← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحديث الثالث: وبه إلى مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، قال: "رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله، أن ابن صائد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك، عند النبي ﷺ ، فلم ينكره النبي ﷺ " .. أخرجه البخاريّ في "الاعتصام" من "صحيحه"، عن حماد بن حُميد، عن عبيد الله بن معاذ به. أخرجه مسلم في "الفتن" (١)، فكأنه سمعه من مسلم. الحديث الرابع: وبه: ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، ثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عبد الحميد الزيادي، أنه سمِع أنس بن مالك ﵁ يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ إلى آخر الآية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (٢). أخرجه البخاريّ في "التفسير" من "صحيحه" عن أحمد بن النضر المروزيّ، وأخيه، محمد بن النضر، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ بهذا الإسناد. أخرجه في "ذكر المنافقين والكفّار" (٣)، فكأنه سمعه من مسلم. الحديث الخامس: وبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد -يعني ابن زيد- أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم، يوم حُرِّمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ، البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال: فجرت في سِكَكِ المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهَرَقتها، فقالوا، أو قال بعضهم: قُتِل فلان، قتل فلان، وهي في بطونهم، قال: فلا أدري هو من حديث أنس، فأنزل

стр. 72

الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. أخرجه البخاريّ -في "المظالم"- عن محمد بن عبد الرحيم، عن عفّان، عن حمّاد به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الأشربة" (١). الحديث السادس: وبه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، أنه سمع سعيد بن المسيب، يحدث أن أبا هريرة، وأبا سعيد حدثاه: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جَنِيب، فقال له رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا؟ "، قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان". أخرجه البخاريّ من طرق، من هذا الوجه، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "البيوع" (٢). الحديث السابع: وبه: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا جرير بن حازم، ثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: "كان شعرا رَجِلًا، ليس بالْجَعْد، ولا السَّبِط، بين أذنيه وعاتقه". أخرجه البخاريّ في "اللباس" عن عمرو بن عليّ، عن وهب بن جرير، عن أبيه به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "صفة النبيّ ﷺ " (٣). الحديث الثامن: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا قلابة أخبره، أن ثابت بن الضحاك أخبره، أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه".

стр. 73

أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن إسحاق، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلّام به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الفضائل" (١). الحديث التاسع: وبه: حدثنا يحيى بن بشر الْحَرِيري، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى ابن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره، أن سعيد بن جبير أخبره، أنه سمع ابن عباس قال: "إذا حَرَّمَ الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها"، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. رواه البخاريّ في "الطلاق" من "صحيحه" عن الحسن بن الصبّاح، عن الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلّام به، والمعنى متقارب، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الطلاق" (٢). الحديث العاشر: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن عون الهلالي، قال يحيى: أخبرنا، وقال ابن عون: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء بالرطب". أخرجه البخاريّ عن جماعة من أصحاب إبراهيم بن سعد، وأخرجه أيضًا عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم به، فكأنه من هذا الوجه سمعه من مسلم. (٣). الحديث الحادي عشر: وبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت رِدْفَ رسول الله ﷺ على حمار، يقال له: عُفَير، قال: فقال ﷺ : "يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : "فإن حق الله على العباد، أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال ﷺ : "لا تبشرهم، فيتكلوا". أخرجه البخاريّ في "الجهاد" من "صحيحه" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص به، فكأنه سمعه من مسلم (٤).

стр. 74

الحديث الثاني عشر: وبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود، حدثنا محمد بن حرب، حدثني محمد ابن الوليد الزُّبَيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيت أم سلمة، زوج النبي ﷺ رأى بوجهها سَفْعَةً، فقال ﷺ "بها نظرة، فاسترقوا لها"- يعني بوجهها صفرة. أخرجه البخاريّ في "الطبّ" عن محمد بن خالد -يعني محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهليّ، عن محمد بن وهب بن عطيّة الدمشقيّ، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الطبّ" (١). الحديث الثالث عشر: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يُهلِك أمتي هذا الحيُّ من قريش"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال ﷺ : "لو أن الناس اعتزلوهم". أخرجه البخاريّ في "علامات النبوّة" عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي أسامة به، فكأنه سمعه من مسلم أخرجه في "الفتن" (٢). الحديث الرابع عشر: حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي، يقول: أخبرني أبو إدريس، عائذ الله، قال: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَني يقول: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أَصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، أو بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال ﷺ : "أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب، تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما أصبت بقوسك، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم، فأدركت ذكاته فكل". أخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن أحمد بن أبي رجاء، عن سلمة بن سليمان، عن ابن المبارك به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الذبائح" (٣).

стр. 75

الحديث الخامس عشر: وبه: وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: أخبرني أبو المليح، قال: دخلت مع أبيك، على عبد الله بن عمرو، فحدثنا أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي، فدَخَل علي، فألقيت له وسادة من أدم، حشوها لِيفٌ، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال ﷺ لي: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "خمسا"، قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "سبعا"، قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "تسعا" قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "أحد عشر"، قلت: يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطرُ الدهر، صيام يوم، وإفطار يوم". أخرجه البخاريّ في "الاستئذان" عن عبد الله بن محمد، عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن خالد الحذّاء به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الصوم" (١). الحديث السادس عشر: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، وشيبان بن فَرُّوخ، كلاهما عن عبد الوارث، قال يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التَّيّاح الضُّبَعي، حدثنا أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني انظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر رِدْفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا، فقال ﷺ : "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخل، وقبور المشركين، وخِرَبٌ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقُطع، وبقبور المشركين فنُبشت، وبالْخِرَب فسُوّيت، قال: فصفوا النخل قبلةً، وجَعَلوا عَضَادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجره". أخرجه البخاريّ بتمامه في "الهجرة"، وأخرج بعضه في "الوصايا" عن إسحاق بن

стр. 76

منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الصلاة" (١). الحديث السابع عشر: وبه: حدثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة، أن أبا هريرة حدثه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قَذَرني (٢) الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأُعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، شك إسحاق، إلا أن الأبرص، أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر، قال: فأُعطي ناقة عُشَرَاء، فقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قَذِرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه، وأُعطي شعرا حسنا، قال: فأيُّ المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأُبصر به الناس، قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا، فأُنتج هذان، ووَلَّدَ هذا، قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغِ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص، يَقذرك الناس، فقيرا، فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورَدّ عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

стр. 77

قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة، أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى، فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أَجْهَدك اليوم شيئا، أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُلِيتم، فقد رُضِي عنك، وسُخِط على صاحبيك". أخرجه البخاريّ في "ذكر بني إسرائيل"، عن أحمد بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم، عن همّام به، وكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في أواخر الكتاب (١). الحديث الثامن عشر: وبه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ". أخرجه البخاريّ في "الفضائل، والمناقب" عن محمد بن المثنّى، عن فضل بن مُساور، عن أبي عوانة، عن الأعمش به، فباعتبار العزو إلى الأعمش كأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الفضائل" (٢). الحديث التاسع عشر: وبه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية ﵀ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله". أخرجه البخاريّ بمعناه في "الأدب" عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش به، فمن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "التوبة" (٣). الحديث العشرون: وبه: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا فضيل -يعني ابن عياض- عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدة السَّلْماني، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، أو يا أبا القاسم، إن الله تعالى يمسك السماوات يوم

стр. 78

القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجبا مما قال الحبر، تصديقا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. أخرجه البخاريّ في "التفسير" عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، وسليمان، كلاهما عن إبراهيم، به، فباعتبار العدد إلى منصور كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "التوبة" (١). الحديث الحادي والعشرون: وبه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ﵀ وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبو معاوية، ووكيع ﵀ وحدثنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي، واللفظ له، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينِ صبرٍ، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان"، قال: فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ ، فقال: "هل لك بينة؟ " فقلت: لا، قال: "فيمينه"، قلت: إذن يحلفَ، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمينِ صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧]. أخرجه البخاريّ في "الإشخاص" (٢) عن أنس بن خالد (٣)، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش به، فمن حيث العدد إلى الأعمش كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "الأيمان" (٤).

стр. 79

الحديث الثاني والعشرون: وبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم جميعا، عن جعفر بن عُمارة (١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد، قال ﷺ : "أَوْفِ بنذرك" (٢). أخرجه البخاريّ في "الاعتكاف" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله به، فباعتبار العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "الأيمان والنذور" (٣). الحديث الثالث والعشرون: وبه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، جميعا عن حفص، قال أبو بكر: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليّ القرآنَ"، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل. حدثنا هناد بن السري، ومِنْجَاب بن الحارث التميمي، جميعا عن علي بن مُسْهِر، عن الأعمش بهذا الإسناد، وزاد هناد في روايته: قال لي رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "اقرأ علي".

стр. 80

أخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الصلاة" (١). الحديث الرابع والعشرون: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا بشر بن المفضل، عن غالب القطان، عن بكر ابن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه. أخرجه البخاريّ من طرُق، منها: عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن خالد بن عبد الرحمن، عن غالب به، فكأن البخاريّ من حيث عدد الرجال إلى غالب، سمعه من مسلم، أخرجه في "الصلاة" (٢). الحديث الخامس والعشرون: وبه: إلى الْجُلُوديّ، أنا ابن سفيان، عن مسلم، وثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب -وهو ابن عبد الرحمن القاري- ﵀ حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم -يعني ابن إسماعيل- كلاهما عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع". أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن عُبيد الله بن سعيد، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة به، فكأنه سمعه من مسلم (٣). الحديث السادس والعشرون: وبه: حدثني زهير بن حرب، حدثني يحيى -يعني ابن سعيد- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي أُسامة ﵀ وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، قالوا: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "نهى رسول الله ﷺ عن القزع". أخرجه البخاريّ عن محمد، عن مخلد، عن ابن جريج، عن عبيد الله به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم. أخرجه في "اللباس" (٤).

стр. 81

الحديث السابع والعشرون: وبه: حدثني أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: لحسن بن عليّ -رضي الله تعالى عنهما- (١) "اللهم إني أحبه، فأحبه، وأحبب من يحبه". نا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار، لا يكلمني، ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف، حتى أتى خباء فاطمة، فقال: "أثم لُكَعُ، أثم لكع" -يعني حسنا- فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله، وتُلْبِسه سِخَابا، فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أحبه، فأحبه، وأحبب من يحبه". أخرجه البخاريّ في "اللباس" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن ورقاء بن عمر، عن عبيد الله بن أبي يزيد به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم (٢). الحديث الثامن والعشرون: وبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة ﵀ وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي ﵀ وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد ﵀ وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، واللفظ له، حدثنا معتمر، عن إسمَاعيل، قال: سمعت قيسا يروي عن أبي مسعود ﵁ قال: أشار النبي ﷺ بيده نحو اليمن، فقال ﷺ : "ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر". رواه البخاريّ في "بدء الخلق" عن عبد الله بن محمد، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل به، فمن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "الإيمان". الحديث التاسع والعشرون: وبه: وحدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، وأيوب، وحميد، وعبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁: أن

стр. 82

النبي ﷺ مَرَّ به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قِدْر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال ﷺ : "أيوذيك هوامك هذه؟ " قال: نعم، قال: "فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقًا بين ستة مساكين" -والفرق ثلاثة آصع- "أو صم ثلاثة أيام، أو انسُك نسيكة". قال ابن أبي نجيح: "أو اذبح شاة". أخرجه البخاريّ بمعناه في "الحجّ" عن إسحاق، عن رَوْحٍ، عن شِبْلٍ. وفي "المغازي" عن الحسن بن خَلَف، عن إسحاق بن يوسف، عن ورقاءً، كلاهما عن ابن أبي نجيح به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في "الحجّ" (١). الحديث الثلاثون: ويه: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالا: حدثنا ابن وهب، أنا عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه". أخرجه البخاريّ في "الصوم" عن محمد بن خالد -هو الذهليّ- عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث به، فكأنه سمعه من مسلم (٢). الحديث الحادي والثلاثون: وبه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم، واللفظ لعثمان، قال إسحق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، حدثني البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة"، قال: فرددتهن، لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: "آمنت بنبيك الذي أرسلت". أخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ رواه عن مسلم، أخرجه في "الدعاء" (٣).

стр. 83

الحديث الثاني والثلاثون: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". رواه البخاريّ في "الطهارة" عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ به، فكأنه سمعه من مسلم (١). الحديث الثالث والثلاثون: وبه: وحدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "، قال: "ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي". أخرجه البخاريّ في "التفسير" من "صحيحه" عن سعيد بن تَلِيد، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهريّ به، فباعتبار العدد إلى يونس كأن البخاريّ سمعه من إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، وهو من أنزل حديث وقع للبخاريّ من هذا الوجه. والله أعلم. وسيأتي نظيره بعد حديث. أخرجه في "الإيمان" (٢). الحديث الرابع والثلاثون: وبه: وحدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث، أن بكيرا حدثه، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن أباه حدثه، عن عائشة، زوج النبي ﷺ أنها نصبت سترا، فيه تصاوير، فدخل رسول الله ﷺ ، فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين، فقال رجل في المجلس حينئذ، يقال له: ربيعة بن عطاء، مولى بني زهرة، أفما سمعت أبا محمد يذكر أن عائشة قالت: فكان رسول الله ﷺ يرتفق عليهما، قال ابن القاسم: لا، قال: لكني قد سمعته، يريد القاسم بن محمد. وحدّثنا قتيبة، وابن رُمح، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن القاسم، عن عائشة ﵂ بهذا الحديث.

стр. 84

أخرجه البخاريّ من طرُق، منها: في "بدء الخلق" عن محمد هو ابن سلام، عن مخلد -هو ابن يزيد-، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع به، فباعتبار العدد إلى نافع، فكأن البخاريّ سمعه ممن سمعه من مسلم. أخرجه في "اللباس" (١). الحديث الخامس والثلاثون: وبه: حدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة، زوج النبي ﷺ أخبرته أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال ﷺ : "ما أنا بقارئ"، قال ﷺ : "فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ "، فرجع بها رسول الله ﷺ ، ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: "أي خديجة، ما لي"؟ وأخبرها الخبر، قال: "لقد خَشِيت على نفسي"، قالت له خديجة: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ﷺ يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم؟ " قال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.

стр. 85

أخرجه البخاريّ من هذا الوجه في "التفسير" عن سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة، عن أبي صالح سَلْمُويه، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ به، ومن حيث العدد كأنه سمعه ممن سمعه من مسلم. أخرجه في "الإيمان" (١). الحديث السادس والثلاثون: وبه: حدثني أبو الطاهر، قال: أخبرني ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن ثور ابن زيد الدؤلي، عن سالم أبي الغيث، مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة ﵁ وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهذا حديثه، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا، ولا ورقا، غَنِمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جُذَام، يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله ﷺ يَحُلُّ رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "كلا والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم"، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "شراك من نار، أو شراكان من نار". أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن عبد الله بن محمد، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك به، فكأنه من طريق مالك من مسلم، وكأنه من طريق عبد العزيز بن محمد سمعه ممن سمعه منه (٢). الحديث السابع والثلاثون: وبه: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى ﵇، فقال ابن عباس، هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب الأنصاري، فدعاه ابن عباس، فقال: يا أبا الطفيل هلم إلينا، فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا، في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه، فقال أُبَيّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 86

"بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى، بل عبدنا الخضر، قال: فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا افتقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه، فسار موسى ما شاء الله أن يسير، ثم قال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فقال فتى موسى حين سأله الغداء: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، فقال موسى لفتاه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، فوجدا خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه"، إلا أن يونس قال: "فكان يتبع أثر الحوت في البحر". رواه البخاريّ من طرُق، منها: في "أحاديث الأنبياء" عن عمرو، وفي "العلم" عن محمد بن غُرير الزهريّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ به، وبالمعنى المتقارب، فباعتبار العدد إلى الزهريّ كأن البخاريّ رواه عن مسلم. أخرجه في "أحاديث الأنبياء ﵈" (١). الحديث الثامن والثلاثون: وبه: وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين، أن الحسين بن علي، حدثه عن علي بن أبي طالب، أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة، فقال: "ألا تصلون؟ " فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر، يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. رواه البخاريّ في "التفسير" عن عليّ بن عبد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان. وفي "التوحيد" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، كلاهما عن الزهريّ به، ومن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم. أخرجه في "الصلاة" (٢). الحديث التاسع والثلاثون: وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد الْقَطَط، ولا

стр. 87

بالسَّبِطِ، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء". وحدثني القاسم بن زكرياء، حدثنا خالد بن مخلد، حدثني سليمان بن بلال، كلاهما عن ربيعة -يعني ابن أبي عبد الرحمن- عن أنس بن مالك، بمثل حديث مالك ابن أنس، وزاد في حديثهما: كان أَزْهَرَ (١). رواه البخاريِّ من وجوه، منها: في "صفة النبيّ ﷺ " عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة به، فكأنه سمعه من حيث العدد من مسلم. أخرجه في "الفضائل" (٢). الحديث الأربعون: وبه: حدثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قَدِمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك، قال: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ أني أحب أن تأتيني، فتصلي في منزلي، فأتخذه مصلى، قال: فأتى النبي صلى ﷺ ، ومن شاء الله من أصحابه، فدخل، وهو يصلي في منزلي، وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عُظْم ذلك وكبره إلى مالك بن دُخْشُم، قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقضى رسول الله ﷺ الصلاة، وقال ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قالوا: إنه يقول ذلك، وما هو في قلبه، قال: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخلَ النار" أو "تطعمه". قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه. رواه البخاريّ في "الصلاة" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الزهريّ، عن أنس به (٣)، فباعتبار العدد إلى أنس بن مالك ﵁ كأنه سمعه من مسلم. انتهى. الرسالة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 88

المسألة الثامنة عشرة: في ذكر رسالة الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي المصري المالكيّ الشهير برَشِيد الدين العطّار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ) رحمهُ اللهُ تعالى (١) المسمّاة "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة " ونصّها: بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، الحمد لله حق حمده، وصلواته وسلامه على محمد نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده. وبعدُ: فهذه أحاديث مخرجة من صحيح الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري الحافظ ﵁ وقعت شاذة عن رَسْمه فيه، ذَكَرها الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري ﵀ في كتابه المسمى بـ "المعلم"، ونَصَّ على أنها وقعت في كتاب مسلم مقطوعة الأسانيد، وعَدَّها أربعة عشر حديثا، ونبه على أكثرها في مواضعها من كتابه، إلا أنه لم يبين صفة انقطاعها، ولا ذكر من وصلها كلها من أئمة الرواة، فربما توهم الناظر في كتابه، ممن ليس له عناية بالحديث، ولا معرفة بجمع طرقه، أنها من الأحاديث التي لا تتصل بوجه، ولا يصح الاحتجاج بها؛ لانقطاعها. وقد رأيت غير واحد يَلْهَج بذكرها، ويظنها على هذه الصفة، وليس الأمر كذلك، بل هي متصلة كلها -والحمد لله- من الوجوه الثابتة التي نوردها فيما بعدُ -إن شاء الله-. وهذا القول الذي قاله الإمام أبو عبد الله المازري، إنما أخذه فيما قيل من كلام الحافظ أبي علي الغساني الأندلسي، فإنه جمعها قبله، وعَدَّها كذلك أيضًا، إلا أنه نبه على اتصال بعضها، ولم يستوعب ذلك في جميعها، ولعل المازري ﵀ إنما ترك التنبيه على اتصاله؛ لاكتفائه بما ذكره أبو علي الحافظ، على أنهما قد خولفا في إطلاق تسمية المقطوع على أحاديث منها، ولم يُسَلَّم لهما ذلك فيها، على ما يأتي بيانه في موضعه -إن شاء الله-. وقد استخرت الله سبحانه، وجمعتها في هذا الجزء لنفسي، ولمن شاء الله أن ينتفع بها، وأضفت إليها ما وقع لي في صحيح مسلم من جنسها، مما لم يعده الحافظ أبو علي في جملتها، وبينت وجوه اتصالها كلها، وسميت من وصلها من الثقات

стр. 89

المعتمد على قولهم في هذا الشأن، ومن أخرجها في كتبه من أئمة الحديث، مستعينا في ذلك كله بالله ، ومستمدا هدايته، وإرشاده، وتوفيقه إلى الصواب، وإسعاده، وهو حسبي ونعم الوكيل. الحديث الأول: قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵀ في "كتاب الطهارة": وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه. قلت: هكذا أخرجه مسلم في "صحيحه" مقطوعًا، وهو حديث صحيح، ثابت متصل في كتاب البخاري وغيره، من حديث الإمام أبي الحارث، الليث بن سعد بن عبد الرحمن المصري الفقيه، عن جعفر بن ربيعة بن شُرَحبيل المصري، أخرجه الأئمة الثقات: البخاري، وأبو داود، والنسائي، في مصنفاتهم، متصلا من حديثه، فرواه البخاري عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري عنه، وابن بكير هذا من شرط مسلم، فإنه احتج بحديثه، وروى عن أبي زرعة الرازي، وعن غير واحد عنه. ورواه أبو داود (١)، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، وعبد الملك هذا من ثقات المصريين، روى عنه مسلم في "صحيحه" عدةَ أحاديث من روايته، عن أبيه، عن جده. ورواه النسائي (٢) عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، والربيع بن سليمان هذا هو المرادي، صاحب الإمام الشافعي ﵀، مشهور من ثقات المصريين، وأكابرهم.

стр. 90

وقد أخبرنا به من طريق البخاري الشيخ المحدث الثقة، أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت الأنصاري الخزرجي ﵀، قراءةً عليه، في شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمصر، أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدي النحوي، قراءةً عليه، وأنا أسمع، أخبرتنا الحرة الصالحة المجاورة، أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، بقراءتي عليها بمكة شرفها الله، سنة ست وخمسين وأربعمائة، أنا أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد الكشميهني الأديب، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، أنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، قراءةً عليه، وأنا أسمع غير مرة، ثنا يحيى ابن بكير، ثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال سمعت عميرا مولى ابن عباس، قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﷺ . هكذا أورده البخاري في "صحيحه"، فثبت اتصاله، وصح الاحتجاج به. ووقع في هذا الحديث وَهَمٌ في "صحيح مسلم"، وهو قوله: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، وصوابه: عبد الله بن يسار، كما أوردناه من "صحيح البخاري" آنفًا، وكذلك هو في كتابي أبي داود، والنسائي أيضًا، عبد الله بن يسار على الصواب، وهو أخو عطاء، وسليمان، وعبد الملك بن يسار، مولى ميمونة، زوج النبي ﷺ . وأبو جهيم هذا اسمه: عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قاله أبو مسعود الدمشقي، وخلف بن محمد الواسطي الحافظان، ولم يسمه الكلاباذي، ولا أبو عمر بن عبد البر، وذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي وغيره، أنه يقال له: أبو جهم أيضًا. والله أعلم. الحديث الثاني: قال مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" في إحدى الروايات عنه: حدثنا صاحب لنا، ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مِغْول، عن الحكم، بهذا الإسناد مثله. يعني مثل الحديث الذي قبله، وهو حديث الحكم بن عتيبة، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك ... الحديث.

стр. 91

قلت: وهذا الحديث مما اتفق الأئمة الحفاظ على صحته وثبوته، وأخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، في كتبهم، من طرق ثابتة، عن الحكم بن عتيبة بإسناده المذكور متصلا. وقول مسلم ﵀ في بعض طرقه: حدثنا صاحب لنا، لا يسمى مقطوعا عند أكثر المحدثين؛ لأن المقطوع في اصطلاحهم ما لم يتصل سنده، وكان في رواته من دون التابعين من لم يسمعه ممن فوقه، كرواية مالك بن أنس، عن عبد الله بن عمر، ورواية الثوري عن جابر بن عبد الله، ونحو ذلك، وهو نوع من المرسل، إلا أنهم قصروا المرسل على التابعين، إذا أرسلوه عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه الصحابي. وقول أبي علي: إن ما تقدم ذكره يسمى مقطوعا، هو قول الحاكم أبي عبد الله بن الْبَيِّع النيسابوري، والذي عليه الأكثر من علماء الرواية، وأرباب النقل أن قول الراوي: حدثنا صاحب لنا، وحدثني غير واحد، وحدثني من سمع فلانا، وحُدثت عن فلان، ونحو ذلك معدود في المسند؛ لأنه لم ينقطع له سند، وإنما وقعت الجهالة في أحد رواته، كما لو سُمِّي ذلك الراوي، وجُهل حاله على أنه لم يقع كذلك في كتاب مسلم، إلا من طريق أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر الأشقر، عن القلانسي، عن مسلم. ووقع في روايتنا من طريق أبي أحمد الجلودي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم مسمى، غير مبهم. ونحن نورده من "صحيح مسلم" كما رويناه؛ ليتضح اتصاله: أخبرنا به جماعة من شيوخنا، قراءةً عليهم، قالوا: أنا الشريف أبو المفاخر المأموني (٧) قراءة عليه، ونحن نسمع، أنا الإمام أبو عبد الله الفراوي رحمهُ اللهُ تعالى وأخبرنا عاليا الشيخ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي ﵀، إذنا وكتابة من نيسابور، أنا الإمام فقيه الحرم، أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، قراءة عليه، وأنا أسمع، أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، ثنا الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ثنا محمد بن مثنى،

стр. 92

ومحمد بن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال ﷺ : قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". قال: ثنا زهير بن حرب، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن شعبة، ومسعر، عن الحكم بهذا الإسناد مثله. وليس في حديث مسعر: "ألا أُهدي لك هدية". قال حدثنا محمد بن بكار: قال: ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مغول، كلهم عن الحكم بهذا الإسناد مثله. واللفظ للمأموني. قلت فهذه طرق هذا الحديث في "صحيح مسلم" متصلة كلها من الوجه الذي أوردناه عنه، فثبت اتصاله من جميع طرقه، في كتاب مسلم، والحمد لله. وقد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ: وقد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع، يعني إذا روي ذلك الحديث من وجه آخر، وسمي ذلك الرجل فيه كما وقع في إسناد هذا الحديث. قال: فهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة. والله أعلم. قال العطار: قلت: وقد وقع لي هذا الحديث أعلى من طريق "الصحيح" بدرجتين كأني سمعته من عبد الغافر الفارسي ﵀، وهو ما أخبرنا به أبو الْيُمْن، زيد بن الحسن ابن زيد البغدادي، بقراءتي في منزله بدمشق، أخبركم أبو منصور، عبد الرحمان بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، قراءة عليه، وأنت تسمع ببغداد، فأقر به، ثنا القاضي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله من لفظه وكتابه، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد، إملاء، ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي يعني ابن الجعد، أنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، فذكر نحوه. الحديث الثالث: قال مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" أيضًا: حدثت عن يحيى بن حسان، ويونس بن

стр. 93

محمد المؤدب، وغيرهما، قالوا: ثنا عبد الواحد، حدثني عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية، استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ولم يسكت". قال العطار: قلت: وهذا أيضًا لا يسمى مقطوعا عند جماعة من أرباب النقل، وإنما هو مسند، وقع الإبهام في أحد رواته، كما بيناه، ومع ذلك فهو حديث صحيح الإسناد، متصل، أخرجه الحافظ أبو بكر، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري في "مسنده"، فرواه عن أبي الحسن، محمد بن مسكين اليمامي، نزيل البصرة، عن يحيى بن حسان التنيسي، بإسناده كذلك متصلا. وأبو بكر البزار هذا من أكابر الحفاظ، ومحله في هذا العلم وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، وشيخه في هذا الحديث محمد بن مسكين من ثقات الرواة، روى عنه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، فثبت اتصاله، والحمد لله. وأخرجه أيضًا لحافظ، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وناهيك به جلالة ونبلا ومعرفة بهذا الشأن، في كتابه المسمى بـ "المسند الصحيح المستخرج على كتاب مسلم"، وهو كتاب جليل، كثير الفوائد. ونحن نورده منه؛ ليتضح اتصاله: وأخبرناه أبو طاهر الفرشي، مكاتبةً عن أبي علي الحداد ﵀ وأنبأنا الحافظ أبو محمد المقدسي، قال: أنا أبو موسى الحافظ المديني، وأبو بكر محمد بن أحمد الْجَوزداني، قراءة عليهما، أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرىء، أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر الطلحي، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا ابن عسكر رحمهُ اللهُ تعالى قال أبو نعيم: وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن عمر، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، ثنا يحيى بن حسان، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام للركعة الثانية، استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ولم يسكت". لفظهم سواء. وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن سهل بن عسكر، روى عنه مسلم في "صحيحه". والله أعلم. الحديث الرابع: قال مسلم ﵀ في "كتاب الصلاة" أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنا يحيى بن آدم، ثنا الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾،

стр. 94

وذكر باقي الحديث. ثم قال عقيبه: ورواه الأشجعي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأناها مع النبي ﷺ زمانا، بمثل حديث فضيل بن مرزوق. قال العطار: قلت: هكذا أورده مسلم في "صحيحه"، وهو حديث صحيح متصل من حديث فضيل بن مرزوق بالإسناد المذكور، انفرد به مسلم، دون البخاري. وقوله بعد إيراده: ورواه الأشجعي عن سفيان، إنما هو على وجه المتابعة، وذِكرُ متابعة الرواة بعضهم بعضا على رواية الحديث، لا يقدح في اتصاله، بل يقويه، ويؤيده، وفي "صحيح البخاري" من هذا النمط كثير. والله ولي التوفيق. والأشجعي هذا: اسمه عبيد الله بن عُبَيْدِ الرحمن، كوفي ثقة، وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الإحتجاج بحديثه، في "صحيحيهما"، وقد وقع لي حديثه هذا الذي أشار إليه مسلم ﵀ بالإسناد المتصل، وهو: ما أخبرنا المشايخ الثقات الحافظ: أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، وأبو محمد عبد الله بن عبد الجبار العثماني، وأبو صابر حامد بن أبي القاسم الأهوازي، وغير واحد، قراءةً عليهم، قالوا: أنا أحمد بن محمد الحافظ، أنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي بأصبهان، أنا أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم بن محمد المزكي، أنا أحمد بن أبي محمد ابن عبدوس الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، وهو ابن نصر البغدادي، ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: "قرأناها مع رسول الله ﷺ أياما: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، وصلوات العصر"، ثم قرأناها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، فلا أدري أهي هي أم لا؟ . قلت: وهذا إسناد حسن متصل، وليس لشقيق بن عقبة ذكر في "صحيح مسلم" إلا في هذا الحديث فيما علمت. وأخرجه الحافظ أبو علي بن السكن المصري، في جمعه حديث الثوري، فرواه عن رجل، عن عثمان بن سعيد الدارمي بهذا الإسناد، وقال عقيبه: لم يسند شقيق بن عقبة غير هذا الحديث، والله أعلم. الحديث الخامس: قال مسلم ﵀ في "كتاب الجنائز": وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ثنا عبد الله ابن وهب، أنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب، أنه سمع محمد بن قيس

стр. 95

يقول: سمعت عائشة تحدث، فقالت: ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وعني؟ قلنا: بلى رحمهُ اللهُ تعالى ثم قال مسلم: وحدثني من سمع حجاجا الأعور، واللفظ له، ثنا حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله، رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب، أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ ، فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى، فذكر ... الحديث بطوله، في خروج النبي ﷺ إلى البقيع، وصلاته على أهل القبور، وسنورده بكماله فيما بعدُ إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث صحيح متصل أيضًا، في كتاب مسلم؛ لأنه أورد إسناده متصلا إلى النبي ﷺ كما ترى، إلا أنه جعل لفظه لمن لم يسمه من شيوخه، عن حجاج، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا، ومع ذلك فحديث حجاج هذا، قد رواه عنه غير واحد من الثقات، منهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، ويوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي، وأخرجه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في "سننه" (١) عن المصيصي هذا، وذكر أنه ثقة حافظ. قلت: إلا أن يوسف بن سعيد هذا خالف أصحاب حجاج في قوله: عن عبد الله ابن أبي مليكة، على ما يأتي بيانه. وقد أخبرنا بهذا الحديث الشيخ أبو بكر بن أبي الفتح البغدادي المعدل، قراءة عليه، أنا طاهر بن محمد بن طاهر الهمداني، أنا أبو محمد عبد الرحمان بن حمد بن الحسن الفقيه، أنا القاضي أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا الحافظ أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي، أنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول: سمعت عائشة ﵂ تُحدث، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي هو عندي -تعني النبي ﷺ انقلب، فوضع نعليه عند رجليه، وبسط طرف ردائه على فراشه، فلم يلبث إلا رَيْثَما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رُويدًا، وأخذ رداءه رويدا، ثم فتح الباب رويدا، وخرج رويدا، وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتَقَنَّعْتُ إزاري، وانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام، ثم انحرف، فانحرفت، فأسرع، فأسرعت، فهرول، فهرولت، فأَحضر، فأحضرت، وسبقته، فدخلت، فليس إلا أن

стр. 96

اضطجعت، فدخل، فقال ﷺ . "ما لك يا عائشة حَشْيَا رابية"؟ ، قلت: لا، قال ﷺ : "لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير"، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر، قال ﷺ : "وأنت السواد التي رأيت أمامي؟ " قالت: نعم، قالت: فَلَهَزَني في صدري لَهْزَة أوجعتني، ثم قال ﷺ : "أظننت أن يحيف الله ورسوله؟ " قلت: مهما يكتم الناس فقد علمه الله، قال ﷺ : "فإن جبريل ﵇ أتاني حيث رأيتِ، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، فناداني، فأخفى منك، فأجبته فأخفيت منك، فظننت أن قد رقدت، وخشيت أن تستوحشي، فأمرني أن آتي أهل البقيع، فأستغفر لهم". الحديث السادس: قال مسلم ﵀ في "كتاب المساقاة": وحدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان -وهو ابن بلال- عن يحيى ابن سعيد، عن أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، أن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: سمعت عائشة تقول: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج رسول الله ﷺ عليهما، فقال: "أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب؟ . قال المازوري في "المعلم" في "كتاب المساقاة" خرّج مسلم في "باب الحوائج" حديثين مقطوعين، فذكر الأول منهما، وهو حديث الباب، ثم عقب عليه بقوله: وهذا الحديث يتصل لنا من طريق البخاري (١)، ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وقد حدث مسلم عن إسماعيل بن أبي أويس، دون واسطة في "كتاب الحج" وفي آخر "كتاب الجهاد"، وروى أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزدي، عن إسماعيل بن أبي أويس في "كتاب اللعان"، وفي "كتاب الفضائل". أما قول مسلم: حدثني غير واحد من أصحابنا، فقد قال أبو نعيم في "المستخرج": يقال: إن مسلما حمل هذا الحديث عن البخاري. قال القاضي عياض: إذا قال الراوي: حدثني غير واحد، أو حدثني الثقة، أو حدثني بعض أصحابنا، ليس هو من المقطوع، ولا من المرسل، ولا من المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرواية عن المجهول (٢).

стр. 97

وقوله: "وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه": أي يطلب منه الحط عنه من أصل الدين، والرفق في الاستيفاء. و"المتألي": هو الحالف، من الأَلِيَّة، وهي اليمين. الحديث السابع: وأخرج مسلم ﵀ في "كتاب المساقاة": أيضًا: حديثا آخر قال: وروى الليث بن سعد، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أنه كان له مال، على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ... الحديث. نص المازري في كتابه "المعلم" على أن هذا الحديث مقطوع، وتقدم نظيره في الحديث الأول، وحديث كعب بن مالك هذا حديث صحيح، متصل السند، أخرجه مسلم من غير طريق الليث بن سعد، فقد رواه عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه. ثم رواه عن إسحاق ابن إبراهيم، عن عثمان بن عمر، عن يونس به. ثم ساق الطريق الثالث بقوله: وروى الليث بن سعد ... الحديث. بل قد أخرجه الأئمة الحفاظ من طرق صحيحة متصلة، أخرجه أبو عبد الله البخاري من عدة طرق، منها طريق الليث بن سعد. وأخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وأخرجه أبو داود، وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" والدارمي في "سننه" (١). ونصه في "صحيح البخاري" من طريق الليث بن سعد، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: حدثني عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال، فلقيه فلزمه، حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي ﷺ ، فقال: "يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول: النصف" فأخذ نصف ماله عليه، وترك نصفا. وبهذا ثبت صحة الحديث في

стр. 98

"صحيح مسلم" وغيره من طرق أخرى، ويثبت اتصاله من طريق الليث في "صحيح البخاري" والحمد لله. الحديث الثامن: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب المساقاة" حديثا، ذكر المازري أنه من الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في "صحيح مسلم"، وهو قوله: وحدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن عمرو ابن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن أبي معمر، أحد بني عدي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر بمثل حديث سليمان بن بلال، عن يحيى. وهذا نص حديث سليمان بن بلال المذكور: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد- قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمرا قال: قال رسول الله ﷺ : "من احتكر فهو خاطىء"، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر. ثم رواه مسلم في "صحيحه" كذلك عن الثقات من طريق أخرى متصلة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١)، فتبين بذلك صحة الحديث من هذه الطرق في "صحيح مسلم"، وغيره. وقال القاضي عياض: ليس هذا من باب المقطوع، وقد تكلمنا على ذلك بما يكفي (٢). الحديث التاسع: أخرج مسلم ﵀ في "صفة النبي ﷺ ": وحُدثت عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده، قَبَضَ نبيه قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هَلَكَة أمة، عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها، حين كذبوه، وعصوا أمره". وهذا الحديث أخرجه الحافظ أبو عوانة في كتابه الموسوم بـ "المسند الصحيح

стр. 99

المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج"، كما أخرجه البزار في مسنده، كلاهما من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري. وعندما ذكر أبو علي الغساني حديث الباب في "تقييد المهمل" قال: فقد وصل لنا هذا الحديثَ أبو القاسم حاتم بن محمد، قال: حدثنا أبو سعيد السِّجْزِي بمكة قال: حدثنا أبو أحمد الجلودي، قال: حدثنا أبو عبد الله، محمد بن المسيب الأرغياني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة بهذا الحديث. قلت: ولا يسلم لهم تسميته بالمقطوع فهو مسند أُبهِم أحد رواته على أنه تبين اتصال سنده في غير "صحيح مسلم" من طرق متعددة صحيحة. وقوله: "فجعله لها فرطا وسلفًا" قال عياض: و"الفَرَط" -بفتح الفاء والراء الذي يتقدم الواردة، فيُهَيِّئ لهم ما يحتاجون إليه، والسلف يُطلق على الخير المتقدم، أو على من تقدمك من الآباء والأقارب. الحديث العاشر: قال مسلم ﵀ في آخر "كتاب فضائل الصحابة": حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، وأبو بكر بن سليمان، أن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم، قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ ، فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"، قال ابن عمر: فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ثم قال مسلم: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ثم قال: ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه. فإذا انقطعت طريق الليث، عن عبد الرحمن عند مسلم في هذا الحديث، فقد بقيت طريق أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، سالمة متصلة؛ لأن كل واحد منهما يرويه عن الزهري، وعبد الرحمن بن خالد ليس من شرط الإمام مسلم (١) فلا لزوم عليه في الإخراج له، على أن طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد التي أوردها مسلم

стр. 100

بقوله: ورواه الليث وردت في "صحيح البخاري" من طريق متصلة، وهي قوله: حدثنا سعيد بن عُفير قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر .... الحديث. ثم إن الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث صحيح. الحديث الحادي عشر: قال مسلم ﵀ في آخر "كتاب القدر" (١): وحدثنا عدة من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا أبو غسان، وهو محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ... " الحديث. وهذا أيضًا حديث متصل في "الصحيحين" من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، رواه عنه رجلان ثقتان: أبو عمر، حفص بن ميسرة الصنعاني، وأبو غسان محمد بن مطرف المدني، واتفق الإمامان على إخراجه من حديثيهما عنه، فأما حديث حفص، فرواه البخاري، عن محمد بن عبد العزيز الرملي، ورواه مسلم عن سويد بن سعيد، الْحَدَثَاني كليهما عنه. وأما حديث أبي غسان، فرواه البخاري عن سعيد بن أبي مريم المصري. وقال مسلم: حدثني عدة من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، عنه. وقد تقدم الجواب عن مثل هذا القول بما فيه كفاية. ومع ذلك فقد بينا أن البخاري ﵀ قد رواه في "صحيحه" عن سعيد بن أبي مريم. هذا، وهو ما أخبرنا هبة الله بن علي المصري ﵀، أنا محمد بن بركات الصوفي، أخبرتنا كريمة، أنا الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ فقال النبي ﷺ : "فمن؟ ". وهكذا أورده البخاري في "صحيحه" في "أحاديث بني إسرائيل"، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد للَّه.

стр. 101

وقد وصله أيضًا إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي "صحيح مسلم"، فرواه عن الإمام أبي عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، عن سعيد بن أبي مريم كذلك، ولعل البخاري أحد الْعِدَّة الذين سمع منهم مسلم هذا الحديث، ولم يسمهم. والله أعلم. الحديث الثاني عشر: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الحدود": حديث الليث بن سعد مقطوعا، عن عبد الرحمن بن خالد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كليهما عن أبي هريرة، أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ ، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه ... الحديث. وهذا أيضًا حديث متصل في "الصحيحين" من طرق عن الزهري، رواه مسلم عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن عُقيل، عن الزهري بإسناده المذكور متصلا، ثم قال: ورواه الليث أيضًا، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله. قلت: وقد تقدم الجواب عن مثل هذا في الكلام على الحديث العاشر، من هذه الأحاديث، وبَيّنّا أن عبد الرحمن بن خالد هذا ليس من شرط مسلم، فلا يلزمه إخراج حديثه، وإن كان ثقة قد أخرج له البخاري في "صحيحه"، واحتج بحديثه، إلا أن لكل واحد منهما اجتهادا يرجع إليه، وانتقادا في الرجال يُعَوِّل عليه. ومع ذلك فالحديث متصل أيضًا في "صحيح البخاري" من طريق الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، وهو: ما أخبرنا أبو علي ناصر بن عبد الله بن عبد الرحمن العطار بمكة شرفها الله، أنا أبو الحسن علي بن حميد الأطرابلسي، أنا أبو مكتوم الهروي، أنا أبي أبو ذر الحافظ، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد السرخسي، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، وأبو الهيثم الكشميهني، قالوا: أنا الفربري، أنا البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا هبة الله بن علي البوصيري، واللفظ له، أنا محمد بن بركات الصوفي، أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا سعيد بن عُفير، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أتى رسول الله ﷺ رجلٌ من الناس، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي ﷺ الذي أعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع

стр. 102

شهادات، دعاه النبي ﷺ ، فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا يا رسول الله، فقال: "أحصنت؟ " قال نعم يا رسول الله، قال: "اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابرا، قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه. هكذا أورده البخاري في "باب سؤال الإمام الْمُقِرَّ هل أحصنت؟ "، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر. والحمد للَّه. والرجل المرجوم المبهم اسمه في هذا الحديث، هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقد جاء مسمى هكذا في "الصحيح" من حديث أبي سعيد الخدري، وبُريدة بن الحصيب، وغيرهما، وذكر بعض العلماء أنه لا خلاف بين أصحاب الحديث في ذلك. وقيل: إن ماعزا لقب له، واسمه عَرِيب بن مالك، حكى ذلك الحافظ أبو القاسم خلف ابن عبد الملك القرطبي، وعزاه إلى الحافظين أبي علي بن السَّكَن، وأبي الوليد بن الفرضي. والله أعلم. وفي "سنن أبي داود" أن ماعزا كان يتيما في حجر هَزّال الأسلمي، وأنه الذي عَنَى النبيُّ ﷺ بقوله لهزال: "يا هزال لو سترته بردائك كان خيرا لك". وقول الزهري: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه، يدخل في باب المقطوع على مذهب من يرى ذلك كما تقدم بيانه. ويحتمل أن يكون المخبر للزهري هو أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأن مسلما أخرج بعد حديث عُقيل عن الزهري الذي ذكرناه أولا، حديث يونس ومعمر وغيرهما عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر عن النبي ﷺ ، وقال: نحو حديث عُقيل، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة. والله أعلم. وقوله: "أذلقته الحجارة" يعني بلغت به الجهد. وقيل: معناه أوجعته، وأوهنته. وقيل: أصابته بحدها فعقرته، ومعنى الجميع متقارب. وقوله: "جَمَزَ" معناه: أسرع يهرول، والْجَمَزَى ضرب من السير، كأنه قفز، ويقال: جَمَزَ، وأجمز، والله الموفق. الحديث الثالث عشر: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب المغازي" (١) حديث مسلم بن قَرَظَةَ، عن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ... " الحديث، فأورده من طريقين متصلين عن رُزَيق بن حَيّان، عن مسلم بن قَرَظَةَ بإسناده الذي ذكرناه، ثم قال عقيبه: ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن مسلم بن

стр. 103

قرظة، عن عوف، عن النبي ﷺ . وهذا الحديث متصل في كتاب مسلم كما بيناه، وذكر المتابعة بعد إيراده متصلا يؤيده، ولا يوهنه كما قدمناه. والله أعلم. هذا آخر الأحاديث التي ذكرها أبو علي الغساني ﵀، وكان قد أورد بعد هذا الحديث حديثا آخر، وهو من الأحاديث المتقدمة وقع مكررا في كتابه المسمى بـ"تقييد المهمل" من الطريق التي اتصلت إلينا بالرواية عنه، وهو حديث ابن عمر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة العشاء، فلما سلم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ " ... وقد تقدم هذا الحديث، والجواب عنه فلا وجه لإعادته. قال العطّار: وقد وقع لي في كتاب مسلم ﵀ أحاديث من هذا الجنس، لم يذكرها أبو علي ﵀ في جملة الأحاديث التي تقدمت، وإن كان قد نَبَّهَ على بعضها في مواضعها من كتابه، فأردت أن أُضيفها إلى هذه الأحاديث، وأوردها على حسب ما وقعت لي، لا على الترتيب، وأُبَيِّن وجه اتصالها كما تقدم، وبالله التوفيق. (١٤) - الحديث الأول: قال مسلم ﵀ في "كتاب الطهارة" (١) حدثني زهير بن حرب، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا حميد ﵀ قال: وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، ثنا إسماعيل بن علية، عن حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، "أنه لقي النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة، وهو جنب فانسل، فذهب، فاغتسل ... " الحديث. قلت: هكذا وقع إسناد هذا الحديث فيما رأيته من النسخ من "صحيح مسلم"، وكذلك هو في روايتنا من طريق أبي أحمد الْجُلُودي، عن ابن سفيان، عنه، وقد سقط من إسناده رجل بين حميد الطويل وأبي رافع، وهو بكر بن عبد الله المزني، فإن حميدا الطويل إنما يروي هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، كذلك أخرجه البخاري في "صحيحه"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، في "سننهم" (٢) بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك، كذلك رويناه من طريق مسند أبي بكر بن أبي شيبة، وكذلك هو في مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أيضًا، وقد ذكر أبو مسعود الدمشقي، وخلف الواسطي، أن مسلما أخرجه أيضًا كذلك، إلا أني لم أره في

стр. 104

جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك قال الحافظ أبو علي الجياني: إنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها حميد عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: وفي هذه الرواية انقطاع، وإنما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع كما قدمناه. قد أخبرنا به متصلا من طريق البخاري، أبو القاسم الخزرجي، أنا أبو عبد الله السعيدي، أخبرتنا كريمة، أنا الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى، ثنا حميد، ثنا بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة، وهو جنب، فانخَنَستُ منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء، فقال ﷺ : "أين كنت يا أبا هرة؟ " فقال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، قال ﷺ "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس". وبالإسناد إلى البخاري، ثنا عياش، ثنا عبد الأعلى، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه، حتى قعد، فانسللت، وأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت، وهو قاعد، فقال: "أين كنت؟ " فقلت له، فقال: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس". وأخبرنا به من طريق النسائي عاليا، أبو القاسم البوصيري، أنا أبو صادق، مرشد ابن يحيى بن القاسم المدني، أنا أبو الحسن محمد بن الحسين النيسابوري، ثنا محمد ابن عبد الله بن زكرياء لفظا، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا حميد بن مسعدة، ثنا بشر، وهو ابن المفضل، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة ... وذكر الحديث نحوه. هكذا أورده البخاري في "كتاب الغسل" من هذين الطريقين، والنسائي أيضًا في "سننه" من الطريق الآخر، كلهم عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع متصلًا كذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردناه من جميع الكتب التي سميناها، وفي إيراده من "صحيح البخاري"، و"سنن النسائي" كفاية، وبالله التوفيق. وقول أبي هريرة ﵁: "فانبجست منه" فيه أربع روايات: الأولى: "فانبجست" بنون، ثم باء معجمة بواحدة، بعدها جيم، ومعناه: اندفعت منه. وقال الترمذي: معناه تنحيت عنه. الرواية الثانية: "فانخنست منه" بنون بعدها خاء معجمة، ثم نون، ومعناها: انقبضت، وتأخرت عنه الثالثة: " "فاختنست" بتقديم الخاء المعجمة، وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها، ثم نون، ومعناها معنى التي قبلها. الرابعة: "فانتجست" بنون، ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها، ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسا، لا

стр. 105

أصلح لمجالسة رسول الله ﷺ ، وأنا على تلك الحالة. وقد ذُكر في هذه الكلمة قول خامس، هوة "فانبخست" بنون، ثم باء معجمة بواحدة، بعدها خاء معجمة، من البخس، وهو النقص، فإن صحت هذه الرواية، فقد ذكر بعض العلماء أن معناها أنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله ﷺ لما اعتقده في نفسه من النجاسة، فرأى أنه لا يقاومه ما دام في تلك الحال. قلت: ومعنى هذه الأقوال كلها يرجع إلى شيء واحد، وهو الانفصال، والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له ﷺ . والله أعلم. (١٥) - الحديث الثاني: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الزكاة" (١) حديث عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني ... الحديث. ثم أردفه بقوله: وحدثني أبو الطاهر، أنا ابن وهب، قال عمرو: وحدثني ابن شهاب بمثل ذلك، عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ . هكذا أخرجه مسلم في "صحيحه". وقال الحافظ أبو علي: في إسناده انقطاع. قلت: وبيان انقطاعه أنه قد سقط من هذا الطريق الثاني رجل بين السائب بن يزيد وعبد الله بن السعدي، وهو حويطب بن عبد العزى ﵃، هكذا ذكر غير واحد من الحفاظ، وقال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: لم يسمعه السائب بن يزيد من عبد الله ابن السعدي، إنما رواه عن حويطب -يعني ابن عبد العزى- عنه. قلت: وهكذا رواه يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفيّ، عن ابن وهب متصلا، وهو حديث مشهور، اجتمع في إسناده أربعة من الصحابة ﵃ في نسق واحد، يروي بعضهم عن بعض، وليس في "الصحيحين" هكذا غيره، وحديث آخر اجتمع في إسناده أربع صحابيات، تروي بعضهن عن بعض، على اختلاف في ذلك بين الرواة، لأن جماعة منهم لم يذكروا في إسناده إلا ثلاث صحابيات فقط، وهو حديث زينب بنت جحش ﵂، قالت: انتبه رسول الله ﷺ يوما محمرا وجهه، وهو ويقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب ... " الحديث. وليس هذا موضع إيراده. وحديث ابن السعدي المتقدم، وإن كان مقطوعا في "صحيح مسلم" من هذا الوجه الذي ذكرناه خاصة، فإنه متصل فيه من وجه آخر، ومع ذلك فقد وصله البخاري في "صحيحه"، والنسائي في "سننه" من ذلك الوجه المنقطع.

стр. 106

فأما حديث البخاري فأخبرنا به أبو علي بن عبد الله المجاور بالحرم الشريف، أنا أبو الحسن علي بن حميد المقرىء، أنا عيسى بن أبي ذر، أنا أبي، أنا المشايخ الثلاثة: أبو محمد السرخسي، وأبو إسحاق المستملي، وأبو الهيثم الكشميهني، قالوا: أنا الفربري، أنا البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا أبو القاسم، هبة الله بن علي المصري، واللفظ له، أنا محمد بن بركات النحوي، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الأديب، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني السائب بن يزيد، ابن أخت نَمِر، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، قال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا، وأعبدا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال له النبي ﷺ : "خذه، فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك". هكذا أخرجه البخاري في "كتاب الأحكام". وأما حديث النسائي، فأخبرناه الشيخ العلامة البارع، أبو عبد الله محمد بن محمد ابن حامد الأصبهاني ﵀، قراءة عليه، أنا الفقيه الزاهد، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن نبهان الغنوي الرقي، بقراءتي عليه بمدينة السلام، بالجانب الغربي، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، قال: سمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، يقول: سمعت أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري، يقول: سمعت الحافظ أبا محمد بن عبد الغني بن سعيد بن علي ﵀ يقول: حدثنا حمزة بن محمد الكناني، حدثنا أحمد بن شعيب ﵀ وأخبرنا عاليا أبو بكر عبد العزيز بن أحمد البغدادي، أنا طاهر بن محمد الهمداني، أنا أبو محمد الدُّوني، أنا أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن النسائي، ثنا كثير بن عبيد، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافة عمر، فقال له عمر: أُخْبِرتُ أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، وذكر الحديث بكماله (١) أنا اختصرته.

стр. 107

أخبرنا الشيخان الحافظ: أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، قراءة عليه، وأنا أسمع، وأبو الطاهر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، بقراءتي عليه، قالا: أنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، أنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج البغدادي، سنة أربع وتسعين وأربع مائة ﵀ وأخبرنا الحافظ، أبو الحسن المقدسي أيضًا، قال: وأنا أبو محمد العثماني بقراءتي عليه، أنا أبو الحسن علي بن المشرف الأنماطي، قالا: أنا أبو زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ، ثنا أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ﵀ وسمعت الشيخ البارع، أبا عبد الله الأصبهاني، قراءةً عليه يقول: سمعت الفقيه أبا إسحاق الْغَنِوي الرقي بمدينة السلام يقول: سمعث الحافظ أبا عبد الله الحميدي يقول: سمعت الحافظ أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري يقول: سمعت الشيخ الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد قال: سمعت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ ﵀ يقول: سمعت أبا محمد الحسن ابن أحمد بن صالح السبيعي يقول: قدم علينا حَلَبَ الوزير، أبو الفتح، الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، فتلقاه أهل البلد، وكنت فيهم، فقيل له: إني من أصحاب الحديث، فقال لي: تعرف إسنادا اجتمع فيه أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ كل واحد منهم يروي عن صاحبه، فقلت: نعم وذكرت له حديث السائب بن يزيد عن حُويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب ﷺ في العُمَالة، فقال لي: صدقت، وعرف لي ذلك، وصارت لي به منزلة عنده. قلت: وقد اختُلف في اسم السعدي، والد عبد الله هذا، فقيل: اسمه قُدَامة. وقيل: وقدان، وقيل: عمرو بن وقدان. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن هذا القول الأخير هو الصواب، عند أهل العلم بنسب قريش، وهو من بني مالك بن حسان ابن عامر بن لؤي، قرشي عامري مالكي، وإنما قيل له: السعدي؛ لأنه استُرْضِعَ في بني سعد بن بكر. ووقع في كتاب مسلم في بعض طرق هذا الحديث، عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي بزيادة ألف، وقال القاضي عياض: لا نعرف له وجها. والله أعلم. (١٦) - الحديث الثالث: قال مسلم ﵀ في "كتاب الرجم" (١): حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، ثنا يحيى ابن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي- عن غيلان -وهو ابن جامع- عن علقمة بن

стр. 108

مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهرني ... وذكر الحديث بطوله، هكذا إسناد هذا الحديث في جميع النسخ التي رأيتها من "صحيح مسلم"، وذكر الحافظ أبو علي: إنه أيضًا كذلك لجميع الرواة عندهم، وقد سقط من إسناده رجل، وهو يعلى بن الحارث المحاربي، والد يحيى بن يعلى المذكور في هذا الإسناد، فإن يحيى هذا إنما يروي هذا الحديث فيما قيل عن أبيه، عن غيلان بن جامع. وكذلك أخرجه النسائي في "سننه". قال الحافظ أبو علي: وقد نبه عبد الغني -يعني ابن سعيد الحافظ- على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان. وقال البخاري في "تاريخه": يحيى بن يعلى سمع أباه، وزائدةَ بنَ قُدَامة، وقال ابن أبي حاتم مثله أيضًا. وإذا ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم من وجه آخر، ومع ذلك فقد اتصل حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، في كتاب النسائي (١)، فإنه أخرجه عن إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجاني، وذكر أنه ثقة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع بإسناده. وأخرج أبو داود أيضًا في "سننه" (٢) عن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بهذا الإسناد المتقدم، أن النبي ﷺ استنكه ماعزا فقط. وكأنه طرف من هذا الحديث. والله أعلم. فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، ولله الحمد. (١٧) - الحديث الرابع: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الفتن" حديث عبد الله بن وهب، عن أبي شريح المعافري، أن عبد الكريم بن الحارث حدثه، أن المستورد بن شَدّاد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة، والروم أكثر الناس" ... الحديث. قلت (٣): وهذا إسناد منقطع فإن عبد الكريم هذا لم يدرك المستورد، ولا أدركه أبوه الحارث بن يزيد. قاله الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀. قلت. وهذا الحديث إنما أورده مسلم ﵀ هكذا في الشواهد، وإلا فهو في الأصل ثابت متصل في كتابه، من وجه آخر، فإنه أخرجه عن عبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة، والروم أكثر الناس ... " وذكر باقي الحديث.

стр. 109

فصح اتصاله من هذا الوجه في كتاب مسلم، والحمد لله. (١٨) - الحديث الخامس: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الطلاق" حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن أبا عمرو بن حفص، خرج مع علي ﵃ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ... " الحديث بطوله. قلت: وفي سماع عبيد الله هذا من أبي عمرو بن حفص ﵁ نظر، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذا الحديث من هذا الوجه غير متصل. قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم، دون البخاري، وأخرجه في "صحيحه" متصلا من عدة طرق من حديث الشعبي، وأبي سلمة، وغيرهما عن فاطمة بنت قيس ﵄. ولو سلمنا أنه منقطع من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من عدة أوجه. وقد أخرجه النسائي في "سننه" من هذا الوجه الذي ذكرناه، فأورده من حديث شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طَلَّق ابنة سعيد بن زيد البتة، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال من بيت عبد الله بن عمرو، فسمع ذلك مروان، فأرسل إليها أن ترجع إلى مسكنها، وساق الحديث بطوله. وأورده الحافظ أبو القاسم الدمشقي في "أطرافه" في ترجمة عبيد الله بن عبد الله هذا، عن فاطمة بنت قيس، ولم يذكر أنه لم يسمع منها، وعادته في هذا الكتاب أنه إذا ذكر راويا عن الصحابي، لم يكن سمع منه يقول: فلان عن فلان، ولم يسمع منه، وذكر غيره أيضًا أن عبيد الله هذا روى عنها. والله أعلم. واختلف في اسم أبي عمرو بن حفص المخزومي هذا، فقيل: اسمه عبد الحميد، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: اسمه كنيته، فإن ثبت أن اسمه أحمد، فلا أعلم في الصحابة ﵃ من اسمه أحمد سواه. ووقع في "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث، من رواية شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن فاطمة، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها، والمشهور عندهم أنه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقد ذكر الحافظ أبو أحمد الكرابيسي الحاكم فيه ثلاثة أقوال: فقال: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، ويقال: أبو حفص بن عمرو ابن المغيرة، ويقال: أبو حفص بن المغيرة، له صحبة من النبي ﷺ ، والله أعلم بالصواب. آخر الجزء الأول. ويتلوه في أول الثاني إن شاء الله تعالى: الحديث السادس أخرج مسلم في "كتاب الحج" حديث منصور بن المعتمر، عن

стр. 110

سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم استعنت أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ قدوة الحفاظ، رَشِيد الدين، أبو الحسين يحيى ابن الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله القرشي قال: (١٩) - الحديث السادس: أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الحج" حديث منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃ قال: كان مع النبي ﷺ رجل، فوقصته ناقته فمات، فقال النبي ﷺ : "اغسلوه، ولا تقربوه طيبا، ولا تغطوا وجهه، فإنه يبعث يلبي". هكذا أخرجه مسلم في "صحيحه". وانتقده الحافظ أبو الحسن الدارقطني عليه، وقال: إنما سمعه منصور من الحكم -يعني ابن عتيبة- وأخرجه البخاري عن قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد، وهو الصواب. وقيل: عن منصور، عن سلمة، ولا يصح. انتهى كلام الدارقطني ﵀. قلت: وقد تابع البخاري على إخراجه كذلك أبو داود السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي، فأما أبو داود فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، وأما النسائي فرواه عن محمد بن قُدامة، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن الحكم بإسناده، كما رواه البخاري، وجرير بن عبد الحميد من أعلم الناس بحديث منصور، وهذا مما يؤيد قول الدارقطني ﵀، إلا أن مسلما قدس الله روحه، ونور ضريحه، قد أخرج هذا الحديث من طرق ثابتة، من رواية عمرو بن دينار، وأبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بألفاظ أتم من حديث منصور الذي قدمناه، ثم أورد حديث منصور آخر طرق هذا الحديث، فإن ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من طرق أُخَرَ سواه، وأن البخاري وغيره قد أخرجوه في كتبهم متصلا من حديث منصور أيضًا، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، ونحن نورده من كتب الأئمة الثلاثة ليتضح اتصاله. فأما طريق البخاري، فأخبرنا بها الشيخ أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود، وأبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي الأنصاريان، قراءة عليهما معًا، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي، قراءةً عليه، وقال الأرتاحي: أنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء الموصلي إجازةً قالا: أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية بمكة شرفها الله، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا أبو عبد الله الفربري، أنا محمد بن
следующие страницы →