لكنهم مثلهم في صدقهم، وأمانتهم، وإنما فعل ذلك لأجل أن يَتَّضِحَ لمن لا يعرف، أو لا يُحسِن هذه الصناعة طريقُ الوصول إلى معرفة المراتب، حتى لا يلتبس عليه، ويختلط، فيُقَصِّر في العالي المنزلة، فيضعه في أدنى من درجته، ولا يرفع النازل المنزلة، فيضعه فوق منزلته، فإنه إذا عَرَف هذا العدم، ودرس مراتب الرجال، وتفاوتهم في الحفظ والإتقان تيسر له إنزال كل في منزلته التي يستحقها، فيكون بذلك قد أعطى كل ذي حق حقه، كما أُمِر بذلك فيما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ في هذا الحديث الذي سنتكلم عن درجته قريبا، إن شاء الله تعالى، وأيضًا قد بَيَّن الله تفاوت أهل العلم في درجات العلم، حيث قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وليس هذا البيان مجرد إخبار فقط، بل المقصود أن يُنَزّل كل عالم في منزلته، ويُقَدَّم في مرتبة، ويُراعى لكلّ ذي حقٍّ حقه، ويُعطَى مستحقه.
قال: فعلى هذا الطريق الذي بينه يؤلّف الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ التي سأله الطالب أن يؤلفها له. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (وإنما مثلنا هؤلاء) الإشارة إلى منصور، والأعمش، وإسماعيل، ومقابلهم: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وإلى ابن عون، وأيوب، ومقابلهما عوف، وأشعث، أي إنما ذكرنا هؤلاء أمثلة (في التسمية) أي التنصيص بتعيين أسمائهم (ليكون تمثيلهم سمة) -بكسر السين المهملة، وتخفيف الميم-: أي علامة. قال الفيومي: وسمت الشيء وسما، من باب وعد، والاسم: السمة، وهي العلامة، ومنه الموسم؛ لأنه معلم يجتمع إليه، ثم جعل الوسم اسما، وجمع على وُسُوم، مثل فلس وفلوس، وجمع السمة سمات، مثل عدة وعدات. انتهى (١).
(يَصدُر عن فهمها) -بضم الدال المهملة، يقال: صدر عن الموضع صدرا، من باب قتل: رجع قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا ... صدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا
فـ "صدرَ" مصدر، والاسم "الصدر" بفتحتين. قاله الفيومي.
وقال النووي رحمه الله تعالى: "يصدُر": أي يرجع، يقال: صدر عن الماء، والبلاد، والحج: إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره، فمعنى "يصدر عن فهمها": ينصرف عنها بعد فهمها، وقضاء حاجته منها. انتهى.
стр. 317
وقوله (من) بفتح الميم، اسم موصول في محل رفع فاعل "يصدر" (غَبي عليه) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الباء، من باب تعب: أي خفي عليه. قال في "اللسان": غبي الشيء، وغبي عنه، كرضي غِبًا، وغَبَاوَةً: لم يفطن له، قال الشاعر [من الرجز]:
فِي بَلْدَةٍ يَغْبَى بِهَا الْخِرِّيتُ
أي يخفى. وقال ابن الرقاع [من الطويل]:
أَلَا رُبَّ لَهْوٍ آنِسٍ وَلَذَاذَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ يُغْبِيهِ الْخِبَاءُ الْمُسَتَّرُ
وغَبِيَ الأمر عني: خَفِي، فلم أعرفه. انتهى (١).
وذكر السنوسي في "شرحه": أنه يروى "عيي" بالعين المهملة، وياءين مثناتين، ويروى "عمي"، "بالعين والميم". انتهى (٢).
وقوله (طريق أهل العلم) بالرفع فاعل "غبي" (في ترتيب أهله فيه) الضميران للعلم: أي ترتيب أهل العلم في مراتب العلم. وقوله "في ترتيب" متعلق بصفة مقدرة لـ "طريق أهل العلم"، أي الكائنة في ترتيب أهله، أو حال منه. وقوله: "فيه" متعلق بـ "ترتيب".
(فلا يُقَصّر بالرجل) الفاء فصيحية، والفعل مرفوع: أي فإذا علم طريق أهل العلم في ترتيب أهله فيه، فإنه لا يقتصر بالرجل العالي القدر الخ. يقال: قَصَرتُ عن الشيء قصورا من باب قعد: إذا عجزتَ عنه، ولم تبلغه، ومنه قَصرَ السهم عن الهدف قصورا: إذا لم يبلغه. أفاده في "الصحاح".
فقوله: "يقصّر" بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، مبنيا للمفعول، والنائب عن الفاعل هو الجارّ والمجرور بعده، ويتحمل أن يكون "يُقَصِّرُ" مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير "مَنْ" في قوله: "من غَبِي عليه".
وفي نسخة "فلا نقصر" بنون المتكلم مبنيًا للفاعل، وكذا قوله: "ولا نرفع" وعليه فيكون ما بعده مفعولًا.
وقوله: (العالي القدر) صفة لـ "الرجل"، وهو من إضافة اسم الصفة إلى مرفوعها. وقوله: (عن درجته) متعلق بـ "يقصر".
والمعنى: لئلا يُبْخَسَ، ويُحَطَّ الرجلُ العالي الدرجة عن درجته العالية إلى منزلته السافلة جهلًا.
(ولا يرفع) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، كما سبق آنفًا (مُتَّضِع القدر في العلم)
стр. 318
اسم فاعل من اتّضَعَ افتعال من الضَّعَة، يقال: وُضِع في حسبه مبنيًا للمفعول، فهو وَضِيعٌ: أي ساقط، لا قدر له، والاسم الضَّعَةُ، بفتح الضاد، وكسرها، ومنه قيل: وُضِعَ في تجارته وَضِيعَةً: إذا خَسِرَ. أفاده الفيومي (١).
وقال المجد: وَضَعَه يَضَعُه بفتح ضادهما وَضْعًا، ومَوْضِعًا، ويفتح ضادهما، وموضوعًا: حَطَّه، ووَضَعَ عنه: حَطَّ من قدره. وَوُضِعَ في تجارته، يعني: خَسِرَ. انتهى باختصار (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد أن وضع بمعنى حط من قدره مبنيٌّ للفاعل. والله تعالى أعلم.
(فوق منزلته) متعلق بـ "يرفع" (ويعطى) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (كلُّ ذي) أي صاحب (حق فيه) أي في العلم متعلّق بـ "يُعطى". وقوله: (حقَّه) بالنصب على أنه المفعول الثاني لـ "يُعطى": أي ليُعطَى كلُّ مستحقّ ما يستحقّة من المنزلة العلمية (وينزل) بالبناء للمفعول، أيضًا، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منزلته) بفتح الميم، وكسر الزاي، أو بضم الميم، وفتح النون، وتشديد الزاي بصيغة اسم المفعول المضعّف: أي مكانته التي استحقها. ويحتمل أن يبني كل من "يعطي"، و "ينزل" للفاعل، على التوجيه الذي ذكرناه قبله، أي يعطي من خفي عليه طريق أهل العلم بعد أن يتضح له الطريق كل ذي حق حقه، وينزله منزلته. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رحمه اللهُ تعالى دليلا على ما ذكره من وجوب مراعاة تفاوت الرجال، وتنزيلهم منازلهم التي تليق بهم فقال:
(وقد ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عن عائشة ﵂) هي بنت أبي بكر الصديق ﵁، أم المؤمنين التيمية، تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، وأمها أم رُومان بنت عامر، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ ، إلا خديجة، ففيها خلاف شهير. قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة ﵂، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله تعالى، المبرأة من فوق سيع سماوات. وقال أبو الضحى، عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ أمرٌ قط، فسألنا عنه عائشة ﵂ إلا وجدنا عندها منه علمًا. ويُروَى عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كان عروة
стр. 319
يغلبنا بدخوله على عائشة ﵂، وكانت أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب محمد ﷺ ، ويسألونها عن الفرائض. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، وشعر من عائشة ﵂. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة ﵂ أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة. وقال الزهري: لو جُمع علم عائشة ﵂ إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ ، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة ﵂ أفضل. وقال أبو عثمان النهدي، عن عمرو بن العاص: قلت لرسول ﷺ : أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة ﵂"، قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". وقال أبو موسى الأشعريُّ وغيره، عن النبي ﷺ : "فضل عائشة ﵂ على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام". متّفقٌ عليه، ومناقبها، وفضائلها كثيرة جدًّا. وفي الصحيح عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت ست سنين، ودخل بي وأنا بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثماني عشرة سنة. توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (٥٨) عند الأكثر. وقال ابن عيينة، عن هشام بن عروة: ماتت سنة (٥٧) وصححه في "التقريب"، ودفنت بالبقيع. أخرج لها الجماعة، وقد ذكر ابن الجوزي في "المجتبى" ص ٩٢ أنها روت عن رسول الله ﷺ (٢٢١٠) حديثًا، أخرج لها منها في "الصحيحين" (٢٩٧) حديثًا، المتفق عليه منها (١٧٤) حديثًا، وانفرد البخاري (٥٤)، ومسلم (٩٦) حديثًا (١). والله تعالى أعلم.
(أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس) بضم أوله، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منازلهم) أي في مراتبهم المتفاوتة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث بيّن في إيتاء كل ذي حق حقه، وتبليغه منزلته في كل باب، كما احتج به مسلم في تطبيق الرواة، وتعريف مراتبهم، ومزية بعضهم على بعض، إلا ما ساوى الله تعالى بينهم فيه، من الحدود، والحقوق. انتهى (٢).
وذكر الحافظ السخاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه "الجواهر والدّرر": ما نصُّه: المراد بالحديث الحضّ على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس؛ لقوله ﷺ : "لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ... "، فيُقدِّم الإمام في القرب منه الأفضل، فالأفضل، من البالغين،
стр. 320
والعقلاء إكرامًا لهم، ويُعامل كلّ أحد بما يُلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن الله أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، وكذا في القيام والمخاطبة والمكاتبة، وغير ذلك من الحقوق. نعم سوّى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها، لكن في التعازير يُعزّر كلُّ أحد بما يليق به. وبهذا الحديث تمسّك المتكلّمون في التعديل والتجريح لرواة الأخبار؛ ليتميّز صالحهم من طالحهم.
قال: وقال أبو أحمد العسكريّ في "الأمثال": هذا مما أدّب به النبيّ ﷺ أمته في إيفاء الناس حقوقهم، من تعظيم العلماء، وإكرام ذي الشيبة، وإجلال الكبير، وما أشبهه. انتهى ما ذكره السخاويّ رحِمَهُ اللهُ تعالى (١).
(مع ما نطق به القرآن) الكريم (من قول الله تعالى) "من" بيان لـ "ما" ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] عن ابن عباس ﵄ ما قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة، وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود. وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى: ليس عالم، إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله (٢).
(فَعَلَى نحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ) أراد بنحو ما ذكره ما سبق له من أنه يقدم الأخبار التي رواتها أهل استقامة وإتقان، لا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فإذا انتهى من هذا الصنف أتبعه أخبار أهل الصدق والستر الذين ليسوا في الحفظ والإتقان مثل السابقين (نُؤَلِّفُ) بتشديد اللام، من التأليف: أي نجمع (ما) موصولة مفعول "نؤلّف" (سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ) بيان لـ "ما": أي نجمع الأخبار التي سألت أن نجمعها لك (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) متعلق بصفة لـ "الأخبار"، أي المروية عنه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألة: في الكلام على حديث عائشة ﵂ المذكور:
قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "وقد ذُكر عن عائشة ﵂ أنها قالت الخ": هذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحّته، وبالنظر إلى أنه احتجّ به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه "كتاب معرفة علوم الحديث" بصحته، وأخرجه أبو داود في "سننه" بإسناده منفردًا به، وذكر أن الراوي له عن عائشة ﵂ ميمون ابن شبيب, ولم يُدركها. قال الشيخ ابن الصلاح رحمه اللهُ تعالى، وفيما قاله أبو داود نظر،
стр. 321
فإنه كوفيّ متقدّم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة ﵂، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة ﵂، استقام لأبي داود الجزم بعدم إداركه، وهيهات ذلك.
قال النوويّ: وحديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البزّار في "مسنده"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه. هذا، وقد رُوي عن عائشة ﵂ من غير هذا الوجه، موقوفًا. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ. (١).
وقال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى في "المقاصد الحسنة": ما حاصله: هذا الحديث وصله أبو نعيم في "المستخرج" وغيره، كأبي داود في "سننه"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبزّار، وأبي يعلى في "مسنديهما"، والبيهقيّ في "الأدب"، والعسكريّ في "الأمثال"، وغيرهم، كلهم من طريق ميمون بن أبي شبيب، قال: "جاء سائل إلى عائشة ﵂، فأمرت له بكِسرة، وجاء رجل ذو هيئة، فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أُمرنا ... " وذكره. ومنهم من اختصر هذا، ولفظ أبي نُعيم في "الحلية": "أن عائشة ﵂ كانت في سفر، فأمرت لناس من قريش بغداء، فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة، فقالت: ادعوه، فنزل، فأكل، ومضى، وجاء سائل، فأمرت له بكسر، فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمُل بنا إلا ما صنعناه به، وإن هذا السائل، سأل، فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله ﷺ " .. وذكره. وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره، وتُعُقّب بالانقطاع، وبالاختلاف على راويه في رفعه ووقفه.
قال: وورد عن غير عائشة ﵂ من الصحابة ﵃ في ذلك، كحديث معاذ ﵁ عند الخرائطيّ في "المكارم"، مرفوعًا بلفظ: "أنزل الناس منالهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة"، وحديث جابر ﵁، وحديثه مرفوع في جزء الغسوليّ بلفظ: "جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزل الناس على قدر منالهم، وداروا الناس بعقولكم"، وحديث علي بن أبي طالب ﵁، وحديثه موقوف في "أنس العاقل، وتذكر الغافل" لأبي النرسيّ بلفظ: "من أنزل الناس منازلهم رفع المؤنة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره اجترّ عداوته".
ثم قال: بالجملة فحديث عائشة ﵂ حسنٌ. انتهى "المقاصد الحسنة" ٩٢ - ٩٣ ببعض تصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن حديث عائشة ﵂ هذا ضعيف؛
стр. 322
للانقطاع المذكور، وللاضطراب في رفعه ووقفه، ولا يقال: إنه يَتَقَوَّى بالشواهد المذكورة، من حديث معاذ، وجابر، وعليّ ﵃ لأنها كلّها ضعاف. فتبصّر بالتأكيد، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ولما أنهى الكلام على القسمين الأولين أتبعهما بالكلام على الثالث، فقال:
(فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ، أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الْأحَادِيثِ، وَتَوْلِيدِ الْأَخْبَارِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى بهذه الفقرة أنه لا يشتغل بإخراج الأخبار التي رواها قوم اتهمهم أهل الحديث، أو أكثرهم بوضع الأحاديث، واختلاق الأخبار، كأبي جعفر عبد الله بن مِسور المدائنيّ، وعبد القدّوس الشاميّ، إلى آخر من ذكرهم، وكذلك كل من أشبههم في الاتهام المذكور. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
قوله: (فَأمَّا ما) واقعة على الأخبار، مبتدأ، خبره قوله: "فلسنا نتشاغل"، والجملة جواب "أما": فأما الأخبار التي (كَان مِنْهَا) أي من الأخبار (عَنْ قَوْمٍ، همْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) أي عند جميعهم (مُتَّهَمُونَ) أي مظنونون بكذبهم، يقال: اتّهمته بالتثقيل على افتعلت: أي ظننت به سوءًا، وأتهمته بالألف مثله، فهو تَهِيم. أفاده في "المصباح" (أَوْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ) أي من أهل الحديث (فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ) أي لكونه مما لا يجوز العمل به، فلا فائدة في تخريجه في كتاب التزم صاحبه أن لا يخرّج إلا ما كان صحيحًا.
ثم ضرب أمثلة لهؤلاء المتّهمين عند أهل الحديث، فقال:
(كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو (أَبِي جَعْفَرٍ) بالجرّ بدل من عبد الله (الْمَدَائِنِيِّ) نسبة إلى المدائن مدينة على سبعة فراسخ من بغداد. قاله في "لبّ اللباب" ٢/ ٢٤٦.
وأبو جعفر هذا هو عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشميّ
стр. 323
المدائنيّ الهاشمي، ليس بثقة. قال أحمد وغيره: أحاديثه موضوعة. روى جرير عن رَقَبَة أن عبد الله بن مسور المدائني، وضع أحاديث على رسول الله ﷺ ، فاحتملها الناس. وروى معاوية بن صالح عن يحيى قال: أبو جعفر المدائني هو عبد الله بن محمد بن مسور بن محمد بن جعفر كذا نسبه. وقال أحمد: روى عنه عمرو بن مرة، وخالد بن أبي كريمة، وعبد الملك بن أبي بشير، تركت أنا حديثه، وكان ابن مهدي لا يحدثنا عنه. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال علي بن المديني: سمعت جريرا يقول: كان عبد الله بن جعفر المدائني يضع أحاديث من كلام الناس، وليست من حديث النبي ﷺ . وقال أحمد: أحاديثه موضوعة. وقال أبو حاتم: الهاشميون لا يعرفونه، وهو ضعيف الحديث، وأحاديثه لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات. وقال رَقَبَة أيضا: كان عبد الله بن المسور يضع الحديث يشبه حديث رسول الله ﷺ . وقال مغيرة: كان يفتعل الحديث. وقال أبو إسحاق الجوزجانيّ: أحاديثه موضوعة. وقال ابن المديني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ، ولا يضع إلا ما فيه أدب، أو زهد، فيقال له في ذلك، فيقول: إن فيه أجرًا. وقال البخاري في "التاريخ الأوسط": يضع الحديث. وقال النسائي في "التمييز": كذاب. وقال ابن عبد البر: عندهم متروك الحديث، لا يكتب حديثه، اتهموه بوضع الحديث. وقال إسحاق بن راهويه: روى طلحة بن مصرف، عن عمرو بن مرة، عن رجل من بني هاشم، عن النبي ﷺ ، أحاديث زعم بعض الناس أن الهاشمي علي بن أبي طالب، وإنما هو أبو جعفر المدائني، وكان معروفًا عند أهل العلم بوضع الحديث، وروايته إنما هي عن التابعين، ولم يلق أحدًا من الصحابة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: وضاع للأحاديث، لا يسوي شيئا. وليس له في الكتب الستة شيء. (١).
(وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ) القرشي الكوفي أبي خالد، القرشي مولى بني هاشم، أصله من الكوفة، انتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين نسخة، وجعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، وفطر بن خليفة، وحبيب بن أبي ثابت، والثوري، وأبي هاشم الرُّمّاني، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل بن يونس، وعباد بن كثير البصري، والحجاج بن أرطاة، وجعفر بن زياد الأحمر، وسعيد بن زيد، وسويد بن عبد العزيز، وعمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأَبّار، ويحيى بن هاشم السمسار، وجماعة. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث، ليس بشيء. وقال الأثرم عن أحمد: كذاب، يروي عن زيد ابن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:
стр. 324
كذاب غير ثقة، ولا مأمون. وقال هاشم بن مرثد الطبراني عن ابن معين: كذاب ليس بشيء. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يشتغل به. وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمرو بن خالد، الذي يروي عنه أبو حفص الأبار، فقال: هذا كذاب، وقال أيضا عن أبي داود: ليس بشيء. قال وكيع: كان جارنا، فظهرنا منه على كذب، فانتقل، قلت: إلى واسط، قال: نعم. وقال غيره عن وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِن له تحول إلى واسط. وقال النسائي. ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: غير ثقة، ورماه ابن الْبَرْقي بالكذب. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن صاعد: لا يكتب حديثه. وقال الحاكم: يروي عن زيد ابن علي الموضوعات. وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات من عشر ومائة إلى عشرين ومائة، وقال: منكر الحديث. وقال أبو نعيم الأصبهاني: لا شيء. وقال الأثرم: لم أسمع أبا عبد الله يصرح في أحد ما صرح به في عمرو بن خالد من التكذيب. وقال عبد الله بن أحمد في "مسند ابن عباس": ضرب أبي علي حديث الحسن بن ذكوان، فظننت أنه ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد، الذي يروي عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئا. وذكره الخطيب في "الموضح" عن قيس، عن عمير، وكذا ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه. قاله في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٦٧. وقال في "التقريب": متروك، ورماه وكيع بالكذب، من الثامنة (١).
تفرد به ابن ماجه بحديثين عن عليّ ﵁: أحدهما: حديث: "انكسرت إحدى زنديّ، فسألت النبي ﷺ ، فأمرني أن أمسح على الجبائر". والثاني: حديثه عن النبيّ: "من غسل ميتا، وكفنه، وحنطه، وحمله، وصلى عليه، ولم يُفشِ عليه ما رأى، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه".
(وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رواه العُذريّ بالسين المهملة، وهو خطأ، وصوابه بالمعجمة، وهي رواية الجماعة. انتهى (٢).
وعبد القدّوس هذا: هو ابن حبيب الكلاعي الشامي الدمشقي، أبو سعيد، روى عن عكرمة، والشعبي، ومكحول، والكبار، وروى عنه الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وأبو الجهم، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وخلق.
стр. 325
قال عبد الرزاق: ما رأيت ابن المبارك يُفصح بقوله: كذاب إلا لعبد القدوس. وقال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: أحاديثه منكرة الإسناد والمتن. وقد صرح ابن حبان بأنه كان يضع الحديث. وقال يحيى ابن صالح الْوُحَاظى: سمعت إسماعيل بن عياش يقول: لا أشهد على أحد بالكذب، إلا على عبد القدوس، وعمر بن موسى الوجيهي، فأما عمر فإني قلت له: أيَّ سنة سمعت من خالد بن معدان؟ قال: سنة عشر، قال: وكان موت خالد سنة أربع، وأما عبد القدوس فإني حدثته بحديث، عن رجل، فطرحني، وطرح الذي حدثته عنه، وحدث به عن الثالث. وقال ابن عمار: كان سفيان -يعنى الثوريّ- يروي عن أبي سعيد الشامي، وإنما هو عبد القدوس كناه، ولم يسمّه، وهو ذاهب الحديث. وقال الجوزجاني: لا يقنع الناس بحديثه. وقال مسلم: ذاهب الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء، وابنه شر منه. وقال النسائي متروك الحديث. وقال البخاريّ: تركوه، منكر الحديث. وقال أبو حاتم: كان لا يصدق. ونقل ابن عديّ عن يحيى بن معين، عن حجاج الأعور قال: رأيت عبد القدوس في زمن أبي جعفر على باب المدينة، وكان لا يفتح حتى يُصبح الناس جدا، فجاء رجل إلى عبد القدوس، فقال: الحديث الذي حدثتنا به أعده عليَّ، فقال: "لا تتخذوا شيئا فيه الرُّوح عَرْضًا"، قالها بفتح المهملة، وسكون الراء، ثم الضاد المعجمة، فقيل له: ما تعني هذا؟ قال الرجل يخرج من داره الرَّوْشَن شبه القسطرون، قلت ليحيى: ما يعني هذا؟ قال أهل الشام يسمون الروشن، والكنيف يُخرَج إلى خارج القسطرون. ذكره في "لسان الميزان" ٤/ ٥٣/ ٥٦. وسيأتي الكلام عليه للمصنف في "باب الكشف عن معايب رواة الحديث"، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: ولهم راو آخر اسمه عبد القدوس أيضًا، وهو عبد القدوس بن الحجاج، أبو المغيرة الْخَوْلانيّ الشاميّ الحمصيّ، سمع صفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وغيرهما، وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وآخرون من كبار الأئمة والحفّاظ، قال العجليّ، والدارقطنيّ، وغيرهما: هو ثقة. وقد روى له البخاريّ ومسلم في "صحيحيهما". وإنما نبّهت عليه؛ لئلا يُخلط هذا الكذاب بذلك الثقة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ) هو محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد بن عبد العزيز، ويقال: ابن أبي عُتْبة، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، ويقال: غير ذلك في نسبه، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس الشامي الدمشقي، ويقال: الأزدي.
стр. 326
رَوَى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجه ضعيف، وعبادة بن نُسَيّ، وربيعة بن يزيد، وصالح بن جبير الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وسليمان بن موسى، وعروة بن رُوَيم، والزهري، ومكحول، وآخرين.
ورَوَى عنه ابن عجلان، والثوري، وسعيد بن أبي هلال، والحسن بن حي، وبكر ابن خُنيس، والأبيض بن الأغر، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، وأبو معاوية الضرير، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أبو داود عن أحمد: عمدا كان يضع. وقال الدُّوري عن ابن معين: منكر الحديث، وليس كما قالوا: إنه صُلِب في الزندقة. وقال البخاري: تُرك حديثه. وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد نظمت قول النسائيّ هذا، فقلت:
مَنْ عُرِفُوا بِالْوَضْعِ قُلْ أَرْبَعَةُ ... ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ
وَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ فَرَى ... وِبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلُ افْتَرَى
مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشَّامِ اعْتَدَى ... لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيرُ أَرْشَدَا
وقولي: "فَرَى" من باب ضرب: أي كذب، وافترى.
وقال دُحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأردني يقول: إذا كان الكلام حسنا لم أُبال أن أجعل له إسنادا. وقال العقيلي: يغيرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان بن معاوية يقول: محمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، وابن زكريا، وابن أبي الحسن، وبعضهم يقول: عن أبي عبد الرحمن الشامي، ويقولون: محمد بن حسان الطبري، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك، على معنى التعبيد لله، وينسبونه إلى جده، ويكنون الجد، حتى يتسع الأمر جدا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يُقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري: نحو ذلك، وزاد: وهو محمد الذي نسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم، وهو محمد الطبري، وهو محمد الأردني، وهو محمد بن سعيد السدي، الذي روى عنه سعيد بن أبي هلال، ولو قال قائل: إنه أبو عبد الله محمد الأسدي الذي يروي عن وابصة بن معبد، وعنه محمد بن صالح لما دفعت ذلك. وقال عبد الغني: وقال العقيلي: إنه عبد الرحمن بن أبي شميلة، وهو محمد بن سعيد المصلوب، وإن قولهم:
стр. 327
عبد الرحمن بن أبي شميلة أحد الأسامي التي غير بها اسمه، وما صنع شيئا، وأنا أقول: إن عبد الرحمن بن أبي شميلة غيره، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد لا يدلس، ولا ينقل اسما إلى اسم. والله أعلم.
وقال ابن نمير وذُكِرَت له رواية الكوفيين عنه، فقال: لم يعرفوه، وإنما العيب على الشاميين الذين عرفوه، ثم رووا عن هذا العدو لله، كذّاب يضع الحديث. وقال ابن عقدة. سمعت أبا طالب بن سوادة يقول: قلب أهل الشام اسمه على مائة، وكذا وكذا اسمًا، قد جمعتها في كتاب. وقال ابن القطان: من جملة ما قلبوه: محمد بن أبي سهل، ونقل ذلك عن أبي حاتم. وقال أبو مسهر: هو من كَذّابي الأردن. وقال عمرو بن علي: حدث بأحاديث موضوعة. وقال ابن رِشْدين: سألت أحمد بن صالح المصري عنه؟ فقال: زنديق ضُربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الْحَمْقى، فاحذروها. وقال النسائي أيضا، والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صُلِب على الزندقة. وقال الجوزجاني: هو مكشوف الأمر هالك. وقال الحاكم: هو ساقط لا خلاف بين أهل النقل فيه. روى له الترمذيّ، وابن ماجه.
(وَغِيَاثِ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف المثنّاة التحتانية (ابْنِ إِبْرَاهِيمَ) النخعي، روى عن الأعمش، وغيره. وروى عنه بقية ومحمد بن حمران ومحمد بن خالد الحنظلي وبهلول بن حسان وعلي بن الجعد. قال أحمد: ترك الناس حديثه. وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: كان فيما سمعت غير واحد يقول: يضع الحديث. وقال البخاري: تركوه، يكنى أبا عبد الرحمن، يُعَدُّ في الكوفيين. وهو الذي ذكر أبو خيثمة أنه حدث المهدي بخبر: "لا سَبَقَ إلا في نصل، أو خُفّ، أو حافر"، زاد فيه: "أو جناح"، فوصله، ولما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب. انتهى. وقال الآجري: سألت أبا داود، فقال: كذاب. وقال مرة: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال يحيى بن معين مرة: كذاب خبيث. وقال الساجي: تركوه. وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وروي عن غياث قال: كان يكون الحديث الحسن عند الشيخ الذي لا يجوز حديثه، فآتي بالشيخ إلى الأعمش، فيسمع الحديث، فأرويه عن الأعمش، وأُخرج (١) الشيخ، سمعه خليفة بن موسى منه. وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.
стр. 328
وقال ابن عدي: بَيِّن الأمر في الضعف، وأحاديثه كلها شبه الموضوع. وذكره العقيلي، وابن الجارود، وابن شاهين في "الضعفاء" (١). وليس له في الكتب الستة شيء.
(وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ) الكذاب، قال أحمد بن حنبل: تقدمتُ إليه، فقال: ثنا يزيد عن مكحول، ثنا يزيد بن أبي حبيب، فقلت: أين لقيته؟ فقال: يا أحمق لم أقله حتى أعددت لك جوابا، لقيته بباب الأبواب. قال أبو طالب عن أحمد ابن حنبل: كان يضع الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن أبي مريم، عن يحيى: معروف بوضع الحديث. وقال عباس عن يحيى: سمعت أبا داود النخعي يقول: سمعت خُصيفا، وخَصّافا، ومِخْصَفا، قال يحيى: كان أكذب الناس. وقال البخاري: متروك، رماه قتيبة، وإسحاق بالكذب. وقال يزيد بن هارون: لا يحل لأحد أن يروي عنه. قال ابن عديّ: سليمان بن عمرو أجمعوا على أنه يضع الحديث. وقال ابن حبان: أبو داود النخعي، بغدادي كان رجلا صالحا في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعا، وكان قدريا. وقال البخاري في "الضعفاء الكبير": سليمان بن عمرو الكوفيّ، أبو داود النخعي معروف بالكذب، قاله قتيبة، وإسحاق. قال أبو معمر: أخذ بشر المريسيّ رأي جهم من أبي داود النخعي. وقال الحاكم: لست أشك في وضعه للحديث على تقشفه وكثرة عبادته. وقال أبو الوليد: سمعت شريكًا يقول: ما لقينا من ابن عمنا -يعني سليمان بن عمرو- يكذب على رسول الله ﷺ . وقال ابن وارة: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: أتيته، فقال ثنا سليمان التيميّ، عن أنس ﵁: "من قاد أربعين خطوة"، فقلت: قوموا من عند هذا الكذاب. وقال ابن المديني: كان من الدجالين. وقال ابن راهويه: لا أدري في الدنيا أكذب منه. وقال ابن عبد البر: هو عندهم كذاب يضع الحديث، وتركوا حديثه. قال الحافظ في "اللسان": الكلام فيه لا يحصر، فقد كذبه، ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين، ممن نقل كلامهم في الجرح والعدالة، وألّفوا فيه فوق الثلاثين نفسا. وليس له في الكتب الستة شيء. وسيذكره المصنف في "باب الكشف عن معايب رواة الحديث".
(وَأَشْبَاهِهِمْ) بفتح الهمزة، جمع شبه بفتحتين، وبكسر، فسكون، مثلُ حِمْل، وشبيه ككريم: أي مشابههم، ونظرائهم (مِمَّنِ اتُّهِمَ) "من" لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحجّ: ٣٠]، والفعل مبنيّ للمفعول: أي ظُنّ (بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ) من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي بافترائهم الأحاديث على النبيّ ﷺ ، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه، وكذَبه، فالحديث موضوع. قاله الفيّوميّ (وَتَوْلِيدِ
стр. 329
الْأَخْبَارِ) بالجرّ عطفًا على "وضع الأخبار"، وهو من عطف المترادفين؛ لأن التوليد بمعنى الوضع، يقال: ولّد ناقته توليدًا: إذا تولّى ولادتها، فكأن الواضع تولّى توليد الخبر ممن افتراه عليه، كما يتولّى صاحب الناقة توليدها. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى "توليد الأخبار": إنشاؤها، وزيادتها. انتهى. و "الأخبار" -بفتح الهمزة-: جمع خبر، وتقدّم أنه بمعنى الحديث، وقيل: أعم منه، وقيل: مباين له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى السابق:
المسألة الأولى: في معنى الوضع لغةً، واصطلاحًا .
أما معناه لغةً: فالمشهور أن الوضع هو الافتراء، والكذب، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَضَعَ الرجل الحديث: افتراه، وكذبه، فالحديث موضوع. انتهى. وقال ابن عراق رحمهُ الله تعالى: الموضوع لغةً اسم مفعول من وضع الشيء يضعه بالفتح وَضْعًا: حطّه، وأسقطه. وقال الحافظ ابن دحية: الموضوع: الْمُلاصَق، وَضَع فلان على فلان كذا: ألصقه به، واصطلاحًا: هو الحديث المختلق المصنوع، مأخوذ من المعنى الأول؛ لأن رتبته أن يكون مطّرحًا، مُلقًى، لا يستحقّ الرفع أصلًا، أو من المعنى الثاني؛ لأنه مُلصق بالنبيّ ﷺ ، وهو أشر أنواع الضعيف. انتهى "تنزيه الشريعة" ١/ ٥.
وقال في "التدريب" ١/ ٢٧٤: الموضوع هو الكذب المختلق المصنوع، وهو شر أنواع الضعيف، وأقبحه. انتهى.
وإلى هذا أشرت في منظومتي "تذكرة الطالبين في بيان الوضع، وأصناف الوضّاعين"، فقلت:
هُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ لَدَى مَنْ ضَبَطَهْ ... مِنْ وَضَعَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى أَسْقَطَهْ
وَقِيلَ أَوْ تَرَكَهُ أَوْ أَلْصَقَهْ ... أَوْ وَضَعَ الْكَلَامَ حَيْثُ اخْتَلَقَهْ
وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ الَّذِي نُسِبْ ... إِلَى الرَّسُولِ مُطْلَقًا بِئْسَ الْكَذِبْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في أمارات الموضوع (١) .
اعلم: أن العلماء ذكروا أن للموضوع أمارات، وعلامات، يُعرف بها أنه موضوع:
стр. 330
فمنها: إقرار واضعه بوضعه، كحديث فضائل القرآن، اعترف بوضعه ميسرة بن عبد ربّه، فيُرد حديثه ذلك، وسائر مروياته، وليس هذا قبولا لقوله مع اعترافه بالمفسق، وإنما هو مؤاخذة له بموجب إقراره، كما يؤاخذ الشخص باعترافه بالزنى، والقتل، ونحوهما، واستُفيد من جعلنا هذا أمارة أنا لا نقطع على حديثه ذلك بالوضع؛ لاحتمال كذبه في إقراره، نعم إذا انضمّ إلى إقراره قرائن تقتضي صدقه فيه قطعنا به، ولا سيما إذا كان إخباره لنا بذلك بعد توبته.
ومنها: ما ينزّل منزلة إقراره، ومثاله -كما قال العلامة الزركشيّ، والحافظ العراقيّ- أن يُعيّن المتفرّد بالحديث تاريخ مولده، أو سماعه بما لا يمكن معه الأخذ عن شيخه، أو يقول: إنه سمع في مكان يُعلَم أن الشيخ لم يدخله، وقال الحافظ في "نكته" على ابن الصلاح: الأولى أن يمثّل لهذه الأمارة بما رواه البيهقيّ في "المدخل" بسنده الصحيح، أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبد الله الجويباريّ في سماع الحسن من أبي هريرة ﵁، فروى لهم بسنده إلى النبيّ ﷺ : سمع الحسن من أبي هريرة. قال ابن عرّاق: إنما عُرف كذب هذا الحديث بالتاريخ، فلو قال الزركشيّ، والعراقيّ في الصورة الأولى، كأن يكذّبه التاريخ لشمل هذا المثال. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن عراق فيه نظر؛ فإن التاريخ في سماع الحسن من أبي هريرة، لا يكذّب؛ لأن أبا هريرة ﵁ مات سنة (٥٩ هـ) وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، فهما عاشا معا وقتا طويلًا، فالتاريخ لا يكذب السماع، بل صحّ أنه قال في حديث المختلعات: لم أسمع هذا الحديث إلا من أبي هريرة ﵁، أخرجه النسائيّ عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن سلمة، عن وُهيب، عن أيوب، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٩١: وهذا إسناد لا مطعن من أحد في رواته، وهو يؤيّد أنه سمع من أبي هريرة ﵁ في الجملة، وقصّته في هذا شبيهة بقصّته في سمرة سواءً. انتهى. وقد ذكرت تمام البحث في هذا في شرح حديث المختلعات المذكور من شرح النسائيّ، ورجّحت القول بسماع الحسن من أبي هريرة ﵁، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن يصرّح بتكذيب راويه جمع كثير، يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، أو تقليد بعضهم بعضًا.
ومنها: قرينة في حال الراوي، كقصة غياث بن إبراهيم مع المهديّ، كما سبق بيانه.
ومنها: قرينة في المرويّ، كمخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل،
стр. 331
ويُلحق به ما يدفعه الحسّ، والمشاهدة، أو العادة. وكمنافاته لدلالة الكتاب القطعيّة، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعيّ، قال الزركشيّ: هذا إن لم يحتمل أن يكون سقط من المرويّ على بعض رواته ما تزول به المنافاة، كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفسٌ منفوسة"، فإنه سقط على راويه لفظة: "منكم"، قال الحافظ: وتقييد السنة بالمتواترة احتراز عن غير المتواترة فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرّد مخالفة السنة مطلقًا، وقد أكثر من ذلك الجوزقاني في "كتاب الأباطيل"، وهذا إنما يتأتى حيث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه، أما مع إمكان الجمع فلا. وقال الشيخ ابن دقيق العيد مشيرًا إلى هذه الأمارة: وكثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي، وألفاظ الحديث.
وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة مزاولة (١) ألفاظ النبيّ ﷺ هيئة نفسانيّة، وملكة قويّة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوّة، وما لا يجوز، كما سئل بعضهم، كيف تعرف أن الشيخ كذّاب؟ قال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب. وقد استأنس بعضهم لذلك بخبر أبي حُميد، أو أبي أُسيد ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "إذا سمعتم الحديث، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنّي، تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه"، رواه الإمام أحمد، والبزّار في "مسنديهما"، وسنده صحيح، كما قاله القرطبيّ، وغيره (٢). وبقوله ﷺ : "ما حُدّثتم عني مما تنكرونه، فلا تأخذوا به، فإني لا أقول المنكر، ولست من أهله". رواه ابن الجوزيّ. وعن الربيع بن خُثيم التابعي الجليل أنه قال: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره.
ومنها: أن يكون الحديث خبرًا عن أمر جسيم، تتوفّر الدواعي على نقله بحضرة الجمّ الغفير، ثم لا ينقله إلا واحد منهم، ومثاله سقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أثناء خطبته.
ومنها: أن يكون فيما يلزم المكلّفين علمه، وقطع العذر فيه، فينفرد به واحد.
ومنها: ركاكة لفظه ومعناه، قال الحافظ رحمهُ الله تعالى: والمدار على ركة المعنى، فحيث وُجدت دلّت على الوضع، سواء انضمّ إليها ركّة اللفظ، أم لا، فإن هذا الدين
стр. 332
كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، فبينها وبين مقاصد الدين مباينة، وأما ركة اللفظ وحدها، فلا تدلّ على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الراوي رواه بالمعنى، فعبّر بألفاظ غير فصيحة، من غير أن يُخلّ بالمعنى. نعم إن صرّح الراوي بأن هذا لفظ النبيّ ﷺ دلّت ركّة اللفظ حينئذ على الوضع. انتهى.
قال البقاعيّ رحمه الله تعالى: ومما يرجع إلى ركّة المعنى الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير في حديث القُصّاص. قال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى: وإني لأستحيي من وضع أقوام، وضعوا: من صلى كذا، فله سبعون دارًا، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف سرير، على كل سرير سبعون ألف جارية، وإن كانت القدرة لا تعجز، ولكن هذا تخليط قبيح. وكذلك يقولون: من صام يوما، كان كأجر ألف حاجّ، وألف معتمر، وكان له ثواب أيوب، وهذا يفسد مقادير موازين الأعمال.
ومنها: ما ذكره فخر الدين الرازيّ رحمه اللهُ تعالى أن يُروى الخبر في زمن قد استُقْرِئت فيه الأخبار، ودُونت، فيفتّش عنه، فلا يوجد في صدور الرجال، ولا في بطون الكتب، فأما في عصر الصحابة، وما يقرب منه حين لم تكن الأخبار استُقرئت، فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما ليس عند غيره.
قال الحافظ العلائيّ رحمه اللهُ تعالى: وهذا إنما يقوم به -أي بالتفتيش عنه- الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث، أو معظمه، كالإمام أحمد، وعلي بن المدينيّ، ويحيى بن معين، ومن بعدهم، كالبخاريّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم، كالنسائيّ، ثم الدارقطنيّ؛ لأن المآخذ التي يُحكم بها غالبًا على الحديث بأنه موضوع إنما هي جمع الطرق، والاطلاع على غالب المروي في البلدان المتنائية، بحيث يُعرف بذلك ما هو من حديث الرواة، مما ليس من حديثهم، وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يقضي بعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع هذا مما يأباه تصرفهم. انتهى.
قال ابن عرّاق: فاستفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم، وأضرابهم، إذا قال أحدهم في حديث لا أعرفه، أو لا أصل له، كفى ذلك في الحكم عليه بالوضع. والله أعلم.
ومنها: كون الراوي رافضيّا، والحديث في فضائل أهل البيت، أو في ذمّ من حاربهم.
ومنها: أن يكون فيه "وأُعْطِي ثواب نبيّ"، أو "النبيين"، ونحوهما. والله تعالى أعلم.
стр. 333
[تنبيه]: هل يثبت الوضع بالبيّنة، كأن يَرَى عدلان رجلًا يُصنّف كلامًا، ثم ينسبه إلى النبيّ ﷺ ؟ ، قال الزركشيّ: يشبه أن يجيء فيه التردّد في أن شهادة الزور هل تثبت بالبيّنة، مع القطع بأنه لا يُعمل به. هذا ملخّص ما ذكره ابن عراق رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه، "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" ١/ ٥ - ٨.
وقد أشرت إلى هذه الأمارات في منظومتي المذكورة، حيث قلت:
أَشَرُّ أَنْوَاعِ الضَّعِيفِ الْوَاهِيَهْ ... لَهُ أَمَارَاتٌ تَجِيكَ تَالِيَهْ
(مِنْهَا) اعْتِرَافُ وَاضِعٍ كَمَيْسَرَهْ ... فَضَائِلَ الْقُرْآنِ أَعْنِي سُوَرْهْ
بِهِ يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَاهُ ... بِمُوجَبِ الإِقْرَارِ إِذْ أَبْدَاهُ
كَذَا إِذَا تَارِيخُهُ يُكَذِّبُ ... مِثْلُ الْجُوَيْبَارِيِّ بِئْسَ الْمُذْنِبُ
كَذَا إِذَا صَرَّحَ مَنْ يَمْتَنِعُ ... كَذِبُهُمْ بِوَضْعِهِ وَأَجْمَعُوا
كَذَا إِذَا قَرِينَةُ الرَّاوِي تُرَى ... كَمَا لِمَهْدِيِّ غِيَاثٌ افْتَرَى
كَذَاكَ فِي الْمَرْوِيِّ حَيْثُ خَالَفَا ... لِمُقْتَضَى عَقْلٍ وَحِسٍّ عُرِفَا
كَذَا الْمُشَاهَدَةُ أَوْ لِعَادَةِ ... أَوْ حُجَّةِ الْكِتَابِ أَيْ قَطْعِيَّةِ
كَذَاكَ إِجْمَاعٌ لِقَطْعٍ نُسِبَا ... أَوْ سُنَّةٍ تَوَاتَرَتْ فَاجْتَنِبَا
كَذَاكَ عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ يَعْتَنِي ... بِنَقْلِهِ جَمٌّ غَفِيرٌ فَاعْتَنِ
أَوْ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفِيَنَ عِلْمُهُ ... فَانْفَرَدَ الْوَاحِدُ نَتَّهِمُهُ
وَرِكَّةُ الْمَعْنَى كَإِفْرَاطٍ أَتَى ... فِي الْوَعْدِ بِالْيَسِيرِ فَاحْذَرْ يَا فَتَى
كَذَا الْوَعِيدُ لِصَغِيرَةٍ كَمَا ... يَفْعَلُهُ الْقُصَّاصُ بِئْسَ اللُّؤَمَا
أَوْ حَافِظٌ مُنْتَقِدٌ مَا عَرَفَهْ ... أَوْ قَالَ لا أَصْلَ لَهُ فَنَعْرِفَهْ
كَذَا إِذَا مِنْ رَافِضِيٍّ وَرَدَا ... فِي فَضْلِ أَهْلِ الْبَيْتِ نِعْمَ السُّعَدَا
أَوْ ذَمِّ مَنْ حَارَبَهُمْ أَوْ وَرَدَا ... يُعْطَى ثَوَابَ الأَنْبِيَاءِ فَارْدُدَا
وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ ... الزَّرْكَشِي قَالَ يَجِي تَرَدُّدُ
مَعْ قَطْعِنَا بِأَنَّهُ لا يُعْمَلُ ... بِهِ لِتُهْمَةٍ أَتَتْ فَتَحْظُلُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أصناف الوضّاعين .
اعلم: أن الوضّاعين على ما ذكره ابن عراق رحمه اللهُ تعالى في مقدّمة كتابه "تنزيه الشريعة" سبعة أصناف:
[الصنف الأول]: هم الزنادقة، وهم السابقون إلى ذلك، والهاجمون عليه، حملهم على الوضع الاستخفاف بالدين، والتلبيس على المسلمين، كعبد الكريم بن أبي
стр. 334
العوجاء، ومحمد بن سعيد المصلوب، والحارث الكذّاب الذي ادّعى النبوّة في زمن عبد الملك بن مروان، والمغيرة بن سعيد الكوفيّ، حتى قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على النبيّ ﷺ أربعة عشر ألف حديث، رواه العقيليّ. وقال ابن عديّ: لما أُخذ ابن أبي العوجاء، وأُتي به محمد بن سليمان بن عليّ، فأمر بضرب عنقه، قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أُحرّم فيها الحلال، وأُحلّ الحرام. قال ابن الجوزيّ: وقد كان من هؤلاء من يتغفّل الشيخ، فيدُسّ في كتابه ما ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنّا منه أنه من حديثه.
وإلى هذا الصنف أشرت في منظومتي المذكورة بقولي:
الصِّنْفُ الأَوَّلُ هُمُ الزَّنَادِقَهْ ... الْهَاجِمُونَ الظَّالِمُونَ الْمَارِقَهْ
حَمَلَهُمْ أَنِ اسْتَخَفُّوا الدِّينَا ... فَلَبَّسُوا عَلَى الْوَرَى الْيَقِينَا
كَابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ مَعْ مُحَمَّدِ ... وَالْحَارِثِ الْكَذَّابِ بِئْسَ الْمُعْتَدِي
مُغِيرَةُ الْكُوفِيُّ بِئْسَ الْهَالِكُ ... جَزَاهُمُ السُّوءَ الإِلَهُ الْمَالِكُ
الصنف الثاني: أصحاب الأهواء، والبِدَع، وضعوا نصرةً لمذاهبهم، أو ثَلْبًا لمخالفيهم، روى ابن أبي حاتم في مقدّمة "كتاب الجرح والتعديل" عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب: انظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيّرنا له حديثًا. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان محمد بن القاسم الطالَقانيّ من رؤساء المرجئة يَضَع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم، وينسبها إلى أهل الحديث، يقصد الشناعة عليهم؛ لما بينه وبينهم من العداوة المذهبيّة.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ، صاحب "المفهم": استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قوليّةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندًا.
وإلى هذا الصنف أشرت بقولي:
يَلِيهِمُ الْمُبْتَدِعُونَ وَضَعُوا ... لِنُصْرَةِ الرَّأْيِ فَبِئْسَ الْمَفْزَعُ
أَوْ ثَلْبِ مَنْ خَالَفَ كَابْنِ الْقَاسِمِ ... وَابْنِ شُجَاعِ اللَّئِيمِ الظَّالِمِ
وَبَعْضُ أَهْلِ الرَّأْيِ قَالَ يُنْسَبُ ... إِلَى النَّبِي مَا بِالْقِيَاسِ يُجْلَبُ
لِذَا تَرَى كُتْبَهُمُ تَشْتَمِلُ ... مَا لا يُرَى بِسَنَدٍ يَتَّصِلُ
الصنف الثالث: قوم اتّخذوا الوضع صناعة، وتسوّقًا؛ جراءة على الله وعلى رسوله ﷺ ، حتى إن أحدهم ليسهر عامّة ليله في وضع الحديث، كأبي
стр. 335
البختريّ، وهب بن وهب القاضي، وسليمان بن عمرو النخعيّ، والحسين بن علوان، وإسحاق بن نَجيح الْمَلَطيّ. ذكر ذلك الإمام أبو حاتم بن حبّان في مقدّمة كتابه "الضعفاء والمجروحين".
وإلى هذا الصنف أشرت بقولي:
ثَالِثُهُمْ مَنْ جَعَلُوا الْبِضَاعَهْ ... وَضْعَ الْحَدِيثِ بِئْسَتِ الصِّنَاعَهْ
قَدْ أَسْهَرُوا فِيهِ اللَّيَالِي مِثْلَمَا ... وَهْبٌ وَإِسْحَاقُ بِذَاكَ أَجْرَمَا
كَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو وُصِفَا ... وَنَجْلُ عَلْوَانَ فِبِئْسَمَا اقْتَفَى
الصنف الرابع: قوم يُنسبون إلى الزهد، حملهم التديّن الناشىء عن الجهل على وضع أحاديث في الترغيب والترهيب؛ ليحثّوا الناس بزعمهم على الخير، ويزجروهم عن الشرّ، وقد جوّز ذلك الكرّاميّة، وكذلك بعض المتصوّفة، كما قاله الحافظ.
وإلى هذا الصنف أشرت بقولي:
وَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا
قَدْ وَضَعُوا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ ... لِلنَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلِلتَّرْهِيبِ
وَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ فَانْبِذَنَّهُ
الصنف الخامس: أصحاب الأغراض الدنيويّة، كالقُصّاص، والشحّاذين، وأصحاب الأمراء، وأمثلة ذلك كثيرة.
فمن أمثلة الأول: ما أورده ابن الجوزيّ في مقدّمة كتابه، قال: صنّف بعض قُصّاص زماننا كتابًا، فذكر فيه أن الحسن والحسين ﵄ ما دخلا على عمر ابن الخطّاب ﵁، وهو مشغول، فلما فرغ من شغله رفع رأسه، فرآهما، فقام، فقبّلهما، ووهب لكل واحد منهما ألفًا، وقال لهما: اجعلاني في حلّ، فما عرفت دخولكما، فرجعا، وشكراه بين يدي أبيهما، عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: عمر بن الخطاب نور في الإسلام، سراج لأهل الجنة، فرجعا، فحدثاه، فدعا بدواة وقرطاس، وكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، حدثني سيدا شباب أهل الجنة، عن أبيهما المرتضى، عن جدّهما المصطفى ﷺ ، أنه قال: "عمر نور في الإسلام، سراج لأهل الجنة"، وأوصى أن يُجعل في كفنه على صدره، فوُضع، فلما أصبحوا وجدوه على قبره، وفيه: صدق الحسن، والحسين، وصدق أبوهما، وصدق رسول الله ﷺ : "عمر نور الإسلام، وسراج أهل الجنة".
ومن أمثلة الثاني: ما رواه ابن حبان في مقدّمة كتابه "الضعفاء والمجروحين"، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد، قال: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسيّ،
стр. 336
قال: صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرُّصافة، فقام بين أيديهم قاصّ، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة منها طيرًا، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان" وأخذ في قصّة نحوًا من عشرين ورقة، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال له: أنت حدّثته بهذا، فيقول: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه، وأخذ القطيعات (١) ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهّما لنوال، فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ قال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول الله ﷺ ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققته إلا الساعة، كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فوضع أحمد كمّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهما. هكذا ساق ابن حبان هذه الحكاية، ثم ابن الجوزيّ، وسكتا عليها.
لكن الذهبيّ أنكرها في "الميزان" في ترجمة إبراهيم بن عبد الواحد البكريّ، فقال: لا أدري من ذا أتى بحكاية منكرة، أخاف أن تكون من وضعه، فذكر الحكاية المذكورة. قاله ابن عراق في "التنزيه" ١/ ١٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أحسن ما قاله الذهبيّ رحمه اللهُ تعالى، فإن لوائح الوضع على القصّة ظاهرة. والله تعالى أعلم.
ومن أمثلته أيضًا: ما رواه ابن حبّان في مقدمة كتابه المذكور، عن مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يسأل الناس، فلم يُعط شيئًا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سأل السائل ثلاثًا، فلم يُعط، فليكبّر عليهم ثلاثًا، وجعل يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم مرّ، فذكر ذلك ليزيد بن هارون، فقال: كذب عليّ الخبيثُ، ما سمعت بهذا قطّ.
ومن أمثلة الثالث: قصّة غياث بن إبراهيم مع المهديّ، ذكرها ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، وهي أنه دخل على المهديّ، وكان المهديّ يحبّ الحمام، يلعب بها، فإذا قُدّامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان، عن فلان، أن
стр. 337
النبيّ ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل، أو خفّ، أو حافر، أو جناح"، فأمر له المهديّ ببدرة (١)، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ثم قال المهديّ: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه القصّة في صحتها نظر أيضًا، فلوائح النكارة ظاهرة عليها، فليتنبّه. والله تعالى أعلم.
وَخَامِسُ الأَصْنَافِ أَهْلُ الْغَرَضِ ... كَمَنْ يقُصُّ كَاذِبًا ذَا مَرَضِ
وَالشَّاحِذِينَ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ ... لِلأُمَرَاءِ آخِذًا مَا يَطْلُبُ
كَبَعْضِ مَنْ قَصَّ بِأَنَّ عُمَرَا ... نُورٌ لِلإِسْلَامِ فِبِئْسَمَا افْتَرَى
وَمِنْهُ مَا افْتَرَاهُ بَعْضُ الْمُعْتَدِي ... عَلَى ابْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى الْمُهْتَدِي
وَالذَّهَبِيُّ أَنْكَرَ الحِكَايَهْ ... فَاللهُ أَعْلَمُ لَنَا حِمَايَهْ
كَذَاكَ تَكْبِيرٌ أَتَى مِنْ سَائِلِ ... ثَلَاثًا افْتَرَاهُ غَيْرُ عَاقِلِ
كَذَا غِيَاثٌ فِي حَدِيثِ "مَنْ سَبَقْ" ... زَادَ "جَنَاحًا" بِئْسَمَا لَهُ اخْتَلَقْ
وَصَلَهُ الْمَهْدِي بِبَدْرَةٍ فَمَا ... أَحْسَنَ فِي هَذَا وَلَكِنْ عِنْدَ مَا
قَدْ ذَبَحَ الْحَمَامَ وَاللَّهْوَ رَفَضْ ... خَفَّفَ مَا لَهُ مِنَ اللَّوْمِ عَرَضْ
الصنف السادس: قوم حملهم الشره، ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذي الإسناد الضعيف إسنادًا صحيحا مشهورًا، وجعل بعضهم للحديث إسنادًا غير إسناده المشهور، ليُستغرب، ويُطلب، قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبي حية، كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذاك؛ لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيبيّ، وبهلول بن عُبيد، وأصرم بن حوشب. قال الحافظ: وهذا داخل في قسم المقلوب. وقال القاضي تاج الدين السبكيّ في "طبقات الشافعية الكبرى" نقلًا عن السؤالات الحديثية التي سأل الحافظ أبو سعدان عليك عنها الأستاذ أبا إسحاق الإسفراينيّ: إن من قلب الإسناد؛ ليُستغرب حديثه، ويُرغب فيه، يصير دجّالًا كذّابًا، تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها.
ومنهم: من كان يدّعي سماع ما لم يسمع، قال ابن الجوزيّ: حدّث عبد الله بن إسحاق الكرمانيّ عن محمد بن يعقوب، فقيل له: مات محمد قبل أن تولد بتسع سنين. وحدّث محمد بن حاتم الكشيّ عن عبد بن حُميد، فقال أبو عبد الله الحاكم: هذا
стр. 338
الشيخ سمع من عبد بن حُميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وإلى هذا الصنف أشرت في المنظومة المذكورة بقولي:
وَسَادِسُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ وَضَعُوا ... مَحَبَّةَ الظُّهُورِ فِيمَا اصْطنَعُوا
فَجَعَلُوا الصَّحِيحَ مِنْ إِسنَادِ ... بَدَلَ ذِي الضُّعْفِ الْمَهِينِ الْبَادي
أَوْ سَنَدًا مُشْتَهِرًا بِعَكْسِهِ ... لِيَرْغَبَ النَّاسُ إِلَى اقْتِبَاسِهِ
مِنْ هَؤُلَاءِ أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبِ ... بُهْلُولُ إِبْرَاهِيمُ حَمَّادُ الْغَبِي
وَمِنْهُمُ مَنْ لِسَمَاعٍ ادَّعَى ... عَمَّنْ غَدَا لِقَاؤُهُ مُمْتَنِعَا
كَمَا ابْنُ إِسْحَاقَ سَمَاعًا أَفْصَحَا ... عَنِ ابْنِ يَعْقُوبَ لِذَاكَ افْتَضَحَا
كَذَاكَ عَنْ عَبْدٍ رَوَى ابْنُ حَاتِمِ ... فَجَاءَنَا تَكْذِيبُهُ عَنْ حَاكِمِ
الصنف السابع: قوم وقع الموضوع في حديثهم، ولم يتعمّدوا الوضع، كمن يَغلَط، فيُضيف إلى النبيّ ﷺ كلام بعض الصحابة، أو غيرهم، وكمن ابتُلي بمن يَدُسّ في حديثه ما ليس منه، كما وقع لحمّاد بن سلمة مع ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء، وكما وقع لسفيان بن وكيع مع ورّاقه قرطمة، ولعبد الله بن صالح، كاتب الليث مع جاره، وكمن تدخل عليه آفة في حفظه، أو في بصره، أو في كتابه، فيروي ما ليس من حديثه غالطًا، قال ابن الصلاح رحمه اللهُ تعالى: وأشدّ هذه الأصناف ضررًا أهل الزهد؛ لأنهم للثقة بهم، وتوسّم الخير فيهم يَقبَل موضوعاتهم كثير ممن هو على نمطهم في الجهل، ورقّة الدين. وقال الحافظ رحمه اللهُ تعالى: ويلتحق بالزهّاد في ذلك المتفقّهة الذين استجازوا نسبة ما دلّ عليه القياس إلى النبيّ ﷺ ، قال: وأخفى الأصناف الصنف الأخير الذين لم يتعمّدوا الكذب مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد؛ لدقّة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقّاد، وأما باقي الأصناف فالأمر فيهم أسهل؛ لأن كون تلك الأحاديث كذبًا لا تخفى إلا على الأغبياء. انتهى (١).
وإلى هذا الصنف أشرت في المنظومة المذكورة بقولي:
وَسَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ وَضَعُوا ... مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ غَلطًا، فَافْتَجَعُوا
فَنَسَبُوا إِلَى النَّبِيِّ مَا وَرَدْ ... عَنْ صَحْبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ لِذَا يُرَدّ
وَكَا الَّذِي بِمَنْ يَدُسُّ يُبْتَلَى ... مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ فَأُبْطَلَا
كَابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ حَمَّادًا ظَلَمْ ... كَذَاكَ قُرْطُمَةُ سُفْيَانَ اخْتَرَمْ
وَكَاتِبُ اللَّيْثِ بِجَارِهِ بُلِي ... وَكَالَّذِي بِآفَةٍ قَدِ ابْتُلِي
стр. 339
فِي حِفْظِهِ أَوْ كُتْبِهِ أَوْ بَصَرِهْ ... ثُمَّ رَوَى بَعْدُ لِغَيْرِ خَبَرِهْ
أَشَدُّ الأَصْنَافِ جمِيعًا ضَرَرَا ... مَنْ زُهْدُهُ بَيْنَ الْعِبَادِ ظَهَرَا
يَقْبَلُ مَوْضُوعَاتِهِمْ كَثِيرُ ... مِمَّنْ عَلَى نَمَطِهِمْ يَسِيرُ
وَمِثْلُهُمْ مَنْ جَوَّزُوا أَنْ يُنْسَبَا ... إِلَى النَّبِي مَا بِالْقِيَاسِ يُجْتَبَى
ثُمَّةَ ذَا الأَخِيرُ حَقًّا أَخْفَى ... وَغَيْرُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال الحافظ ابن كثير رحمه اللهُ تعالى: حُكي عن بعض المتكلّمين إنكار وقوع الوضع بالكلّيّة، وهذا القائل إما لا وجود له، أو هو في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعيّة، وقد حاول بعضهم الردّ عليه بأنه قد ورد عنه ﷺ أنه قال: "سيُكذب عليّ"، فإن كان هذا صحيحًا، فسيقع الكذب عليه لا مَحالة، وإن كان كذبًا، فقد حصل المطلوب .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مما بُحث عنه، فلم يوجد، كما نبّه عليه الجلال المحليّ في "شرح جمع الجوامع"، فيكون مثالًا للموضوع. والله تعالى أعلم.
قال: وأُجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه الآن، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذُكر.
وهذا القول، والاستدلال عليه، والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث، وحفّاظه الذين كانوا يتضلّعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها، وأضعافها من المكذوبات؛ خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس. انتهى.
وإلى هذا أشرت في "تذكرة الطالبين" بقولي:
قَالَ الْعِمَادُ بَعْضُهُمْ قَدْ أَنْكَرَا ... وُقُوعَ مَوضُوعٍ وَهَذَا أُنْكِرَا
فَرّدَّهُ بعْضٌ بِأَنَّهُ وَرَدْ ... عَنْهُ "سَيُكْذَبُ" فَإِنْ صَحَّ السَّنَدْ
فَلَازِمٌ وُقُوعُهُ أَوْ لَا فَذَا ... يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ فَافْهَمْ يَا هَذَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: قال العلّامة ابن عراق رحمه اللهُ تعالى: قال السيف أحمد بن أبي المجد: أطلق ابن الجوزيّ الوضع على أحاديث؛ لكلام بعض الناس في رُواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقويّ، ونحوهما، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة لكتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، ولا يُنكره عقلٌ، ولا نقلٌ، ولا حجةَ معه لوضعه سوى كلام ذلك الرجل في رُواته، وهذا عدوان، ومجازفة. انتهى .
стр. 340
نقله شيخ شيوخنا العلامة المحدث شمس الدين السخاويّ في "شرح التقريب"، وقال عقبه بل مجرّد اتّهام الراوي بالكذب مع تفرّده لا يسوغ الحكم بالوضع، ولذا جعله شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- نوعًا مستقلّا، وسمّاه بالمتروك، وفسّره بأن يرويه من يُتّهم بالكذب، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة، قال: وكذا من عُرف بالكذب في كلامه، وإِن لم يظهر وقوعه منه في الحديث، وهو دون الأول. انتهى. وخرج بقوله: من يُتّهم بالكذب من عُرف بالكذب في الحديث، وروى حديثًا لم يروه غيره، فإنا نحكم على حديثه ذلك بالوضع، إذا انضمّت إليه قرينة تقتضي وضعه، كما صرّح به الحافظ العلائيّ، وغيره. انتهى "تنزيه الشريعة" ١/ ١٠.
وإلى هذا أشرت في "تذكرة الطالبين" بقولي:
وَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ وَضْعًا أَطْلَقَا ... عَلَى أَحَادِيثَ فَبِئْسَمَا انْتَقَى
لِطَعْنِ بَعْضِ النَّاسِ فِيمَنْ قَدْ رَوَى ... وَلَيْسَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ قَدْ حَوَى
دَلَائِلَ الْبُطْلَانِ غَيْرَ ذَالِكَا ... وَذَا تَشَدُّدٌ فَدَعْهُ تَارِكَا
بَلْ مَا رَوَى مُتَّهَمٌ مُنْفَرِدَا ... فَسَمِّهِ الْمَتْرُوكَ نِلْتَ الرَّشَدَا
وَسَمَهُ بِذَا حَذَامِ الْخَبَرِ ... الْعَسْقَلَانِيُّ الْعَجِيبُ النَّظَرِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال الإمام ابن الجوزيّ رحمه اللهُ تعالى: لَمّا لم يمكن أحدًا أن يزيد في القرآن، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله ﷺ ، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله تعالى علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح، ويَفضَحون القبيح، وما يُخلي الله منهم عصرًا من الأعصار، غير أنهم قلّوا في هذا الزمان، فصاروا أعزّ من عنقاء مُغرب:
وَقَدْ كَانُوا إِذَا عُدُّوا قَلِيلَا ... فَقَدْ صَارُوا أَقَلّ مِنَ الْقَلِيلِ
قال سفيان الثوريّ: الملائكة حُرّاس السماء، وأصحاب الحديث حُرّاس الأرض. وقال يزيد بن زُريع: لكلّ دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد. وروينا عن ابن المبارك أنه قيل له: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة. انتهى.
وذكر الحافظ الذهبيّ في "تذكرة الحفّاظ" أن الرشيد أخذ زنديقًا ليقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها، فقال: أين أنت يا عدوّ الله من أبي إسحاق الفزاريّ، وابن المبارك، ينخُلانها، فيُخرجانها حرفًا حرفًا.
وقال ابن قتيبة في كتابه "اختلاف الحديث" يمدح أهل الحديث: "التمسوا الحقّ
стр. 341
من وجهته، وتتبّعوه من مظانّه، وتقرّبوا إلى الله باتباعهم سنن رسول الله ﷺ ، وطلبهم لأخباره برّا وبحرًا، وشرقًا وغربًا، ولم يزالوا في التنقير عنها، والبحث لها، حتّى عرفوا صحيحها، وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها إلى الرأي، فنبّهوا على ذلك، حتى نجم الحقّ بعد أن كان عافيا، وبسق بعد أن كان دارسًا، واجتمع بعد أن كان متفرّقًا، وانقاد للسنّة من كان عنها معرضًا، وتنبّه عليها من كان غافلًا، وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغريب، وفي الغرائب الداء، ولم يحملوا الضعيف والغريب لأنهم رأوهما حقّا، بل جمعوا الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم؛ ليميّزوا بينهما، ويدلّوا عليهما، وقد فعلوا ذلك. انتهى باختصار.
وقال ابن حبّان: أخبرني الحسن بن عثمان بن زياد، قال: حدّثنا محمد بن منصور، قال: مرّ أحمد بن حنبل على نفر من أصحاب الحديث، وهم يَعْرِضون كتابًا لهم، فقال: ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ حتى تقوم الساعة"، قال ابن حبّان: ومن أحقّ بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل، والأوطان، وقنعوا بالكسر والأطمار، في طلب السنن والآثار، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والافتقار، متّبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين ثَبَج محجّة الصالحين برد الكذب عن رسول ربّ العالمين، وذبّ الزور عنه حتى وضح للمسلمين المنار، وتبيّن لهم الصحيح من الموضوع والزور من الأخبار. انتهى.
وإلى ما ذُكر أشرت في منظومتي المذكورة بقولي:
لَمّا حَمَى اللهُ الْكِتَابَ الْمُنْزَلَا ... عَنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُبدَّلَا
أَخَذَ أَقْوَامٌ يَزِيدُون عَلَى ... أَخْبَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِيَفْصِلَا
فَأَنْشَأَ اللهُ حُمَاةَ الدِّينِ ... يُمَيِّزُونَ الْغَثَّ عَنْ سَمِينِ
قَدْ أَيَّدَ اللهُ بِهِمْ أَعْصَارَا ... وَنَوَّرُوا الْبِلَادَ وَالأَمْصَارَا
وَحَرَسُوا الأَرْضَ كَأَمْلَاكِ السَّمَا ... أَكْرِمْ بِفُرْسَانٍ يَجُولُونَ الْحِمَى
وَقَالَ سُفْيَانُ الْمَلَائِكَةُ قَدْ ... حَرَسَتِ السَّمَاءَ عَنْ طَاغٍ مَرَدْ
وَحَرَسَ الأَرْضَ رُوَاةُ الْخَبَرِ ... عَنْ كُلِّ مُجْرِمٍ مَرِيدٍ يَفْتَرِي
وَابْنُ زُرَيْعٍ قَالَ قَوْلًا يُعْتَبَرْ ... لِكُلِّ دِينٍ جَاءَ فُرْسَانٌ غُرَرْ
فُرْسَانُ هَذَا الدِّينِ أَصْحَابُ السَّنَدْ ... فَاسْلُكْ سَبِيلَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ
وَابْنُ الْمُبَارَكِ الْجَلِيلُ إِذْ سُئِلْ ... عَمَّا لَهُ الْوَضَّاعُ كَيْدًا يَفْتَعِلْ
قَالَ تَعِيشُ دَهْرَهَا الْجَهَابِذَهْ ... حَامِيَةً تِلْكَ الْغُثَاءَ نَابِذَهْ
وَأَخَذَ الرَّشِيدُ زِنْدِيقًا بَغَى ... فَقَالَ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفٍ طَغَا
فَقَالَ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ فَزَارِي ... وَابْنِ الْمُبَارَكِ الْجَلِيلِ الدَّارِي
صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ، فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَالَتِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى أنه كما يُترك أحاديث المتّهمين كذلك يترك أحاديث من كان الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط، ثم بيّن ما يُعرف به الحديث المنكر، وهو أنه إذا عُرضت رواية راويه على رواية الحفّاظ الأثبات خالفت روايته روايتهم، فإذا كان كذلك لا يُقبل حديثه، بل يكون مردودًا.
ثم ذكر أمثلة لهذا النوع، حيث قال: فمن هذا الضرب من المحدّثين عبد الله بن مُحَرَّر الخ. ثم بيّن أن مذهب أهل العلم في قبول ما ينفرد به المحدّث أن يُشارك الثقات الأثبات فيما يروونه من الأحاديث، ولو في بعض مرويّاتهم، فيوافقهم على ذلك، فإذا كان كذلك، ثم زاد على أصحابه قُبلت زيادته.
وأما الذي يروي عن الأئمة المشهورين، كالزهريّ، وهشام بن عروة، ممن اشتهر بكثرة الأحاديث، وكثرة الرواة الأثبات المتقنين ما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ذلك الراوي شارك الثقات الحفّاظ في رواية أحاديثهما الصحيحة، فلا يجوز قبوله؛ لكونه منكر الحديث. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَكَذَلِكَ) أي مثل ما تقدّم من ترك أحاديث المتّهمين بالوضع، والجارّ والمجرور متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائنًا مثل ما تقدّم (مَنِ) بفتح الميم موصولة مبتدأ، خبره قوله: "أمسكنا" (الْغَالِبُ) أي الكثير (عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ) أي غير المعروف عند
стр. 344
أهل الحديث (أَوِ الْغَلَطُ) بفتح اللام، مصدر غلِط، من باب تعِب: أي أو كان الغالب على حديثهم الغلط (أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ) أي تركنا إخراج أحاديثهم في هذا الكتاب. فقوله: "الغالب" مبتدأ، وقوله: "على حديثه" متعلّق به، وقوله: "المنكر" خبر المبتدإ، والجملة صلة: "من"، وقوله: "أو الغلط" عطف على "الغالب"، وقوله: "أمسكنا الخ" خبر "من".
وحاصل معنى كلامه رحمه الله تعالى أنه كما ترك إخراج أحاديث المتّهمين بالوضع، ترك أيضًا من كان قريبًا من درجتهم، وهم الذين يغلب على أحاديثهم المنكر، أو الغلط. والله تعالى أعلم بالصواب.
ثم ذكر علامةً يعرف بها كون الحديث منكرًا، فقال:
(وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ) مبتدأ خبره جملة "إذا": والعلامة، كالعَلَم -بفتحتين-: الفصل يكون بين الأرضين، وشيء يُنصب في الْفَلَوَات تهتدي إليه الضالّة. أفاده في "اللسان". والمعنى: أن علامة وقوع المنكر (فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ) متعلّق بـ "المنكر" (إِذَا مَا عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول (رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ) متعلّق بما قبله (عَلَى رِوَايَةِ غيْرِهِ) متعلّق بـ "عُرضت" (مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا) أي من الرواة الحفّاظ العدول، وقد أشار رحمه الله تعالى بهذا إلى شرطي قبول حديث المحدّث، وهما الحفظ، والعدالة؛ إذ هي المراد بالرضا، كما قال الله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد بين المرضي في آية أخرى، حيث قال : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فدلّ على أن العدل هو المرضيّ الذي تجوز شهادته، والرواية في هذا مثل الشهادة، كما سيأتي في كلام المصنّف رحمه الله تعالى.
وإلى الشرطين المذكورين أشار السيوطيّ في ألفيّة الحديث، حيث قال:
لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا ... عَدْلٌ وَضَبْطٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا
مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا ... خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا
يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ كِتَابًا يَضْبِطُ ... إِنْ يَرْوِ مِنْهُ عَالِمًا مَا يُسْقِطُ
إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَضَبْطُهُ عُرِفْ ... إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ
وقوله: (خَالَفَتْ) جواب "إذا" (رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ) أي لم توافقها أصلًا (أَوْ لم تَكَدْ) أي لم تقرب (تُوَافِقُهَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: لا توافقها إلا في قليل، قال أهل اللغة. "كاد" موضوعة للمقاربة، فإن لم يتقدّمها نفي كانت لمقاربة الفعل، ولم يفعل، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠]، وإن تقدّمها نفي كانت للفعل بعد بُطء، وإن شئت قلت: لمقاربة عدم الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا
стр. 345
يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. انتهى (١).
[فائدة]: اعلم أنه قد اشتهر بين النحويين أن "كاد" إثباتها نفي، ونفيها إثبات، حتى جعله بعضهم لغزًا، حيث قال:
أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ ... جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةِ الْجَحْدِ أَثْبَتَتْ ... وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
والصحيح -كما قال الفاكهيّ، وغيره-: أنها كسائر الأفعال، نفيُها نفي، وإثباتها إثبات، وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن معنى الكلام: أنهم ذبحوها، ولم يكونوا قبل الذبح قريبين إلى الذبح؛ بناءً على التعنّتات الصادرة عنهم. وحاصله أن انتفاء مقاربتهم إلى الذبح إنما كان قبل زمان الذبح، فلما انقطعت تعلّلاتهم، وانتهت سؤالاتهم فعلوه، كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل (٢). والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ) أي المحدث (كَذَلِكَ) أي كما ذُكر، من المخالفة أصلًا، أو المخالفة إلا في القليل النادر (كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ) أي متروكه، من هجرته هجرًا: إذا قطعته، وقوله: (غَيْرَ مَقْبُولِهِ) مؤكّد لما قبله، كقوله (وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ) بصيغة اسم المفعول: أي غير جائر الاستعمال، بمعنى أنه لا يجوز العمل بحديثه.
ثم ضرب أمثلة لهؤلاء الذين تُهْجَرُ أحاديثهم؛ لنكارتها، وغلبة الغلط فيها بذكر بعضهم، فقال:
(فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ) أي الصنف، قال في "القاموس": والضرب الصنف من الشيء، كالضريب، والمَضروبِ. انتهى (مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ) بالرفع على أنه مبتدأ مؤخّر، خبره الجار والمجرور قبله.
و"محرّر" بصيغة اسم المفعول المضعّف، من التحرير، قال النوويّ: هو بفتح الحاء المهملة، وبراءين مهملتين، الأولى مفتوحة مشدّدة، هكذا هو في روايتنا، وفي أصول أهل بلادنا، وهذا هو الصواب، وكذا ذكره البخاريّ في "تاريخه"، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ، وآخرون من الحفّاظ. وذكر القاضي عياض أن جماعة شيوخهم رووه مُحْرِزًا بإسكان الحاء، وكسر الراء، وآخره زاي، قال: وهو غلط، والصواب الأول. انتهى (٣).
стр. 346
وهو عبد الله بن محرّر -براء مهملة مكررة- العامري الجزري الحراني، ويقال الرَّقّي، قاضي الجزيرة، ولّاه أبو جعفر قضاء الرّقّة، وهو من تابعي التابعين. روى عن قتادة، والزهري، ونافع، وعبد الكريم الجزري، وأيوب، والحكم بن عتيبة، وعدة. وعنه الثوري، وهو من أقرانه، وإسماعيل بن عياش، وبقية، وعبد الرزاق، وحاتم بن إسماعيل، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم. قال حمدان الوراق، عن أحمد: ترك الناس حديثه. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو نعيم، الفضل بن دكين: ما نصنع بحديثه، هو ضعيف. وقال عمرو بن علي، وأبو حاتم، وعلي بن الجنيد، والدارقطني: متروك الحديث. وكذا قال النسائي، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم أيضا: منكر الحديث، ترك حديثه ابن المبارك. وقال الجوزجاني: هالك. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن المبارك: كنت لو خيرت بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى عبد الله بن محرر، لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب، ولا يعلم، ويُقلّب الأسانيد، ولا يفهم. وقال عبد الرزاق: في روايته عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ : "عَقَّ عن نفسه بعد النبوة"، قال عبد الرزاق: إنما تركوه لحال هذا الحديث. وقال ابن عدي: رواياته عن من يروي عنه غير محفوظة. وقال هلال بن العلاء الرَّقَّيُّ في "تاريخه": ذكروا أنه مات في خلافة أبي جعفر، وهو منكر الحديث، حدث عن الزهري، وقتادة، ويزيد بن الأصم بأحاديث مناكير. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه علينا، وضربنا عليه. وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي جعفر، وكان ضعيفا، ليس بذاك. وذكره البخاريّ في "الأوسط" فيمن مات ما بين الخمسين إلى الستين. وقال أبو نعيم الأصبهاني: روى عن قتادة المناكير. له في ابن ماجه حديث واحد في الحلف باليهودية (١). وسيذكره المصنّف في "باب كشف معايب رواة الحديث"، إن شاء الله تعالى.
(وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) -بضم الهمزة، مصغّرًا- واسمه زيد، ويقال أسامة الغنوي مولاهم، أبو زيد الجزري، روى عن عمرو بن شعيب، وجابر الجعفي، والحكم بن عتيبة، والزهري، وعلقمة بن مرثد، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. روى عنه الأعمش،
стр. 347
وهو أكبر منه، وابن إسحاق، وأبو خيثمة، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو معاوية الضرير، وعبد الله بن بكر السهمي، وآخرون.
قال ابن سعد: كان يسكن الرُّها، وكان أحدث من أخيه زيد بن أبي أنيسة، وكان ضعيفًا، وأصحاب الحديث لا يكتبون حديثه. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثا عن يحيى بن أبي أنيسة شيئا قط. وقال صالح بن أحمد، عن علي ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: يحيى بن أبي أنيسة أحب إلي من حجاج بن أرطاة، وأشعث بن سَوّار، وابن إسحاق، قال ابن أبي حاتم: فذكرت ذلك لأبي، فقال: يحيى بن سعيد لم يكتب عن ابن أبي أنيسة، ولو كتب عنه لم يقل هذا. قال زيد ابن أبي أنيسة: أخي يحيى يكذب، وحجاج، وأشعث، وابن إسحاق كل هؤلاء أحب إلي من يحيى. وقال عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد: سمعت ابن عيينة يقول: كانوا يجتمعون على كتاب يحيى بن أبي أنيسة عند الزهري. وقال عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو الرَّقّي: قال لي زيد بن أبي أنيسة: لا تكتب عن أخي يحيى، فإنه كذاب. وقال أحمد بن أبي يحيى، عن أحمد بن حنبل: يحيى بن أبي أنيسة متروك الحديث. وقال الأثرم عن أحمد: ليس هو ممن يكتب حديثه، قيل له: لم؟ قال: حديثه يدلك عليه. وقال الجوزجاني: غير ثقة، سمعت أحمد يذكره بالذم. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن الدَّوْرقي عن ابن معين: كان أقدم من أخيه زيد، وليس حديثه بشيء. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه؟ فقالا: ليس بالقوي، وقال أبي: هو ضعيف الحديث. وقال ابن المديني: ضعيف، لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: صدوق، وكان يهم في الحديث. وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه، إلا من لا يَعلَم. وقال يعقوب بن سفيان: لا يكتب حديثه إلا للمعرفة. وذكره فيمن لا ينبغي لأهل العلم أن يَشْغَلوا أنفسهم بحديثهم، وفي باب من يُرغَب عن الرواية عنهم، وكنت أسمع أصحابنا يضعفونهم. وقال البخاري: ليس بذاك، وقال أيضا: لا يتابع في حديثه. وقال النسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: يقع في رواياته ما لا يتابع عليه، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة. وقال الساجي: متروك الحديث، ضعيف جدا، كان صدوقا، ولم يكن بالحافظ. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. قال أبو عروبة: أخبرني أبو فروة أنه مات سنة ست وأربعين ومائة. له عند الترمذيّ حديث واحد برقم (١٢٦٠) "من كاتب عبده على مائة أوقيّة، فأداها ... ) الحديث. وقال في التقريب: ضعيف من السادسة.
(وَالْجَرَّاحُ) بفتح الجيم، وتشديد الراء (ابْنُ الْمِنْهَالِ) بكسر، فسكون (أَبُو
стр. 348
الْعَطُوفِ) -بفتح العين، وضمّ الطاء المهملتين- الجزري، روى عن الزهري، قال أحمد: كان صاحب غفلة. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر، مات سنة ثمان وستين ومائة. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم، والدولابي: متروك الحديث، ذاهب لا يكتب حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وذكره البرقي في "باب من اتُّهم بالكذب". وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجارود: ليس بشيء. وذكره الساجي، والعقيلي، والجوزجاني في "الضعفاء". وقال ابن الجوزي: قلب ابن إسحاق اسمه، فسماه المنهال بن الجراح. وكذا قلبه يوسف بن أسباط، وقع كذلك في "كتاب الطهارة" -من "شرح السنة" للبغوي. وليس له في الكتب الستة شيء (١).
(وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ) الثقفي البصري، رَوَى عن أيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وعمرو بن خالد الواسطي، وثابت البناني، وعبد الله بن طاووس، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب، وأبي الزبير، وأبي الزناد، وغيرهم، وروى عنه إبراهيم بن طهمان، وأبو خيثمة، وهما من أقرانه، وإسماعيل بن عياش، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وأبو ضمرة، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوأ حالا من الحسن بن عمارة، وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان صالحا، قلت: فكيف روى ما لم يسمع؟ قال: الْبُلْهُ والغفلة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ضعيف الحديث، وليس بشيء. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء في الحديث، وكان رجلا صالحا. وقال ابن المبارك: انتهيت إلى شعبة، فقال: هذا عباد بن كثير فاحذروه. وقال ابن المبارك أيضا: قلت للثوري: إن عبادا من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال: بلى. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة، ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكار. وعن أبي زرعة: لا يكتب حديثه، كان شيخا صالحا، وكان لا يضبط الحديث، قال: وكان في كتاب أبي زرعة: حديث عن أحمد بن يونس، عن زهير عنه، فقال: اضربوا عليه. وقال البخاري: اتركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال
стр. 349
الدارقطني: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني: لا ينبغي لحكيم أن يذكره في العلم حسبك بحديث النهي. وقال ابن عدي: حدث من المناهي بمقدار ثلاث مائة حديث، قال: ومقدار ما أمليت من حديثه لا يتابع عليه. قال الحافظ: وحديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني، هو الذي ذكر ابن عدي أنه مقدار ثلاثمائة حديث، وصدق ابن عدي قد رأيتها، وكأنه لم يترك متنا صحيحا ولا سقيما، فيه نهى رسول الله ﷺ عن كذا إلا وساقه على ذلك الإسناد، الذي ركبه، وهو: حدثني عثمان الأعرج، حدثني يونس، عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعة من أصحاب رسول الله ﷺ : عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبو هريرة، ومعقل بن يسار، وعمران بن حصين، فساق الحديث عنهم، وافترى في زعمه أن الحسن سمع من هؤلاء، نعم سمع من معقل، وعمران، واختُلف في سماعه من أبي هريرة، وساق ابن حبان بعضه في ترجمة عباد بن راشد، عن الحسن، وزعم أن ابن قتيبة أخبره به، عن صفوان بن صالح، عن ضمرة بن ربيعة عنه، وما أظنه إلا وَهِمَ في ذلك، أو بعض من تقدمه، والله أعلم. وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وقال: سكتوا عنه، وقال الحاكم، وأبو نعيم، أبو عبد الله شيخ قديم، كان الثوري يُكَذِّبه، ولما مات لم يصل عليه، حَدّث عن هشام، والحسن، وابن عقيل، ونافع بالمعضلات، وقال يعقوب بن سفيان: يُذكَر بزهد، وتقشف، وحديثه ليس بذاك. وقال البرقي: ليس بثقة. وقال ابن عمار: ضعيف، وعباد بن كثير الرملي أثبت منه. وقال العجلي: ضعيف، متروك الحديث، وكان رجلا صالحا. وقال عبد الله بن إدريس: كان شعبة لا يستغفر له. روى له أبو داود، وابن ماجه. وسيذكره المصنّف في "باب ذكر معايب رواة الحديث".
(وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ) بن أبي ضميرة سعيد الْحِمْيري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد بن الحباب، وغيره، كذبه مالك. وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب. وقال أحمد: لا يساوي شيئا. وقال ابن معين: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، يضرب على حديثه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث. وقال البخاري في "التاريخ الأوسط": تركه علي، وأحمد. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي أويس: كان يُتَّهم بالزندقة. وقال العقيلي: نسبه مالك إلى الكذب، قاله ابن مهدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجارود: كذاب ليس بشيء. وقال الإدريسي: لما خرج إسماعيل بن أبي أويس إلى حسين بن عبد الله بن ضميرة، فبلغ مالكا، فهجره أربعين يوما. وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والنكارة،
стр. 350
وساق له عن أبيه، عن جده، عن علي رفعه: "المجالس بالأمانة في الحديث"، وقال: هذا قد جاء عن جابر بن عتيك بلفظ: "إذا حدث الرجل، ثم التفت، فهي أمانة" (١). ليس له في الكتب الستة شيء.
(وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ) -بضم الصاد المهملة، وإسكان الهاء- ويقال: عمر بن محمد ابن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، خال إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. روى عن زيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، وصفوان بن سليم، والزهري، وابن المنكدر، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، وثابت البناني، وغيرهم. وروى عنه مندل بن علي، وعيسى بن يونس، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن شعيب بن شابور، وسعيد بن سلام العطار، وأبو علي الحنفي، ومعلّى بن أسد العمي، وعبيد الله بن موسى، وآخرون.
قال أحمد: لم يكن بشيء أدركته، ولم أسمع منه. وقال الدوري، عن ابن معين: لا يسوى حديثه فلسا. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، متروك الحديث. وقال الأزدي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، وغلبت على حديثه المناكير. قال الخطيب في حديث سعيد ابن سلام العطار، عن عمر بن محمد: هو عمر بن محمد بن صهبان، ولم يرو سعيد عن عمر بن محمد بن زيد شيئا. وقال الساجي: فيه ضعف، يحدث عن أبي الزبير، وعمارة بن غزية بأحاديث يخالف فيها. وقال ابن أبي مريم: قال عمي -يعني سعيد بن أبي مريم-: لم يكن بشيء أدركته، ولم أسمع منه. وقال ابن شاهين في "الضعفاء": قال أبو نعيم: كان ضعيفا. وقال في "الثقات" قال أحمد بن صالح: ثقة ما علمت إلا خيرا، ما رأيت أحدا يتكلم فيه. وقال الحاكم: روى عن نافع، وزيد بن أسلم أحاديث مناكير. وقال النسائي في "الكنى": أبو حفص عمر، خال ابن أبي يحيى، أنا إبراهيم ابن يعقوب، ثنا الحنفي، ثنا أبو حفص، خال ابن أبي يحيى، وكان أرضى أهل المدينة يومئذ، أهلُ المدينة له حامدون، ثنا صفوان بن سليم ... فذكر حديثا. وقال علي بن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البغوي: ضعيف الحديث. وقال البخاري في "التاريخ": قال الفضل بن سهل: هو عمر بن محمد بن صهبان. وقال ابن سعد: عمر
стр. 351
ابن صهبان كان قليل الحديث، مات سنة سبع وخمسين ومائة، وفيها أرخه خليفة، وابن قانع. تفرد به ابن ماجه، له عنده حديث واحد، في الأكل يوم الفطر قبل الغدو.
(وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ) أي قَصَدَ قَصْدَ هؤلاء المذكورين، وسلك طريقهم (فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ) بتشديد الراء، من التعريج، وهو الميل، والعطف، والإقامة، قال في "اللسان"، : عرّج عليه: عَطَف، وعرّج بالمكان: أقام، وقال أيضًا: والتعريج أن تَحْبِس مطيتك، مقيما على رُفقتك، أو لحاجة. انتهى. فالمعنى هنا: لا نميل إليه، ولا نخرّجه، فقوله: (وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ) عطف تفسير لـ "نعرّج".
ثم علّل عدم التعريج على حديث هؤلاء بقوله: (لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أي المحدّثين وغيرهم (وَالَّذِي نَعْرِفُ) بكسر الراء، من باب ضرب (مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بهِ الْمُحَدِّثُ) أي يرويه وحده (مِنَ الْحَدِيثِ) بيان لـ "ما" (أنْ يَكُونَ) في تأويل المصدَر خبر "أنّ"، أي كون ذلك المتفرّد (قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ) متعلق بحال مقدّر (فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا) متعلّق بـ "شارك" أي شاركهم في بعض مروياتهم الأخرى، غير ما تفرّد به (وَأَمْعَنَ) أي بالغ، قال الفيّوميّ: أمعن الفرس إمعانًا: تباعد في عَدْوِهِ، ومنه قيل: أمعن في الطلب: إذا بالغ في الإستقصاء. انتهى (فِي ذَلِكَ) اسم الإشارة راجع إلى "بعض ما رووا" (عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ) أي للثقات، والجارّان متعلقان بـ "أمعن" (فَإِذَا وُجِدَ) بالبناء للمفعول (كَذَلِكَ) أي على الصفة المذكورة من الموافقة، فالكاف بمعنى "على"، فإنها تأتي بمعناها عند الأخفش، والكوفيين، ومنه قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: كخير: أي على خير (١) (ثُمَّ زَادَ) ذلك المحدّث (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد أن ظهرت موافقته للثقات في بعض مروياتهم (شَيْئًا) مفعول به لـ "زاد" (لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ) يريد بهم الثقات المذكورين، والجملة صفة "شيئًا" (قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة جواب "إذا".
وحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى في كلامه هذا أن شرط قبول زيادة الراوي أن يكون مشاركًا للحفّاظ المتقنين في بعض ما يروونه من الأحاديث، من غير مخالفة لهم، فمن كان حاله هكذا إذا زاد شيئًا على أصحابه الثقات، جاز قبول زيادته؛ لأنه يُحمل على أنه حفظ ما لم يحفظوا، ولا يُستبعد ذلك منه؛ لأنه حافظ، فيمكن أن يكون الشيخ حدّث بالحديث في مجالس، فزاد في بعضها، ونقص في بعضها، فحضر ما لم يحضروا، وحفظ ما لم يحفظوا.
стр. 352
وأما إذا كان المتفرّد بتلك الزيادة بخلاف ذلك، لم تقبل زيادته، كما بيّنه بقوله:
(فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ) بكسر الميم، يقال: عمدت للشيء عمدًا، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت، وتعمّدته: قصد إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ (لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، القرشي الزهري الفقيه، أبو بكر الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام.
قال البخاري عن علي بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال الآجري عن أبي داود: جميع حديث الزهري كله ألفا حديث ومائتا حديث، النصف منها مسند، وقدر مائتين عن غير الثقات، وأما ما اختلفوا فيه فلا يكون خمسين حديثا، والاختلاف عندنا ما تفرد به قوم على شيء. وقال الذهلي عن عبد الرزاق: قلت لمعمر: هل سمع الزهري من ابن عمر؟ قال: نعم سمع منه حديثين. وقال العجلي: روى عن ابن عمر نحوا من ثلاثة أحاديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا. وقال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس. وقال معمر عن صالح ابن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب، ولم نكتب، فأنجح وضيعت. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته. وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: قال الزهري: ما استفهمت عالما قط، ولا زدت على عالم شيئا قط. قال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: ما استعدت حديثا قط. وقال النسائي: أحسن أسانيد تُرْوَى عن رسول الله ﷺ أربعة: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، والزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، وأيوب، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي، ومنصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: ما رأيت أنص للحديث من الزهري. وقال الليث، عن جعفر بن ربيعة، قلت لعراك بن مالك: مَنْ أفقه أهل المدينة؟ فذكر سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، قال عراك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: لم يبق أحدٌ أعلم بسنة ماضية منه، قال معمر: وإن الحسن وضرباءه لأحياء يومئذ. وقال عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول: ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال أبو صالح عن الليث: ما رأيت عالما أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعتَهُ يحدث في
стр. 353
الترغيب، لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأنساب، لقلت لا يعرف إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، كان حديثه نوعا جامعا. وقال ابن أبي مريم، عن الليث: قال الزهري: ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، ولا بذله بذلي. وقال ابن مهدي، عن وهيب بن خالد، سمعت أيوب يقول: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن، قال: ما رأيت أعلم من الزهري، وكذا قال أبو بكر الهذلي. وقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم: قلت لأبي: بم فاقكم ابن شهاب؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يَلقَى في المجلس كهلا إلا ساءله، ولا شابا إلا ساءله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يلقى شابا إلا ساءله، ولا كهلا، ولا عجوزا، ولا كهلة إلا ساءلها، حتى يحاول ربات الحجال. وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل هشام بن عبد الملك الزهري، أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إن هشاما قال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب، فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفا. وقال عبد الرزاق، عن معمر: ما رأيت مثل الزهري في الفن الذي هو فيه. وقال مالك: كان من أسخى الناس. قال أبو داود، عن أحمد بن صالح يقولون: إن مولده سنة خمسين، وقال خليفة: ولد سنة إحدى وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة ست، وقال الواقدي: سنة ثمان، وكان وفاته سنة ثلاث وعشرين، قاله ضمرة بن ربيعة، وقال القطان وغير واحد: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال أبو عبيدة، وابن المديني، وعمرو ابن علي: في آخر سنة أربع، زاد الزبير بن بكار في رمضان، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقال ابن يونس وغيره: مات في رمضان، سنة خمس وعشرين ومائة.
وقال في "التقريب": الفقيه الحافظ، متّفقٌ على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٠٦) ستمائة وستة أحاديث. (فِي جَلَالَتِهِ) أي بسبب عظمته، فـ "في" بمعنى الباء السببية، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ ما، مرفوعًا: "عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا ... " الحديث، رواه البخاريّ (١)، أي بسبب هرة (وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ) من عطف
стр. 354
المسبّب على السبب؛ لأن أصحابه لم يكثروا إلا لجلالته بالعلم والحفظ (الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ) يعني أنهم مشهورون بطلب العلم، فلم يقتصروا عليه، بل حفظوا أحاديث غيره، كما حفظوا أحاديثه أيضًا (أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبي المنذر، وقيل: أبو عبد الله، رأى ابن عمر، ومسح رأسه، ودعا له، وسهل بن سعد، وجابرا، وأنسا، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، وخلق كثير.
قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هشام أحب إليك عن أبيه أو الزهريُّ؟ قال: كلاهما ولم يفضّل. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم، فسألته عن هشام بن عروة؟ فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا فهو أي كأنه يصححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه. وقال ابن سعد، والعجلي: كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتا كثير الحديث، حجة. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا، تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نَقِم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات: قدمةٌ كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة ﵂، وقَدِمَ الثانية، فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة ﵂، وقدم الثالثة: فكان يقول: أبي عن عائشة ﵂، سمع منه بآخره وكيع، وابن نمير، ومحاضر. وقال موسى بن إسماعيل، عن وهب: قدم علينا هشام بن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين. وقال الزبير بن بكار، عن عثمان بن عبد الرحمن: قال المنصور لهشام بن عروة: تذكر يوم دخلنا عليك، فقال لنا أبي: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فقال: لا أذكر ذلك، فعوتب على ذلك، فقال: لم يعودني الله تعالى في الصدق إلا خيرا، قال عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود: ولد هشام، والأعمش، وسَمَّى غيرهما سنة مقتل الحسين -يعني سنة إحدى وستين- قال الحربي: مات سنة ست وأربعين ومائة، وأرخه أبو نعيم وغيره: سنة خمس. وقال أبو حاتم: يقال: إنه توفي بعد الهزيمة سنة خمس، وقد بلغ سبعا وثمانين. وقال عمرو بن علي: مات سنة سبع وأربعين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنا ورعا فاضلا حافظا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن سعيد: هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، مكي عن مكي. وقال الآجري عن أبي داود: لَمّا حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع، هجره أبو الأسود، يتيم عروة. وقال العقيلي: قال
стр. 355
ابن لهيعة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام، عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه، قال أبو الأسود: لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غيره. وقال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، قال الحافظ: ولم نر له في ذلك سلفا. روى له الجماعة، له في "صحيح مسلم" مائة وخمسة وثمانون حديثًا.
(وَحَدِيثُهُمَا) أي حديث الزهريّ، وهشام (عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ) يعني أن أصحاب الزهريّ، وهشام رووا أكثر أحاديثهما، متّفقين، أي ورووا ما عداه مختلفين، والمراد أن أحاديثهما كلها معلومة، مدونة عند أصحابهما، أكثرها بالإتفاق، وأقلها بالإختلاف (فَيَرْوِي) ذلك العامد (عَنْهُمَا) أي عن الزهريّ، وهشام (أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ) أي المتعدّد منه (مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا) المراد أصحابهما الذين سبق ذكرهم آنفًا بأنهم رووا عنهما على الإتفاق في أكثره (وَلَيْسَ) ذلك الراوي (مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ) أي شارك أصحابهما المعروفين (فِي الصَّحِيحِ) أي في رواية الحديث الصحيح (مِمَّا عِنْدَهُمْ) أي من الأحاديث التي رووها اتفاقًا، واختلافا (فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ) أي الصنف (مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) المراد بالناس رواة الأخبار، فهو عامّ، أريد به خاصّ، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية، في قول مجاهد، ومقاتل، وعكرمة، والكلبيّ، قالوا: هو نعيم بن مسعود الأشجعيّ، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: يعني النبيّ ﷺ . وقيل: غير ذلك في الآيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى المذكور:
المسألة الأولى: أن كلامه رحمه الله تعالى يفيد أن رواة الأخبار، ونُقّال الآثار على أربعة أقسام:
[الأول]: الثقات المتقنون الذين يندُر غلطهم، فلا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فهؤلاء هم الذين اعتمد عليهم، وبنى كتابه على رواياتهم، فجعلها أصولًا، وجعل روايات من بعدهم تابعة لها.
[الثاني]: أهل الصدق، والستر، وهؤلاء هم الذين يذكر أحاديثهم على سبيل المتابعة، والشواهد لروايات الصنف الأول.
[الثالث]: المتّهمون بوضع الأحاديث، فهؤلاء لا يتشاغل برواياتهم أصلًا.
[الرابع]: من غلب على حديثه المنكر والغلط، وهؤلاء حكمهم حكم الصنف الثالث، وهذا المذهب الذي سلكه المصنّف رحمه الله تعالى في ترك الرواية عن القسمين