الشجرة، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كنّا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر ... " الحديث، وقد تفرّد به عنه بُشَير بن يسار.
ومنهم: خولة بنت ثامر، وقد أخرج البخاريّ منفردًا به حديث أبي الأسود، عن النعمان بن أبي عيّاش، عن خولة بنت ثامر، عن النبيّ ﷺ : "أن رجالًا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ ... " قال الدارقطنيّ: ولا تُعرف خولة بنت ثامر إلا من هذا الحديث، ولم يرو عنها غير النعمان بن أبي عيّاش، وهذا اللفظ يُشبه لفظ عُبيد سَنُوطا عن خولة بنت قيس بن فهد امرأة حمزة عمّ النبيّ ﷺ ، فإن كانت هي التي روى عنها النعمان بن أبي عيّاش، ونسبها إلى ثامر، فالحديث مشهور، وإن كانتا امرأتين فابنة ثامر لم يرو عنها غير النعمان بن أبي عيّاش.
وممن تفرّد مسلم بإخراج حديثه على النحو المذكور عديّ بن عَمِيرة الكنديّ،
стр. 176
أخرج مسلم له حديثًا واحدًا، وهو: "من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه ... " الحديث، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم.
وقد ذكر الحاكم في القسم الثاني المستورِد بن شدّاد الفِهْريّ في مفاريد قيس بن أبي حازم، وزعم أنه لم يُخرج البخاريّ، ولا مسلم حديثه، ولا حديث من كان على هذا الوزن من المفاريد، وهذا مسلم بن الحجّاج قد أخرج للمستورد حديثين: أحدهما من رواية قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع". والثاني أخرجه من حديث موسى بن عليّ، عن أبيه عليّ بن رَباح قال: قال المستورد القرشيّ عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس ... " الحديث، وقد روى عنه غير واحد من المصريين والشاميين.
ومنهم: قطبة بن مالك، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا قال: "صلّيت وصلّى بنا رسول الله ﷺ ، فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١] ... " الحديث، ولم يرو عنه غير زياد بن عِلاقة، وقد زعم الحاكم أن قطبة بن أشيم والد أبي مالك أخرج عنه مسلم حديثين: أحدهما: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله". الثاني: "كان الرجل إذا أسلم علمه النبيّ ﷺ الصلاة ... " الحديث، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه أبو مالك سعد بن طارق، ومنهم نُبيشة الخير بن عبد الله بن عَتّاب، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا في أيّام التشريق، وقد أخرج له الْبَرْقَانيّ في كتابه المخرّج على "الصحيحين" حديثًاً آخر في العَتِيرة، ولم يوجد في أكثر النسخ، سوى الحديث الأول، وليس له راو سوى أبي الْمَلِيح عامر بن أُسَامة.
ومن مفاريد التراجم في الكتابين: حديث: "إنما الأعمال بالنيّة ... "، فإن البخاريّ استفتح كتابه به، رواه عن الحميديّ، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطّاب ﵁، عن النبيّ ﷺ ... الحديث، وقد أُخْرِج في الكتابين في عدّة مواضع، وهو من غرائب الصحيح، مدنيّ المخرج، ولم يُروَ عن النبيّ ﷺ من وجه يصحّ مثله إلا من حديث عمر ﵁ فهو في الحقيقة من مفاريده، ولا يثبُت عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقّاص، ولا من رواية علقمة إلا من رواية التيميّ، تفرّد به يحيى بن سعيد، وقد رواه عن يحيى خلقٌ كثيرٌ.
وهذا باب لو استقصيته لأفضى إلى الإكثار، وتجاوز حدّ الاختصار، ومن طالع تراجم حديث الشاميين والمصريين وجد لِمَا ذكرناه نظائر كثيرة، فإن حديث الحمصيين
стр. 177
ومن يُدانيهم ضيّق المخرج جدّا، ولهذا قلّما يوجد للشاميين والمحصريين حديث يُعْتَنَى بجمع طرقه ويُذاكر به في السير من حديث الشاميين الدمشقيين، وذالك لضيق مخرج حديثهم.
ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم.
وإذ قد فرغنا من إبطال هذه الدعوى، فلنذكر التحقيق في قبول الأخبار من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي ذكرها.
فمهما كانت تلك الشرائط موجودةً في حقّ راو كان على شرطهم وغرضهم، وله منهم قبول خبره، تفرّد بالحديث، أو شاركه غيره فيه.
نعم يُفيد هذا في باب الترجيحات عند تعارض الأخبار حالة المذاكرة بين المتناظرين، وذلك من وظيفة الفقهاء؛ لأن قصدهم إثبات الأحكام، ومجال نظرهم في ذلك متّسِع.
وقد أورد بعض أئمّتنا في باب الترجيحات نيّفًا وأربعين وجهًا في ترجيح أحد الحديثين على الآخر.
ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد، وإثبات التواتر في الأحاديث عَسِرٌ جدّا، سيّما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده، وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم، فلا تعويل على مذهب الكوفيين في ذلك. وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم (١)، وتفاصيل مذاهب الكلّ مذكورة في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة فقد اتّفقوا أنه لا يُشترط في قبول الآحاد العدد قلّ أو كثُر. والله أعلم.
الشروط (٢) المعتبرة المذكورة عند الأئمة التي من احتوى عليها، وتحلّى بحليتها لزِم قبول خبره، واستحقّ إخراج حديثه في الصحيح، ثم نردفه بذكر قصد البخاريّ في وضع كتابه، وكذلك نذكر شرط من عداه من الأئمة الذين ذكرناهم أوّلًا، فهاتان
стр. 178
مقدّمتان من حيث الإجمال والتفصيل، ذكرتهما مُجمَلًا، ثمّ أذكرهما مفصّلًا، فأقول:
اعلم: -وفّقك الله تعالى- أنه لَمّا كان كلُّ مكلّف من البشر لا يكاد يَسْلَم من أن تشوب طاعته معصيةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى أن لا يُقبل إلا طابع محض الطاعة؛ لأن ذلك يوجب أن لا يُقبل أحد، وهكذا لا سبيل إلى قبول كلّ عاصٍ؛ لأنه يوجب أن لا يُردّ أحدٌ، وقد أمر الله تعالى بقبول العدل، وردّ الفاسق في نصّ القرآن، فاحتيج إلى التفصيل.
فكلّ من ثبت كذبه رُدّ خبره وشهادته؛ لأن الخبر ينقسم إلى الصدق والكذب، فالصدق هو الخبر المتعلّق بالمخبِر على ما هو عليه، والكذب عكسه.
وقد اختلف العلماء في حدّ الخبر، فقالت طائفةٌ: الخبر ما دخله الصدق والكذب، وقيل: ما جاز أن يكون صدقًا، وأن يكون كذبًا، وقيل: ما كان صدقًا أو كذبًا. وهذه حدودٌ رسميّة لا تكاد تسلم عن النقوض، والكلام فيها يليق بالأصول.
ثم الخبر منقسم إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر ما يُخبر القوم الذين يبلغ عددهم حدّا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقرّ العادة أن اتّفاق الكذب منهم محالٌ، والتواطؤ منهم في مقدورات الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذّرٌ، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع عند ذلك بصدقه، وأوجب حصول العلم ضرورة.
وأما الآحاد فما قصر عن حدّ التواتر، ولم يحصل به العلم، ولكن تداولته الجماعة.
ثم الأخبار كلّها على ثلاثة أضرب:
فضربٌ منها تُعلم صحّته، وضرب منها يُعلم فساده، وضربٌ منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر.
أما الضرب الأول، فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر أن يكون مما تدلّ العقول على موجبه، كالإخبار عن حدوث العالم، وإثبات الصانع.
وأما الضرب الثاني، وهو ما يُعلم فساده، فهو الذي تدفع العقول صحّته بموضوعها، والأدلّةِ المنصوبة فيها، نحو الإخبار عن اجتماع الضدّين، أو أن الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين، أو مما يدفعه نصّ القرآن، أو السنّة المتواترة، أو أجمعت الأمة على ردّه تكذيبًا له وغير ذلك.
وأما الضرب الثالث الذي لا يُعلم صحّته من فساده، فإنه يجب الوقف عن القطع بكونه صدقًا أو كذبًا، وهذا الضرب لا يدخل إلا فيما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا
стр. 179
يكون، وهي الأخبار التي يُؤثرها علماء الإسلام في إثبات الأحكام الشرعيّة المختلف فيها بين الأمة، وإنما وجب التوقّف فيما هذه حاله من الأخبار؛ لعدم الطريق إلى العلم بكونها صدقًا أو كذبًا، فلم يكن الحكم بأحد الأمرين فيها أولى من الحكم بالآخر إلا أنه يجب العمل بما تضمّنته من الأحكام إذا وُجدت فيها الشرائط التي نذكرها بعدُ.
فإذا ثبت أن الحاجة داعيةٌ في تصحيح الخبر إلى اعتبار أوصاف في المخبِر، فلنذكر الآن ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص لزم قبول خبره.
الشرط الأول: الإسلام، وهو المقصود الأعظم، فرواية أهل الشرك مردودة، ومستند ذلك الكتاب والسنّة والإجماع، وليس هذا موضع إحصائها، وإنما نُشير إشارةً عاريةً عن الأدلّة، فإن تحمّل الرواية وهو مشركٌ، ثم أدّاها في الإسلام، فلا بأس بذلك.
والشرط الثاني: العقل، وبه يتوجّه الخطاب، ومنه يُتلقّى الصواب، والمفقود عقله لا يخلو إما أن يكون مجنونًا، أو صبيّا، وكلاهما لا تُقبل روايته، ولا شهادته، والأصل فيه قوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقل" (١)، والحديث مشهور من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ ولا حاجة بنا إلى ذكر إسناده، ولأن حال الراوي إذا كان مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف الله، ويرجوه لما فيه من الاستعداد، فإذا رُدَّ خبر الفاسق فخبر المجنون أولى بذلك. والصبيّ عند عدم التمييز بمثابة المجنون. وأما حالة التحمّل، فقد ذهب قومٌ إلى المنع إذا لم يكن مميّزًا، وخالفهم في ذلك آخرون. وأما من زال عقله بأمر طارىء، كالاختلاط، وتغيّب الذهن، فلا يُعتدّ بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طُرح حديثه بالكليّة؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدّمين، والحفّاظ المشهورين، فإذا تميّز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحّته، جاز له الرواية عنه، وصحّ العمل بها.
شرط آخر: الصدق، وهو عمدة الأنباء، وعدّة الأنبياء، وشيمة الأبرار، وأُرومة الأخيار، والبرزخ بين الحقّ والباطل، والفيصل بين الفاضل والجاهل، فمن تحلّى بغير حليته فلا يخلو كذبه، إما أن يكون في حديث رسول الله ﷺ ، أو في أحاديث الناس، فإن كان كذبه على رسول الله ﷺ بوضع الحديث، أو ادّعاء السماع، أو ما شاكل
стр. 180
ذلك، فقد ذهب غير واحد من الأئمة إلى ردّ حديثه، وإن تاب.
نقلنا ذلك عن سفيان الثوريّ، وابن المبارك، ورافع بن الأشرس، وأبي نُعيم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
فأما إذا قال: كنت أخطأت فيما رويته، ولم أتعمّد الكذب، فإن ذلك يُقبل منه.
وأما الذي يكذب في أحاديث الناس، فإنه متى جُرّب عليه ذلك، وظهر، فإنه يُردّ حديثه، وكذا من عُرف بقبول التلقين، وتكرّر ذلك منه، واشتَهَر به، فلا يُقبل حديثه، وكذا من عُرف بالتساهل في رواية خبره.
شرطٌ آخر: أن لا يكون مدلّسًا، والتدليس، وإن كان أنواعًا، بعضها أسهل من بعض، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولَعين به، ممن حديثه مخرّجٌ في الصحاح، غير أنّ شرط الصحيح لا يحتمل ذلك.
شرط آخر: العدالة، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكلُّ حديث اتّصل إسناده بين من رواه، وبين النبيّ ﷺ لم يَلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم، سوى الصحابيّ الذي رفعه إلى النبيّ ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبيّ ﷺ ، وإخباره عن طهارتهم.
وصفاتُ العدالة: هي اتّباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهَى عنه، وتَجَنُّب الفواحش المسقطة، وتحرّي الحقّ والتوقّي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وُجدت هذه الصفات كان المتحلّي بها عدلًا مقبول الشهادة.
ومنها: أن يكون الشخص بعد أن ثبتت عدالته، وجانب ما ينافي العدالة نحو السفه وغيره معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث، وصرف العناية إليه.
ومنها: أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصحف.
ومنها: أن يكون ضابطًا لما سمعه وقت سماعه متحقّقًا على شيخه في روايته من أن لا يدلّسه إن كان ممن يعرف بالتدليس، وكان يحيى بن سعيد يقول: ينبغي في هذا الحديث غير خصلة ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبتا الأخذ، ويكون يفهم ما يقال، ويُبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.
وقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ العلم إلا عن ثلاثة: حافظ له أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه، وتكريره حتى يستقرّ له حفظه.