آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخّص فيها من رخّص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ، والجمود عليها من الجرح والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره انتهى (١).
قلت: خلاصة القول أن الأرجح جواز الرواية بالمعنى لمن توفّرت فيه الشروط السابقة، وإلا فلا.
ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث بالمعنى: "أو كما قال"، أو كلمة تؤدّي هذا المعنى؛ احتياطًا في الرواية؛ خشية أن يكون الحديث مرويًا بالمعنى، وكذلك ينبغي له إذا وقع في نفسه شكّ في لفظ ما يرويه؛ ليبرأ من عُهدته.
وإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث" بقوله:
كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظٍ (٢) وَفِي ... مَنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى خِلَافٌ قَدْ قُفِي
فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ ... ثَالِثُهَا يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ
وَقِيلَ فِي الْمَوْقُوفِ وَامْنَعْهُ لَدَى ... مُصَنَّفٍ وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا
وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَ أَبْهَمَا (٣)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في اختصار الحديث .
اعلم: أنه قد اختَلَف أهل العلم في اختصار الحديث أيضًا على مذاهب:
فمنهم من منعه مطلقًا؛ بناءً على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم، وإن جازت الرواية بالمعنى، إذا لم يكن رواه هو، أو غيره بتمامه قبل هذا. وجوّزه جماعة مطلقًا، ونسبه القاضي عياض إلى مسلم.
والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير، والمحققون من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول التفصيل، وجواز ذلك من العارف، إذا كان ما تركه غير متعلّق بما رواه، بحيث لا يختلّ البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوّزنا الرواية بالمعنى، أم لا، وسواء رواه قبلُ تامًّا، أم لا.
стр. 282
هذا إذا ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تامًّا، ثم خاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتّهمَ بزيادة أوّلًا، أو نسيان لغفلة، وقلّة ضبط ثانيًا، فلا يجوز له النقصان ثانيًا، ولا ابتداءً، إن كان قد تعيّن عليه أداؤه.
وأما تقطيع المصنّفين الحديث الواحد في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استقرّ عليه الأئمة الحفّاظ الجلّة، من المحدّثين، وغيرهم، من أصناف العلماء.
وهذا معنى قول الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "أو أن يُفصّل ذلك المعنى ... الخ". قاله النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١).
وإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ ... إِنْ لم يُخِلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَامْنَعْ لِذِي تُهَمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ ... فَلَا يُكَمِّلْ خَوْفَ لَبْسٍ بِخَلَلْ
وَالْخُلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ ... يَجْرِي وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ (٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، مبيّنا القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها، فقال:
(فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوب مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمُ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الفقرة أن القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها أن يُقدّم الأخبار التي هي أسلم من العلل، وأنظف من الخلل؛ لكون رواتها أهل استقامة في الرواية، وإتقان لما رووه، والمراد بالاستقامة العدالة، وبالإتقان الحفظ والضبط، ثم المراد بالضبط الضبط التامّ، كما أشار إليه بقوله: "لم يوجد في رواياتهم اختلاف الخ"، يعني أنهم إذا رووا ما رواه الحفاظ لا يخالفونهم اختلافًا يضرّ برواياتهم، وأشار به إلى أن الاختلاف اليسير لا يضرّ؛ لأنه لا يخلوا عنه الحفّاظ
стр. 283
المتقنون، وإنما الضارّ هو الاختلاف الفاحش الذي يوجد في روايات الضعفاء، وهؤلاء هم الذين يقال لهم: رجال الصحيح، أي أن ما رووه من الأحاديث صحيح لذاته. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(فَأَمَّا القِسْمُ الْأَوَّلُ) أي من أقسام الأخبار الثلاثة (فَإِنَّا نَتَوخَّى) أي نتحرّى، ونقصد، يقال: توخّيتُ الأمر: إذا تحرّيته في الطلب. قاله في "المصباح". وقال في "اللسان": وَخَى الأمرَ: قصده، قال الشاعر [من مشطور الرجز]:
قَالَتْ وَلَمْ تَقْصِدْ بِهِ وَلَمْ تَخِهْ ... مَا بَالُ شَيْخٍ آضَ مِنْ تَشَيُّخِهْ
كَالْكُزَّرِ (١) الْمَرْبُوطِ بَيْنَ أَفْرُخِهْ
وتَوَخَّاهُ كوَخَاهُ، وقد وَخَيْتُ غَيري، وقد وَخَيْتُ وَخْيَكَ: أي قصَدتُ قَصْدَك، وتوخّيتُ الشيءَ أتوخّاه: إذا قصدت إليه، وتعمدَّتُ فعله، وتَحَرَّيتَ فيه. انتهى باختصار.
(أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ) جمع عيب، وهو النقص، والمراد به ما يَقدَح في صحة الأخبار، كالعلة ونحوها، أَي أسلم من وجود العيوب التي تقدح في صحّتها، وقوله: (مِنْ غَيْرِهَا) متعلّق بـ "أسلم" كما تعلق به ما قبله، فـ "من" الأولى للتعدية؛ لأن "سَلِم" يتعدّى بـ "من"، يقال: سلم من الآفة سَلامةً، من باب تعب، كما تفيده عبارة "القاموس"، و "من" الثانية بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]: أي عليهم.
والمعنى: أنه يتحرّى في تقديم الأخبار التي هي سالمة من العيوب على غيرها مما لم يسلَم منها، كالقسم الثاني الذي سيأتي بيان المصنف له قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(وَأَنْقَى) أفعل تفضيل من النقاء بالنون، والقاف، وهو النظافة، يقال: نَقِي الشيء، من باب تَعِبَ نَقَاءً -بالفتح والمدّ- ونَقَاوةً -بالفتح-: نَظُفَ، فهو نَقِيٌّ على فَعِيلٍ، ويُعَدَّى بالهمزة والتضعيف. قاله الفيّوميّ. فقوله: "أنقى" تأكيد لمعنى "أسلم".
ثم بيّن رَحِمَهُ اللهَ تعالى ما تكون به الأخبار سالمة من العيوب، وذلك بكون رواتها عُدُولًا ضابطين تمام الضبط، فقال:
(مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا) "من" هنا بمعنى اللام، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا
стр. 284
خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ الآية [نوح: ٢٥]، وقول الشاعر:
وَذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ جَاءَنِي ... وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
وقول فرزدق في عليّ بن الحسين رَحِمَهُ اللهُ تعالى [من الطويل]:
وَيُغْضِي حَيَاءً وَيَغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... وَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ (١)
والجارّ والمجرور متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائن لأجل كون ناقليها الخ.
وقال النوويّ في "شرحه": وأما قوله: و "أنقى" فهو بالنون والقاف، وهو معطوفٌ على قوله: "أسلم"، وهنا تمّ الكلام، ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى، فقال: "من أن يكون ناقلوها أهل استقامة". والظاهر أن لفظة "من" هنا للتعليل، فقد قال الإمام أبو القاسم عبد الواحد بن عليّ بن عمر الأسديّ في كتابه "شرح اللُّمَع" في "باب المفعول له": اعلم أن الباء تقوم مقام اللام، قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وكذلك "من"، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٣٢]، وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَتَثبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية: [البقرة: ٢٦٥]. يجوز أن يكون للتعليل. انتهى كلام النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (٢).
وقوله: "ناقلوها" اسم "يكون" وهو جمع مذكّر سالم لاسم فاعل من نَقَلَ يَنقُلُ، من باب نصر، حُذفت منه النون؛ لإضافته، كما قال في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينًا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا
وقوله: (أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ) بالنصب خبر "يكون"، وهو مصدر استقام الأمرُ بمعنى اعتدل، وثبت، أي أهل اعتدال وثبات (فِي الْحَدِيثِ) متعلّقٌ بـ "استقامة" على حذف مضاف: أي في رواية الحديث، وأراد باستقامتهم في الحديث عدالتهم في الرواية.
والمعنى: أنه إنما كانت الأخبار أسلم، وأنقى من العيوب؛ لأجل كون رواتها عُدُولًا في الرواية.
وهذا هو أحد معنى العدالة التي هي أحد شرطي قبول رواية الراوي.
стр. 285
وعدل الرواية أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
وانما قيّد بقوله: "في الحديث"؛ لأن العدالة في الشهادة تخالفها في بعض الوجوه، كاشتراط الحرّيّة، والذكورة، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- عند قول المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه الخ"، فأراد أن يُبيّن أن المراد به هنا عدالة الرواية. والله تعالى أعلم.
(وَإِتْقَانٍ) بالجرّ عطفًا على "استقامة"، وهو بكسر الهمزة، مصدر أتقن رباعيّا، يقال: أتقن الشيء: إذا أحكمه، والإتقان: الإحكام للأشياء، وفي التنزيل العزيز: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية، ورجلٌ تِقْنٌ -بكسر، فسكون- وتَقِنٌ -بفتح، فكسر: مُتقنٌ للأشياء، حاذقٌ، ورجلٌ تِقْنٌ: حاضر المنطق والجواب، وتِقْنٌ اسم رجل كان جيّد الرمي، يُضرَب به المثلُ، ولم يكن يَسْقُط له سهمٌ، قال الراجز:
لأَكْلَةٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنِ ... وَشَرْبَتَانِ مِنْ عَكِيّ (١) الضَّأْنِ
أَلْيَنُ مَسًّا فِي حَوَيَا الْبَطْنِ ... مِنْ يَثْرِبِيَّاتٍ (٢) قِذَاذٍ خُشْنِ
يَرْمِي بِهَا أَرْمَى مِنِ ابْنِ تِقْنِ
قال أبو منصور: الأصل في التِّقْنِ ابن تِقْنٍ هذا، ثم قيل لكل حاذق بالأشياء تِقْنٌ، ومنه يقال: أتقن فلانٌ عمله. أفاده في "لسان العرب" (٣).
وقوله: (لِمَا نَقَلُوا) متعلّقٌ بـ "إتقان": أي لكونهم أهل إحكام لمرويّاتهم.
وأراد المصنّف رَحِمَهُ اللهَ تعالى بالإتقان معنى الضبط الذي هو الشرط الثاني في قبول خبر الراوي.
وقد فسّر غيره الضبط بأن يكون متيقّظًا، غير غافل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه من التبديل والتغيير، إن حدّث منه، عالمًا بما يُحيل المعنى إن روى بالمعنى.
وإلى هذين الشرطين وتفسيرهما أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
стр. 286
لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا ... عَدْلٌ وَضَبْطٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا
مُكَلَّفًا لم يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا ... خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا
يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ كِتَابًا يَضْبِطُ ... إِن يَرْوِ عَنْهُ عَالِمًا مَا يُسْقِطُ
إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَضْبْطُهُ عُرِفْ ... إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ
ثم بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى المراد بالإتقان الذي هو الضبط، فقال:
(لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِم) ببناء الفعل للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ) يعني أن معنى إتقانهم أن لا يوجد فيما رووه من الأحاديث اختلاف كثير، ووصف الاختلاف بالشدّة إشارةً إلى أن الاختلاف القليل لا يؤثّر في صحة مروياتهم؛ لأن ذلك مما لا يخلو عنه الثقات الضابطون؛ لأن النسيان من طبيعة البشر.
وحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن روايات هؤلاء المتقنين إذا قوبلت بروايات غيرهم ممن كان موصوفًا بتمام الضبط لا تُخالفها مخالفةً كثيرةً، وأما المخالفة النادرة فلا تضرّ؛ إذ لا يخلو منها أحدٌ حتى الحفّاظ المتقنون، وإن وصلوا الغاية في الإتقان، ولذا يقال: من ادّعى أنه لا يخطىء فهو كذّاب. ويُحكَى عن ابن معين رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه قال: لست أعجب ممن يُحدّث، فَيُخطىء، وإنما أعجب ممن يحدّث، فيُصيب.
وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأما قوله: "لم يُوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش"، فتصريح منه بما قاله الأئمة من أهل الحديث، والفقه، والأصول: إن ضبط الراوي يُعرَف بأن تكون روايته غالبًا كما روى الثقات، لا تُخالفهم إلا نادرًا، فإن كانت مخالفته نادرةً لم يُخِلَّ ذلك بضبطه، بل يُحتجّ به؛ لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كثرت مخالفته اختلّ ضبطه، ولم يُحتجّ برواياته، وكذلك التخليط في روايته، واضطرابها إن ندر لم يضرّ، وإن كثُرت رُدّت روايته. انتهى (١).
(وَلَا تَخْلِيطٌ) مصدر خلّط، والتشديد للمبالغة، يقال: خلطتُ الشيءَ بغيره، من باب ضرب: ضممتُهُ إليه، فاختلط هو، وقد يمكن التمييز بعد ذلك، كما في خلط الحيوانات، وقد لا يمكن، كخلط المائعات، فيكون مزجًا. قال المرزوقيّ: أصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء بعضِها في بعض، وقد تُوُسّع فيه حتى قيل: رجلٌ خليط، إذا اختلط بالناس كثيرًا، والجمع الخلطاء، مثل شريف وشرفاء. قاله الفيّوميّ. هذا من حيث اللغة.
وأما من حيث الاصطلاحُ: فهو فسادُ العقل، وعدمُ انتظام الأقوال، والأفعال،
стр. 287
إما بخَرَف، أو ضرَر، أو مرض، أو عَرَض، من موت ابن، وسَرِقة مال، كالمسعوديّ، أو ذهاب كُتُب، كابن لَهيعة، أو احتراقها، كابن الْمُلقِّن. قاله الحافظ السخاويّ (١).
والفرق بينه، وبين الاختلاف الشديد، أن المراد بالاختلاف هو اختلافه مع الرواة الآخرين من الثقات، وأما التخليط، فهو تناقضه في مرويّات نفسه، بأن يروي الحديث الواحد تارة بأسلوب، وتارةً بأسلوب آخر، من الزيادة والنقص، ونحوهما. والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: إذا خَلَّطَ الثقة؛ لاختلال ضبطه، بخَرَف، أو هَرَمٍ، أو لذهاب بصره، أو نحو ذلك، قُبل حديثُ مَن أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يُقبَل حديثُ مَن أخذ بعد الاختلاط، أو شككنا فى وقت أخذه انتهى (٢).
وإلى هذه المسألة أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية المصطلح" بقوله:
وَالْحَازِمي أَلَّفَ فِيمَنْ خَلَّطًا ... مِنَ الثِّقَاتِ آخِرًا فَأُسْقِطَا
مَا حَدَّثُوا فِي الاخْتِلَاطِ أَوْ يُشَكّ ... وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ يُفَكّ
كَابْنِيْ أَبِي عَرُوبَةٍ والْسَّائِبِ ... وَذَكَرُوا رَبِيعَةً لَكِنْ أُبِي
[تنبيه]: الأحاديث المرويّة عن الْمُخَلِّطِين في "الصحيحين" إذا أورداها احتجاجًا بها، بأن كانت في الأصول، فهي مما عُلم أنها أخذت قبل الاختلاط، وكذا حكم كلّ من التزم الصحّة في كتابه، كما بيّن ذلك ابن حبّان في أول "صحيحه". والله تعالى أعلم.
ووصف التخليط بقوله (فاحشٌ) إشارةً إلى أنه إذا لم يفحش التخليط لا يؤثّر في رواياته.
(كما قد عُثِر) بضم العين المهملة، وكسر الثاء المثلّثة، مبنيًّا للمفعول: أي اطُّلِع، يقال: عَثَرْتُ على الأمر عَثْرًا من باب قتل، وعُثًورًا: أي اطلعت عليه. وفي التنزيل العزيز: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية [المائدة: ١٠٧]: أي فإن اطُّلِع على أنهما قد خانا.
وأعثرت غيري: أي أطلعته، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الكهف: ٢١]: أي أطلعنا عليهم غيرهم، فحذف المفعول. أفاده ابن منظور (٣).
قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وقوله "كما قد عُثر فيه" كذا في الأصل، وهو
стр. 288
الصحيح، ومَسَاقُ الكلام، ووقع في "الْمُعْلِم": "فإن عُثِر" انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما وقع في "المعلم" تصحيف ظاهر. فتنبه. والله تعالى أعلم.
وقوله (فيه) متعلّقٌ بـ "عُثِر"، والضمير راجع إلى الاختلاف الشديد، وكان الأولى أن يعبّر بـ "عليه"؛ لأن "عثَرَ" يتعدى بـ "على"، لا بـ "في"، كما سبق آنفًا. ويحتمل أن يكون على مذهب الكوفيين من أن حروف الجرّ ينوب بعضها عن بعض (١). والله تعالى أعلم.
وقوله (على كثير من المحدّثين) بدلٌ من "فيه"، على حذف مضاف، أي على اختلاف كثير من المحدّثين. ويحتمل أن يتعلّق بحال مقدَّر من الضمير المجرور، و"على" بمعنى "في"، أي حال كونه واقعًا في روايات كثير من المحدّثين.
(وبان) أي ظهر (ذلك) الاختلاف الشديد (في حديثهم) وهذه الجملة مؤكدة لقوله: "كما قد عُثِر إلخ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ، مِنْ حُمَّالِ الْآثَارِ، وَنُقَّالِ الْأَخْبَارِ، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا، مِنَ الْإِتْقَانِ، وَالِاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ، يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ، وَخَصْلَةُ سَنِيَّةٌ).
الشرح الإجمالي لهذه الفقرة:
بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الفقْرة أنه إذا أنهى أحاديثَ القسم الأول الذين هم بالمنزلة الرفيعة من الإتقان والاستقامة أورد بعد ذلك أحاديث يقع في أسانيدها بعض الرُّواة الذين لم يَصِلُوا إلى مرتبة الأولين، من الإتقان، والاستقامة، مع أنهم، وإن كانوا أقلّ درجة منهم، لكنهم موصوفون بما يَجعَل أحاديثَهُم صالحةً للمتابعة والاستشهاد، حيث
стр. 289
كانوا موصوفين بالستر، والصدق، والشهرة بطلب العلم، وهؤلاء كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُلَيم، ونحوهم، فإنهم وإن كانوا موصفين بما ذُكر من الستر والصدق، والعلم، فالذين وُصِفوا بالإتقان، والاستقامة يُقَدَّمون عليهم في الرتبة؛ لأن الوصف بما ذُكر وصفٌ شريف، ودرجة رفيعة. والله تعالى أعلم.
تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة:
١ - (عطاء بن السائب) بن مالك، ويقال: زيد، ويقال: يزيد، يكنى أبا السائب، ويقال: أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو زيد الثقفيّ الكوفيّ التابعيّ. روى عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، من أقرانه وسليمان التيميّ، والأعمش، وغيرهم. قال حماد بن زيد: أتينا أيوب، فقال: اذهبوا إلى عطاء بن السائب، قَدِمَ من الكوفة، وهو ثقة. وقال ابن علية: قال لي شعبة: ما حدثك عطاء بن السائب عن رجاله: زاذان، وميسرة، وأبي البختري، فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه، فاكتبه. وقال عليّ، عن يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدا من الناس يقول في حديثه القديم شيئًا، وما حدث سفيان وشعبة عنه صحيح إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما منه بآخره عن زاذان. وقال أبو قطن عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ورجل آخر. وقال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديمًا، فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان، وشعبة، وسمع منه حديثًا جريرٌ، وخالدٌ، وإسماعيل، وعليّ بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يرفعها. قال: وقال وُهيب: لَمّا قدِم عطاءٌ البصرة قال: كتبت عن عَبيدةَ ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، وهذا اختلاطٌ شديدٌ. وقال أبو داود: قال شعبة، حدّثنا عطاء بن السائب، وكان نَسِيًّا. وقال ابن معين: عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جريرٌ، وذووه ليس من صحيح حديثه، وقد سمعِ منه أبو عوانة في الصحيح الاختلاط جميعًا، ولا يُحتجّ بحديثه. وقال أحمد بن أبي نجيح عن ابن معين: ليث بن أبي سُليم ضعيفٌ، مثلُ عطاء بن السائب، وجميع من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلا شعبة، والثوري. وقال ابن عديّ: من سمع منه بعد الاختلاط في أحاديثه بعض النُّكْرة. وقال العجليّ: كان شيخًا ثقةً قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، ومن سمع منه قديما، فهو صحيح الحديث، منهم الثوريّ، فأما من سمع منه بأَخَرَة، فهو مضطرب الحديث، منهم: هشيم، وخالد الواسطيّ إلا أن عطاء بأَخَرَةٍ كان يتلقن إذا لقنوه في الحديث؛ لأنه كان غير صالح الكتاب، وأبوه تابعيّ ثقة. وقال أبو حاتم: كان محلّه الصدق قبل أن يختلط، صالح، مستقيم الحديث، ثم بأخرة تغيّر
стр. 290
حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرةٌ؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلطٌ، واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة. وقال النسائيّ: ثقةٌ في حديثه القديم إلا أنه تغيّر، ورواية حماد بن زيد، وشعبة، وسفيان، عنه جيّدة. وقال الحميديّ عن ابن عُيينة: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديمًا، ثم قدم علينا قَدْمَةً فسمعته يُحدّث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام بن عيينة ﵀ هذا يدلّ على أنه ممن تُقبل روايته عن عطاء بن السائب؛ لأنه لم يأخذ منه بعد اختلاطه، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقال الدارقطنيّ: دخل عطاء البصرة مرّتين فسماع أيوب، وحماد بن سلمة، في الرحلة الأولى صحيح. ونقل العقيليّ: عن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن عليّ بن المدينيّ، قال: قال وُهيب: قدم علينا عطاء بن السائب، فقلت: كم حملتَ عن عَبِيدة؟ -يعني السَّلْمَانيّ- قال: أربعين حديثًا. قال عليّ: وليس عنده عن عَبيدة حرفٌ واحدٌ، فقلت: علامَ يُحمل ذلك؟ قال: على الاختلاط. قال عليّ: وكان أبو عوانة حمل عنه قبل أن يختلط ثم حمل عنه بعدُ، فكان لا يعقل ذا من ذا، وكذلك حماد بن سلمة. انتهى.
قال الحافظ: فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وُهيب، وحماد، وأبي عوانة، عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط. وقال عبد الحق: سماع ابن جريجٍ منه بعد الاختلاط. وقال الطبرانيّ: ثقة اختلط في آخر عمره، فما رواه عنه المتقدّمون، فهو صحيح، مثلُ سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال ابن الجارود في "الضعفاء": حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، عنه جيّد، وحديث جرير، وأشباه جرير، ليس بذاك. وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، سماع هؤلاء سماع قديم، وكان عطاء تغيّر بأخرة، فرواية جرير، وابن فضيل، وطبقتهم ضعيفة. وقال ابن حبّان في "الثقات": قيل: إنه سمع من أنس، ولم يصح ذلك عندي، مات سنة (١٣٦) وكان اختلط بأخرة، ولم يَفْحُش حتى يستحقّ أن يُعدَل به عن مَسْلَك العدول بعد تقدّم صحّة بيانه في الروايات. وقال ابن سعد، وغيره: مات سنة (١٣٧)، أو نحوها. وقال في "التقريب": صدوقٌ اختلط، من الطبقة الخامسة. انتهى.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في البخاريّ حديثٌ واحدٌ ذكره متابعةً في ذكر الحوض.
стр. 291
قال الحافظ بعد الأقوال المتقدّمة، ما نصّه: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن ما رواه سفيان الثوريّ، وشعبة، وزُهيرٌ، وزائدةُ، وحمادُ بن زيد، وأيوبُ، عنه صحيح، ومن عداهم يُتوقَّف فيه، إلا حماد بن سلمة، فاختَلف قولهم فيه، والظاهر أنه سمع منه مرّتين، مرّة مع أيوب -أي قبل الاختلاط- كما يومي إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير، وذويه (١).
وقد نظمت ما ذُكر في "ألفيّة العلل"، فقلت:
اعْلَمْ هُدِيتَ أَنَّ قَوْمًا خَلَّطُوا ... فِي آخِرِ الْعُمْرِ نَسُوا مَا ضَبَطُوا
فَمِنْهُمُ عَطَاءُ نَجْلُ السَائِبِ ... أُصِيبَ فِي الآخِرِ بالْمَصَائِبِ
وَقَسَّمَ الْحُذَّاقُ مَا قَدْ أَخْبَرَا ... بِهِ فَصَحَّحُوا الْقَدِيمَ فَاخْبُرَا
فَقَبِلُوا مِنْهُ سَمَاعَ شُعْبَةِ ... سِوَى حَدِيثَيْنِ فَكُنْ ذَا ثِقَةِ
سُفْيَانَ حَمَّادًا وَسُفْيَانَ خُذَا ... وَالدَّسْتَوَائِيُّ وَحَمَّادٌ كَذَا
وَرُدَّ خَالِدٌ جَرِيرٌ وَعَلِي ... وَابْنُ فُضَيْلٍ وَهُشَيْمٌ فَاحْظُل
وَابْنُ عُلَيَّةَ كَذَا وُهَيْبُ ... وَعَبْدُ وَارِثٍ عَدَاكَ الْعَيْبُ (٢)
وَاختَلَفُوا فِي ضَبْطِ مَنْ تَقَدَّمَا ... وَمَنْ تَأَخَّرَ سَمَاعًا عُلِمَا
فَصَحَّحُوا سَمَاعَ مَنْ بالْكُوفَةِ ... وَضَعَّفُوا سَمَاعَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ
وَبَعْضُهُمْ قَالَ عَطَاءٌ دَخَلا ... بَصْرَةَ مَرَّتَيْنِ خُذْ مَنْ نَقَلَا
فِي الْمَرَّةِ الأُولَى وَدَعْ لِلثَّانِيَهْ ... لِكَوْنِهَا بالاخْتِلاطِ وَاهِيَهْ
وَمِنْهُمُ مَنْ قَالَ إنْ حَدَّثَ عَنْ ... فَرْدٍ صَحِيحٌ أَوْ لِجَمعٍ فَوَهَنْ
وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ مَا عَنْ أَبِهِ ... وَرَدَّ مَا عَنْ غيْرِهِ فَاعْنَ بِهِ
وقلت أيضًا في أبيات خاصّة بعطاء:
يَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْفَائِدَةِ ... اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلسَّعَادَةِ
أَنَّ ابْنَ سَائِبٍ عَطَاءً قَدْ خَلَطْ ... فَبِالرُّوَاةِ الأَخْذُ وَالرَّدُّ انْضَبَطْ
فَمَا رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْريُّ ... زُهَيْرُ إِسْرَائِيلُ قُلْ مَرْضِيُّ
أَيُّوبُ زَائِدَةُ وَابْنُ زَيْدِ ... كَذَا وَرَدُّ غَيْرِهِمْ ذُو أَيْدِ (٣)
стр. 292
وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَدَى ابْنِ رَجَبِ ... ذُكِرَ مَقْبُولًا فَخُذْهُ تُصِبِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا رَوَى بْنُ سَلَمَهْ ... وَرَجِّحِ الْوَقْفَ تَكُنْ ذَا مَكْرَمَهْ
وَهَكَذَا حَرَّرَهُ الأَعْلَامُ (١) ... فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ
٢ - (يزيد بن أبي زياد) القرشيّ الهاشميّ مولاهم، أبي عبد الله الكوفيّ، رأى أنسًا، ضعيفٌ، كبر فتغير، وصار يتلقّن، وكان شيعيًّا.
رَوَى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم النخعيّ، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، من أقرانه، وزائدة، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.
قال النضر بن شُميل، عن شعبة: كان رفّاعًا. وقال عليّ بن المنذر، عن ابن فُضيل: كان من أئمّة الشيعة. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه بذاك، وقال مرّةً: ليس بالحافظ. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ضعيف قيل له: أيّما أحبّ إليك، هو أو عطاء بن السائب؟ فقال: ما أقربهما. وقال عثمان بن أبي شيبة، عن جرير: كان أحسن حفظًا من عطاء. وقال العجليّ: جائز الحديث، وكان بأخَرَة يُلقّن، وأخوه بُرْد بن أبي زياد ثقةٌ، وهو أرفع من أخيه يزيد. وقال أحمد بن سنان القطّان، عن ابن مهديّ: ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم حالًا عندي. وقال أبو زرعة: ليّنٌ يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الْجُوزَجَانيّ: سمعتهم يضعّفون حديثه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره أحبّ إليّ منه. وقال ابن عديّ: هو من شيعة الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد، وإن كانوا يتكلّمون فيه لتغيّره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحَكَم، ومنصور. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصريّ: يزيد بن أبي زياد ثقةٌ، ولا يُعجبني قول من تكلّم فيه. قال ابن سعد: كان ثقةً في نفسه، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب. وقال ابن حبّان: كان صدوقًا إلا أنه لما كبِر ساء حفظه، وتغيّر، وكان يُلقّن ما لُقّن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، ولد سنة (٤٧) وتوفي سنة (١٣٦). وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد، وابن قانع. وقال مطين: مات سنة (١٣٧). وقال في "التقريب": ضعيفٌ كَبِر، فتغيّر، وصار يتلقّن،
стр. 293
وكان شيعيّا، من الطبقة الخامسة. انتهى.
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث واحد متابعة، حديث حُذيفة ﵁ مرفوعًا: "لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة ... " الحديث.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من ترجمة يزيد بن أبي زياد الكوفيّ، هو الصواب، وأما ما ذكره النوويّ في "شرحه" من أن صاحب الترجمة هو يزيد بن أبي زياد الدمشقيّ، فقد تعقّبه الحافظ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فقال في "تهذيب التهذيب": وأغرب النوويّ، فذكر في مقّدمة "شرح مسلم" ترجمة يزيد بن أبي زياد، أو ابن زياد الدمشقيّ، وزعم أنه مراد مسلم بقوله: يزيد بن أبي زياد، وفيه نظرٌ لا يخفى. انتهى (١).
٣ - (ليث بن أبي سُليم) اسمه بن زُنَيم -مصغر الاسمين- القرشيّ مولاهم، أبي بكر، ويقال: أبو بُكير الكوفيّ، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل: زياد، وقيل: عيسى. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريرًا عن ليث، ويزيد بن أبي زياد، وعطاء بن السائب، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامةً، ثمّ عطاءٌ، وكان ليثٌ أكثر تخليطًا. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هذا؟ فقال: أقول كما قال. وقال أحمد بن سِنَان، عن ابن مهديّ: ليثٌ أحسنهم حالًا عندي. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه قال: ليث أحبّ إليّ من يزيد، كان أبرأ ساحةً، يُكتب حديثه، وكان ضعيف الحديث، قال: فذكرت له قول جرير، فقال: أقول كما قال، وقلت ليحيى بن معين: ليثٌ أضعف من يزيد، وعطاء؟ قال: نعم. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضَعيف إلا أنه يُكتب حديثه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سَعيد لا يحدّث عنه. وكذا قال عمرو بن عليّ، وابن المثنّى، وعليّ بن المدينيّ، وزاد عن يحيى: مجالد أحبّ إليّ من ليث، وحجّاج بن أرطاة. وقال أبو معمر الْقَطِيعيّ: كان ابن عُيينة يُضعّف ليث بن أبي سليم. وقال مؤمّل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس: لِمَ لَمْ تسمع من ليث؟ قال: قد رأيته، وكان قد اختلط، وكان يَصعَد المنارة ارتفاع النهار، فيؤذّن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وأبا زرعة يقولان: ليثٌ لا يُشْتَغَل به، هو مضطرب الحديث. قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سُليم ليّن الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. قال: وسمعت أبي يقول: ليث عن طاوس أحبّ إليّ من سَلَمة بن وَهْرَام عن طاوس، قلت: أليس تكلّموا في ليث؟ قال: ليث أشهر من سلمة، ولا نعلم روى عن سلمة إلا
стр. 294
ابن عيينة، وزمعة. وقال الآجريّ، عن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن فُضيل بن عياض: كان ليثٌ أعلم أهل الكوفة بالمناسك. قال أبو داود: وسألت يحيى عن ليث، فقال: لا بأس به، قال وعامّة شيوخه لا يُعرفون. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة، والثوريّ، ومع الضعف الذي فيه يُكتب حديثه. وقال الْبَرْقانيّ: سألت الدارقطنيّ عنه، فقال: صاحب سنّة يُخرَّج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء، وطاووس، ومجاهد حسب. وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يسأل عطاء، وطاووسًا، ومجاهدًا عن الشيء، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تَعمّد. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد كذا قال. وقال الترمذيّ في "العلل الكبير": قال محمد: كان أحمد يقول: ليثٌ لا يُفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يَهِم. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: مُجمَعٌ على سوء حفظه. وقال الجوزجانيّ: يُضعَّف حديثه. وقال البزّار: كان أحد العبّاد، إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلّم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحداً ترك حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوقٌ، ضعيفُ الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ليث صدوق، ولكنه ليس بحجّة. قال الحضرميّ: مات سنة (١٣٨) وقال ابن منجويه: مات سنة (١٤٣) وقال البخاريّ: قال عبد الله بن أبي الأسود: مات ليث بعد الأربعين سنة إحدى، أو اثنتين.
وقال في "التقريب": صدوقٌ اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فتُرِك، من الطبقة السادسة. انتهى.
علّق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث واحد متابعة، حديث البراء ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع ... " الحديث. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (فإذا نحن تقصّينا) بالقاف، والصاد المهملة، من التقصّي -بفتحتين-، وقصصتُ الأثر: تتبّعته. أفاده الفيّوميّ.
والمراد به هنا استيفاء أخبار المصنف الأول.
قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه أتينا بها كلّها، يقال اقتصَّ الحديثَ، وقصَّه، وقصّ الرؤيا: أتى بذلك الشيء بكماله.
стр. 295
وقد تقدّم عند شرح قوله: "فنقسمها على ثلاثة أقسام من الناس .. إلخ" بيان الاختلاف في المراد به، هل وفَى به في هذا الكتاب، كما هو رأي القاضي عياض، وتابعه ابن الصلاح، والنوويّ، وهو الصواب، أم اخترمته المنيّة، دون إتمامه، كما هو رأي الحاكم، وتبعه البيهقيّ. والله أعلم.
(أخبار هذا الصنف من الناس) بنصب "أخبارَ" على المفعوليّة لـ "تقصينا" و"من الناس" بيان لاسم الإشارة، واسم الإشارة يعود إلى الناقلين الذين هم أهل استقامة، وإتقان لما رووه (أتبعناها) بقطع الهمزة من الإتباع رباعيًّا، يقال: تبع زيدٌ عمرًا، من باب تَعِبَ: مَشَى خَلْفَهُ، أو مَرّ به، فمضى معه. وأتبعتُ زيدًا عمرًا بالألف: جعلتُهُ تابعًا له. أفاده الفيّوميّ.
(أخبارًا) مفعول به لـ "أتبعنا" وجملة قوله (يقع) في محلّ نصب صفة لـ "أخبارًا" (في أسانيدها) أي في أسانيد تلك الأخبار (بعضُ) بالرفع على الفاعليّة لـ "يقع"، وهو مضاف إلى قوله، (من ليس بالموصول) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" و "لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرّ
(بالحفظ) متعلّقٌ بـ "الموصوف" وقوله (والإتقان) عطفَ تفسير لـ "الحفظ" (كالصنف المقدّم قبلهم) أي وهم الذين وُصِفوا بالاستقامة في الرواية، وإتقان ما نقلوه.
وحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه بعد أن ينتهي من إيراد أخبار الصنف الأول، وهم البالغون في الحفظ الدرجة العليا، يأتي بأخبار من ليس مثلهم في الحفظ والإتقان.
(على أنهم) "على" هنا للاستدراك والإضراب، كقولك: فلان لا يدخل الجنّةَ لسوء صَنِيعه، على أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى، وقولِهِ [من الطويل]:
فَوَاللهِ لَا أَنْسَى قَتِيلَا رُزِئْتُهُ ... بِجَانِب قَوْسِي مَا بَقِيتُ عَلَى الأَرْضِ
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا ... تُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
أي على أن العادة نسيان المصائب البعيدة العهد. وقولِهِ [من الطويل أيضًا]:
بِكُلٍّ تَدَوَيْنا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا ... عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ
ثم قال:
عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ ... إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدٍ
أبطل بـ "على" الأولى عموم قوله: "لم يَشْفِ ما بنا" فقال: بلى إن فيه شفاءً مّا، ثم أبطل بالثانية قوله: "على أن قرب الدار خيرٌ من البعد".
стр. 296
وتَتَعَلَّقُ "على" "هذه بما قبلها عند من يقول به، كتعلّق "حاشا" بما قبلها عند من قال به، لأنَّها أوصلت معناه إلى ما بعدها، على وجه الإضراب والإخراج، أو هي خبر لمبتدإ محذوف، أي والتحقيق على كذا، وهذا الوجه اختاره ابن الحاجب، قال: ودلّ على ذلك أن الجملة الأولى وقعت على غير التحقيق، ثم جيء بما هو التحقيق فيها. ذكر هذا كلّه ابنُ هشام الأنصاريّ في "مغنيه" (١).
فيكون المعنى هنا: لكن هؤلاء وإن كانوا ليسوا مثل الصنف الأول في الحفظ والإتقان، يشاركون في أوصاف هي سببٌ لقبول رواياتهم، كوصفهم بالصدق، والستر.
(وإن كانوا فيما وصفنا) أي من الاستقامة في الحديث، والإتقان لمرويّاتهم (دونهم) أي أقلّ درجةً منهم. يعني أنهم أقلّ حفظًا، وإتقانًا، وهذا يدلّ على أن لهم حفظًا وإتقانًا، وإن لم يكن مثل الأولين.
[فائدة]: قال بعض النحويين: لـ "دون" تسعة معان: تكون بمعنى "قبلُ"، وبمعنى "أَمَام"، وبمعنى "وراء"، وبمعنى "تحت"، وبمعنى "فوق"، وبمعنى الساقط من الناس، وغيرهم، وبمعنى "الشريف" (٢) وبمعنى الأمر، وبمعنى الوعيد، وبمعنى الإغراء.
فأما "دون" بمعنى "قبل" فكقولك: دون النهر قتالٌ، ودون قتل الأسد أهوالٌ، أي قبل أن تَصِل إلى ذلك، والوعيد كقولك: دونك صِرَاعي، ودونك فَتَمَرَّسْ بي، وفي الأمر: دونك الدرهم، أي خذه، وفي الإغراء: دونك زيدًا في حفظه، وبمعنى "تحت"، كقولك: دون قدمك خَدُّ عدوّك، أي تحت قدمك، وبمعنى "فوق" كقولك: إن فلانًا لشريفٌ، فيُجيب آخر فيقول: ودون ذلك، أي فوق ذلك.
وقال الفراء: "دون" تكون بمعنى "على"، وتكون بمعنى "علَّ"، وتكون بمعنى "بعد"، وتكون بمعنى "عند"، وتكون إغراءً، وتكون بمعنى أقلّ من ذا، وأنقص من ذا. ذكر هذا كلّه ابنُ منظور في "لسان العرب" (٣).
وقد نظمت هذه المعاني، فقلت [من الرجز]:
لِدُونَ تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي ... قَبْلُ وفَوْقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي
أَمَامُ والسَّاقِطُ وَالإِغْرَاءُ ... وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ
وَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ ... فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ الْسَّعْدُ
стр. 297
(فإنّ اسم السَّتْر) بفتح السين، مصدر سترت الشيء أَستُرُهُ سَتْرًا. ويوجد في أكثر الروايات والأصول مضبوطًا بكسر السين، ويمكن -كما قال النوويّ- تصحيح هذا على أن السِّتْر يكون بمعنى المستور، كالذِّبْحِ بمعنى المذبوح، ونظائره (١).
والإضافة فيه من إضافة العامّ للخاصّ، كشجر أراك، وعلم الفقه (والصدق) بكسر، فسكون، مصدر صَدَق من باب نصر: خلاف كَذَبَ، فهو صادقٌ، وصَدُوقٌ مبالغة. قاله الفيّوميّ (وتعاطي العلم) أي اكتسابه، وأخذه عن أهله، يقال: فلانٌ يتعاطى كذا: إذا أقدم عليه، وفَعَلَهُ. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: والتعاطي: التناولُ، والْجَرَاءةُ على الشيء، من عَطَا الشيء يعطوهُ: إذا أخذه، وتناوله. وقال أيضًا: وتعاطى الشيء تناوله، وتعاطَوُا الشيءَ: تناوله بعضهم من بعض، وتنازعوه. انتهى.
والإضافة هنا من إضافة المصدر إلى مفعوله، بعد حذف فاعله: أي وتناولهم العلم.
(يَشْمَلُهم) أي يعمهم، وهو بفتح على اللغة الفصيحة، ويجوز ضمّها في لغة، يقال: شَمِلَهم الأمر بكسر الميم يَشْمَلُهم بفتحها، هذه هي اللغة المشهورة، وحكى أبو عمرو الزاهد عن ابن الأعرابي أيضًا شَمَلَهم بالفتح يَشْمُلُهُم بالضم.
وحاصل ما أشار إليه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذا الكلام أن أهل هذا القسم، وإن لم يبلغوا في الاستقامة، والإتقان درجة أهل القسم الأول، بل يكونون أقلّ منهم في ذلك، غير أنهم موصوفون بكونهم مستورين في أحوالهم، صادقين في لهجتهم، مشهورين بطلب العلم، ومجالسة العلماء، والأخذ عنهم، والكتابة منهم، فلهم عناية بهذا العلم، فيستحقّون أن يؤخذ عنهم، ويُخَرَّجَ لهم ما يوافقون فيه الصنف الأول.
ثم ضرب مثالًا لهذا الصنف، بذكر بعضهم فقال:
(كعطاء بن السائب) والجار والمجرور خبر لمبتدإ محذوف، أي مثالهم كعطاء بن السائب (ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم) أي أشباههم، قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهو جمع ضَرْب، قال أهل اللغة: الضَّرِيبُ على وزن الكريم، والضَّرْبُ -بفتح الضاد المعجمة، والراء-: عبارة عن الشَّكْل، والْمِثْل، وجمع الضرب أَضْرَاب، وجمع الضَّرِيب ضُرَباء، ككُرَمَاء. وأما إنكار القاضي عياض على مسلم قوله: "وأضرابهم"، وقوله: إنّ صوابه ضُرَبائهم، فليس بصحيح، فإنه حمل قول مسلم: "وأضرابهم" على أنه جمع ضَرِيب -بالياء-، وليس ذلك جمع ضَرِيب، بل جمع ضَرْبٍ
стр. 298
بحذفها، كما سبق فتنبّه. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي في كتب اللغة أن الضرب بفتح، فسكون يُجمع على ضُروب، ولم يذكر فيها جمعه على أضراب، قال في "القاموس" و"شرحه": الضَّرْب بالفتح، ورَوَى الزمخشريّ بالكسر أيضًا، كالطِّحْن: هو المثل. قاله ابن سِيدَهْ، وجمعه ضُرُوب. انتهى (٢). وقال في "اللسان": الضَّرْبُ: المثلُ والشبيهُ، وجمعه ضُرُوبٌ، وهو الضَّرِيبُ، وجمعه ضُرَبَاء. انتهى (٣).
وعلى هذا فاعتراض النوويّ على القاضي عياض مما لا وجه له. فتبصّر.
والحاصل أن الضرب بفتح، فسكون لا يُجمع على أضراب، وإنما يُجمع على ضُرُوب، فكان الأولى للمصنّف أن يقول بـ "ضُرُوبهم" جمع ضَرْب، كفَلْسٍ وفُلُوس، أو بـ "ضُرَبائهم" جمع ضَرَيب، ككريم وكُرَمَاء، بدل أضرابهم. والله تعالى أعلم.
(من حُمّال الآثار) بيان لـ "أضرابهم"، فهو متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونهم كائنين من حمال الآثار. و "الحُمّال" جمع حامل، و "الآثار" جمع "أَثَر" بفتحتين، وهي الأخبار كما بيّنه بما عطفه عليه بقوله (ونقّال الأخبار) جمع ناقل، والمراد هنا ما يعُمّ الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، والمقطوعة.
(فهم) أي المذكورون، من عطاء، ويزيد، وليث (وإن كانوا بما وصفنا) متعلِّق بـ "معروفين" (من العلم) بيان لـ "ما " (والستر) تقدّم أنه بالفتح، ويجوز كسره: أي بكونهم مستورين (عند أهل العلم) متعلّقٌ بقوله (معروفين) خبر "كانوا".
فقوله: "فهم" مبتدأ أوّل، وجملة "وإن كانوا إلخ" في محل نصب على الحال، وقوله (فغيرهم) مبتدأٌ ثانٍ، خبره جملة "يَفضُلُونهم"، والجملة خبر المبتدإ الأول، ودخول الفاء في الخبر في مثل هذا نادرٌ.
وقوله: (من أقرانهم) متعلّقٌ بحال محذوف، أي حال كونهمٍ من أقران المذكورين، من عطاء إلخ (ممن عندهم ما ذكرنا) متعلّقٌ بحال مقدّر أيضًا، أي حال كونهم من الرواة الذين ثبت لديهم ما تقدّم ذكره، وهو ما بينه بقوله (من الإتقان، والاستقامة في الرواية) وقوله (يَفضُلونهم) أي يزيدون عليهم بضمّ الضاد المعجمة، وكسرها -من بابي قتل، وتَعِبَ، وفَضِلَ -بالكسر- يَفْضُلُ -بالضمّ- لغة ليست
стр. 299
بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم نَعِمَ يَنْعُمُ، ونَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ دِمْتَ تَدُومُ، ومِتَّ تمُوت.
(في الحال) أي في صفاتهم، قال الفيوميّ: الحالُ صفة الشيء، يُذكّر، ويؤنّث، فيقال: حالٌ حسنٌ، وحالٌ حسنةٌ، وقد يؤنّث بالهاء، فيقال: حالة. انتهى.
(والمرتبةِ) أي المنزلة والمكانة. قال ابن منظور: المَرْتَبةُ: المَنْزِلةُ الرَّفِيعةُ، وهي مَفْعلة من رَتَبَ: إِذا انْتَصَبَ قائمًا، جَمْعُها المَراتِبُ. قال الأصمعيّ: والمَرْتبةُ: المَرْقَبةُ، وهي أَعْلَى الجَبَل. وقال الخليل: المَراتِبُ في الجَبَل والصَّحاري: هي الأَعْلامُ التي تُرَتَّبُ فيها العُيُونُ، والرُّقَباءُ. انتهى (١).
(لأن هذا) الإشارة إلى ما ذُكر من الإتقان والاستقامة (عند أهل العلم درجة رَفِيعة) فَعيلة، بمعنى مفعولة: أي مرفوعة، وفعله من باب رَفُع بفتح، فضمّ، يقال: رَفُعَ الرجلُ في حَسَبه، ونَسَبه، فهو رفيعٌ، مثلُ شَرُفَ، فهو شَرِيفٌ. قاله الفيّوميّ. (وخَصْلَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الصاد المهملة. قال ابن منظور: الخَصْلة: الفَضِيلة، والرَّذِيلة تكون في الإِنسان، وقد غلب على الفضيلة، وجمعها خِصَال. والخَصْلة: الخَلَّة. وقال الليث: الخَصْلة حالات الأُمور، تقول: في فلان خَصْلة حَسَنةٌ، وخَصْلة قبيحةٌ، وخِصال وخَصَلات كَريمة. وفي الحديث: "فمن كانت فيه خَصْلةٌ من النفاق" أَي شُعْبةٌ من شُعَبِ النفاق، وجزءٌ منه. أَو حالةٌ من حالاته (٢).
ولَمّا كانت الخصلة تطلق على الحسنة والقبيحة بيّن المراد بها هنا بقوله (سَنِيّةٌ) فَعِيلة بمعنى مفعوله، من السنّاء بالمدّ: وهي الرِّفْعَة، ويحتمل أن يكون من السَّني بالقصر: وهو الضَّوْءُ، والمعنى متقارب قال ابن منظور: السَّناءُ من المجد، والشرف ممدود، والسَّنا بالقصر الضَّوْءُ، وفي التنزيل العزيز: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. قال: سَنا البرْقُ سطَع، وسَنَا إِلى مَعالي الأُمُورِ سَناءً: ارتفع، وسَنُوَ في حَسَبه سَناءً، فهو سَنِيٌّ: ارتفع، قال: السَّنِيُّ الرَّفيعُ. انتهى (٣). والله تعالى أعلم.
ثم ذكر أمثلة من القسم الأول -وإن انتُقِد عليه في ترتيبهم في الذكر، كما سنبيّنه مع الجواب عنه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى- فقال:
(أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَوُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً، وَيَزِيدَ، وَلَيْثًا
стр. 300
بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فِي إِتْقَان الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لم يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ، ويَزِيدَ، وَلَيْثٍ).
المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى أنك إذا قابلت الثلاثة المذكورين، وهم عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم بمنصور بن المعتمر، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد من حيث الإتقان والضبط وجدت بينهم فرقًا كبيرًا، فليسوا مقاربين لهم فيما ذُكر؛ لأن أهل العلم وجدوا منصورًا، والأعمش، وإسماعيل مُبَرِّزِين في الحفظ والإتقان، وصحة مروياتهم، ولم يوجد ذلك لعطاء، ويزيد، وليث، بل هم بالعكس مطعونون بسوء الحفظ، وعدم الضبط.
تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة:
(١) - (منصور بن المعتمر) بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: المعتمر بن عَتّاب بن فَرْقَد السلَمِيّ، أبو عَتّاب الكوفي. رَوَى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وربعي بن حِرَاش، وتميم بن سلمة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه أيوب، وحُصين بن عبد الرحمن، والأعمش، وسليمان التيمي، وهم من أقرانه، والثوري، وشعبة، ومسعر، وشيبان، وزائدة، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وخلق كثير.
قال الآجري عن أبي داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: قال سفيان: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا رده، فإذا قلت: منصور سكت. قلت ليحيى: منصور عن مجاهد أحب إليك أم ابن أبي نَجِيح؟ ، قال: منصور أثبت، ثم قال: ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور. وقال حجاج عن شعبة عن منصور: ما كتبت حديثا قط. وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة: قال لي الثوري: رأيت منصورًا، وعبد الكريم الجزري، وأيوب، وعمرو بن دينار، هؤلاء الأعين الذين لا يُشَكّ فيهم. وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقال: ما الكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال أحمد بن سنان القطان عن ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطىء، ليس هو
стр. 301
منهم، منهم ابن المعتمر. وقال الأثرم عن أحمد: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: منصور أثبت في الزهري عن مالك، قال: هؤلاء جُهّال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب. وقال عبد الله ابن أحمد: سألت أبي مَنْ أثبت الناس في إبراهيم؟ قال: الحكم، ثم منصور. وقال عباس عن ابن معين: منصور أحب إلي من حبيب بن أبي ثابت، ومن عمرو بن مرة، ومن قتادة. قيل ليحيى: فأيوب؟ قال: هو نظيره عندي. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: أبو معشر أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور خير منه، قلت: الأعمش عن إبراهيم أحب إليك أو منصور؟ قال: منصور، قلت: فالحكم أو منصور؟ قال: منصور، قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وأبي حاضر، يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش، فقَدِّم منصورًا. وقال أيضًا: سمعت يحيى يقول: منصور أثبت من الحكم، ومنصور بن المعتمر من أثبت الناس. وقال أيضا: رأيت في كتاب علي بن المديني: وسُئِل أيُّ أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: إذا حدثك عن منصور ثقة، فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره. وقال عبدان: سمعت أبا حمزة يقول: دخلت إلى بغداد، فرأيت جميع من بها يُثني على منصور. وقال وكيع عن سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكلٍّ، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور. وقال عبد الرزاق: حَدَّثَ سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال: هذا الشرف على الكرسي. وقال أبو زرعة عن إبراهيم بن موسى: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور؟ فقال: ثقة، قال: وسئل أبي عن الأعمش ومنصور؟ فقال: الأعمش حافظ يَخلِط ويدلس، ومنصور أتقن، لا يَخلِط ولا يدلس. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، كان أثبت أهل الكوفة، وكأن حديثه القَدَحُ، لا يختلف فيه أحد، متعبدٌ رجل صالح، أُكرِه على القضاء شهرين، وكان فيه تشيع قليل، ولم يكن بغال، وكان قد عَمِشَ من البكاء، وصام ستين سنة وقامها، وقالت فتاة لأبيها: يا أبت الأُسطُوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بُنَيَّة ذاكِ منصور يصلي بالليل فمات. قال ابن سعد وخليفة في آخرين: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (٩٩) حديثًا.
(٢) - (سليمان الأعمش) هو سليمان بن مِهْرَان الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، يقال: أصله من طَبَرِسْتَان، ووُلد بالكوفة، وروى عن أنس، ولم يثبت له منه سماع، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، ويقال: إنه مرسل، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وقيس بن أبي حازم، وخلق كثير.
стр. 302
وروى عنه الحكم بن عتيبة، وزبيد اليامي، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وهو من شيوخه، وسليمان التيميّ، وسُهيل بن أبي صالح، وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع، وشعبة، والسفيانان، وخلائق من أواخرهم أبو نُعَيم، وعبيد الله بن موسى.
قال ابن المديني: لم يحمل عن أنس إنما رآه يخضب، ورآه يصلي، وقال ابن معين: كلُّ ما روى الأعمش عن أنس مرسل. وقال أبو حاتم: لم يسمع من ابن أبي أوفى، ولا من عكرمة. وقال ابن المديني حفظ العلم على أمة محمد ﷺ ستةٌ: عمرُو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق السبيعي والأعمش بالكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة. وقال أبو بكر بن عياش عن مغيرة: لَمَّا مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض. وقال هشيم: ما رأيت بالكوفة أحد أقرأ لكتاب الله منه. وقال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع: كان أقرؤهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى. وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدّث عن الأعمش قال: هذا الديباج الخسرواني. وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. وقال عبد الله بن داود الْخُرَيبي: كان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: الْمُصْحَف المصحف. وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يُسَمَّى المصحف لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضا، إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأسا في القرآن، عَسِرًا، سَيِّءَ الخلق، عالما بالفرائض، وكان لا يَلْحَن حرفا، وكان فيه تشيع، ويقال: إن الأعمش وُلِد يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة (٦١). وقال عيسى بن يونس: لم نَرَ مثل الأعمش، ولا رأيتُ الأغنياءَ والسلاطينَ عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته. وقال يحيى ابن سعيد القطان: كان من النساك، وهو علامة الإسلام. وقال وكيع: اختلفتُ إليه قريبا من سنتين ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخريبي: مات يوم مات وما خَلَّفَ أحدًا من الناس أعبدَ منه، وكان صاحب سنة. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو عوانة وغيره: مات سنة (٤٧). وقال أبو نعيم مات سليمان سنة ثمان وأربعين ومائة في ربيع الأول، وهو ابن (٨٨) سنة. وفيها أرخه غير واحد.
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ عارفٌ بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يُدلّس، من الطبقة الخامسة. أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (٣٢٩) حديثًا.
(٣) - (وإسماعيل بن أبي خالد) الأحمسيّ مولاهم، البجليّ الكوفيّ. روى عن
стр. 303
أبيه، وأبي جُحيفة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حُريث، وأبي كاهل، وهم صحابة، وعن كبار التابعين وغيرهم. وعنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى القطّان، وجماعة. قال ابن المبارك، عن الثوريّ: حُفّاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو -يعني إسماعيل- أعلم الناس بالشعبيّ، وأثبتهم فيه. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يُسمّى الميزان. وقال عليّ: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل عن الشعبيّ صحاح؟ قال: نعم. وقال البخاري، عن عليّ: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشعبيّ ابن أبي خالد. وقال ابن مهديّ، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن عمّار الموصليّ: حجة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان طحّانًا. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو حاتم: لا أُقدّم عليه أحدًا من أصحاب الشعبيّ، وهو ثقة. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان شيخًا صالحًا. وقال ابن المدينيّ. رأى أنسًا رؤيةً، ولم يسمع منه، ولم يسمع من إبراهيم التيميّ، ولم يرو عن أبي وائل شيئًا. وقال ابن معين: لم يسمع من أبي ظبيان. وقال مسلم في "الوحدان": تفّرد عن جماعة، وسردهم. وقال يعقوب بن سُفيان: كان أُميًّا، حافظًا، ثقة. وقال هشيم: كان إسماعيل فَاحِشَ اللحن، كان يقول: حدّثني فلان عن أبوه. وقال الآجريّ: سألت أبا داود هل سمع من سعد بن عُبيدة؟ قال: لا أعلمه. وقال ابن عُيينة: كان أقدم طلبًا، وأحفظ للحديث من الأعمش. وقال العجليّ: كان ثبتًا في الحديث، وربّما أرسل الشيء عن الشعبيّ، وإذا وُقِّفَ أخبر، وكان رجلًا صاحب سنّة، وكان حديثه نحو خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة. وحكى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن يحيى بن سعيد، قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال أبو نُعيم في ترجمة داود الطائي من "الحلية": أدرك إسماعيل إثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤيةً. وقال الخطيب: حدث عنه الحكم بن عُتيبة، ويحيى بن هاشم، وبين وفاتيهما نحو من مائة وعشر سنين. مات سنة (٥) أو (١٤٦).
وقال في "التقريب": ، ثقة ثبتٌ [٤].
أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ستةٌ وأربعون حديثًا. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (ألا) -بفتح الهمزة، والتخفيف-: أداة عرض وتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلبٌ بلين، والتحضيض طلبٌ بحثّ، وهي مركّبةٌ من همزة الاستفهام، و"لا" النافية، وتختصّ بدخولها على الجملة الفعليّة، نحوُ قوله تعالى ﴿أَلَا
стр. 304
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقوله ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ , وكقول الشاعر [من الوافر]:
أَلَا رَجُلًا جَزَاهُ الله خَيْرًا ... يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ
والتقدير ألا ترونني رجلًا هذه صفته (١).
(ترى) أي تعلم (أنك) بفتح الهمزة؛ لسدها مسدّ مفعولي "ترى" (إذا وازنت) بالنون: أي قارنتَ، وقابلتَ. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ويُروى: "وازيت" بالياء أيضًا، وهو بمعنى "وازنت" (هؤلاء الثلاثة) بالنصب مفعول "وازنت" (الذين سمّيناهم عطاءً) أي ابن السائب (وليثًا) أي ابن أبي سُليم (بمنصور بن المعتمر) بصيغة اسم الفاعل السلميّ (وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) بالجرّ عطفًا على "منصور" (وَإِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ) بالجرّ عطفًا على منصور أيضًا (في إِتْقَان الحديث) بكسر الهمزة مصدر أتقن الشيءَ: إذا أحكمه، وهو متعلّق بـ "وازنت" (وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ) أي استقامتهم في ضبط الحديث (وَجَدْتَهُمْ) جواب "إذا" (مُبَايِنِينَ لَهُمْ) أي منفصلين عنهم، وهو مفعولٌ ثان لـ "وجدت" والأول الضمير المتصل وجملة قوله (لا يُدَانُونَهُمْ) أي لا يقربون من رتبهم العلية حال مؤكّدة لـ "مباينين" (لَا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ) يعني أن أهل العلم بالحديث الذين لهم المعرفة التامّة بمراتب الرجال، والبصيرة النافذة في تحقيق المقال لا يشكّون في كون الثلاثة الأخيرين مقدّمين على الثلاثة الأولين في الحفظ والإتقان، كما زاده إيضاحًا بقوله (لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ) أي شاع عند أهل العلم بالحديث، قال الفيّوميّ: واستفاض الحديث: شاع في الناس، وانتشر بينهم، فهو مستفيضٌ، اسم فاعل، وأفاض الناس فيه: أي أخذوا. ومنهم من يقول: استفاض الناسُ الحديثَ، وأنكره الْحذّاق، ولفظ الأزهريّ: قال الفرّاء، والأصمعيّ، وابنُ السّكّيت، وعامّة أهل اللغة: لا يقال: حديثٌ مُستفاضٌ، وهو عندهم لحنٌ من كلام الحضر، وكلام العرب مُستفيضٌ، اسم فاعل. انتهى (مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ) بن المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (وَإِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد. فقوله "من صحة" بيان لـ "لّذي"، وقوله (وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهمْ) أي لإحكامهم لما رووا ونقلوه من الأحاديث، فـ "إتقانهم" بالجرّ عطف على "حفظ".
والفرق بين الحفظ والإتقان أن الإتقان أبلغ من الحفظ، إذ معناه الإحكام، والتِّقْنُ بالكسر: الحاذق، ورجلٌ من الرُّماة يُضرب بجَوْدة رَمْيِهِ الْمَثَلُ. قاله المجد (٢). وأما
стр. 305
الحفظ، فهو المنع من الضَّيَاع، يقال: حَفِظْتُ المال وغيره حِفْظًا، من باب عَلِمِ: إذا منعه من الضَّيَاع والتّلَف، وحفِظتُهُ: صُنته عن الابتذال. أفاده الفيّوميّ، فيكون المراد بالإتقان تمام الحفظ والضبط. والله تعالى أعلم.
(وَأَنَّهُمْ) بفتح الهمزة لكونه معطوفًا على "الذي"، أي ولأن أهل العلم بالحديث (لَمْ يَعْرِفوا مِثْلَ ذلِكَ) أي مثل حفظ منصور، والأعمش، وإسماعيل، وإتقانهم لمروياتهم (مِنْ عَطَاءٍ) أي ابن السائب (وَيَزِيدَ) أي ابن أبي زياد (وَلَيْثٍ) أي ابن أبي سُلَيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بما سبق من كلام الإمام مسلم رحَمه اللهُ تعالى.
المسألة الأولى: قال النوويّ رحمه الله تعالى ، ما حاصله: قد يُنكَر على مسلم رحمه الله تعالى في صنيعه هذا، حيث إنه خالف عادة أهل العلم، فإنهم إذا ذكروا جماعةً في سياق مثل هذا السياق، قدّموا أجلّهم مرتبةً، فيقدّمون الصحابيّ على التابعيّ، والتابعيّ على تابعه، والفاضل عن من دونه.
فإذا تقرّر هذا، فإسماعيل بن أبي خالد تابعيّ مشهور، رأى أنسَ بن مالك، وسلمةَ بن الأكوع، وسمع من عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حُريث، وقيس بن عائذ، أبي كاهل، وأبي جُحيفة، وهؤلاء كلّهم صحابة ﵃.
وأما الأعمش، فقد رأى أنس بن مالك ﵁، وأما منصور بن المعتمر فليس بتابعيّ، وإنما هو من أتباع التابعين، فكان ينبغي أن يقول: إذا وازنتهم بإسماعيل، والأعمش، ومنصور.
والجواب عنه: أنه ليس المراد هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حجر في عدم ترتيبهم.
ويحتمل أن مسلمًا قدّم منصورًا؛ لرجحانه في ديانته، وعبادته، فقد كان أرجحهم في ذلك، وإن كان الثلاثة راجحين على غيرهم، مع كمال حفظ منصور، وإتقانه، وتثبّته. قال عليّ بن المدينيّ: إذا حدّثك ثقة عن منصور، فقد ملأت يديك، لا تزيد غيره. وقال عبد الرحمن بن مهديّ: منصورٌ أثبت أهل الكوفة. وقال سفيان: كنت لا أحدّث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا ردّه، فإذا قلت: عن منصور، سكت. وقال أحمد بن حنبل: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد. وقال يحيى بن معين: إذا اجتمع الأعمش، ومنصورٌ، فقدِّم منصورًا. وقال أبو حاتم: منصورٌ أتقن من الأعمش، لا يُخَلِّطُ، ولا يُدَلِّسُ. وقال الثوريّ: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة
стр. 306
منصورٌ، ثم مسعرٌ. وقال أحمد بن عبد الله: منصورٌ أثبت أهل الكوفة، وكان مثل القدح، لا يَختَلِف فيه أحدٌ، وصام ستّين، وقامها. وأما عبادته، وزهده، وورعه، وامتناعه من القضاء حين أُكره عليه، فأكثرُ من أن يحصر، وأشهر من أن يُذكر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى بتصرّف يسير.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الجواب الثاني هو الصواب؛ لأمرين:
[أحدهما]: أن الجواب الأول يردّه أن عادة أهل العلم في تقديم الأفضل، فالأفضل، ليس قاصرًا على التنبيه على مراتبهم، بل عادتهم تقديم الأفضل مطلقًا.
[الثاني]: أن الجواب الثاني يوافق عادتهم، حيث إنه قدّم الأفضل، على ما بيّنه في كلامه المذكور، فلم يخالف بذلك مسلم عادتهم، ومما يؤيّد هذا أن كلام مسلم رحمه الله تعالى هنا هو التمييز بين أهل الحفظ، والإتقان، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه في التقديم، فكان من حقّ منصور أن يُقدّم على إسماعيل، والأعمش، ويأتي الكلام هذا في تقديم الأعمش على إسماعيل، فإنه مقدّم في الحفظ والإتقان عليه، كما تقدّم من بيان ترجمتهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: قد ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى هنا الأعمش بلقبه، وهذا أول موضع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب، فلنذكر القاعدة التي وضعها أهل العلم في ذلك .
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء من أصحاب الحديث، والفقه، وغيرهم: يجوز ذكر الراوي بلقبه، وصفته، ونسبه الذي يكرهه، إذا كان المراد تعريفَهُ، لا تنقيصَهُ، وجُوِّز هذا للحاجة، كما جُوِّز جرحهم للحاجة، مثال ذلك الأعمش، والأعرج، والأحول، والأعمى، والأصمّ، والأشلّ، والأثرم، والزَّمِنُ، والمفلوج، وابن عُلَيّة، وغير ذلك، وقد صُنِّفت فيه كُتبٌ معروفة. انتهى (١).
وقال في "التقريب" مع شرحه "التدريب". ولا بأس بذكر من يُروَى عنه بلقب، كغُنْدَر، أو وصفٍ، كالأعمش، أو حِرْفَةٍ، كالحنّاط، أو أُمّ، كابن عُليّة، وإن كَرِهَ ذلك، إذا عُرِفَ بها، وقُصِدَ تعريفُهُ، لا عيبُهُ. انتهى (٢).
وقال الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث":
وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ ... أَوْ حِرْفَةٍ لا بأْسَ إِنْ لم يَعِبِ
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 307
ثم ذكر مسلمٌ رحمه الله تعالى مثالًا آخر زيادة في الإيضاح، فقال:
(وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلَاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مِعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ، وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، كَمَا أنّ ابْنَ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ، وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ، وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا، مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى في هذه الفِقْرة بضرب مثال آخر للمفاضلة بين الأقران في الحفظ والإتقان، فذكر من أصحاب الحسن البصريّ، وابن سيرين رحمهم الله تعالى راويين من الطبقة الأولى، وهما: عبد الله بن عون، وأيوب السختيانيّ، وراويين من الطبقة الثانية، وهما: عوف بن أبي جميلة، وأشعث بن عبد الملك الْحُمْرانيّ، فإن الأربعة، وإن كانوا يأخذون عن الحسن وابن سيرين كليهما، إلا أن الأولين في الدرجة العليا من كمال الحفظ وصحّة النقل، وإن كان الأخيران لا يُستهانُ بهما، ولا يُدفعان عن كونهما موصوفين بالصدق، والأمانة العلميّة، إلا أن المطلوب في هذا الباب هو الكمال في الحفظ والإتقان، زيادةً على الصدق، والأمانة. والله تعالى أعلم.
تراجم الأعلام المذكورين في هذه الفِقْرة:
(١) - (ابن عون) هو عبد الله عون بن أَرْطَبَان المزنيّ مولاهم، أبو عون الخزار بفتح المعجمة، أحد الأعلام. رأى أنس بن مالك، وروى عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبيّ، وخلق كثير. وروى عنه الثوريّ، وشعبة، وابن عُليّة، ويحيى القطّان، وخلائق.
قال ابن المديني: جُمع لابن عون من الإسناد ما لم يُجمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبيّ، والنخعيّ، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حَيْوة. قال عليّ: وقال بشر بن المفضّل: لقيت الثوريّ بمكة، فقلت له: مَنْ آمنُ مَنْ تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونس بن عبيد، قال عليّ: وهذا كان قبل أن يُحدّث ابن عون؛ لأنه لم يُحدّث إلا بعد موت أيوب، ومات ابن عون سنة (١٥١) بعد موت أيوب بعشرين سنة. وقال الثوريّ: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيميّ، وابن عون. وقال حمّاد بن زيد، عن ابن عون: وفدت عند الحسن، وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فُرش لي. وقال هشام بن
стр. 308
حسّان: حدّثني من لم تر عيناي مثله، وأشار إلى ابن عون. وكذا قال عثمان البتّيّ. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذُكر لي قبل أن أقدَم، ثم لقيته إلا وهو دون ما ذُكِر ﴿لي، إلا ابن عون، وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون، فودِدتُ أني لزمته حتى أموت، أو يموت. وقال ابن مهديّ: ما أحدٌ أعلم بالسنّة بالعراق من ابن عون. وقال قرّة: كنّا نتعجّب من وَرَع ابن سيرين فأنساناه ابن عون. وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. وقال النضر بن شميل، عن شُعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا، يقول فيه: أظنّ أني سمعته، أحبّ إليّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيًّا، وكان كثير الحديث ورِعًا. وقال الأنصاريّ: كان ابن عون لا يُسلّم على القدريّة، وكان يصوم يومًا، ويُفطر يومًا إلى أن مات، وتزوّج امرأة عربيّة، فضربه بلال بن أبي بُردة. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادةً، وفضلًا، وورَعًا، ونسكًا، وصلابةً في السنّة، وشدّةً على أهل البدع.
وفي "التقريب": ثقة ثبتٌ، فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ من الساسة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، والحقّ أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنس بن مالك ﵁، فهو مثل أيوب، والأعمش، ومما يؤيّد ذلك جَعْلُهُ له مثلَ أيوب في السنّ. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وكان مولده سنة (٦٦)، ومات سنة (١٥١) قيل في رجب. وقيل: (١٥٠) وقيل: (١٥٢) والأول أصحّ (١). روى له الجماعة، (٢) له عند مسلم في هذا الكتاب تسع وثلاثون حديثًا. والله تعالى أعلم.
(٢) - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ -بفتح المهملة، أو كسرها، بعدها معجمة ساكنة، ثم مثنّاة فوقيّة مكسورة، ثم تحتانيّة، وآخره نون- مولى عَنَزة، ويقال: مولى جُهينة، أبو بكر البصريّ الفقيه، أحد الأعلام. رأى أنس بن مالك ﵁، وروى عن عمرو بن سَلِمَة الجرميّ، وأبي رجاء العُطارديّ، وأبي عثمان النهديّ، والحسن، وعطاء، وأبي قلابة، وخلق كثير. وروى عنه ابن سيرين من شيوخه، وشعبة، والسفيانان، والحمّادان، وعبد الوارث، وابن علية، وخلائق.
قال ابن المديني: له نحو ثمانمائة حديث، وأما ابن علية، فكان يقول: حديثه ألفا حديث، فما أقل ما ذهب علي منها. وقال الجعد أبو عثمان: سمعت الحسن
стр. 309
يقول: أيوب سيد شباب أهل البصرة. وقال أبو الوليد، عن شعبة: حدّثني أيوب، وكان سيد الفقهاء، وقال حماد بن زيد: كان أيوب عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنّة. وقال الحميدي، عن ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث، جامعًا كثير العلم، حجة، عدلًا. وقال النسائي: ثقة ثبت. وروي أن شعبة سأله عن حديث، فقال: أشك فيه، فقال له: شكك أحبّ إليّ من يقين غيرك. وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين. وقال أيضًا: كتبت عنه لِما رأيت من إجلاله للنبي ﷺ . وقال أيضًا: كان من عبّاد الناس، وخيارهم، وقال هشام بن عروة: ما رأيت بالبصرة مثله. وعن ابن مهديّ: أيوب حجة أهل البصرة. وقال نافع: اشتَرَى لي هذا الطيلسان خير مشرقي رأيته، أيوب. وقال الدارقطنيّ: أيوب من الحفاظ الأثبات.
وفي "التقريب": ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد من الخامسة.
وقال ابن علية: وُلد أيوب سنة (٦٦). وقال غيره: سنة (٦٨). وقال البخاريّ، عن ابن المدينيّ: مات سنة (١٣١) زاد غيره: وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل: غير ذلك في موته.
روى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (١٨٦) حديثًا (١).
(٣) - (عوف بن أبي جَمِيلة) العبديّ، أبو سهل الهجريّ البصريّ، المعروف بالأعرابي. واسم أبي جميلة: بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رزينة. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الوليد بن عتبة، عن مروان بن معاوية: كان يُسمى الصدوق. وحكى العقيلي، عن ابن المبارك، قال: والله ما رضي عوف ببدعة واحدة حتى كانت فيه بدعتان: قدري شيعي. وقال الأنصاري: رأيت داود ابن أبي هند يضرب عوفًا، ويقول: ويلك يا قدري. وقال في "الميزان": قال بندار، وهو يقرأ لهم حديث عوف: لقد كان قدريا، رافضيا، شيطانا. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، قال: وقال بعضهم: يرفع أمره، إنه ليجيء عن الحسن بشيء ما يجيء به أحد. قال: وكان يتشيع، ومات سنة (١٤٦) وقال أبو داود: مات سنة (١٤٧) وقال أبو عاصم: دخلنا عليه سنة ستّ فقلنا: كم أتى لك؟ قال: (٨٦) سنة وقال ابن حبّان: كان مولده سنة (٥٩). وفي "التقريب": ثقة رمي بالقدر من السادسة.
стр. 310
روى له الجماعة، وله عند مسلم حديث واحد، حديث عمران بن حصين الطويل في قضاء الصلاة الفائتة، رقم ٦٨٢ "ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: يا نبيّ الله أصابتني جنابة ... " الحديث (١).
(٤) - (أشعث) بن عبد الملك الحُمْرانيّ، مولى حُمْران، أبو هانئ البصريّ. روى عن الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول، وغيرهم. وعنه شعبة، وهُشيمٌ، وخالد بن الحارث، وغيرهم. وثّقه بُندار، وابن معين، والنسائيّ، والبزّار. وقال أبو زرعة: صالحٌ. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحدّانيّ، وأصلح من ابن سوّار. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: هو عندي ثقة مأمون. وقال ابن معين، عنه: لم أُدرك أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه. وقال أيضًا: لم ألق أحدًا يُحدّث عن الحسن أثبت منه. وقال أيضًا: هو أحبّ إلينا من أشعث بن سوّار. وقال البخاريّ: كان يحيى بن سعيد، وبشر بن المفضّل يُثبّتون الأشعث الحمرانيّ. وعن أحمد بن حنبل، قال: هو أحمد في الحديث من أشعث بن سوّار، روى عنه شعبة، وما كان أرضى يحيى بن سعيد عنه، كان عالمًا بمسائل الحسن. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان فقيهًا متقنًا. وقال ابن عديّ أحاديثه عامّتها مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه، ويُحتجّ به، وهو في جملة أهل الصدق، وهو خيرٌ من أشعث بن سوّار بكثير. قال الفلّاس: مات سنة (١٤٢) وقال ابن سعد، وغيره: سنة (٤٦).
وقال في "التقريب": ثقة فقيهٌ من السادسة.
علّق عنه البخاريّ، وروى له الأربعة، وليس له عند المصنّف شيء من الروايات، إلا أنه ذكره في المقدّمة هنا.
(٥) - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، أبو سعيد، مولى الأنصار، وأمّه خيرةُ مولاة أم سلمة. قال ابن سعد: وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، ونشأ بوادي القرى، وكان فَصيحًا. رأى عليًّا، وطلحة، وعائشة ﵂، وكتب للربيع بن زياد والي خُرَاسان في عهد معاوية ﵁.
روى عن عثمان، وعليّ، وأبي موسى، وأبي بكرة، وعمران بن حُصين، وجندب البجليّ، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاص، ومعاوية، ومعقل بن يسار، وأنس، وجابر، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
стр. 311
وروى عنه حميدٌ الطويل، وبُريد بن أبي مريم، وأيوب، وقتادة، وعوف الأعرابيّ، وبكر بن عبد الله الْمُزنيّ، وخلق كثير.
قال أنس بن مالك ﵁: سلوا الحسن، فإنه حفِظ، ونسينا. وقال سليمان التيميّ: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال مطرٌ الورّاق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يُخبر عمّا رأى وعاين. وقال محمد ابن فُضيل، عن عاصم الأحول: قلت للشعبيّ لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة، فأقرِىءِ الحسن منّي السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة، فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك، وأهيبه في صدرك، فأقرئه منّي السلام، قال: فما عدا أن دخل المسجد، فرأى الحسن، والناس حوله جلوسٌ فسلّم عليه. وقال أبو عوانة، عن قتادة: ما جالست فقيهًا قطّ إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال أيوب: ما رأت عيناي رجلًا قطّ كان أفقه من الحسن. وقال غالبٌ القطّان، عن بكر المزنيّ: من سرّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه في زمانه، فلينظر إلى الحسن فما أدركنا الذي هو أعلم منه. وقال يونس بن عُبيد: إن كان الرجل ليرى الحسن، لا يسمع كلامه، ولا يري عمله، فينتفع به. وقال حمّاد بن سلمة، عن يونس بن عُبيد، وحُميد الطويل: رأينا الفقهاء، فما رأينا أكمل مروءةً من الحسن. وقال الحجّاج بن أرطاة: سألت عطاء بن أبي رباح فقال لي: عليك بذاك -يعني الحسن- ذاك إمام ضخم، يُقتدى به. وقال أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس: اختلفتُ إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك. وقال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة، حتى نطق بها، وكان إذا ذُكر عند أبي جعفر -يعني الباقر- قال: ذاك الذي يُشبه كلامه كلام الأنبياء. وقال سليمان بن كثير، عن يونس بن عُبيد قال: ولّاه عليّ بن أرطاة قضاء البصرة -يعني الحسن- في أيام عمر بن عبد العزيز، ثم استعفي. وقال ابن حبّان في "الثقات": احتلم سنة (٣٧)، وأدرك بعض صفّين، ورأى مائة وعشرين صحابيًا، وكان يُدلّس، وكان من أفصح أهل البصرة، وأجملهم، وأعبدهم، وأفقههم. وعن ابن عون قال: سمعت الحسن يقول: من كذّب بالقدر، فقد كفر. وقال أبو داود: لم يحُجّ الحسن إلا حجّتين، وكان من الشجعان. قال جعفر بن سليمان: كان المهلّب يقدّمه - يعني في الحرب-. وقال حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان: كنا عند محمد -يعني ابن سيرين- عشيّة يوم الخميس، فدخل عليه رجلٌ بعد العصر، فقال: مات الحسن، قال: فترحّم عليه محمد، وتغيّر لونه، وأمسك عن الكلام. قال ابن عُليّة، والسّريّ بن يحيى: مات سنة (١١٠) زاد ابن عليّة: في رجب. وقال ابنه عبد الله: هلك أبي، وهو ابن نحو من (٨٨) سنة.
стр. 312
وقال في "التقريب": ثقة فقيه، فاضلٌ، مشهورٌ، وكان يُرسل، ويدلّس، قال البزّار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم، فيتجوّز، ويقول: حدّثنا، وخطبنا، -يعني قومه الذين حدّثوا، وخطبوا بالبصرة- وهو رأس أهل الطبقة الرابعة (١).
روى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ستة وعشرون حديثًا. والله تعالى أعلم.
(٦) - (ابن سيرين) هو محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، إمام وقته.
روى عن مولاه أنس بن مالك ﵁، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ بن أبي طالب، وجندب بن عبد الله البجليّ، وغيرهم. وروى عنه الشعبيّ، وثابت، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وابن عون، وقتادة، وأشعث بن عبد الملك الحمرانيّ، وغيرهم.
قال ابن عون: كان ابن سيرين يُحدّث بالحديث على حروفه. وقال هشام بن حسّان: حدّثني أصدق من أدركته من البشر، محمد بن سيرين. وقال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: بصريّ، تابعيّ، ثقة، وهو من أروى الناس عن شُريحٍ بن عُبيد، وإنما تأدّب بالكوفيين، أصحاب عبد الله. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، عاليًا، رفيعًا، فقيهًا، إمامًا كثير العلم، وَرِعًا، وكان به صمم. وقال ابن المدينيّ: أصحاب أبي هريرة ستةٌ. ابن المسيّب، وأبو سلمة، والأعرج، وأبو صالح، وابن سيرين، وطاووس، وكان همام بن منّبه حديثه حديثهم إلا أحرفًا. وقال حماد بن زيد، عن عاصم الأحول: سمعت مُوَرِّقًا يقول: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال أبو قلابة: اصرفوه حيث شئتم، فلَتَجِدُنَّه أشدّكم ورعًا، وأملككم لنفسه. وقال معتمر، عن ابن عون: كان من أرجى الناس لهذه الأمَّة، وأشدّهم أزراءً على نفسه. وقال معاذ بن معاذ، عن ابن عون: لم أر في الدنيا مثل ثلاثة: محمد بن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيْوةَ بالشام، ولم يكن في هؤلاء مثل محمّد. وقال حمّاد بن زيد، عن شُعيب بن الحبحاب: كان الشعبيّ يقول لنا: عليكم بذاك الأصمّ. وقال حمّاد، عن عثمان الْبَتّيّ: لم يكن بالبصرة أحدٌ أعلم بالقضاء منه.
وقال ابن سعد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري عن السبب الذي حُبِس محمد
стр. 313
لأجله؟ فقال: كان اشترى طعامًا بأربعين ألفًا، فأُخبر عن أصله بشيءٍ كرهه، فتصدّق به، وبقي المال عليه، فحُبس، حَبَسَته امرأة. وعن ثابت البنانيّ، قال: قال لي محمد ابن سيرين: كنت أمتنع من مجالستكم مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتّى أُخذ بلحيتي، وأُقمتُ على الْمِصْطَبّة (١)، وقيل: هذا محمد بن سيرين أكل أموال الناس. ويُرْوَى في سبب حبسه غيرُ ذلك.
قال حمّاد بن زيد: مات الحسن أوَّلَ يوم من رجب سنة عشر ومائة، وصلّيتُ عليه، ومات محمد لتسعٍ مضَينَ من شوّال منها. وقال ابن حبّان: كان محمد بن سيرين من أورع أهل البصرة، وكان فقيهًا، فاضِلًا، حافظًا، متقِنًا، يُعبّر الرؤيا، مات وهو ابن (٧٧) سنة، وكان كاتِب أنس بن مالك ﵁ بفارس.
وقال في "التقريب": ثقة عابد كبيرُ القدرِ، كان لا يرى الرواية بالمعنى من الثالثة (٢).
روى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ثمانية وثمانون حديثًا. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (وفي مثل مجرى هؤلاء) متعلق بمقدر يدل عليه السياق، أي ويجري التفاوت في المراتب مثل ما جرى لهؤلاء.
و"مجرى" يحتمل أن يكون بفتح الميم من جرى، أو أن يكون بضمها من أجرى، وهو موضع الجري، واسم الإشارة راجع إلى المذكورين من الصنفين السابقين. أحدهما: منصور، والأعمش، وإسماعيل، والثاني: عطاء، ويزيد، وليث.
والمعنى: أنك (إذا وازنت) أي قارنت، وقابلت، وتقدم أنه ضبط أيضًا بالياء التحتية بدل النون (بين الأقران) بفتح الهمزة، جمع قرن بكسر، فسكون، مثل حمل وأحمال: وهو من يقامك في علم، أو قتال، أو غير ذلك. قاله الفيومي (كـ) عبد الله (بن عون) بن أَرْطبان، (وأيوب السختياني) بفتح السين المهملة، وكسر التاء المثناة، قال أبو عمر بن عبد البر: كان أيوب يبيع الجلود بالبصرة، فلهذا قيل له: السختياني. قاله النوويّ (٣). وهكذا ضبطه ابن الأثير في "اللباب"، وقال: نسبة إلى عمل السختِيان،
стр. 314
وبيعه، وهو الجلود الضأنيّة، ليست بأَدَم. انتهى (١). وضبطه السيوطيّ في "لب اللباب" بكسر أوّله والفوقيّة، وتخفيف التحتيّة (٢). وقال المجد: السِّخْتِيان، ويُفتحُ: جِلْدُ الماعز إذا دُبغ، معرَّبٌ، وبلدٌ، منه أيوب السِّختيانيّ. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام المجد هذا يدلّ على أن أيوب منسوب إلى البلد، لا إلى بيع الجلود، ولعلّ أيوب كان من تلك البلدة، وكان يبيع الجلود أيضًا، والله تعالى أعلم.
(مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ) المعروف بالأعرابيّ، قيل: لم يكن أعرابيًّا، وإنما لُقّب بذلك لفصاحته، واسم أبي جميلة بندويه، ويقال: زريبة، كما تقدّم (وَأَشْعَثَ) بن عبد الملك (الْحُمْرَانيِّ) بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها راء: نسبة إلى حُمْران مولى عثمان بن عفَّان ﵁ (وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ) البصريّ (وَ) محمد (بْنِ سِبيرِينَ) يعني أنهما رويا عنهما الأحاديث الكثيرة (كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنِ، وَأيُوبَ صَاحِبَاهُمَا) أي صاحبا الحسن، وابن سيرين، رويا عنهما كما روى الأوّلان (إلا أَنَّ الْبَوْنَ) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الواو: ومعناه الفَرْقُ. قاله النوويّ.
وقال الفيّوميّ: البَوْنُ: الفضل والمزيّة، وهو مصدرُ بانهُ يَبُونه بَوْنًا: إذا فَضَلَهُ، وبينهما بَوْنٌ: أي بين درجتيهما، أو بين اعتبارهما في الشرف، وأما في التباعُد الجِسمانيّ، فتقول: بينهما بَيْنٌ بالياء. انتهى (٤).
وقال في "القاموس"، وَ "شرحه": الْبُون بالضمّ: مسافة ما بين الشيئين، ويُفتح، يقال: بينهما بُون بعيدٌ، ورحبهما، أو اعتبارهما، ويُطلق على الفضل والمزيّة. انتهى (٥).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يستفاد مما ذُكر أن البون في كلام المصنّف رحمهُ الله تعالى يجوز فيه ضم الباء، وفتحها، والمعنى المناسب له هو الفَرْق. والله تعالى أعلم.
(بَيْنَهُمَا) أي بين ابن عون، وأيوب (وَبَيْنَ هَذَيْنِ) أي بين عوف، وأشعث (بَعِيدٌ، في كَمَالِ الْفَضْلِ) متعلّق بـ "البون"، اعتُرض بينهما بخبر "أَنّ" وهو "بعيد". و "الفضل". معناه الزيادة، يقال: فضل فضلًا، من باب قتل: زاد، ويقال: خُذ الفضل: أي الزيادة، والجمع فُضُول، مثلُ فلس وفلوس. والفضلُ أيضًا الخيرُ، كالفَضِيلة. أفاده الفيّوميّ.
стр. 315
والمراد بالزيادة هنا زيادة الحفظ والإتقان.
وقوله (وَصِحَّةِ النَّقْلِ) بالجرّ عطف على "الفضل" ومعنى صحّة النقل صحّة أخذ الأحاديث، وحفظها عن الشيوخ (وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ) أي مُبْعَدَين (عِنْ صِدْقِ، وَأَمانَةٍ، عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) يعني أنهما عند العلماء بالحديث من أهل الصدق في الحديث، والأمانة في حفظ ما سمعوه، وتأديته إلى غيرهم (وَلَكِنَّ الْحَالَ) منصوب على أنه اسم "لكّن" بالتشديد، ويحتمل تخفيفها، فيكون "الحالُ" مبتدأ خبره قوله: "ما وصفنا"، أي لكن الشأن في التمييز بين مراتب الأقران (مَا وَصَفْنَا) "ما" اسم موصول، والعائد محذوف، أي وصفناه، وحذفه في مثل هذا جائزٌ، كما قال ابن مالك رحمه اللهُ تعالى في "خلاصته":
...................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلي
فِب عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إن انْتَصَبْ ... بفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُوا يَهَبْ
وقوله (مِنَ الْمَنْزِلَةِ) بيانٌ لـ "ما" (عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ) متعلّق بصفة لـ "لمنزلة"، أو بحال منه، لأن المحلّى بـ "أل" الجنسيّة يجوز فيه الاعتباران، كما في قول الشاعر:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... وَمَضَيتُ ثُمَّتُ قُلْتُ لا يَعْيِنِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم بيّن رحمه اللهُ تعالى السبب الذي حمله على إيضاح هذه المسألة بضرب الأمثلة، بقوله:
(وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاء في التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً، يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ في الْعِلْم فَوقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنْزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ"، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. فَعَلَى نحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة:
بيّن رحمه الله تعالى في هذا الكلام السبب الباعث له لضرب الأمثلة بذكر صنفين من الأقران: أحدهما: في أعلى المراتب، من الحفظ والإتقان، والثاني: في أوسط المراتب، ليسوا في المرتبة العليا حتى يساووا الأولين، وليسوا في المرتبة الدنيا، حتى يُتركوا مثل أهل المرتبة الآتية بعدهم، فهم -وإن لم يكونوا مثلهم في حفظهم وإتقانهم-
стр. 316
لكنهم مثلهم في صدقهم، وأمانتهم، وإنما فعل ذلك لأجل أن يَتَّضِحَ لمن لا يعرف، أو لا يُحسِن هذه الصناعة طريقُ الوصول إلى معرفة المراتب، حتى لا يلتبس عليه، ويختلط، فيُقَصِّر في العالي المنزلة، فيضعه في أدنى من درجته، ولا يرفع النازل المنزلة، فيضعه فوق منزلته، فإنه إذا عَرَف هذا العدم، ودرس مراتب الرجال، وتفاوتهم في الحفظ والإتقان تيسر له إنزال كل في منزلته التي يستحقها، فيكون بذلك قد أعطى كل ذي حق حقه، كما أُمِر بذلك فيما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ في هذا الحديث الذي سنتكلم عن درجته قريبا، إن شاء الله تعالى، وأيضًا قد بَيَّن الله تفاوت أهل العلم في درجات العلم، حيث قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وليس هذا البيان مجرد إخبار فقط، بل المقصود أن يُنَزّل كل عالم في منزلته، ويُقَدَّم في مرتبة، ويُراعى لكلّ ذي حقٍّ حقه، ويُعطَى مستحقه.
قال: فعلى هذا الطريق الذي بينه يؤلّف الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ التي سأله الطالب أن يؤلفها له. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (وإنما مثلنا هؤلاء) الإشارة إلى منصور، والأعمش، وإسماعيل، ومقابلهم: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وإلى ابن عون، وأيوب، ومقابلهما عوف، وأشعث، أي إنما ذكرنا هؤلاء أمثلة (في التسمية) أي التنصيص بتعيين أسمائهم (ليكون تمثيلهم سمة) -بكسر السين المهملة، وتخفيف الميم-: أي علامة. قال الفيومي: وسمت الشيء وسما، من باب وعد، والاسم: السمة، وهي العلامة، ومنه الموسم؛ لأنه معلم يجتمع إليه، ثم جعل الوسم اسما، وجمع على وُسُوم، مثل فلس وفلوس، وجمع السمة سمات، مثل عدة وعدات. انتهى (١).
(يَصدُر عن فهمها) -بضم الدال المهملة، يقال: صدر عن الموضع صدرا، من باب قتل: رجع قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا ... صدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا
فـ "صدرَ" مصدر، والاسم "الصدر" بفتحتين. قاله الفيومي.
وقال النووي رحمه الله تعالى: "يصدُر": أي يرجع، يقال: صدر عن الماء، والبلاد، والحج: إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره، فمعنى "يصدر عن فهمها": ينصرف عنها بعد فهمها، وقضاء حاجته منها. انتهى.
стр. 317
وقوله (من) بفتح الميم، اسم موصول في محل رفع فاعل "يصدر" (غَبي عليه) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الباء، من باب تعب: أي خفي عليه. قال في "اللسان": غبي الشيء، وغبي عنه، كرضي غِبًا، وغَبَاوَةً: لم يفطن له، قال الشاعر [من الرجز]:
فِي بَلْدَةٍ يَغْبَى بِهَا الْخِرِّيتُ
أي يخفى. وقال ابن الرقاع [من الطويل]:
أَلَا رُبَّ لَهْوٍ آنِسٍ وَلَذَاذَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ يُغْبِيهِ الْخِبَاءُ الْمُسَتَّرُ
وغَبِيَ الأمر عني: خَفِي، فلم أعرفه. انتهى (١).
وذكر السنوسي في "شرحه": أنه يروى "عيي" بالعين المهملة، وياءين مثناتين، ويروى "عمي"، "بالعين والميم". انتهى (٢).
وقوله (طريق أهل العلم) بالرفع فاعل "غبي" (في ترتيب أهله فيه) الضميران للعلم: أي ترتيب أهل العلم في مراتب العلم. وقوله "في ترتيب" متعلق بصفة مقدرة لـ "طريق أهل العلم"، أي الكائنة في ترتيب أهله، أو حال منه. وقوله: "فيه" متعلق بـ "ترتيب".
(فلا يُقَصّر بالرجل) الفاء فصيحية، والفعل مرفوع: أي فإذا علم طريق أهل العلم في ترتيب أهله فيه، فإنه لا يقتصر بالرجل العالي القدر الخ. يقال: قَصَرتُ عن الشيء قصورا من باب قعد: إذا عجزتَ عنه، ولم تبلغه، ومنه قَصرَ السهم عن الهدف قصورا: إذا لم يبلغه. أفاده في "الصحاح".
فقوله: "يقصّر" بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، مبنيا للمفعول، والنائب عن الفاعل هو الجارّ والمجرور بعده، ويتحمل أن يكون "يُقَصِّرُ" مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير "مَنْ" في قوله: "من غَبِي عليه".
وفي نسخة "فلا نقصر" بنون المتكلم مبنيًا للفاعل، وكذا قوله: "ولا نرفع" وعليه فيكون ما بعده مفعولًا.
وقوله: (العالي القدر) صفة لـ "الرجل"، وهو من إضافة اسم الصفة إلى مرفوعها. وقوله: (عن درجته) متعلق بـ "يقصر".
والمعنى: لئلا يُبْخَسَ، ويُحَطَّ الرجلُ العالي الدرجة عن درجته العالية إلى منزلته السافلة جهلًا.
(ولا يرفع) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، كما سبق آنفًا (مُتَّضِع القدر في العلم)
стр. 318
اسم فاعل من اتّضَعَ افتعال من الضَّعَة، يقال: وُضِع في حسبه مبنيًا للمفعول، فهو وَضِيعٌ: أي ساقط، لا قدر له، والاسم الضَّعَةُ، بفتح الضاد، وكسرها، ومنه قيل: وُضِعَ في تجارته وَضِيعَةً: إذا خَسِرَ. أفاده الفيومي (١).
وقال المجد: وَضَعَه يَضَعُه بفتح ضادهما وَضْعًا، ومَوْضِعًا، ويفتح ضادهما، وموضوعًا: حَطَّه، ووَضَعَ عنه: حَطَّ من قدره. وَوُضِعَ في تجارته، يعني: خَسِرَ. انتهى باختصار (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد أن وضع بمعنى حط من قدره مبنيٌّ للفاعل. والله تعالى أعلم.
(فوق منزلته) متعلق بـ "يرفع" (ويعطى) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (كلُّ ذي) أي صاحب (حق فيه) أي في العلم متعلّق بـ "يُعطى". وقوله: (حقَّه) بالنصب على أنه المفعول الثاني لـ "يُعطى": أي ليُعطَى كلُّ مستحقّ ما يستحقّة من المنزلة العلمية (وينزل) بالبناء للمفعول، أيضًا، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منزلته) بفتح الميم، وكسر الزاي، أو بضم الميم، وفتح النون، وتشديد الزاي بصيغة اسم المفعول المضعّف: أي مكانته التي استحقها. ويحتمل أن يبني كل من "يعطي"، و "ينزل" للفاعل، على التوجيه الذي ذكرناه قبله، أي يعطي من خفي عليه طريق أهل العلم بعد أن يتضح له الطريق كل ذي حق حقه، وينزله منزلته. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رحمه اللهُ تعالى دليلا على ما ذكره من وجوب مراعاة تفاوت الرجال، وتنزيلهم منازلهم التي تليق بهم فقال:
(وقد ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عن عائشة ﵂) هي بنت أبي بكر الصديق ﵁، أم المؤمنين التيمية، تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، وأمها أم رُومان بنت عامر، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ ، إلا خديجة، ففيها خلاف شهير. قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة ﵂، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله تعالى، المبرأة من فوق سيع سماوات. وقال أبو الضحى، عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ أمرٌ قط، فسألنا عنه عائشة ﵂ إلا وجدنا عندها منه علمًا. ويُروَى عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كان عروة
стр. 319
يغلبنا بدخوله على عائشة ﵂، وكانت أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب محمد ﷺ ، ويسألونها عن الفرائض. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، وشعر من عائشة ﵂. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة ﵂ أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة. وقال الزهري: لو جُمع علم عائشة ﵂ إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ ، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة ﵂ أفضل. وقال أبو عثمان النهدي، عن عمرو بن العاص: قلت لرسول ﷺ : أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة ﵂"، قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". وقال أبو موسى الأشعريُّ وغيره، عن النبي ﷺ : "فضل عائشة ﵂ على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام". متّفقٌ عليه، ومناقبها، وفضائلها كثيرة جدًّا. وفي الصحيح عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت ست سنين، ودخل بي وأنا بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثماني عشرة سنة. توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (٥٨) عند الأكثر. وقال ابن عيينة، عن هشام بن عروة: ماتت سنة (٥٧) وصححه في "التقريب"، ودفنت بالبقيع. أخرج لها الجماعة، وقد ذكر ابن الجوزي في "المجتبى" ص ٩٢ أنها روت عن رسول الله ﷺ (٢٢١٠) حديثًا، أخرج لها منها في "الصحيحين" (٢٩٧) حديثًا، المتفق عليه منها (١٧٤) حديثًا، وانفرد البخاري (٥٤)، ومسلم (٩٦) حديثًا (١). والله تعالى أعلم.
(أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس) بضم أوله، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منازلهم) أي في مراتبهم المتفاوتة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث بيّن في إيتاء كل ذي حق حقه، وتبليغه منزلته في كل باب، كما احتج به مسلم في تطبيق الرواة، وتعريف مراتبهم، ومزية بعضهم على بعض، إلا ما ساوى الله تعالى بينهم فيه، من الحدود، والحقوق. انتهى (٢).
وذكر الحافظ السخاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه "الجواهر والدّرر": ما نصُّه: المراد بالحديث الحضّ على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس؛ لقوله ﷺ : "لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ... "، فيُقدِّم الإمام في القرب منه الأفضل، فالأفضل، من البالغين،
стр. 320
والعقلاء إكرامًا لهم، ويُعامل كلّ أحد بما يُلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن الله أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، وكذا في القيام والمخاطبة والمكاتبة، وغير ذلك من الحقوق. نعم سوّى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها، لكن في التعازير يُعزّر كلُّ أحد بما يليق به. وبهذا الحديث تمسّك المتكلّمون في التعديل والتجريح لرواة الأخبار؛ ليتميّز صالحهم من طالحهم.
قال: وقال أبو أحمد العسكريّ في "الأمثال": هذا مما أدّب به النبيّ ﷺ أمته في إيفاء الناس حقوقهم، من تعظيم العلماء، وإكرام ذي الشيبة، وإجلال الكبير، وما أشبهه. انتهى ما ذكره السخاويّ رحِمَهُ اللهُ تعالى (١).
(مع ما نطق به القرآن) الكريم (من قول الله تعالى) "من" بيان لـ "ما" ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] عن ابن عباس ﵄ ما قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة، وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود. وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى: ليس عالم، إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله (٢).
(فَعَلَى نحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ) أراد بنحو ما ذكره ما سبق له من أنه يقدم الأخبار التي رواتها أهل استقامة وإتقان، لا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فإذا انتهى من هذا الصنف أتبعه أخبار أهل الصدق والستر الذين ليسوا في الحفظ والإتقان مثل السابقين (نُؤَلِّفُ) بتشديد اللام، من التأليف: أي نجمع (ما) موصولة مفعول "نؤلّف" (سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ) بيان لـ "ما": أي نجمع الأخبار التي سألت أن نجمعها لك (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) متعلق بصفة لـ "الأخبار"، أي المروية عنه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألة: في الكلام على حديث عائشة ﵂ المذكور:
قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "وقد ذُكر عن عائشة ﵂ أنها قالت الخ": هذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحّته، وبالنظر إلى أنه احتجّ به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه "كتاب معرفة علوم الحديث" بصحته، وأخرجه أبو داود في "سننه" بإسناده منفردًا به، وذكر أن الراوي له عن عائشة ﵂ ميمون ابن شبيب, ولم يُدركها. قال الشيخ ابن الصلاح رحمه اللهُ تعالى، وفيما قاله أبو داود نظر،