ابن معين ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس بقويّ. وعن أبي داود: في حديثه نكارة.
وقول السبكيّ فيه: هو عندي في الزهريّ ثقة ثبت، فقد قال الأوزاعيّ: ما أحد أعلم بالزهريّ منه، وقال يزيد بن السِّمْط: أعلم الناس بالزهريّ قرّة بن عبد الرحمن. فهو بعيد عن الصواب؛ لأنه مخالف لأقوال الأئمة المذكورين فيه، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعيّ مما لا يُجدي شيئًا؛ فقد تعقّب أبو مسهر قول الأوزاعيّ، فقال: وكيف يكون قّرّة أعلم الناس بالزهريّ، وكلّ شيء روى عنه ستون حديثًا، بل أعلم الناس بالزهريّ: مالك، ومعمر، ويونس، والزبيديّ، وعُقيلٌ، وابن عُيينة، هؤلاء أهل الحفظ، والإتقان، والضبط.
وذكر في "تهذيب التهذيب" ما حاصله: أن مراد الأوزاعيّ أنه أعلم بحال الزهريّ من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق. والله تعالى أعلم (١).
وخلاصة القول أن قرّة ضعّفه الجمهور، ولم يوجد له توثيق صريح، إلا عن ابن عديّ، فإنه قال: لم أر له حديثًا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات" مع التعقّب المذكور عن أبي مسهر.
فتفرّده بوصل هذا الحديث، واضطرابه، في متنه، فتارة يقول: "بحمد الله"، وتارة "بذكر الله"، وتارة "أقطع"، وتارة "أبتر"، وتارة "أجذم" ومخالفته للثقات: يونس، وعُقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، فقد رووه كلهم عن الزهريّ، مرسلًا يدلّ على وَهَمِه، فتكون روايته منكرة، وقد عرفت بطلان دعوى متابعة الأوزاعىّ وغيره له فيما تقدّم، فالصحيح أن الحديث ضعيفٌ جدًّا. فتصحيح التاج السبكيّ، وتحسين غيره له مما لا يُلتفت إليه.
والحاصل أن حديث الحمدلة المذكور ضعيفٌ جدًّا، كما أن حديث البسملة المتقدّم واه بمرّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: قال العلاّمة القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره "
" الحمد" في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحقّ الحمدَ بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى، والصفات
стр. 212
العلى، وقد جُمِع لفظ الحمد جمع قلّة في قول الشاعر [من الطويل]:
وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضلِ أَحْمُدِي
فالحمد نقيض الذّمّ تقول: حَمِدت الرجل أحمده حمدًا، فهو حَميد، ومحمودٌ، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر، والْمُحَمَّدُ الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:
إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ ... الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
وبذلك سُمّي رسول الله ﷺ ، قال حسّان [من الطويل]:
فَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
والْمَحْمَدَة خلاف الْمذَمّة، وأحمدَ الرجلُ: صار أمره إلى الحمد، وأحمدته: وجدته محمودًا، تقول: أتيت موضع كذا، فأحمدته، أي صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه، أو مرعاه، ورجلٌ حُمَدة -مثل هُمَزة-: يكثر حمد الأشياء، ويقول فيها أكثر مما فيها، وحَمَدَةُ النارِ: صوت الالتهابها. انتهى كلام القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء، هل الحمد والشكر بمعنًى واحد، أم لا ؟
ذهب ابن جرير الطبريّ، وأبو العبّاس المبرّد إلى أنّ الحمد والشكر بمعنى واحد. وحكاه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن جعفر الصادق، وابنِ عطاء، قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إيّاه حتى حمدناه، واستدلّ الطبريّ على أنهما بمعنى بصحّة قولك: الحمد للَّه شُكرًا. قال ابن عطيّة: وهو في الحقيقة دليلٌ على خلاف ما ذهب إليه؛ لأن قولك: شُكرًا، إنما خصّصت به الحمد؛ لأنه على نعمة من النعم.
وقال بعض العلماء: إن الشكر أعمّ من الحمد؛ لأنه باللسان، وبالجوارح، وبالقلب. والحمد إنما يكون باللسان خاصّة.
وقيل: الحمد أعمّ؛ لأن فيه معنى الشكر، ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عبّاس ﵃ أنه قال: "الحمد للَّه" كلمة كلّ شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: "الحمد للَّه". وقال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾، وقال في قصّة داود، وسليمان: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ
стр. 213
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال لنبيّه ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.، وقال أهل الجنّة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فهي كلمة كلّ شاكر.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الصحيح أن الحمد ثناءٌ على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يقع على الثناء، وعلى التحميد، وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفًا، فصار الحمد أعمّ في الآية (١)؛ لأنه يزيد على الشكر.
ويذكر الحمد بمعنى الرضى، يقال: بَلَوته، فَحَمِدتُه: أي رضيته، ومنه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم عن ابن جرير، من استدلاله بقول القائل: الحمد للَّه شكرًا: ما نصّه: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظرٌ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أنّ الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة، والمتعدّية، والشكر لا يكون إلا على المتعدّية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
ولكنّهم اختلفوا أيّهما أعمّ، الحمد، أو الشكر؟ ، على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعمّ من الشكر، من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة، والمتعدّية، تقول: حمدته لفروسيّته، وحمدته لكرمه، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعمّ من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول، والفعل، والنيّة، كما تقدّم، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدّية، لا يقال: شكرته لفروسيّته، وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرّره بعض المتأخّرين والله أعلم.
وقال أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ: الحمد نقيض الذّمّ، تقول: حمدت الرجل أحمَدُهُ حمدًا، ومَحْمَدَةً، فهو حميدٌ، ومحمودٌ. والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر.
стр. 214
وقال فى "الشكر": هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرتُ له، وباللام أفصح.
وأما المدح فهو أعمّ من الحمد؛ لأنه يكون للحيّ، وللميت، وللجماد أيضًا، كما يُمدَح الطعام، والمكان، ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان، وبعده، وعلى الصفات المتعدّية واللازمة أيضًا، فهو أعمّ انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويذكر عن جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مَنْ حمده بصفاته كما وَصَفَ نفسه، فقد حَمِد؛ لأن الحمد حاءٌ، وميمٌ، ودالٌ، فالحاء من الوحدانيّة، والميم من الملك، والدّال من الديمومة، فمن عرفه بالوحدانيّة، والديمومة، والملك، فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد للَّه. وقال شقيق بن إبراهيم في "تفسيره": "الحمد للَّه" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئًا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قُوتُهُ في جسدك لا تعصه. فهذه شرائط الحمد انتهى (٢).
وقال الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري في "إعراب ألفيّة ابن مالك": إنما اختيرت مادّةُ الحمد المشتملةُ على الحاء الحلقيّة، والميم الشفويّة، والدّال اللسانيّة في الثناء على ربّ البريّة، كي لا يخلو مخرجٌ عن ذلك بالكلّيّة. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختَلفَ العلماءُ أيّما أفضل، قول العبد: "الحمد لله ربّ العالمين"، أو قول: "لا إله إلا الله "؟
فقالت طائفة: قوله. "الحمد للَّه ربّ العالمين" أفضل؛ لأن في ضمنه التوحيد الذي هو "لا إله إلا الله"، ففي قوله: "الحمد للَّه" توحيد وحمد، وفي قوله: "لا إله إلا الله" توحيد فقط.
وقالت طائفة: "لا إله إلا الله" أفضل؛ لأنها تدفع الكفر، والإشراك، وعليها يقاتَلُ الخلق، قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". متفق عليه. واختار هذا القول ابن عطيّة، قال: والحاكم بذلك قول النبيّ ﷺ : "أفضل ما قلتُ أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له". انتهى كلام القرطبيّ.
стр. 215
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختار ابن عطيّة رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي، والحديث الذي استدلّ به أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى في "الموطإ": عن زياد ابن أبي زياد مولى عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز: أن رسول الله ﷺ ، قال: "أفضل الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له".
وهذا مرسل رجاله ثقات، وله شواهد، عن أبي هريرة، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فيصحّ بها (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قد وردت في فضل الحمد أحاديث
فمنها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي مالك الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تلأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن"، أو "تملأ ما بين السماء والأرض".
ومنها: ما أخرجه أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لَيَرْضى عن العبد أن يأكل الأَكْلَة، فيَحمَدَه عليها، أو يشرب الشَّرْبَةَ، فيحمدَهُ عليها".
ومنها: ما أخرجه ابن ماجه في "سننه" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ". حديث حسن.
ومنها: ما أخرجه أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵃، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد للَّه". حديث حسنٌ أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب ".
(رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أي مالك جميع العالمين، وخالقهم، ومدبّر شؤونهم، والقريبٌ منهم، والمحيط بجميعهم، ومريد الخير بهم، ومولي النعم لهم، وجامعهم ليوم لا ريب فيه، والسيّد الذي لا شِبْهَ لهُ، ولا مثلَ في سُؤدَده، وهو الذي أصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من
стр. 216
نعمه، وهو الذي جبر كسرهم، وهو المالك المعبود، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.
مسائل تتعلّق بـ "ربّ العالمين ":
المسألة الأولى: في إعرابها:
اعلم: أن "ربّ" بالجرّ -كما قرأ به الجمهور في الآية- نعتًا للاسم الكريم (١)، أو عطف بيان للمدح، أو بدلًا منه، ويجوز رفعه على القطع، خبراً لمبتدإ محذوف وجوبًا؛ لكونه نعتَ مدحٍ، تقديره: هو ربّ العالمين، ونصبه مفعولًا لفعل محذوف وجوبًا أيضًا؛ لما ذُكر، تقديره: أمدح ربَّ العالمين، أو بفعل مقدّر دلّ عليه "الحمد"، تقديره: أحمد ربَّ العالمين، أو منصوب على النداء، حذف منه حرف النداء، أي يا ربّ العالمين، كما قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ ... كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي
و"العالمين" مجرور بالمضاف على الراجح، وقيل. بالإضافة، وقيل بالحرف المقدّر له الإضافة، وعلامة جرّة الياء؛ لأنه من جمع المذكّر السالم، أو ملحق به، على ما سيأتي من الخلاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في معنى "الربّ ".
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: "الرّبّ" في كلام العرب منصرف على معانٍ: فالسيّد المطاع فيهم يُدعى ربًّا، ومن ذلك قول لَبِيد بن رَبِيعة [من الطويل]:
وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وَابْنَهُ ... وَرَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ (٢)
يعني بربّ كِندَة: سيّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبْيَان [من الطويل]:
تَخُبُّ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنَالَهُ ... فِدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي
والرجل الْمُصْلِحُ للشيء يُدعَى ربًّا، ومنه قول الفَرَزْدَق بن غالبٍ [من البسيط]:
كَانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إِذْ حَقَنَتْ ... سِلَاءَهَا فِي أَدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ (٣)
стр. 217
يعني بذلك في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صَنيعتَه عند فلان: إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها. ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدَةَ [من الطويل]:
فَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضعْتُ رُبُوبُ (١)
يعني بقوله: "أفضت إليك" أي وصلت إليك رِبَابتي، فصِرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري، فتصلحه لَمَّا خرجتُ من رِبابة غيرك من الملوك، كانوا قبلك عليّ، فضيّعوا أمري، وتركوا تفقّده، وهم الربوب، واحدهم رَبٌّ. والمالك للشيء يُدعَى ربَّهُ. وقد يتصرّف أيضًا معنى "الربّ" في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.
فربّنا جلّ ثناؤه: السيّد، الذي لا شِبْهَ لهُ، ولا مثل في مثل سُؤدَده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله تعالى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى "الربّ": المالك. وفي "الصحاح": و"الرّبّ": اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره، إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهليّة للمَلِك، قال الحارث بن حِلِّزَةَ [من الخفيف]:
وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْمِ ... الْحِيَارَينِ وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ
والحِيَارِين: موضع غزا أهلَهُ المنذرُ بن ماء السماء.
والربّ: السيّد، ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وفي الحديث: "أن تلد الأمة ربتها"، أي سيّدتها. والربّ: المصلح، والمدبّر، والجابر، والقائم. قال الهرويّ، وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء، وإتمامه: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ له، ورابٌّ، ومنه سُمّي الربّانيّون؛ لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: "هل لك من نعمة ترُبُّها عليه"، أي تقوم بها، وتُصلحها. و"الربّ": المعبود، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ (٣) بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ
ويقال على التكثير: رّبَّاه، ورَبَّبَهُ، وتَرَبَّبَهُ. حكاه النّحّاس. وفي "الصحاح": ورَبَّ فلانٌ ولده يرُبُّهُ رَبًّا، ورَبَّبَهُ، وتربّبه بمعنى: أي ربّاه. والمربوب: الْمُرَبَّى.
стр. 218
قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم؛ لكثرة دعوة الداعين به، وتأمّل ذلك في القرآن، كما في آخر "آل عمران"، و"سورة إبراهيم"، وغيرهما، ولما يُشعِر به هذا الوصف من الصِّلَة بين الربّ والمربوب، مع ما يتضمّنه من العطف، والرحمة، والافتقار في كلّ حال. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "الربّ" هو المالك المتصرّف، ويطلق في اللغة على السيّد، وعلى المتصرّف للإصلاح، وكلّ ذلك صحيحٌ في حقّ الله تعالى، ولا يستعمل لغير الله، إلا بالإضافة. وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. انتهى كلام ابن كثير (٢).
وقال في "لسان العرب": ما مختصره: وربّ كلّ شيء: مالكه، ومستحقّه. وقيل: صاحبه. ويقال: فلانٌ ربُّ هذا الشيء: أي مالكه، وكلّ من ملك شيئًا، فهو ربّه. والربّ يُطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمدبّر، والمربّي، والقيّم، والمنعم. ولا يُطلق غيرَ مضاف إلا على الله ، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فقيل: ربّ كذا. وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير، ولم يُذكر في غير الشعر. انتهت عبارة "اللسان" بتصرّف.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: متى أدخلت الألف واللام على "ربّ" اختصّ الله تعالى به؛ لأنها للعهد، وإن حُذفا منه صار مشتركًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله ربّ العباد، وزيدٌ ربّ الدار، فالله ربّ الأرباب، يملك المالك، والمملوك، وهو خالق ذلك، ورازقه، وكلّ ربّ سواه غير خالق، ولا رازقٍ، وكلّ مملوك (٣) فمُمَلَّك بعد أن لم يكن، ومنتزَع ذلك من يده، وإنما يملك شيئًا دون شيء، وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين انتهى (٤).
وقد أوصل بعضهم معاني الربّ إلى أربعة عشر معنًى، ونظمها بقوله [من الطويل]:
قَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرِّ ... مُرَبِّ مُرِيدُ الْخَيْرِ وَالْمُولِي لِلنِّعَمْ
وَخَالِقُنَا الْمَعْبُودُ جَابِرُ كَسْرِنَا ... وَمُصلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثَّابِتُ الْقَدَمْ
وَجَامِعُنَا وَالسَّيِّدُ احْفَظْ فَهَذِهِ ... مَعَانٍ أَتَتْ لِلربِّ وَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ (٥)
стр. 219
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اشتقاق "الربّ ":
قال العلامة السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: اختُلف، هل هو في الأصل وصف، أو مصدر؟ فمنهم من قال: هو وصف، ثم اختَلف هؤلاء في وزنه، فقيل: هو على وزن فَعْل، كقولك: نَمَّ يَنُمُّ، فهو نَمٌّ. وقيل: وزنه فاعلٌ، وأصله رابٌّ، ثم حُذفت الألف لكثرة الاستعمال، كقولهم: رجلٌ بارٌّ، وبَرٌّ.
ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن بَرًّا مأخوذٌ من بارّ، بل هما وصفان، مستقلّتان، فلا ينبغي أن يُدّعَى أن ربّا أصله رابّ.
ومنهم من قال: هو مصدر ربه يربه ربا: أي ملكه، نحو رجل عدل، وصوم انتهى كلام السمين (١).
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: قيل: إنه مشتق من التربية، فالله مدبر لخلقه، ومربيهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسميت بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها. فعلى هذا أنه مدبر لخلقه، ومربيهم، فيكون صفة فعل؛ وعلى أن الرب بمعنى المالك، والسيد يكون صفة ذات. انتهى كلام القرطبي بتصرف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في معنى "العالمين ":
قال السمين رحمه الله تعالى: خفض بالإضافة، وعلامة خفضه الياء؛ لجريانه مجرى جمعِ المذكر السالم، وهو اسم جمع؛ لأن واحده من غير لفظه، ولا يجوز أن يكون جمعًا لعالم؛ لأن الصحيح في "عالم" أنه يطلق على كل موجود سوى الباري تعالى؛ لاشتقاقه من العلامة، بمعنى أنه دال على صانعه، و"عالمون" بصيغة الجمع لا يطلق إلا على العقلاء، دون غيرهم، فاستحال أن يكون "عالمون" جمع "عالم"؛ لأن الجمع لا يكون أخص من المفرد.
وقال الراغب: إن "العالم" في الأصل اسم لما يعلم به، كالطابع اسم لما يطبع به، وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة، فالعالم آلة في الدلالة على صانعه. وقال الراغب أيضًا: وأما جمعه جمع السلامة فلكون الناس في جملتهم، والإنسان إذا شارك غيره فيه اللفظ غلب حكمه. وظاهر هذا أن "العالمين" يطلق على العقلاء وغيرهم، وهو مخالف لما تقدم من اختصاصه بالعقلاء -كما زعم بعضهم- وكلام
стр. 220
الراغب هو الأصح الظاهر. انتهى كلام السمين باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه السمين من كون "العالمين" جمعًا لـ "عالم" حقيقة هو الحق عندي، كما جرى عليه الرضي، تبعًا لـ "الكشاف"، وغيره؛ لأنه في الأصل صفة لما فيه من معنى العلم، كالخاتم لما يختم به، والقالب لما يقلب به الشيء من حالة إلى حالة؛ لأن جميع المخلوقات لإمكانها، وافتقارها إلى مؤثر يعلم بها ذات موجدها، وتدل على وجوده، ولما غلب على العقلاء منهم جمع بالواو كسائر أوصافهم، فدخول غيرهم في "العالمين" تغليب. انظر "حاشية الخضري على الخلاصة" ج ١ ص ٥٦.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: "العالمون" جمع عالم، والعالم جمع، لا واحد له من لفظه، كالأنام، والرهط، والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماع، لا واحد له من لفظه. والعالم: اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن، وذلك الزمان. والجن عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كل جنس منها عالم زمانه، ولذلك جمع، فقيل: عالمون، وواحده جمع، لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان، ومن ذلك قول العجاج:
فَخِنْدِفٌ (٢) هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ
فجعلهم عالم زمانه. وهذا القول الذي قلناه قول ابن عبّاس، وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامّة المفسّرين انتهى كلام الطبريّ (٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل التأويل في "العالمين" اختلافًا كثيرًا، فقال قتادة: العالمون جمع عالم، وهو كلّ موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه، مثل رهط، وقوم. وقيل: أهل كلّ زمان عالمٌ. قاله الحسين بن الفضل؛ لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ [الشعراء: ١٦٥]. أي من الناس. وقال العجاج:
وقالما جرير بن الخَطَفَى.
تَنَصَّفَهُ الْبَرِيَّةُ وَهْوَ سَامٍ ... وَيُضْحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عَلِيلَا
стр. 221
وقال ابن عبّاس: العالمون الجنّ والإنس؛ دليله قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ولم يكن نذيرًا للبهائم. وقال الفرّاء، وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهو أربعة أمم: الإنس، والجنّ، والملائكة، والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم؛ لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصّة.
قال الأعشى:
مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا
وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيّون. وهو معنى قول ابن عبّاس أيضًا: كلّ ذي رُوح دَبَّ على وجه الأرض. وقيل: غير ذلك (١).
قال القرطبيّ: والقول الأول أصحّ هذه الأقوال، لأنه شامل لكلّ مخلوق وموجود؛ دليله قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. ثم هو مأخوذٌ من الْعَلَم والعلامةِ؛ لأنه يدلّ على موجده. كذا قال الزجّاج، قال: العالم كلّ ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال الخليل: الْعَلَم والعلامةُ، والْمَعْلَم: ما دلّ على الشيء؛ فالعالم دالّ على أن له خالقًا، ومدبّرًا، وهذا واضح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صحّحه القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وهو ظاهر في كون "العالمين" جمع مذكّر سالمًا حقيقةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
هذه الجملة لم توجد في بعض النسخ. و"العاقبةُ" بالرفع على أنه مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، بيّن به كونَ العاقبة المحمودة للمتّقين من العالمين. ويحتمل أن يكون بالجرّ عطفًا على "العالمين" أي وربّ العاقبة التي تكون للمتّقين فقط.
стр. 222
ومناسبته لما قبله أن فيه حَثًّا للعالمين على تقوى الله تعالى، لتكون لهم العاقبة المحمودة. والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: و"العاقبةُ": آخر كلّ شيء، ولكنّها إذا أطلقت، فقيل: العاقبة لفلان، فُهم منه في العُرْف الخير. قاله القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "ال" في "العاقبة" لاستغراق خصائص الأفراد، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ومنه نحو: زيد الرجل علمًا، أي الكامل في هذه الصفة (٢).
فعاقبة المتقين هي العاقبة المعتبرة، وأما العواقب التي تكون لغير المتقين فليست معتبرةً، فكأنها لا شيء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(وَصَلَّى الله) جملة فعليّة خبريّةٌ لفظًا، إنشائيّةٌ معنًى، وأصح ما قيل معناها صلاة الله تعالى ثناؤه على نبيّه ﷺ عند الملائكة الكرام، كما سيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وهذا الّذي فَعَلَه المصنّف رحمه الله تعالى من ذكر الصلاة على النبيّ ﷺ بعد الحمدلة، هو عادة العلماء رحمهم الله تعالى.
قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: روَينا بإسنادنا الصحيح المشهور من "رسالة الشافعيّ"، عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾، قال: لا أُذكر إلا ذُكرت، أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ورَوَينا هذا التفسير مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، عن جبريل، عن ربّ العالمين. انتهى (٣).
(عَلَى مُحَمَّدٍ) أشرف أسماء نبيّنا ﷺ ، سمّي به لكثرة خصاله المحمودة، كذا قاله ابن فارس وغيره من أهل اللغة، قالوا: ويقال لكلّ كثير الخصال الجميلة: محمّد، ومحمود. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا أيضًا إن شاء الله تعالى (خَاتَم النَّبِيّنَ) أي آخرهم، فلا نبيّ بعده ﷺ .
وفي "الخاتم" لغات: قال في "القاموس" و"شرحه": الْخِتَام ككِتَاب: الطينُ يُختم به على الشيء، والخاتَمُ -بفتح التاء-: ما يوضع على الطينة، وحَلْيٌ للإصبع،
стр. 223
كالخاتِم -بكسرها- والخاتَامِ، والْخَيْتَامِ -بالفتح-، والْخِيتَام -بالكسر- والْخَتَمِ -محرّكةً، والخَاتِيَام، جمعه خواتم، وخواتيم. فهي سبعة، نقلها ابن سيدهْ، ما عدا الأخيرة، واقتصر الجوهريّ على الخمسة الأولى، وزاد ابن مالك الْخَيْتَم، كحَيْدَرٍ، وجمعها خمسَ لغات، فقال:
فِي الْخَاتَمِ الْخَيْتَمُ وَالْخَيْتَامَا ... يَرْوُونَ وَالْخَاتِمُ وَالْخَاتَامَا
ونظمها الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى بقوله [من البسيط]:
خُذْ عَدَّ نَظْمِ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ ... ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نَظَّامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ (١) خَاتِمٌ وَخِتَا ... مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ
وَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وإِذَا ... سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ (٢)
وإنما قال: "خاتم النبيّين"، ولم يقل: "خاتم المرسلين"، وإن كان خاتمًا لهم أيضًا لما عُلِم أنّ النبوّة أعمّ من الرسالة باعتبار البشر، ونفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ، فلزم من كونه خاتم النبيّين بمعنى لا نبيّ بعده أنه خاتم المرسلين أيضًا، أي لا رسول بعده، بخلاف العكس، فلو ذكر المرسلين مع النبيّين لكان حشوًا (٣) (وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ) "الأنبياء": جمع نبيٍّ مشدّد الياء، من النّبْوَة، وهي الرفعة، فأصله نَبِيوٌ، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أُدغمت الياء في الياء. كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
إن يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا ... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا ... وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
أو هو جمع نبيءٍ، مخفف الياء، مهموزًا، من النَّبَأ محرَّكةً، وهو الخبر، ففَعِيلٌ على كليهما، إما بمعنى فاعل، أو مفعول، أي مرفوع الرتبة عند الله تعالى، أو رافع رتبة من تبعه، أو مُخبَرٌ عن الله تعالى، أو مُخبِرٌ عنه. هذا هو المشهور.
ويجوز أن يكون المهموز من النَّبْءِ -بسكون الموحّدة- وهو الارتفاع، كما في "القاموس"، فيكون كالمشدّد، ويجوز كون المشدّد مخفّفَ المهموز، فيكون بمعناه.
стр. 224
أفاده الصبّان في "حاشية الأشمونيّ" (١).
و"النبيّ ﷺ " إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر بذلك، فرسول أيضًا. أو أمر بتبليغه، وإن لم يكن له كتابٌ، أو نسخٌ لبعض شرع من قبله، كيوشع، فإن كان له ذلك، فرسول أيضًا، قولان. فالنبيّ أعمّ من الرسول عليهما. وفي قول ثالث: إنهما بمعنًى، وهو معنى الرسول على الأولِ المشهورِ. قاله المحليّ في "شرح جمع الجوامع" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بجملة الصلاة المذكورة:
المسألة الأولى: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة:
قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه": قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس ﵄: يصلّون يُبّرِّكون. انتهى.
قال في "الفتح": تحت قول أبي العالية: أخرجه ابن أبي حاتم. وقال تحت قول ابن عبّاس: وصله الطبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يُبَرِّكون على النبيّ ﷺ ، أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه انتهى (٣).
وقال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه": ورُوِيَ عن سفيان الثوريّ، وغيرِ واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الربّ الرحمةُ، وصلاة الملائكة الاستغفار انتهى كلام الترمذيّ (٤).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاريّ عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار انتهى كلام
стр. 225
ابن كثير (١).
وقد رجّح ابن القيّم تفسير من فسّر صلاة الله تعالى بالثناء عند الملائكة، وردّ على من فسّرها بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه "جلاء الأفهام". ونقلته في "شرح النسائيّ" فراجعه فإنه مفيدٌ جدًّا.
وقال الحافظ في "الفتح" بعدما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيّه ﷺ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة، وغيرهم عليه، طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة.
ونقل القاضي عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبيّ ﷺ من الله تشريفٌ، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبيّ رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيّ ﷺ ، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيّ ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أنّ في هذه الآية من تعظيم النبيّ ﷺ ، والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الْحَلِيميّ في "الشُّعَب": معنى الصلاة على النبيّ ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهمّ صلّ على محمد: عظّم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: "صلّوا": ادعوا ربّكم بالصلاة عليه انتهى.
ولا يعكُر عليه عطف آله، وأزواجه، وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيّده أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صلّ على محمد، اللهمّ ارحم محمدًا، أو ترحّم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهّد عند من يوجبه بقول المصلّي في التشهّد: "السلام عليك أيها النبيّ ﷺ ، ورحمة الله، وبركاته". ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبّد، فلا بدّ من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢).
стр. 226
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن أرجح الأقوال في معنى الصلاة على النبيّ ﷺ ثناء الله تعالى عليه عند ملائكته الكرام، وهو يستلزم معنى الرحمة أيضًا، فإن الله تعالى لا يثني على عبده في الملأ الأعلى إلا إذا أحبّه، ومن أحبّه رحمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في معنى "محمّد" اسم النبيّ ﷺ ، واشتقاقه:
لقد أجاد ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع في كتابه "جلاء الأفهام" أيضًا، فأجمل، وأفاد، قال: ما مُلخّصه:
هذا الاسم هو أشرف أسمائه ﷺ ، وهو علَمٌ منقولٌ من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد، وبُني على زنة مُفَعَّلٍ، مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّبٍ، ومُسَوَّدٍ، ومُبَجَّلٍ، ونظائرها؛ لأن هذا البناء موضوعٌ للتكثير، فإن اشتُقّ منه اسم فاعل، فمعناه من كثُرَ صدور الفعل منه مرّة بعد مرّة، كمعلِّم، ومُفهِّمِ، ومُبيِّنٍ، ونحوها، وإن اشتُقّ منه اسم مفعول، فمعناه مَن كثُر وقوع الفعل عليه مرّةَ بعد أُخرى، إما استحقاقًا، أو وقوعًا، فمحمّد هو الذي كثُر حمد الحامدين له مرّةً بعد أُخرى، أو الذي يستحقّ أن يُحمد مرّة به أخرى. ويقال. حُمِّدَ فهو مُحمَّد، كما يقال. عُلِّم فهو معلَّمٌ.
وهو علَمٌ، وصفةٌ اجتمع فيه الأمران في حقّه ﷺ ، وإن كان علمًا مختصًّا في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيّه، هي أعلام دالّةٌ على معانٍ هي بها أوصافٌ، فلا تُضادّ فيها العلميّة الوصف، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله، الخالق، البارىء، المصوّر، القهّار، فهذه أسماء له، دالّة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه.
وكذلك أسماء النبيّ ﷺ : محمد، وأحمد، والماحي. وفي حديث جُبير بن مُطعَم، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّ لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر". فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبيّنًا ما خصّه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضةً لا معنى لها، لم تدلّ على مدحٍ، ولهذا قال حسّان ([من الطويل]:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وكذلك أسماء الربّ تعالى كلّها مدحٌ، فلو كانت ألفاظاً مجرّدةً، لا معانيَ لها لم تدلّ على المدح، وقد وصفها الله ﷺ بأنها حُسْنَى كلّها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
стр. 227
فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠] فهي لن تكون حُسنَى لمجرّد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لَمّا سمع بعض الأعراب قارئًا يقرأ: "والسارق والسارقة، فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالًا من الله، والله غفور رحيم" قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارىء: أتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله، فعاد إلى حفظه، وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، فقال الأعرابيّ: صدقتَ، عَزَّ، فحكم، ولو غفر، ورحِمَ لما قطع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم العذاب، أو بالعكس ظهر تنافر الكلام، وعدم انتظامه.
وفي "السنن" من حديث أُبيّ بن كعب ﵁ حديث: قراءة القرآن على سبعة أحرف، ثم قال: "ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب".
ولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة، لا معنى لها، لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا، أو بهذا.
ثم قال رحمه الله تعالى: إذا ثبت هذا، فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه، من مسمّاه، وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلّهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن كابر عقله جُحُودًا وعنادًا، وجهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، وإن جهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامدٌ له، وهو ﷺ اختصّ من مسمّى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد، وأحمد، وأمته الحمّادون، يَحمَدون الله في السرّاء والضرّاء، وصلاته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا كان عند الله في اللوح المحفوظ أن خُلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولَمّا يسجد بين يدي ربّه ﷺ للشفاعة، ويؤذن له فيها، يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأوّلون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقد أطال النفس ابن القيّم ﵀ في هذا بما لا تجده عند غيره (١).
стр. 228
وقال المحلّيّ رحمه الله تعالى في شرحه على "جمع الجوامع" في الأصول: و"محمد" علم منقول من اسم مفعول المضعّف، سمّي به نبيّنا ﷺ بإلهام من الله تعالى؛ تفاؤلًا بأنه يَكثُر حمد الخلق له لكثرة خصاله الجميلة، كما روي في السير أنه قيل لجدّه عبد المطّلب، وقد سمّاه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها. لِمَ سمّيت ابنك محمدًا، وليس من أسماء آبائك، ولا قومك؟ قال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض، وقد حقّق الله تعالى رجاءه، كيا سبق في علمه تعالى انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: أفرد المصنّف رحمه اللهُ تعالى الصلاة عن السلام، حيث قال: "وصلى الله على محمد"، ولم يزد: "وسلم" إشارةً إلى أنّ إفراد أحدهما عن الآخر ليس مكروهًا، كما قيل .
قال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى: استُدلّ بحديث كعب بن عُجرة ﷺ غيره- يعني حديث تعليمه ﷺ الصلاة الإبراهيميّة لمّا سألوه عن كيفيّة الصلاة عليه- على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس؛ لأن تعليم السلام تقدّم قبل تعليم الصلاة، فأُفرِدَ التسليمُ مدّةً في التشهّد قبل الصلاة عليه.
وقد صرّح النوويّ رحمه الله تعالى في "الأذكار" وغيره بالكراهة، واستدلّ بورود الأمر بهما معاً في الآية. قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-. وفيه نظر، نعم يكره أن يُفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا، أما لو صلّى في وقتٍ، وسلّم في وقتٍ آخر، فإنه يكون ممتثلًا انتهى كلام السخاويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي في هذا وقفتان:
(الأولى): قول النوويّ بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، فإنّ مجرّد الاقتران في الآية لا يدلّ عليه، كما أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية لا يدلّ على ذلك، فلا قائل بأن من وجبت عليه الزكاة لا بدّ أن يؤدّيها مقرونة بالصلاة، بحيث إنه لو فرّق بينهما كُره عليه.
(الثانية): قول الحافظ رحمه الله تعالى: نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا الخ محلّ نظر أيضًا؛ لأنه لا يمكن حصول ذلك أصلًا؛ لأنه لا بدّ أن يصلّي الصلوات الخمس، فإذا صلّى لا بدّ أن يتشهّد، وفيه السلام، فلا يمكن عدم السلام أصلًا، فتنبّه.
والحاصل أن القول بكراهة الإفراد غير صحيح، بل الجمع بينهما مستحبّ. والله
стр. 229
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكر الآل في الصلاة؛ لأن النبيّ ﷺ ذكرهم في تعليماته لكيفيّة الصلاة المأمور بها في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن كعب بن عجرة ﵁، قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه.
وعن أبي حميد الساعديّ، ﵁، أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا: "اللهم صل على محمد، وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، سمعتها من النبي ﷺ ، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم، أهلَ البيت؟ ، فإن الله قد عَلَّمَنا كيف نسلم عليكم، قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه.
وأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم".
وغير ذلك من الصيغ المختلفة الواردة في التعليم النبويّ، فكان الأولى أن يصلّي عليهم أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: قد يُنكَرُ على مسلم قوله:
стр. 230
"وعلى جميع الأنبياء والمرسلين"، فيقال: إذا ذُكِر الأنبياء لا يبقى لذكر المرسلين وجهٌ؛ لدخولهم في الأنبياء، فإن الرسول نبيّ وزيادة.
قال: وهذا الإنكار ضعيف، ويُجاب عنه بجوابين:
(الأول): أن هذا سائغ، وهو أن يُذكَر العامّ، ثمّ الخاصّ؛ تنويهًا بشأنه، وتعظيمًا لأمره، وتفخيمًا لحاله، وقد جاء في القرآن العزيز آيات كريمات كثيرات، من هذا، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. وقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وغير ذلك من الآيات الكريمات.
وقد جاء أيضًا عكس هذا، وهو ذكر العامّ بعد الخاصّ، قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨].
فإن ادّعى متكلّفٌ أنه عَنَى بالمؤمنين غيرَ من ذكره، فلا يُلتَفَت إليه.
(والجواب الثاني): أن قولة "والمرسلين" أعمّ من جهة أخرى، وهو أنه يتناول جميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام من الآدميين، والملائكة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٥]. ولا يُسمّى الملك نبيًّا، فحصل بقوله: "والمرسلين" فائدةٌ لم تكن حاصلة بقوله: "الأنبياء". انتهى كلام النوويّ بتصرف يسير (١).
وقال السنوسيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: عَطفُ "المرسلين" على "النبيّين" من عطف الخاصّ على العامّ للتشريف لهم. ويحتمل أن يكون لإدخال المرسلين من الملائكة، كجبريل، وميكائيل ﵉، فإن الملك يقال فيه رسول، ولا يقال فيه نبيّ؛ بناءً على أن بين النبيّ والرسول عمومًا وخصوصًا من وجه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ -:
(فمنها): حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلّى عليّ صلاةً
стр. 231
واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه".
(ومنها): حديث أنس ﵁: إِنّ رسول الله ﷺ خرج عليهم يومًا يَعرفون البِشْرَ في وجهه، فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البِشْر يا رسول الله، قال: "أجلْ، أتاني الآن آتٍ من ربّي، فأخبرني أنه لم يُصلّي عليّ أحدٌ من أمّتي، إلا ردّ الله عليه عشر أمثالها". رواه أحمد، والنسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه".
(ومنها). حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاةً". رواه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان.
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: "ما من أحدٍ يُسلّم عليّ، إلا ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ ﵇". حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود.
(ومنها): حديث ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنّ لله في الأرض ملائكة سَيَّاحين، يبلّغوني من أمتي السلام". رواه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان.
(ومنها): حديث أبيّ بن كعب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: "يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه"، قال أُبيّ: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ ، فقال: "ما شئت"، قال: قلت: الربع؟ ، قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك"، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: "إذًا تُكفَى هَمَّك، ويغفر لك ذنبك". رواه أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم، وصححه.
ومعنى قوله: "أُكثرُ الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي؟ ". أي أُكثر الدعاء، فكم أجعل من دعائي صلاةً عليك.
(ومنها): حديث كعب بن عُجرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "احْضُرُوا المنبرَ، فحضرنا، فلمّا ارتقى درجةً قال: "آمين"، فلمّا ارتقى الدرجة الثانية قال. "آمين"، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: "آمين"، فلما نزل، قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنّا نسمعه، قال: "إن جبريل عَرَضَ لي، فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان، فلم يُغفر له، قلت: آمين، فلما ارتقيت الثانية قال: بعُد من ذُكرتَ عنده، فلم يُصلّ عليك، فقلت:
стр. 232
آمين، فلما ارتقيت الثالثة قال: بعُد من أدرك أبويه الكِبَرُ عنده، أو أحدَهما، فلم يُدخلاه الجنّة، قلت: "آمين". رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
(ومنها): حديث أوس بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضل أيامكم يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقَة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ". قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرض صلاتنا عليك، وقد أَرَمْتَ -يعني بَلِيتَ-؟ ، فقال: "إنّ الله ﷺ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم، وصحّحه.
وقوله: "أَرَمْتَ " -بفتح الهمزة، والراء، وسكون الميم، وروي -بضمّ الهمزة، وكسر الراء- قاله الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى.
(ومنها): حديث أبي ذَرّ ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن أبخل الناس، من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ". أخرجه إسماعيل القاضي، وصححه الألباني ﵀ لشواهده.
فهذه بعض الأحاديث الصحيحة في فضل الصلاة على النبيّ ﷺ ، انتخبتها من كتاب الإمام الحافظ إسماعيل بن إسحاق القاضي (١٩٩ - ٢٨٢ هـ) بتحقيق الألباني، وتركت منها كثيرًا للاختصار، ومن كتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذريّ (ت ٦٥٦ هـ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى، مبيّنًا سبب تأليفه الكتاب:
(أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ -يَرْحَمُكَ الله بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بالْفَحْصِ، عَن تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فِي سُنَنِ الدِّينِ، وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَاب، وَالْعِقَاب، وَالتَّرْغِيبِ، والتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ).
الشرح الإجماليّ لهذه الفِقْرَة (١):
خَاطَبَ رحمه الله تعالى مَنْ طَلَب منه أن يؤلّف له كتابًا -بقوله: أما بعدُ- أي بعدَ الحمد لله، والصلاة على النبيّ ﷺ فإنك أيها الطالب رحمك الله تعالى بسبب توفيق
стр. 233
الله تعالى لك قصدّت أن تبحث بشدّة عن معرفة مجموعة من الأحاديث المنقولة عن النبيّ ﷺ في الأحكام وغيرها، وذلك بأسانيدها الخاصّة التي نُقلت بها المشهورةِ عند أهل العلم المتداولةِ فيما بينهم. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفِقْرة:
(أَمَّا بَعْدُ) أي بعدَ البسملة، والحمدلة، والصلاة على رسول الله، وعلى المذكورين معه (فَإِنَّكَ -يَرْحَمُكَ الله) الخطاب لشخص طلب منه تأليف هذا الكتاب، وهو الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوريّ المتوفَّى سنة (٢٨٦ هـ) كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ في "تاريخه"، فقال في ترجمة أحمد بن سلمة المذكور: ما نصّه: أحمد بن سلمة بن عبد الله، أبو الفضل البزّار المعدّل النيسابوريّ، أحد الحفاظ المتقنين، رافق مسلم بن الحجّاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد إلى بَلْخَ، وفي رحلته الثانية إلى البصرة، وكتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم "الصحيح" في كتابه. وتُوفّي أحمد بن سلمة سنة (٢٨٦ هـ) انتهى كلام الخطيب رحمه الله تعالى (١).
(بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ) متعلّق بـ "ذَكَرتَ" بعده، قُدِّم عليه للاهتمام به، ولإفادة الحصر، أي إنك ذكرتَ ما ذكرته بسبب توفيق الله لك، لا بسبب أمر آخر. ويحتمل أن يتعلّق بـ "هممت" وفيه بعدٌ، إذ فيه تقدّم معمول خبر "أنّ" عليها، وهو لا يجوز.
ويحتمل أن يتعلّق بـ "يرحمك الله" قبله، فيكون دعاء له برحمة مخصوصة، وهي المتعلّقة بالتوفيق.
وقد أشار الإمام القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرحه "إكمال المعلم" إلى هذه الأوجه الثلاثة، وعبارته فيه:
يحتمل أن يكون دعاء له بأن يرحمه الله بتوفيقه، وهدايته، فإنها من جملة رحمة الله، وفضله. ويحتمل أن يُعَلَّق قوله: "بتوفيق خالقك" إما إلى ما ذكره، أو همّ به من الفحص. قال: وقد سقط هذا الدعاء عندنا في رواية شيخنا الْخُشَنيّ انتهى (٢).
وقد اعترض العلّامة السنديّ رحمه الله تعالى تعلّقه بـ "يرحمك الله" بأنه غير مناسب لفظًا ومعنًى، أما لفظًا، فلأن الظاهر حينئذ "بتوفيقه". وأما معنًى فلأن إطلاق الرحمة أحسن، وأولى من تقييدها انتهى (٣).
стр. 234
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأمر كما قال السنديّ، فالوجه الأول -وهو تعلّقه بـ "ذكرت" هو الأولى. والله تعالى أعلم.
و"التوفيق": مصدر وَفَّق يوفّق، وهو الإلهام، يقال: وَفَّقَهُ الله ﷺ للخير: إذا ألهمه. أفاده في "اللسان". وضدّ التوفيق الخذلان، قال بعضهم: التحقيق أن التوفيق التمكين من الطاعة، والإقدار عليها، والخذلان التمكين من المعصية، والإقدار عليها، كما أن الهداية الموصلة هي خلق الاهتداء، والإضلال خلق الضلال. انتهى (١).
وجملة "يرحمك الله الخ" معترضة بين اسم "إنّ" وخبرها، وهو قوله (ذَكَرْتَ أَنَّكَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفرد، وهو المفعول به، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
(هَمَمْتَ) أي قصدتَ، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمًّا، من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله، وأهمّني الأمر بالألف: إذا أقلقك، وهمّني همًّا، من باب قتل مثله. أفاده في "المصباح" (بِالْفَحْصِ) -بفتح الفاء، وسكون الحاء المهملة- أي شدّة الطلب والبحث.
قال الليث وغيره، من أهل اللغة: "الفحصُ": شدّة الطلب، والبحث عن الشيء، يقال: فَحَصتُ عن الشيء، وتفحّصتُ، وافتحصتُ بمعنى واحد. ذكره النوويّ (٢).
وقال في "المصباح": فَحَصَتِ القَطاةُ فَحْصًا، من باب نفعَ: حَفَرَتْ في الأرض موضعًا، تَبيض فيه، واسم ذلك الموضع "مَفْحَصٌ" -بفتح الميم، والحاء- ومنه قيل: فَحَصْتُ عن الشيء: إذا استقصيت في البحث عنه، وتَفَحَّصْتُ مثله انتهى (٣).
(عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ) أي عن تطلُّب معرفة مجموعة من الأحاديث النبويّة.
قال في "اللسان": وتعرَّفتُ ما عند فلان: أي تطلّبتُ حتى أعرفَهُ. وتعرّفَهُ المكانَ، وفيه: تأمَّله به، وأنشد سيبويه [من الطويل]:
وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا الْمَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ وَافَى مِنًى أَنَا عَارِفُ (٤)
وإنما عبّر بالتعرّف الذي فيه معنى التكلّف إشارةً إلى أن معرفة الأحاديث ليس أمرًا سهلًا، بل يحتاج إلى شدّة الإقبال بالاجتهاد، والتفرّغ له بترك الأشغال، والدوام عليه بالحفظ والمذاكرة، ومجالسة أهله المختصّين به، والْجُثُوّ على الرُّكب بين أيديهم.
والجارّ والمجرور متعلّق بـ "الفحص"، وإضافة "تعرّف" إلى "جملة" من إضافة
стр. 235
المصدر إلى مفعوله، وإضافة "جملة" إلى "الأخبار" بمعنى "من ".
و"الجُمْلة" -بالضمّ- جماعةُ الشيء. قاله في "القاموس". والأخبار -بفتح الهمزة -جمع خبر -بفتحتين- والمراد به هنا الأحاديث، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
(الْمَأْثُورَةِ) بالجر صفة لـ "الأخبار"، أي الأخبار المنقولة، وهو اسم مفعول من أَثَرتُ الحديثَ أَثْرًا، من باب قتل: نقلتُهُ، والأَثَرُ -بفتحتين- اسم منه، وسيأتي البحث في الفرق بينه وبين الخبر، إن شاء الله تعالى (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلّق بـ "المأثورة"، وفيه إشارةٌ إلى أن هذا الكتاب موضوعٌ للأحاديث المرفوعة فقط، وما يوجد فيه من الموقوفات ونحوها، فعلى سبيل التبع (فِي سُنَنِ الدِّينِ) متعلّق بصفة محذوفة لـ "الأخبار"، أي الأخبار الكائنة في سنن الدين، أو بحال منه، أي حال كونها كائنة في سنن الدين، أو متعلق بـ "المأثورة".
و"السنن" -بضمّ السين المهملة- جمع سُنّة، مثلُ غُرْفَة، وغُرَف، وهي في الأصل: الطريقة، والسِّيرهُ، حميدَةً كانت، أو ذميمة. قاله في "المصباح". وقال في "اللسان": والسنّة: السِّيرةُ حسنةً كانت، أو قَبيحةً، قال خالد بن عُتبة (١) الْهُذَليّ [من الطويل]:
فَلَا تَجْزَ عَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ أَهْلُهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
قال: وسَنَنْتُها سَنًّا، واسْتَنَنْتُها: سِرْتُها؛ وسَنَنْتُ لكم سُنَّةً، فاتبِعُوها. وفي الحديث: "من سَنّ سُنّةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عَمِلَ بها، ومن سنّ سُنّة سَيّئةً"، يُريد: من عَمِلَها لِيُقتَدَى به فيها، وكلُّ من ابتدأ أمرًا، عمل به قومٌ بعده، قيل: هو الذي سنَّهُ، قال نُصَيبٌ [من الطويل]:
كَأَنِّي سَنَنْتُ الْحُبَّ أَوَّلَ عَاشِقٍ ... مِنَ النَّاسِ إِذْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي
وقد تكرّر في الحديث ذكر السنّة، وما تصرّف منها، والأصل فيه الطريقة، والسيرة، وإذا أُطلقت في الشرع، فإنما يُراد ما أمر به النبيّ ﷺ ، ونَهَى عنه، ونَدَبَ إليه، قولًا، وفِعْلًا، مما لم يَنطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلّة الشرع: الكتاب، والسنّة، أي القرآن، والحديث.
قال: وفي "التهذيب": السُّنّة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل؛ فلانٌ
стр. 236
من أهل السنّة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السَّنَنِ، وهو الطريق. انتهت عبارة "اللسان" باختصار.
ويحتمل أن يكون "سنن الدين" مفردًا بمعنى نَهْجه (١)، أي طريقه الواضح. قال في "القاموس": وسننُ الطريق مثلّثةً، وبضمّتين: نَهْجُهُ، وجِهَتُهُ انتهى.
و"الدين" -بالكسر- قد ذَكَرَ له في "القاموس" معانيَ كثيرة، ومن المعاني المناسبة هنا: الإسلامُ، والعبادةُ، والتوحيدُ، واسمٌ لجميع ما يُتعبَّدُ الله ، والملّةُ انتهى.
وذكر الراغب الأصفهانيّ في "مفردات ألفاظ القرآن": أن الدين يقال للطاعة، والجزاء، واستُعير للشريعة، والدينُ كالملّة، لكنّه يقال اعتبارًا بالطاعة، والانقيادِ للشريعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية [النساء: ١٢٥] أي طاعةً. وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ الآية [آل عمران: ٨٣] يعني الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥] وعلى هذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية [الصفّ: ٩]. انتهى كلام الراغب باختصار (٢).
فإضافة "سنن" إلى "الدين" في قول المصنّف "في سنن الدين" بيانيّة، أي سننٍ هي الدين. والله تعالى أعلم.
(وَأَحْكَامِه) جمع "حُكْم" -بضمّ، فسكون-: مصدرُ حَكَمَ يَحْكُمُ حُكمًا. وهو في اللغة القضاء. قاله في "القاموس".
وقال الراغب: والْحُكْم بالشيء أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواءٌ ألزمتَ ذلك غيره، أو لم تُلزمه. انتهى (٣).
فإضافة "الأحكام" إلى ضمير "الدين" تكون من إضافة الأخصّ إلى الأعمّ، كشجر أراك؛ لأن الحكم يخصّ القضاء بالشيء بأنه واجبٌ، أو مستحبٌّ، أو مباحٌ، و"الدين" أعمّ منه، إذ هو يشمل القضاء المذكور، وغيره كالفضائل، والمناقب، والإخبار بالأمم السابقة، وأحوال يوم القيامة.
وعطف "الأحكام" على "السنن" من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن "السنن"
стр. 237
بمعنى "الدين" كما تقدّم، فهي أعمّ من الأحكام.
وقال النوويّ: هو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، فإن السنن من أحكام الدين. وكذا قال السنوسيّ، وزاد: ما نصّه: والمراد بالدين الإسلام، وبالسنن المندوبات، وما لم يَصِل إلى حدّ الوجوب، والأحكام تشمل الأحكام الخمسة، وما يتعلّق بها من خطاب الوضع انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأولى أنه من عطف الخاصّ على العامّ، لما قدّمته؛ ولأن استعمال السنن للمندوبات اصطلاحٌ حادث للمتأخّرين، فلا ينبغي حمل كلام المصنّف عليه، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(وَمَا كَانَ مِنْهَا) عطف على "سنن الدين" أي وما كان من الأخبار المأثورة (فِي الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ) أي بيان ثبوت الثواب، والعقاب، أو بيان جنسهما، أو مقدارهما.
و"الثواب": اسم مصدر لـ "أثابه الله": بمعنى جازاه. قال الفيّوميّ: "الثواب": الجزاء، وأثابه الله تعالى: فَعَلَ له ذلك. انتهى. وقال الراغب: "والثواب" يقال في الخير والشرّ، لكن الأكثر المتعارَف في الخير، وعلى هذا قوله : ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
و"العقاب": مصدر عاقبه، كالمعاقبة، كما قال ابن مالك في "لاميّته":
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أوْ مُفَاعَلَةً ... وَفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلَا
يقال: عاقبه عِقابًا ومُعاقبةً: جازاه على عمله السيّء. قال في "اللسان": والعِقَاب، والمعاقبة أن تَجزِي الرجل بما فَعَل سُوءًا، والاسم العقوبةُ. وعاقبه بذنبه مُعاقبةً، وعقابًا: أخذه به. انتهى. وقال الراغب: العقوبة، والمعاقبة، والعِقَاب يختصّ بالعذاب انتهى (٢).
(وَالتَّرْغِيبِ) مصدر رغَّبَه في الشيء: إذا أطمعه فيه. يقال: رَغِبَ فيه، كسَمِعٍ، رَغْبًا، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغَبَ، ورَغِب عنه: لم يُرِده، ورغِب إليه رَغَبًا، محرّكة، ورَغْبَى، ويُضمّ، ورَغْباء، كصحراء، ورَغَبُوتًا، ورَغبُوتَى، ورَغَبَانًا محرّكات، ورُغْبَة بالضمّ، ويُحرّك: ابتهل، أو هو الضّرَاعة، والمسألة، وأرغبه غيره، ورغّبه. انتهى.
وفي "اللسان": رَغِبَ يَرْغَبُ رَغْبَةً: إذا حَرَصَ على الشيء، وطَمِعَ فيه. ورَغّبه، وأرغبه بمعنًى. والرّغْبَةُ: السؤال والطَّمَع. انتهى باختصار.
стр. 238
وقال الراغب: أصل الرَّغْبة: السَّعَة في الشيء، يقال: رَغُبَ الشيءُ: اتسع، وحَوضٌ رغيبُ الجوف، وفرسٌ رَغيب العَدْوِ. والرَّغْبَةُ، والرَّغَبُ، والرَّغْبَى: السعَةُ في الإرادة، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٠]. فإذا قيل: رَغِبَ فيه، وإليه يقتضي الحِرْصَ عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] وإذا قيل: رَغِبَ عنه اقتضى صَرْفَ الرغْبَة عنه، والزهد فيه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٠] انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الأحاديث التي تُرَغّب الناس، وتُطمعهم في خيرات الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم.
(والتَّرْهِيب) مصدر رهّبه الشيءَ: بمعنى خَوّفه منه. يقالْ: رَهِبَ الشيءَ يَرهَبه، كعَلِمَ يَعلَم، رَهْبَةً، ورُهْبًا -بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك- ورُهْبَانًا- بالضمّ، ويُحرَّك-: خافه. والا سم الرَّهبَى، ويُضمّ، ويُمدّان، والرَّهَبُوتَى. وأرهبه، ورَهّبَهُ، واسترهبه: إذا أخافه، وأفزعه. أفاده في "القاموس"، و"اللسان".
وقال الراغب: الرَّهْبَة، والرُّهْبُ: مخافةٌ مع تحرّز، واضطراب انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الأحاديث التي تخوّف الناس من كلّ مكروهٍ من مكاره الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم.
"وَغَيْرِ ذَلِكَ" أفرد اسم الإشارة، وإن كان ما تقدّم أكثر من واحد لتأويله بالمذكور، أو بما تقدّم.
(مِنْ صُنُوفِ الأشْيَاء) جمع صَنْف -بفتح، فسكون-: أي من أنواع الأشياء. قال في "المصباح": قال ابن فارس فيما ذكره عن الخليل: "الصّنف": الطائفة من كلّ شيء. وقال الجوهريّ: الصّنف. هو النوع، والضرب، وهو بكسر الصاد، وفَتحُها لغةٌ، حكاها ابن السكّيت، وجماعةٌ، وجمع المكسور أصنافٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمالٍ، وجمع المفتوح صُنُوفٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. قاله في "المصباح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد بصنوف الأشياء ما تشتمل عليه الأحاديث النبويّة، وقد أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقسام: وهي العقائد، والأحكام، والرِّقَاق، والأدب، والتفسير، والسِّيَر، والفِتَن، والمناقب.
وهذه الأقسام هي التي إذا جمعها كتابٌ يُسمَّى بـ "الجامع"، كهذا الكتاب على خلاف فيه؛ لقلّة تفسيره، والصحيح أنه من الجوامع، كما تقدّم بيانه في المقدّمة، وقد
стр. 239
سبق ذكر الأقسام الثمانية المذكورة نظمًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(بِالأَسَانِيدِ) جمع إسناد -بالكسر- وهو في الأصل ذكر طريق الحديث، لكن المراد هنا نفس الطريق، وإنما جمعه، وإن كان المصدر لا يُجمع، نظرًا إلى أنواعه، فإنه قد يكون عاليًا، وقد يكون نازلًا، وتارة يكون مُتّصلًا بالسماع، وتارة بالقراءة، وتارة بهما، وغير ذلك.
(الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي نقل أهل الحديث تلك الأخبار بتلك الأسانيد (وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ) أي تناقلوها، من المداولة، يقال: تداول القوم الشيء تدوُلًا، وهو حصوله في يد هذا تارةً، وفي يد هذا تارةً أخرى، والاسم الدَّوْلة -بفتح الدّال، وضمّها، وجمع المفتوح دِوَلٌ -بالكسر- مثلُ قَصْعَة، وقِصَعٍ، وجمع المضموم دُوَلٌ، مثل غُرْفَة وغُرَف. ومنهم من يقول: الدُّولَ -بالضمّ في المالَ، وبالفتح في الحرب. قاله في "المصباح".
وأشار بهذه الجملة إلى أن المطلوب أن تكون الأسانيد مشهورة بين أهل الحديث، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة، فإن أغلبها لا تكون إلا ضعافًا، فلا تصلح لجمع الأخبار الصحيحة بها.
وقد ذمّ أهل العلم الغريب من الحديث ذمًّا شديدًا، وسنذكر ما نُقل عنهم فيه في المسألة الثامنة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بما تقدّم من كلام المصنّف رحمه الله تعالى:
المسألة الأولى: في الكلام على إتيان المصنّف رحمه الله تعالى في خطبته بـ "أمّا بعد ":
اعلم: أنه إنما أتى بها رحمه الله تعالى في أول كلامه؛ اتباعًا للسنّة، فقد أخرج الطبرانيّ: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا خطب قال: "أما بعد" (١).
وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب الجمعة" من "صحيحه" بابًا فقال: "باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد"، فأورد حديث أسماء بنت أبي بكر ﵃ في الكسوف بطوله، وفيه: فخطب الناس، وحمد الله، بما هو أهله، ثم قال ﷺ : "أما بعد". وحديث عمرو بن تَغْلِب ﵁ في قسمة النبيّ ﷺ الفيء، وفيه: فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال ﷺ : "أما بعد". وحديث عائشة ﵂ صلاة النبيّ ﷺ ليلا في المسجد، فصلّى رجال بصلاته ... الحديث، وفيه: فتشهّد، ثم قال ﷺ : "أما بعد". وحديث أبي حُميد الساعديّ ﵁. أن رسول الله ﷺ قام عشيّة بعد الصلاة، فتشهّد،
стр. 240
وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال ﷺ "أما بعد". وحديث الْمِسْوَر بن مَخرَمَة ﵄، قال: قام رسول الله ﷺ ، فسمعته حين تشهّد يقول: "أما بعد". وحديث ابن عبّاس ﵄، قال: صعد النبيّ ﷺ المنبر ... وفيه: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إليّ"، فثابوا إليه، ثم قال: "أما بعد".
قال في "الفتح": وفي الباب مما لم يذكره عن عائشة في قصّة الإفك. وعن أبي سفيان في الكتاب إلى هرقل، متّفقٌ عليهما. وعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته ... الحديث، وفيه: فيقول ﷺ : "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله". أخرجه مسلم. وفي رواية له عنه: كان خطبة النبيّ ﷺ يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته فذكر الحديث، وفيه: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله".
قال: ويستفاد من هذه الأحاديث أن "أما بعد" لا تختصّ بالخطب، بل تقال أيضًا في صدور الرسائل، والمصنّفات، ولا اقتصار عليها في إرادة الفصل بين الكلامين، بل ورد في القرآن في ذلك لفظ ﴿هَذَا وَإِنَّ﴾ (١) وقد كثر استعمال المصنّفين لها بلفظ "وبعد"، ومنهم من صدّر بها كلامه، فيقول: "أما بعد حمد الله، فإن الأمر كذا"، ولا حجر في ذلك.
وقد تتبّع طرق الأحاديث التي وقع فيها "أما بعد" الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في خطبة "الأربعين المتباينة" له، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًّا. منها ما أخرجه من طريق ابن جُريج، عن محمد بن سيرين، عن المسور بن مخرمة ﵄. كان النبيّ ﷺ إذا خطب قال: "أما بعد". ورجاله ثقات. وظاهره المواظبة على ذلك انتهى (٢).
وقد ذكر العلامة العيني في "عمدته" الصحابة (٣) الذين ذكرهم الحافظ عبد القادر الرهاويّ، فقال:
منهم: سعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله، والفضل ابنا العباس بن عبد المطّلب، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب، وعديّ بن حاتم، وأبو حميد الساعديّ، وعقبة بن عامر، والطُّفَيل بن سخبرة، وجرير بن عبد الله البجليّ، وأبو سفيان بن
стр. 241
حرب، وزيد بن أرقم، وأبو بكرة، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد، وقرّة بن دعموص، والمسور بن مخرمة، وجابر بن سمرة، وعمرو بن ثعلبة، ورزين بن أنس السلميّ، والأسود بن سَرِيع، وأبو شُرَيح بن عمرو، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عليم، وعقبة بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر ﵃ أجمعين انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما تقدّم من النصوص أن السنّة في الخطب، والرسائل، والمصنّفات أن يؤتى بـ "أما بعد"، وهذه مما يتساهل فيه كثير من الخطباء، وأصحاب الرسائل، والكتب، فاكتفوا بقولهم: "وبعد"، وليس له أصل في السنّة، ومنهم من يقول: "ثم أما بعد"، بزيادة "ثم"، وهذا أيضًا لم يرد، فالعمل بما ورد في السنّة، وهو "أما بعد" هو المتعيّن لمن يدّعي الاقتداء بهدي النبيّ ﷺ ، فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، اللهمّ ثبّتنا على السنّة، وأحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً، وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات. آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان الاختلاف في أوّل من تكلّم بـ "أما بعد ".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختُلف في أول من قالها: فقيل: داود ﵇. رواه الطبرانيّ، مرفوعًا، من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ وفي إسناده ضعف. وروى عبد ابن حُميد، والطبرانيّ عن الشعبيّ، موقوفًا أنها فصل الخطاب الذي أُعطيه داود ﵇. وأخرجه سعيد بن منصور، من طريق الشعبيّ، فزاد فيه: "عن زياد بن سُميّة". وقيل: أول من قالها يعقوب. رواه الدارقطنيّ بسند واهٍ في غرائب مالك (٢). وقيل: أول من قالها يعرب بن قحطان. وقيل: كعب بن لؤيّ. أخرجه القاضي أبو أحمد الغسانيّ، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بسند ضعيف. وقيل: سَحْبَان بن وائل. وقيل: قُسّ بن ساعدة. قال الحافظ: والأول أشبه، ويجمع بينه، وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأوّليّة المحضة، والبقيّة بالنسبة إلى العرب خاصّة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القبائل انتهى (٣).
стр. 242
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هدا الجمع عندي نظرٌ، لأن الجمع فرع عن الصحّة، وهذه الأقوال لم تصحّ أصلًا، اللهمّ إلا أن يراد الجمع على تقدير الصحّة، وأيضاً أن كون داود، أو يعقوب أول من قالها محلّ توقّف، إذ لغتهما ليست عربيّة. فليتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
ولبعضهم نظمًا [من الطويل]:
جَرَى الْخُلْفُ "أَمَّا بَعْدُ" مَنْ كَانَ قَائِلَا ... لَهَا خَمْسُ أَقْوَالٍ وَدَاوُدُ أَقْرَبُ
وَكَانَتْ لَهُ فَصْلَ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ ... فَقُسٌّ فَسَحْبَانٌ فَكَعْبٌ فَيَعْرُبُ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولَمّا أهمل ذكر يعقوب ﵇ قلت، مع بيان ضعف أسانيد كلّها:
وَقَدْ زِيدَ يَعْقُوبُ النَّبِيُّ عَلَيْهِمُ ... أَسَانِيدُهَا وَهَتْ فَلَيْسَتْ تُرَغِّبُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في الكلام على لفظ "أمّا"، ومعناه (١) .
أما لفظها: فإنها -بالفتح، والتشديد- وقد تُبدل ميمها الأولى ياءً؛ استثقالًا للتضعيف، كقول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
رَأَتْ رَجُلًا أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ
وأما معناه: فإنها حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها حرف شرط فيدلّ له لزوم الفاء بعدها، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. وقد يستغنى عنها للضرورة، كما في قوله [من البسيط]:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلَانِ
ويكثر حذفها مع القول، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ الآية، والتقدير: فيقال لهم: أكفرتم الخ، فحذف القول، استغناء بالمقول، فتبعته الفاء.
وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" بقوله:
стр. 243
أَمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِن شَيْءٍ وَفَا ... لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إَذَا ... لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
وأما كونها للتفصيل فهو غالب أحوالها، كما تقدم، وقد تأتي لغير تفصيل، نحو أما زيد فمنطلق. وأما التوكيد فقد قال الزمخشريّ: فائدة "أما" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهبٌ، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهبٌ، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمةٌ، قلتَ: أما زيدٌ فذاهبٌ، ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء، فزيد ذاهب. وهذا التفسير مُدْلٍ بفائدتين: بيان كونه توكيدًا، وأنه في معنى الشرط انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في الكلام على الفصل بينها وبين الفاء
اعلم: أنه يجب الفصل بين "أمّا" وبين الفاء بواحد من ستّة أمور:
أحدها: المبتدأ، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الآية ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ الآية. الثاني: الخبر، نحو أما في الدار فزيد. الثالث: جملة الشرط: نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ الآيات. الرابع: اسمٌ منصوبٌ لفظًا، أو محلًّا بالجواب، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ الآيات. الخامس: اسمٌ كذلك معمولٌ لمحذوفٍ، يفسّره ما بعد الفاء، نحو "أما زيدًا فانصره"، ونحو قراءة بعضهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بالنصب، ويجب تقدير العامل بعد الفاء، وقبل ما دخلت عليه؛ لأنّ "أمّا" نائبة عن الفعل، فكأنها فعلٌ، والفعل لا يلي الفعل. السادس: ظرفٌ معمولٌ لـ "أمّا" لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه، أو للفعل المحذوف، نحو "أمّا اليوم، فإني ذاهبٌ"، و"أمّا في الدار فإنّ زيدًا جالسٌ"، ولا يكون العامل ما بعد الفاء؛ لأنّ خبر "إن " لا يتقدّم عليها، فكذا معموله. هذا قول جمهور النحاة، وجوّز بعضهم كون العامل نفس الخبر. انتهى ملخّصًا من كلام العلّامة النحويّ ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله تعالى (١).
وقد نظم بعضم هذه الأمور الستّة بقوله [من الرجز]:
وَبَعْدَ "أَمَّا" فَافْصِلَنْ بِوَاحِدِ ... مِنْ سِتَّةٍ وَلا تَفُهْ بِزَائِدِ (٢)
مُبْتَدَأٌ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الْخَبَرُ ... مَعْمُولُ فِعْلٍ بَعْدَ "أَمَّا" يُذْكَرُ
стр. 244
كَذَاكَ مَعْمولٌ لِفِعْلٍ فَسَّرَهْ ... مَا بَعْدَ فَاءٍ بَعَدَهَا مُؤَخِّرَهْ
وَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ تِلْكَ سِتُّ ... قَدْ قَالَهَا كُلُّ إِمَامٍ ثَبْتُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في الكلام على "بَعْدُ "
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: "بَعْدُ": ظرف مُبهَم، لا يُفهُم معناه إلا بالإضافة لغيره، وهو زمانٌ مُتراخٍ عن السابق، فإن قرُب منه قيل: بُعيدَه بالتصغير، كما يقال: قبل العصر، فإذا قرَب قيل: قُبيل العصر بالتصغير، أي قريبًا منه، ويُسمّى تصغير التقريب. (١).
وهو من الأسماء الملازمة للإضافة التي بيّنها ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَاضْمُمْ بِنَاءً "غَيْرًا" انْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
"قَبْلُ" كـ "غَيْرُ" "بَعْدُ" "حَسْبُ" "أوَّلُ" ... وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ"عَلُ"
وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا ... "قَبْلًا" وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا
فهذه الأسماء لها أربعة أحوال، تبنى في حالة منها، وتعرب في بقيّتها، فالأحوال الثلاثة:
الأولى: أن تضاف لفظًا، نحو جئت بعد زيدٍ الثانية: أن يحذف المضاف إليه، ويُنوَى لفظه، فتبقى كالمضاف لفظًا، ولا تنوّن، نحو جئتُ بعدَ، ونحو قوله [من الطويل]:
وَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَوْلًى قَرَابَةً ... فَمَا عَطَفَتْ مَوْلًى عَلَيْهِ الْعَوَاطِفُ
الثالثة: أن يُحذف المضاف إليه، ولا يُنوَى لفظًا، ولا معنًى، فتكون حينئذ نكرةً، وتنوَن، نحو جئتُ بعدًا، ونحو قوله [من الطويل]:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ... أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ
فهذه الأحوال الثلاثة هي التي تعرب فيها.
أما الحالة الرابعة التي تُبنى فيها، فهي أن يُحذف المضاف إليه، ويُنوَى معناه، دون لفظه، فإنها تبنى على الضمّ، نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ الآية.
стр. 245
فعلى هذا قول المصنّف رحمه الله تعالى: "أما بعد" يحتمل وجهين: الأوّل: أن تبنى فيه "بعد" على الضمّ، وهو المشهور على الألسنة، لقطعها عن الإضافة لفظًا، ونيّة معناها. الثاني: أن تُنصَب على الظرفيّة بالفتحة الظاهرة على الدال، من غير تنوينٍ، لنيّة المضاف إليه لفظًا، أي أما بعد البسملة، والحمدلة، والصلاة على النبيّ ﷺ ، ومن ذُكر معه، فإنك يرحمك الله الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في قول المصنّف رحمه الله تعالى: "الأخبار المأثورة عن رسول الله ﷺ -".
اعلم: أنه ينبغي أن أذكر هنا معنى كلّ من الحديث، والخبر، والأثر؛ لكثرة تدوالها عند أهل الحديث.
فـ"الحديث": لغةً: ما يُتحدّثُ به، ويُنقَل، ومنه حديث رسول الله ﷺ . قاله في "المصباح المنير". وفي "القاموس المحيط": والحديث: الجديد، والخبرُ، كالْحِدِّيثَى، جمعه أحاديث، شاذٌّ، وحِدْثَانٌ -بالكسر- ويُضمّ. انتهى.
وقال في "تدريب الراوي": وأما الحديث، فأصله: ضدّ القديم، وقد استُعمل في قليل الخبر، وكثيره؛ لأنه يحدُث شيئًا، فشيئًا. وقال الحافظ في "فتح الباري": المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يضاف إلى النبيّ ﷺ ، وكأنه أريد به مقابلة القرآن؛ لأنه قديم. وقال الطيبيّ: الحديث أعمّ، من أن يكون قول النبيّ ﷺ ، والصحابيّ، والتابعيّ، وفعلهم، وتقريرهم. انتهى (١).
وأما الخبر -بفتحتين- فهو لغةً اسمٌ لما يُنقلُ ويُتحدّث به. قاله في "المصباح". وفي "القاموس": "الخبر" محرّكةً: النّبأُ، جمعه أخبارٌ، وجمع جمعه أَخَابيرُ. انتهى.
وأما اصطلاحًا: فهو عند معظم علماء هذا الفنّ مرادفٌ للحديث، فيطلقان على المرفوع، والموقوف، والمقطوع. وقيل: الحديث ما جاء عن رسول الله ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثَمّ قيل لمن يَشتغل بالتواريخ، وما شاكلها "الأخباريّ" (٢)، ولمن يشتغل بالسنّة النبويّة: "المحدّث". وقيل: بينهما عموم، وخصوص مطلقٌ، فكلّ
стр. 246
حديث خبرٌ، من غير عكس. أفاده في "نزهة النظر، شرح نخبة الفكر" (١). وقيل: لا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد.
وأما الأثر -بفتحتين- فهو لغةً: اسم من أثرتُ الحديثَ أَثْرًا، من باب قتل: إذا نقلته، ومنه حديث مأثورٌ: أي منقولٌ. أفاده في "المصباح". وفي "القاموس": "الأثَرُ" محرّكةً: بقيّة الشيء، جمعه آثارٌ، وأُثُورٌ، والخَبَر. انتهى.
وأما في الاصطلاح: فهو مرادف للحديث، والخبر. قال في "التدريب": إنّ المحدّثين يسمون المرفوع، والموقوف بالأثر، وإنّ فقهاء خُرَاسان يُسمّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر. ويقال: أثرت الحديث: بمعنى رويته، ويسمّى المحدّث أَثَريًّا، نسبةً للأثر انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في بحثٍ مهمّ يتعلَق بقول المصنّف: "بالأسانيد التي بها نُقِلَتْ"، وهو البحث عن السند والإسناد، والمتن .
فأما "السند": -بفتحتين-: لغةً: ما استندت إليه، من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَد، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِب لغةٌ. قاله في "المصباح" (٢).
وقال في"اللسان": "السنَدُ": ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل، أو الوادي، والجمعُ أَسْنادٌ، لا يكسّر على غير ذلك. انتهى (٣).
وقال في "التدريب": وأما السند، فقال البدر بن جماعة، والطيبيّ: هو الإخبار عن طريق المتن. قال ابن جماعة: وأخذه، إما من السند، وهو ما ارتفع، وعلا من سَفْح الجبل؛ لأن المسند يرفعُهُ إلى قائله، أو من قولهم: فلان سَنَدٌ: أي مُعتَمدٌ، فسمّي الإخبار عن طريق المتن سندًا؛ لاعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليه. انتهى (٤).
وأما الإسناد: فهو لغة مصدر أسند، يقال: أسندت الحديث إلى قائله بالألف: رفعتُهُ إليه بذكر ناقله. قاله في "المصباح".
وفي "لسان العرب": وأسند الحديث: رفعه. قال الأزهريّ: والْمُسْنَد من
стр. 247
الحديث: ما اتصل إسناده حتى يُسنَد إلى النبيّ ﷺ ، والمرسل، والمنقطع: ما لم يتَصل. والإسناد في الحديث: رفعُهُ إلى قائله انتهى.
وفي "التدريب": وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطيبيّ: وهما -أي السند، والإسناد- متقاربان في معنى اعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليهما. وقال ابن جماعة: المحدّثون يستعملون السند، والإسناد لشيء واحد.
وأما الْمُسنَد -بفتح النون- فله اعتبارات:
أحدها: أنه الحديث المتّصل المرفوع إلى رسول الله ﷺ على الأصحّ، وقيل: هو المرفوع مطلقًا. وقيل: هو المتّصل مطلقًا.
ثانيها: الكتاب الذي جُمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، فهو اسمُ مفعولٍ.
ثالثها: أن يطلق، ويراد به الإسنادُ، فيكون مصدرًا، كمسنَد الشهاب، ومسنَد الفردوس. أي أسانيد أحاديثهما انتهى من "التدريب" بتصرّف (١).
وأما المتن: فهو في اللغة: من كلّ شيء ما صَلُب ظهره، والجمع مُتُون، ومِتَانٌ. ومتنُ كلّ شيء: ما ظهر منه. ومتن الْمَزَادة: وجهها البارز. والمتن: ما ارتفع من الأرض، واستوى. وقيل: ما ارتفع، وصَلُبَ. قاله في "اللسان".
وأما في الاصطلاح: فهو ألفاظ الحديث التي تتقوّم بها المعاني. قاله الطيبيّ. وقال ابن جماعة: هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام، من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية؛ لأنه غاية السند، أو من متنت الكبش: إذا شققت جلدة بيضته، واستخرجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده، أو من المتن، وهو ما صلُب، وارتفع من الأرض؛ لأن الْمُسْنِد يقوّيه بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتينِ القوسِ، أي شَدِّها بالعَصَب؛ لأن الْمُسنِد يقوّي الحديث بسنده. قاله في "التدريب" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في بحث مهمّ أيضًا يتعلّق بقوله: "وتداولها أهل العلم"، وقد أشرت سابقًا إلى أنّ مقصوده بذلك شهرة تلك الأسانيد بين أهل العلم، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة؛ لأنها مذمومة، فقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح علل الترمذيّ" ما نُقل عن السلف في ذلك، فقال:
وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمّون الغريب منه في الجملة،
стр. 248
ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من ههنا، ومن ههنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ من طريق الترمذيّ، عن أحمد بن عبدة، عن أبي وهب، عنه. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك، قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف، قال: من طلب غرائب الحديث كذب. وقال أبو نعيم: كان عندنا رجل يصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زُهير بن معاوية، يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث.
وذكر مسلم في "مقدّمة كتابه" من طريق حمّاد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عَمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب، قال: يقول له أيوب: إنما نَفِرُّ، أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب. وقال رجلٌ لخالد بن الحارث: أَخْرِج إليّ حديثَ الأشعث، لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد، قال: شرّ الحديث الغرائب، التي لا يُعمل بها، ولا يُعتمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم. ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأٌ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسنادٌ، وإن كان قد رَوَى شعبة، وسفيان، وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء.
قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب عليهم كَتْبُ الغريب، دون المشهور، وسماع المنكر، دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة، ومحلِّهم، ونقصوان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمّة من المحدّثين الأعلام، من أسلافنا الماضين.
قال الحافظ ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب
стр. 249
إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستّة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، وأفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب، والمناكير انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رحمه الله تعالى:
(فَأَرَدتَ -أَرْشَدَكَ اللهُ- أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً، مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فَي التَّأْلِيفِ، بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ زَعَمْتَ مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدتَ، مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا).
الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:
بَيّن رحمه الله تعالى أن هذا الذي همّ أن يبحث عن جملة الأخبار طلب منه أن يُطْلِعَه على جملة من تلك الأحاديث مجموعة في كتاب واحد مَضبوطة، ويبيّنها له بلا إكثار تكرار؛ لأن ذلك يَشْغَله عن مقصوده الذي هو الغَوْص في الفهم، والاستنباط. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(فَأَرَدتَ) أي طلبت، يقال: أراد الرجل كذا إرادة: إذا طلبه، واختاره (٢) (أَرْشَدَكَ اللهُ) جملة دعائيّة معترضة بين الفعل، ومفعوله. أي هداك الله لإصابة الصواب، لأن معنى الرشد -بضمّ، فسكون-: الصلاح، وهو خلاف الغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، والهمزة للتعدية، يقال ت رَشِدَ يرشَدُ رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرشُدُ رُشدًا، من باب قَتلَ، فهو راشد، والاسم الرَّشَاد (٣) (أَنْ تُوقَفَ) بضم أوله مبنيّا للمفعول، وتخفيف القاف، من الوقْفِ، أو تشديدها، من التوقيف، أي تُعَلَّم، يقال: وقَفْتُ فلانًا على ذَنْبه وَقْفًا، ووَقَّفْتُهُ تَوْقِيفًا: أطلعته عليه. كما يستفاد من عبارة المجد في "القاموس"، وابن منظور في "اللسان" (عَلَى جُمْلَتِهَا) أي مجموع تلك الأخبار، وهو متعلّق بـ "توقف" (مُؤَلَّفَةً) منصوب على الحال، أي حال كونها مؤلّفة.
قال أبو البقاء الكفويّ في "الكليّات": التأليف هو جمع الأشياء المتناسبة، من الأُلْفة، وهو حقيقة في الأجسام، ومجاز في الحروف. و"التنظيم": من نظم الجواهر، وفيه جَوْدة التركيب. والتأليف بالنسبة إلى الحروف؛ لتصير كلمات، والتنظيم بالنسبة إلى
стр. 250
الكلمات؛ لتصير جُملًا.
و"التركيب": ضمّ الأشياء مؤتلفةً كانت، أولًا، مرتّبة الوضع، أو لا، فالمركّب أعمّ من المؤلّف، والمرتّب، مطلقًا، و"الترتيب": أعمّ مطلقًا من التنضيد؛ لأن الترتيب عبارة عن وقوع بعض الأجَسام فوق بعض، و"التنضيد": عبارة عن وقوع بعضها فوق بعض على سبيل التماس اللازم لعدم الخلاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المرأد بالتأليف في كلام المصنّف هنا ضمّ الأحاديث الصحاح بعضها إلى بعض على وجه متناسب، بأن يكون وضع السابق يستدعي وضع اللاحق بعده؛ لكون الفائدة الحاصلة منه مترتبة عليه. والله تعالى أعلم. (مُحْصَاةً) صفة لـ "مؤلّفة"، اسم مفعول، من أحصى الشيءْ: إذا عَدَّه، أو حفِظَه، أو عَقَلَه. كما في "القاموس". أي معدودة، محفوظة.
(وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ) من التلخيص، وهو التبيين، والشرح، والتلخيص. كما في "القاموس". أي أبيّنها، وأشرحها لك (فَي التَّأْلِيفِ) أي في الكتاب المؤلّف، فالمصدر بمعنى اسم المفعول، ويحتمل أن يكون على أصله، و"في" بمعنى الباء السببيّة، أي أبيّنها بسبب التأليف لها (بِلَا تَكْرَار) أي بغير إعادة الحديث، و"التكرار" -بفتح التاء-: اسم من كَرَّر الشيءَ تكريرًا: إذا أعاده مرارًا، كما تفيده عبارة "المصباح". وفي "القاموس": وكَرَّره تكريرًا، وتَكْرَارًا، وتَكِرَّةً، كَتَحِلَّةٍ، وكَرْكَرَةً: أعاده مرّةً بعد أُخرى انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن تاء "التكرار" مفتوحةٌ، لا غير، وأما ما اشتهر على ألسنة الناس من كسرها، فمن لحنهم. فتنبّه.
[تنبيه]: دخلت "لا" في قوله: "بلا تكرار" بين الجارّ والمجرور، واختَلَفَ فيها النحاة، فقال الكوفيّون: هي اسم بمعنى "غير"، وأن الجارّ دخل عليها نفسِهَا، وأن ما بعدها مجرورٌ بإضافتها إليه. وقال غيرهم: هي زائدة، كما زيدت "كان" في نحو قولك: "زيد كان فاضلٌ"، وإن كانت مفيدة لمعنًى هو المضيّ والانقطاع، وأرادوا بالزائد المعترضَ بين شيئين متطالبين، وإن لم يصحّ أصل المعنى بإسقاطه، كما هنا. فتنبّه. أفاده ابن هشام الأنصاري رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "مغنيه" (٢).
(يَكْثُرُ) جملة في محلّ جرّ صفة لكرارٍ، وقيّده بالكثرة، إشارةً إلى أن التكرار غير