← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال ابن سعد: توفي أول سنة (١٦٠) بالبصرة. وقال أبو بكر بن منجويه: وُلد سنة (٨٢)، ومات سنة (١٦٠)، وله (٧٧) سنة. وكان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علما يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق. وهذا الكلام لابن حبان في "الثقات" نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه، لكن عند ابن حبان أن مولده سنة (٨٣). وذكر ابن أبي خيثمة أنه مات في جمادى الآخرة. جعله في "التقريب" من الطبقة السابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في "صحيحه" (٥٩٠) حديثًا. [تنبيه]: من اسمه شعبة في الكتب الستة ثلاثة: ١ - هذا الإمام المشهور، وهو من رجالهم جميعًا. ٢ - شعبة بن دينار الكوفيّ، لا بأس به [٧] تفرد به النسائيّ في "السنن الكبرى" بحديث واحد في "كتاب العتق". ٣ - شعبة بن دينار الهاشميّ، مولى ابن عباس المدنيّ، صدوق، سيء الحفظ [٤] تفرّد به أبو داود بحديث واحد في "الغسل". والله تعالى أعلم. (وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ) الإمام العلم المشهور، هذا أول محلّ ذكره من الكتاب. وهو سفيان بن عُيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، سكن مكة، وقيل: إن أباه عيينة هو المكنيّ أبا عمران، ثقة حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغيّر حفظه بآخره، وكان ربّما دلّس، لكن عن الثقات. قال ابن المديني: وُلد سنة (١٠٧) وكذا قال عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن سفيان، وزاد للنصف من شعبان، وكُتِب عنه الحديثُ سنة (٤٢) قبل موت الأعمش. وقال ابن عيينة. أول من أسندني إلى الأسطوانة مسعر، فقلت: إنّي حَدَثٌ، فقال: إن عندك الزهريَّ، وعمرَو بنَ دينار. وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان حسن الحديث، يُعَدُّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان، لذهب علم الحجاز. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: مالك وسفيان القرينان. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلميَّ أحد غير ابن عيينة، فقلت: يا أبا سعيد سفيان إمام في الحديث، قال سفيان: إمام منذ أربعين سنة. قال علي: وقال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أسمع الحديث من ابن عيينة، فأقوم، فأسمع شعبة يحدث به، فلا أكتبه، قال علي: وسمعت بشر بن المفضل يقول: ما بقي على

стр. 387

وجه الأرض أحد يشبه ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين، ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار، أو الثوري؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فحماد بن زيد؟ قال: ابن عيينة أعلم به، فقلت: فشعبة؟ قال: وأَيْشٍ رَوَى عنه؟ . وقال أبو مسلم المستملي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: ما رأيت أحدا من الناس فيه جزالة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدا أكَفّ عن الفتيا منه. قال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عمران بن عيينة، أن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللَّهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع، فتوفي في السنة الداخلة. وقال الواقدي: مات يوم السبت، أول يوم من رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: أنا أستبعد هذا القول، وأجده غلطا من ابن عمار، فإن القطان مات أول سنة (٩٨) عند رجوع الحجاج، وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يُمَكَّن من سماع هذا، حتى يتهيأ له أن يشهد به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسط السنة. انتهى. وهذا الذي لا يتجه غيره؛ لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة، ممن حج في تلك السنة، واعتمد قولهم، وكانوا كثيرا، فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئا يصلح، أن يكون سببا لما نقله عنه ابن عمار فىِ حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد بن السمعاني، في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، من "ذيل تاريخ بغداد"، بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم وتزيد في إسناده، أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي، في زيادة "كتاب الإيمان" لأحمد: أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره. ثم قال الذهبي: سمع من ابن عيينة في سنة (٧) محمد بن عاصم الأصبهاني صاحب الجزء العالي. وقال أحمد: ما رأيت أحدا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة. وقال الآجري عن أبي داود: قال أبو معاوية: كنا إذا قمنا من عند الأعمش أتينا ابن عيينة. وقال يحيى بن سعيد:

стр. 388

هو أحب إلي في الزهري من معمر. وقال ابن مهدي: كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز. وقال أبو حاتم الرازي: ابن عيينة ثقة إمام، وأثبت أصحاب الزهري مالك، وابن عيينة. وحكى الحميدي عنه أنه قال: أدركت سبعا وثمانين تابعيا. وقال ابن خراش ثقة مأمون ثبت. وقال الترمذي: سمعت محمد يقول: هو أحفظ من حماد بن زيد. وقال أبو معاوية: قال ابن عيينة: قال لي زهير الجعفي: أخرج كتبك، فقلت أنا أحفظ من كتبي. ونسبه ابن عدي إلي شيء من التشيع، فقال في ترجمة عبد الرزاق: ذكر ابن عيينة حديثا، فقيل له: هل فيه ذكر عثمان؟ قال: نعم، ولكني سكت لأني غلام كوفي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الطعن لهذا الإمام الجليل يحتاج إلى التثبت في صحة الحكاية، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقال ابن حبان في "الثقات" كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين. وقال اللالكائي: هو مستغن عن التزكية؛ لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار. وجزم ابن الصلاح في "علوم الحديث" بأنه مات سنة ثمان وتسعين ومائة. انتهى. وكان انتقاله من الكوفة إلى مكة سنة (٦٣) فاستمر بها إلى أن مات. وجعله في "التقريب" من رؤوس الطبقة الثامنة. روى له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٥٩) حديثًا. والله تعالى أعلم. (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) الإمام الحجة المشهور، هذا أول محل ذكره. هو: يحيى بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، آخره خاء معجمة- القطان التميمي، أبو سعيد البصري، الأحول، ثقة متقن، حافظ، إمام، قدوة. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما مع شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حَكَمًا، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان-. وقال خالد بن الحارث: غلبنا يحيى بسفيان الثوري. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، كنت إذا أخطأت، قال لي الثوري: أخطأت يا يحيى، قال: فحدث يوما عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بحديث الشرب في آنية الذهب والفضة، فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، إنما ثنا عبيد الله، عن نافع، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، فقال لي: صدقت. وقال عمرو بن علي، عن يحيى ابن سعيد: ما اجتمعت أنا وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ إلا قَدّماني. وقال

стр. 389

القواريري عن ابن مهدي: ما رأيت أحسن أخذا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان، وسفيان بن حبيب. وقال ابن المديني: لم يكن ممن طلب، وعُني بالحديث، وأقام عليه، ولم يزل فيه، إلا ثلاثة: القطان، وسفيان بن حبيب، ويزيد بن زريع. وقال ابن عمار: حدث عبد الرحمن بن مهدي، عن يحيى بن سعيد بألفي حديث، وهو حي. وقال الساجي: حُدِّثتُ عن علي بن المديني قال: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان، ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته، وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود، عن ابن المديني: ما رأيت أثبت من يحيى القطان. وقال إبراهيم بن محمد التيمي: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله، قال: وقلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن؟ قال: ما رأيت مثل يحيى القطان. قلت: فهشيم؟ قال: هشيم شيخ، قلت: فعبد الرحمن بن مهدي؟ قال: لم نر مثل يحيى. وقال أحمد أيضا: كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سعيد أثبت من هؤلاء -يعني ابن مهدي، ووكيعا، وغيرهما-. وقد رَوَى عن خمسين شيخا ممن روى عنه سفيان، قيل له: كان يكتب عند سفيان؟ قال: إنما يتسمع ما لم يكن سمعه فيكتبه. وقال الفضل ابن زياد: سمعت أحمد يقول: لا والله ما أدركنا مثله، ثم قال: سمعت ابن مهدي وذكره، فقال: لا ترى عيناك مثله. وقال الدوري عن ابن معين، عن ابن مهدي مثله. وجاء نحو هذا عن أحمد من عدة أوجه. وقال الأثرم: سمعته يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد تفقّده، كان محدثا، وأثنى عليه، فأحسن الثناء. وقال أبو داود عن أحمد: ما رأيت له كتابا، كان يحدثنا من حفظه. وقال حنبل عن أحمد: ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟ وقال الدوري عن ابن معين: يحيى القطان أثبت من ابن مهدي في سفيان. وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت ابن مهدي يقول: لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه؛ لأعرف صحيحها من سقيمها. قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جَهد الثوري أن يدلس علي رجلا ضعيفا، فما أمكنه، قال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبي، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك، لا يذهب عليك شيء. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين: يحيى القطان فوق ابن مهدي؟ قال: نعم. وقال ابن خزيمة عن بندار: ثنا يحيى بن سعيد، إمام أهل زمانه. وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند، فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن

стр. 390

معين، والشاذكوني، وعمرو بن علي، يسألونه عن الحديث، وهم قيام، هيبةً له. وقال ابن عمار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان، ظننت أنه لا يحسن شيئا، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء. وقال بندار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى قط. وقال حفيده: لم يكن جدي يمزح، ولا يضحك إلا تبسما، وما دخل حماما قط. وقال أبو داود عن يحيى بن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة، يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، رفيعا حجة. وقال العجلي: بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة. وقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ. وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال النسائي: ثقة ثبت مرضي. قال عمرو ابن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت سنة عشرين ومائة، في أولها، ومات في سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرخه غير واحد، زاد علي بن المديني في صفر. وقال الدوري عن بن معين، عن عفان بن مسلم: رأى رجل ليحيى بن سعيد قبل موته بعشرين سنة: بَشِّرْ يحيى بن سعيد بأمان من الله تعالى يوم القيامة. وقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه، حفظا وورعا وفهما وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مَهَّد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، ومنه تعلم أحمد، ويحيى، وعلي، وسائر أئمتنا، وكان إذا قيل له في علته: عافاك الله تعالى، قال: أحبه إلي أحبه إلى الله تعالى. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثوري يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢١٤) حديثًا. وجعله في "التقريب" من كبار الطبقة التاسعة. [تنبيه]: من يسمّى يحيى بن سعيد في الكتب الستة خمسة: ١ - يحيى القطّان هذا. ٢ - يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق يُغرب، توفي سنة (١٩٤) من كبار الطبقة التاسعة. ٣ - يحيى بن سعيد بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابد، توفي سنة (١٤٥) من الطبقة السادسة. ٤ - يحيى بن سعيد بن العاص الأمويّ الأشدق، ثقة مات في حدود (٨٠) من الطبقة الثالثة. ٥ - يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت، مات سنة (١٤٤) من الطبقة الخامسة.

стр. 391

وكلهم من رجال الجماعة، إلا الأشدق، فما أخرج له البخاريّ إلا في "خلق أفعال العباد". وأما يحيى بن سعيد العطّار الأنصاريّ الشامي، فليس من رجال الكتب الستة، وإنما ذُكر في كتب الرجال تمييزًا، وهو ضعيف من الطبقة التاسعة. والله تعالى أعلم. (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ) الإمام الحجة المشهور، وهذا أول محل ذكره في هذا الكتاب. هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، الحافظ الإمام العلم، ثقة ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن عبد الرحمن بن مهدي، أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذاك الكثير جدا، لكن الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسأل عن غيره، من كثرة ما يسأل عنه، فقيل له يتفقه، قال: كان أوسع فيه من يحيى بن سعيد، كان يحيى يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب أهل الحديث، وإلى رأي المدنيين، فذكر لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكي عنه القدر، قال: ويحل له أن يقول هذا؟ هو سمع هذا منه؟ ، ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين، يتكلم فيه؟ ، قيل لأبي عبد الله: كان عبد الرحمن حافظا؟ فقال: حافظ، وكان يتوقى كثيرا، كان يحب أن يحدث باللفظ. وقال حنبل عن أبي عبد الله: ما رأيت بالبصرة مثل يحيى بن سعيد، وبعده عبد الرحمن، وعبد الرحمن أفقه الرجلين، وقال أيضا: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، فعبد الرحمن أثبت؛ لأنه أقرب عهدا بالكتاب. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أحمد يقول: اختلف ابن مهدي ووكيع في نحو خمسين حديثا، فنظرنا، فإذا عامه الصواب في يد عبد الرحمن. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان عبد الرحمن أكثر عددا لشيوخ سفيان من وكيع، وروى وكيع عن خمسين شيخا، لم يرو عنهم عبد الرحمن، قلت: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع من هؤلاء؟ . وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن ابن مهدي: كُتِب عني الحديث، وأنا في حلقة مالك. وقال صدقة بن الفضل: سألت يحيى بن سعيد عن حديث؟ فقال: الزم عبد الرحمن بن مهدي. وقال أبو حاتم عن أبي الربيع الزهراني: ما رأيت مثل عبد الرحمن، ووصَفَ منه بَصَرًا بالحديث. وقال العجلي: وذكر عبد الرحمن بن مهديّ، قال له رجل: أيما أحب إليك، يغفر الله لك ذنبا، أو تحفظ حديثا، قال: أحفظ حديثا. وقال علي بن المديني: إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل، لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد

стр. 392

الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد، وقال أحمد بن سنان: سمعت علي بن المديني يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس، قالها مرارا. وقال ابن أبي صفوان: سمعت علي بن المديني يقول: لو حُلِّفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقال علي بن نصر، عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت علم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسحر. وقال القواريري عن يحيى بن سعيد: ما سمع عبد الرحمن من سفيان عن الأعمش أحب إلي، مما سمعت أنا من الأعمش. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: سمعت علي بن المديني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي، قال: وكان يعرف حديثه وحديث غيره. وكان يُذكر له الحديث عن الرجل، فيقول: خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أُتي هذا الشيخ من حديث كذا من وجه كذا، فنجده كما قال: وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان يعرض حديثه على الثوري. وقال ابن المديني: كان وِرْدُ عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن. وقال الأثرم عن أحمد: إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ، وجمع، وتفقه، وصنف، وحدث، وأبي الرواية إلا عن الثقات. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، ومات الثوري في داره. وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرا في الدنيا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، في جمادى الآخرة، وهو ابن (٦٣) سنة، وكذا قال ابن المديني، وغير واحد في سنة وفاته. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٥٤) حديثًا. وجعله في "التقريب" من الطبقة التاسعة. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من اسمه عبد الرحمن بن مهديّ إلا صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم. (وَغَيْرِهِمْ) أي غير هؤلاء الخمسة (مِنَ الْأَئِمَّةِ) الذين هو القدوة في باب الجرح والتعديل (لَمَا) بفتح اللام هي التي يُتلقّى بها جواب "لولا"؛ لأن القاعدة أن جوابها إذا كان مثبتًا قُرن باللام غالبًا، وإن كان منفيّا بـ "ما" تجرد عنها غالبًا، وإن كان منفيّا بـ "لم" لم يقترن بها، كما هو مشهور في محله من كتب النحو (١) (سَهُلَ عَلَيْنَا) بضم الهاء، يقال: سهُل الشيء سُهُولة: لان، هذه هي اللغة المشهورة، قال ابن القطّاع:

стр. 393

وقالوا: سَهَل بفتح الهاء، وكسرها أيضًا، والفاعل سهل. ذكره في "المصباح". (الإِنْتِصَابُ) أي القيام، يقال: انتصب فلان، وتنصّب: إذا قام رافعًا رأسه. أفاده في "اللسان" (لِمَا سَأَلْتَ) بكسر اللام، وهي جارّة متعلقة بـ "الإنتصاب"، و "ما" موصولة، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة": ................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنْ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ أي للأمر الذي سألتنيه، وقوله: (مِنَ التَّمْيِيزِ) بيان لـ "ما": و "أل" عوض عن المضاف إليه: أي تمييز الأحاديث الصحيحة من سقيمها (وَالتَّحْصِيلِ) بالجر عطف على "التمييز"، وهو مؤكِّد له؛ لأنه بمعناه، قال ابن فارس: أصل التحصيل: استخراج الذهب من حجر المعدن، يقال: حصل الشيء حصُولًا، وحصل لي عليه كذا: ثبت، ووجب، وحصّلته تحصيلًا. أفاده الفيّوميّ. (وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا) موصولة: أي من أجل الأمر الذي (أَعْلَمْنَاكَ) أي فيما ذكره آنفًا. وقوله: (مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ) بيان لـ "ما"، والمراد بهم من ينسب إلى الحديث، ويتظاهر بمظاهر أهله، وليس منهم، وإنما غرضه أن يقال له: ما أكثر ما جمعه فلان من الأحاديث، يستبدل الذي هو خير، وهو الحديث النبويّ الشريف، الذي هو شرف في الدارين بالتي هي أدنى، وهي الزُّخْرُفُ الفانية، ومراءات الناس، وهذا هو الخسران المبين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: (الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ) بالنصب على أنه مفعول به لـ "نشر"؛ لأنه مصدر يعمل عمل فعله؛ إذ هو في تقدير "أن نشر القوم"، قال في "الخلاصة": بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ... مُضَافًا أوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ" إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَنْ" أَوْ "مَا" يَحُلّ ... مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ وقوله: (بِالأَسَانِيدِ) متعلّق بـ "نشر" (الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا) بالجر عطفًا على "نشر": أي رميهم بتلك الأسانيد الضعاف (إِلَى الْعَوَامِّ) بتشديد الميم: جمع عامّة، مثلُ دابّة ودوابّ، وهو خلاف الخاصّة، والمراد بهم هنا الجهلاء، كما بينه بقوله (الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ) بكسر الراء، من باب ضرب (عُيُوبَهَا) أي عيوب تلك الأسانيد، وهي كونها ضعيفة، مجهولة (خَفَّ) هو بمعنى سهُل الماضي، يقال: خفّ الشيء خَفًّا، من باب ضرب، وخِفّة بالكسر: ضدّ ثقُلِ، فهو خفيف (عَلَى قُلُوبِنَا) متعلّق بـ "خفّ" (إِجَابَتُكَ) بالرفع فاعل "خفّ" (إِلَى مَا سَأَلْتَ) متعلّق بـ "إجابتك"؛ لأنه مصدر، كما سبق آنفًا، و"ما" موصولة، والعائد محذوف، كما سبق نظيره: أي إلى الذي سألتنيه.

стр. 394

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولكن من أجل ما أعلمناك الخ" هو بمعنى الكلام السابق في قوله: "فلولا رأينا الخ"، أتى به مؤكّدًا له. وحاصل المعنى: أنه إنما انتصب لبيان ما سأله مُرِيدُ تمييز الصحيح من القسم، وتأليفه في كتاب ملخّص، لا يكثر فيه التكرار؛ لنشر بعض الناس الأخبارَ المنكرةَ، وروايتها لعوام الناس الذين لا يميّزون الصحيح، من السقيم، ذَبّا عن السنة الصحيحة المطهرة، ودفاعًا عنها أن لا يختلط بها ما ليس منها، فجزاه الله تعالى أحسن الجزاء على هذه الخدمة الطيّبة للسنة النبوية، وقد نفع الله بكتابه الأمة جمعاء، منذ أن ألفه إلى يومنا هذا، وسيبقى -إن شاء الله تعالى- ما دامت السنة المطهرة باقية، وقد أخبر النبيّ ﷺ ببقائها إلى أن يأتي أمر الله، فقد أخرج البخاري في "كتاب العلم" من "صحيحه" من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄، مرفوعًا: "ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ١ - (بَاب وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ). قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: (وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَان مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة: بيّن رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن الذي يجب على كلّ من له تمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وبين الرواة الثقاة والضعفاء من المتّهمين بالكذب وغيره أن لا يُحدّث إلا بما عرف صحة طريقه، وثقة رواته، وأن يجتنب أحاديث المتّهمين، والمبتدعين الذي يعاندون الحقّ، ويَدْعُون إلى الباطل. والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى) جملة دعائية، معترضة بين العامل، وهو "اعلم"، ومعموله، وهو قوله: (أَنَّ الْوَاجِبَ) بفتح همزة "أن" لوقوعها موقع المصدر (عَلَى كُلِّ

стр. 395

أَحَدٍ) متعلّق بـ "الواجب" (عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا) أي عرف الفرق بينها، فالمراد بـ "التمييز" التميّز من إطلاق السبب وإرادة المسبّب؛ لأن التمييز فعل الفاعل، وليس مرادًا هنا؛ إذ المراد معرفة الفرق، وهو معنى التميّز، لا التمييز. قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: مِزْته ميزًا، من باب باع: عزلته، وفصلته من غيره، والتثقيل مبالغة، وذلك يكون في المشتبهات، نحو: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٧]، وفي المختلطات، نحو: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وتَمَيّزَ الشيءُ: انفصل عن غيره، والفقهاء يقولون: سنّ التمييز، والمراد سنٌّ إذا انتهى إليها عَرَف مضارّه ومنافعه، وكأنه مأخوذ من ميّزتُ الأشياء: إذا فرّقتها بعد المعرفة بها، وبعض الناس يقول: التمييز قُوّة في الدماغ، يُستنبط بها المعاني. انتهى كلام الفيّوميّ (١). ويحتمل أن يكون التمييز على حقيقته، ويكون المعنى على حذف مضاف: أي عرف طريق التمييز بينها. والإضافة في "صحيح الروايات"، و "سقيمها" من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الروايات الصحيحة، والروايات السقيمة، وقد تقدّم تعريف الصحيح، والمراد بالروايات السقيمة: الروايات المعلّة، وقد تقدّم بيانها أيضًا. وقوله: (وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أيضًا: أي الرواة الثقات. وقوله: (لَهَا) متعلّق بـ "الناقلين" (مِنَ الْمُتَّهَمِينَ) كان الأولى أن يقول: والمتهمين بالواو؛ لأن كلمة "بين" مسلطة عليه؛ إذ هو معطوف على "صحيح الروايات الخ"، أي عرف الفرق أيضًا بين الرواة الثقات، وبين المتّهمين منهم. والمراد بالمتّهم من يُتّهم بالكذب، وقد تقدّم له أنه يُلحَق بهم مَنَ كان الغالبُ على حديثه المنكرَ، أو الغلط، فكلهم مهجور الحديث، غير جائز الرواية. وقال النووي رحمه الله تعالى: ما معناه: قوله: "وثقات الناقلين لها من المتّهمين" ليس من باب التكرار، بل له معنى غير ذلك، فقد تصحّ الروايات لمتن، ويكون الناقلون لبعض أسانيده متّهمين، فلا يُشتغل بذلك الإسناد. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون من باب عطف السبب على المسبب نظرًا للغالب؛ إذ معرفة الفرق بين الصحيح والسقيم إنما تتحقّق بمعرفة الثقات والضعفاء غالبًا. والحاصل أن صحة الحديث متوقفة على أمرين:

стр. 396

[أحدهما]: ثقة رجاله. [والثاني]: استقامة متنه، فلو كان سنده صحيحًا إلا أن في متنه نكارة لا يقبل، وكذا العكس. والله تعالى أعلم. (أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا) أي من تلك الروايات الصحيحة والسقيمة، والمصدر المؤوّل خبر "أن"، والتقدير: أن الواجب على من عرف الفرق بين الصحيح، والسقيم عدم روايته (إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ) بفتح الميم جمع مخرج بمعنى الطريق: أي إلا ما عرف صحة طريقه، وذلك بكون رواته ممن ثبتت عدالتهم، وضبطهم. وهذا هو القسم الأول الذي تقدّم بيانه في قوله: "فأما القسم الأول، فإنا نتوخّى أن نُقدّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب، من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا ... " إلى آخر كلامه. (وَالسِّتَارَةَ) -بكسر السين، وتخفيف المثناة الفوقية- ويقال فيه "الستار" بحذف الهاء: وهو ما يُستتر به، قال الفيّومي: السِّتر -أي بالكسر-: ما يُستر به، وجمعه ستور، والسُّترة بالضمّ مثله. قال ابن فارس: السُّترة: ما استررت به كائنًا ما كان، والستارة بالكسر مثله، والستار بحذف الهاء لغة. وسترتُ الشيء سَتْرًا من باب قتل. انتهى. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: الستارة بكسر السين، وهي ما يُستتر به، وكذلك السُّتْرة، وهي هنا إشارة إلى الصيانة. انتهى (١). وقوله: (فِي نَاقِلِيهِ) متعلق بـ "الستارة"، و "في" بمعنى اللام، والمراد كونهم مستورين، فهو بمعنى قوله المتقدّم: "فإن اسم الستر والصدق، وتعاطي العلم يشملهم". وهذا إشارة إلى القسم الثاني الذي تقدّم له بيانه بقوله: "فإذا نحن تقصّينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدّم قبلهم ... " إلى آخر كلامه. والحاصل أن كلام المصنف رحمه الله تعالى هذا يشير إلى أن ما يجوز روايته من الأخبار ينقسم إلى قسمين: [أحدهما]: ما كان صحيحًا بكون رواته استوفوا شروط الصحة. [الثاني]: ما كان دون ذلك، وهو ما نقله المستورون من أهل الصدق، فهذان

стр. 397

القسمان يجوز روايتهما. والله تعالى أعلم. (وَأَنْ يَتَّقِيَ) عطف على "أن لا يروي الخ": أي يَحذَر، فـ "يتّقي" بتشديد المثناة الفوقية: مضارع "اتّقى"، وأصله "اوتقى" بوزن افتعل من التقوى، أبدلت الواو تاء، كما قال بن ابن مالك في "الخلاصة": ذُو اللِّينِ فَا تَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا ... وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ ائْتَكَلَا وقال النووي رحمه الله تعالى: قوله: "وأن يتّقي منها" ضبطناه بالتاء المثنّاة فوقُ بعد المثنّاة تحتُ، وبالقاف، من الإتّقاء، وهو الإجتناب. وفي بعض الأصول: "وأن ينفي" بالنون والفاء، وهو صحيح أيضًا، وهو بمعنى الأول. انتهى (١). (مِنْهَا) أي من تلك الروايات، وهو متعلّق بـ "يتّقي" (مَا كَانَ مِنْهَا) "ما" اسم موصول مفعول "يتّقي": أي يحذر من تلك الرواياتِ التي تُنْقَلُ (عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ) -بضم المثناة الفوقية، وسكون الهاء، وفتحها-: أي أهل الشك والريبة، قال الفيّومي: "التُّهْمة": بسكون الهاء، وفتحها: الشكّ والريبة، وأصلها الواو؛ لأنها من الْوَهْم. انتهى. والمراد به المتّهمون بالكذب. والله تعالى أعلم. (وَالْمُعَانِدِينَ) أي المعارضين للسنة، والمخالفين لها، وهو عطف على "أهل التهم"، يقال: عاند فلان عنادًا، من باب قاتل: إذا ركب الخلاف والعصيان. قاله الفيّومي. وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ) متعلّق بحال محذوف من "المعاندين"، وهو حال مؤكّد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]. و"البدع" -بكسر الموحّدة، وفتح الدال المهملة-: جمع بدعة، وهي: ما استُحْدِثت في الدين بعد إكمال الله تعاليله، حيث قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]. وحاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن مَن لا تحلّ الرواية عنهم قسمان أيضًا: [أحدهما]: المتّهم بالكذب، وهو مما خلاف بين أهل العلم فيه. [الثاني]: المبتدع المعاند، والمراد المجاهر ببدعته، والداعي إليها، وهذا فيه اختلاف بين أهل العلم سيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 398

مسائل تتعلّق بكلام المصنّف المذكور: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الرواية عن الضعفاء من أهل التهمة بالكذب، وكثرة الغلط والغفلة: اعلم: أنهم اختلفوا في ذلك على قولين: [أحدهما]: جواز الرواية عنهم، حكاه الترمذيّ في "العلل الصغير" عن سفيان الثوريّ، قال الحافظ ابن رجب: لكن كلامه في روايته عن الكلبيّ يدلّ على أنه لم يكن يُحدّث إلا بما يَعرِف أنه صِدْقٌ. [الثاني]: أنها لا تجوز، ذُكِرَ ذلك عن أبي عوانة، وابن المبارك، وحكاه الترمذيّ عن أكثر أهل الحديث من الأئمة. وقد ذكر الحاكم المذهب الأول عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، واعتمد في حكايته عن مالك على روايته عن عبد الكريم أبي أمية، ولكن اعتُذر عنه بأنه لم يعرفه حيث كان من الغرباء، وفي حكايته عن الشافعيّ على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعيّ، وغيرهما من المجروحين، وفي حكايته عن أبي حنيفة على روايته عن جابر الجعفيّ، وأبي العطوف الجزريّ، قال: وحدّث أبو يوسف، ومحمد بن الحسن عن الحسن بن عمارة، وعبد الله بن مُحَرَّر، وغيرهما من المجروحين. قال: وكذلك مَنْ بَعدَهم من أئمة المسلمين قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عصر إلى عصرنا هذا لم يَخْلُ حديث إمام من أئمة الفريقين (١) عن مطعون فيه من المحدّثين، وللأئمة في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يَعرِفوا الحديث من أين مخرجه؟ ، والمنفرد به عدلٌ أم لا؟ . ثم روى بإسناده عن الأثرم قال: رأى أحمد بن حنبل يحيى بنَ معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، فإذا اطّلَع عليه إنسانٌ كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، وتَعلَم أنها موضوعة، فلو قال لك قائلٌ: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتُبُ هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر على الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعده إنسان، فيجعل بدل ابن ثابتًا، ويرويَهَا عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر، عن أبان، لا عن ثابت. وذكر أيضًا من طريق أحمد بن عليّ الأبّار قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذّابين، وسجرنا به التنّور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وأخرج العقيليّ من طريق أبي غسّان قال: جاءني علي بن المدينيّ، فكتب عنّي عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فَرْوة، فقلت:

стр. 399

أيّ شيء تصنع بها؟ قال: أعرفها حتى لا تُقْلَبَ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: من المهمّ -كما أشار إليه ابن رجب- أن يُعلم الفرقُ بين كتابة حديث الضعيف، وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها، ولم يرووها، كما قال يحيى بن معين: سجرنا به التنّور. وكذلك حرّق أحمد ابن حنبل حديث خلق كثير بعد أن كتب عنهم، ولم يحدّث به، وأسقط من المسند حديث خلق من المتروكين، مثل فائد بن أبي الورقاء، وكثير بن عبد الله المزنيّ، وأبان ابن أبي عيّاش، وغيرهم، وكان يُحدّث عمن دونهم في الضعف. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: قد يَحتاج الرجل يحدّث عن الضعيف، مثل عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكّام، ومحمد بن معاوية، وعليّ بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ولا يُعجبني أن يُحدّث عن بعضهم. وقال في روايته أيضًا، وقد سأله: ترى أن نكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدًا منكر. قيل: فالضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقت، كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسًا. وقال في رواية ابن القاسم: ابنُ لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للإعتبار، والإستدلال، إنما أكتب حديث الرجل كأني أستدلّ به مع حديث غيره يشدّه، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال في رواية المروزيّ: كنت لا أكتب حديث جابر الجعفيّ، ثم كتبته أعتبرُ به. وقال في رواية مهنّا، وسأله: لم تكتب حديث أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. وقال محمد بن رافع النيسابوريّ: رأيت أحمد بين يدي يزيد بن هارون، وفي يده كتاب لزهير، عن جابر الجعفيّ، وهو يكتبه، فقلت: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر، وتكتبوه؟ قال: نَعْرِفَه. وكذا قال في حديث عبيد الله الوصافيّ: إنما أكتبه للمعرفة. قال الحافظ ابن رجب: والذي يتبيّن من عمل الإمام أحمد، وكلامه أنه يترك الرواية عن المتّهمين، والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدّث عمن دونهم في الضعف، مثل مَنْ في حفظه شيء، ويَختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه. وكذلك كان أبو زرعة يَفعَل. وأما الذين كتبوا حديث الكذّابين من أهل المعرفة والحفظ، فإنما كتبوه لمعرفته، كما ذكروا أحاديثهم في كتب الجرح والتعديل، ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم: لا يجوز ذكرُها إلا لِيُبَيَّنَ أمرُها، أو معنى ذلك. وقال ابن أبي حاتم: يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام، وأما رواية أهل التهمة بالكذب، فلا يجوز إلا مع بيان حاله، وهذا هو الصحيح. ذكر هذا كله ابن رجب رحمه الله تعالى (١).

стр. 400

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفصيل المذكور عن الإمام أحمد، وأبي زرعة رحمهما الله تعالى هو الأرجح عندي. وحاصله أن من كان متّهمًا بالكذب، أو كان كثير الخطإ لشدّة غفلته، وسوء حفظه، فإنه يترك حديثه، إلا لمعرفته وبيان حاله للناس، وأن من كان خفيف الضعف، وهو الذي يختلف الناس فيه توثيقًا وتضعيفًا يُروى عنه، فهذا تفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم. وإلى ما ذُكر كله أشرت في "شافية الغُلَل" حيث قلت: ثُمَّ اعْلَمَنْ بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْم قَدْ ... اخْتَلَفُوا فِي الأَخْذِ عَمَّنْ قَدْ وَرَدْ تَضْعِيفُهُ بتُهْمَةٍ أَوْ غَفْلَةِ ... أَوْ كَثْرَةِ الْغَلَطِ فِي الرِّوَايَةِ فَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ وَقَدْ حُكِي ... ذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةٍ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَكَذَا سُفْيَانُ ... وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَهُ الْبَيَانُ وَقَصْدُهُمْ فِي ذَا جَمِيلٌ ظَاهِرُ ... أَنْ يَعْرِفُوا مَخْرَجَ مَا قَدْ أُخْبِرُوا وَحَالَ مَنْ أَخْبَرَ عَدْلًا أَوْ لَا ... وَحُسْنُ ذَا الْقَصْدِ شَهِيرٌ أَجْلَى فَقَدْ رَأَى أَحْمَدُ يَحْيَى يَكْتُبُ ... صَحِيفَةً لِمَعْمَرٍ تَكَذَّبُ فَقَالَ كَيْفَ تَكْتُبُ الصَّحِيفَهْ ... تَعْلَمُهَا مَوْضُوعَةً كَالْجِيفَهْ أَجَابَهُ فَقَالَ إِنِّي أَكْتُبُ ... لِلْحِفْظِ حَتَّى لَا يِجِي مَنْ يَنْسُبُ مُفْتَرِيًا لِمَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتِ ... عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فَإِنَّ تَكْذِيبِي لِذَا مُيَسَّرُ لَوْلَا ... الْكِتَابَةُ لَكَانَ يَعْسُرُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ كَذَا فَعَلَ فِي ... ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ إِسْحَاقَ اعْرِفِ وَلْتَعْلَمِ الْفَرْقَ لَدَى الْكِتَابَةِ ... حَدِيثَ هَؤُلَاءِ وَالرِّوَايَةِ فَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْمَعْرِفَةِ ... وَلِلْبَيَانِ حَسْبُ لَا الرِّوَايَةِ تَرَكَ أَحْمَدُ حَدِيثَ الْمُتَّهَمْ ... وَرَاوِيًا يُرْمَى بِكَثْرَةِ الْوَهَمْ لِغَفْلَةٍ أَسُوءِ حِفْظٍ وَرَى ... عَمَّنْ غَدَا أَحْسَنَ حَالًا وَحَوَى ضَعْفًا لِشَيْ مَّا أَوِ الْخُلْفُ أَتَى ... فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِيهِ ثَبَتَا وَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ مِثْلُهُ ثَبَتْ ... فَحَقِّقَنْ مَا جَاءَ أَيُّهَا الثَّبَتْ قَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ كُلُّ مَنْ ... رَوَى الْحَدِيثَ وَهْوَ غَيْرُ مُؤْتَمَنْ لِتُهْمَةٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ كَثْرَةِ ... خَطَئِهِ لَيْسَ مَحَلَّ حُجَّةِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ لم يَرِدْ ... عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الضَّعِيفِ الْمُبْتَعِدْ وَهَكَذَا قَالَ الإِمَامُ مُسْلِمُ ... قَدْ أَطْلَقَا الرَّدَّ فَخُذْ يَا مُسْلِمُ لَكِنَّ مَنْ سِوَاهُمَا قَدْ فَصَّلَا ... بَيْنَ الَّذِي حَرَّمَ أَوْ قَدْ حَلَّلَا

стр. 401

وَبَيْنَ ذِي الرِّقَاقِ وَالتَّرْهِيبِ ... فَقَدْ رَوَوْا مَا جَا عَنِ الْمَعِيبِ نُقِلَ ذَا عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدِ ... كَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ مُرْسِي السَّنَدِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَنَجْلِ مَهْدِي ... وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى (١) الْمَهْدِي وَكُلُّ ذَا فِي غَيْرِ مَنْ يُتَّهَمُ ... وَإِنْ يَكُنْ فَطْرْحُهُ مُحَتَّمُ وَهَكَذَا صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدِ ... كَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْمُسَدِّدِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الرواية عن المبتدعة: اعلم: أنهم اختَلَفَوا قديمًا وحديثًا -كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى- في الرواية عن أهل الأهواء والبِدَعِ: فمنعت طائفة من الرواية عنهم، ذُكر ذلك عن ابن سيرين، ومالك، وابن عيينة، والحميديّ، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وغيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: لا تسمعوا من أهل الأهواء. ورخّصَتْ طائفة في الرواية عنهم إذا لم يُتَّهموا بالكذب، نُقل ذلك عن أبي حنيفة، والشافعيّ، ويحيى بن سعيد، وابن المدينيّ. وقال ابن المدينيّ: لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيّع، لخَرِبت الكتب. وفرقت طائفة بين الداعية وغيره، فمنعوا الرواية عن الداعية إلى البدعة، دون غيره، منهم ابن المبارك، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وروي أيضًا عن مالك. وللمانعين ثلاثة مآخذ: [الأول]: تكفير أهل الأهواء، أو تفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. [الثاني]: الإهانة لهم، والهِجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفهم، أو فسقهم. [الثالث]: أن الهوى والبدعة لا يُؤمَنُ معه الكذب، لا سيما إذا كانت الرواية مما تَعضِدُ هوى الراوي.

стр. 402

وروى المقرىء عن ابن لَهِيعة أنه سمع رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته، وجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلناه حديثًا. ورواه المعافى عن ابن لهيعة، عن الأسود حدثني المنذر بن الجهم، فذكره بمعناه. وقال عليّ بن حرب: من قدر أن لا يكتب إلا عن صاحب سنّة، فإنهم لا يكذبون، وكلّ صاحب هوى يكذب ولا يبالي. وعلى هذا المأخذ فقد يُستثنى من اشتهر بالصدق والعلم كما قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصحّ حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطّان، وأبا حسّان الأعرج. وأما الرافضة فبالعكس. قال يزيد بن هارون: لا يُكتب من الرافضة، فإنهم يكذبون. أخرجه ابن أبي حاتم. ومن فرق بين من يغلو في هواه، ومن لا يغلو، كما ترك ابن خزيمة حديث عباد ابن يعقوب لغلوّه. وسُئل ابن الأخرم لم ترك البخاريّ حديث أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان يُفرط في التشيّع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الأخرم كلام خطير؛ لأن أبا الطفيل صحابيّ، فلا يليق بمنصبه أن يقال هذا الكلام، وأيضًا فما تركه البخاريّ، بل أخرج له في "كتاب العلم" من "صحيحه" حديثه عن عليّ ﵁. "حدّثوا الناس بما يعرفون، أتُحبّون أن يكذّب الله ورسوله"، فليُتنبّه لمثل هذا الخطر الجسيم. والله تعالى أعلم. قال: وقريبٌ من هذا من فرق بين البِدَع المغلّظة كالتجهّم والرفض، والخارجيّة، والقدَر، والبدع المخفّفة، ذات الشُّبَه، كالإرجاء. قال أحمد في رواية أبي داود: احتَمِلُوا من المرجئة الحديثَ، ويُكتب عن القدريّ إذا لم يكن داعية. وقال المروذيّ: كان أبو عبد الله يحدّث عن المرجىء إذا لم يكن داعيًا، ولم نقف له على نصّ في الجهميّ أنه يُروَى عنه إذا لم يكن داعيًا، بل كلامه فيه عامّ أنه لا يُروَى عنه. فيخرج من هذا أن البِدَع الغليظة كالتجهّم يُردّ بها مطلقًا، والمتوسّطة كالقدر، إنما يُرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل يُقبل معها الرواية مطلقًا، أو يُردّ عن الداعية على روايتين. انتهى كلام ابن رجب رحمه اللهُ تعالى. وقال في "تدريب الراوي" ج: ١ ص: ٣٢٤: ما ملخّصه: من كُفِّرَ ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، ومثّلوا له بالْمُجَسِّمُ، ومنكر علم الجزئيات، قيل: وقائل خلق

стр. 403

القرآن، فقد نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني، ومنع تأويل البيهقي له بكفران النعمة بأن الشافعي قال ذلك في حق حفص الفرد لَمّا أفتى بضرب عنقه، وهذا رادٌّ للتأويل. ثم إن دعوى الاتفاق في عدم الاحتجاج ممنوعة، فقد قيل: إنه يقبل مطلقا، وقيل: يقبل إن اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب "المحصول"، وقال الحافظ: التحقيق أنه لا يُرَد كل مُكَفَّر ببدعته؛ لأن كل طائفة تَدَّعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أُخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن الذي ترد ببدعته روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع، معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم. وأما من لم يُكَفَّر فقيل: لا يحتج به مطلقا، ونسبه الخطيب لمالك؛ لأن في الرواية عنه ترويجا لأمره، وتنويها لذكره، ولأنه فاسق ببدعته، وإن كان متأولا يُردّ كالفاسق بلا تأويل، كما استوى الكافر المتأول وغيره. وقيل: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه، سواء كان داعية أم لا، ولا يُقبل إن استحل ذلك. وحكى هذا القول عن الشافعي، حكاه عنه الخطيب في "الكفاية"؛ لأنه قال أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، قال: وحُكِي هذا أيضا عن ابن أبي ليلى، والثوري، والقاضي أبي يوسف. وقيل: يُحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته، ولا يحتج به إن كان داعيةً إليها؛ لأن تزيين بدعته قد تحمله على تحريف الروايات، وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا القول هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير، أو الأكثر من العلماء، وضُعِّفَ القول الأول باحتجاج صاحبي "الصحيحين" وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة، كعمران بن حطان (١)، وداود بن الحصين، قال الحاكم: وكتاب مسلم ملآن من الشيعة. وقد ادعى ابن حبان الاتفاق على رد الداعية (٢)، وقبول غيره بلا تفصيل.

стр. 404

وقال السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى: الصواب أنه لا يُقبل رواية الرافضة، وسابّ السلف، كما ذكره النوويّ في "الروضة"؛ لأن سباب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف من باب أولى، وقد صرح بذلك الذهبي في "الميزان" فقال: البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوّ التشيّع، أو كالتشيّع ولا تحرّق، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع، والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدة بيّنة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم، ولا كرامة، وأيضا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا، ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم، والتَّقِيّة والنفاق دثارهم، فكيف يُقبل من هذا حاله؟ حاشا وكلّا، فالشيعيّ الغالي في زمان السلف وعرفهم، هو من يتكلّم في عثمان، والزبير، وطلحة، وطائفة ممن حارب عليّا ﵁، وتعرّض لسبّهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي كفّر هؤلاء السادة، وتبرّأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالّ مفترٍ. انتهى. قال السيوطيّ: وهذا الذي قاله هو الصواب الذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه. وقال في موضع آخر: اختلف الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على ثلاثة أقوال: [أحدها]: المنع مطلقا. [والثاني]: الترخيص مطلقا، إلا فيمن يكذب ويضع. [والثالث]: التفصيل، فتُقبل رواية الرافضيّ الصدوق العارف بما يُحدث، وتردّ رواية الرافضيّ الداعية، ولو كان صدوقًا. قال أشهب سُئل مالك عن الرافضة؟ فقال: لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: لم أر أشهد بالزور من الرافضة. وقال مؤمّل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلا الرافضة، فإنهم يكذبون. وقال محمد بن سعيد الأصبهانيّ: سمعت شريكًا يقول: أَحمِل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتّخذونه دينًا. انتهى كلام الذهبيّ رحمه اللهُ تعالى (١). وقال الحافظ رحمه اللهُ تعالى في "لسان الميزان" ج: ١ ص: ١٠ بعد أن ذكر كلام الذهبي المتقدّم: ما ملخّصه: فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم، كالرافضة والخوارج، ونحوهم ذهب إليه مالك وأصحابه، والقاضي أبو بكر الباقلاني وأتباعه، والقبول مطلقا إلا فيمن يُكَفَّر ببدعته، وإلا فيمن يستحل الكذب ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف وطائفة، وروي عن الشافعي أيضا، وأما التفصيل فهو الذي عليه

стр. 405

أكثر أهل الحديث، بل نقل فيه ابن حبان إجماعهم. ووجه ذلك أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يُشَيِّد به بدعته، وقد حكى القاضي عبد الله بن عيسى بن لهيعة عن شيخ من الخوراج أنه سمعه يقول بعدما تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صَيَّرناه حديثا، حدث بها عبد الرحمن بن مهدي الإمامُ عن ابن لهيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح. قال: وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، فمَنْ بَعْدَهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمعه الرجل السني فحدث به، ولم يذكر من حدث به تحسينا للظن به، فيَحْمِله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به، ويكون أصله ما ذكرتُ، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وينبغي أن يُقَيَّد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقا، ولم يكن داعية، بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحَدِّث به مما يَعضِد بدعته، ويُشَيِّدها، فإنا لا نَأْمَن حينئذ عليه غلبة الهوى، فقد نَصّ على هذا القيد في هذه المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إلا ما يُقَوِّي به بدعتهم، فيتهم بذلك. وقال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا، فاستحسنّا شيئا جعلناه حديثا. وقال مسيح بن الجهم الأسلمي التابعي: كان رجل منا في الأهواء مدة، ثم صار إلى الجماعة، وقال لنا: أنشدكم الله أن تسمعوا من أحد من أصحاب الأهواء، فإنا والله كنا نروي لكم الباطل، ونحتسب الخير في إضلالكم. وقال زهير بن معاوية: حدثنا محرز أبو رجاء، وكان يرى القدر، فتاب منه، فقال: لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث، نُدخِل بها الناسَ في القدر، نحتسب بها، فالحكم لله. انتهى كلام الحافظ رحمه اللهُ تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن المذهب الراجح في الرواية عن المبتدعة هو ما عليه أكثر أهل الحديث، بل نقل الإمام ابن حبّان ﵀ إجماعهم فيه.

стр. 406

وحاصله أنه تقبل رواية المبتدعة ما لم يكن داعية إلى بدعته، إلا إذا روى ما يُقوّي بدعته، وهذا تفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب. وإلى ما سبق ذكره أشار الحافظ السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في "ألفية الحديث" حيث قال: وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلَا ... ثَالِثُهَا إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلَا وَغَيْرُهُ يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي ... وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي قَبُولَهُمْ لَا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا ... لِرَأْيِهِمْ أَبْدَى أَبُو إِسْحَاتقَا وقلت في "شافية الغلل": ثُمَّ اعْلَمَنَّ بِالْخِلَافِ الْقَائِمِ ... بَيْنَ ذَوِي الْعِلْمِ أُولِي الْمَكَارِمِ فِي الأَخْذِ عَنْ أَهْلِ الْهَوَى وَالْبِدَعِ ... فَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ فَلْتَدَعِ فَمِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالْحُمَيْدِي ... وَابْنُ عُيَيْنَةَ الإِمَامُ الْمَهْدِي كَذَا عَلِيٌّ ابْنُ حَرْبٍ مَالِكُ ... وَيُونُسٌ (١) وَغَيْرُهُمْ يَا سَالِكُ مَأْخَذُ هَؤُلَاءِ كُفْرُ ذِيَ الْهَوَى ... أَوْ فِسْقُهُ كَمَا خِلَافًا قَدْ حَوَى أَوِ الإِهَانَةُ لَهُ أَوْ كَوْنُهُ ... لِرِقِّةِ الدِّينِ يَجِيكَ مَيْنُهُ وَمِنْ هُنَا اسْتُثْنِيَ مَنْ كَانَ اتَّصَفْ ... بِالصِّدْقِ وَالْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ انْحَرَفْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ خِلَافَ الرَّافِضَهْ ... كَذَبَةٌ ذَوُو خِصَالٍ دَاحِضَهْ وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ إِنْ لم تَكُنْ ... تُهَمَةٌ بِكِذِبٍ فَخُذْ يَهُنْ فَمِنْهُمُ أَبُو حَنِيفَةَ ذُكِرْ ... وَالشَّافِعِيُّ وَكَذَا يَحْيَى أُثِرْ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ لَوْ تُرِكْ ... لِلْقَدَرِ الْبَصْرَةُ بِئْسَمَا سُلِكْ كَذَلِكَ الْكُوفَةُ للتَّشَيُّعِ ... لَضَاعَتِ الأَخْبَارُ فَافْهَمْ وَاتَّبَعِ وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ فَتَركَتْ ... الْغَالِي الْهَوَى وَغَيْرَهُ حَوَتْ وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبِدَعِ ... إِنْ خَفَّ كَالإِرْجَاءِ خُذْ وَاتَّبِعِ أَوْ لَا فَلَا كَالرَّفْضِ وَالتَّجَهُّمِ ... وَالْقَدْرِ وَالْخُرُوجِ بِالتَّهَجُّمِ وَرَاجِحُ الأَقْوَالِ فِي الْمُبْتَدِعِ ... إِنْ كَانَ قَدْ كُفِّرَ بِالْمُبْتَدَعِ يُرَدُّ أَوْ لَا اقْبَلْ سِوَى الدَّاعِيَةِ ... إِنْ لم يَكُنْ مُثَبَّتَ الرِّوَايَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ ... مُجَانِبًا لَمَا لَهُ يَهْوَاهُ [تنبيه]: قال الحافظ السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى: مِنَ الْمُلْحَق بالْمُبتَدِع مَنْ دَأْبُهُ الاشتغالُ

стр. 407

بعلوم الأوائل، كالفلسفة، والمنطق، صَرَّح بذلك السِّلَفي في "معجم السفر"، والحافظ أبو عبد الله بن رشيد في رحلته، فإن انضم إلى ذلك اعتقاده بما في علم الفلسفة، من قِدَم العالم ونحوه فكافر، أو لما فيها مما ورد الشرع بخلافه، وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم، فلا نأمن ميله إليهم، وقد صرح بالحط على من ذُكِر، وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابنُ الصلاح في "فتاويه"، والنوويّ في "طبقاته"، وخلائق من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، خصوصا أهل المغرب، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية، وغيره من الحنابلة، والذهبي لَهِجَ بذلك في جميع تصانيفه. انتهى (١). وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قد سَرَد السيوطيّ رحمه الله تعالى هنا من رُمِي ببدعة، ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، وهم: إبراهيم بن طهمان، أيوب بن عائذ الطائي، ذَرّ بن عبد الله الْمُرْهِبِيّ، شَبَابة بن سَوّار، عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني، عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عثمان بن غياث البصري، عُمَر بن ذَرّ، عمرو بن مُرّة، محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، وَرْقَاء بن عُمَر اليَشْكُري، يحيى بن صالح الْوُحاظي، يونس بن بُكير، هؤلاء رُمُوا بالإرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار. إسحق بن سُوَيد العدوي، بهز بن أسد، حَرِيز بن عثمان، حُصَين بن نُمَير الواسطي، خالد بن سلمة الفأفاء، عبد الله بن سالم الأشعري، قيس بن أبي حازم، هؤلاء رُمُوا بالنصب، وهو بُغْضُ علي ﵁، وتقديم غيره عليه. إسماعيل بن إبان، إسماعيل بن زكريا الْخُلْقَاني، جرير بن عبد الحميد، أبان بن تغلب الكوفي، خالد بن مخلد القَطَوَاني، سعيد بن فَيْروز أبو البختري، سعيد بن أشوع، سعيد بن عُفَير، عباد بن الْعَوَّام، عباد بن يعقوب، عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرزاق بن همام، عبد الملك بن أعين، عبيد الله بن موسى العبسي، عدي بن ثابت الأنصاري، عليّ بن الْجَعْد، علي بن هاشم بن الْبَرِيد، الفضل ابن دُكَين، فضيل بن مرزوق الكوفي، فطر بن خليفة، محمد بن جُحَادة الكوفي، محمد ابن فُضيل بن غَزْوَان، مالك بن إسماعيل أبو غسان، يحيى بن الجَرّاز، هؤلاء رُمُوا بالتشيع، وهو تقديم عليّ على الصحابة.

стр. 408

ثور بن زيد المدني، ثور بن يزيد الحمصي، حسان بن عطية المحاربي، الحسن ابن ذكوان، داود بن الحصين، زكريا بن إسحق، سالم بن عجلان، سلام بن مسكين، سيف بن سليمان المكي، شِبْل بن عباد، شريك بن أبي نَمِر، صالح بن كيسان، عبد الله بن عمرو أبو مَعْمَر، عبد الله بن أبي لَبِيد، عبد الله بن أبي نَجِيح، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عبد الرحمن بن إسحق المدني، عبد الوارث بن سعيد التَّنُّوري، عطاء بن أبي ميمونة، العلاء بن الحارث، عمرو بن زائدة، عمران بن مسلم القصير، عمير بن هانئ، عوف الأعرابي، كهمس بن المنهال، محمد بن سواء البصري، هارون بن موسى الأعور النحوي، هشام الدستوائي، وهب بن مُنَبِّه، يحيى بن حمزة الحضرمي، هؤلاء رُمُوا بالقَدَر، وهو زعم أن الشر من خلق العبد. بشر بن السَّرِىّ، رمى برأي جهم، وهو نفي صفات الله تعالى، والقول بخلق القرآن. عكرمة مولى ابن عباس، الوليد بن كثير، هؤلاء الحرورية، وهم الخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم، وتبرؤا منه ومن عثمان وذويه، وقاتَلُوهم. علي بن هشام رمي بالوقف، وهو أن لا يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق. عمران بن حطان، من القَعَدية الذين يرون الخروج على الأئمة، ولا يباشرون ذلك. فهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما. انتهى كلام السيوطيّ رحمه الله تعالى (١). وهو بحثٌ مهمّ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم ذكر رحمه اللهُ تعالى الأدلّة التي يُحتجّ بها على ما تقدّم من وجوب رواية ما صحّ، وترك غيره، فقال: (وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ، دُونَ مَا خَالَفَهُ، قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيِ، أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلَالَةِ

стр. 409

الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ"). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة: بيّن رحمه اللهُ تعالى في هذا الكلام مُتَمَسَّكه الذي بَنَى عليه القاعدة المتقدّمة، وهي أن الواجب على كلّ من عرف التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها أن يروي للناس ما عرف صحته، ويتّقي ما كان عن الضعفاء والمتروكين، وأهل الأهواء الزائغين، وذلك المتمسّك هي الآيات القرآنيّة التي أوردها هنا، فإنها تدلّ على أن خبر الفاسق لا يُقبل، كشهادته، إذ الخبر والشهادة، وإن كانا يفترقان في بعض الوجوه، كالحرية، والذكورة، والعدد، ونحوها مما سيأتي في المسائل -إن شاء الله تعالى- فإنها لا تعتبر في الخبر، دون الشهادة، فقد يجتمعان في أكثر الأمور، كالإسلام، والبلوغ، والعدالة، والضبط، ونحوها مما سيأتي قريبًا أيضًا، ثم بيّن أن السنة النبويّة دلّت أيضًا على ما دلّ عليه القرآن الكريم، وهو حديث: "من حدّث عنّي بحديث يُرَى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبِينَ". والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفِقْرة: (وَالدَّلِيلُ) أي المرشد، والكاشف. قاله الفيّومي. وقال أبو البقاء الكفوي في كتابه "الكلّيات": الدليل: المرشد إلى المطلوب، يُذكَر ويُراد به الدالّ، ومنه: "يا دليل المتحيّرين" (١): أي هاديهم إلى ما تزول به حيرتهم. ويُذكر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة المدلول، ومنه سمي الدخان دليلًا على النار، ثم اسم الدليل يقع على ما يُعرف به المدلول، حسيّا كان، أو شرعيّا، قطعيّا كان، أو غير قطعيّ، حتى سُمّي الحسّ، والعقل، والنصّ، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها أدلّة. والدلالة كون الشيء بحيث يفيد الغيرَ علمًا إذا لم يكن في الغير مانع، كمزاحمة الوهم والغفلة بسبب الشواغل الجسمانية. وأصل الدلالة مصدر، كالكتابة، والإمارة، والدالّ: ما حصل منه ذلك. قال: ويُجمع الدليل على أدلّة، لا على دلائل إلا نادرًا. قال: والتعريف المشهور للدليل: هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول، ولا يخفى أن الدليل والمدلول متضايفان، كالأب والابن، فيكونان متساويين في المعرفة والجهالة، فلا يجوز أخذ أحدهما في تعريف الآخر؛ لأن المعرّف ينبغي أن يكون أجلى.

стр. 410

والتعريف الحسن الجامع: أنه هو الذي يلزم من العلم، أو الظنّ به العلمُ، أو الظنّ بتحقّق شيء آخر. و "أو" هنا للتبيين: أي كل واحد دليل، كما يقال: الإنسان إما عالم أو جاهل، لا للتشكيك. انتهى المقصود من كلام الكفوي باختصار (١). (عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا) أي قلناه، فحذف مفعوله؛ لكونه فضلة، قال في "الخلاصة": ..................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كضمَنْ نَرْجُو يَهَبْ وقال أيضًا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لم يَضِرْ ... كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ (مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ) الإشارة إلى ما سبق له آنفًا من قوله: "أن الوِاجب على كلّ أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها"، الى آخر كلامه (دُونَ مَا خَالَفَهُ) أي وهو رواية ما كان من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع (قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾) الفسوق: الخروج من الشيء، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه فقست البيضة: إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضًا: فقست الشيء: إذا أخرجته من يد مالكه مغتصبًا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر. قاله النسفي (٢). وقال الفيّومي: فسق فُسوقًا، من باب قعد: خرج عن الطاعة، والاسم الفِسق، ويَفْسِق بالكسر لغة حكاها الأخفش، فهو فاسق، والجمع فُسّاق، وفَسَقَة. قال ابن الأعرابيّ: ولم يسمع فاسق في كلام الجاهليّة، مع أنه عربيّ فصيح، ونطق به الكتاب العزيز. ويقال: أصله خروج الشيء من الشيء على وجه الفساد، يقال: فَسَقَت الرُّطَبَة: إذا خرجت من قشرها، وكذلك كلّ شيء خرج عن قشره، فقد فسق. قاله السَّرَقُسْطيّ. وقيل للحيوان الخمس: فواسق؛ استعارة، وامتهانًا لهنّ؛ لكثرة خبثهنّ وأذاهنّ حتى قيلْ يُقتَلن في الحلّ والحرم، وفي الصلاة، ولا تبطل الصلاة بذلك. انتهى (٣). (بِنَبَإٍ) أي خبر (فَتَبَيَّنُوا) من التبيّن: أي تحقّقوا صدقه من كذبه، وقرأ حمزة والكسائيّ: "فتثبّوا" من التثبّت. وقال النسفي رحمه اللهُ تعالى: "فتبيّنوا": فتوقّفوا فيه، وتطلّبوا بيان الأمر، وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقّفنا في

стр. 411

خبره لسوّينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة. قال: والتثبّت والتبيّن متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف. انتهى (١). وقال الشوكانيّ رحمه اللهُ تعالى: المراد من التبيّن: التعرّف، والتفحّص، ومن التثبّت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصّر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتّضح ويظهر. انتهى (٢). (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا) مفعول له: أي خشية أن تصيبوا، وقيل: التقدير: لئلا تُصيبوا قومًا بالقتل والسبي (بِجَهَالَةٍ) حال من الفاعل: أي جاهلين. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: وقوله: "أن تصيبوا قومًا بجهالة" مفعول له: أي كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا؛ لأن الخطأ ممن لم يتبيّن الأمرَ، ولم يتثبّت فيه هو الغالب، وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم، والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم. انتهى (٣) (فَتُصْبِحُوا) أي تصيروا (عَلَى مَا فَعَلْتُمْ) من الخطإ بالقوم (نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] أي مغتمّين غما لازما، فالندم غمّ يصحب الإنسان صحبة لها دوام على ما وقع مع تمنّي أنه لم يقع (٤). وقال الإمام ابن كثير رحمه اللهُ تعالى في "تفسيره" ٤/ ٢٠٩ عند شرح هذه الآيات: ما نصّه: يأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق؛ ليحتاط له؛ لئلا يُحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال؛ لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون؛ لأنا إنما أُمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق؛ لأنه مجهول الحال. (وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في محل رفع على أنه صفة لرجل وامرأتين من قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قيل: هذا الخطاب للحُكّام. وقيل: بل هو لجميع الناس، لكن الملتبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله، يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. وهذا القول الثاني، هو ارتضاه ابن عطية وغيره، كما نقله القرطبي في "تفسيره" ٣/ ٣٩٥. (وَقَالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]) أي على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين ﵄ أنه سئل عن الرجل يُطلّق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها، ولا على

стр. 412

رجعتها؟ فقال: طلّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنّة، وأَشْهِد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ. وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله ، إلا أن يكون من عذر. انتهى (١). قال المصنّف رحمه اللهُ تعالى: (فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا) الظاهر أن الباء زائدة، و "ما" اسم موصول فاعل "دلّ". وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْآيِ) بيان لـ"ما"، والآي جمع آية، وهي في الأصل العلامة، سمّيت بذلك؛ لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، وقيل: لأنها جماعة من حروف القرآن. وقيل: الآية من القرآن كأنها العلامة التي يُفضَى منها إلى غيرها كأعلام الطريق المنصوبة للهداية. ووزنها عند الخليل فَعَلة بفتح الفاء والعين، وذهب غيره إلى أن أصلها أَيَّةٌ فعْلة بسكون العين، فقُلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، وهو قلب شاذّ. أفاده ابن منظور (٢). (أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ) قال في "القاموس": الساقط: المتأخّر عن الرجال. انتهى. وقال في "اللسان": الساقط والساقطة: اللئيم في حسبه ونفسه. انتهى. والمراد به هنا أن خبره رديء متأخّر عن درجة ما يُقبل من الأخبار، فيكون قوله (غَيْرُ مَقْبُولٍ) مؤكّدًا له (وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ) أي للتنصيص على اشتراط العدالة فيها في الآية المذكورة. وقوله رحمه اللهُ تعالى: (وَالْخَبَرُ الخ) أتى به إشارةً إلى دفع أنّ إيراد الآيتين الأخيرتين دليلًا على سقوط خبر الفاسق غير مسلّم؛ للفرق بين الشهادة والخبر. وحاصل الجواب أن الشهادة خبر في الحقيقة، إلا أنها صارت مخصوصة منه باعتبار أمور تَعْرِضُ لها. فقوله: "والخبر" مبتدأ خبره جملة قوله (وَإِنْ فَارَقَ) أي خالف (مَعْنَاهُ) أي الخبر، والمراد بالمعنى الشروط (مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ) كالحرية، والذكورة، والعدد، ونحوها (فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا) أي أكثر شروطهما، وذلك كالبلوغ، والإسلام، والعدالة، ونحوها (إِذْ) تعليلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وكما في قول الشاعر [من الطويل]:

стр. 413

فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ ... إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مِثْلُهُمْ بَشَرُ (كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أي عند جميعهم؛ إذ لا خلاف بينهم في ذلك (كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ) أي لقوله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه اللهُ تعالى السابق: (المسألة الأولى): في الكلام على سبب نزول الآية الأولى: قال الحافظ ابن كثير رحمه اللهُ تعالى: قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق، وقد رُوي ذلك من طرق، أحسنها ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن أبي ضرار، والد جويرية بنت الحارث، أم المؤمنين ﵂، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي، أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله ﷺ ، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة، فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله ﷺ أرجع إليهم، فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله ﷺ رسولا إِبّانَ كذا وكذا؛ ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإِبّان الذي أراد رسول الله ﷺ ، أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسَرَوات قومه، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ ، كان وَقّت لي وقتا يُرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حَبَس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِق -أي خاف- فرجع، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله ﷺ إن الحارث قد منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ ، وبعث البعث إلى الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بَتّةً، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: "منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟ "، قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ ، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٨]. ورواه ابن أبي حاتم عن

стр. 414

المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. انتهى كلام ابن كثير (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فيما يتعلق بالآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]: قال أبو عبد الله القرطبي رحمه اللهُ تعالى في "تفسيره" ٣/ ٣٩٥: دلّ قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ على أن في الشهود من لا يُرضَى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، وذلك معنى زائد على الإسلام، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: كل مسلم ظاهر الإسلام، مع السلامة من فسق ظاهر، فهو عدل، وإن كان مجهول الحال، وقال شريح، وعثمان الْبَتّيّ، وأبو ثور: هم عدول المسلمين، وإن كانوا عبيدا. فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي، إذا كان عدلا مرضيا، وبه قال الشافعي، ومن وافقه، وهو من رجالنا وأهل ديننا، وكونه بدويا ككونه من بلد آخر، والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فمنكم خطاب للمسلمين، وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ مثله، خلاف ما قاله أبو حنيفة، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يُختبر حاله، فيلزمه أن لا يُكتفَى بظاهر الإسلام. وذهب أحمد بن حنبل، ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية (٢) "، والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك وأحمد رحمهما الله تعالى من ردّ شهادة البدويّ على القروي هو الأرجح؛ لصحة حديث أبي هريرة ﵁ المذكور. والله تعالى أعلم. قال القرطبي: قال علماؤنا -يعني المالكية-: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته، وعلى ترك الصغائر،

стр. 415

ظاهر الأمانة، غير مُغَفَّل، وقيل: صفاء السريرة، واستقامة السِّيرة في ظن المعدل، والمعنى متقارب. قال: لما كانت الشهادة ولاية عظيمة، ومرتبة منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة، فمن حُكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها، وفضائل يتحلى بها، حتى تكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته، وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات، عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. قال: وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام، فربما تفرس بالشاهد غفلة، أو ريبة فيرد شهادته لذلك. قال: وقال أبو حنيفة: يُكتَفَى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود، وهذه مناقضة تسقط كلامه، وتفسد عليه مرماه؛ لأننا نقول: حَقٌّ من الحقوق، فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود، قاله ابن العربي. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ (١). وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في قوله: "والخبر وإن فارق الخ ": قال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى في "شرحه" لهذا الكتاب: وقول مسلم رحمه اللهُ تعالى: "والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة الخ": ما أحسن قول مسلم هذا، وأبينه في الدلالة على كثرة علمه، وقوّة فقهه، فاعلم أن الشهادة والخبر يجتمعان عندنا في خمسة أحوال، ويفترقان في خمسة أحوال. فالخمسة الجامعة لها: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر، أو الشهادة حين السماع والأداء، فمتى اختلّ وصف من هذه الأوصاف في أحد لم يقبل خبره، ولا شهادته. وأما الخمسة التي يفترقان فيها، فالحرّية، والذكورة، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة. انتهى كلام القاضي رحمه اللهُ تعالى (٢). وقال النوويّ رحَمَه اللهُ تعالى في "شرحه": ١/ ٦١: اعلم: أن الخبر والشهادة يشتركان في أوصاف، ويفترقان في أوصاف، فيشتركان

стр. 416

في اشتراط الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة، والمروءة، وضبط الخبر والمشهود به عند التحمل والأداء، ويفترقان في الحرية، والذكورية، والعدد، والتهمة، وقبول الفرع مع وجود الأصل، فيقبل خبر العبد، والمرأة، والواحد، ورواية الفرع مع حضور الأصل الذي هو شيخه، ولا تقبل شهادتهم إلا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها، وترد الشهادة بالتهمة، كشهادته على عدوه، وبما يدفع به عن نفسه ضررا، أو يجر به إليها نفعا، ولولده ووالده، واختلفوا في شهادة الأعمى، فمنعها الشافعيّ وطائفة، وأجازها مالك وطائفة، واتفقوا على قبول خبره. وإنما فرق الشرع بين الشهادة والخبر في هذه الأوصاف؛ لأن الشهادة تخص، فيظهر فيها التهمة والخبر يعمه وغيره من الناس أجمعين، فتنتفي التهمة. وهذه الجملة قول العلماء الذين يُعتدّ بهم، وقد شَذّ عنهم جماعة في أفراد بعض هذه الجملة. فمن ذلك شرط بعض أصحاب الأصول أن يكون تحمله الرواية في حال البلوغ، والإجماع يرد عليه، وإنما يعتبر البلوغ حال الرواية، لا حال السماع، وجوز بعض أصحاب الشافعيّ رواية الصبيّ، وقبولها منه في حال الصبا، والمعروف من مذاهب العلماء مطلقا ما قدمناه، وشرط الجبائيّ المعتزليّ وبعض القدرية العدد في الرواية، فقال الجبائيّ: لا بد من اثنين عن اثنين كالشهادة، وقال القائل من القدرية: لا بد من أربعة عن أربعة في كل خبر، وكل هذه الأقوال ضعيفة، ومنكرة مطرحة، وقد تظاهرت دلائل النصوص الشرعية، والحجج العقلية على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قرر العلماء في كتب الفقه والأصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أبلغ إيضاح، وصنف جماعات من أهل الحديث وغيرهم مصنفات مستكثرات مستقلات في خبر الواحد، ووجوب العمل به. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). وقال السيوطي رحمه اللهُ تعالى في "تدريب الراوي" ١/ ٣٣١: من الأمور المهمة تحريرُ الفرق بين الرواية والشهادة، وقد خاض فيه المتأخرون، وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام، كاشتراط العدد وغيره، وذلك لا يوجب تخالفا في الحقيقة، قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما، حتى ظفرت به في كلام المازري، فقال: الرواية هي الإخبار عن عام لا تَرافُع فيه إلى الحكام، وخلافه الشهادة. وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة، لم أَرَ من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر: (الأول): العدد لا يشترط في الرواية، بخلاف الشهادة، وقد ذكر ابن عبد

стр. 417

السلام في مناسبة ذلك أمورا: [أحدها]: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله ﷺ ، بخلاف شهادة الزور. [الثاني]: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. [الثالث]: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه ﷺ . (الثاني): لا تشترط الذكورية فيها مطلقا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع. (الثالث): لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقا. (الرابع): لا يشترط فيها البلوغ في قول. (الخامس): تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية، ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره، إن روى موافقه. (السادس): تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته. (السابع): من كذب في حديث واحد رُدّ جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة، لا ينقض ما شهد به قبل ذلك. (الثامن): لا تقبل شهادة من جَرّت شهادته إلى نفسه نفعا، أو دفعت عنه ضررا، وتقبل ممن روى ذلك. (التاسع): لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق، بخلاف الرواية. (العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر): الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة، وطلب لها، وعند حاكم، بخلاف الرواية في الكل. (الثالث عشر): للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعا مطلقا، بخلاف الشهادة، فإن فيها ثلاثة أقوال، أصحها التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها. (الرابع عشر): يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد، دون الشهادة على الأصح. (الخامس عشر): الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم، ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرا. (السادس عشر): يجوز أخذ الأجرة على الرواية، بخلاف أداء الشهادة، إلا إذا احتاج إلى مركوب. (السابع عشر): الحكم بالشهادة تعديل، بل قال الغزالي: أقوى منه بالقول، بخلاف عمل العالم، أو فتياه بموافقة المروي على الأصح. (الثامن عشر): لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها، بخلاف الرواية. (التاسع عشر): إذا روى شيئا ثم رجع عنه سقط، ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم. (العشرون): إذا شهدا بموجب قتل، ثم رجعا وقالا: تعمدنا لزمهما القصاص، ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف، فروى شخص خبرا عن النبي ﷺ فيها، وقتل الحاكم به رجلا، ثم رجع الرواي، وقال: كذبت وتعمدت، ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع، قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى، والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة، فإنها تتعلق بالحادثة، والخبر لا يختص بها. (الحادي والعشرون): إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر، ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة، وفي قبول روايتهم وجهان:

стр. 418

المشهور منهما القبول، ذكره الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية"، والإسنوي في "الألغاز". انتهى "التدريب" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما ذكر الأدلة على عدم قبول خبر الفاسق من الكتاب أتبعه بذكر الأدلة من السنة، فقال: (وَدَلَّتِ السُّنَّةُ) النبويّة (عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ) أي على نفي جواز روايته (مِنَ الْأَخْبَارِ) متعلّق بحال مقدّر من "المنكر" (كَنَحْوِ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ) أي مثل دلالة القرآن، وهو ما دلّت عليه الآية السابقة (عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ) حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ الآية، فإنها تدل علىَ عدم الاعتماد على خبر الفاسق (وهو الأثر) مبتدأ وخبر، وإنما ذكّره، وإن كان المرجع مؤنّثًا، وهي السنّة؛ نظرًا للخبر، و"الأثر" - بفتحتين- اسم من أثرتُ الحديث أَثْرًا، من باب نصر: إذا نقلته، وحديث مأثور: أي منقولٌ، ومنه الْمَأْثُرة، وهي المكرمة؛ لأنها تُنقل، ويُتحدّث بها. أفاده الفيّوميّ. واصطلاحًا: عبارة عن الأحاديث، مرفوعة كانت، أو موقوفةً على المعتمد. وقصره بعض الفقهاء على الموقوف فقط. وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" ١/ ٦٣: هذا جار على المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم، واصطلح عليه السلف، وجماهير الخلف، وهو أن الأثر يُطلق على المرويّ مطلقا، سواء كان عن رسول الله ﷺ ، أو عن صحابيّ، وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر هو ما يضاف إلى الصحابيّ موقوفا عليه. انتهى. (المشهور) صفة "الأثر"، والمراد به هنا ما يعم المتواتر؛ إذ الحديث المذكور من المتواتر، كما سيأتي بيانه، والمشهور في اللغة: اسم مفعول من شَهَرتُ الحديثَ من باب نفع شَهْرًا -بالفتح-، وشُهْرةً -بالضمّ-: إذا أفشيته، فاشتهر، واصطلاحًا ما رواه ثلاثة، فأكثر، ولم يبلغ حدّ التواتر، سمي مشهورًا؛ لوضوح أمره. [تنبيه]: الحديث إذا تفرّد بروايته راو واحد يسمّى غريبًا، وإن رواه اثنان سمي عزيزًا, وإن رواه ثلاثة, فأكثر، سمي مشهورًا، وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء والأصوليين، وبعض المحدّثين، سمي بذلك لانتشاره وشياعه في الناس، من فاض الماء يَفيض فيضًا وفيوضة: إذا كثُر حتى سال على ضَفّة الوادي، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه ووسطه وانتهائه سواءً، والمشهور أعمّ من ذلك، بحيث يشمل ما كان أوله منقولا عن الواحد، كحديث "إنما الأعمال بالنيات"،

стр. 419

ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض ما تلقّته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد، ولذا قال أبو بكر الصيرفيّ والقفّال: إنه هو والمتواتر بمعنى واحد. أفاده السخاوي (١). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عن رسول الله ﷺ ) متعلّق بـ"المشهور" أنه قال: (من) شرطيّة مبتدأ (حدّث عنّي بحديث يُرى) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: ضبطناه يُرى بضم الياء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد أنه مبنيّ للمفعول لفظًا، ولكن معناه معنى المبنيّ للفاعل؛ لأنه بمعنى يَظُنّ مبنيّا للفاعل. قال ابن منظور نقلًا عن "تهذيب الأزهريّ": قال الليث: يقال من الظنّ رِيتُ -بكسر الراء- فلانًا أخاك، ومن هَمَزَ قال: رُؤِيتُ، فإذا قلت: أرى وأخواتها لم تهمز، قال: ومن قلب الهمز من رأى قال: راء، كقولك: نأى وناء. وقال ابن الأثير: رُؤي فعل لم يُسمّ فاعله، من رأيتُ بمعنى ظننت، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: رأيت زيدًا عاقلًا، فإذا بنيته لما لم يُسمّ فاعله تعدّى إلى مفعول واحد، فقلت: رُؤي زيد عاقلًا. انتهى (٢). وهذا الذي ذكرنا من ضبط "يُرَى" بصيغة المبني للمفعول هو المشهور، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من "يَرَى"، قال النووي رحمه اللهُ تعالى: وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه: "يَظُنُّ"، وأما من فتحها فظاهر، ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يَظُنّ أيضا، فقد حُكِيَ رَأَى بمعنى ظَنّ. وقَيّد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه، أو يظنه كذبا، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه، فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبا، أو عَلِمَهُ. انتهى (٣). وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى في "المفهم": قيّدنا عن مشايخنا "يَرَى" مبنيّا للفاعل والمفعول، فـ"يَرَى" بالفتح بمعنى "يَعْلَم" المتعدّية لمفعولين، و"أن" سدّت مسدّهما، وماضي "يَرى" "رأى" مهموزًا، وإنما تركت العرب همز المضارع؛ لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم [من الطويل]: أَلَمْ تَرَ مَا لَاقَيْتُ وَالدَّهْرُ أَعْصُرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّ الْعَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ وربّما تركوا همز الماضي في قولهم [من الخفيف]: صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَا فِي الْحِلَابِ؟

стр. 420

ويحتمل ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي، فيكون ظنّا، من قولهم: رأيت كذا: أي ظهر لي، وعليهما يكون المقصود بالذمّ الذي في الحديث المتعمّد للكذب علمًا أو ظنّا. وأما "يُرَى" بالضمّ فهو مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله، ومعناه الظنّ، وإن كان أصلها مُعدّى بالهمزة من "رأى"، إلا أن استعماله في الظنّ أكثر وأشهر. انتهى كلام القرطبيّ (١). (أَنَّهُ كَذِبٌ) في تأويل المصدر مفعول ثان لـ"يُرى"، والأول ضمير "من" (فَهُوَ أَحَدُ الَكَاذِبِينَ) -بكسر الباء، وفتح النون- على الجمع، وهذا هو المشهور في ضبطه، قال النووي: قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا "الكاذِبِينَ" على الجمع. ورواه أبو نعيم الأصبهانى في كتابه "المستخرج على صحيح مسلم" في حديث سمرة "الكاذبِيَنِ" -بفتح الباء، وكسر النون- على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يُشارِك البادىء بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة "الكاذِبَينِ" أو "الكاذِبِينَ" على الشك في التثنية والجمع. انتهى (٢). وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى: قوله: "أحد الكاذبين" رويناه بكسر الباء على الجمع، فيكون معناه: أنه أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ الآية [الزمر: ٦٠]؛ لأن الكذب على رسول الله ﷺ كذبٌ على الله تعالى. ورويناه أيضًا بفتح الباء على التثنية، ويكون معناه. أن المحدِّثَ والمحدَّثَ بما يظنّان أو يَعلَمان كذبه كاذبان، هذا بما حدّث، والآخر بما تحمّل من الكذب مع علمه أو ظنّه لذلك. ويفيد الحصر التحذير عن أن يُحدّث أحدٌ عن رسول الله ﷺ إلا بما تحقّق صدقه علمًا أو ظنّا، إلا أن يُحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب، فإنه لا يتناوله الحديث. وفي كتاب الترمذيّ عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "اتّقوا الحديث عنّي إلا بما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار"، وقال: هذا حديث حسن (٣). انتهى كلام القرطبيّ (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 421

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في تخريجه: أما حديث المغيرة بن شعبة ﵁ فأخرجه المصنّف بالسند المذكور هنا فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٩١) عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد، عن علي ابن ربيعة، عنه (١). و (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٦٢) عن محمد بن بشّار، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، عنه. و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ به. (وأحمد) في "مسنده" ٤/ ٢٥٠ عن محمد بن جعفر غندر، وبهز جميعًا عن شعبة، عن حبيب به. و ٤/ ٢٥٢ عن وكيع، عن الثوريّ وشعبة كلاهما عن حبيب به. و ٤/ ٢٥٥ عن بهز بن أسد، عن شعبة به. وأما حديث سمرة بن جندب ﵁ فأخرجه المصنّف أيضًا بالسند المذكور فقط، وأخرجه (ابن ماجه) (٣٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع -وعن محمد بن بشار، عن غندر- كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. و (أحمد) ٥/ ١٤ عن يزيد -يعني ابن هارون- عن وكيع- و ٥/ ٢٠ عن غندر، وعفّان- ثلاثتهم عن شعبة به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه اللهُ تعالى، وهو بيان تحريم رواية المنكر من الأخبار. ومنها: تغليظ الكذب، والتعرض له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يَرويه، فرواه كان كاذبا، وكيف لا يكون كاذبا، وهو مُخبِر بما لم يكن. قال أبو جعفر الطحاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه "مشكل الآثار" ١/ ٣٧٥ بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عليّ، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة ﵃: ما نصّه: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به منه ما هو؟ ، فوجدنا الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فوجدناه تعالى قد أخبر أن ذوي الكتاب مأخوذ عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق، وكان ما يأخذونه عن الله تعالى هو ما يأخذونه عن رسله -صلوات الله عليهم- إليهم، فكان فيما أخذه الله تعالى عليهم

стр. 422

أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ودخل فيه أخذه عليهم أن لا يقولوا على رسله إلا الحقّ، كان الحق ههنا كهو في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وكان من شهد بظن، فقد شهد بغير الحقّ، إذ كان الظن كما قد وصفه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. وفي ذلك إعلامه إيانا أن الظنّ غير الحقّ، وإذا كان من شهد بالظنّ شاهدًا بغير الحقّ كان مثله من حدّث عن رسول الله ﷺ حديثًا لظنّ محدّثا عنه بغير الحقّ، والمحدّث عنه بغير الحقّ محدّث عنه بالباطل، والمحدّث عنه بالباطل كاذب عليه كأحد الكاذبين عليه الداخلين في قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، ونعوذ بالله تعالى من ذلك. انتهى كلام الطحاويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى إسناد هذا الحديث، فقال بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ابن خُواستي (٢) العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي الواسطيّ الأصل. رَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وشريك، وهشيم، وجماعة. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي القاضي، وزكرياء الساجي، وعثمان بن خرزاذ، وابنه أبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة. قال يحيى الحماني: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحمونا عند كل محدث. وقال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحب إلي من عثمان. قال عبد الله بن

стр. 423

أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحب إلي، فقال: أبو بكر أعجب إلينا. وقال العجلي: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجاني: سألت ابن معين عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادّعَى السماع من أجل من شريك لكان مصدقا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب إلي بخطه، وحدث عن روح بحديث الدجال، وكنا نظن أنه سمعه من أبي هشام الرفاعي، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام، قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (١٤) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وقال عمرو بن علي: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع علي بن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظا وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازي: كان يقعد عند الأُسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشكُدانةُ، وعبد الله بن البراد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يهدر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة وأصحابنا البغداديين؟ فقال: دع أصحابك أصحاب مخاريق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنا حافظا دَيِّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. قال البخاري وغير واحد: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين في المحرم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثين حديثا، ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا (١). وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. [تنبيه]: قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "شرحه": ١/ ٦٤: وأما أبو بكر بن أبي شيبة فاسمه عبد الله، وقد أكثر مسلم من الرواية عنه، وعن أخيه عثمان، ولكن عن أبي بكر أكثر، وهما أيضا شيخا البخاريّ، وهما منسوبان إلى جدهما، واسم أبيهما محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُوَاستي -بخاء معجمة مضمومة، ثم واو مخففة، ثم ألف، ثم سين مهملة ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ياء مثناة من تحت- ولأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة أخ ثالث، اسمه القاسم، ولا رواية له في

стр. 424

الصحيح، كان ضعيفا، وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان، وكان قاضي واسط، وهو ضعيف، متفق على ضعفه، وأما ابنه محمد والد بني أبي شيبة، فكان على قضاء فارس، وكان ثقة. قاله يحيى بن معين وغيره، ويقال لأبي شيبة وابنه وبني ابنه: عبسيون -بالموحدة، والسين المهملة- وأما أبو بكر وعثمان فحافظان جليلان، واجتمع في مجلس أبي بكر نحو ثلاثين ألف رجل، وكان أجلّ من عثمان وأحفظ، وكان عثمان أكبر منه سنّا، وتأخرت وفاة عثمان، فمات سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات أبو بكر سنة خمس وثلاثين. ومن طُرَف ما يتعلق بأبي بكر ما ذكره أبو بكر الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن أبي بكر محمدُ بنُ سعد كاتبُ الواقديّ، ويوسف بن يعقوب أبو عمرو النيسابوريّ، وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ -بضم الراء، وهمزة، ثم مهملة- أبو سفيان الكوفيّ الحافظ، أحد الأئمة الأعلام. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وهشام بن عروة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم. ورَوَى عنه أبناؤه سفيان، ومليح، وعبيد، ومستمليه محمد بن أبان البلخي، وشيخه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، والحميدي، والقعنبي، وآخرون، آخرهم إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار. قال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فجاء وكيع، فقالوا: هذا راوية سفيان، فقال حماد: لو شئت قلت: هذا أرجح من سفيان. وقال المروذي: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، قلت: قدمت وكيعا، قال: وكيع شيخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه، قال: وسمعت أبي يقول: كان مطبوع الحفظ، وكان وكيع حافظا حافظا، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرا كثيرا، وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفا من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه. وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيما أثبت عندك، وكيع أو يزيد؟ وقال: ما منهما -بحمد الله تعالى- إلا ثبت، قلت: فأيهما أصلح؟ قال ما منهما إلا صالح، إلا أن وكيعا لم يتلطخ بالسلطان، وما رأيت أحدا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه. وقال الدوري: ذاكرت أحمد بحديث، فقال: مَن حدثك؟ قلت. شبابة، قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع. وقال علي بن عثمان النفيلي:

стр. 425

قلت لأحمد: إن أبا قتادة يتكلم في وكيع، قال: من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب. وقال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد، وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: وكيع، قلت: لم؟ قال: كان وكيع صديقا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وكان يحيى بن سعيد صديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره. وحكى محمد بن علي الوراق عن أحمد مثل ذلك سواء في وكيع وابن مهدي، وزاد: قد عُرض على وكيع القضاء فامتنع منه. وقال بشر بن موسى عن أحمد: ما رأيت مثل وكيع في الحفظ والإسناد والأبواب، مع خشوع وورع. قال هارون بن حاتم: سمعت وكيعا يقول: وُلدت سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: ولد سنة سبع، وقيل سنة تسع، وقال خليفة وغيره: مات سنة ست وتسعين، وقال أحمد: حج وكيع سنة ست، ومات في الطريق، وقال محمد بن سعد، وأبو هشام: مات بفيد، منصرفا من الحج سنة سبع، زاد أبو هشام: يوم عاشوراء. وفي "التقريب": مات في آخر سنة (٦) أو أول سنة (١٩٧) وله (٧٠) سنة. انتهى. وجعله في "التقريب" من كبار وجعله في "التقريب" من كبار الطبقة التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٣٣) حديثًا. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته عند شرح قوله: "ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث الخ". ٤ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأئمة الأعلام. رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن كهيل، وطارق بن عبد الرحمن، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وخلق كثير من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم. ورَوَى عنه خلق لا يحصون، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وأبان بن تغلب، وزائدة، والأوزاعي، ومالك، وزهير بن معاوية، ومسعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وجرير، ووكيع، وعلي بن الجعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وغيرهم.
следующие страницы →