← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حديث خبرٌ، من غير عكس. أفاده في "نزهة النظر، شرح نخبة الفكر" (١). وقيل: لا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد. وأما الأثر -بفتحتين- فهو لغةً: اسم من أثرتُ الحديثَ أَثْرًا، من باب قتل: إذا نقلته، ومنه حديث مأثورٌ: أي منقولٌ. أفاده في "المصباح". وفي "القاموس": "الأثَرُ" محرّكةً: بقيّة الشيء، جمعه آثارٌ، وأُثُورٌ، والخَبَر. انتهى. وأما في الاصطلاح: فهو مرادف للحديث، والخبر. قال في "التدريب": إنّ المحدّثين يسمون المرفوع، والموقوف بالأثر، وإنّ فقهاء خُرَاسان يُسمّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر. ويقال: أثرت الحديث: بمعنى رويته، ويسمّى المحدّث أَثَريًّا، نسبةً للأثر انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: في بحثٍ مهمّ يتعلَق بقول المصنّف: "بالأسانيد التي بها نُقِلَتْ"، وهو البحث عن السند والإسناد، والمتن . فأما "السند": -بفتحتين-: لغةً: ما استندت إليه، من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَد، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِب لغةٌ. قاله في "المصباح" (٢). وقال في"اللسان": "السنَدُ": ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل، أو الوادي، والجمعُ أَسْنادٌ، لا يكسّر على غير ذلك. انتهى (٣). وقال في "التدريب": وأما السند، فقال البدر بن جماعة، والطيبيّ: هو الإخبار عن طريق المتن. قال ابن جماعة: وأخذه، إما من السند، وهو ما ارتفع، وعلا من سَفْح الجبل؛ لأن المسند يرفعُهُ إلى قائله، أو من قولهم: فلان سَنَدٌ: أي مُعتَمدٌ، فسمّي الإخبار عن طريق المتن سندًا؛ لاعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليه. انتهى (٤). وأما الإسناد: فهو لغة مصدر أسند، يقال: أسندت الحديث إلى قائله بالألف: رفعتُهُ إليه بذكر ناقله. قاله في "المصباح". وفي "لسان العرب": وأسند الحديث: رفعه. قال الأزهريّ: والْمُسْنَد من

стр. 247

الحديث: ما اتصل إسناده حتى يُسنَد إلى النبيّ ﷺ ، والمرسل، والمنقطع: ما لم يتَصل. والإسناد في الحديث: رفعُهُ إلى قائله انتهى. وفي "التدريب": وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطيبيّ: وهما -أي السند، والإسناد- متقاربان في معنى اعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليهما. وقال ابن جماعة: المحدّثون يستعملون السند، والإسناد لشيء واحد. وأما الْمُسنَد -بفتح النون- فله اعتبارات: أحدها: أنه الحديث المتّصل المرفوع إلى رسول الله ﷺ على الأصحّ، وقيل: هو المرفوع مطلقًا. وقيل: هو المتّصل مطلقًا. ثانيها: الكتاب الذي جُمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، فهو اسمُ مفعولٍ. ثالثها: أن يطلق، ويراد به الإسنادُ، فيكون مصدرًا، كمسنَد الشهاب، ومسنَد الفردوس. أي أسانيد أحاديثهما انتهى من "التدريب" بتصرّف (١). وأما المتن: فهو في اللغة: من كلّ شيء ما صَلُب ظهره، والجمع مُتُون، ومِتَانٌ. ومتنُ كلّ شيء: ما ظهر منه. ومتن الْمَزَادة: وجهها البارز. والمتن: ما ارتفع من الأرض، واستوى. وقيل: ما ارتفع، وصَلُبَ. قاله في "اللسان". وأما في الاصطلاح: فهو ألفاظ الحديث التي تتقوّم بها المعاني. قاله الطيبيّ. وقال ابن جماعة: هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام، من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية؛ لأنه غاية السند، أو من متنت الكبش: إذا شققت جلدة بيضته، واستخرجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده، أو من المتن، وهو ما صلُب، وارتفع من الأرض؛ لأن الْمُسْنِد يقوّيه بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتينِ القوسِ، أي شَدِّها بالعَصَب؛ لأن الْمُسنِد يقوّي الحديث بسنده. قاله في "التدريب" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في بحث مهمّ أيضًا يتعلّق بقوله: "وتداولها أهل العلم"، وقد أشرت سابقًا إلى أنّ مقصوده بذلك شهرة تلك الأسانيد بين أهل العلم، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة؛ لأنها مذمومة، فقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح علل الترمذيّ" ما نُقل عن السلف في ذلك، فقال: وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمّون الغريب منه في الجملة،

стр. 248

ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من ههنا، ومن ههنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ من طريق الترمذيّ، عن أحمد بن عبدة، عن أبي وهب، عنه. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك، قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف، قال: من طلب غرائب الحديث كذب. وقال أبو نعيم: كان عندنا رجل يصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زُهير بن معاوية، يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. وذكر مسلم في "مقدّمة كتابه" من طريق حمّاد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عَمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب، قال: يقول له أيوب: إنما نَفِرُّ، أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب. وقال رجلٌ لخالد بن الحارث: أَخْرِج إليّ حديثَ الأشعث، لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد، قال: شرّ الحديث الغرائب، التي لا يُعمل بها، ولا يُعتمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم. ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأٌ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسنادٌ، وإن كان قد رَوَى شعبة، وسفيان، وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء. قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب عليهم كَتْبُ الغريب، دون المشهور، وسماع المنكر، دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة، ومحلِّهم، ونقصوان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمّة من المحدّثين الأعلام، من أسلافنا الماضين. قال الحافظ ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب

стр. 249

إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستّة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، وأفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب، والمناكير انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنّف رحمه الله تعالى: (فَأَرَدتَ -أَرْشَدَكَ اللهُ- أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً، مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فَي التَّأْلِيفِ، بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ زَعَمْتَ مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدتَ، مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا). الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة: بَيّن رحمه الله تعالى أن هذا الذي همّ أن يبحث عن جملة الأخبار طلب منه أن يُطْلِعَه على جملة من تلك الأحاديث مجموعة في كتاب واحد مَضبوطة، ويبيّنها له بلا إكثار تكرار؛ لأن ذلك يَشْغَله عن مقصوده الذي هو الغَوْص في الفهم، والاستنباط. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَأَرَدتَ) أي طلبت، يقال: أراد الرجل كذا إرادة: إذا طلبه، واختاره (٢) (أَرْشَدَكَ اللهُ) جملة دعائيّة معترضة بين الفعل، ومفعوله. أي هداك الله لإصابة الصواب، لأن معنى الرشد -بضمّ، فسكون-: الصلاح، وهو خلاف الغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، والهمزة للتعدية، يقال ت رَشِدَ يرشَدُ رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرشُدُ رُشدًا، من باب قَتلَ، فهو راشد، والاسم الرَّشَاد (٣) (أَنْ تُوقَفَ) بضم أوله مبنيّا للمفعول، وتخفيف القاف، من الوقْفِ، أو تشديدها، من التوقيف، أي تُعَلَّم، يقال: وقَفْتُ فلانًا على ذَنْبه وَقْفًا، ووَقَّفْتُهُ تَوْقِيفًا: أطلعته عليه. كما يستفاد من عبارة المجد في "القاموس"، وابن منظور في "اللسان" (عَلَى جُمْلَتِهَا) أي مجموع تلك الأخبار، وهو متعلّق بـ "توقف" (مُؤَلَّفَةً) منصوب على الحال، أي حال كونها مؤلّفة. قال أبو البقاء الكفويّ في "الكليّات": التأليف هو جمع الأشياء المتناسبة، من الأُلْفة، وهو حقيقة في الأجسام، ومجاز في الحروف. و"التنظيم": من نظم الجواهر، وفيه جَوْدة التركيب. والتأليف بالنسبة إلى الحروف؛ لتصير كلمات، والتنظيم بالنسبة إلى

стр. 250

الكلمات؛ لتصير جُملًا. و"التركيب": ضمّ الأشياء مؤتلفةً كانت، أولًا، مرتّبة الوضع، أو لا، فالمركّب أعمّ من المؤلّف، والمرتّب، مطلقًا، و"الترتيب": أعمّ مطلقًا من التنضيد؛ لأن الترتيب عبارة عن وقوع بعض الأجَسام فوق بعض، و"التنضيد": عبارة عن وقوع بعضها فوق بعض على سبيل التماس اللازم لعدم الخلاء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المرأد بالتأليف في كلام المصنّف هنا ضمّ الأحاديث الصحاح بعضها إلى بعض على وجه متناسب، بأن يكون وضع السابق يستدعي وضع اللاحق بعده؛ لكون الفائدة الحاصلة منه مترتبة عليه. والله تعالى أعلم. (مُحْصَاةً) صفة لـ "مؤلّفة"، اسم مفعول، من أحصى الشيءْ: إذا عَدَّه، أو حفِظَه، أو عَقَلَه. كما في "القاموس". أي معدودة، محفوظة. (وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ) من التلخيص، وهو التبيين، والشرح، والتلخيص. كما في "القاموس". أي أبيّنها، وأشرحها لك (فَي التَّأْلِيفِ) أي في الكتاب المؤلّف، فالمصدر بمعنى اسم المفعول، ويحتمل أن يكون على أصله، و"في" بمعنى الباء السببيّة، أي أبيّنها بسبب التأليف لها (بِلَا تَكْرَار) أي بغير إعادة الحديث، و"التكرار" -بفتح التاء-: اسم من كَرَّر الشيءَ تكريرًا: إذا أعاده مرارًا، كما تفيده عبارة "المصباح". وفي "القاموس": وكَرَّره تكريرًا، وتَكْرَارًا، وتَكِرَّةً، كَتَحِلَّةٍ، وكَرْكَرَةً: أعاده مرّةً بعد أُخرى انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن تاء "التكرار" مفتوحةٌ، لا غير، وأما ما اشتهر على ألسنة الناس من كسرها، فمن لحنهم. فتنبّه. [تنبيه]: دخلت "لا" في قوله: "بلا تكرار" بين الجارّ والمجرور، واختَلَفَ فيها النحاة، فقال الكوفيّون: هي اسم بمعنى "غير"، وأن الجارّ دخل عليها نفسِهَا، وأن ما بعدها مجرورٌ بإضافتها إليه. وقال غيرهم: هي زائدة، كما زيدت "كان" في نحو قولك: "زيد كان فاضلٌ"، وإن كانت مفيدة لمعنًى هو المضيّ والانقطاع، وأرادوا بالزائد المعترضَ بين شيئين متطالبين، وإن لم يصحّ أصل المعنى بإسقاطه، كما هنا. فتنبّه. أفاده ابن هشام الأنصاري رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "مغنيه" (٢). (يَكْثُرُ) جملة في محلّ جرّ صفة لكرارٍ، وقيّده بالكثرة، إشارةً إلى أن التكرار غير

стр. 251

الكثير لا بأس به؛ لأنه لا يشغل عن المقصود (فَإِنَّ ذَلِكَ) إشارة إلى التكرار الكثير (زَعَمْتَ) أي قلت؛ لأن الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر استعماله لغير المحقّق. قال الفيّوميّ: زَعَم زَعْمًا، من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس. ويطلق بمعنى القول، ومنه: زَعَمَتِ الحنفيّة. وزعم سيبويه، أي قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ الآية [الإسراء: ٩٢]. أي كما أخبرت. ويطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]. قال الأزهريّ: وأكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، ولا يتحَقَّق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زَعْمًا: قال خبرًا لا يُدرَي، أحقٌّ هو أو باطلٌ. قال الخطّابيّ: ولهذا قيل، "زعم مطيّة الكذب". انتهى عبارة الفيّويّ (١). (مِمَّا يَشْغَلُكَ) بفتح الياء، من شَغَلَه الأمر، ثلاثيًّا، من باب نَفَع. وأما أشغله بالألف، فلغة رديئة، أو قليلة (٢)، كما أفاده في "اللسان" (٣). وفي "المصباح": شَغَلَه الأمر شَغْلًا، من باب نَفَع، فالأمر شَاغِلٌ، وهو مَشْغُولٌ، والاسم الشُّغْل -بضمّ الشين، وتضمّ الغين، وتسكّن للتخفيف- وشُغِلتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهّيتُ به. قال الأزهريّ: واشتغل بأمره، فهو مُشتَغِلٌ، أي بالبناء للفاعل. وقال ابن فارس: ولا يكادون يقولون: اشتَغَلَ، وهو جائزٌ -يعني بالبناء للفاعل- ومن هنا قال بعضهم: اشتُغِلَ بالبناء للمفعول، ولا يجوز بناؤه للفاعل؛ لأن الافتعال إن كان مطاوعًا فهو لازمٌ، لا غير، وإن كان غير مطاوعٍ فلا بدّ أن يكون فيه معنى التعدّي، نحو اكتَسَبت المالَ، واكتَحَلْتُ، واختَضَبْتُ: أي كَحَلتُ عيني، وخَضَبْتُ يدي، واشتغلت ليس بمطاوعٍ، وليس فيه معنى التعدّي. وأجيب بأنه في الأصل مطاوعٌ لفعلٍ هُجِرَ استعمالُهُ في فصيح الكلام، والأصل: أشغلته بالألف، فاشتغَلَ، مثل أحرقته، فاحترق، وأكملتُهُ، فاكتمل، وفيه معنى التعدّي، فإنك تقول: اشتغلت بكذا، فالجارّ والمجرور في معنى المفعول، وقد نصّ الأزهريّ على استعمال "مُشْتَغِلٍ"، و"مُشْتَغَلٍ". انتهت عبارة "المصباح" (٤). وكتب الزَّبيديّ في "التاج" عند قول صاحب "القاموس": وأشغله لغة جيّدة، أو

стр. 252

قليلة، أو رديئة: ما نصّهْ قال ابن دريد: لا يقال: أشغلته، ومثله في شروح "الفصيح"، و"شرح الشفا" للشهاب، و"المفردات" للراغب، و"الأبنية" لابن القطّاع، ولا يُعرف لأحدٍ القولُ بجودتها عن إمام من أئمّة اللغة. وكتبه بعض عُمّال الصاحب له في رُقعَة، فوقّع عليها: من يكتب إشغالي، لا يصلح لأشغالي. قال شيخنا: فإذا لا معنى لتردّد المصنّف فيها. قال الزَّبِيديّ. ولعلّه استأنس بقول ابن فارس حيث قال في "المجمل": لا يكادون يقولون: أَشغَلْت، وهو جائزٌ، فتأمّل ذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره أئمة اللغة المعتمدون أن اللغة الفصحى شَغَله، وأما أشغله، فلا تثبت، أو هي لغةٌ رديئةٌ، في اشتهر على ألسنة الناس من قولهم في الدعاء: "اللهمّ أشغله" بالألف، فهو استعمال لما لَمْ يثبت لغةً، أو استعمالٌ للغة رديئة، لا ينبغي استعمالها، ولا سيّما في الدعاء. فليُتَنَبّه. والله تعالى أعلم. (عَمَّا لَهُ قَصَدتَ) أي عن الشيء الذي آردته (مِنَ التَّفَهُّمِ) بيان لـ "ما"، وهو تفَعُّلٌ من الفَهم، يقال: تفهَّمَ الشيءَ: إذا فَهِمَهُ شيئًا بعد شيء. أفاده في "القاموس". وفيه إشارة إلى أن فهم تلك الأحاديث يحتاج إلى التدرّج شيئًا، فشيئًا، فإن معرفتها لا يتيسّر إلا كذلك، فينبغي للطالب أن يكون طلبه تدريجيًا، بحيث لا يصعب عليه، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "خذوا من الأعمال ما تُطيقون ... ". الحديث، ونُقل عن الزهريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قوله: من طلب العلم جملة، فاته جملة، وإنما العلم حديث، وحديثان (٢). (فِيهَا) أي في تلك الأخبار (وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا) أي استخراج الأحكام من تلك الأخبار. يقال: استنبطت الحكمَ: استخرجته بالاجتهاد، وأنبطته مثلُهُ، وأصله من استبَطَ الحافرُ الماءَ، وأنبطه: إنباطًا: إذا استخرجه بعمله. قاله في "المصباح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلِلَّذِي سَأَلْتَ -أَكْرَمَكَ اللهُ- حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ). الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:

стр. 253

بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن التأليف الذي سأله إياه حينما يتدبّره، وينظر في مآله فإن له منفعة موجودة في الدنيا؛ إذ به تحفظ الأحاديث النبويّة التي عليها انبنى الشرع الشريف، وله عاقبة محمودة في الأخرى؛ إذ يترتّب عليه الأجر العظيم. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَلِلَّذِي سَأَلْتَ) بكسر اللام، جارٌّ ومجرور متعلّق بمحذوف، خبرٍ لـ "عاقبةٌ"، وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد ضبطه بكسر اللام: ما نصّه: وإنما ضبطته، وإن كان ظاهرًا؛ لأنه مما يُغْلَطُ فيه، ويُصحّف، وقد رأيت ذلك غير مرّة انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادعاه النوويّ من الغلط، إن كان لعدم صحة الرواية به، فمسلَّمٌ، وإلا فلفتح اللام وجهٌ صحيحٌ، وذلك أنه للابتداء، والموصول مبتدأ، خبره "عاقبة محمودة" على حذف مضاف، تقديره: أي ذو عاقبة محمودة، فتأمّل. والله تعالى أعلم. وعائد الموصول محذوفٌ؛ لكونه فضلة، كما قال ابن مالك، في "الخلاصة": ......................... ... وَالْحَذْفُ عِنْهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ (أَكْرَمَكَ اللهُ) جملة دعائيّة، معترضة بين المبتدأ والخبر (حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ) "حين" منصوبٌ على الظرفية، متعلّق بما تعلّق به الجارّ والمجرور قبله، وهو اسم زمان قليلًا كان، أو كثيرًا، والجمع أحيان. و"التدبّر": النظر في العاقبة، يقال: تدبّرتُ الأمرَ تدبّرًا: إذا نظرت في دُبُره، وهو عاقبته، وآخرِه. أفاده في "المصباح". فيكون المعنى هنا: وقتَ رجوعي إلى النظر في عاقبة الأمر الذي سألته. [فائدة]: قال أبو حاتم السجستانيّ اللغويّ: غَلِطَ كثير من العلماء، فجعلوا "حين" بمعنى "حيث"، والصواب أن يقال: "حيث" -بالثاء المثلّثة- ظرف مكان، و"حين" -بالنون- ظرف زمان، فيقال: قُمتُ حيث قمتَ، أي في الموضع الذي قمت فيه، واذهب حيث شِئتَ، أي إلى أيّ موضع شئتَ. وأما "حين" -بالنون- فيقال: قمتُ حين قمتَ، أي في ذلك الوقت، ولا يقال: حيث خرج الحاجّ -بالثاء المثلّثة. وضابطه أن كلَّ موضع حسُنَ فيه "أينَ"، و"أَيٌّ"، اختصّ به "حيث" -بالثاء-، وكلُّ موضع حَسُنَ فيه "إذا"، و"لَمّا"، و"يومٌ"، و"وقتٌ"، وشبهه، اختصّ به "حين" -بالنون- انتهى. ذكره في "المصباح" (١). (وَمَا تَؤُولُ إليهِ الْحَالُ) أي ما يرجع إليه حال الأمر الذي سألته، يقال: آل الشيء

стр. 254

يؤول أَوْلًا، ومآلًا: رَجَعَ، والإِيَالُ، وزانُ كتاب، اسم منه، وقد استُعمِل في المعاني، فقيل: آل الأمر إلى كذا. قاله في "المصباح". و"الحال" صفةُ الشيء، يذكّر، ويؤنِّث، فيقال: حالٌ حسن، وحالٌ حسنةٌ، وقد يؤنّثُ بالهاء، فيقال: حالةٌ حسنةٌ. قاله في "المصباح" أيضًا. وفي بعض النسخ: "به" بدل "إليه"، وهو بمعناه؛ لأن الباء تأتي بمعنى "إلى"، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ الآية [يوسف: ١٠٠]. أي إليّ، وقيل: ضُمّن "أحسن" معنى "لَطُفَ". ذكره ابن هشام، في "مغنيه" (١). وفي بعض النسخ "يؤول" بالياء بدل التاء، وهو جائز؛ لأن الحال يذكّر، ويؤنّث، على ما قدّمناه آنفًا. فـ "ما" اسم موصول، معطوف على "تدبّره". (-إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-) جملة معترضة بين المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم، ذُكر تبرّكًا، ولأن تحققه غير معلوم له، وإنما ذلك إلى الله تعالى (عَاقِبَةٌ) قال الفيّوميّ: عاقبة كلّ شيء آخره (مَحْمُودَةٌ) بالرفع صفة لـ "عاقبة"، يعني أن الأمر الذي سأله، وهو التأليف المذكور له نهايةٌ مرضية، حيث يترتّب عليه الأجر العظيم عند الله تعالى، وقوله (وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ) مؤكّدٌ لما قبله، ويحتمل أن تكون المنفعة الموجودة في الحال، إذ يُنتفع بذلك الكتاب حالًا، وتكون العاقبة المحمودة فيما بعدُ حيث يكون الكتاب لسان صدق في الآخرين، يُثني عليه من أتى بعده، ويوجر عليه في الآخرة؛ لحديث: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ ... " الحديث، أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ، وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ، كانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً، قَبْلَ غَيْرِي، مِنَ النَّاسِ؛ لأَسْبَاب يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ، إِلَّا أنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَىِ الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ، مِنَ الْعَوَامِّ، إِلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ غَيْرُهُ). الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه حينما سأله التكلّف للتأليف المذكور، وحصل له ذلك بالفعل كان أول من يستفيد به هو؛ لأسباب كثيرة، لو ذكرها لطال عليه الكتاب، إلا أن

стр. 255

ملخّصها أن ضبط القليل من الأحاديث، وإتقانه أسهل من معانات الكثير منه، وخصوصًا عند من لا قدرة له على تمييز المقبول من المرود إلا بتقليد غيره. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَظَنَنْتُ) بتاء المتكلّم، وإنما عبّر بالظنّ دون اليقين؛ لأنّ حصول النفع غير محقّق؛ لاحتمال أن يكون هناك مانع من القبول، فمن واجب العبد أن يطمع في حصول الثواب له على عمله الصالح؛ ولا يقطع به، بل يكون بين الخوف والرجاء، يخاف أن تردّ أعماله بسبب من الأسباب، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ويرجو رحمة ربّه له بقبولها، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على الذين يعملون، ويخافون، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال ﷺ : "لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، وبتصدّقون، وهم يخافون أن لا تُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخير، وهم لها سابقون". حديث صحيح. وأيضًا الظنّ سبب لحصول المقصود، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي ... " الحديث متّفق عليه. (حِينَ سَأَلْتَنِي) متعلّق بما قبله (تَجَشُّمَ ذَلِكَ) بالنصب على المفعوليّة، أي تكلّفه، والتزامَ مشقّته. يقال: جَشِمْتُ الأمرَ، من باب تَعِبَا جَشْمًا، ساكنَ الشين، وجَشَامَةً: تكلّفتُهُ على مشقّة، فأنا جاشمٌ، وجَشُومٌ مبالغةٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أجشمته الأمرَ، وجَشَّمْتُهُ، فتَجَشَّمَ. قاله الفيّوميّ. واسم الإشارة راجع إلى المؤلّف المسؤول (أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول. قال المازريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ولا يُظنّ بمسلم أراد لو عزم الله لي عليه؛ لأنّ إرادة الله لا تُسمّى عزمًا، ولعلّه أراد لو سُهِّلَ لي سبيلُ العزم، أو خلق فيّ قدرةً عليه انتهى. وقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد جاء هذا اللفظ في "صحيح مسلم" من كلام أمّ سلمة ﵂ في "كتاب الجنائز"، قالتْ "ثُمَّ عَزَمَ الله لي، فقلتها". وأصل العزم القوّة، ويكون بمعنى الصبر، وتوطين النفس، وحملِهَا على الشيء، والمعنى متقاربٌ، ومنه

стр. 256

قوله : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]. انتهى (١). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا اللفظ مما اعتُني بشرحه من حيث إنه لا يجوز أن يراد بالعزم هنا حقيقته المتبادرة إلى الأفهام، وهو حصول خاطر في الذهن لَمْ يكن، فإنّ هذا محالٌ في حقّ الله تعالى. واختلف في المراد به هنا: فقيل: معناه لو سُهِّلَ لي سبيل العزم، أو خُلِق فيّ قدرة عليه. وقيل: العزم هنا بمعنى الإرادة، فإن القصد، والعزم، والإرادة، والنيّة متقارباتٌ، فيقام بعضها مقام بعض، فعلى هذا معناه: لو أراد الله ذلك لي. وقد نقل الأزهريّ، وجماعة غيره أنّ العرب تقول: نواك الله بحفظه، قالوا: وتفسيره: قصدك الله بحفظه. وقيل: معناه: لو أُلْزِمتُ ذلك، فإنّ العزيمة بمعنى اللزوم، ومنه قول أمّ عطيّة ﵂: "نُهينا عن اتّباع الجنائز، ولم يُعزم علينا". متّفق عليه. أي لَمْ نُلزَم التركَ. وفي الحديث الآخر: "كان يرغّبنا في قيام رمضان، من غير عزيمة". أي من غير إلزام. ومثله قول الفقهاء: ترك الصلاة في زمن الحيض عزيمةٌ. أي واجب على المرأة، لازم لها. والله أعلم انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن لفظ العزم لَمْ يرد في إطلاقه على الله تعالى جواز، ولا منع، بل الذي تقدّم عن أم سلمة ﵂ يؤيّد القول بجوازه؛ لأن أمّ سلمة ﵂ من أهل اللغة، وممن لا يخفى عليها المحذور في مثل هذا، فالظاهر جواز إطلاقه عليه ، فيكون بمعنى قوله: "وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ". والله تعالى أعلم بالصواب. (وَقُضِيَ) بالبناء للمفعول: أي قضى الله تعالى (لِي تَمَامُهُ) أي كمال ذلك المؤلّف الموصوف بما سبق (كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ) برفه "أول" على أنه اسم "كان"، وهو مضاف إلى "من"، و"نفع" مرفوع على أنه فاعل "يُصيب"، وقوله. "إياي" خبر "كان". [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من رفع "أول" هو الصواب، في نُقل عن بعضهم من ضبطه بالنصب، وأشار بعضهم إلى توجيهه بأن "إياي" ضمير نصب مستعار موضع الرفع تكلّفٌ بارد، وتعسّف كاسد، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وقوله (خَاصَّةً) منصوب على الحال من "إياي"، قال الفيّوميّ: الخاصّة خلاف العامّة، والهاء للتأكيد، وعن الكسائيّ: الخاصّ، والخاصّة واحد. انتهى (٣). وقوله (قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ) مؤكّد لما قبله.

стр. 257

والمعنى أنه لو قضى الله تعالى بتمام هذا المؤلف لكان المنتفع به أوّلا مؤلّفه قبل أن ينتفع به من يقرؤه؛ لكونه هو المباشر في الدعاء إلى الخير الموجب لجزيل الأجر، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". وقوله (لأَسْبَابٍ) علّة لقوله: "عاقبة محمودة، ومنفعة موجودة"، وأما ما ذكره بعضهم من أنه متعلق بقوله: "أن ألخّصها" فبعيد، بل باطل. والله تعالى أعلم (يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ) أي يطول وصف المؤلّف المسؤول بسبب ذكر تلك الأسباب لو ذكرتها على وجه التفصيل. (إِلَّا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ) أي مُجمل ما ذُكر، وإنما أفرد اسم الإشارة لتأويله بالمذكور، وهو استثناء مما يُفهم من الكلام السابق: أي لا أذكر الأسباب كلها بالتفصيل لئلا يطول المؤلف الذي سألت أن ألخص لك فيه الأخبار المأثورة، فيخرُج عن الغرض المطلوب، إلا أن خلاصتها ومجملها أن ضبط القليل أيسر الخ. ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا: أي لكن خلاصة تلك الأسباب، ومجملها الخ. وحاصل المعنى: أن محمودية عاقبة ما سألتني تلخيصه لك، ووجود نفعه لأسباب كثيرة، خلاصتها كون ضبط القليل من هذا العلم أيسر على المرء من معاناة الكثير منه. وقال السنوسيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه": قوله: "إلا أن جملة ذلك" يدلّ على أن قوله قبله: "يطول بذكرها الوصف" معناه بذكرها على سبيل التفصيل، وإلا فهو قد تعرّض لها هنا على سبيل الجملة، وهذا إذا جعلت الإشارة في قوله: "ذلك" تعود على "الأسباب" بتأويل المذكور، ويحتمل أن الإشارة راجعة إلى النفع من قوله: "كان أول من يُصيبه نفع ذلك"، ويكون لم يتعرّض لأسباب وصول ذلك النفع له قبل غيره، لا جملةً، ولا تفصيلًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب، وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدّا. والله تعالى أعلم. (أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ) أي حفظه وإتقانه، يقال: ضبط الشيء ضبطًا، من باب ضرب: إذا حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه

стр. 258

نقص. قاله في "المصباح" (مِنْ هَذَا الشَّأْنِ) أي من هذا الأمر، وهو معرفة الأخبار المأثورة عن رسول الله ﷺ . وقوله (وَإِتْقَانَهُ) عطف تفسير للضبط؛ لأنه بمعناه، كما عرفته آنفًا (أَيْسَرُ) أي أسهل (عَلَى الْمَرْءِ) أي الرجل، وهو بفتح الميم، وضمُّها لغةٌ، فإن لَمْ تأت بالألف واللام قلت: امرؤ، وامرَآن، والجمع رجال، من غير لفظه، والأنثى امرأة، ويقال فيها: مرأة، وزان تمرة، ومَرَة وزان سَنَة. أفاده الفيّوميّ (١) (مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ) أي من معاناته، يقال: عالج الشيء معالجة، وعِلاجًا: إذا زاوله. قاله في "اللسان" (وَلَا سِيَّمَا) "السِّيّ" -بكسر السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، وتخفّف، ويجوز فتح السين مع تشديد الياء- ومعناه: المثل، ثم المناسب هنا أن تكون "لا سيما" بمعنى "خصوصًا" مفعولًا مطلقًا لأخصّ مُقدّرًا، فيكون المعنى: أي وأخصّ كون ضبط القليل أيسر عند من لا تمييز عنده الخ. ونقل الخضريّ في "حاشية ابن عقيل" عن الدمامينيّ وغيره: ما حاصله: وقد يرد "لا سيما" بمعنى خصوصًا، فيكون في محلّ نصب مفعولًا مطلقًا لأخُصّ محذوفًا، وحينئذ يؤتى بعده بالحال، كأُحب زيدًا، ولا سيما راكبًا، أو وهو راكب، فهي حال من مفعول أخصّ المحذوف: أي أخصّه بزيادة المحبّة خصوصًا في حال ركوبه، وكذا بالجملة الشرطيّة، نحو: ولا سيما إن ركب: أي أخصّه بذلك، فقول المصنّفين: لا سيما والأمر كذا تركيب عربيّ. انتهى (٢). [فائدة]: قد تكلم علماء اللغة والنحو في تركيب "ولا سيما" ببحث مطوّل أحببت إيراده هنا؛ لكثرة استعمال هذه الجملة عند المصنّفين، فمعرفة معناها وإعرابها مهمّ جدّا. قال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: السّيّ: المثل، وهما سيّان: أي مثلان. "ولا سيما" مشدّد، ويجوز تخفيفه، وفتح السين مع التثقيل لغة. قال ابن جني: يجوز أن تكون "ما" زائدة في قول امرىء القيس [من الطويل]: أَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا ... وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةَ جُلْجُلِ فيكون "يوم" مجرورًا بها على الإضافة، ويجوز أن تكون بمعنى "الذي"، فيكون "يومٌ" مرفوعًا؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ولا مثل اليوم الذي هو يومٌ بِدَارَةَ جُلْجُلٍ. وقال قومٌ: يجوز النصب على الإستثناء (٣) وليس بالجيّد. قالوا: ولا يُستعمل إلا

стр. 259

مع الجحد، ونصّ عليه أبو جعفر أحمد بن محمد النحويّ في "شرح المعلّقات"، ولفظه: ولا يجوز أن تقول: جاءني القوم سيّما زيد، حتى تأتي بـ "لا"؛ لأنه كالاستثناء. وقال ابن يعيش أيضًا: ولا يُستثنى بـ "سيما" إلا ومعها جحدٌ. وفي "البارع" مثلُ ذلك، قال: وهو منصوب بالنفي. ونقل السخاويّ عن ثعلب: من قاله بغير اللفظ الذي جاء به امرؤ القيس، فقد أخطأ، يعني بغير "لا"، ووجه ذلك أن "لا" و"سيّما" تركّبا، وصارا كالكلمة الواحدة، وتُساقُ لترجيح ما بعدها على ما قبلها، فيكون كالمخرج عن مساواته إلى التفضيل، فقولهم: تُستَحبّ الصدقة في شهر رمضان، لا سيما في العشر الأواخر، معناه: واستحبابها في العشر الأواخر آكد، وأفضل، فهو مفضّلٌ على ما قبله. قال ابن فارس: ولا سيّما: أي ولا مثل ما، كأنهم يُريدون تعظيمه. وقال ابن الحاجب: ولا يُستثنى به إلا ما يُراد تعظيمه. وقال السخاويّ أيضًا: وفيه إيذان بأن له فضيلة ليست لغيره. إذا تقرّر ذلك، فلو قيل: سيّما بغير نفيٍ اقتضى التقديرُ: تستحبّ في شهر رمضان، مثل استحبابها في العشر الأواخر، ولا يخفى ما فيه. وتقدير قول امرئ القيس: مضى لنا أيّامٌ طيّبة، ليس فيها يومٌ مثلُ يوم دارة جُلْجُل، فإنها أطيب من غيره، وأفضل من سائر الأيام، ولو حُذفت "لا" بقي المعنى: مضت لنا أيّام طيّبةٌ مثلُ يوم دارة جُلْجُل، فلا يَبقَى فيه مدحٌ وتعظيم. وقد قالوا: لا يجوز حذف العامل، وإبقاء عمله إلا شاذّا. ويقال: أجاب القوم، لا سيّما زيد، والمعنى: فإنه أحسن إجابةً، فالتفضيل إنما حصل من التركيب، فصارت "لا" مع"سيّما" بمنزلتها في قولك: لا رجلَ في الدار، فهي المفيدة للنفي، وربّما حُذفت للعلم بها، وهي مرادة، لكنّه قليلٌ، ويَقْرُبُ منه قولُ ابن السّرّاج، وابن باب شاذ: وبعضهم يَستثني بها. انتهى كلام الفيّوميّ (١). وقال ابن عقيل في "شرح الخلاصة": وقد جوّزوا في "لا سيّما زيد" إذا رُفع "زيدٌ" أن تكون "ما" موصولة، و"زيدٌ" خبرًا لمبتدإ محذوف، والتقدير: لا سيّ الذي هو زيد، فحُذف العائد الذي هو المبتدأ، وهو قولك "هو" وجوبًا، فهذا موضعٌ حُذِفَ فيه صدر الصلة مع غير "أَيّ" وجوبًا، ولم تطُل الصلة، وهو مَقيسٌ، وليس بشاذّ. انتهى. وكتب الخضريّ في "حاشيته على الشرح المذكور": ما نصه: "سيّ" بمعنى "مثل" لا يتعرّف بإضافته لـ "ما" الموصولة؛ لتوغّله في الإبهام، فصحّ كونه اسم "لا"، ولك جعلُ "ما" نكرة موصوفةً بالجملة: أي لا سيّ رجل هو زيد، أو زائدةٌ، و"سِيّ" مضافٌ إلى "زيد"، فإن كان بدَلُهُ نكرةً، كقوله:

стр. 260

أَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا ... وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةَ جُلْجُلِ فلك فيه الرفعُ، والجرّ كذلك، ويزيد النصبَ، فيُميّز "السيّ" كما تميّز "مثل"، نحو. ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، و"ما" حينئذ كافّةٌ عن الإضافة، وفتحة "سيّ" بناءٌ على هذا؛ لإفرادها، وإعرابٌ في سواه؛ لإضافتها لـ "ما"، أو تاليها، والبيت مرويّ بالأوجه الثلاثة، وخبر "لا" على الجميع محذوفٌ: أي لا مثل كذا موجودٌ، ولا محلّ للجملة، وقد تُخفّف ياؤها، وقد تُحذف منها الواو، إما وحدها، أو مع "لا"، كما حكاه الرضيّ، وتعقّبه الدمامينيّ. هذا، وقد يَرِدُ به بمعنى "خُصُوصًا"، فيكون في محلّ نَصْب مفعولًا مطلقًا لأَخُصُّ محذوفًا، وحينئذ يؤتى بعده بالحال، كأُحِبُّ زيدًا، ولا سيّمًا راكبًا، أو وهو راكب، فهي حالٌ من مفعول "أَخُصُّ" المحذوف: أي أخصّه بزيادة المحبّة خصوصًا في حال ركوبه، وكذا بالجملة الشرطيّة، نحو: ولا سيّما إن ركِبَ: أي أخصّه بذلك، فقول المصنّفين: لا سيّما والأمر كذا تركيبٌ عربيّ. أفاده الدمامينيّ وغيره. انتهى (١). (عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ) جمعِ عامّة، سيأتي للمصنّف قريبًا بيان معناه، والجارّ والمجرور بيان لـ "من" (إِلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ غَيْرُهُ) أي بأن يُعْلِمه غيره من أهل العلم، وهو بتشديد القاف من التوقيف، ولا يصحّ أن يُقرأ هنا بتخفيف القاف، بخلاف ما قدّمناه في قوله: "تُوقف على جملتها"؛ لأن اللغة الفصيحة المشهورة وَقَّفْتُ فلانًا على كذا بالتشديد، فلو كان مخفّفًا لكان حقّه أن يُقال بأن يَقِفَه على التمييز. أفاده النوويّ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَهْجُمُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقِّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ). الشرح الإجمالي لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه إذا كان الأمر كما وصفناه من كون ضبط القليل أيسر من معالجة

стр. 261

الكثير، فطلب القليل الصحيح للعوامّ أولى بهم من استكثار الضعيف؛ لأنهم لا ينتفعون به، وإنما ينتفع بذلك من رزقه الله تعالى نوعًا من اليقظة، والتمييز بين الصحيح والسقيم، ومعرفة أسباب الضعف والعلل، فإن ذلك هو الذي يستفيد، فأما العوامّ الذين ليس لهم يقظة ولا معرفة، فلا فائدة في استكثارهم من جمع الضعيف؛ حيث إنهم عاجزون عن ضبط القليل الصحيح، فكيف يُرجَى لهم الانتفاع بالكثير الضعيف. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ) أي الحال؛ لأن الأمر يُطلق بمعنى الحال، وجمعه أُمور، كفلس وفلوس، ومنه قوله : ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. أفاده الفيّوميّ (١). وقوله: (فِي هَذَا) إشارة إلى علم الحديث الذي تقدّم له الإشارة إليه في قوله: "أن ضبط القليل من هذا الشأن" (كَمَا وَصَفْنَا) من أن ضبط القليل أيسر من معالجة الكثير، ولا سيما عند من لا يقدر على التمييز بين الصحيح والسقيم إلا بِمُوَقّف يرشده إلى ذلك (فَالْقَصْدُ) أي الطلب، يقال: قصدتُ الشيءَ، وله، وإليه قصدًا، من باب ضرب: طلبته بعينه. قاله الفيّوميّ (مِنْهُ) أي من هذا الشأن بمعنى علم الحديث (إِلَى الصَّحِيحِ) أي إلى الحديث الذي استوفى الشروط المعتبرة في قبوله، كما سيجيء شرحها قريبا -إن شاء الله تعالى- (الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ) أي أحقّ بهؤلاء العوامّ الذين لا تمييز لهم بأنفسهم (مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ) "الازدياد": افتعال من الزيادة، قال في "اللسان": يقال للرجل يُعطَى شيئًا: هل تزداد؟ ، المعنى: هل تطلب زيادة على ما أعطيتك؟ . انتهى (٢). و"السقيم": ضدّ الصحيح، والمراد به الحديث الضعيف. والمعنى هنا: أن طلب الحديث القليل من الحديث الصحيح أولى لهؤلاء العَوَامّ من طلب الكثير من الحديث الضعيف. (وَإِنَّمَا يُرْجَى) بالبناء للمفعول، يقال: رجوتُه أرجوه رُجُوّا بضمتين على فُعُول، من باب قعد: أمّلته، أو أردته، قال تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠]: أي لا يُريدونه، والاسم الرجاء بالمدّ، ورجيته أرجيه، بالياء، من باب رمى لغةٌ، ويُستعمل بمعنى الخوف؛ لأن الراجي يَخَاف أنه لا يُدرك ما يترجّاه. قاله الفيّوميّ (٣). قلت: المناسب هنا المعنى الأول. ونائب فاعله قوله (بَعْضُ"الْمَنْفَعَةِ) -بفتح

стр. 262

الميم، والفاء، بينهما نون ساكنة-: اسم بمعنى الانتفاع، قال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: النفع: الخير، وهو ما يَتَوَصّل به الإنسان إلى مطلوبه، يقال: نفعني كذا ينفعني نَفْعًا، ونَفِيعةً، فهو نافع، وانتفعتُا بالشيء، ونفعني الله به، والمنفعة اسم منه. انتهى (١). (فِي الِاسْتِكْثَارِ) أي طلب الكثير، فالسين، والتاء للطلب، وهو متعلّق بـ "يُرجى"، أو بـ "المنفعة" (مِنْ هَذَا الشَّأْنِ) أي من هذا الأمر، والمراد علم الحديث، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "الاستكثار" (وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ) بالجرّ عطفًا على"الاستكثار" من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الاستكثَار يعمّ جمع المكرّرات وغيره. وقوله: (مِنْهُ) أي من هذا الشأن، متعلّق بـ "المكررات" (لِخَاصَّةٍ) متعلّق بـ "يُرجى"، أو بـ "المنفعة"، و"الخاصّة": خلافُ العامّة (مِنَ النَّاسِ) متعلّق بصفة لـ "خاصّة": أي كائنة من الناس. ثم بيّن المراد بـ "الخاصّة" هنا بقوله (مِمَّنْ رُزِقَ) بالبناء للمفعول، و"من" بيانية، والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله بدلَ بعض من كلّ (فِيهِ) أي في هذا الشأن، متعلّق بما قبله (بَعْضَ التَّيَقُّظِ) بالنصب على المفعوليّة لـ "رُزق"، و"التيقّظ" مصدر تيقّظ: إذا انتبه للأمور، يقال: يَقِظَ يَقَظًا، من باب كَرُم، وتَعِب، ويَقَظَة بفتح القاف، ويَقَاظة: خلاف نام، أو انتبه للأمور، كاستيقظ، وتيقّظ. أفاده في "القاموس"، و"المصباح" (وَالْمَعْرِفَةِ) بالجرّ عطفًا على "التيقّظ" (بِأَسْبَابِهِ) أي أسباب الحديث، والسبب في اللغة: هو الحبلُ الذي يُتوصّل به إلى الاستعلاء، ثم استُعير لكلّ شيء يُتوصّل به إلى أمر من الأمور، فقيل: هذا سبب هذا، وهذا مُسبّبٌ عن هذا. أفاده الفيّوميّ (٢). وقال ابن منظور: السبب كلّ شيء يُتوصّل به إلى الشيء. انتهى (٣). والمراد به هنا الأمور التي يُتوصّل بها إلى معرفة صحة الحديث وضعفه، من استكمال شروط القبول، وعدمها. وقوله (وَعِلَلِهِ) جمع علّة، وهي: عبارة عن معنى في الحديث خَفِيّ يقتضي ضعفه، مع أن ظاهره السلامة منها، فتارة تكون فيِ المتن، وتارة تكون في الإسناد، وسيأتي البحث عنها مستوفى -إن شاء الله تعالى- (فَذَلِكَ) إشارة إلى من رُزق بعض التيقظ والمعرفة. وقوله (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) جملة معترضة بين المبتدإ والخبر، أتى بها إشارة إلى أن مجرّد كون الخصر متهيّئًا للوصول إلى هذه الفائدة لا يجدي شيئًا إلا بتوفيق الله تعالى، وتيسيره، وتسهيله. والله تعالى أعلم. فقوله: "فذلك" مبتدأٌ، خبره قوله: (يَهْجُمُ) بفتح أوله، وضمّ الجيم، قال الفيّوميّ: هَجَمتُ عليه هُجُومًا، من باب قعد: دخلتُ بغتةً على غفلة منه، وهجمته على القوم: جعلته يَهْجُمُ عليهم، يتعدّي، ولا

стр. 263

يتعدّي، وهَجَمت العين هُجُومًا: غارت، وهَجَم البَرْدُ هُجُومًا: أسرع دخوله، وهَجَمت الرجل هَجْمًا: طردته، وهَجَم: سَكَتَ، وأطرق، فهو هاجمٌ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الفيّوميّ من ضبط "يَهْجُمُ" بضم الجيم هو الذي ذكره غيره من أهل اللغة، وضبطه النوويّ في "شرحه" بكسر الجيم، وقال: هكذا ضبطناه، وهكذا هو في نُسَخ بلادنا، وأصولها (١). قلت: هذا الذي ذكره النوويّ من ضبط "يهجم" بكسر الجيم لم يُثبته أهل اللغة، بل نبّه بعضهم على أنه غلطٌ، فقد نقل محمد المرتضى في "شرح القاموس" عن شيخه الفاسيّ في شرحه لـ "القاموس" أنه من باب كتب، قال: وهو الصحيح الذي جزم به أئمة اللغة قاطبة، فرواية بعض الرواة إياه في "صحيح مسلم" بكسر المضارع، كيضرب لا يُعتدّ به، ولا يُلتَفت إليه، وإن جرى عليه بعض عامّة أهل الحديث. قال المرتضى: ولكن المضبوط في نسخ "الصحاح" كلها هجمت على الشيء بغتة أهجم هُجُومًا بكسر الجيم من "أهجم"، فهذا يقوّي ما ذهب إليه بعض رواة مسلم، فتأمّل ذلك. انتهى (٢). وذكر القاضي عياضٌ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه رُوي كذا، ورُوي "يَنْهَجِم" بنون بعد الياء، قال: ومعنى "يَهْجُمُ": يقع عليها، ويبلغ إليها، ويَنال بُغيته منها، يقال: هجمت على القوم: إذا دخلت عليهم. قال ابن دُريد: يقال: انهجم الخباء: إذا وقع، وهجمت ما في خِلْف الناقة: إذا استقصيت حَلْبَهُ. انتهى (٣). (بِمَا أُوتِيَ) بالبناء للمفعول، والجارّ متعلّق بـ "يهجم"، والباء سببية (مِنْ ذَلِكَ) الإشارة إلى بعض التيقّظ والمعرفة، والجارّ متعلق بـ "أوتي" (عَلَى الْفَائِدَةِ) متعلّق بـ "يهجم" أي يقع على الفائدة بسبب ما أوتيه من التيقظ والفهم (في الِاسْتِكْثَارِ) تعلّق بصفة لـ "الفائدة": أي الفائدة الكائنة في الاستكثار (مِنْ جَمْعِهِ) أي جمع أنواع الحديث. [تنبيه]: ذكر النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى مما يتعلّق بكلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا كلامًا نفيسًا، حيث قال: وحاصل هذا الكلام، الذي ذكره مسلم ﵀، أن المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد، والمعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث، خَفِيّ، يقتضي ضعف الحديث، مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في

стр. 264

المتن، وتارة في الإسناد، وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع، ولا الإسماع، ولا الكتابة، بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفيّ معاني المتون والأسانيد، والفكر في ذلك، ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة به، ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه وغيرها، فيحفظها الطالب بقلبه، ويقيدها بالكتابة، ثم يُدِيم مطالعة ما كتبه، ويتحرى التحقيق فيما يكتبه، ويتثبت فيه، فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمدا عليه، ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن، سواء كان مثله في المرتبة، أو فوقه، أو تحته، فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، ويتحرر، ويتأكد، ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة، أنفع من المطالعة والحفظ ساعات، بل أياما، وليكن في مذاكراته متحريا الإنصاف، قاصدا الاستفادة، أو الإفادة، غير مترفع على صاحبه بقلبه، ولا بكلامه، ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة، فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته. انتهى كلام النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا. وقال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيما كتبه على "علل الترمذيّ": ولا بُدّ في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عَدِم المذاكر به، فليُكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين به، كيحيى بن سعيد القطّان، ومن تلقّى عنه، كأحمد بن حنبل، وابن المدينيّ، وغيرهما، فمن رُزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقِهَت نفسه فيه، وصارت له فيه قُوّة نفس، وملَكَة، صلح له أن يتكلّم فيه. قال أبو عبد الله الحاكم: الحجة في هذا العلم عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير. انتهى (٢). وقلت ناظمًا هذا المعنى في "ألفية العلل". يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ ... لَا بُدَّ فِي ذَا الْعِلْمِ أَنْ تُتْقِنَهُ مُمَارِسًا مُذَاكِرًا بِالْفَهْمِ ... فَذَا سَبِيلُ الْفَتْحِ عِنْدَ الْقَوْمِ إِنْ لم تَجِدْ مُذَاكِرًا فَلْتَلْزَمِ ... مُطَالِعًا كَلَامَ أَهْلِ الْقَدَمِ كَالْجِهْبِذِ الْقَطَّانِ وَابْنِ حَنْبَلِ ... وَابْنِ الْمِدِينِيِّ الإِمَام الْجَبَلِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ عِنَايَةُ ... بِخِدْمَةِ الْفَنِّ وَذَوْقٌ ثَابِتُ فَإِنَّ مَنْ رُزِقَ أَنْ يُطَالِعَا ... كَلَامُهُمْ بِالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ مَعَا وَحَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَلَكَةُ ... فَإِنَّهُ فِي الْفَنِّ ثَبْتٌ حُجَّةُ فَإِنَّمَا الْحُجَّةُ عِنْدَ الْقَوْمِ ... الْحِفْظُ وَالْفَهْمُ وَحُسْنُ الْعَوْمِ

стр. 265

ثم بيّن محترز قوله: "لخاصّة من الناس"، فقال: (فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ) الإضافة بمعنى "من" (الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ) بيان لمعاني الخاصّ (فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ) أي فلا فائدة لهؤلاء العوامّ في طلبهم الكثير من أنواع الحديث المشتمل علىَ الصحيح والسقيم؛ لقصور فهمهم عن إدراكه، والغوص في حقائقه (وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أنهم قد عجزوا عن معرفة القليل من الحديث. يقال: "عَجَزَ" -بفتح الجيم- يَعْجِزُ -بكسرها- هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وبها جاء القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ الآية [المائدة: ٣١]، ويقال: عَجِزَ يَعْجَزُ بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، حكاها الأصمعيّ وغيره، والعجز في كلام العرب أن لا تَقْدِر على ما تريد. قاله النوويّ في "شرحه" (١). وقال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "عجز" بفتح الجيم، يقال: عجز عن الشيء عَجْزًا، من باب ضرب، ومَعْجزة بالهاء، وحذفها، ومع كلّ وجه فتح الجيم وكسرها: إذا ضَعُف عنه، وعجِزَ عَجَزًا، من باب تعِبَ لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته. انتهى (٢). ثمّ بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى طريقة تأليفه لهذا الكتاب، فقال: (ثُمَّ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ، وَتَأْلِيفِهِ عَلَى شَرِيطَةٍ، سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رسول الله ﷺ ، فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، مِنَ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوضِعٌ لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ، فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ؛ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ، إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ، مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ، إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).

стр. 266

الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه سيبدأ -إن شاء الله- في تخريج الكتاب المسؤول، وتأليفه بالطريقة التي يفصّلها، وهي أنه يقصد إلى جملة من الأحاديث المسندة إلى رسول الله ﷺ ، فيقسمها إلى ثلاثة أقسام، وإلى ثلاث طبقات من الرواة، وذلك بلا تكرار للحديث، إلا إذا كان المقام يستدعي التكرار؛ إلا لوقوع زيادة المعنى في الحديث المكرر؛ إذ الزيادة تقوم مقام الحديث التام المستقلّ، أو لكون الإسناد فيه علّة، لا توجد في الثاني، فلو ترك تكراره لتُوُهّم تأثير تلك العلة في صحة الحديث، فيُكرّره؛ ليُعلم أن تلك العلة غير مؤثّرة فيه، أو كان معنى الحديث يمكن فهمه من الحديث، إلا أن في ذلك عسر، فإعادته بتمامه تقريبًا إلى الفهم أسلم وأولى، فأما ما خلا عن هذه الأسباب، فلا يُعيده. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (ثُمَّ) بعد أن عرفت ما تقدّم (إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لأن محله مَحَلُّ ابتداء كلامِ (إِنْ شَاءَ اللهُ) جملة معترضة بين اسم "إنّ" وهو "نا"، وخبرها، وهو قوله (مُبْتَدِئُون فِي تَخْرِيجِ) مصدر خرّج بتشديد الراء، يقال: خرّج العملَ: جعله ضُرُوبًا، وألوانًا. قاله في "القاموس" أي تنوِيعِ (مَا سَأَلْتَ) من تأليف جملة الأخبار المأثورة عن رسول ﷺ على الصفة المتقدّمة (وَتَأْلِيفِهِ) أي جمعه (عَلَى شَرِيطَةٍ) بفتح الشين المعجمة، أي طريقة، قال أهل اللغة: الشرط، والشريطة، لغتان بمعنى واحد، وجمع الشرط شُرُوط، وجمع الشريطة شرائط، وقد شرط عليه كذا يشرِطه، ويشرُطُه -بكسر الراء، وضمها، من بابي ضرب، ونصر، لغتان، وكذلك اشترط عليه (سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ) أي سأبيّنها، وأفصّلها لأجل أن تفهمها، و"سوف" كلمة وعد، ومنه سوّفت به تسويفًا: إذا مَطَلته بوعد الوفاء، وأصله أن يقول له مرّةً بعد أخرى: سوف أفعل. قاله الفيّوميّ (١). وقال المجد: و"سَوْفَ"، ويقال: "سَفْ"، و"سَوْ"، و"سَيْ": حرفٌ معناه: الاستئنافُ، أو كلمة تنفيس فيما لم يكن بعدُ، وتستعمل في التهديد، والوعيد، والوعد، فإذا شئت أن تجعلها اسمًا نوّنتها انتهى (٢). وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد الإتيوبيّ الْمِنَاسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى لغات "سوف" المذكورة بقوله:

стр. 267

بِأَرْبَعِ اللُّغَاتِ "سَوْفَ" قَدْ رَوَوْا ... عَنْ مُحْكَمٍ (١) "سَوْفَ" و"سَفْ" و"سَي" و"سَوْ" (وَهُوَ) الضمير للشأن، وهو ما تفسّره الجملة بعده، أي الشأن والحال (إِنَّا) بكسر الهمزة، ويحتمل فتحها، على أن "هو" ضمير يعود ما ذكره من الشريطة، وإنما ذكّره على تأويله بالمذكور (نَعْمِدُ) أي نَقْصِدُ، يقال: عَمَدت للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدتُ، وتعمدته: قصدت إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ (٢) (إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: يعني جملة غالبة ظاهرة، وليس المراد جميع الأخبار المسندة، فقد علمنا أنه لم يذكر الجميع، ولا النصف، وقد قال: "ليس كلّ حديث صحيح، وضعته ههنا" انتهى (عَنْ رسول الله ﷺ ) متعلقٌ بـ "أُسند" (فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ) جمع طبقة، وهم القوم المتشابهون، من أهل العصر، والمراد هنَا تشابههم في الصفات، كأن يكونوا متشابهين بكون كلهم في الدرجة العليا من الحفظ، والإتقان، أو في الدرجة الوسطى، أو في الدرجة الأدنى، كما يأتي في تفصيل المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذلك، وسيأتي تمام البحث في الطبقة في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى (مِنَ النَّاسِ) بيان للطبقات. وعطف قوله: "وثلاث طبقات" على قوله: "ثلاثة أقسام"، من عطف السبب على المسبب، وذلك أن سبب انقسام الأخبار على ثلاثة أقسام لانقسام الرواة إلى ذلك، كما يأتي بيانه عند تفصيل المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى له (عَلَى غير تَكْرَارٍ) متعلّق بحال محذوف، أي حال كون ذلك التقسيم كائنًا على غير تكرار (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ) ببناء الفعل للفاعل، وهو استثناء من غير تكرار، يعني أنه لا يكرّر الحديث، في حال من الأحوال، إلا في حال إتيان موضع (لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ) ببناء الفعل للمفعول، و"فيه" في محل رفع نائب الفاعل، أو متعلّق به، و"عن ترداد حديث" هو النائب، والجملة صفة "موضع"، وجملة قوله (فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى) صفة لـ "حديث". والمعنى أنه لا يعيد الحديث إلا أن يأتي موضع لا بدّ فيه من إعادة حديث، توجد في ذلك لحديث المعاد زيادة، توضّح معنى الحديث الأول. (أَوْ إِسْنَادٌ) بالرفع عطفًا على قوله: "موضع"، أي إلا أن يأتي إسناد (يَقَعُ) ذلك الإسناد (إِلَى جَنْب إِسْنَادٍ) مذكور أوّلًا (لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ) علة لوقوع ذلك الإسناد إلى جنب الإسناد السَابق، أي إنما ذكر الإسناد الثاني المعادُ؛ لأجل إزالة علّة تكون في الإسناد الأول، فـ "هناك" إشارة إلى الإسناد الأول، ثم علّل ذلك بقوله (لأَنَّ الْمَعْنَى

стр. 268

الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ) بالنصب صفة لـ "لمعنى" (يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ) أي يكون بمنزلة حديث مستقلّ، فكأنه لا إعادة، كما أشار إليه بقوله (فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ) حيث جعلته تلك الزياد كحديث مستقلّ، فكأنه لا تكرار. وحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يورد الأخبار المسندة عن رسول الله ﷺ على ثلاثة أقسام، كما سيأتي تفصيلها، ولا يكرّر الحديث الوأحد مرّتين، فأكثر، إلا إذا دعت الحاجة إلى التكرار، وذلك في موضعين: [الأول]: أن يكون الحديث الثاني فيه زيادة توضّح المراد من الحديث الأول، كأن يكون الأول عامّا، ووجد في الثاني ما يخصص عمومه، أو يكون مطلقًا، وفي الثاني تقييده، أو نحو ذلك، فيعيده مرّة أخرى، لأن تلك الزيادة تقوم مقام الحديث المستقلّ، فهو وإن كان تكرارًا ظاهرًا، لكنه كلا تكرار؛ لما ذُكر. [والثاني]: أن يكون في الإسناد الأول علّة، كأن يكون فيه مدلّس، أو مختلط، ويكون في الثاني ما يزيل ذلك، كأن يقع فيه التصريح بسماع المدلّس، أو يكون الراوي عنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرّحوا بالسماع، كشعبة، أو يكون الراوي عن المختلط رواه قبل اختلاطه، أو نحو ذلك، فيعيده مرّة أخرى؛ لإزالة تلك العلّة. فقوله: "لأن المعنى الزائد في الحديث الخ" يتعلّق بكلّ من القسمين، فالزيادة في القسم الأول واضحة، حيث زاد الحديث الثاني معنى لم يوجد في الأول، وكذا الزيادة في الإسناد واضحة أيضًا، حيث إن الثاني أفاد ما لم يفده الأول، من إزالة التدليس، ونحوه. والله تعالى أعلم. (أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى) بالبناء للمفعول، وتشديد الصاد المهملة، من التفصيل، ويحتمل أن يكون بتخفيف الصاد، من الفصل، والأول يؤيّده قوله الآتي: "ولكن تفصيله الخ". وفي بعض النسخ: "أو أن نُفَصِّلَ" بنون المتكلّم، والبناء للفاعل من التفصيل، ويحتمل كونه من الفصل أيضًا، وهو عطف على "إعادة الحديث"، واسم الإشارة راجع إلى المعنى الزائد، والتقدير: فلا بُدّ من فَصْلِ ذلك المعنى الزائد (مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ) يعني الحديث المشتمل على المعنى الزائد (عَلَى اخْتِصَارِهِ) متعلّق بـ "يُفصَّل"، و"على" بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ الآية، أو بمعنى "مع"، كقوله تعالى. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية. والاختصار هو إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى. وقيل: ردّ الكلام الكثير إلى

стр. 269

قليل، فيه معنى الكثير، وسمِّي اختصارًا؛ لاجتماعه، ومنه الْمِخْصَرةُ، وخصر الإنسان. قاله النوويّ (١). وقوله (إِذَا أَمْكَنَ) إشارة إلى أن شرط اختصار الحديث إمكان فهم المعنى منه، كما سيأتي بيان ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى. وقال الكفويّ في "الكليات": الاختصار: تقليل المباني مع إبقاء المعاني، أو حذف عرض الكلام، وهو جلُّ مقصود العرب، وعليه مبنى أكثر كلامهم، ومن ثمة وضعوا الضمائر لأنها أخصر من الظواهر خصوصًا ضمير الغيبة، فإنه في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ قام مقام عشرين ظاهرًا، كما قال بعض المحققين. والاختصار أمر نسبيّ، يُعتبر تارة إضافته إلى متعارف الأوساط، وتارة إلى كون المقام خليقًا بعبارة أبسط من العبارة التي ذُكرت، وقد أكثروا من الحذف، فتارة لحرف من الكلمة، وتارة للكلمة بأسرها، وتارة للجملة كلها، وتارة لأكثر من ذلك، ولهذا تجد الحذف كثيرًا عند الاستطالة، كحذف عائد الصلة، فإنه كثير عند طول الصلة انتهى (٢). (وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ) أي تفصيل ذلك المعنى، يعني إيراده مفصولًا عن الحديث، واختصاره منه (رُبَّمَا عَسُرَ) بضم السين، من باب قَرُب، أي صَعُب (مِنْ جُمْلَتِهِ) متعلّق بـ "تفصيل"، أي من جملة ذلك الحديث، يعني أنه لو أريد اختصار ذلك المعنى الزائد من الحديث لكان عَسِرًا؛ لشدة ارتباطه به (فَإِعَادَتُهُ) أي إعادة ذلك الحديث المشتمل على المعنى الزائد (بِهَيْئَتِهِ) قال المجد: الْهَيئة -أي بفتح الهاء، وتكسر-: حال الشيء، وكيفيته. انتهى. والمراد به هنا جملة الحديث وهيئته التركيبية، أي إعادته بجملته، من غير اختصار ذلك المعنى منه (إِذَا ضَاقَ ذَلِك) أي صعب الفصل المذكور (أَسْلَمُ) من تطرّق الخلل إليه، وأفعل هنا ليس للتفضيل، بل هو بمعنى أصل الفعل، أي يكون سالمًا من تطرّق الخلل إليه. وحاصل المعنى أنه إذا خيف كون الاختصار يؤدي إلى خلل في المعنى كان محظورًا، لأن شرط جواز اختصار الحديث أن لا يُخلّ بالمقصود، فلا يُختصر إلا ما ليس مرتبطًا بالباقي، فإذا تعسّر ذلك، بأن كان كله مرتبطًا بالباقي، أو شُكّ في ارتباطه به، ففي هاتين الحالتين لا يجوز الاختصار، بل يتعيّن ذكره بتمامه، وهيئته؛ مخافة من الخطأ والزلل (٣).

стр. 270

(فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًا) بالضم، أي استغناء (مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ) يعني أنه إذا لم تدع الحاجة إلى إعادة الحديث، بأن كان الحديث المذكور واضح الدلالة لا يعيده مرّة ثانية؛ لاستغنائه عنه. وقوله (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) فيه العمل بقوله تعالى، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بكلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى المذكور: المسألة الأولى: في قوله: "فنقسمها على ثلاثة أقسام " قال الإمام القاضي عياض رَحِمَهُ اللهَ تعالى: قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيّع: إن مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى أراد أن يخرّج الصحيح على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الرواة. قال: فلم يقدّر له رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخترمته المنيّة قبل أن يتمّ غرضه، إلا من القسم الأول المتّفق عليه من الصحيح إلى آخر كلامه. قال القاضي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي تأوله أبو عبد الله الحاكم على مسلم من اخترام المنيّة قبل استيفاء غرضه، مما قبله الشيوخ، وتابعه عليه الناس في أنه لم يُكمل غرضه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل في تأليفه سواها. وأنا أقول: إن هذا غير مسلّم لمن حقّق نظره، ولم يتقيّد بتقليد ما سمعه، فإنك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابه الحديث -كما قال- على ثلاث طبقات، فذكر أن القسم الأول حديث الحفّاظ، ثم قال: إنه إذا تقصّى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالْحِذْق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر، والصدق، وتعاطي العلم، وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، وسمّى أسماءً من كلّ طبقة من الطبقتين المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أَجمَع، أو اتفق الأكثر على تهمته، وبقي من اتّهمه بعضهم، وصححه بعضهم، فلم يذكره هنا، ووجدته رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد ذكر في أبواب كتابه، وتصنيف أحاديثه حديث الطبقتين الأوليين، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سمّاها، وحديثها، كما جاء بالأولى على طريق الإتباع لأحاديث الأولى، والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الباب للأولى شيئًا. وذكر أقوامًا تكلّم قومٌ فيهم، وزكّاهم آخرون، وخَرَّجَ حديثهم ممن ضُعِّف، أو اتُّهم ببدعة، وكذلك فعله البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى. فعندي أنه رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر، ورتّب في كتابه، وبيّنه في تقسيمه، وطرح الرابعة، كما نصّ عليه.

стр. 271

وتأول الحاكم أنه إنما أراد أن يُفرد لكلّ طبقة كتابًا، أو يأتي بأحاديثها خاصةً مفردةً، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه أن يجمع في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى، ثم يأتي بالثانية على طريقة الاستشهاد والإتباع حتى يستوفي جميع الأقسام الثلاثة. ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث من الناس الحفّاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة التي طرح، والله أعلم بمراده. وكذلك أيضًا علل الحديث التي ذكر، ووعد أنه يأتي بها، قد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقص، وذكر تصحيف المحدّثين. وهذا يدلّ على استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في كتابه كلّ ما وعد به. وقد فاوضت في تأويلي هذا، ورأيي فيه مَن يَفهم هذا البابَ، فما وجدت منصفًا إلا صوّبه، وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب، وطالع مجموع الأبواب. ولا يُعترض على هذا بما نقل عن ابن سفيان من أن مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى أخرج ثلاثة كتب من المسندات، واحدًا هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يُدخل فيه عكرمة، وابن إسحاق صاحب المغازي، وأمثالهما، والثالث فيه الضعفاء. انتهى. فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم، مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك، إن شاء الله تعالى انتهى كلام القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى بتصرّف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى من أن تقسيم مسلم الأحاديث على ثلاثة أقسام إنما هو في صحيحه، لا في تأليف آخر، كما ادعاه الحاكم أبو عبد الله، وتبعه على ذلك تلميذه البيهقيّ رحمهما الله تعالى، كما ذكره النوويّ، صوّبه جماعة، منهم الإمامان: ابن الصلاح، والنوويّ رحمهما الله تعالى، وهو الذي أصوّبه، ولا أرى غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في قوله: "وثلاث طبقات من الناس" (١) اعلم: أن "الطبقات" جمع "طبقة"، وهي في اللغة: الجماعة من الناس، أو القوم

стр. 272

المتشابهون، أو الأُمّة بعد الأُمّة، أو الجماعة من الناس يَعدِلون مثلهم (١). وفي الاصطلاح قوم تقاربوا في السنّ، والإسناد، أو في الإسناد فقط، بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو يقاربوا شيوخه، وقد يكون الشخصان من طبقة باعتبار، ومن طبقتين باعتبار آخر، فمثلًا أنس بن مالك ﵁ وشبهه من أصاغر الصحابة ﵃ هم مع العشرة المبشرين بالجنة ﵁ في طبقة الصحابة، وعلى هذا فالصحابة كلهم طبقة واحدة؛ باعتبار اشتراكهم في الصحبة، واثنتا عشرة طبقةً باعتبار تفاوت مراتبهم، وكذلك التابعون طبقة ثانية، وأتباعهم طبقة ثالثة بالاعتبار المذكور، وهلُمّ جرًّا. وفائدة معرفة هذا العلم الأمنُ من تداخل المشتبهين في اسم، أو كنية، ونحو ذلك، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة (٢). وإلى ما ذُكر أشار الحافظ السيوطيّ في ألفية المصطلح بقوله: وَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ فَالصَّاحِبُونَ بِاعْتِبَارِ الصُّحْبَهْ ... عَشَرَةٌ وَفَوْقَ عَشْرِ رُتْبَهْ وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلًا ... عِنْدَ اتِّفَاقِ الاسْمِ وَالَّذِي تَلَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في بحث يتعلّق بتقسيمه الحديث إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات أيضًا اعلم: أن الإمام مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد قسّم الأحاديث في كتابه على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، وفصّل ذلك تفصيلًا حسنًا، وكذلك غيره من أهل العلم بالحديث لهم تقسيمات تختلف بحسب مقاصدهم، كما سنوضّحه الآن. قال الإمام أبو سليمان الخطّابيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كتابه "معالم السنن": الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيح، وحسنٌ، وسقيم. فأما الصحيح: فهو ما اتصل سنده، وعُدِّلت نَقَلَته. والحسن ما عُرف مَخْرَجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، هو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامّة الفقهاء. والسقيم على طبقات: شرّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مراد الخطابي رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: "الحديث عند

стр. 273

أهله" أي عند معظمهم، لأن بعضهم قسموه إلى قسمين فقط، صحيح، وضعيف، كما بينتُهُ في "شرح ألفية الحديث" عند قولها: وَالأَكْثَرُونَ قَسَّمُوا هَذِي السُّنَنْ ... إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ وقال الإمام أبو عيسى الترمذيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "علله الصغير" الذي في آخر "الجامع": الحسن من الحديث ما ليس في إسناده من يُتّهم، وليس بشاذّ، وروي من غير وجه انتهى بتصرّف (١). وقد أجاد الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "الرسالة" حيث قال: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا: منها: أن يكون مَن حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلًا لِمَا يُحَدِّث به، عالمًا بما يُحِيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يُؤَدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى، وهو غير عالم بما يُحِيل به معناه، لم يَدْرِ لعله يُحِيل الحلال إلى حرام، وإذا أدّاه بحروفه، فلم يَبْقَ وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إذا حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في حديث، وافق حديثهم، بَرِيئًا مَن أن يكون مدلسا، يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، أو يحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ . ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهى به إليه دونه؛ لأن كلّ واحد منهم مُثْبِتٌ لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يَستغني كلّ واحد منهم عما وصفت. قال: ومن كثر غلطه من المحدّثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يُقبل حديثه كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تُقبل شهادته. قال: وأقبل الحديث: حدّثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلّسًا. ومن عرفناه دلّس مرّةً، فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب، فيُردّ بها حديثه، ولا على النصيحة في الصدق، فيُقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: ولا نقبل من مدلّس حديثًا حتّى يقول: حدّثني، أو سمعت. قال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى شارحًا لكلام الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا. فقد تضمّن كلامه ﵀ أن الحديث لا يُحتجّ به حتى يَجمع رواته من أولهم إلى آخرهم شُرُوطًا:

стр. 274

[أحدها]: الثقة في الدين، وهي العدالة، وشروط العدالة مشهورة في كتب الفقه. [الثاني]: المعرفة بالصدق في الحديث، ويعني بذلك أن يكون الراوي معروفًا بالصدق في رواياته، فلا يُحتجّ بخبر من ليس بمعروف بالصدق، كمجهول الحال، ولا من يُعرف بغير الصدق، وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصحّ، ولا يُحتجّ به. ومن أصحابنا -يعني الحنبليّة- من خرّج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل. وقال الشافعيّ أيضًا: كان ابن سيرين، والنخعيّ، وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب في أن لا يَقبَل إلا ممن عُرف، قال: وما لقيتُ، ولا علمتُ أحدًا من أهل العلم بالحديث يُخالف هذا المذهب. [الثالث]: العقل لِمَا يُحَدّث به، وقد رُوي مثلُ هذا الكلام عن جماعة من السلف، ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون، ما يُؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله. أخرجه مسلم في "مقدّمة كتابه" (١). وروى إبراهيم بن المنذر: حدّثني معن بن عيسى قال: كان مالك يقول: لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سَفِيه مُعلِنٍ بالسفه، وإن كان من أروى الناس. ولا تأخذ من كذّاب يَكذِب في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتّهم أن يكذب على رسول ﷺ . ولا من صاحب هَوًى يدعو الناس إلى هواه. ولا من شيخ له فضل، وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحدّث به. قال إبراهيم بن المنذر: فذكرت هذا الحديث لمطرّف بن عبد الله اليساريّ مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري هذا، ولكن أشهد لسمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد -يعني المدينة- مشيخة لهم فضل، وصلاحٌ، وعبادةٌ، يُحدّثون، ما سيعت من واحد منهم حديثًا قطّ، قيل: ولم يا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يَعرفون ما يُحدّثون. وروى ضمرة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لقد رأيتنا، وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يُحدّث بالحديث، فيُحرّف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله، وهو لا يشعُر. وقال محمد بن عبد الله ابن عمّار الحافظ الموصليّ -وقد سُئل عن عليّ بن غُرَاب-: فقال: كان صاحب حديث، بصيرًا به، قيل له: أليس ضعيفًا؟ قال: إنه كان يتشيّع، ولستُ بتارك الرواية عن رجل، صاحب حديث، يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوبًا للتشيّع، أو للقدر، ولستُ براو عن رجل

стр. 275

لا يُبصر الحديث، ولا يعقله، ولو كان أفضل من فتح (١) الموصليّ. وحكى الترمذيّ في "علله" عن البخاريّ قال: كلُّ من لا يَعرِف صحيح حديثه من سقيمه لا أُحدّث عنه، وسَمَّى منه زَمْعَة بن صالح، وأيوب بن عُتبة. وحكَى الحاكم هذا المذهب عن مالك، وأبي حنيفة. وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث من لا يَعرِف ما يُحدّث به، ولا يَحفظه. والظاهر -والله أعلم- حمل كلام الشافعيّ على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يُحدّث بالمعنى كما صرّح بذلك فيما بعدُ، وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر أنه قال: تكون اللفظة تترك من الحديث، فتُحيل المعنى، أو ينطق بها بغير لفظ المحدّث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيَخْتَلّ معناه، فإذا كان الذي يَحمل الحديث يَجهل هذا المعنى، وكان غير عاقل للحديث، فلم يُقبل حديثه، إذا كان يَحمل ما لا يَعقِل، إذا كان ممن لا يؤدّي الحديث بحروفه، وكان يلتمس روايته على معانيه، وهو لا يعمل المعنى، إلى أن قال: فالظنّة فيمن لا يؤدّي الحديث بحروفه، ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن تُردّ شهادته له فيما هو ظنين فيه. فهذا يبيّن أن الشافعيّ إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفًا بمعاني الحديث إذا كان يُحدّث بالمعنى، ولا يحفظ الحروف. والله أعلم. فقوله هنا: "عاقلا لما يُحدّث به، عالما بما يُحيل معنى الحديث من اللفظ" هو شرط واحد، ليس فيه تكرير، بل مراده بعقل ما يُحدّث به فهم المعنى، ومراده بالعلم بما يُحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي يؤدّي بها المعاني. وقد فسّر أبو بكر الصيرفيّ في "شرح الرسالة" قولَ الشافعيّ: "عاقلًا لما يُحدّث به" بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط، قال: وهذا شرط بإجماع. وهذا الذي قاله فيه نظر وضعف. وهذا كلّه في حقّ من لا يحفظ الحديث بألفاظه بدليل أنه قال بعد ذلك: "أو يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدّث به على المعنى"، فجعل هذا قسيمًا للذي قبله، فقسم الرواة إلى قسمين: من يحدّث بالمعنى، فيُشترط فيه أن يكون عاقلًا لِمَا يُحدّث به من المعاني، عالمًا بما يُحيل المعنى من الألفاظ. ومن يُحدّث باللفظ، فيُشترط فيه الحفظ للفظ الحديث، وإتقانه، وما علَّل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدّي له فهو واضحٌ، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعيّ. وقد قال أحمد في رواية الأثرم: سعيد بن زكريا المدائنيّ كنّا كتبنا عنه، ثم تركناه، قيل له: لم؟ قال: لم أكن أرى به في نفسه بأسًا، ولكن لم يكن بصاحب حديث. وهذا محمول

стр. 276

على أنه كان يُحدّث من حفظه أيضًا، فيُخشى عليه الغلط. [الرابع]: حفظ الراوي، فإن كان يحدِّث من حفظه اعتُبر حفظه لما يحدّث به، لكن إن كان يحدّث باللفظ اعتُبر حفظه لألفاظ الحديث، وإن كان يُحدّث بالمعنى اعتُبر معرفته بالمعنى واللفظ الدال عليه كما تقدّم، وإن كان يحدّث من كتابه اعتُبر حفظه لكتابه. [الخامس]: أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم، فلا يُحدّث بما لا يوافق الثقات، وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفّاظ في الجرح في كثير من الرواة: يحدّث بما يُخالف الثقات، أو يُحدّث بما لا يتابعه الثقات عليه، لكن الشافعيّ اعتَبَرَ أن لا يُخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: بريئًا أن يُحدّث عن النبيّ ﷺ بما يحدّث الثقات خلافه، وقد فسّر الشافعيّ الشّاذّ من الحديث بهذا، قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعيّ يقول: ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذّ من الحديث أن يروي الثقات حديثًا، فيشذّ عنهم واحد، فيُخالفهم. وأما أكثر الحفّاظ المتقدّمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علّة فيه اللهمّ إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهريّ ونحوه، وربّما يستنكرون بعض تفرّدات الكبار أيضًا، ولهم في كلّ حديث نقدٌ خاصّ، وليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه. قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذّ الحديث المنكر الذي لا يُعرف. وسيأتي البحث في هذا مستوفىً عند ذكر مسلم لعلامة الحديث المنكر، إن شاء الله تعالى. [السادس]: أن لا يكون مدلِّسًا، فين كان مدلّسًا يحدّث عمن رآه بما لم يسمعه منه، فإنه لا يُقبل منه حديثه، حتى يُصرّح بالسماع ممن روى عنه. وهذا الذي ذكره الشافعيّ قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين. وقال الشاذكونيّ: من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه. وقال البرديجيّ: لا يُحتجّ من حديث حميد إلا ما قال: حدثنا أنس. ولم يَعتبر الشافعيّ أن يتكرّر التدليس من الراوي، ولا أن يَغلِب على حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرّة واحدة، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يَغلبَ التدليس على حديث الرجل، وقالوا: إذا غلب عليه التدليس لم يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، وهذا قول ابن المدينيّ، حكاه يعقوب ابن شيبة عنه (١).

стр. 277

وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة حينما يتعرض مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذكرها بقوله: "وإنما كان تفقّد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنه إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث، وشُهر به". انتهى كلام الشافعي مشروحًا بكلام ابن رجب رحمهما الله تعالى، وهو بحث نفيس مهمّ جدّا لمعرفة الحديث الصحيح الذي يُحتجّ به عند أهل العلم بلا خلاف بينهم. وقد تقدّم في مقدّمة هذا الشرح عند الكلام على شرط المصنّف في "صحيحه" الكلام على الحديث الصحيح، وأن الصواب أن عدم الشذوذ ليس من شرط الصحيح، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في كتابه "المدخل": الصحيح من الحديث على عشرة أقسام: خمسة متّفق عليها، وخمسة مختلف فيها: فالقسم الأول من المتّفق عليه اختيار البخاريّ ومسلم، قال: وهو الدرجة الأولى من الصحيح وهو ألا يذكر من الحديث إلا ما رواه صحابيّ مشهور بالرواية، عن رسول الله ﷺ ، له راويان ثقتان، فأكثر، ثم يرويه عنه تابعيّ مشهور بالرواية عن الصحابة ﵁ له أيضًا راويان ثقتان، فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط، ثم كذلك من بعدهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكر الحاكم من أن هذا اختيار الشيخين، ردّه عليه العلماء، فقد قال المقدسيّ في "شروط الأئمة الستة": إن البخاريّ، ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدّر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظنّ، ولعمري إنه شرط حسنٌ لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا إلى آخر كلامه المتقدم في آخر مقدمة هذا الشرح. وكذا ردّ عليه الحازميّ، وابن الصلاح، والقرطبيّ، والنوويّ، والذهبيّ، وغيرهم، ودافع عنه بعضهم، لكن لم يأت بشي مقبول. والله تعالى أعلم. القسم الثاني: مثل الأول، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد. القسم الثالث: مثل الأول، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد. القسم الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب، التي رواها الثقات العدول. القسم الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة، عن آبائهم، عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم، عن أجدادهم بها إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب، عن

стр. 278

أبيه، عن جدّه، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وإياس بن معاوية بن قرّة، عن أبيه، عن جده، وأجدادهم صحابيون. قال رحمه الله تعالى: فهذه الأقسام الخمسة مخرّجة في كتب الأئمة، محتجّ بها، وإن لم يُخَرَّج منها في "الصحيحين" حديث. قال: والخمسة المختلف فيها: المراسيل، وأحاديث المدلسين، إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة، وأرسله جماعة من الثقات غيره، وروايات الثقات غيرِ الحفّاظ العارفين، وروايات المبتدعة، إذا كانوا صادقين انتهى كلام الحاكم باختصار (١). قال القاضي عياض رحمه الله تعالى بعد نقل كلام الحاكم: فهذه الأقسام الخمسة -كما قال- مما اختَلَف الفقهاء، والمحدثون في قبولها، والحجة بها، ووقع في "الصحيحين" منها شيء هو مما استُدرك عليهما. وقد ترك الحاكم منها مما اختُلف فيه رواية المجهولين. انتهى (٢). وقال أبو عليّ الغسَّاني رحمه الله تعالى: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها. فالأولى: أئمة الحديث، وحفّاظه، وهم الحجة على من خالفهم، ويقبل انفرادهم. الثانية: دونهم في الحفظ والضبط؛ لَحِقهم في بعض روايتهم وَهْمٌ (٣)، وغَلَط، والغالب على حديثهم الصحة، ويُصَحَّحُ ما وَهِموا فيه من رواية الطبقة الأولى، وهم لاحقون بهم. الثالثة: جَنَحَت إلى مذاهبَ من الأهواء، غير غالية، ولا داعية، وصحّ حديثها، وثبت صدقها، وقلّ وَهْمُها، فهذه الطبقة احتمل أهل الحديث الرواية عنهم، وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور نقل الحديث، وإليه أشار مسلم في صدر "كتابه" إلى قَسْمه الحديث على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات، فلم يُقدَّر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخترمته المنية.

стр. 279

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فلم يقدّر له الخ" تقدّم في المسألة السابقة ردّ هذا الكلام، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. قال: وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة: الأولى: من وُسِم بالكذب ووضع الحديث. الثانية: من غَلَب عليه الوهم والغلط، حتى استغرق روايته. الثالثة: من غلَت في البدعة، ودعت إليها، وحرّفت الروايات، وزادت فيها؛ ليحتجّوا بها. والسابعة: قوم مجهولون، انفردوا بروايات لم يُتابعوا عليها، فقبِلَهم قوم، وأوقفهم آخرون انتهى كلام الغسّانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١). وقد تعقّب القاضي قول الغساني: إن حديث أهل البدعِ الأثبات الذين لا يَدْعون إلى بدعتهم متفق عليه. فقال: لا يسلم له، بل قد اختَلف في ذلك المحدثون، والفقهاء، والأصوليون، وسنبين ذلك بعدُ عند تنبيه مسلم عليه. انتهى (٢). قلت: سيأتي تمام البحث في الرواية عن المبتدعة عندما يتعرض الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذكرها -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في قوله: "أو أن يُفصَّل ذلك المعنى على اختصاره الخ"، فقد اشتمل على مسألتين . المسألة الأولى: رواية الحديث بالمعنى: اعلم: أنه اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها، ومقاصدها، ولا خبيرًا بما يُحيل معانيها، ولا بصيرًا بمقادير التفاوت بينها لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرّف فيه، هكذا نقل ابن الصلاح، والنوويّ، وغيرهما الاتفاق عليه. ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم: فمنعها أيضًا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول. وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبيّ ﷺ المرفوعة، وأجازها فيما سواه، وهو قول مالك، رواه عنه البيهقيّ في "المدخل"، وروى عنه أيضًا أن كان يتحفّظ من الباء، والياء، والتاء في حديث

стр. 280

رسول الله ﷺ ، وبه قال الخليل بن أحمد، واستدلّ له بحديث: "ربّ مُبَلَّغِ أوعَى من سامع"، فإذا رواه بالمعنى، فقد أزاله عن موضعه، ومعرفة ما فيه. وذهب بَعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط. وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقادًا، وإلى منعها إن أوجب عملًا. وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ، وتذكّر المعنى، لأنه وجب عليه التبليغ، وتحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما، فيلزمه أداء الآخر. وعكس بعضهم، فأجازها لمن حفظ اللفظ ليتمكّن من التصرّف فيه، دون من نسيه. قال العلامة أحمد محمد شاكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري (١). وجزم القاضي أبو بكر بن العربيّ بأنه إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، قال في "أحكام القرآن": إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة، ومنهم. وأما من سواهم، فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى، فإنا لو جوّزناه لكلّ أحد لما كنّا على ثقة من الأخذ بالحديث، إذ كلّ أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجًا من الأخبار بالجملة، والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان. أحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلّتهم عربيّة، ولغتهم سلقية. الثاني: أنهم شاهدوا قول النبيّ ﷺ وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كلّه، وليس من أُخبر كمن عاين، إلا تراهم يقولون في كلّ حديث: أمر رسول الله ﷺ بكذا، ونهى رسول الله ﷺ عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبرًا صحيحًا، ونقلًا لازما، وهذا لا يستريب فيه منصف لبيانه انتهى (٢). وقال ابن الصلاح: ومنعه بعضهم في حديث رسول الله ﷺ ، وأجازه في غيره، والأصحّ جواز ذلك في الجميع إذا كان عالمًا بما وصفناه قاطعًا بأنه أدّى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة، والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معوّلهم كان على المعنى، دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس -فيما نعلم- فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغيّر لفظ شيء من كتاب منصف، ويثبت بدله فيه لفظًا

стр. 281

آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخّص فيها من رخّص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ، والجمود عليها من الجرح والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره انتهى (١). قلت: خلاصة القول أن الأرجح جواز الرواية بالمعنى لمن توفّرت فيه الشروط السابقة، وإلا فلا. ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث بالمعنى: "أو كما قال"، أو كلمة تؤدّي هذا المعنى؛ احتياطًا في الرواية؛ خشية أن يكون الحديث مرويًا بالمعنى، وكذلك ينبغي له إذا وقع في نفسه شكّ في لفظ ما يرويه؛ ليبرأ من عُهدته. وإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث" بقوله: كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظٍ (٢) وَفِي ... مَنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى خِلَافٌ قَدْ قُفِي فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ ... ثَالِثُهَا يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ وَقِيلَ فِي الْمَوْقُوفِ وَامْنَعْهُ لَدَى ... مُصَنَّفٍ وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَ أَبْهَمَا (٣) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في اختصار الحديث . اعلم: أنه قد اختَلَف أهل العلم في اختصار الحديث أيضًا على مذاهب: فمنهم من منعه مطلقًا؛ بناءً على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم، وإن جازت الرواية بالمعنى، إذا لم يكن رواه هو، أو غيره بتمامه قبل هذا. وجوّزه جماعة مطلقًا، ونسبه القاضي عياض إلى مسلم. والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير، والمحققون من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول التفصيل، وجواز ذلك من العارف، إذا كان ما تركه غير متعلّق بما رواه، بحيث لا يختلّ البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوّزنا الرواية بالمعنى، أم لا، وسواء رواه قبلُ تامًّا، أم لا.

стр. 282

هذا إذا ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تامًّا، ثم خاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتّهمَ بزيادة أوّلًا، أو نسيان لغفلة، وقلّة ضبط ثانيًا، فلا يجوز له النقصان ثانيًا، ولا ابتداءً، إن كان قد تعيّن عليه أداؤه. وأما تقطيع المصنّفين الحديث الواحد في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استقرّ عليه الأئمة الحفّاظ الجلّة، من المحدّثين، وغيرهم، من أصناف العلماء. وهذا معنى قول الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "أو أن يُفصّل ذلك المعنى ... الخ". قاله النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١). وإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ ... إِنْ لم يُخِلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأَكْثَرِ وَامْنَعْ لِذِي تُهَمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ ... فَلَا يُكَمِّلْ خَوْفَ لَبْسٍ بِخَلَلْ وَالْخُلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ ... يَجْرِي وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، مبيّنا القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها، فقال: (فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوب مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمُ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الفقرة أن القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها أن يُقدّم الأخبار التي هي أسلم من العلل، وأنظف من الخلل؛ لكون رواتها أهل استقامة في الرواية، وإتقان لما رووه، والمراد بالاستقامة العدالة، وبالإتقان الحفظ والضبط، ثم المراد بالضبط الضبط التامّ، كما أشار إليه بقوله: "لم يوجد في رواياتهم اختلاف الخ"، يعني أنهم إذا رووا ما رواه الحفاظ لا يخالفونهم اختلافًا يضرّ برواياتهم، وأشار به إلى أن الاختلاف اليسير لا يضرّ؛ لأنه لا يخلوا عنه الحفّاظ

стр. 283

المتقنون، وإنما الضارّ هو الاختلاف الفاحش الذي يوجد في روايات الضعفاء، وهؤلاء هم الذين يقال لهم: رجال الصحيح، أي أن ما رووه من الأحاديث صحيح لذاته. والله تعالى أعلم. الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَأَمَّا القِسْمُ الْأَوَّلُ) أي من أقسام الأخبار الثلاثة (فَإِنَّا نَتَوخَّى) أي نتحرّى، ونقصد، يقال: توخّيتُ الأمر: إذا تحرّيته في الطلب. قاله في "المصباح". وقال في "اللسان": وَخَى الأمرَ: قصده، قال الشاعر [من مشطور الرجز]: قَالَتْ وَلَمْ تَقْصِدْ بِهِ وَلَمْ تَخِهْ ... مَا بَالُ شَيْخٍ آضَ مِنْ تَشَيُّخِهْ كَالْكُزَّرِ (١) الْمَرْبُوطِ بَيْنَ أَفْرُخِهْ وتَوَخَّاهُ كوَخَاهُ، وقد وَخَيْتُ غَيري، وقد وَخَيْتُ وَخْيَكَ: أي قصَدتُ قَصْدَك، وتوخّيتُ الشيءَ أتوخّاه: إذا قصدت إليه، وتعمدَّتُ فعله، وتَحَرَّيتَ فيه. انتهى باختصار. (أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ) جمع عيب، وهو النقص، والمراد به ما يَقدَح في صحة الأخبار، كالعلة ونحوها، أَي أسلم من وجود العيوب التي تقدح في صحّتها، وقوله: (مِنْ غَيْرِهَا) متعلّق بـ "أسلم" كما تعلق به ما قبله، فـ "من" الأولى للتعدية؛ لأن "سَلِم" يتعدّى بـ "من"، يقال: سلم من الآفة سَلامةً، من باب تعب، كما تفيده عبارة "القاموس"، و "من" الثانية بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]: أي عليهم. والمعنى: أنه يتحرّى في تقديم الأخبار التي هي سالمة من العيوب على غيرها مما لم يسلَم منها، كالقسم الثاني الذي سيأتي بيان المصنف له قريبًا، إن شاء الله تعالى. (وَأَنْقَى) أفعل تفضيل من النقاء بالنون، والقاف، وهو النظافة، يقال: نَقِي الشيء، من باب تَعِبَ نَقَاءً -بالفتح والمدّ- ونَقَاوةً -بالفتح-: نَظُفَ، فهو نَقِيٌّ على فَعِيلٍ، ويُعَدَّى بالهمزة والتضعيف. قاله الفيّوميّ. فقوله: "أنقى" تأكيد لمعنى "أسلم". ثم بيّن رَحِمَهُ اللهَ تعالى ما تكون به الأخبار سالمة من العيوب، وذلك بكون رواتها عُدُولًا ضابطين تمام الضبط، فقال: (مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا) "من" هنا بمعنى اللام، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا

стр. 284

خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ الآية [نوح: ٢٥]، وقول الشاعر: وَذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ جَاءَنِي ... وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ وقول فرزدق في عليّ بن الحسين رَحِمَهُ اللهُ تعالى [من الطويل]: وَيُغْضِي حَيَاءً وَيَغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... وَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ (١) والجارّ والمجرور متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائن لأجل كون ناقليها الخ. وقال النوويّ في "شرحه": وأما قوله: و "أنقى" فهو بالنون والقاف، وهو معطوفٌ على قوله: "أسلم"، وهنا تمّ الكلام، ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى، فقال: "من أن يكون ناقلوها أهل استقامة". والظاهر أن لفظة "من" هنا للتعليل، فقد قال الإمام أبو القاسم عبد الواحد بن عليّ بن عمر الأسديّ في كتابه "شرح اللُّمَع" في "باب المفعول له": اعلم أن الباء تقوم مقام اللام، قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وكذلك "من"، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٣٢]، وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَتَثبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية: [البقرة: ٢٦٥]. يجوز أن يكون للتعليل. انتهى كلام النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (٢). وقوله: "ناقلوها" اسم "يكون" وهو جمع مذكّر سالم لاسم فاعل من نَقَلَ يَنقُلُ، من باب نصر، حُذفت منه النون؛ لإضافته، كما قال في "الخلاصة": نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينًا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا وقوله: (أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ) بالنصب خبر "يكون"، وهو مصدر استقام الأمرُ بمعنى اعتدل، وثبت، أي أهل اعتدال وثبات (فِي الْحَدِيثِ) متعلّقٌ بـ "استقامة" على حذف مضاف: أي في رواية الحديث، وأراد باستقامتهم في الحديث عدالتهم في الرواية. والمعنى: أنه إنما كانت الأخبار أسلم، وأنقى من العيوب؛ لأجل كون رواتها عُدُولًا في الرواية. وهذا هو أحد معنى العدالة التي هي أحد شرطي قبول رواية الراوي.

стр. 285

وعدل الرواية أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة. وانما قيّد بقوله: "في الحديث"؛ لأن العدالة في الشهادة تخالفها في بعض الوجوه، كاشتراط الحرّيّة، والذكورة، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- عند قول المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه الخ"، فأراد أن يُبيّن أن المراد به هنا عدالة الرواية. والله تعالى أعلم. (وَإِتْقَانٍ) بالجرّ عطفًا على "استقامة"، وهو بكسر الهمزة، مصدر أتقن رباعيّا، يقال: أتقن الشيء: إذا أحكمه، والإتقان: الإحكام للأشياء، وفي التنزيل العزيز: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية، ورجلٌ تِقْنٌ -بكسر، فسكون- وتَقِنٌ -بفتح، فكسر: مُتقنٌ للأشياء، حاذقٌ، ورجلٌ تِقْنٌ: حاضر المنطق والجواب، وتِقْنٌ اسم رجل كان جيّد الرمي، يُضرَب به المثلُ، ولم يكن يَسْقُط له سهمٌ، قال الراجز: لأَكْلَةٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنِ ... وَشَرْبَتَانِ مِنْ عَكِيّ (١) الضَّأْنِ أَلْيَنُ مَسًّا فِي حَوَيَا الْبَطْنِ ... مِنْ يَثْرِبِيَّاتٍ (٢) قِذَاذٍ خُشْنِ يَرْمِي بِهَا أَرْمَى مِنِ ابْنِ تِقْنِ قال أبو منصور: الأصل في التِّقْنِ ابن تِقْنٍ هذا، ثم قيل لكل حاذق بالأشياء تِقْنٌ، ومنه يقال: أتقن فلانٌ عمله. أفاده في "لسان العرب" (٣). وقوله: (لِمَا نَقَلُوا) متعلّقٌ بـ "إتقان": أي لكونهم أهل إحكام لمرويّاتهم. وأراد المصنّف رَحِمَهُ اللهَ تعالى بالإتقان معنى الضبط الذي هو الشرط الثاني في قبول خبر الراوي. وقد فسّر غيره الضبط بأن يكون متيقّظًا، غير غافل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه من التبديل والتغيير، إن حدّث منه، عالمًا بما يُحيل المعنى إن روى بالمعنى. وإلى هذين الشرطين وتفسيرهما أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
следующие страницы →