ابن صهبان كان قليل الحديث، مات سنة سبع وخمسين ومائة، وفيها أرخه خليفة، وابن قانع. تفرد به ابن ماجه، له عنده حديث واحد، في الأكل يوم الفطر قبل الغدو.
(وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ) أي قَصَدَ قَصْدَ هؤلاء المذكورين، وسلك طريقهم (فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ) بتشديد الراء، من التعريج، وهو الميل، والعطف، والإقامة، قال في "اللسان"، : عرّج عليه: عَطَف، وعرّج بالمكان: أقام، وقال أيضًا: والتعريج أن تَحْبِس مطيتك، مقيما على رُفقتك، أو لحاجة. انتهى. فالمعنى هنا: لا نميل إليه، ولا نخرّجه، فقوله: (وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ) عطف تفسير لـ "نعرّج".
ثم علّل عدم التعريج على حديث هؤلاء بقوله: (لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أي المحدّثين وغيرهم (وَالَّذِي نَعْرِفُ) بكسر الراء، من باب ضرب (مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بهِ الْمُحَدِّثُ) أي يرويه وحده (مِنَ الْحَدِيثِ) بيان لـ "ما" (أنْ يَكُونَ) في تأويل المصدَر خبر "أنّ"، أي كون ذلك المتفرّد (قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ) متعلق بحال مقدّر (فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا) متعلّق بـ "شارك" أي شاركهم في بعض مروياتهم الأخرى، غير ما تفرّد به (وَأَمْعَنَ) أي بالغ، قال الفيّوميّ: أمعن الفرس إمعانًا: تباعد في عَدْوِهِ، ومنه قيل: أمعن في الطلب: إذا بالغ في الإستقصاء. انتهى (فِي ذَلِكَ) اسم الإشارة راجع إلى "بعض ما رووا" (عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ) أي للثقات، والجارّان متعلقان بـ "أمعن" (فَإِذَا وُجِدَ) بالبناء للمفعول (كَذَلِكَ) أي على الصفة المذكورة من الموافقة، فالكاف بمعنى "على"، فإنها تأتي بمعناها عند الأخفش، والكوفيين، ومنه قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: كخير: أي على خير (١) (ثُمَّ زَادَ) ذلك المحدّث (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد أن ظهرت موافقته للثقات في بعض مروياتهم (شَيْئًا) مفعول به لـ "زاد" (لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ) يريد بهم الثقات المذكورين، والجملة صفة "شيئًا" (قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة جواب "إذا".
وحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى في كلامه هذا أن شرط قبول زيادة الراوي أن يكون مشاركًا للحفّاظ المتقنين في بعض ما يروونه من الأحاديث، من غير مخالفة لهم، فمن كان حاله هكذا إذا زاد شيئًا على أصحابه الثقات، جاز قبول زيادته؛ لأنه يُحمل على أنه حفظ ما لم يحفظوا، ولا يُستبعد ذلك منه؛ لأنه حافظ، فيمكن أن يكون الشيخ حدّث بالحديث في مجالس، فزاد في بعضها، ونقص في بعضها، فحضر ما لم يحضروا، وحفظ ما لم يحفظوا.
стр. 352
وأما إذا كان المتفرّد بتلك الزيادة بخلاف ذلك، لم تقبل زيادته، كما بيّنه بقوله:
(فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ) بكسر الميم، يقال: عمدت للشيء عمدًا، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت، وتعمّدته: قصد إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ (لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، القرشي الزهري الفقيه، أبو بكر الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام.
قال البخاري عن علي بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال الآجري عن أبي داود: جميع حديث الزهري كله ألفا حديث ومائتا حديث، النصف منها مسند، وقدر مائتين عن غير الثقات، وأما ما اختلفوا فيه فلا يكون خمسين حديثا، والاختلاف عندنا ما تفرد به قوم على شيء. وقال الذهلي عن عبد الرزاق: قلت لمعمر: هل سمع الزهري من ابن عمر؟ قال: نعم سمع منه حديثين. وقال العجلي: روى عن ابن عمر نحوا من ثلاثة أحاديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا. وقال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس. وقال معمر عن صالح ابن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب، ولم نكتب، فأنجح وضيعت. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته. وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: قال الزهري: ما استفهمت عالما قط، ولا زدت على عالم شيئا قط. قال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: ما استعدت حديثا قط. وقال النسائي: أحسن أسانيد تُرْوَى عن رسول الله ﷺ أربعة: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، والزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، وأيوب، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي، ومنصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: ما رأيت أنص للحديث من الزهري. وقال الليث، عن جعفر بن ربيعة، قلت لعراك بن مالك: مَنْ أفقه أهل المدينة؟ فذكر سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، قال عراك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: لم يبق أحدٌ أعلم بسنة ماضية منه، قال معمر: وإن الحسن وضرباءه لأحياء يومئذ. وقال عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول: ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال أبو صالح عن الليث: ما رأيت عالما أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعتَهُ يحدث في
стр. 353
الترغيب، لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأنساب، لقلت لا يعرف إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، كان حديثه نوعا جامعا. وقال ابن أبي مريم، عن الليث: قال الزهري: ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، ولا بذله بذلي. وقال ابن مهدي، عن وهيب بن خالد، سمعت أيوب يقول: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن، قال: ما رأيت أعلم من الزهري، وكذا قال أبو بكر الهذلي. وقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم: قلت لأبي: بم فاقكم ابن شهاب؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يَلقَى في المجلس كهلا إلا ساءله، ولا شابا إلا ساءله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يلقى شابا إلا ساءله، ولا كهلا، ولا عجوزا، ولا كهلة إلا ساءلها، حتى يحاول ربات الحجال. وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل هشام بن عبد الملك الزهري، أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إن هشاما قال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب، فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفا. وقال عبد الرزاق، عن معمر: ما رأيت مثل الزهري في الفن الذي هو فيه. وقال مالك: كان من أسخى الناس. قال أبو داود، عن أحمد بن صالح يقولون: إن مولده سنة خمسين، وقال خليفة: ولد سنة إحدى وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة ست، وقال الواقدي: سنة ثمان، وكان وفاته سنة ثلاث وعشرين، قاله ضمرة بن ربيعة، وقال القطان وغير واحد: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال أبو عبيدة، وابن المديني، وعمرو ابن علي: في آخر سنة أربع، زاد الزبير بن بكار في رمضان، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقال ابن يونس وغيره: مات في رمضان، سنة خمس وعشرين ومائة.
وقال في "التقريب": الفقيه الحافظ، متّفقٌ على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٠٦) ستمائة وستة أحاديث. (فِي جَلَالَتِهِ) أي بسبب عظمته، فـ "في" بمعنى الباء السببية، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ ما، مرفوعًا: "عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا ... " الحديث، رواه البخاريّ (١)، أي بسبب هرة (وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ) من عطف
стр. 354
المسبّب على السبب؛ لأن أصحابه لم يكثروا إلا لجلالته بالعلم والحفظ (الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ) يعني أنهم مشهورون بطلب العلم، فلم يقتصروا عليه، بل حفظوا أحاديث غيره، كما حفظوا أحاديثه أيضًا (أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبي المنذر، وقيل: أبو عبد الله، رأى ابن عمر، ومسح رأسه، ودعا له، وسهل بن سعد، وجابرا، وأنسا، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، وخلق كثير.
قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هشام أحب إليك عن أبيه أو الزهريُّ؟ قال: كلاهما ولم يفضّل. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم، فسألته عن هشام بن عروة؟ فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا فهو أي كأنه يصححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه. وقال ابن سعد، والعجلي: كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتا كثير الحديث، حجة. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا، تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نَقِم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات: قدمةٌ كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة ﵂، وقَدِمَ الثانية، فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة ﵂، وقدم الثالثة: فكان يقول: أبي عن عائشة ﵂، سمع منه بآخره وكيع، وابن نمير، ومحاضر. وقال موسى بن إسماعيل، عن وهب: قدم علينا هشام بن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين. وقال الزبير بن بكار، عن عثمان بن عبد الرحمن: قال المنصور لهشام بن عروة: تذكر يوم دخلنا عليك، فقال لنا أبي: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فقال: لا أذكر ذلك، فعوتب على ذلك، فقال: لم يعودني الله تعالى في الصدق إلا خيرا، قال عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود: ولد هشام، والأعمش، وسَمَّى غيرهما سنة مقتل الحسين -يعني سنة إحدى وستين- قال الحربي: مات سنة ست وأربعين ومائة، وأرخه أبو نعيم وغيره: سنة خمس. وقال أبو حاتم: يقال: إنه توفي بعد الهزيمة سنة خمس، وقد بلغ سبعا وثمانين. وقال عمرو بن علي: مات سنة سبع وأربعين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنا ورعا فاضلا حافظا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن سعيد: هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، مكي عن مكي. وقال الآجري عن أبي داود: لَمّا حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع، هجره أبو الأسود، يتيم عروة. وقال العقيلي: قال
стр. 355
ابن لهيعة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام، عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه، قال أبو الأسود: لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غيره. وقال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، قال الحافظ: ولم نر له في ذلك سلفا. روى له الجماعة، له في "صحيح مسلم" مائة وخمسة وثمانون حديثًا.
(وَحَدِيثُهُمَا) أي حديث الزهريّ، وهشام (عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ) يعني أن أصحاب الزهريّ، وهشام رووا أكثر أحاديثهما، متّفقين، أي ورووا ما عداه مختلفين، والمراد أن أحاديثهما كلها معلومة، مدونة عند أصحابهما، أكثرها بالإتفاق، وأقلها بالإختلاف (فَيَرْوِي) ذلك العامد (عَنْهُمَا) أي عن الزهريّ، وهشام (أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ) أي المتعدّد منه (مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا) المراد أصحابهما الذين سبق ذكرهم آنفًا بأنهم رووا عنهما على الإتفاق في أكثره (وَلَيْسَ) ذلك الراوي (مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ) أي شارك أصحابهما المعروفين (فِي الصَّحِيحِ) أي في رواية الحديث الصحيح (مِمَّا عِنْدَهُمْ) أي من الأحاديث التي رووها اتفاقًا، واختلافا (فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ) أي الصنف (مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) المراد بالناس رواة الأخبار، فهو عامّ، أريد به خاصّ، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية، في قول مجاهد، ومقاتل، وعكرمة، والكلبيّ، قالوا: هو نعيم بن مسعود الأشجعيّ، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: يعني النبيّ ﷺ . وقيل: غير ذلك في الآيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى المذكور:
المسألة الأولى: أن كلامه رحمه الله تعالى يفيد أن رواة الأخبار، ونُقّال الآثار على أربعة أقسام:
[الأول]: الثقات المتقنون الذين يندُر غلطهم، فلا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فهؤلاء هم الذين اعتمد عليهم، وبنى كتابه على رواياتهم، فجعلها أصولًا، وجعل روايات من بعدهم تابعة لها.
[الثاني]: أهل الصدق، والستر، وهؤلاء هم الذين يذكر أحاديثهم على سبيل المتابعة، والشواهد لروايات الصنف الأول.
[الثالث]: المتّهمون بوضع الأحاديث، فهؤلاء لا يتشاغل برواياتهم أصلًا.
[الرابع]: من غلب على حديثه المنكر والغلط، وهؤلاء حكمهم حكم الصنف الثالث، وهذا المذهب الذي سلكه المصنّف رحمه الله تعالى في ترك الرواية عن القسمين
стр. 356
الأخيرين هو المذهب الصحيح الذي عليه أكثر المحدّثين، وإلى هذه الأقسام أشرت في منظومتي "شافية الغلل" حيت قلت:
ثُمَّ اعْلَمَنْ أَنَّ الرُّوَاةَ انْقَسَمُوا ... أَرْبَعَةً فَمِنْهُمُ الْمُتَّهَمُ
وَمِنْهُمُ مَن وَهْمُهُ قَدْ غَلَبَا ... لِغَفْلَةٍ وَسُوءِ حِفْظٍ قَدْ رَبَا
وَثَالِثُ الأَقْسَامِ أَهْلُ الصِّدْقِ ... وَالْحِفْظِ وَالْوَهْمُ قَلِيلُ الطَّرْقِ
وَذَا بِأَهْلِهِ جَرَى احْتِجَاجُ ... بِلَا خِلَافٍ إِذْ لَنَا احْتِيَاجُ
وَرَابِعُ الأَقْسَامِ أَهْلُ الصِّدْقِ ... معْ حِفْظٍ وَوَهْمُهُمْ بِكَثْرَةٍ يَقَعْ
لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ يَغْلِبُ ... فَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ فبَعْضٌ يَذْهَبُ
لِلأَخْذِ عَنْهُمُ كَنَجْلِ مَهْدِي ... وَابْنِ الْمُبَارَكِ إِمَامِ النَّقْدِ
كَذَاكَ سُفْيَانُ وَكِيعٌ مَالَا ... جُلُّ الْمُحَدِّثِينَ أَيْضًا قَالَا
كَمُسْلِمٍ فَفِي "الصَّحِيحِ" قَدْ كَفَى ... تَوْضِيحَ أَقْسَامِ الرُّوَاةِ وَشَفَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في البحث المتعلّق بالمنكر:
قد بيّن المصنّف رحمه الله تعالى في قوله: "وعلامة المنكر الخ" أن الحديث المنكر هو الذي تفرّد بروايته من إذا روى ما رواه الثقات الحفّاظ تُخَالِف روايتُهُ روايتَهُم، أو يغلب عليها ذلك، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكر رحمه الله تعالى هو معنى المنكر عند المحدّثين، يعني المنكر المردود، فإنهم يُطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود، إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لم أقف لأحد من المتقدّمين على حدّ المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجيّ الحافظ (٢) -وكان من أعيان الحفاظ المبرّزين في العلل- أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا، ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائيّ بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق، فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ
стр. 357
في النهي عن بيع الولاء وهبته، وكذا قال أحمد في حديث مالك، عن الزهري، عن عائشة ﵂ أن الذين جمعوا الحجّ والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم، وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى، قال: لم يقل أحد هذا إلا مالك، وقال: ما أظنّ مالكًا إلا غلط فيه لم يجىء به أحد غيره، وقال مرّة إلا مالك، ومالك ثقة، ولعلّ أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، ثم قال البرديجيّ بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعيّ، ينظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبيّ، أو عن أنس بن مالك ﵁ من وجه آخر لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد، عن النبيّ ﷺ ، ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا، وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ حديثًا لا يُصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضرّه أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا، ولا معلولًا، وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همّام، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : إني أصبت حدّا، فأقمه عليّ ... الحديث. هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. ونقل ابن أبي حاتم، عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. وهذا الحديث مخرّج في "الصحيحين" من هذا الوجه، وخرّج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أُمامة، عن النبيّ ﷺ ، فهذا شاهد لحديث أنس، ولعلّ أبا حاتم، والبرديجيّ إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محلّ من يُحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد. والله أعلم.
وقال إسحاق بن هانىء: قال لي أبو عبد الله -يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله -يعني ابن عمر- أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام ... " الحديث، قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه، قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدّث به العمريّ الصغير عن نافع، عن ابن عمر مثله، وقال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمريّ صحّحه.
وهذا الكلام يدلّ على أن النكارة عند يحيى القطّان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك، قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن عليّ الذي يروي حديث المواقيت؟ (١) فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن عليّ، وحديثه
стр. 358
الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.
وقال أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بردة: يروي أحاديث مناكير. وقال في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وهو المنفرد برواية حديث: "الأعمال بالنيّات": في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أنيسة: إنه حديثه لحسنٌ مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث، قال الأثرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير، فهي غرائب، قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة متّفقٌ على الإحتجاج بحديثهم في الصحيح، وقد استنكر أحمد ما تفرّدوا به، وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مخلد، وفي جماعة خرّج لهم في "الصحيح" بعض ما يتفرّدون به.
وأما تصرّف الشيخين، والأكثرين، فيدلّ على خلاف هذا، وأن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علّة، فليس بمنكر، وقد قال مسلم في أول كتابه: حكم أهل العلم إلى آخر قوله: فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس.
قال: فصرّح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرّد عنهم بحديث قُبل ما تفرّد به، وحكاه عن أهل العلم. قال: وقال الشافعيّ: ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذّ أن يروي الثقة حديثًا يخالف الناس، وكذا قال أبو بكر الأثرم. وحكى أبو يعلى الخليليّ هذا القول عن الشافعيّ، وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذّ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذّ بذلك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقّف فيه، ولا يحتجّ به. وكذلك ذكر الحاكم أن الشاذّ هو الحديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة، ولم يوقف له على علّة، ولكن كلام الخليليّ في تفرّد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفّاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ، فقد سمّاه الخليليّ فردًا، وذكر أن أفراد الحفّاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفّاظ الأئمة صحيح، متّفقٌ عليه، ومثّله بحديث مالك في المغفر (١).
فتلخّص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطّان، والإمام أحمد،
стр. 359
والبرديجيّ، وغيرهم من المتقدّمين إلا بالمتابعة، وكذلك الشذوذ، كما حكاه الحاكم، وأما الشافعيّ، وغيره، فيرون أن ما يتفرّد به ثقة مقبول الرواية، ولم يُخالفه غيره فليس بشاذّ، وتصرّف الشيخين يدلّ على مثل هذا المعنى. وفرق الخليليّ بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام، أو حافظ، فما انفرد به إمام، أو حافظ قُبل، واحتُجّ به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفّاظ الحديث. والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارة ابن رجب رحمه الله تعالى توهم أنه ما قاله الخليليّ غير ما قاله الشافعيّ وغيره، وليس كذلك، بل هو نفس ما قاله الشافعيّ وغيره، فتأمّل.
والحاصل أن الأرجح هو ما قاله الشافعيّ، والخليليّ، وغيرهما، وهو صريح كلام مسلم هنا، بل هو الذي يدلّ عليه تصرّف الشيخين، كما أشار إليه ابن رجب في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم.
وقال في "تدريب الراوي" ج: ١ ص: ٢٣٨: ما حاصله: قال الحافظ أبو بكر البرديجي: المنكر هو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون من أهل الحديث، قال ابن الصلاح: والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ، قال: وعند هذا القول: المنكرُ قسمان على ما ذكرنا في الشاذ، فإنه بمعناه:
[مثال الأول]: وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"، فخالف مالك غيره من الثقات في قوله "عمر بن عثمان" بضم العين، وذكر مسلم في "التمييز" أن كل من رواه من أصحاب الزهري قاله: بفتحها، وأن مالكا وَهِمَ في ذلك، قال العراقي: وفي هذا التمثيل نظر؛ لأن الحديث ليس بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا؛ لمخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته، وجود ذلك الوصف في المتن، وقد ذكر ابن الصلاح في نوع المعلل، أن العلة الواقعة في السند قد تقدح في المتن، وقد لا تقدح كما سيأتي، قال: فالمثال الصحيح لهذا القسم؛ ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه"،
стр. 360
قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي ﷺ ، اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه"، قال: والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ، فهمام بن يحيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه بالنكارة.
[ومثال الثاني]: وهو الفرد الذي ليس في رواته من الثقة والإتقان ما يُحتَمل معه تفرده، ما رواه النسائي، وابن ماجه من رواية أبي زُكَير، يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ مرفوعا: "كلوا الْبَلَحَ بالتمر، فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان ... " الحديث، قال النسائي: هذا حديث منكر، تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يُحتَمل تفرده، بل قد أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف، فقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له ابن عدي أربعة أحاديث مناكير.
ومن أمثلة المنكر أيضًا ما رواه ابن أبي حاتم، من طريق حُبَيّب -بضم الحاء المهملة، وتشديد التحتية، بين موحدتين، أولاهما مفتوحة- ابن حَبِيب -بفتح المهملة، بوزن كريم- أخى حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقَرَى الضيف، دخل الجنة"، قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف. انتهى ما في "التدريب" بتصرّف ١/ ٢٣٨ - ٣٤٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح الذي يدلّ عليه تصرّف الشيخين، وصرّح به الإمام الشافعيّ في كلامه السابق، وهو ظاهر صنيع الإمام مسلم هنا أن المنكر هو الذي تفرد به الضعيف الذي لا يُحتمل تفرّده، مثل أبي زكير، وحُبَيِّب بن حَبِيب المذكورين، وأما ما تفرّد به الحفّاظ الأثبات، فإنه صحيح، وإن لم يوجد لهم متابع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]: الأول: قد عُلم مما تقدم، بل من تصريح ابن الصلاح أن الشاذ والمنكر بمعنى، وقال الحافظ: إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة، أو صدوق، والمنكر راويه ضعيف، قال: وقد غفل من سَوّى بينهما. وقال في "النخبة": فإن خولف الراوي بأرجح يقال له: المحفوظ، ومقابله يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له:
стр. 361
المعروف، ومقابله يقال له: المنكر. انتهى.
وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، بقوله:
وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى الْمَقْبُولُ ... مُخَالِفًا أَرْجَحَ وَالْمَجْعُولُ
أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ ... لَوْ لم يُخَالِفْ قِيلَ أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ
وقال أيضًا:
الْمُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ ... مُخَالِفًا فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
قَابَلَهُ الْمَعْرُوفُ وَالَّذِي رَأَى ... تَرَادُفَ الْمُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى
والله تعالى أعلم.
الثاني: وقع في عبارتهم "أنكر ما رواه فلان كذا"، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفا، وقال ابن عدي: أنكر ما روى بُريد بن عبد الله بن أبي بردة: "إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها"، قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم. انتهى، والحديث في "صحيح مسلم" (١).
وقال الذهبي: أَنْكَرُ ما للوليد بن مسلم من الأحاديث، حديث حفظ القرآن، وهو عند الترمذي، وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. قاله في "التدريب" ١/ ٢٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة في البحث عن حكم زيادة الثقة:
قد صرّح المصنّف رحمه الله تعالى في كلامه السابق بأن من قد شارك الثقات الحفّاظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك، إذا زاد شيئًا ليس عند أصحابه قُبلت زيادته، وهذا هو الذي يسمّونه زيادة الثقة، ويشمل الزيادة في الإسناد، وفي المتن، وفيه اختلاف بين أهل العلم، وقد بينه في "التدريب" أحسن بيان، حيث قال ما خلاصته:
معرفة زيادات الثقات فن لطيف، تُستحسن العناية به، وقد اشتهر بمعرفة ذلك جماعة، كأبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأبي الوليد حسان بن محمد القرشي، وغيرهما، ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها مطلقا، سواء وقعت
стр. 362
ممن رواه أولا ناقصا، أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي، أم لا، وسواء غَيّرت الحكم الثابت، أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخير ليست هي فيه، أم لا، وقد ادَّعَى ابن طاهر الإتفاق على هذا القول، وقيل: لا تقبل مطلقا، لا ممن رواه ناقصا، ولا من غيره، وقيل تقبل إن زادها غير من رواه ناقصا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصا. وقال ابن الصباغ: فيه إن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلسين قبلت الزيادة، وكانا خبرين يعمل بهما، وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد، وقال: كنت أنسيت هذه الزيادة قبل منه، وإلا وجب التوقف فيها. وقال في "المحصول": فيه العبرة لما روى منه أكثر، فإن استوى قُبلت منه، وقيل: إن كانت الزيادة مغيرة للإعراب، كان الخبران متعارضين، وإلا قبلت، حكاه ابن الصباغ عن المتكلمين، والصفي الهندي عن الأكثرين، كأن يُروَى في أربعين شاةٌ، ثم في أربعين نصفُ شاة، وقيل: تقبل إن غَيّرت الإعراب مطلقا، وقيل: لا تقبل إلا إن أفادت حكما، وقيل: تقبل في اللفظ دون المعنى، حكاهما الخطيب. وقال ابن الصباغ: إن زادها واحد، وكان من رواه ناقصا جماعة، لا يجوز عليهم الوهم سقطت، وعبارة غيره: "لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة"، وقال ابن السمعاني مثله، وزاد أن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله، وقال الصيرفي، والخطيب: يُشترط في قبولها كون من رواها حافظا.
وقال الحافظ: اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن، أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين، كابن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى.
وقد تنبه لذلك ابن الصلاح، وتبعه النوويّ حيث قال: وقسمه ابن الشيخ الصلاح أقساما:
[أحدها]: زيادة تخالف الثقات فيما رووه فترد، كما سبق في نوع الشاذ.
[الثاني]: ما لا مخالفة فيه لما رواه الغير أصلا، كتفرد ثقة بجملة حديث فيقبل، قال الخطيب: باتفاق العلماء.
[الثالث]: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته، وهذه مرتبة بين تينك المرتبتين، كحديث حذيفة: "جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"، انفرد أبو مالك سعد ابن طارق الأشجعي، فقال: "وجعلت تربتها لنا طهورا"، وسائر الرواة لم يذكروا
стр. 363
ذلك، فهذا يشبه الأول المردود من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد المردود بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع من المخالفة يختلف به الحكم، ويشبه الثاني المقبول من حيث إنه لا منافاة بينهما، كذا قال الشيخ ابن الصلاح، قال النوويّ: والصحيح قبول هذا الأخير، قال: ومثله الشيخ أيضا بزيادة مالك في حديث الفطرة: "من المسلمين"، ونقل عن الترمذي أن مالكا تفرد بها، وأن عبيد الله بن عمر، وأيوب، وغيرهما رووا الحديث عن نافع، عن ابن عمر بدون ذلك، قال النوويّ: ولا يصح التمثيل به، فقد وافق مالكا عليها جماعة من الثقات، منهم عمر ابن نافع، وروايته عند البخاري في "صحيحه"، والضحاك بن عثمان، وروايته عن مسلم في "صحيحه"، قال العراقي: وكثير بن فرقد، وروايته في "مستدرك الحاكم"، و "سنن الدارقطني"، ويونس بن يزيد في "بيان المشكل للطحاوي"، والمعلى بن إسماعيل في "صحيح ابن حبّان"، وعبد الله بن عمر العمري في "سنن الدارقطني".
قيل: وزيادة "التربة" في الحديث السابق يحتمل أن يراد بها الأرض، من حيث هي أرض، لا التراب، فلا يبقى فيه زيادة، ولا مخالفة لمن أطلق.
وأجيب بأن في بعض طرقه التصريح بالتراب، ثم إن عَدّها زيادة بالنسبة إلى حديث حذيفة، وإلا فقد وردت في حديث علي، رواه أحمد، والبيهقي، بسند حسن.
ومن أمثلة هذا الباب حديث الشيخين عن ابن مسعود ﵁: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها"، وزاد الحسن بن مُكرم، وبندار في روايتهما: "في أول وقتها"، صححها الحاكم، وابن حبان. وحديث الشيخين عن أنس ﵁: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة"، زاد سماك بن عطية: "إلا الإقامة"، وصححها الحاكم، وابن حبان. وحديث علي ﵁: "إن السَّهَ وِكاء العين"، زاد إبراهيم بن موسى: "فمن نام فليتوضأ". انتهى. ما في "التدريب" ١/ ٢٤٥ - ٢٤٨.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح في مسألة زيادة الثقة التفصيل الذي سبق، وهو أنها إن خالفت ما رواه الثقات رُدّت؛ لكونها شاذّة منافية، وإلا قُبلت؛ لأن من زادها جازم بما رواه، وهو ثقة، ولا معارض لروايته؛ لأن الساكت عنها لم ينفها لفظا، ولا معنى؛ لأن مجرد سكوته عنها لا يدل على أن راويها وَهِمَ فيها، وإن وقعت بين هاتين المرتبتين، كأن زاد لفظة توجب قيدًا لمطلق، أو تخصّصًا، فالذي عليه عمل المحدّثين كعبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبي حاتم، والدارقطنيّ، وغيرهم من الأئمة أنهم لا يحكمون فيه بحكم كلّيّ من القبول والردّ، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عندهم في كلّ حديث، فربما يقبلون من ثقة حافظ في موضع، ويردّون منه
стр. 364
في موضع آخر، قال الحافظ رحمه الله تعالى عند ذكر ترجيح الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى لوصل حديث. "لا نكاح إلا بوليّ": ما حاصله: الإستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاريّ في هذا الحديث الخاصّ ليس بمستقيم؛ لأن البخاريّ لم يحكم فيه بالإتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى، رجحت عنده حكم الموصول، منها: أن يونس بن أبي إسحاق، وابنيه إسرائيل، وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شكّ أن آل الرجل أخصّ به من غيرهم، ووافقهم على ذلك أبو عوانة، وشريك النخعيّ، وزهير بن معاوية، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه، وسماعهم إياه من لفظه، وأما رواية من أرسله وهما شعبة، وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذيّ، قال: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، حدثنا شعبة، قال: سمعت سفيان الثوريّ يسأل أبا إسحاق، أسمعت أبا بُردة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليّ" فقال: نعم، فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد عرضًا كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعدّدة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد.
فتبيّن أن ترجيح البخاريّ لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرّد أن الوصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أُخَر، مثاله ما رواه الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر ابن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂، قالت: إن النبيّ ﷺ قال: "إن شئتِ سبَعتُ لك ... " الحديث، ورواه مالك عن عبد الله ابن أبي بكر بن الحارث أن النبيّ ﷺ قال لأم سلمة ﵂، قال البخاريّ في "تاريخه": الصواب قول مالك، مع إرساله. فصوّب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوّب المتّصل هناك؛ لقرينة ظهرت له فيه، فتبيّن أنه ليس له عملٌ مطّرد في ذلك. انتهى كلام الحافظ (١).
وإلى ما تقدّم أشرت في منظومتي "شافية الغُلل" حيث قلت:
زِيَادَةُ الثِّقَةِ فِيهَا اخْتَلَفُوا ... قَبِلَهَا قَوْمٌ وَقَوْمٌ ضَعَّفُوا
وَفَصَّلَتْ طَائِفَةٌ فَإِنْ أَتَتْ ... مِنْ حَافِظٍ ثَبْتٍ فَأَخْذُهَا ثَبَتْ
يتمكّن به الطالب الموفّق للتوجّه إلى طريق أهل الحديث، وسوف يزيد الشرح والإيضاح لعلل الحديث في ثنايا الكتاب إذا مرّت به، إن شاء الله تعالى.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(قَدْ) حرف تحقيق، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ الآية [الشمس: ٩] (شَرَحْنَا) أي أوضحنا، وبيّنّا، قال الفيّوميّ: شرحت الحديث شرحًا: بمعنى فسّرته، وبيّنته، وأوضحت معناه. انتهى "المصباح" (مِنْ مَذْهَب الْحَدِيثِ) أي الطريق التي يُسلك في الوصول إلى تحقيق علم الحديث، فالجار والمجَرور بيان مقدّم لقوله: "بعض ما يتوجه به"، فيكون متعلّقًا بحال محذوف؛ لأن "من" البيانة إذا تقدّمت تعرب حالًا: أي حال كونه كائنا من مذهب أهل الحديث (وَأَهْلِهِ) أي وبيان أهل الحديث، وهم الرواة، وهذا الكلام كالكلام الذي مضى له أنه يقسم جملة الأخبار عن رسول الله ﷺ ، على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، فعطف قوله: "وأهله" من عطف اللازم على الملزوم؛ لأن بيان طريق الحديث يستلزم بيان أهله، فطريق الحديث مثلًا بيان كونه متصلًا، أو منقطعًا، أو مرفوعا، أو موقوفًا، إلى غير ذلك من أوصافه المتنوّعة، وبيان أهله هو بيان كونهم عدولًا، أو لا، ولقاء بعضهم بعضًا، وكونهم مدلسين، أو لا، إلى غير ذلك من أوصافهم المتكاثرة (بَعْضَ) بالنصب مفعول به لقوله: "شرحنا"، وهو مضاف إلى (مَا يَتَوَجَّهُ) بالبناء للفاعل، و "ما" واقعة على الشرِح والبيان (بِهِ) الضمير راجع إلى "ما"، والباء سببية: أي بسبب معرفته وقوله: (مَنْ أرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ) فاعل "يتوجّه": والمعنى: بينا بعض البيانان التي يقصد بسبب معرفتها الشخص الذَي أراد سلوك سبيل المحدّثين (وَوُفِّقَ لَهَا) بالبناء للمفعول، وتشديد الفاء، من التوفيق: أي صار موفّقا للتوجه لسلوك تلك السبيل.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي يقصد طريقهم، ويسلك مذهبهم، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ الآية [الأنعام: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية [الروم: ١٣٠]. انتهى "إكمال المعلم" ١/ ١٠٥.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى يتوجّه به: يقصد طريقهم، ويسلك مذهبهم، و"السبيل": الطريق، وهما يؤنّثان، ويذكّران. والتوفيق خلق قدرة الطاعة. انتهى (١).
وحاصل معنى كلام المصنّف رحمه الله تعالى أنه بيّن، وأوضح فيما مضى من كلامه بعض البيانات التي يتوجه، ويقصد بسبب معرفتها الشخص الذي أراد أن يفهم طريق
стр. 367
المحدثين، مع توفيق الله تعالى له للتوجه إليها.
وإنما قال: "بعض"، لأنه لم يبيّن في هذه المقدّمة مسائل مصطلحات المحدثين كلها، بل بيّن قليلًا منها، وإنما بيّن ما هو أهمّ لمريد التمييز بين صحيح الأخبار، وسقيمها، وأما معرفة جميع المسائل، فلا بدّ من الرجوع إلى الكتب المؤلفة في ذلك.
وإنما عطف جملة "ووُفّق لها" على ما قبلها إشارةً إلى أنه لا بد في نجاح رغبة العبد، ووصوله إلى مطلوبه من التوفيق الإلهيّ، فإن مجرد الإجتهاد لا يُجدي، بل يذهب ضائعًا، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال:
إِذَا كَانَ عَوْنُ اللهِ لِلْمَرْءِ مُسْعِفًا ... تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ
وَإِنْ لم يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى ... فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وَسَنَزِيدُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) - جملة معترضة بين العامل ومعموِله جيء بها للتبرك، عملا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (شَرْحًا) مفعول "سنزيد"، وقوله: (وَإِيضَاحًا) من عطف المرادف، فإن الشرح والإيضاح بمعنى واحد، كما سبق قريبًا (فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ) أي كتابه هذا، لا كما ظنه من لم يُمعن في فهم مراده بأنه أراد أن يضع كتابًا آخر يذكَر فيه الأخبار المعلّلة، فهذا غلط صريح، يفنّده السياق، والجارّ متعلّق بقوله: "سنزيد"، أو بـ "شرحًا"، وكذا قوله: (عِنْدَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ) أي التي فيها علّة، وهي الأسباب الخفية الغامضة تطرأ على الحديث، فتقدح في صحته، مع كون ظاهره السلامة منها.
وقوله: "المعلّلة" بلامين، من علّله، والأجود كونه بلام واحدة، من أعلّ الرباعيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الأولى من المسائل الآتية قريبًا، إن شاء الله تعالى.
والظاهر أنه أراد هنا مطلق العلة، سواء كانت تؤثّر في صحته، أم لا، لأن العلة تطلق على ما يعم النوعين، كما سيأتي بيانه قريبًا أيضًا، فإن بعض المواضع التي يبيّن فيها الإختلاف لا يؤثّر في صحة الحديث. والله تعالى أعلم.
(إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا) أي إذا ذكرناها في الكتاب و"إذا" ظرف لـ "سنزيد"، أو لـ "شرحا" أيضًا (فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالْإِيضَاحُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) الجارّ والمجرور بدل من قوله: "في مواضع"، وجملة الإنشاء تقدم بيانها قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى السابق:
стр. 368
المسألة الأولى: في قوله: "وسنزيد شرحًا وإيضاحًا الخ ":
اعلم: أن هذا الذي ذكره مسلم رحمه الله تعالى من أنه يبيّن علل الأخبار مما اختُلف فيه، فقيل: اخترمته المنيّة قبل جمعه، وقيل: بل ذكره في أبوابه من هذا الكتاب الموجود، وهذا الثاني هو الصواب الذي يدلّ عليه دلالةً واضحة سياق كلامه هنا وقد تقدّم قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: "وكذلك علل الحديث التي ذكر وعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقم، وذكر تصاحيف المصحّفين. انتهى.
ولنذكر أمثلةً على ما رجّحناه من أنه وفى بما وعد به من بيان العلل ما تيسّر:
فمنها: ما أخرجه من حديث عائشة ﵂ في المستحاضة التي جاءت إلى النبيّ ﷺ ، وفيه أنها قالت له: أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصلّي". أخرج ذلك من طريق وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه به، ثم أخرجه من طرُق عن حماد بن زيد، عن هشام بمثل حديث وكيع، ثم قال: وفي حديث حمّاد زيادة حرف تركنا ذكره. والحرف الذي ترك ذكره هو قوله: "وتوضئي" (١).
وهذا الحديث قد أخرجه النسائيّ في "سننه" من طريق حماد، وفيه تلك الزيادة، ولفظه: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي". ثم قال النسائيّ: ولا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: "وتوضئي" غير حمّاد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه "وتوضئي".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان: مسلم والنسائيّ من تفرّد حماد بن زيد بهذه الزيادة غير مسلّم، فقد وافقه أبو معاوية عند البخاريّ في "صحيحه"، والترمذيّ في "جامعه"، وحماد بن سلمة عند الدارميّ، ويحيى بن سُليم، عند السرّاج، وأبو حمزة السُّكَّريّ عند ابن حبّان في "صحيحه"، بلفظ: "فاغتسلي، وتوضّئي لكلّ صلاة".
والحاصل أن زيادة الأمر بالوضوء ليست مما تفرّد بها حماد بن زيد كما ادّعاه المصنّف والنسائيّ، بل رواها جماعة كما سمعت، وقد حقّقت هذا كله في "شرح النسائيّ" ٤/ ص ٣١١ - ٣١٢ رقم ١٣٨/ ٢١٧ فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
ومنها: ما أخرجه من حديث أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن
стр. 369
صومه ... وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال ﵁: "ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعِثتُ"، قال مسلم: وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسُئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وَهْمًا. انتهى. فقد بيّن رحمه الله تعالى أن ذكر "الخميس" غلط من شعبة، فتركه لذلك، وروى الحديث من رواية أبان العطّار، ومهديّ ابن ميمون كلاهما عن غيلان بن جرير شيخ شعبة فيه، وليس فيه ذكر "الخميس" (١). والله تعالى أعلم.
ومنها: ما يكون بيانه العلة عن طريق الإشارة، مثل ما أخرجه من طريق هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد الأنصاريّ، قال: قال أبو قتادة، واقتصّ الحديث، فقد جرى ههنا على خلاف عادته، من إخراج الحديث التامّ أوّلًا، ثم عطف باقي الأحاديث التي في معناه عليه، وإشارته إلى ما فيها من الزيادة والنقص، فلم يسُق المتن هنا، بل اكتفى بقوله: "واقتصّ الحديث"، إشارة إلى أن له علّةً.
وقد بيّن هذا البيهقيّ رحمه الله تعالى حيث أخرج الحديث من طريق هُشيم، وفيه: "من أقام البيّنة على أسيرٍ فله سَلَبه"، قال: والحفّاظ يرونه خطأ، فمالك بن أنس، والليث ابن سعد روياه عن يحيى، فقال الليث في الحديث: "من أقام البيّنة على قتيل، فله سلبه"، وقال مالك: "من قتل قتيلًا، له عليه بيّنةٌ، فله سلَبه"، ولم يقُل أحدٌ فيه: "على أسير" غير هُشيم، وبيّن البيهقيّ صنيع مسلم في هذا الحديث، فقال: فقد أخرج مسلم إسناد هذا الحديث في "الصحيح"، ولم يسُق متنه.
ومنها: ما أخرجه من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: ذُكر لابن عمر عُمرةُ النبيّ ﷺ من الجعرانة، قال: "لم يعتمر منها" (٢)، وقد خفيت هذه العمرة على ابن عمر لأسباب ذكرها الحافظ في "الفتح" (٣)، وقد صحّ أنه ﷺ اعتمر منها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد أجاد مسلم ﵀ في صنيعه حيث لم يسق المتن إشارة إلى كونه معلًّا، فلله درّه.
ومنها: ما أخرجه من طرق عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: " ... فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا" (٤) ومن بين هذه الطرق طريق ابن عيينة، وقد ابتدأ بسردها، ثم سرد غيرها، ولم يذكر لفظ ابن عيينة؛ لأن الصحيح في رواية
стр. 370
الزهريّ غيرها، فقد رواها عنه ابن عيينة بلفظ: "فاقضوا". قال الحافظ: وحكم مسلم في "التمييز" عليه بالوهم في هذه اللفظة، مع أنه أخرج إسنادها في "صحيحه"، لكن لم يسُق لفظه. انتهى (١). وهذا وإن لم يبيّن العلة صريحًا، إلا أن تركه ذكر لفظه يدلّ على الإشارة إليها، ولذا ترى الحافظ الرشيد العطار الذي قدّمنا رسالته في مقدّمة هذا الشرح يُكثر من ذكر الأمثلة على هذا النحو، ثم يوجّهه بأنه أوردها في الشواهد؛ ليكثر طرق الحديث، وليُنبّه على المخالفة فيه، انظر مثلًا "غرر الفوائد المجموعة" الأرقام ١٤ و ١٥ و ١٧ و ١٨ وغيرها.
ومنها: ما أخرجه من حديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج في حديث القسامة وفيه قوله ﷺ : "أتحلفون خمسين يمينًا، فتستحقّون صاحبكم، أو قاتلكم؟ "، قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا"، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفّار؟ فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أعطى عقله (٢).
فقد أخرجه من طرق عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار به، وأخرجه من طريق سعيد بن عبيد، حدثنا بُشَير بن يسار الأنصاريّ، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرّقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، قال: وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله ﷺ أن يُبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (٣).
ففي هذه الرواية علة، حيا ذُكر فيها أن النبيّ ﷺ سألهم البينة، مع أنها لم تأت في الحديث، وحذف موضع حكم رسول الله ﷺ في القسامة، وهي الثابتة في الحديث، فاكتفى مسلم في "الصحيح" بإيراد الإسناد، وأول القصّة، وحذف موضع العلة منه.
وقد ذكر رواية سعيد بن عبيد هذه بتمامها في كتابه "التمييز"، ومثّل بها للحديث الذي نُقل على الوهم في متنه، ولم يُحفظ، ومما قاله فيه بعد كلام طويل: ما نصّه: فقد ذكرنا جملة من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله ﷺ ، وكلها مذكور فيها سؤال النبيّ ﷺ إياهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبيّ ﷺ سألهم البينة، إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر، فلم يذكره، وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. انتهى (٤).
ومنها: ما أخرجه من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنس
стр. 371
ابن مالك ﵁ يحدث عن ليلةَ أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائمٌ في المسجد الحرام ... وساق الحديث بقصّته نحو حديث ثابت البنانيّ، وقدّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص (١).
فقوله: "وقدّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص" يُشعر بأن شريكًا لم يضبطه، وأنه حصل له فيه الوهم، ولذا قال ابن القيم: وقد غلّط الحفّاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدّم وأخّر، وزاد، ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد انتهى (٢).
وقد بيّن الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" في "كتاب التوحيد" ج: ١٣ ص: ٤٨٥ تلك الإنتقادات، وساقها، وهي أكثر من عشرة، فراجعه تستفد (٣).
ومنها: أنه يقوم أيضًا ببيان تصحيفات المصحّفين من الرواة، سواء كان في الإسناد، أم في المتن.
فمنها: قوله: وحدّثنا خلَف بن هشام، حدثنا مالك بن أنس (ح) وحدثنا يحيى
стр. 372
ابن يحيى -واللفظ له- قال: قرأت على مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن جُدامة بنت وهب الأسديّة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ... " الحديث. قال مسلم: وأما خلف فقال: عن جُذامة الأسديّة، والصحيح ما قاله يحيى بالدال. انتهى. وأيد الدارقطنيّ ما قاله مسلم، حيث قال: وهي بالجيم والدال غير معجمة، ومن ذكرها بالذال فقد صحّف. انتهى (١).
ومنها: قوله في آخر حديث أنس ﵁: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة" (٢). فصحف شعبة: "ذَرّة" بفتح الذال، وتشديد الراء إلى "ذُرَة" بضم الذال، وتخفيف الراء.
ومنها: بيانه الإدراج في الحديث، فقد أخرج حديث الملاعنة من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعدن أن عويمرًا الأنصاري ... قال: يا رسول الله ﷺ أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله ... الحديث، ثم أخرجه أيضًا عن سهل بن سعد، ثم قال: وساق الحديث بمثل حديث مالك، وأدرج في الحديث قوله: "وكان فراقه إياها بعدُ سنة في المتلاعنين"، وزاد فيه: قال سهل: فكان حاملًا، فكان ابنها يُدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أنه يرثها ... الخ. وهذا من المدرج وسط المتن.
ومن الإدراج في آخره ما أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب ... " قال: وأحبّ القيد، وأكره الغلّ، والقيد ثبات في الدين، فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين. ثم أتبعه طريقًا آخر، وفيه: وقال في الحديث: قال أبو هريرة: فيُعجبني القيد، وأكره الغلّ، والقيد ثبات في الدين، ثم أعقبه طريقًا آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ . قال مسلم: وأدرج في الحديث قوله: "وأكره الغلّ ... ". فقد بيّن بإدراج ذكر القيد والغلّ، وقد صرّح بذلك الخطيب البغداديّ.
ومنها: أنه ربما أشار إلى الإدراج من غير تصريح بلفظ الإدراج، فقد أخرج حديث جرير بن عبد الله: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها -يعني العصر والفجر- ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣]. ثم
стр. 373
أتبعه طريقًا آخر، ثم قال: "قال: ثم قرأ"، ولم يقل: جرير (١).
فقد أشار في الطريق الثانية إلى الإدراج، أي أن قراءة الآية لجرير، وليست مرفوعة إلى النبيّ ﷺ ، وقد صرّح ذلك البيهقيّ في "السنن الكبرى"، والحافظ في "الفتح" (٢).
ومنها: أنه ربما أتى بلفظة تؤدّي معنى الإدراج، مثل ما أخرج من طريق عبيد الله ابن عمر، عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن الْقَزَع، وبيّن أن تفسير القزع من نافع، ثم ساقه من طريقين وجعل التفسير من عبيد الله، ثم ذكره من طريق عثمان بن عثمان الغطفاني، وروح كلاهما عن عمر بن نافع، ولم يسق متنه، بل اكتفى بقوله: مثله، وألحقا التفسير فى الحديث (٣)، فنبّه بهذا على أن عثمان ورَوْحًا أدرجا التفسير في روايتهما (٤).
ومنها: أنه ربما رتّب الطرق، فبيّن بذلك ما وقع فيها من الإدراج، مثال ذلك حديث ابن مسعود ﵁ في مجيء داعي الجنّ إلى النبيّ ﷺ ، وقراءته القرآن عليهم، قال ابن مسعود: "فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكلُّ بعرة علف لدوابّكم"، فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".
ثم رواه من طريق إسماعيل بن غبراهيم، عن داود، وقال: بسنده إلى قوله: وآثار نيرانهم، "قال الشعبيّ": "وسألوه الزاد إلى آخره"، فبيّن أنه من قول الشعبيّ منفصلا من حديث عبد الله، ثم أخرجه من طريق عبد الله بن إدريس، عن داود به بدون ذكر "وسألوه" إلى آخره، لا متّصلًا، ولا منفصلًا.
فقد أخرج الحديث في الطريق الأولى متضمنًا الإدراج، ثم أخرجه من الطريق الثاني مبيّنًا أن قوله: "وسألوه الزاد الخ" من قول الشعبيّ مرسلًا، وليس من حديث عبد الله، ثم أخرجه من الطريق الثالث، وليس فيه تلك الزيادة لا متصلة، ولا منفصلة.
وقد جزم الدارقطنيّ بالإدراج، حيث قال: "وآخر الحديث إنما من قول الشعبيّ مرسل، وليس عن النبيّ ﷺ (٥) ".
стр. 374
وقال الحافظ السخاويّ: ما نصّه: وما أحسن صنيع مسلم حيث أخرج حديث عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود في مجيء داعي الجنّ إلى النبيّ ﷺ ، وذهابه معهم ... إلى آخر كلامه (١).
ومنها: أنه أخرج حديثا من طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، ثم أخرجه من طريق عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، ثم قال: وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: لَمّا كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم الذي فيه النسوة ... وساق الحديث بمعنى حديث ابن مسهر في هذا الإسناد، ولم يذكر عبد الله ابن عروة في الحديث، ولكن أدرج القصّة في حديث هشام عن أبيه، عن ابن الزبير.
فقد بيّن رحمه الله تعالى أن القصّة مع بقية الحديث إنما هي من رواية عبد الله بن عروة عن ابن الزبير، لا من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وإنما أدرج الراوي القصّة، وجعلها في حديث هشام بن عروة، مع كونها ليست من حديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في قوله: "المعلّلة ".
اعلم: أن المصنف رحمه الله تعالى استعمل لفظ "المعلّلة" بلامين، وهو استعمالٌ غير جيّد؛ لأنه اسم مفعول من علّله: بمعنى ألهاه بالشيء، وشغله به، وليس هذا الفعل مستعملًا في كلامهم، بل عبارات المحدّثين في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا.
ووقع أيضًا في عبارة البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ، وغيرهم التعبير بـ "المعلول"، وأنكره ابن الصلاح، والنوويّ، وقال: إنه لحنٌ، وأنكره أيضًا العراقيّ، والحريريّ في "دُرّة الغوّاص"، لأن اسم مفعول أعلّ الرباعيّ لا يأتي على مفعول؛ لكن تعقّب هذا القول بأنه ثبت في اللغة عُلّ الإنسان ثلاثيّا: بمعنى مرض، قال في "المصباح المنير": عُلّ الإنسان بالبناء للمفعول: مَرِضَ، ومنهم من يَبنيه للفاعل، من باب ضرب، فيكون المتعدّي من باب قتل، فهو عليل، وأعلّه الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك، فإنه من تداخل اللغتين، والأصل: أعله الله، فعُلّ، فهو معلول، أو من علّه، فيكونه على القياس، وجاء مُعلّ على القياس، لكنه قليل الإستعمال. انتهى باختصار.
فأفاد أن قول المحدّثين: معلول جار على اللغة، وليس بلحن، ويؤيّده أيضًا
стр. 375
استعمال أبي إسحاق الزجّاج اللغويّ لفظ "معلول" في "العروض".
والحاصل أن الأجود الذي لا خلاف فيه هو لفظ "المعلّ"، بلام واحدة مشدّدة، ويليه لفظ "معلول" فإنه جائز الإستعمال على الصحيح، وأما لفظ "المعلل"، وإن استعمله بعضهم، كالمصنف، فليس بجيّد.
وإلى ما ذُكر أشرت في "شافية الغُلل"، حيث قلت:
ثُمَّ الْحَدِيثُ إِنْ يَكُنْ ذَا عِلَّةِ ... لُقِّبَ بِـ "الْمُعَلِّ" كُنْ ذَا ثِقَةِ
أَمَّا "الْمُعَلَّلُ" بِلَامَيْنِ وَإِنْ ... أَطْلَقَهُ بَعْضٌ فَبِالْبُعْدِ قَمِنْ
إِذْ عَلَّلَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى أَلْهَى ... فَهَهُنَا الْمَعْنَى يَكُونُ أَوْهَى
كَذَلِكَ التَّلْقِيبُ بِـ "الْمَعْلُولِ" ... أَنْكَرَهُ بَعْضُ ذَوِي النُّقُولِ
إِذْ عَلَّهُ سَقَاهُ ثَانِيًا وَذَا ... يَبْعُدُ كَالسَّابِقِ لَكِنْ رُدَّ ذَا
بِأَنَّهُ يُقَالُ عُلَّ أَيْ مَرِضْ ... فَطَالِعِ الصِّحَاحَ أَنْ لا تَعْتَرِضْ
بِهِ جَرَتْ عِبَارَةُ الْكِبَارِ ... كَالتِّرْمِذِي وَشَيْخِهِ الْبُخَارِي
وَمِنْ أُولِي اللُّغَةِ فَالزَّجَّاجُ ... قَدْ قَالَهُ مِمَّنْ بِهِ احْتِجَاجُ
لِذَا نَرَى اسْتِعْمَالَهُ صَحِيحَا ... فَلَا تَكُنْ إِمَّعَةً جَرِيحَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في معنى العلّة:
" العلة" في اللغة: المرض، واصطلاحًا: هي عبارة عن أسباب خفية طرأت على الحديث الذي ظاهره السلامة؛ لاستجماعه شروط الصحة ظاهرًا، فأثّرت في صحته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى في كتابه "التقريب": والعلة عبارة عن سبب غامض، قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، قال ابن الصلاح: فالحديث المعل ما اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته مع ظهور السلامة.
ويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرا وتدرك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تُنَبّه العارفَ بهذا الشأن على وَهَم الراوي بإرسال، أو وقف، أو دخول حديث في حديث، أو غير ذلك، بحيث يغلب على ظنه، فيحكم بعدم صحة الحديث، أو يتردد فيتوقف فيه، وربّما تقصر عبارة المعلّ عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفيّ في نقد الدينار والدرهم. قال ابن مهدي: معرفة علم الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك، وقيل له أيضا: إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد، فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا
стр. 376
بهرج، أكنت تسأل عمن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة، والمناظرة، والخبرة.
وسئل أبو زرعة ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة، فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كَلامَنَا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا فاعلم أن كُلًّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.
[تنبيه]: طريق معرفة العلّة: جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم وإتقانهم، قال ابن المديني: الباب إذا لم تُجمَع طرقه، لم يتبين خطؤه.
وإلى ما تقدّم أشرت في "شافية الغلل" بقولي:
وَعِلَلُ الْحَدِيثِ جَمْعُ عِلَّةِ ... وَفُسِّرَتْ بِمَرَضٍ فِي اللُّغَةِ
أَمَّا فِي الإصْطِلَاحِ فَهْيَ سَبَبُ ... يَكُونُ غَامِضًا وَقَدْحًا يُوجِبُ
معَ سَلَامَةٍ تَكُونُ ظَاهِرَا ... فَالْخَبَرُ الْمُعَلُّ مَا فِيهِ تُرَى
مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلَامَهْ ... لَكِنْ لَدَى الْبَحْثِ تَجِي الْمَلَامَهْ
وَتَتَطَرَّقُ لإسْنَادٍ جَمَعْ ... فِي ظَاهِرٍ شُرُوطَ صِحَّةٍ تَقَعْ
تُدْرَكُ بِانْفِرَادٍ أَوْ مُخَالَفَهْ ... مَعَ قَرَائِنَ يَرَى ذُو الْمَعْرِفَهْ
فَيَهْتَدِي لِوَهْمِ رَاوٍ حَصَلَا ... بِالْوَقْفِ أَوْ إِرْسَالٍ أَوْ ذَا دَخَلَا
فِي غَيْرِهِ أَوْ نَحْوِ ذَا حَتَّى غَلَبْ ... فِي ظَنِّهِ فَرَدَّ ذَا لِذَا السَّبَبْ
أَوْ جَاءَهُ تَرَدُّدٌ فَوَقَفَا ... طَرِيقُ عِلْمِهِ لَدَى مَنْ عَرَفَا
جَمْعُكَ لِلطُّرُقِ ثُمَّ النَّظَرُ ... فِي الإخْتِلَافِ لِلرُّوَاةِ يُؤْثَرُ
وَالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ قَالَ الْحَاذِقُ ... ابْنُ الْمَدِينِيِّ الإِمَامُ الْفَائِقُ
الْبَابُ إِنْ طُرُقُهُ لَمْ تُجْمَعِ ... لَمْ يَسْتَبِنْ خَطَؤُهُ فَاتَّبِعِ
[تنبيه آخر]: قد كثر التعليل بالإرسال للموصول، وذلك بأن يكون راوي المرسل أقوى ممن وصل.
وإلى هذا أشرت في "الشافية" بقولي:
وَكَثُرَ الإِعْلَالُ بِالإِرْسَالِ أَوْ ... بِالْوَقْفِ إِنْ أَقْوَى مِنَ الضِّدِّ رَأَوْا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في بيان أقسام العلّة من حيث القدحُ وعدمه .
اعلم: أن العلّة تقع في الإسناد، وهو الأكثر، وقد تقع في المتن، وما وقع منها
стр. 377
في الإسناد قد يقدح فيه وفي المتن أيضًا، كالإرسال والوقف، وقد يقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن معروفا صحيحا، كحديث يعلى بن عبيد الطنافسي، أحد رجال الصحيح، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، حديث البيعان بالخيار، غَلِط يعلى على سفيان، في قوله: "عمرو بن دينار"، إنما هو "عبد الله بن دينار"، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد، وغيرهم. وإلى ذلك أشرت في "شافية الغلل" بقولي:
وَتَقَعُ الْعِلَّةُ فِي الإِسْنَادِ ... بِكَثْرَةٍ وَقَدْ تَجِي يَا صَادِي
فِي الْمَتْنِ وَالأَوَّلُ أَيْضًا قَدْ قَدَحْ ... فِي الثَّانِ كَالإِرْسَالِ أَوْ وَقْفٍ وَضَحْ
أَوْ فِيهِ وَالْمَتْنُ صَحِيحٌ مِثْلَمَا ... فِي الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ عُلِمَا
غَلِطَ يَعْلَى إِذْ رَوَى عَنْ عَمْرِو ... بَدَلَ عَبْدِ اللهِ كُنْ ذَا سَبْرِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في إطلاق العلة على غير ما تقدّم بيانه .
اعلم: أنه قد تُطلَق العلة على غير مقتضاها الذي قدمناه، من الأسباب الظاهرة القادحة، ككذب الراوي، وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث، وذلك موجود في كتب العلل بكثرة، وإلى هذا أشرت في "الشافية" بقولي:
وَأَطْلَقُوا الْعِلَّةَ أَيْضًا لِسِوَى ... مَا مَرَّ كَالْكِذْبِ وَفِسْقِ مَنْ رَوى
وِمِثْلَ سُوءِ حِفْظِهِ وَالْغَفْلَةِ ... وَنَحْوِهَا فَارْجِعْ لِكُتْبِ الْعِلَّةِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: هذا الذي تقدّم من إطلاق العلة على ما يقدح في صحة الحديث هو المشهور الكثير الإستعمال عند المحدّثين، وقد استعمل بعضهم، وهو أبو يعلى الخليلي في كتابه "الإرشاد"، العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث، كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال: من الصحيح صحيح مُعَلٌّ، كما قيل: منه صحيح شاذ، ومَثَّلَ الصحيح المعل بحديث مالك: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلّف من العمل إلا ما يُطيق"، فإنه أورده في "الموطإ" معضلا، ورواه عنه إبراهيم ابن طهمان، والنعمان بن عبد السلام موصولا، قال: فقد صار الحديث بتبَيُّن الإسناد صحيحا، يُعْتَمد عليه، قيل: وذلك عكس الْمُعَلّ، فإنه ما ظاهره السلامة، فاطُّلِعَ فيه بعد الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال، فلما فُتِّشَ تبين وصله.
وقد نُقِل عن الإمام الترمذي رحمه الله تعالى أنه سَمَّى النسخ علةً، قال العراقي: فإن
стр. 378
أراد به كونه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة، وإلى هذا أشرت في "الشافية" بقولي:
وَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَهَا عَلَى الَّذِي ... لَا يَقْتَضِي الْقَدْحَ كَإِرْسَالٍ لِذِي
وَصْلٍ مِنَ الثِّقَةِ ذِي الضَّبْطِ أَتَى ... لِذَاكَ مَعْلُولٌ صحِيحٌ ثَبَتَا
مِثْلُ صَحِيحِ شَذَّ قِيلَ قَدْ نُقِلْ ... لِلتِّرْمِذِيِّ النَّسْخُ عِلَّةً تُعِلّ
وَأَوَّلُوهُ عِلًّةً فِي الْعَمَلِ ... لَا عِلَّةً فِي صِحَّةِ التَّقَبُّلِ
تنبيه: قد صنف العلماء في العلل كتبا كثيرة، فمنها: كتاب ابن المديني، وابن أبي حاتم، والخلال، وأجمعها كتاب الدارقطني. وقد صنف الحافظ فيه كتابه "الزَّهْرِ المطلول في الخبر المعلول" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم ذكر رحمه الله تعالى الأمر الذي دفعه لتحقيق رغبة الطالب الذي سأله أن يؤلّف له هذا الصحيح، فقال:
(وَبَعْدُ -يَرْحَمُكَ اللَّهُ- فَلَوْلَا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ، مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ، مِنْ طَرْحِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الإِقْتِصَارَ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الْأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ، لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الإِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ، مِنَ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ، مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ، بِالْأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
قد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى بيان السبب الباعث له لتأليف هذا الكتاب الخاصّ بجمع الصحيح فقط، وهو طلب بعض الناس منه ذلك، وبيّن هنا السبب الدافع له لتحقيق رغبة ذلك الطالب، وهو سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدّثًا، وذلك أن مما
стр. 379
يجب عليهم أن يطرحوا الأحاديث الضعيفة، والمنكرة التي يرويها أقوام قد ذمّهم أئمة هذا الشأن، كمالك، وشبعة، وابن عيينة، ويحيى القطّان، وابن مهديّ، وغيرهم، ويقتصروا على الأحاديث الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات المعرفون بالصدق والأمانة، فلما رأى ذلك سهُل عليه إجابة طلب ذلك الطالب؛ خشيةَ أن يقع في تلك الأخبار الواهية لو لم يجبه إلى طلبه. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَبَعْدُ) أي وبعد ما تقدّم من شرح مذهب المحدثين، والواو هذه نائبة عن "أما" النائبة عن "مهما يكن"، كما سبق بيانه مُسْتَوْفًى في قوله أول هذه المقدّمة: "أما بعد"، و "بعدُ" مبنيّ على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، كما تقدّم تفصيله هناك، واستعمال "وبعد" مما جرى به عرف العلماء، وليس واردًا في السنة، إذ الوارد فيها "أما بعد"، كما تقدم بيانه أدلته هناك أيضًا. وقوله: (يَرْحَمُكَ اللهُ) جملة دعائية معترضة بين الشرط، وهي "وبعدُ"؛ لتضمنها معنى الشرط، كما أشرت إليه آنفًا، وجزائه، وهو قوله: (فَلَوْلَا الذي رأينا الخ) و "لولا" هذه إن دخلت على الجملة الاسمية -كما هنا- حرف امتناع لوجود، أي امتناع جوابه لوجود شرطه، مثلُ لولا زيد لأهنتك، أي موجود، فامتنعت الإهانة لوجود زيد، وإن دخلت على المضارع، أفادت العرض، وهو طلب بلين، نحو قوله ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧]، وقوله : ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، والتحضيض، وهو طلب بحثّ، نحو قوله ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ الآية [النمل: ٤٦]، وإن دخلت على الماضي أفادت التوبيخ، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ١٣]. وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "الكوكب الساطع" بقوله:
"لَوْلَا" امْتِنَاعٌ لِوُجُودٍ فِي الْجُمَلْ ... اسْمِيَّةٍ وَفِي الْمُضَارِعِ احْتَمَلْ
عَرْضًا وَتَحْضِيضًا وَفِي الَّذِي مَضَى ... تَوَبُّخٌ وَنَفْيُهُ لا يُرْتَضَى
راجع ما كتبتُهُ على "الكوكب الساطع" في مبحث "الحروف" ص ١٢٩.
فيكون المعنى هنا امتناع عدم سهولة الإنتصاب لتحقيق رغبة الطالب عليه لوجود رؤيته سوء صنيع الكثيرين ممن نَصَبَ نفسه محدّثًا.
وخلاصة المعنى: أن الذي سهّل عليه القيام بتحقيق ذلك هو رؤيته سوء صنيع كثير ممن يدّعي علم الحديث في كيفية إلقائهم الأحاديث إلى العوامّ. والله تعالى أعلم.
وقوله (الَّذِي رَأَيْنَا) مبتدأ خبره محذوف: أي موجود، وحذف خبر المبتدأ بعد
стр. 380
"لولا" واجب عند أكثر النحاة، وغالب عند بعض النحاة، كابن مالك، كما أشار إليه في "خلاصته" بقوله:
وَبَعْدَ "لَوْلَا" غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ... حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِنٍ ذَا اسْتَقَرّ
وقوله: (مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ) بيان للموصول (مِمَّنْ نَصَبَ) متعلّق بصفة لـ "كثير": أي أقام (نَفْسَهُ مُحَدِّثًا) فيه إشارة إلى أن من يصنع ذلك ليس من محققي المحدّثين، وإنما أدخل نفسه فيهم، حيث لم يَسلُك طريقهم (فِيمَا يَلْزَمُهُمْ) متعلّق "بسوء صنيع": أي في الصنع الذي كان يلزمهم، وهو ما بيّنه بقوله: (مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ) أي رميها، وعدم التحديث بها، وقوله: (وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الضعيف أعم من المنكر، وإنما خصّه بالذكر؛ لمزيد الذم في روايته؛ لشدة ضعفه، ، وسيأتي بيان الخلاف في رواية الأحاديث الضعيفة، قريبًا، إن شاء الله تعالى (وَتَرْكِهِمُ الإِقْتِصَارَ عَلَى) رواية (الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ) أي التي اشتهرت أسانيدها بين المحدثين، وتداولوها فيما بينهم، فهو بمعنى قوله السابق أول المقدّمة: "بالأسانيد التي بها نُقلت، وتداولها أهل العلم فيما بينهم"، وليس المراد المشهور المصطلح عليه، وهو ما رواه ثلاثة، فأكثر، ولم يبلغ حدّ التواتر (مِمَّا) متعلّق بحال محذوف: أي حال كون تلك الأحاديث كائنة من جملة الحديث الذي (نَقَلَهُ الثِّقَاتُ) جمع ثقة، ويطلق بلفظ الواحد على غير الواحد أيضًا، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَثُقَ الشيءُ بالضمّ وَثَاقَةً: قَوِيَ، وثَبَتَ فهو وَثيق: ثابت محكم، وأوثقته: جعلته وَثِيقًا، ووثِقتُ به أَثِقُ بكسرهما ثِقَةً، ووُثُوقًا: ائتمنته، وهو، وهي، وهما، وهم، وهنّ ثقة؛ لأنه مصدرٌ، ويجمع في الذكور، والإناث، فيقال: ثقات. انتهى.
فتبيّن بهذا أن معنى الثقة المؤتمنُ، ولا يكون مؤتمنًا إلا إذا جمع بين الصدق، والضبط، فيكون قوله: (الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ) صفة مؤكّدةً لـ "الثقات"، و"الأمانة" هنا مصدر "أمِنَ" بالكسر، فهو أمين، وتستعمل مجازًا في الأعيان، فيقال: الوديعة أمانة، ونحو ذلك.
(بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ) أي بقلوبهم (وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا) بفتح "أن" لوقوعها موقع المصدر، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
فهي هنا في تأويل المصدر مفعول به لـ "معرفتهم"، ولـ "إقرارهم" على سبيل التنازع، والتقدير: بعد معرفتهم، وإقرارهم استنكاره.
وقوله: (مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ) بكسر الذال، من باب ضرب: أي يُلقونه إليهم، والمراد
стр. 381
روايته لهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨]. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد يكون "يقذفون" بمعنى يقولون: ما لا يعلمون، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المعنى الذي ذكره عياض غير صحيح هنا؛ إذ يبطله قول المصنّف: "بعد معرفتهم، وإقرارهم بألستنهم الخ"، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(إِلَى الْأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ) بفتح الهمزة، وسكون الغين المعجمة، وكسر الموحّدة: جمع غبيّ، كنبيّ وأنبياء، والمراد به الْغَفَلَةُ، والْجَهَلَةُ الذين لا فِطْنة لهم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: واختلفت روايات شيوخنا في هذا الحرف، وصوابه "الأغبياء" -بالغين المعجمة، والباء الموحدة، وهي روايتنا من طريق السمرقنديّ، ومعناه: الْجَهَلَة الأَغْفَال، ويدلّ عليه قوله آخر الفصل: "وقذفهم بها إلى العوامّ". انتهى "إكمال المعلم" ١/ ١٠٦.
وقوله: (هُوَ مُسْتَنْكَرٌ) خبر "أنّ"، و "هو" ضمير فصل يُؤتَى به للفصل بين الصفة والخبر، و "المستنكَر" اسم مفعول، من الإستنكار، وقد تقدّم البحث عن معنى المنكر، وما يتعلّق به، فلا تنس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ذمّ به المصنّف رحمه الله تعالى هؤلاء المنتصبين للتحديث تحديثهم للناس بالروايات الضعيفة، والمنكرة، وتركهمِ الإقتصار على الأحاديث الصحيحة، ثم إنه لو كان هذا لجهلهم بذلك، لكان الذمّ بسيطًا، ولكنهم إنما أقدموا على ذلك بعد أن عرفوه، وأقروا بألسنتهم، وكتبوه في مؤلفاتهم، فيكون الذم مركبًا ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الطويل]:
فَإنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمَصَائِبُ أَعْظَمُ.
والله تعالى أعلم.
(وَمَنْقُولٌ) بالرفع عطف على "مستنكر"، وهو من عطف السبب على المسبب؛ إذ كونه مستنكرًا إنما هو من أجل كونه منقولًا (عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ) بجرّ "غير" صفة لـ "قوم" (مِمَّنْ) متعلق بصفة محذوفة لـ "قوم"، أو بحال كذلك (ذَمَّ) من باب نصر: أي عاب (الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ) بنصب "الرواية" على المفعوليّة، و "رفع "أئمة" على الفاعلية. ثم ذكر أمثلة للأئمة الذين ذمّوا الرواية عن القوم غير المرضيين بقوله:
(مِثْلُ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هم مثل (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، هذا أول محل ذكره من الكتاب.
стр. 382
وهو مالك بن أنس بن مالك ﵁ بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خُثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح، الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين.
قال محمد بن إسحاق الثقفي: سئل محمد بن إسماعيل البخاري، عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم، قال: وقيل لسفيان: أيما كان أحفظ سُمَيّ، أو سالم أبو النضر؟ ، قال: قد روى مالك عنهما. وقال علي، عن بشر ابن عمر الزهراني: سألت مالكا عن رجل؟ فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. قال علي: لا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا إنسانا في حديثه شيء. وقال الدوري، عن ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا عبد الكريم. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أصحاب نافع الذين رووا عنه: أيوب، وعبد الله، ومالك، قال علي: هؤلاء أثبت أصحاب نافع، قال: وسمعت يحيى ابن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثا من مالك -يعني السفيانين- ومالكا، قال: ومالك أحب إلي من معمر، قال: وأصحاب الزهري مالك، فبدأ به، ثم فلان، وفلان، وكان ابن مهدي لا يقدم على مالك أحدا. وقال ابن لهيعة: قدم علينا أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن سنة ست وثلاثين، فقلنا له: من بالمدينة يفتي؟ قال: ما ثَمّ مثل فتى من ذي أصبح، يقال له: مالك. وقال حسين بن عروة، عن مالك: قدم علينا الزهري، فحدثنا نيفا وأربعين حديثا، فقال له ربيعة: ههنا من يرد عليك، ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر، قال: هات، فحدثته منها بأربعين، فقال: ما كنت أقول: إنه بقي أحد يحفظ هذا غيري. وقال عمرو بن علي، عن ابن مهدي: حدثنا مالك، وهو أثبت من عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وقال الحارث بن مسكين: سمعت بعض المحدثين يقول: قد قرأ علينا وكيع، فجعل يقول: حدثني الثبت، حدثني الثبت، فقلنا: من هو؟ قال: مالك. وقال حرب: قلت لأحمد: مالك أحسن حديثا عن الزهري، أو ابن عيينة؟ قال: مالك، قلت: فمعمر؟ فقدم مالكا، إلا أن معمرا أكبر. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال الحسين بن حسن الرازي: سألت ابن معين، من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك، قلت: ثم من؟ قال: معمر. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وهو أثبت في نافع من أيوب، وعبيد الله ابن عمر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: أثبت أصحاب الزهري مالك، وقال عمرو بن علي: أثبت من روى عن الزهري مالك، ممن لا يختلف فيه. وقال يونس بن
стр. 383
عبد الأعلى، عن الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، ومالك وابن عيينة: القرينان. وقال ابن المديني: سمعت ابن مهدي يقول: كان وُهيب لا يعدل بمالك أحدا. وقال وهيب ليحيى بن حسان: ما بين شرقها وغربها أحدٌ من عندنا -يعني على العلم- من مالك، والعرض على مالك أحب إلي من السماع من غيره. قال ابن عيينة، في حديث أبي هريرة: "يوشك أن يَضرب الناس أكباد الإبل، يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة"، هو مالك، وكذا قال عبد الرزاق.
وقال حرملة، عن الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين. وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا، أو صاحبكم؟ فذكر القصة، وقَدّم فيها مالكا. وقال أبو مصعب عن مالك: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وقال الفضيل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل عن ضرب مالك؟ فقال: ضربه بعض الولاة في طلاق المكره، وكان لا يجيزه. وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فما وافق السنة فخذوا به. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر، سمعت ابن عيينة يقول: أخذ مالك، ومعمر عن الزهري عرضا، وأخذت سماعا. قال: فقال يحيى بن معين: لو أخذا كتابا كانا أثبت منه. قال: وسمعت يحيى يقول: هو في نافع أثبت من أيوب، وعبيد الله بن عمر. وقال النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك، ولا أجل منه، ولا أوثق، ولا آمن على الحديث منه، ولا أقل رواية عن الضعفاء، ما علمناه حدث عن متروك، إلا عبد الكريم. وقال ابن حبان في "الثقات": كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة، مع الفقه والدين والفضل والنسك، وبه تخرج الشافعي. وروى ابن خزيمة في "صحيحه" عن ابن عيينة قال: إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ، إن كتب عنه، وإلا تركناه، وما مثلي ومثل مالك، إلا كما قال الشاعر:
وَابْنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنِ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ (١)
قال أبو جعفر الطبري: إني سمعت ابن مهدي يقول: ما رأيت رجلا أعقل من مالك.
стр. 384
قال ابن سعد، عن مصعب الزبيري: إني أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة تسع وسبعين ومائة، ومالك كان ثقة، مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة، قال: وقال إسماعيل بن أبي أويس: توفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين، وكان ابن خمس وثمانين سنة. وقال الواقدي: كان ابن تسعين سنة.
ومناقبه كثيرة جدا لا يمكن استيعابها في مثل هذه العجالة، وقد أفردت بالتصنيف.
وجعله في "التقريب": من الطبقة السابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة. روى له مسلم (٣٤٦) حديثًا.
(وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ) الإمام المشهور، هذا أول محلّ ذكره من الكتاب.
وهو شعبة بن الحجاج بن الوَرْد الْعَتَكِيّ الأزدي مولاهم، أبو بِسْطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ، متقنٌ، عابد، أمير المؤمنين في الحديث.
قال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم، وشعبة أحسن حديثا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه، قُسِم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من أهل الكوفة، لم يرو عنهم سفيان. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله من أثبت شعبة أو سفيان، فقال: كان سفيان رجلا حافظا، وكان رجلا صالحا، وكان شعبة أثبت منه، وأنقى رجلا، وسمع من الحكم قبل سفيان بعشر سنين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن -يعني في الرجال- وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال. وقال معمر: كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه. وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يَقدَم عليكم رجل من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه. وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد ابن سلمة: إذا أردت الحديث فالزم شعبة. وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني، إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته. وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الثوري لِسَلْم بن قتيبة: ما فعل استأذنا شعبة. وقال أبو قطن، عن أبي حنيفة: نعم حشو المصر هو. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق. وقال أبو زيد الهروي: قال شعبة: لأن أنقطع أحبّ إلي من أن أقول لما لم أسمع سمعت. وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث. وقال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على ظهره. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت
стр. 385
صلاة قط، إلا رأيته قائما يصلي. وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه. وقال قراد أبو نوح: رأى عليَّ شعبة قميصا، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، قال لي: ويحك أما تتقي الله، تلبس قميصا بثمانية، ألا اشتريت قميصا بأربعة، وتصدقت بأربعة، قلت: أنا مع قوم نتجمل لهم، قال: أيشٍ نتجمل لهم؟ . وقال وكيع: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات؛ لذبه عن رسول الله ﷺ . وقال يحيى القطان: ما رأيت أحدا قط أحسن حديثا من شعبة. وقال ابن إدريس: ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة وسفيان. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد أيما كان أحفظ للأحاديث الطوال، سفيان، أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمر فيها. قال: وسمعت يحيى يقول: كان شعبة أعلم بالرجال، فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب أبواب. وقال أبو داود: لما مات شعبة قال سفيان: مات الحديث. قيل لأبي داود: هو أحسن حديثا من سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على قلته، والزهري أحسن الناس حديثا، وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه -يعني في الأسماء-. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا ثبتا حجة صاحب حديث. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث. وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلا. قال الدارقطني في "العلل": كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرا؛ لتشاغله بحفظ المتون. وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد، ويحيى. وقال صالح بن سليمان: كان لشعبة أخوان يعالجان الصرف، وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلكم الزموا السوق، فإنما أنا عيال على إخوتي. وقال ابن معين: كان شعبة صاحب نحو وشعر. وقال الأصمعي: لم نر أحدا أعلم بالشعر منه. وقال بدل بن المحبر: سمعت شعبة يقول: تعلموا العربية، فإنها تزيد في العقل. وقال ابن إدريس: شعبة قَبّان المحدثين، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما لزمت غيره. وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع إلا ظننت أنه قد نسي. وفي "تاريخ ابن أبي خيثمة": قال شعبة: ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أتيته أكثر من عشر مرار. وقيل لابن عوف: ما لَكَ لا تحدث عن فلان؟ قال: لأن أبا بسطام تركه. وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك ﵁، وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة من التابعين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام الحاكم هذا نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكون تابعيّا مثل الأعمش، فإنه إنما عدّه في "التقريب" من الطبقة الخامسة؛ لكونه رأى أنسا ﵁، وقد عدّ شعبة من الطبقة السابعة، ومن الغريب أن الحافظ نقل كلام الحاكم هذا في "التهذيب"، وسكت عليه، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.
стр. 386
وقال ابن سعد: توفي أول سنة (١٦٠) بالبصرة. وقال أبو بكر بن منجويه: وُلد سنة (٨٢)، ومات سنة (١٦٠)، وله (٧٧) سنة. وكان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علما يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق. وهذا الكلام لابن حبان في "الثقات" نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه، لكن عند ابن حبان أن مولده سنة (٨٣). وذكر ابن أبي خيثمة أنه مات في جمادى الآخرة.
جعله في "التقريب" من الطبقة السابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في "صحيحه" (٥٩٠) حديثًا.
[تنبيه]: من اسمه شعبة في الكتب الستة ثلاثة:
١ - هذا الإمام المشهور، وهو من رجالهم جميعًا.
٢ - شعبة بن دينار الكوفيّ، لا بأس به [٧] تفرد به النسائيّ في "السنن الكبرى" بحديث واحد في "كتاب العتق".
٣ - شعبة بن دينار الهاشميّ، مولى ابن عباس المدنيّ، صدوق، سيء الحفظ [٤] تفرّد به أبو داود بحديث واحد في "الغسل". والله تعالى أعلم.
(وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ) الإمام العلم المشهور، هذا أول محلّ ذكره من الكتاب.
وهو سفيان بن عُيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، سكن مكة، وقيل: إن أباه عيينة هو المكنيّ أبا عمران، ثقة حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغيّر حفظه بآخره، وكان ربّما دلّس، لكن عن الثقات.
قال ابن المديني: وُلد سنة (١٠٧) وكذا قال عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن سفيان، وزاد للنصف من شعبان، وكُتِب عنه الحديثُ سنة (٤٢) قبل موت الأعمش. وقال ابن عيينة. أول من أسندني إلى الأسطوانة مسعر، فقلت: إنّي حَدَثٌ، فقال: إن عندك الزهريَّ، وعمرَو بنَ دينار. وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان حسن الحديث، يُعَدُّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان، لذهب علم الحجاز. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: مالك وسفيان القرينان. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلميَّ أحد غير ابن عيينة، فقلت: يا أبا سعيد سفيان إمام في الحديث، قال سفيان: إمام منذ أربعين سنة. قال علي: وقال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أسمع الحديث من ابن عيينة، فأقوم، فأسمع شعبة يحدث به، فلا أكتبه، قال علي: وسمعت بشر بن المفضل يقول: ما بقي على
стр. 387
وجه الأرض أحد يشبه ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين، ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار، أو الثوري؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فحماد بن زيد؟ قال: ابن عيينة أعلم به، فقلت: فشعبة؟ قال: وأَيْشٍ رَوَى عنه؟ . وقال أبو مسلم المستملي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: ما رأيت أحدا من الناس فيه جزالة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدا أكَفّ عن الفتيا منه. قال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عمران بن عيينة، أن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللَّهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع، فتوفي في السنة الداخلة. وقال الواقدي: مات يوم السبت، أول يوم من رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: أنا أستبعد هذا القول، وأجده غلطا من ابن عمار، فإن القطان مات أول سنة (٩٨) عند رجوع الحجاج، وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يُمَكَّن من سماع هذا، حتى يتهيأ له أن يشهد به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسط السنة. انتهى. وهذا الذي لا يتجه غيره؛ لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة، ممن حج في تلك السنة، واعتمد قولهم، وكانوا كثيرا، فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئا يصلح، أن يكون سببا لما نقله عنه ابن عمار فىِ حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد بن السمعاني، في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، من "ذيل تاريخ بغداد"، بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم وتزيد في إسناده، أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي، في زيادة "كتاب الإيمان" لأحمد: أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره.
ثم قال الذهبي: سمع من ابن عيينة في سنة (٧) محمد بن عاصم الأصبهاني صاحب الجزء العالي. وقال أحمد: ما رأيت أحدا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة. وقال الآجري عن أبي داود: قال أبو معاوية: كنا إذا قمنا من عند الأعمش أتينا ابن عيينة. وقال يحيى بن سعيد:
стр. 388
هو أحب إلي في الزهري من معمر. وقال ابن مهدي: كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز. وقال أبو حاتم الرازي: ابن عيينة ثقة إمام، وأثبت أصحاب الزهري مالك، وابن عيينة. وحكى الحميدي عنه أنه قال: أدركت سبعا وثمانين تابعيا. وقال ابن خراش ثقة مأمون ثبت. وقال الترمذي: سمعت محمد يقول: هو أحفظ من حماد بن زيد. وقال أبو معاوية: قال ابن عيينة: قال لي زهير الجعفي: أخرج كتبك، فقلت أنا أحفظ من كتبي. ونسبه ابن عدي إلي شيء من التشيع، فقال في ترجمة عبد الرزاق: ذكر ابن عيينة حديثا، فقيل له: هل فيه ذكر عثمان؟ قال: نعم، ولكني سكت لأني غلام كوفي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الطعن لهذا الإمام الجليل يحتاج إلى التثبت في صحة الحكاية، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقال ابن حبان في "الثقات" كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين.
وقال اللالكائي: هو مستغن عن التزكية؛ لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار. وجزم ابن الصلاح في "علوم الحديث" بأنه مات سنة ثمان وتسعين ومائة. انتهى. وكان انتقاله من الكوفة إلى مكة سنة (٦٣) فاستمر بها إلى أن مات.
وجعله في "التقريب" من رؤوس الطبقة الثامنة.
روى له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٥٩) حديثًا. والله تعالى أعلم.
(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) الإمام الحجة المشهور، هذا أول محل ذكره.
هو: يحيى بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، آخره خاء معجمة- القطان التميمي، أبو سعيد البصري، الأحول، ثقة متقن، حافظ، إمام، قدوة.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما مع شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حَكَمًا، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان-. وقال خالد بن الحارث: غلبنا يحيى بسفيان الثوري. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، كنت إذا أخطأت، قال لي الثوري: أخطأت يا يحيى، قال: فحدث يوما عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بحديث الشرب في آنية الذهب والفضة، فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، إنما ثنا عبيد الله، عن نافع، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، فقال لي: صدقت. وقال عمرو بن علي، عن يحيى ابن سعيد: ما اجتمعت أنا وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ إلا قَدّماني. وقال
стр. 389
القواريري عن ابن مهدي: ما رأيت أحسن أخذا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان، وسفيان بن حبيب. وقال ابن المديني: لم يكن ممن طلب، وعُني بالحديث، وأقام عليه، ولم يزل فيه، إلا ثلاثة: القطان، وسفيان بن حبيب، ويزيد بن زريع. وقال ابن عمار: حدث عبد الرحمن بن مهدي، عن يحيى بن سعيد بألفي حديث، وهو حي. وقال الساجي: حُدِّثتُ عن علي بن المديني قال: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان، ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته، وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود، عن ابن المديني: ما رأيت أثبت من يحيى القطان. وقال إبراهيم بن محمد التيمي: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله، قال: وقلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن؟ قال: ما رأيت مثل يحيى القطان. قلت: فهشيم؟ قال: هشيم شيخ، قلت: فعبد الرحمن بن مهدي؟ قال: لم نر مثل يحيى. وقال أحمد أيضا: كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سعيد أثبت من هؤلاء -يعني ابن مهدي، ووكيعا، وغيرهما-. وقد رَوَى عن خمسين شيخا ممن روى عنه سفيان، قيل له: كان يكتب عند سفيان؟ قال: إنما يتسمع ما لم يكن سمعه فيكتبه. وقال الفضل ابن زياد: سمعت أحمد يقول: لا والله ما أدركنا مثله، ثم قال: سمعت ابن مهدي وذكره، فقال: لا ترى عيناك مثله. وقال الدوري عن ابن معين، عن ابن مهدي مثله. وجاء نحو هذا عن أحمد من عدة أوجه. وقال الأثرم: سمعته يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد تفقّده، كان محدثا، وأثنى عليه، فأحسن الثناء. وقال أبو داود عن أحمد: ما رأيت له كتابا، كان يحدثنا من حفظه. وقال حنبل عن أحمد: ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟ وقال الدوري عن ابن معين: يحيى القطان أثبت من ابن مهدي في سفيان. وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت ابن مهدي يقول: لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه؛ لأعرف صحيحها من سقيمها. قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جَهد الثوري أن يدلس علي رجلا ضعيفا، فما أمكنه، قال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبي، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك، لا يذهب عليك شيء. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين: يحيى القطان فوق ابن مهدي؟ قال: نعم. وقال ابن خزيمة عن بندار: ثنا يحيى بن سعيد، إمام أهل زمانه. وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند، فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن
стр. 390
معين، والشاذكوني، وعمرو بن علي، يسألونه عن الحديث، وهم قيام، هيبةً له. وقال ابن عمار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان، ظننت أنه لا يحسن شيئا، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء. وقال بندار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى قط. وقال حفيده: لم يكن جدي يمزح، ولا يضحك إلا تبسما، وما دخل حماما قط. وقال أبو داود عن يحيى بن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة، يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، رفيعا حجة. وقال العجلي: بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة. وقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ. وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال النسائي: ثقة ثبت مرضي. قال عمرو ابن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت سنة عشرين ومائة، في أولها، ومات في سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرخه غير واحد، زاد علي بن المديني في صفر. وقال الدوري عن بن معين، عن عفان بن مسلم: رأى رجل ليحيى بن سعيد قبل موته بعشرين سنة: بَشِّرْ يحيى بن سعيد بأمان من الله تعالى يوم القيامة. وقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه، حفظا وورعا وفهما وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مَهَّد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، ومنه تعلم أحمد، ويحيى، وعلي، وسائر أئمتنا، وكان إذا قيل له في علته: عافاك الله تعالى، قال: أحبه إلي أحبه إلى الله تعالى. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثوري يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢١٤) حديثًا.
وجعله في "التقريب" من كبار الطبقة التاسعة.
[تنبيه]: من يسمّى يحيى بن سعيد في الكتب الستة خمسة:
١ - يحيى القطّان هذا.
٢ - يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق يُغرب، توفي سنة (١٩٤) من كبار الطبقة التاسعة.
٣ - يحيى بن سعيد بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابد، توفي سنة (١٤٥) من الطبقة السادسة.
٤ - يحيى بن سعيد بن العاص الأمويّ الأشدق، ثقة مات في حدود (٨٠) من الطبقة الثالثة.
٥ - يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت، مات سنة (١٤٤) من الطبقة الخامسة.