أخرج مسلم له حديثًا واحدًا، وهو: "من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه ... " الحديث، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم.
وقد ذكر الحاكم في القسم الثاني المستورِد بن شدّاد الفِهْريّ في مفاريد قيس بن أبي حازم، وزعم أنه لم يُخرج البخاريّ، ولا مسلم حديثه، ولا حديث من كان على هذا الوزن من المفاريد، وهذا مسلم بن الحجّاج قد أخرج للمستورد حديثين: أحدهما من رواية قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع". والثاني أخرجه من حديث موسى بن عليّ، عن أبيه عليّ بن رَباح قال: قال المستورد القرشيّ عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس ... " الحديث، وقد روى عنه غير واحد من المصريين والشاميين.
ومنهم: قطبة بن مالك، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا قال: "صلّيت وصلّى بنا رسول الله ﷺ ، فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١] ... " الحديث، ولم يرو عنه غير زياد بن عِلاقة، وقد زعم الحاكم أن قطبة بن أشيم والد أبي مالك أخرج عنه مسلم حديثين: أحدهما: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله". الثاني: "كان الرجل إذا أسلم علمه النبيّ ﷺ الصلاة ... " الحديث، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه أبو مالك سعد بن طارق، ومنهم نُبيشة الخير بن عبد الله بن عَتّاب، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا في أيّام التشريق، وقد أخرج له الْبَرْقَانيّ في كتابه المخرّج على "الصحيحين" حديثًاً آخر في العَتِيرة، ولم يوجد في أكثر النسخ، سوى الحديث الأول، وليس له راو سوى أبي الْمَلِيح عامر بن أُسَامة.
ومن مفاريد التراجم في الكتابين: حديث: "إنما الأعمال بالنيّة ... "، فإن البخاريّ استفتح كتابه به، رواه عن الحميديّ، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطّاب ﵁، عن النبيّ ﷺ ... الحديث، وقد أُخْرِج في الكتابين في عدّة مواضع، وهو من غرائب الصحيح، مدنيّ المخرج، ولم يُروَ عن النبيّ ﷺ من وجه يصحّ مثله إلا من حديث عمر ﵁ فهو في الحقيقة من مفاريده، ولا يثبُت عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقّاص، ولا من رواية علقمة إلا من رواية التيميّ، تفرّد به يحيى بن سعيد، وقد رواه عن يحيى خلقٌ كثيرٌ.
وهذا باب لو استقصيته لأفضى إلى الإكثار، وتجاوز حدّ الاختصار، ومن طالع تراجم حديث الشاميين والمصريين وجد لِمَا ذكرناه نظائر كثيرة، فإن حديث الحمصيين
стр. 177
ومن يُدانيهم ضيّق المخرج جدّا، ولهذا قلّما يوجد للشاميين والمحصريين حديث يُعْتَنَى بجمع طرقه ويُذاكر به في السير من حديث الشاميين الدمشقيين، وذالك لضيق مخرج حديثهم.
ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم.
وإذ قد فرغنا من إبطال هذه الدعوى، فلنذكر التحقيق في قبول الأخبار من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي ذكرها.
فمهما كانت تلك الشرائط موجودةً في حقّ راو كان على شرطهم وغرضهم، وله منهم قبول خبره، تفرّد بالحديث، أو شاركه غيره فيه.
نعم يُفيد هذا في باب الترجيحات عند تعارض الأخبار حالة المذاكرة بين المتناظرين، وذلك من وظيفة الفقهاء؛ لأن قصدهم إثبات الأحكام، ومجال نظرهم في ذلك متّسِع.
وقد أورد بعض أئمّتنا في باب الترجيحات نيّفًا وأربعين وجهًا في ترجيح أحد الحديثين على الآخر.
ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد، وإثبات التواتر في الأحاديث عَسِرٌ جدّا، سيّما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده، وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم، فلا تعويل على مذهب الكوفيين في ذلك. وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم (١)، وتفاصيل مذاهب الكلّ مذكورة في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة فقد اتّفقوا أنه لا يُشترط في قبول الآحاد العدد قلّ أو كثُر. والله أعلم.
الشروط (٢) المعتبرة المذكورة عند الأئمة التي من احتوى عليها، وتحلّى بحليتها لزِم قبول خبره، واستحقّ إخراج حديثه في الصحيح، ثم نردفه بذكر قصد البخاريّ في وضع كتابه، وكذلك نذكر شرط من عداه من الأئمة الذين ذكرناهم أوّلًا، فهاتان
стр. 178
مقدّمتان من حيث الإجمال والتفصيل، ذكرتهما مُجمَلًا، ثمّ أذكرهما مفصّلًا، فأقول:
اعلم: -وفّقك الله تعالى- أنه لَمّا كان كلُّ مكلّف من البشر لا يكاد يَسْلَم من أن تشوب طاعته معصيةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى أن لا يُقبل إلا طابع محض الطاعة؛ لأن ذلك يوجب أن لا يُقبل أحد، وهكذا لا سبيل إلى قبول كلّ عاصٍ؛ لأنه يوجب أن لا يُردّ أحدٌ، وقد أمر الله تعالى بقبول العدل، وردّ الفاسق في نصّ القرآن، فاحتيج إلى التفصيل.
فكلّ من ثبت كذبه رُدّ خبره وشهادته؛ لأن الخبر ينقسم إلى الصدق والكذب، فالصدق هو الخبر المتعلّق بالمخبِر على ما هو عليه، والكذب عكسه.
وقد اختلف العلماء في حدّ الخبر، فقالت طائفةٌ: الخبر ما دخله الصدق والكذب، وقيل: ما جاز أن يكون صدقًا، وأن يكون كذبًا، وقيل: ما كان صدقًا أو كذبًا. وهذه حدودٌ رسميّة لا تكاد تسلم عن النقوض، والكلام فيها يليق بالأصول.
ثم الخبر منقسم إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر ما يُخبر القوم الذين يبلغ عددهم حدّا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقرّ العادة أن اتّفاق الكذب منهم محالٌ، والتواطؤ منهم في مقدورات الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذّرٌ، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع عند ذلك بصدقه، وأوجب حصول العلم ضرورة.
وأما الآحاد فما قصر عن حدّ التواتر، ولم يحصل به العلم، ولكن تداولته الجماعة.
ثم الأخبار كلّها على ثلاثة أضرب:
فضربٌ منها تُعلم صحّته، وضرب منها يُعلم فساده، وضربٌ منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر.
أما الضرب الأول، فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر أن يكون مما تدلّ العقول على موجبه، كالإخبار عن حدوث العالم، وإثبات الصانع.
وأما الضرب الثاني، وهو ما يُعلم فساده، فهو الذي تدفع العقول صحّته بموضوعها، والأدلّةِ المنصوبة فيها، نحو الإخبار عن اجتماع الضدّين، أو أن الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين، أو مما يدفعه نصّ القرآن، أو السنّة المتواترة، أو أجمعت الأمة على ردّه تكذيبًا له وغير ذلك.
وأما الضرب الثالث الذي لا يُعلم صحّته من فساده، فإنه يجب الوقف عن القطع بكونه صدقًا أو كذبًا، وهذا الضرب لا يدخل إلا فيما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا
стр. 179
يكون، وهي الأخبار التي يُؤثرها علماء الإسلام في إثبات الأحكام الشرعيّة المختلف فيها بين الأمة، وإنما وجب التوقّف فيما هذه حاله من الأخبار؛ لعدم الطريق إلى العلم بكونها صدقًا أو كذبًا، فلم يكن الحكم بأحد الأمرين فيها أولى من الحكم بالآخر إلا أنه يجب العمل بما تضمّنته من الأحكام إذا وُجدت فيها الشرائط التي نذكرها بعدُ.
فإذا ثبت أن الحاجة داعيةٌ في تصحيح الخبر إلى اعتبار أوصاف في المخبِر، فلنذكر الآن ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص لزم قبول خبره.
الشرط الأول: الإسلام، وهو المقصود الأعظم، فرواية أهل الشرك مردودة، ومستند ذلك الكتاب والسنّة والإجماع، وليس هذا موضع إحصائها، وإنما نُشير إشارةً عاريةً عن الأدلّة، فإن تحمّل الرواية وهو مشركٌ، ثم أدّاها في الإسلام، فلا بأس بذلك.
والشرط الثاني: العقل، وبه يتوجّه الخطاب، ومنه يُتلقّى الصواب، والمفقود عقله لا يخلو إما أن يكون مجنونًا، أو صبيّا، وكلاهما لا تُقبل روايته، ولا شهادته، والأصل فيه قوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقل" (١)، والحديث مشهور من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ ولا حاجة بنا إلى ذكر إسناده، ولأن حال الراوي إذا كان مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف الله، ويرجوه لما فيه من الاستعداد، فإذا رُدَّ خبر الفاسق فخبر المجنون أولى بذلك. والصبيّ عند عدم التمييز بمثابة المجنون. وأما حالة التحمّل، فقد ذهب قومٌ إلى المنع إذا لم يكن مميّزًا، وخالفهم في ذلك آخرون. وأما من زال عقله بأمر طارىء، كالاختلاط، وتغيّب الذهن، فلا يُعتدّ بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طُرح حديثه بالكليّة؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدّمين، والحفّاظ المشهورين، فإذا تميّز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحّته، جاز له الرواية عنه، وصحّ العمل بها.
شرط آخر: الصدق، وهو عمدة الأنباء، وعدّة الأنبياء، وشيمة الأبرار، وأُرومة الأخيار، والبرزخ بين الحقّ والباطل، والفيصل بين الفاضل والجاهل، فمن تحلّى بغير حليته فلا يخلو كذبه، إما أن يكون في حديث رسول الله ﷺ ، أو في أحاديث الناس، فإن كان كذبه على رسول الله ﷺ بوضع الحديث، أو ادّعاء السماع، أو ما شاكل
стр. 180
ذلك، فقد ذهب غير واحد من الأئمة إلى ردّ حديثه، وإن تاب.
نقلنا ذلك عن سفيان الثوريّ، وابن المبارك، ورافع بن الأشرس، وأبي نُعيم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
فأما إذا قال: كنت أخطأت فيما رويته، ولم أتعمّد الكذب، فإن ذلك يُقبل منه.
وأما الذي يكذب في أحاديث الناس، فإنه متى جُرّب عليه ذلك، وظهر، فإنه يُردّ حديثه، وكذا من عُرف بقبول التلقين، وتكرّر ذلك منه، واشتَهَر به، فلا يُقبل حديثه، وكذا من عُرف بالتساهل في رواية خبره.
شرطٌ آخر: أن لا يكون مدلّسًا، والتدليس، وإن كان أنواعًا، بعضها أسهل من بعض، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولَعين به، ممن حديثه مخرّجٌ في الصحاح، غير أنّ شرط الصحيح لا يحتمل ذلك.
شرط آخر: العدالة، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكلُّ حديث اتّصل إسناده بين من رواه، وبين النبيّ ﷺ لم يَلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم، سوى الصحابيّ الذي رفعه إلى النبيّ ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبيّ ﷺ ، وإخباره عن طهارتهم.
وصفاتُ العدالة: هي اتّباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهَى عنه، وتَجَنُّب الفواحش المسقطة، وتحرّي الحقّ والتوقّي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وُجدت هذه الصفات كان المتحلّي بها عدلًا مقبول الشهادة.
ومنها: أن يكون الشخص بعد أن ثبتت عدالته، وجانب ما ينافي العدالة نحو السفه وغيره معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث، وصرف العناية إليه.
ومنها: أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصحف.
ومنها: أن يكون ضابطًا لما سمعه وقت سماعه متحقّقًا على شيخه في روايته من أن لا يدلّسه إن كان ممن يعرف بالتدليس، وكان يحيى بن سعيد يقول: ينبغي في هذا الحديث غير خصلة ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبتا الأخذ، ويكون يفهم ما يقال، ويُبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.
وقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ العلم إلا عن ثلاثة: حافظ له أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه، وتكريره حتى يستقرّ له حفظه.
стр. 181
ومنها: أن يكون متيقّظًا سليم الذهن عن شوائب الغفلة.
ومنها: أن يكون قليل الغلط والوهم لأن من كثر غلطه، وكان الوهم عليه غالبًا رُدّ حديثه، وسقط الاحتجاج به.
ومنها: أن يكون حسن السمت موصوفًا بالوقار غير مشهور بالمجون والخلاعة إذ ارتكاب هذا مفضٍ إلى السفه.
ومنها: أن يكون مجانبًا للأهواء تاركًا للبدع، فقد ذهب أكثرهم إلى المنع إذا كان داعية، واحتملوا رواية من لم يكن داعية.
فهذه جوامع الأوصاف، ولها توابع، ولواحق لا يمكن إحاطة العلم بها إلا بعد الممارسة، والمطالعة للكتب المصنّفة في هذا الشأن.
ثم اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذهبًا في كيفيّة استنباط مخارج الحديث نشير إليها على سبيل الإيجاز، وذلك أن مذهب من يُخَرّج الصحيح أن يُعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمهم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات.
وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم.
ولنوضّح ذلك بمثال، وهو أن نعلم مثلًا أن أصحاب الزهريّ على خمس طبقات، ولكلّ طبقة منها مزيّة على التي تليها، وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى: فهو الغاية في الصحّة، وهو غاية مقصد البخاريّ. والطبقة الثانية: شاركت الأولى في العدالة غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهريّ حتى كان فيهم من يُزامله في السفر، ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهريّ إلا مدّة يسيرة، فلم تُمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم.
والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهريّ مثل أهل الطبقة الأولى غير أنهم لم يَسْلَمُوا عن غوائل الجرح فهم بين الردّ والقبول، وهم شرط أبي داود والنسويّ.
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل، وتفرّدوا بقلّة ممارستهم لحديث الزهريّ؛ لأنهم لم يصاحبوا الزهريّ كثيرًا، وهم شرط أبي عيسى، وفي الحقيقة شرط الترمذيّ أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه، وينبّه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صحّ عند الجماعة، وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفنّ، فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود.
стр. 182
والطبقة الخامسة: نفرٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يُخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود، فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا.
فأما أهل الطبقة الأولى، فنحو مالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ويونس، وعُقيل الأيليان، وشعيب بن أبي حمزة، وجماعة سواهم.
وأما أهل الطبقة الثانية، فنحو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغيرهم.
والطبقة الثالثة نحو سفيان بن حسين السلميّ، وجعفر بن بُرقان، وعبد الله بن عمر ابن حفص العمريّ، وزمْعَة بن صالح المكيّ، وغيرهم.
والطبقة الرابعة نحو إسحاق بن يحيى الكلبيّ، ومعاوية بن يحيى الصدفيّ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة المدنيّ، وإبراهيم بن يزيد المكيّ، والمثنّى بن الصبّاح، وجماعة سواهم.
والطبقة الخامسة نحو بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيليّ، وعبد القدّوس بن حبيب الدمشقيّ، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم، وهم خلقٌ كثير اقتصرتُ منهم على هؤلاء، وقد أفردت لهم كتابًا استوفيتُ فيه ذكرهم.
وقد يُخرج البخاريّ أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الطبقة الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه، وليس غرضي في هذا المثال ترتيبهم على وزن ما قد خرّجوا في الصحاح، وإنما قصدي التنبيه والتعريف، وعلى هذا يُعتذر لمسلم في إخراجه حديث حمّاد بن سلمة، فإنه لم يُخرج إلا رواياته عن المشهورين، نحو ثابت الْبُنَانيّ، وأيوب السختيانيّ، وذلك لكثرة ملازمته ثابتًا، وطول صحبته إياه حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما أحاديثه عن آحاد البصريين، فإن مسلمًا لم يُخرج منها شيئًا لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب، وذلك لقلّة ممارسته لحديثهم.
وعلى هذا ينبغي أن يُسبَر حال الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته، فمهما حصل الفهم بحال الراوي على النحو المذكور، وكان الراوي محتويًا على الشرائط المذكورة تعيّن إخراج حديثه منفردًا كان أو مشاركًا.
ولا أعلم أحدًا من فِرَق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد، سوى
стр. 183
متأخري المعتزلة، فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم بن حبّان.
[فإن قيل]: فإن كان الأمر على ما ذكرت، فإن الحديث إذا صحّ سنده، وسَلِم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والأفراد، وقد يوجد على ما ذكرت حديث كثير، فينبغي أن يناقش البخاريّ في ترك إخراج أحاديث هي من شرطه، وكذلك مسلم.
[قلت]: الأمر على ما ذكرتُ من أن العبرة بالصحّة، لا بالعدد، وأما البخاريّ فلم يلتزم أن يُخرج كلّ ما صحّ من الحديث حتى يتوجّه عليه الاعتراض، وكما أنه لم يُخرج عن كلّ من صحِّ حديثه، ولم يُنسب إلى شيء من جهات الجرح، وهم خلق كثير، يبلُغ عددهم نيّفًا وثلاثين ألفًا؛ لأن "تاريخه" يشتمل على نحو من أربعين ألفا وزيادة، وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرّجهم في "جامعه" دون ألفين، وكذا لم يُخرج كلّ ما صحّ من الحديث، ويشهد لصحّة ذلك ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد، أنبأنا ابن طلحة في كتابه عن أبي سعيد المالينيّ، أنبأنا عبد الله ابن عديّ، حدّثني محمد بن أحمد، قال: سمعت محمد بن حمدويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وأنبأنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه، أنبأنا أبو عليّ أحمد بن محمد ابن شهريار، أنبأنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد، أنبأنا أبو بكر الإسماعيليّ، قال: سمعت من يَحكي عن البخاريّ أنه قال: لم أُخرِج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر.
وأنبأنا أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الحافظ قراءةً عليه، أنبأنا المعمر ابن محمد بن الحسين، أنبأنا أحمد بن عليّ الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله، سمعت خلف بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن معقِل يقول: سمعت أبا عبد الله البخاريّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبيّ ﷺ ، فوقع في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب.
فقد ظهر بهذا أن قصد البخاريّ كان وضع مختصر في الحديث، وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال، ولا في الحديث، وأن شرطه أن يُخرج ما صحّ عنده؛ لأنه قال: لم أُخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، ولم يتعرّض لأمر آخر، وما سَلِم سنده من جهات الانقطاع والتدليس وغير ذلك من أسباب الضعف لا يخلو إما أن يُسمّى
стр. 184
صحيحًا، أو لا يُطلق عليه اسم الصحّة، فإن كان يُسمّى صحيحًا، فهو شرطه على ما صرّح به، ولا عبرة بالعدد، وإن لم يُطلق عليه اسم الصّحّة، فلا تأثير للعدد؛ لأن ضمّ الواهي إلى الواهي لا يؤثّر في اعتبار الصحّة، ولم يذهب إلى هذا أحد من أهل العلم قاطبةً.
وأما شرط مسلم، فقد صرّح به في خطبة كتابه.
وأما أبو داود ومن بعده، فهم متقاربون في شروطهم، فلتقصر على حكاية قول واحد منهم، والباقون مثله.
أنبأنا أبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصريّ عن كتاب أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبّار، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عليّ الحافظ، سمعت أبا الحسين محمد ابن أحمد الغسّانيّ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز الهاشميّ يقول: سمعت أبا داود في "رسالته" التي كتبها إلى أهل مكّة وغيرها جوابًا لهم:
"سألتم أن أذكر لكم الأحاديث في كتاب السنن أهي أصحّ ما عرفتُ في هذا الباب، فاعلموا أنه كذلك كلّه إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، وأحدهما أقدم إسنادًا، والآخر صاحبه أقوم في الحفظ، فربّما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا واحدًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته، وليس في كتاب السنن الذي صنّفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإن ذُكر لك عن النبيّ ﷺ سنّةٌ ليس فيما أخرجته، فاعلم أنه حديث واهٍ، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أُخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلّم، ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري ... " فذكر باقي الرسالة.
وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنه قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمّنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح، وما يُشبهه، وما يُقاربه، وذكر تمام الكلام.
وهذا القدر كاف في الإيماء إلى مرامهم في تأسيس قواعدهم لمن رُزق النظر السليم، وأعين ببعض الذَّكاء والفطنة.
[فإن قيل]: إن كان الأمر على ما مهّدت، وأن الشيخين لم يلتزما استيعاب جميع ما صحّ، بل لم يودعا كتابيهما إلا ما صحّ، فما بالهما خرّجا حديث جماعة تُكُلّم
стр. 185
فيهم، نحوُ فُليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وإسماعيل بن أبي أُويس عند البخاريّ، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وذويه عند مسلم؟ .
[قلت]: أما إيداع البخاريّ ومسلم كتابيهما حديث نفر نُسبوا إلى نوع من الجرح فظاهر، غير أنه لم يبلُغ ضعفهم حدّا يُردّ به حديثهم، مع أنا لا نقرّ بأن البخاريّ كان يرى تخريجِ حديث من يُنسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لمَا خرّج حديثهم، ثم ينبغي أن يُعلم أن جهات الضعف متباينة متعدّدة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه، أما الفقهاء فمدارك الضعف عندهم محصورةٌ، وجُلُّها منوط بمراعاة ظاهر الشرع، وعند أئمة النقل أسباب أُخَر مَرْعيّةٌ عندهم، وهي عند الفقهاء غير معتبرة، ثم أئمة النقل أيضًا على اختلاف مذاهبهم، وتباين أحوالهم في تعاطي اصطلاحهم يَختلِفون في أكثرها، فربّ راوٍ موثوقٌ به عند عبد الرحمن بن مهديّ، ومجروح عند يحيى بن سعيد القطّان، وبالعكس، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل، ومن عندهما يُتلقّى معظم شأن الحديث.
وأما البخاريّ فكان وحيد دهره، وقَريع عصره إتقانًا وانتقادًا وبحثًا وسبرًا، وبعد إحاطة العلم بمكانته من هذا الشأن لا سبيل إلى الاعتراض عليه في هذا الباب، ثم له أن يقول: هذا السؤالُ لا يلزمني؛ لأني قلت: لم أُخرج إلا حديثًا متّفقًا على صحّته، ولم أقل: لا أخرج إلا حديث من اتُّفق على عدالته؛ لأن ذلك يتعذّر؛ لاختلاف الناس في الأسباب المؤثّرة في الضعف.
ثم قد يكون الحديث عند البخاريّ ثابتًا، وله طرقٌ بعضها أرفع من بعض، غير أنه يَحيد أحيانًا عن الطريق الأصحّ؛ لنزوله، أو يسأم تكرار الطرق إلى غير ذلك من الأعذار. وقد صرّح مسلم بنحو ذلك.
قرأت على محمد بن عليّ بن أحمد القاضي، أخبرني أحمد بن الحسن بن أحمد الكرخيّ إذنًا عن أبي بكر أحمد بن محمد البرقانيّ، حدّثنا الحسين بن يعقوب الفقيه، حدّثنا أحمد بن طاهر الميانجيّ، حدّثنا أبو عثمان بن سعيد بن عمرو قال: شهدت أبا زرعة الرازيّ ذكَر كتاب الصحيح الذي ألّفه مسلم بن الحجّاج (١) بن الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه، فعملوا شيئًا يتسوقون به، ألّفوا كتابًا لم يُسبقوا إليه؛ ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها. وأتاه رجلٌ ذات يوم، وأنا شاهدٌ بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر إليه فيه، فإذا حديث عن أسباط بن
стр. 186
نصر، فقال لي أبو زرعة: ما يُعدّ هذا من الصحيح، يُدخل في كتابه أسباط بن نصر، ثم رأى في الكتاب قَطَن بن نُسير، فقال لي: وهذا أطمّ من الأول، قطَن بن نُسير وصلَ أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس، ثم نظر، فقال: يروي عن أحمد بن عيسى المصريّ في كتاب الصحيح؟ قال أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يشكّون أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه، كأنه يقول الكذب، ثم قال لي: أيحدّث عن هؤلاء، ويترك محمد بن عجلان، ونظراءه، ويطرّق لأهل البدع عليها، فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتُجّ عليهم به: ليس هذا من كتاب الصحيح، ورأيته يذمّ من وضع هذا الكتاب، فلما رجعت إلى نيسابور في المرّة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه، وروايته في كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر، وقطن بن نُسير، وأحمد بن عيسى المصريّ، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيحٌ، وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر، وقطَن، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربّما وقع إليّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروفٌ من رواية الثقات.
وقدِمَ مسلم بعد ذلك الريّ، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه، وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مما قال أبو زرعة، فاعتذر إليه مسلم، وقال له: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: صحاحٌ، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكن إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي، وعند من يكتبه عنّي ولا يرتاب في صحّتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف، أو نحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره، وحدّثه. انتهت الرسالة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 187
خاتمة أختم بها المقدّمة -وأسأل الله تعالى حسنها -
اعلم: أنه جرت عادة أهل العلم، ولا سيّما المحدّثون رحمهم الله تعالى أن يسوقوا أسانيدهم إلى أصحاب الكتب في أول شروعهم، قراءةً، أو تدريسًا، أو شرحًا، أو غير ذلك.
قال إمام هذه الصناعة في المتأخّرين، وحَذَام الحفّاظ لدى المحقّقين الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) رحمهُ الله تعالى في أول شرحه العديم النظير في بابه المسمّى "فتح الباري بشرح صحيح البخاري": ما نصّه:
وقد رأيت أن أبدأ الشرح بأسانيدي إلى الأصل بالسماع، أو بالإجازة، وأن أسوقها على نَمَطٍ مُخترَعٍ، فإني سمعت بعض الفضلاء، يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مَسَاق الأنساب ... فساق رحمه اللهُ تعالى أسانيده إلى الإمام البخاريّ رحمه اللهُ تعالى في "جامعه الصحيح". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أقول تأسيًا بهؤلاء الأخيار: إنه اتّصل سندي بالإمام مسلم رحمه اللهُ تعالى في "صحيحه" خاصّة، وجميع مؤلفاته عامّة بطرق مختلفة، أقتصر منها على ما يخصّ "الصحيح"، فأقول:
أروي صحيح الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ ٢٠٦ - ٢٦١ هـ رحمه الله تعالى عن مشايخ كثرين، قراءةً، وسماعًا، وإجازةً، أخصّ منهم: والدي العلامة الجيل، والدرّاكة النبيل الشيخ علي بن آدم بن موسى المتوفّى سنة يوم الخميس (١٢/ ٩/ ١٤١٢ هـ) وله نيَفٌ وثمانون سنة رحمه اللهُ تعالى، والشيخ عبد الباسط بن محمد بن حسن النحويّ البورنيّ المناسيّ، والشيخ المقرىء المحدث حياة بن علي، والشيخ محمد زين بن محمد ياسين الداني قراءة عليه لمعظمه،
стр. 188
وإجازةً عن الباقين رحمهم الله تعالى أربعتهم عن العلامة المقرىء المحدث الشيخ كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعدّيّ الحسنييّ أبًا العَقِيليّ أمًا الدوّويّ بلدًا المتوفى سنة (١٣٩٠ هـ) عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدُّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدُّلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول، عن صفيّ الدين أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد النخليّ المكيّ، عن محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن نجم الدين محمد بن محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا بن محمد الأنصاريّ، عن أبي نعيم رضوان بن محمد العقبيّ، عن أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد القاهريّ، سماعًا لجميعه بقراءة الحافظ أحمد بن عليّ الشهير بابن حجر العسقلانيّ في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، عن أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي الحنبليّ المقدسيّ، سماعًا لجميعه عليه، عن أبي العباس أحمد بن عبد الدائم النابلسيّ، سماعًا لجميعه عن محمد بن عليّ ابن محمد بن حسن بن صدقة الحرّانيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل ابن أحمد الْفُرَاويّ، عن أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسيّ النيسابوريّ، عن أبي أحمد محمد بن عيسى بن محمد الْجُلُوديّ النيسابوري، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ، قال: أخبرنا به سوى ثلاثة أفوات معلومة، فبالإجازة، أو الوجادة مؤلّفه الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.
(ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة محمد زين بن الشيخ محمد ياسين الدانيّ المتوفّى سنة (١٣٩٥ هـ) المتقدّم ذكره قراءة له مع شرح الإمام النوويّ إلى "كتاب الحدود"، وإجازة لباقيه، عن شيخه المحدث الكبير الشيخ محمد سراج بن محمد سعيد الأنيّ، وهو يروي النصف الأول منه سماعًا عن العلامة محمد السَّمَلُّوطيّ، عن الشيخ محمد عليش، عن العلامة الأمير الصغير، عن والده العلامة الأمير الكبير، عن الشهابين الملّويّ، والجوهريّ .... ويروي النصف الثاني منه مع بعض الأفوات، فبالإجازة، عن الشيخ محمد الحلبي الشافعيّ، عن برهان الدين إبراهيم السقّا الأزهريّ، عن وليّ الله ثُعَيلب، عن الشهابين المذكورين، كلاهما عن علامة الحجاز عبد الله بن سالم البصريّ، عن العلامة شمس الدين محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن الحافظ نجم الدين الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي العسقلانيّ، عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ، عن أبي الحسن بن علي الخبّاز، والحافظ علاء الدين ابن العطار، عن شارحه الإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النوويّ، عن أبي
стр. 189
إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطيّ، عن الإمام ذي الْكُنى: أبي بكر، وأبي القاسم، وأبي الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله الْفُرَاويّ، عن جدّه فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الْفُرَاويّ بالسند المتقدّم.
(ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ المحدث المتقن محمد بن عبد الله الصوماليّ رحمه اللهُ تعالى إجازة عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان المدرس بالحرم المكيّ، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف السورتيّ، عن محمد بن الطيب المكيّ، عن الشيخ حسين ابن محسن الأنصاريّ اليمنيّ، عن الشيخ ناصر الحازميّ، عن العلامة محمد بن عليّ الشوكانيّ، عن عبد القادر الكوكبانيّ، عن محمد حياة السنديّ، عن سالم بن عبد الله البصريّ، عن أبيه الشيخ عبد الله بن سالم البصريّ بالسند المتقدّم في سندي مشايخي الأربعة.
(ح) أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي، عن شيخه عبد الحقّ بن عبد الواحد، عن أبي سعيد حسين بن عبد الرحيم، وغيره، عن السيد نذير حسين، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن محمد بن محمد بن سنة المغربيّ، عن محمد بن عبد الله الوولاتي، عن البدر القرافي، عن الحافظ السيوطيّ، عن العلم البلقينيّ، عن والده السراج البلقيني، عن الحافظ أبي الحجاج المزيّ، عن الإمام النوويّ بسنده المتقدّم.
(ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة المحدث الشهير محمد بن رافع بن بصيري إجازةً، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني ثم المكي، عن محمد يحيى الكاندهلوي، عن الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغني المجدديّ، عن محمد إسحاق، عن جده عبد العزيز، عن أبيه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكوراني المدنيّ، عن والده البرهان إبراهيم بن حسن الكردي المدني، عن الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي، عن شهاب الدين أحمد بن خليل السبكي، عن النجم الغيطيّ، عن زين الدين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، عن الصلاح بن أبي عمر المقدسيّ، عن فخر الدين أبي الحسن علي ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاريّ، عن أبي الحسن المؤيد بن محمد الطوسيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بسنده المتقدّم.
(ح) وأرويه أيضًا قراءة لأول حديث منه، وإجازة لباقيه عن المسند الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه الله تعالى، عن الشيخ علي بن عبد الله البنجري، عن زين الدين بن بدوي الصومباري، عن المعمر الكياهي نووي بن عمر البنتنيّ، عن محمد بن كنان الفلمباني، عن عبد الصمد بن عبد الرحمن الفلمباني، عن الشيخ عاقب بن حسن
стр. 190
الدين، عن أبيه حسن الدين بن جعفر الفلمباني، عن الإمام عيد بن عليّ النمرسيّ المصري، ثم المكيّ، عن الحافظ المحقق عبد الله بن سالم البصري المكيّ بالسند المذكور آنفًا.
(ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمنيّ، عن شيخه محمد بن يحيى دوم الأهدل، عن محمد بن عبد الرحمن الأهدل، عن محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، عن عمه شرف الإسلام الحسن بن عبد الباري الأهدل، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل عن عماد الدين السيد يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر ابن علي البطاح الأهدل، عن يوسف بن محمد البطاح، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني، عن زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الشرجي، عن سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن برهان الدين إبراهيم بن عمر العلويّ، عن محدث الشام أبي الحجاج يوسف بن الزكيّ عبد الرحمن الشهير بالحافظ المزيّ، عن شارحه الإمام النوويّ بسنده المذكور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي أسانيد متعدّدة إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى غير هذه، ويكفي ما ذكرته اختصارًا.
قال الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ رحمه اللهُ تعالى بالسند المذكور:
(بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
بدأ رحمه اللهُ تعالى كتابه بالبسَملة اتباعًا للنبيّ ﷺ حيث كان يُصَدِّر بها كتبه إلى الملوك، وغيرهم، كما ثبت ذلك في قصّة هِرَقْل، وقصّة صلح الحديبية، وغير ذلك، مما أخرجه الشيخان، وغيرهما.
وموافقةً للكتاب العزيز، حيث إن الصحابة ﵃ افتتحوا كتابة الإمام بها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أوّل الفاتحة، ومن لا يقول به.
وقال إمام المفسّرين، أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه اللهُ تعالى في تفسيره النافع: ما نصّه.
إن الله تعالى ذكرُهُ، وتقدّست أسماؤه، أدّب نبيّه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى، أمامَ أفعاله، وتقدّم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما
стр. 191
أدّبه به من ذلك، وعلّمه إياه منه لجميع خلقه سنّةً، يستنّون بها، وسبيلًا يتّبعونه عليها في افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم انتهى كلام ابن جرير (١).
مسائل تتعلّق بـ"بالبسملة ":
المسألة الأولى: في الكلام على حديث البسملة الذي اشتهر الاحتجاج به على استحباب الابتداء بها
اعلم: أنه إنما عَدَلتُ عن الاستدلال بما اشتهر الاحتجاج به -ولا سيّما عند المتأخرين من المصنّفين- على استحباب البسملة، وهو حديث: "كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر"، وفي رواية: "لا يُبدأ بالحمد للَّه"، وفي رواية: "بالحمد، فهو أقطع"، وفي رواية: "أجذم"، وفي رواية: "لا يبدأ فيه بذكر الله". رواه الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ رحمه اللهُ تعالى في "أربعينه" من حديث أبي هريرة ﵁ -كما ذكره الشارح النوويّ رحمه اللهُ تعالى في شرحه -إلى ما ذكرته لضعفه جدًّا، ودونك ما قاله المحققون من أهل الحديث.
قال الحافظ الزيلعيّ رحمه الله تعالى في "تخريج أحاديث الكشّاف": رُوي من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث كعب بن مالك ﵁.
أما حديث أبي هريرة ﵁ فأخرجه أبو داود في "سننه" في "كتاب الأدب"، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجه في "النكاح" من حديث قُرّة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ أمر، ذي بالٍ، لم يُبدأ باسم الله، فهو أبتر" انتهى (٢).
ورواه ابن حبّان في "صحيحه" في موضعين منه في النوع الثاني والتسعين، من القسم الأول، وأعاده في النوع السادس والستّين، من القسم الثالث بالإسناد المذكور، ولفظه: "كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بحمد الله أقطع". ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنّفه"، في "كتاب الأدب"، و"مسنده"، وكذلك رواه البزّار في "مسنده"، وقال: لا نعلمه رُوي عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه انتهى.
стр. 192
ورواه الدارقطنيّ في "سننه" في أوائل "كتاب الصلاة"، ورواه البيهقيّ في "شعب الإيمان" في الباب الثالث والثلاثين عن الحاكم بسنده إلى قُرّة بن عبد الرحمن به، سواءً، ولفظه: "كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه بالحمد للَّه فهو أقطع". ورواه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" كذلك، ولفظه: "كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بذكر الله، فهو أقطع". وهي رواية الدارقطنيّ، وأحمد، والنسائيّ.
والحديث فيه روايات، فروي "كلّ أمر"، وروي "كلّ كلام"، وهي رواية أحمد، والنسائيّ، وروي "لم يُبدأ"، وقد تقدّم، وروي "لم يُفتتح"، وهي عند أحمد أيضًا، وروي "بحمد الله"، وقد تقدّم، وروي "بذكر الله"، وقد تقدّم، وروي "فهو أقطع"، وقد تقدّم، وروي "فهو أبتر"، وقد تقدّم، وروي "فهو أجذم"، وروي "فهو أكتع" -بالكاف، ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في "مسنده": حدثنا بقيّة بن الوليد، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه بحمد الله، أكتع". قال بقيّة: و"الأكتع" الذي ذهبت أصابعه، وبقي كفّه انتهى. وهذا معضَلٌ.
وفيه رواية أخرى، رواه الإمام أبو بكر الخطيب البغداديّ في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع" من حديث مبشّر بن إسماعيل، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع".
وهذا الحديث أُعلّ من وجهين:
الأول: أنه قد روي مُرسلًا، أخرجه كذلك أبو داود، والنسائيّ، عن أبي سلمة، عن النبيّ ﷺ ، ليس فيه أبو هريرة، قال النسائيّ. والمرسل أولى بالصواب انتهى.
الثاني: في إسناده قُرّة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئِيل الْمَعَافريّ، وفيه مقال، قال الحاكم في "مستدركه" في أواخر الصلاة: وقد استشهد مسلم رحمه اللهُ تعالى بقُرّة بن عبد الرحمن في موضعين من "صحيحه" انتهى.
وأما حديث كعب بن مالك ﵁ فرواه الطبرانيّ في "معجمه": حدّثنا أحمد بن المعلى الدمشقيّ، حدّثنا عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، حدّثنا صدقة بن عبد الله، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قال: "كلّ أمر، ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد للَّه، فهو أقطع" انتهى كلام الحافظ الزيلعيّ رحمه اللهُ تعالى (١).
стр. 193
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في سند حديث كعب بن مالك المذكور عبد الله ابن يزيد الدمشقيّ ضعيف، وصدقة بن عبد الله السمين الدمشقيّ ضعيف أيضًا. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ رحمهُ الله تعالى في "الفتح": عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤] في الكلام على حديث هِرَقْل، عند قوله: "فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم": ما نصّه: قال النوويّ: فيه استحباب تصدير الكتاب بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويُحمل قولُه في حديث أبي هريرة ﵁: "كلّ أمر، ذي بال، لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع"، أي بذكر الله، كما جاء في رواية أخرى، فإنه روي على أوجه: "بذكر الله"، "ببسم الله الرحمن الرحيم"، "بحمد الله". وهذا الكتاب كان ذا بال، من المهمّات العظام، ولم يُبدأ فيه، بلفظ الحمد، بل بالبسملة انتهى.
قال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، وصححه ابن حبّان أيضًا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحّته، فالرواية المشهورة فيه بلفظ: "حمد الله"، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النوويّ وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية انتهى كلام الحافظ رحمه اللهُ تعالى (١).
وقال العلاّمة، محدث العصر، الشيخ ناصر الألبانيّ -رحمه الله تعالى- في أول كتابه "إرواء الغليل": ما نصّه:
حديث "كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر". رواه الخطيب، وعبد القادر الرُّهاويّ ص ٥ ضعيف جدًّا، وقد رواه السبكيّ في "طبقات الشافعيّة الكبرى" -١/ ٦ - من طريق الحافظ الرُّهاويّ بسنده، عن أحمد بن محمد بن عمران، حدثنا محمد بن صالح البصريّ -بها- حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكيّ، حدثنا مبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به، إلا أنه قال: "فهو أقطع". وهذا سندٌ ضعيف جدًّا، آفته ابن عمران هذا، ويُعرف بابن الجنديّ، ترجمه الخطيب في "تاريخه"، وقال - ٥/ ٧٧ - : كان يُضعّف في روايته، ويُطعن في مذهبه -يعني التشيّع- قال الأزهريّ: ليس بشيء. وقال الحافظ في "اللسان": وأورد ابن الجوزيّ في "الموضوعات" في فضل عليّ ﵁ حديثًا بسند رجاله ثقات، إلا الجنديّ، فقال: هذا موضوعٌ، ولا يَتَعَدَّى الجنديّ.
стр. 194
ثم أورده السبكيّ من طريق خارجة بن مُصعب، عن الأوزاعيّ به، إلا أنه قال: "بحمد الله"، بدل "بسم الله الرحمن الرحيم"، وخارجة هذا قال الحافظ: متروك، وكان يدلّس عن الكذّابين، ويقال: إن ابن معين كذّبه.
وقد خالف، والذي قبله محمد بن كثير المصّيصيّ، فقال في إسناده: عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة به باللفظ الثاني: "بحمد الله". رواه السبكيّ ص ٧ من طريق أبي بكر الشيرازيّ في "كتاب الألقاب". والمصّيصيُّ هذا ضعيف؛ لأنه كثير الغلط -كما قال الحافظ- والصحيح: عن الزهريّ، مرسلًا -كما قال الدارقطنيّ وغيره - وقد روي موصولًا من طريق قُرّة، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة باللفظ الثانيّ ... إلى أن قال: ومما سبق يتبيّن أن الحديث بهذا اللفظ ضعيف جدًّا، فلا يُغترّ بمن حسّنه مع الذي بعده -يعني حديث الحمد- فإنه خطأٌ بيّنٌ، ولئن كان اللفظ الآتي -يعني لفظ الحمد- يحتمل التحسين (١)، فهذا ليس كذلك، لما في سنده من الضعف الشديد، كما رأيت انتهى كلام الألباني ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث بلفظ: "بسم الله الرحمن الرحيم" واهٍ بمرّة، لأن في سنده أحمد بن محمد بن عمران المذكور، وهو متّهم، مع مخالفته للثقات، كما تقدّم، بل حكم بعضهم على روايته بالوضع، وإن كان لا يُوافَق عليه (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في الكلام على البسملة:
اعلم: أن البسملة مصدر قياسيّ لـ"بسمل"، كدحرَج دحرجةً: إذا قال: باسم الله، على ما في "الصحاح" وغيره، أو إذا كتبها على ما في "تهذيب الأزهريّ"، فهي بمعنى القول، أو الكتابة، لكن أطلقوها على نفس "بسم الله الرحمن الرحيم"، مجازًا، من إطلاق المصدر على المفعول؛ لعلاقة اللزوم، ثم صار حقيقةً عُرْفيّة.
وهو من باب النحت، وهو أن يُختَصَر من كلمتين، فأكثر كلمةٌ واحدةٌ، ولا يُشترط فيه حفظ الكلمة الأولى بتمامها بالاستقراء؛ خلافًا لبعضهم، ولا الأخذ من كلّ الكلمات، ولا موافقة الحركات، والسكنات، كما يُعلم من شواهده، نعم كلامهم يُفهم اعتبار ترتيب الحروف، ولذا عُدَّ ما وقع للشهاب الْخَفَاجيّ في "شفاء الغليل" من طبلق
стр. 195
بتقديم الباء على اللام: إذا قال: أطال الله بقاءك سبق قلم، والقياس طلبق. والنحت مع كثرته عن العرب غير قياسيّ، كما صرّح به الشمنيّ، ونقل عن "فقه اللغة" لابن فارس قياسيّته.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي هذا الأخير أولى؛ إذ ليس هناك دليل على كون الاستعمال قياسيا إلا كثرته، كما يظهر لمن تتبّع قواعدهم. والله تعالى أعلم. ومن المسموع: "سمعل": إذا قال: "السلام عليكم"، و"حوقل" -بتقديم القاف-: إذا قال: "لا حول ولا قوّة إلا بالله"، وقيل: بتقديم اللام، وهَلّل تهليلًا، وهَيلَلَ هَيْلَلة، إذا قال: لا إله إلا الله، وياء هيلل للإلحاق بدحرج، وسَبْحَل، إذا قال: سبحان الله، وحَمْدَل، إذا قال: الحمد للَّه، وحَيْصَل، إذا قال: حيّ على الصلاة، وحَيْفَلَ، إذا قال: حيّ على الفلاح، وجَعْفَلَ، إذا قال: جُعِلْتُ فداءك، وطَلْبَقَ، إذا قال: أطال الله بقاءك، ودَمْعَزَ، إذا قال: أدام الله عزّك.
ومنه في القرآن: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤]، قال الزمخشريّ: هو منحوت من بُعِث، وأُثير، أي بُعِث موتاها، وأُثير ترابها.
ومن المولّد الْفَذْلَكَة، من قولهم: فذلك العدَدُ كذا وكذا، والْبَلْكَفَةُ التي أخذها الزمخشريّ من قول أهل السنّة: إن الله تعالى يُرَى بلا كيف، ورَدَّ عليهم بناءً على زعمه الفاسد بقوله [من الكامل]:
قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَخَوَّفُوا ... شَنْعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ
قيل: ومن المولّد: بسمل؛ لأنه لم يُسمع من فُصحاء العرب، قال الشهاب الْخَفَاجيّ: والمشهور خلافه، وقد أثبتها كثير من أهل اللغة، كابن السِّكِّيت، والْمُطَرِّزِيّ، ووردت في قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا ... فَيَا حَبَّذَا ذَاكَ الْحَدِيثُ الْمُبَسْمَلُ
وقد استعمل كثير -لا سيّما الأعاجم- النحتَ في الخطّ فقط، والنطقُ على أصله، ككتابة "حينئذ" حاء مفردةً، و"﵀" "رح"، و"ممنوع" "مم"، و"إلى آخره" "الخ"، وتارة "اه"، و" ﷺ " "صلعم"، و"﵇" "عم"، إلى غير ذلك، لكن الأولى ترك نحو الأخيرين، وإن أكثرت منه الأعاجم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 196
المسألة الثالثة: في الكلام على باء البسملة
اعلم: أن الباء في البسملة أصليّة على المشهور، ومعناها الاستعانة، أو المصاحبة على وجه التبرّك، واستُؤنس لهذا -كما في تفسير البلقينيّ- بحديث: "باسم الله الذي لا يضُرّ مع اسمه شيء"، فإن لفظ "مع" ظاهر في إرادة المصاحبة من الباء.
وقيل: الباء زائدة، فـ "اسم" مرفوع بالابتداء محلًّا، مجرور بالباء لفظًا، وخبره محذوف، اسم، أو فعلٌ، والتقدير: اسم الله مبدوء به، أو يُبدأ به بداءةً قويّةً، أي بحسن نيّة، وإخلاص، وأُخِذ هذا المعنى من كون الحرف الزائد يدلّ على التأكيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في الكلام على متعلّق الجارّ والمجرور، على القول بأصالة الباء، وهو المشهور، كما مرّ آنفًا
اعلم: أنه لا بدّ للجارّ والمجرور من متعلّق يتعلّق به، وقد اختلف النحاة في تقديره، فقدّره الكوفيّون فعلًا، كأبدأ، قال ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله تعالى في "مغنيه": وهو المشهور في التفاسير، والأعاريب، ووُجِّهَ بقلّة المحذوف؛ لأنه عليه كلمتان، وعلى مقابله ثلاث: المبتدأ، والمضاف إليه، والخبر.
وبكثرة التصريح بالمتعلّق فعلًا، كما في آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وحديث: "باسمك ربي وضعتُ جنبي، وباسمك اللهمّ أرفعه".
وبأن الجملة عليه مضارعيّةٌ، تفيد بواسطة غلبة الاستعمال التجدّد والاستمرار، وهو أنسب بالمقام من الدوام المستفاد بالاسميّة.
واختار الزمخشريّ، وتبعه المتأخّرون تقديره فعلًا مؤخّرًا، خاصّا، أي مناسبًا لما بُدىء بالبسملة، أما الفعل، فلما مرّ، وأما تأخيره فللاهتمام باسمه تعالى، وليفيد الحصر، فإن تقديم المعمول قد يُفيده، وليكون اسمه تعالى مقدّمًا ذكرًا، وأما كونه خاصًّا، فلرعاية حقّ خصوصيّة المقام، ولإشعار ما بعد البسملة به.
وقدّره البصريّون اسمًا، كابتدائي، لكن الأولَى تقديره خاصًّا مؤخّرًا؛ لما مرّ، وهو إما مبتدأٌ، والخبر محذوف، والأصل تأليفي "بسم الله الرحمن الرحيم" حاصلٌ، وإما خبر لمحذوف أيضًا، و"باسم" متعلّق به، والأصل تأليفي حاصلٌ "بسم الله الرحمن الرحيم" (١).
стр. 197
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" عند الكلام على أحاديث البسملة ما حاصله: ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلّق للباء في قوله: "بسم الله"، هل هو اسمٌ، أو فعلٌ متقاربان، وكلٌّ قد ورد به القرآن، أما من قدّره اسمًا، تقديره: باسم الله ابتدائي، فلقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١]، ومن قدّره فعلًا، أمرًا، أو خبرًا، نحو ابدأ بسم الله، أو ابتدأتُ بسم الله، فلقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، وكلاهما صحيحٌ، فإن الفعل لا بدّ له من مصدر، فلك أن تقدّر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سَمَّيتَ قبله، إن كان قيامًا، أو قُعودًا، أو أكلًا، أو شربًا، أو قراءةً، أو وضوءًا، أو صلاةً، فالمشروع ذكر الله في الشروع في ذلك كلّه تبرّكًا، وتيمّنًا، واستعانة على الإتمام، والتقبّل. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي تقديره فعلًا، كما هو مذهب الكوفيين هنا أرجح؛ لما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلفوا في معنى دخول الباء عليه، هل هي على معنى الأمر، والتقدير: ابْدَأْ بسم الله، أو على معنى الخبر، والتقدير ابتَدَأْتُ بسم الله قولان: الأول للفرّاء، والثاني للزجّاج، فـ"باسم الله" في موضع نصب على التأويلين. وقيل: المعنى ابتدائي بسم الله، فـ"بسم الله" في موضع رفع خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف، أي ابتدائي مستقرّ، أو ثابت بسم الله، فإذا أظهرته كان "بسم الله" في موضع نصب بثابت، أو مستقرّ، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار، وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] فـ"عند" في موضع نصب. وروي هذا عن نحاة البصرة. وقيل: التقدير: ابتدائي ببسم الله موجود، أو ثابت، فـ"باسم الله" في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
وقال الإمام أبو جعفر الطبريّ رحمه الله تعالى ما حاصله:
أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: بسم الله على ما بطن من مراده الذي هو محذوف، وذلك أن الباء من "بسم الله" مقتضية فعلًا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامع القائل: "بسم الله" معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولًا، إذ كان كلّ ناطق به عند افتتاحه أمرًا قد أحضر منطقه به، إما معه، وإما قبله بلا فصل ما أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله افتتح قِيلَه به، فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حُذف منه نظير استغنائه إذا سمع قائلًا قيل له: ما أكلت
стр. 198
اليوم؟ فقال: طعامًا عن أن يكرّر المسؤول مع قوله: طعامًا أكلت؛ لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل، فمعقولٌ إذًا قول القائل إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ثم افتتح تاليًا سورةً أن إتباعه "بسم الله الرحمن الرحيم" تلاوة السورة يُنبىء عن معنى قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ومفهوم به أنه مريد أقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". وكذلك قوله: "بسم الله" عند نهوضه للقيام، أو عند قعوده، وسائر أفعاله يُنبىء عن معنى مراده بقوله: "بسم الله"، وأنه أراد بقيله: "بسم الله" أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله، وكذلك سائر الأفعال انتهى المقصود من كلام ابن جرير (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في الكلام على كتابة "بسم الله ":
ذكر العلّامة أبو عبد الله القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى أن "بسم الله" تكتب بغير ألف؛ استغناءً عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخطّ؛ لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإنها لم تُحذَف لقلّة الاستعمال.
واختلفوا في حذفها مع "الرحمن"، و"القاهر"، فقال الكسائيّ، وسعيدٌ الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وَثَّاب: لا تُحذف، إلا مع "بسم الله" فقط؛ لأن الاستعمال إنما يكثر فيه انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في الكلام على حركة باء الجرّ:
اختلف في تخصيص باء الجرّ بالكسر على ثلاثة أقوال:
الأول: ليناسب لفظها عملها.
الثاني: لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصّت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء.
الثالث: ليفرّق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسمًا، نحو الكاف في قول امرىء القيس [من الطويل]:
وَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطنَا ... تَصَوَّبُ فِيهِ الْعَيْنُ طَوْرًا وَتَرْتَقِي
أي بمثل الماء، أو ما كان مثله. أفاده العلامة القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 199
المسألة السابعة: في الكلام على تصريف "اسم ":
اعلم: أن "اسما" وزنه "افْعٌ"، والذاهب منه الواو؛ لأنه من سَمَوْتُ، وجمعه أسماءٌ، وتصغيره سُميٌّ، واختلف في تقدير أصله: فقيل: فِعْلٌ -بالكسر-. وقيل: فُعْلٌ -بالضمّ-. قال الجوهريّ: وأسماء يكون جمعًا لهذا الوزن، وهو مثلُ جِذْعٍ وأَجْذاع، وقُفْل وأَقْفَال، وهذا لا تُدرك صيغته إلا بالسماع.
وفيه أربع لغات: "اسم" -بالكسر، و"اسمٌ". قال أحمد بن يحيى: من ضَمَّ الألف أخذه من سَمَوت أَسمُو، ومن كسره أخذه من سَمَيتُ أَسمِي. ويقال: "سِمٌ"، و"سُمٌ"، ويُنشَدُ:
وَاللهُ أَسْمَاكَ سُمًا مُبَارَكَا ... آثَرَكَ اللهُ بِهِ إِيثَارَكَا
وقال آخرُ:
وَعَامُنَا أَعْجَبَنَا مُقَدّمُهْ ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وَقِرْضَابٌ سُمُهْ
مُبْتَرِكًا (١) لِكُلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ
قَرضب الرجلُ: إذا أكل شيئًا يابسًا، فهو قِرْضَابٌ. "سمه" بالضمّ والكسر جميعًا. ومنه قول الآخر:
بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ
وسُكنت السين من "باسم" اعتلالًا على غير قياس، وألفه ألف وصلٍ، وربّما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة، كقول الأحوص:
وَمَا أَنَا بِالْمَخْبُوسِ فِي جِذْمِ مَالِكٍ ... وَلَا مَنْ تَسَمَّى ثُمَّ يَلْتَزِمُ الإِسْمَا
ذكره القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أوصل بعضهم لغات الاسم إلى ثماني عشرة لغةً، ونظمها بقوله [من الطويل]:
سِمٌ سِمَةٌ وَاسْمٌ سِمَاةٌ كَذَا سِمَا ... سِمَاءٌ بِتَثْلِيثٍ لأَوَّلِ كُلِّهَا (٣)
وتقول في النسب إلى الاسم: سُمويّ، وإن شئت: اسْمِيٌّ، تركته على حاله،
стр. 200
وجمعه أسماء، وجمع الأسماء أَسَامٍ. وحكى الفرّاء: أُعيذك بأسماوات الله (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: في الكلام على اشتقاق لفظة "اسم "
اعلم: أنهم اختلفوا فيه على وجهين: فقال البصريّون: مشتقّ من السموّ، وهو العُلُوّ والرِّفْعة، فقيل: اسم؛ لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل: لأن الاسم يسمو بالمسمّى، فيرفعه عن غيره. وقيل: إنما سمّي الاسم اسمًا لأنه علا بقوّته على قسمي الكلام: الحرفِ والفعلِ، والاسم أقوى منهما بالإجماع؛ لأنه الأصل فلعلوّه عليهما سمي اسمًا، فهذه ثلاثة أقوال.
وقال الكوفيّون: إنه مشتقّ من السِّمَة، وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن وُضع له، فأصل "اسم" على هذا "وَسْمٌ"، والأول أصحّ؛ لأنه يقال في التصغير: سُمَيٌّ، وفي الجمع أسماء، والتصغير والجمع يردّان الأشياء إلى أصولها، قلا يقال: وُسَيمٌ، ولا أَوْسَامٌ.
وإلى هذا أشار بعضهم بقوله [من الرجز]:
وَاشْتَقَّ الاسْمَ مِنْ سَمَا الْبَصْرِيُّ ... وَاشْتَقَّهُ مِنْ وَسَمَ الْكُوفِيُّ
وَالْمَذْهَبُ الْمُقَدَّمُ الْجَلِيُّ ... دَلِيلُهُ الأَسْمَاءُ وَالسُّمَيُّ
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويدلّ على صحّته أيضًا فائدة الخلاف، وهي أن من قال: الاسم مشتقّ من السموّ يقول: لم يزل الله موصوفًا قبل وجود الخلق، وبعد وجودهم، وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه، ولا في صفاته. وهذا قول أهل السنّة. ومن قال: الاسم مشتقّ من السِّمَة يقول: كان الله في الأزل بلا اسم، ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له اسمًا، وصفات، فإذا أفناهم بقي بلا اسم، ولا صفة. وهذا قول المعتزلة، وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمّة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق. تعالى الله عن ذلك.
وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمَّى، فذهب أهل الحقّ -فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيّب- إلى أن الاسم هو المسمّى، وارتضاه ابن فُورَك، وهو قول أبي عُبيدة، وسيبويه، فإذا قال قائل: الله عالم، فقوله دالّ على الذات الموصوفة بكونه عالمًا، فالاسم كونه عالمًا، وهو المسمّى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالقٌ، فالخالق هو الربّ، وهو بعينه الاسم. فالاسم عندهم هو المسمّى بعينه من غير تفصيل.
стр. 201
قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذّات، ولذا يقولون: الاسم غير المسمّى، ومن يُثبت الصفات يُثبت للتسميات مدلولات، هي أوصاف الذات، وهي غير العبارات، هي الأسماء عندهم انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى بزيادة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشبع الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام الإمام ابن تيميّة ﵀، وحقّقه تحقيقًا، لا تجده محرّرًا عند غيره، وقال: إن النزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمّة: أحمد، وغيره. ونَقَل عن أبي جعفر الطبريّ أن القول في الاسم والمسمّى من الحماقات المبتدعة التي لا يُعرف فيها قولٌ لأحد من الأئمّة، وإنّ حَسْبَ الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهذا هو القول بأن الاسم للمسمّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنّة، من أصحاب الإمام أحمد، وغيره ... إلى آخر ما قاله ﵀. انظر "مجموع الفتاوى" ج ٦ ص ١٨٥ - ٢١٢ تستفد علومًا جَمَّة.
والحاصل أن الخوض في هذه المسألة من فضول الكلام، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، فالأولى بالمسلم الشحيح على دينه عدم الخوض في المسائل المبتدعة إلا للرّدّ عليها، وإن دعت الحاجة إليه، ولا بُدّ فما عليه الأكثرون من أهل السنّة هو الذي نُرجّحه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: في الكلام على إضافة "اسم" إلى الاسم الكريم
اعلم: أنه إن أريد بالاسم الكريم مدلوله، فإضافة "اسم" إليه إضافة حقيقيّة، لاميّةٌ، للاستغراق، إن أريد كلّ اسم من أسمائه تعالى، أو للجنس، إن أريد جنس أسمائه تعالى، أو للعهد إن أريد اسم مخصوص، والأول أولى، كما قال بعضهم.
وإن أريد من الاسم الكريم لفظه، فالإضافة للبيان (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: ذهب أبو عبيدة معمر بن المثّنّى إلى أن "اسم" صِلَة، واستشهد بقول لبيد [من الطويل]:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
فذِكرُ "اسم" زيادة، وإنما أراد: "ثم السلام عليكما".
стр. 202
واختُلف في معنى زيادة "اسم"، فقال قُطْرُب: زيدت لإجلال ذكره تعالى، وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج الكلام بذكرها من حكم القَسَم إلى قصد التبرّك؛ لأن أصل الكلام بالله. قاله القرطبيّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية عشرة: في الكلام على لفظ الاسم الكريم
اعلم: أن "الله" علم على الربّ ، يقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤﴾ إلى آخر [سورة الحشر: ٢٤]، فأجرى الأسماء كلها صفات له، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنّة".
وهو اسمٌ لم يُسمّ به غيره ﵎، ولهذا لا يُعرف في كلام العرب له اشتقاف من فَعَلَ يَفعُل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد، لا اشتقاق له. وقد نقله القرطبيّ عن جماعة من العلماء، منهم: الشافعيّ، والخطّابيّ، وإمام الحرمين، والغزاليّ، وغيرهم.
وروي عن الخليل، وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمةٌ. قال الخطّابيّ: ألا ترى أنك تقول: يا ألله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لَمَا جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.
وقيل: إنه مشتقّ، واستدلّوا عليه بقول رُؤْبَة بن العجاج [من الرجز]:
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي
والمدّهُ جمع ماده، والمَدْهُ كالمَدْحِ وزنًا ومعنًى. فقد صرّح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التألّه، من أَلِهَ يَأْلَهُ إِلاهَةً، وتأَلُّهًا، كما روي عن ابن عبّاس ﵃ أنه قرأ: "ويذرك، وإلاهتَكَ"، قال: عبادَتَك، أي أنه كان يُعبَدُ، ولا يَعْبُدُ، وكذا قال مجاهدٌ وغيره.
стр. 203
وقد استدلّ بعضهم على كونه مشتقّا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤]، ونَقَل سيبويه، عن الخليل أن أصله "إلاه" مثلُ فِعَالٍ، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة، قال سيبويه: مثلُ ناسٍ، أصله أُناسٌ. وقيل: أصل الكلمة "لاهٌ"، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه، قال الشاعر [من البسيط]:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أُفْضِلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
بالخاء المعجمة: أي فتسوسُني.
وقال الكسائيّ، والفرّاء: أصله "الإله"، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، أي لكن أنا. وقد قرأها كذلك الحسن.
ثم قيل: هو مشتقّ من وَلِهَ: إذا تحيّر، والْوَلَه: ذهاب العقل، يقال: رجلٌ والهٌ، وامرأةٌ وَلْهَى، ووالهةٌ، وماء موله: إذا أرسل في الصحاري، فالله تعالى تتحيّر الألباب، وتذهب في حقائق صفاته، والْفِكَرُ في معرفته، فعلى هذا أصل "إلاهٍ" "وِلَاهٌ"، وأن الهمزة مبدلةٌ من واوٍ، كما أُبدلت في إِشَاحٍ، ووِشَاحٍ، وإسادةٍ، ووِسَادَةٍ.
وروي عن الضحّاك أنه قال: إنما سمّي الله إلهًا لأن الخلق يتألّهون إليه في حوائجهم، ويتضرّعون إليه عند شدائدهم. وذُكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يَأْلَهون إليه -بفتح اللام، وكسرها- لغتان.
وقيل: إنه مشتقّ من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكلّ شيء مرتفع: لاهًا. وقيل: مشتقّ من أله الرجل: إذا تعبّد، وتألّه: إذا تنسّك. وقرأ ابن عبّاس ﵃: "ويذرك، وإلاهتك"، وأصل ذلك "الإله"، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدةً مشدّدة، وفخّمت تعظيمًا، فقيل: الله انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
ورجّح العلّامة ابن القيّم ﵀ القول باشتقاقه، فقال: الصحيح أنه مشتقّ، وأن أصله "الإله"، كما هو قول سيبويه، وجمهور أصحابه إلا من شذّ، وهو الجامع لمعاني
стр. 204
الأسماء الحسنى، والصفات العلى.
والذين قالوا بالاشقاق إنما أرادوا أنه دالّ على صفة له تعالى، وهي الإلهيّة، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والبصير، والسميع، ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء مشتقّة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولّدة منه تولّد الفرع من أصله.
وتسمية النحاة للمصدر والمشتقّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أن أحدهما متولّد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمّن الآخر وزيادة.
قال: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظيّة، وساقها. ثم قال: وأما خصائصه المعنويّة، فقد قال أعلم الخلق ﷺ : "لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وكيف نحصي خصائص اسم لمسمّاه كلّ كمال على الإطلاق، وكلّ مدح وحمد، وكلّ ثناء، وكلّ مجد، وكلّ جلال، وكلّ كمال، وكلّ عزّ، وكلّ جمال، وكلّ خير، وإحسان، وجود، وفضل، وبرّ، فله، ومنه، فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثّره، ولا عند الخوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند همّ وغمّ إلا فرّجه، ولا عند ضيق إلا وسّعه، ولا تَعَلّق به ضعيف إلا أفاده القوّة، ولا ذليل إلا أناله العزّ، ولا فقير إلا أصاره غنيّا، ولا مستوحشٌ إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيّده ونصره، ولا مضطرّ إلا كشف ضرّه، ولا شريد إلا آواه. فهو الاسم الذي تُكشف به الكربات، وتُستنزل به البركات، وتُجاب به الدعوات، وتقال به العثرات، وتُستدفع به السيّئات، وتُستجلب به الحسنات. وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسماوات، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شُرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقّت الحاقّة، ووقعت الواقعة، وبه وُضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنّة والنار، وبه عُبد ربّ العالمين وحُمد، وبحقّه بُعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر، ويوم البعث والنشور، وبه الخصام، وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سعد من عرفه، وقام بحقّه، وبه شقي من جَهِله، وترك حقّه. فهو سرّ الخلق والأمر، وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا، فالخلق به، وإليه، ولأجله. فما وُجد خلق، ولا أمرٌ، ولا ثوابٌ، ولا عقابٌ، إلا مبتدئًا منه، منتهيًا إليه، وذلك موجبه ومقتضاه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى آخر كلامه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 205
المسألة الثانية عشرة: في الكلام على "الرحمن الرحيم "
اعلم أن "الرحمن الرحيم" مجروران على أنهما نعتان لاسم الله تعالى، أو عطفا بيان للمدح، أو بدلان، ويجوز في غير القرآن قطعهما إلى النصب، مفعولًا لفعل مقدّر، أي "أمدح"، وإلى الرفع خبرًا لمبتدإ محذوف، أي "هو".
وقد اشتهر فيهما بحسب الإعراب تسعة أوجه، يمتنع منها وجهان: جرّ "الرحيم" مع نصب "الرحمن"، وجرُّهُ مع رفعه، لأن النعت أشدّ ارتباطًا بالمنعوت، فلا يؤخّر عن المقطوع، وإلى هذه الأوجه أشار بعضهم بقوله [من الرجز]:
إِنْ يُنْصَبِ الرَّحْمَنِ أَوْ يَرْتَفِعَا ... فَالْجَرُّ فِي الرَّحِيمِ قَطْعًا مُنِعَا
وَإِنْ يُجَرَّ فَأَجِزْ فِي الثَّانِي ... ثَلَاثَةَ الأَوْجُهِ خُذْ بَيَانِي
فَهَذِهِ تَضَمَّنَتْ تِسْعًا مُنِعْ ... وَجْهَانِ مِنْهَا فَادْرِهِ يَا مُسْتَمِعْ
وقال آخر [من الرجز أيضًا]:
وَأَوْجُهُ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ ... تَكُونُ تِسْعَةً لَدَى التَّقْسِيمِ
جَرُّهُمَا الثَّابِتُ فِي الْكِتَاب ... وَسِتَّةٌ تَسُوغُ فِي الإِعْرَابِ
أَيْ جَرُّ أَوَّلٍ وَنَصْبُ مَا تَلَا ... وَرَفْعُهُ كَذَا أَوِ انْصِبْ أَوَّلَا
مَعْ رَفْع تَالٍ ثُمَّ عَكْسُهُ أَتَى ... رَفْعُهُمَا نَصْبُهُمَا قَدْ ثَبَتَا
وَجَرَّ ثَانٍ مَعَ رَفْعِ أَوَّلِ ... أَوْ نَصْبِهِ امْنَعَنَّهُ فَلْتَدْعُ لِي (١)
وهما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و"رحمن" أشدّ مبالغة من "رحيم". وفي كلام ابن جرير ما يدلّ على الاتفاق على هذا. وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ، إذ لو كان مشتقّا لاتصل بذكر المرحوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وعن المبرّد أن "الرحيم" اسم عبرانيّ، ليس بعربيّ. وقال القرطبيّ: والدليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرَّحِمَ، وشَقَقتُ لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال المذكور نظر لا يخفى؛ إذ الحديث دليل على اشتقاق الرَّحِمِ من الرحمن، لا على اشتقاق الرحمن، كما هو المدّعَى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 206
قال: وإنكار العرب لاسم "الرحمن" لجهلهم بالله، وبما وجب له.
ثم قيل: هما بمعنى واحد، كندمان ونديم. قاله أبو عبيد. وقيل: ليس بناء فَعْلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو رجلٌ غضبان للرجل الممتلىء غضبًا، وفَعِيلٌ بمعنى الفاعل والمفعول.
قال أبو عليّ الفارسيّ: "الرحمن" اسم عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به الله تعالى، و"الرحيم" إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وقال ابن عبّاس ﵃: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر، أي أكثر رحمة.
وأكثر العلماء على أن "الرحمن" مختصّ بالله ، لا يجوز أن يسمّى به غيره، ألا تراه قال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠] فعادل الاسم الذي لا يشرَكُهُ فيه غيره، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]، فأخبر أن الرحمن هو المستحقّ للعبادة جلّ وعزّ.
وقد تجاسر مسيلِمَة الكذّاب -لعنه الله- فتسمّى برحمان اليمامة، حتى قال شاعره اللعين [من البسيط]:
سَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الأَكْرَمَيْنِ أَبَا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَا
وقد هجاه بعض المسلمين، وأحسن في ذلك، حيث قال [من البسيط أيضًا]:
سَمَوْتَ بِالْخُبْثِ يَا ابْنَ الأَخْبَثَيْنِ أَبَا ... وَأَنْتَ شَرُّ الْوَرَى لازِلْتَ شَيْطَانَا
ولم يتسمّ مسيلمة به حتى قَرَعَ مسامعهُ نعتُ الكذّاب، فألزمه الله تعالى الكذّاب لذلك، وإن كان كلّ كافر كاذبًا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علمًا يُعرف به، ألزمه الله إياه.
وقد قيل في اسم "الرحمن": إنه الاسم الأعظم. ذكره ابن العربيّ.
وقد زعم بعضهم أن "الرحيم" أشدّ مبالغةً من "الرحمن"، لأنه أُكّد به، والمؤكِّد لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد.
والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد، وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه ما ذكروه.
وإنما بدأ باسم "الله" لأنه أشرف الأسماء، وأُتبع بالرحمن لأنه أخصّ، وأعرف
стр. 207
من الرحيم؛ لأن التسمية أوّلا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخصّ، فالأخصّ.
[فإن قيل]: إذا كان "الرحمن" أشدّ مبالغة، فهلّا اكتفي به عن "الرحيم"؟ .
[أُجيب]: بأنه لمّا تسمّى غيره تعالى بـ "الرحمن" جيء بلفظ "الرحيم" ليقطع الوهم، فإنه لا يوصف بـ "الرحمن الرحيم" إلا الله تعالى.
وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف "الرحمن" حتى ردّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. ولهذا قال كفّار قريش يوم الحديبية لمّا كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" لا نعرف "الرحمن الرحيم". رواه البخاريّ، وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة.
والظاهر أن هذا من تعنّتهم في كفرهم، فإنه قد وُجد في أشعارهم في الجاهليّة تسمية الله بـ "الرحمن"، وقد أنشد بعض الجاهليّة الجهّال [من الطويل]:
أَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلَا قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا
وقال سلامة بن جندب الطُّهَويّ [من الطويل]:
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا إِذْ عَجِلْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقُ
انتهى ملخّصًا من تفسير القرطبيّ جـ ١ ص ١٠١ - ١٠٢. وتفسير ابن كثير جـ ١ ص ١١ - ٢٢. بتصرّف، مع زيادات مفيدة من حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وغير ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة عشرة: قال بعض المحققين: محذوفات القرآن، كمتعلّق البسملة لا يصحّ كونها قرآنًا؛ لأن ألفاظها غير مُنزَلة، ولا متعبّد بها، ولا معجزة، كما هو شأن القرآن، ولا يلزم من توقّف المعنى عليها احتياجه إلى كلام البشر؛ لأن معناها -كما قال الشهاب الخَفَاجيّ- مما يدلّ عليه لفظ الكتاب التزامًا؛ للزومها في مُتَعارَف اللسان، فهي من المعاني القرآنيّة المرادة له تعالى، وأما ألفاظها، فليست من القرآن؛ لأنها معدومة؛ لاقتضاء البلاغة حذفها، ومنها ما لا يُلفظ به أصلًا، كالضمائر المستترة. فاحفظ هذا، فإنه من مقصورات الخيام. ذكره الخضريّ في حاشيته المتقدّم ذكرها جـ ١ ص ٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: نَدَب الشرعُ إلى ذكر البسملة في أوّل كلّ فعل؛ كالأكل، والشرب، والنحر، والجماع، والطهارة، وركوب البحر، إلى
стр. 208
غير ذلك من الأفعال، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وقال ﷺ : "أغلِقْ بابك، واذكر اسم الله، وأطفىء مصباحك، واذكر اسم الله، وخمّر إناءك، واذكر اسم الله، وأوكِ سقاءك، واذكر اسم الله". وقال: "لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقدّر بينهما ولد لم يضرّه شيطانٌ أبدًا". وقال لعمر بن أبي سلمة ﵃ "يا غلام سمّ اللهَ، وكل بيمينك، وكل مما يليك". وقال: "إن الشيطان ليستحلّ الطعام ألّا يُذكر اسم الله عليه". وقال: "من لم يذبح، فليذبح باسم الله". وشكا إليه عثمان بن أبي العاص ﵁ وَجَعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضَعْ يدك على الذي تَألَمُ من جسدك، وقل: باسم ثلاثًا، وقل سبع مرّات: أعوذ بعزّة الله، وقدرته من شرّ ما أجد، وأُحاذر". هذا كلّه ثابتٌ في الصحيح. وروى ابن ماجه، والترمذيّ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "سِتْرُ ما بين الجنّ، وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: باسم الله" (١). وروى الدارقطنيّ عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مسّ طهوره يسمّي الله تعالى، ثمّ يُفرغ الماء على يديه" (٢). انتهى كلام القرطبيّ (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: اتفقت الأمّة على جواز كَتْبها في أول كلّ كتاب، من كتب العلم والرسائل؛ فإن كان الكتاب ديوان شعر، فرَوَى مجالد، عن الشعبيّ، قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وقال الزهريّ: مضت السنّة ألا يكتبوا في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وذهب إلى رسم التسمية في أوّل كتب الشعر سعيد بن جُبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخّرين. قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره، ونستحبّه انتهى كلام القرطبيّ (٤).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": قد استقرّ عمل الأئمّة المصنّفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا، فجاء عن الشعبيّ منع ذلك. وعن الزهريّ قال: مضت السنّة أن لا يُكتب في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك
стр. 209
الجمهور. وقال الخطيب: هو المختار انتهى (١).
وقال القاري رحمه الله تعالى في "المرقاة": والأحسن التفصيل، بل هو الصحيح، فإنّ الشعر حسنه حسنٌ، وقبيحه قبيح، فيصان إيراد البسملة في الْهَجْوِيّات، والْهَذَيَان، ومدائح الظلمة، ونحوها انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القاري هو الأولى عندي، ولعلّ ما نُقل عن الشعبيّ، والزهريّ من المنع محمول على هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ)
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى في "تفسيره": معنى "الحمد لله": الشكر لله خالصًا، دُونَ سائر ما يُعبد من دونه، ودُونَ كلّ ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده، من النعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يُحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآت لطاعاته، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم عليه، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام دار الخلود، في دار المقام، في النعيم المقيم، فَلِربِّنا الحمدُ على ذلك كفه، أوّلًا وآخرًا. انتهى (٢).
و"أل" في "الحمد" إما للجنس، وإما للاستغراق، إذ الحمد في الحقيقة كله له تعالى؛ إذ ما من خير إلا وهو مُوليه بوسط، أو بغير وسط؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية. أفاده البيضاويّ في تفسيره (٣).
و"الحمد" مرفوع بالابتداء، وخبره الجارّ والمجرور بعده، واللام الجارّة للاختصاص، بمعنى أنه مستحقّ الحمد؛ لما ترادف علينا من نعمه، ومتعلّق الجارّ والمجرور محذوف، تقديره: ثابتٌ، أو مستقرٌّ، أو نحو ذلك (٤). والجملة خبريّة لفظًا، إنشائيّة معنًى.
стр. 210
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: القرّاء السبعة على ضمّ الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾، مبتدأً، وخبرًا. وروي عن سفيان بن عُيينة، ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: "الحمدَ لله" بالنصب، وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عَبْلَة: "الحمدُ لُلّه" بضمّ الدّال واللام إتباعًا للثاني الأولَ، وله شواهد، لكنه شاذّ. وعن الحسن، وزيد بن عليّ: "الحمدِ لِلّه" بكسر الدال إتباعًا للأول الثانيَ. انتهى كلام ابن كثير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بـ "الحمدُ لله ":
المسألة الأولى: قال الشارح النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" لهذا الكتاب: إنما بدأ بالحمد؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بـ "الحمد لله" فهو أقطع". وفي رواية: "بحمد الله". وفي رواية: "بالحمد، فهو أقطع". وفي رواية: "أجذم". وفي رواية: "لا يُبدأ فيه بذكر الله". وفي رواية: "ببسم الله الرحمن الرحيم". رَوَينا كلّ هذه في "كتاب الأربعين" للحافض عبد القادر الرُّهَاويّ، سماعًا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباريّ، عنه. وروينا فيه أيضًا من رواية كعب بن مالك الصحابيّ ﵁ والمشهور رواية أبي هريرة ﵁. وهذا الحديث حسنٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه في "سننهما"، ورواه النسائيّ في كتاب "عمل اليوم والليلة"، روي موصولًا، ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيّد.
ومعنى "أقطع": قليل البركة، وكذلك: "أجذم" -بالجيم، والذال المعجمة- ويقال: جَذِمَ -بكسر الذال- يَجْذَمُ -بفتحها. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من تحسين هذا الحديث، وتابعه عليه التاج السبكيّ، وطوّل الكلام عليه في أوائل "طبقات الشافعيّة الكبرى"، كما تقدّم ليس بجيّد، فإن الحديث ضعيفٌ جدًّا.
قال أبو داود فى "سننه" بعد أن رواه موصولًا من طريق قُرّة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "بالحمد فهو أجذم": ما نصّه: رواه يونس، وعُقيلٌ، وشُعيبٌ، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا. يشير إلى أن الصحيح فيه الإرسال، وهو الذي جزم به الدارقطنيّ، هو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر، وأوثق من قُرّة، وهو ابن عبد الرحمن الْمَعَافريّ المصريّ، بل هو ضعفه الجمهور، فقد قال الجُوزجانيّ، عن أحمد: منكر الحديث جدًّا. وعن
стр. 211
ابن معين ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس بقويّ. وعن أبي داود: في حديثه نكارة.
وقول السبكيّ فيه: هو عندي في الزهريّ ثقة ثبت، فقد قال الأوزاعيّ: ما أحد أعلم بالزهريّ منه، وقال يزيد بن السِّمْط: أعلم الناس بالزهريّ قرّة بن عبد الرحمن. فهو بعيد عن الصواب؛ لأنه مخالف لأقوال الأئمة المذكورين فيه، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعيّ مما لا يُجدي شيئًا؛ فقد تعقّب أبو مسهر قول الأوزاعيّ، فقال: وكيف يكون قّرّة أعلم الناس بالزهريّ، وكلّ شيء روى عنه ستون حديثًا، بل أعلم الناس بالزهريّ: مالك، ومعمر، ويونس، والزبيديّ، وعُقيلٌ، وابن عُيينة، هؤلاء أهل الحفظ، والإتقان، والضبط.
وذكر في "تهذيب التهذيب" ما حاصله: أن مراد الأوزاعيّ أنه أعلم بحال الزهريّ من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق. والله تعالى أعلم (١).
وخلاصة القول أن قرّة ضعّفه الجمهور، ولم يوجد له توثيق صريح، إلا عن ابن عديّ، فإنه قال: لم أر له حديثًا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات" مع التعقّب المذكور عن أبي مسهر.
فتفرّده بوصل هذا الحديث، واضطرابه، في متنه، فتارة يقول: "بحمد الله"، وتارة "بذكر الله"، وتارة "أقطع"، وتارة "أبتر"، وتارة "أجذم" ومخالفته للثقات: يونس، وعُقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، فقد رووه كلهم عن الزهريّ، مرسلًا يدلّ على وَهَمِه، فتكون روايته منكرة، وقد عرفت بطلان دعوى متابعة الأوزاعىّ وغيره له فيما تقدّم، فالصحيح أن الحديث ضعيفٌ جدًّا. فتصحيح التاج السبكيّ، وتحسين غيره له مما لا يُلتفت إليه.
والحاصل أن حديث الحمدلة المذكور ضعيفٌ جدًّا، كما أن حديث البسملة المتقدّم واه بمرّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: قال العلاّمة القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره "
" الحمد" في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحقّ الحمدَ بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى، والصفات
стр. 212
العلى، وقد جُمِع لفظ الحمد جمع قلّة في قول الشاعر [من الطويل]:
وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضلِ أَحْمُدِي
فالحمد نقيض الذّمّ تقول: حَمِدت الرجل أحمده حمدًا، فهو حَميد، ومحمودٌ، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر، والْمُحَمَّدُ الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:
إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ ... الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
وبذلك سُمّي رسول الله ﷺ ، قال حسّان [من الطويل]:
فَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
والْمَحْمَدَة خلاف الْمذَمّة، وأحمدَ الرجلُ: صار أمره إلى الحمد، وأحمدته: وجدته محمودًا، تقول: أتيت موضع كذا، فأحمدته، أي صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه، أو مرعاه، ورجلٌ حُمَدة -مثل هُمَزة-: يكثر حمد الأشياء، ويقول فيها أكثر مما فيها، وحَمَدَةُ النارِ: صوت الالتهابها. انتهى كلام القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء، هل الحمد والشكر بمعنًى واحد، أم لا ؟
ذهب ابن جرير الطبريّ، وأبو العبّاس المبرّد إلى أنّ الحمد والشكر بمعنى واحد. وحكاه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن جعفر الصادق، وابنِ عطاء، قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إيّاه حتى حمدناه، واستدلّ الطبريّ على أنهما بمعنى بصحّة قولك: الحمد للَّه شُكرًا. قال ابن عطيّة: وهو في الحقيقة دليلٌ على خلاف ما ذهب إليه؛ لأن قولك: شُكرًا، إنما خصّصت به الحمد؛ لأنه على نعمة من النعم.
وقال بعض العلماء: إن الشكر أعمّ من الحمد؛ لأنه باللسان، وبالجوارح، وبالقلب. والحمد إنما يكون باللسان خاصّة.
وقيل: الحمد أعمّ؛ لأن فيه معنى الشكر، ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عبّاس ﵃ أنه قال: "الحمد للَّه" كلمة كلّ شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: "الحمد للَّه". وقال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾، وقال في قصّة داود، وسليمان: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ
стр. 213
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال لنبيّه ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.، وقال أهل الجنّة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فهي كلمة كلّ شاكر.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الصحيح أن الحمد ثناءٌ على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يقع على الثناء، وعلى التحميد، وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفًا، فصار الحمد أعمّ في الآية (١)؛ لأنه يزيد على الشكر.
ويذكر الحمد بمعنى الرضى، يقال: بَلَوته، فَحَمِدتُه: أي رضيته، ومنه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم عن ابن جرير، من استدلاله بقول القائل: الحمد للَّه شكرًا: ما نصّه: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظرٌ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أنّ الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة، والمتعدّية، والشكر لا يكون إلا على المتعدّية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
ولكنّهم اختلفوا أيّهما أعمّ، الحمد، أو الشكر؟ ، على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعمّ من الشكر، من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة، والمتعدّية، تقول: حمدته لفروسيّته، وحمدته لكرمه، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعمّ من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول، والفعل، والنيّة، كما تقدّم، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدّية، لا يقال: شكرته لفروسيّته، وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرّره بعض المتأخّرين والله أعلم.
وقال أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ: الحمد نقيض الذّمّ، تقول: حمدت الرجل أحمَدُهُ حمدًا، ومَحْمَدَةً، فهو حميدٌ، ومحمودٌ. والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر.
стр. 214
وقال فى "الشكر": هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرتُ له، وباللام أفصح.
وأما المدح فهو أعمّ من الحمد؛ لأنه يكون للحيّ، وللميت، وللجماد أيضًا، كما يُمدَح الطعام، والمكان، ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان، وبعده، وعلى الصفات المتعدّية واللازمة أيضًا، فهو أعمّ انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويذكر عن جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مَنْ حمده بصفاته كما وَصَفَ نفسه، فقد حَمِد؛ لأن الحمد حاءٌ، وميمٌ، ودالٌ، فالحاء من الوحدانيّة، والميم من الملك، والدّال من الديمومة، فمن عرفه بالوحدانيّة، والديمومة، والملك، فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد للَّه. وقال شقيق بن إبراهيم في "تفسيره": "الحمد للَّه" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئًا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قُوتُهُ في جسدك لا تعصه. فهذه شرائط الحمد انتهى (٢).
وقال الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري في "إعراب ألفيّة ابن مالك": إنما اختيرت مادّةُ الحمد المشتملةُ على الحاء الحلقيّة، والميم الشفويّة، والدّال اللسانيّة في الثناء على ربّ البريّة، كي لا يخلو مخرجٌ عن ذلك بالكلّيّة. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختَلفَ العلماءُ أيّما أفضل، قول العبد: "الحمد لله ربّ العالمين"، أو قول: "لا إله إلا الله "؟
فقالت طائفة: قوله. "الحمد للَّه ربّ العالمين" أفضل؛ لأن في ضمنه التوحيد الذي هو "لا إله إلا الله"، ففي قوله: "الحمد للَّه" توحيد وحمد، وفي قوله: "لا إله إلا الله" توحيد فقط.
وقالت طائفة: "لا إله إلا الله" أفضل؛ لأنها تدفع الكفر، والإشراك، وعليها يقاتَلُ الخلق، قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". متفق عليه. واختار هذا القول ابن عطيّة، قال: والحاكم بذلك قول النبيّ ﷺ : "أفضل ما قلتُ أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له". انتهى كلام القرطبيّ.
стр. 215
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختار ابن عطيّة رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي، والحديث الذي استدلّ به أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى في "الموطإ": عن زياد ابن أبي زياد مولى عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز: أن رسول الله ﷺ ، قال: "أفضل الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له".
وهذا مرسل رجاله ثقات، وله شواهد، عن أبي هريرة، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فيصحّ بها (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قد وردت في فضل الحمد أحاديث
فمنها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي مالك الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تلأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن"، أو "تملأ ما بين السماء والأرض".
ومنها: ما أخرجه أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لَيَرْضى عن العبد أن يأكل الأَكْلَة، فيَحمَدَه عليها، أو يشرب الشَّرْبَةَ، فيحمدَهُ عليها".
ومنها: ما أخرجه ابن ماجه في "سننه" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ". حديث حسن.
ومنها: ما أخرجه أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵃، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد للَّه". حديث حسنٌ أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب ".
(رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أي مالك جميع العالمين، وخالقهم، ومدبّر شؤونهم، والقريبٌ منهم، والمحيط بجميعهم، ومريد الخير بهم، ومولي النعم لهم، وجامعهم ليوم لا ريب فيه، والسيّد الذي لا شِبْهَ لهُ، ولا مثلَ في سُؤدَده، وهو الذي أصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من