← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في تخريجه: أما حديث المغيرة بن شعبة ﵁ فأخرجه المصنّف بالسند المذكور هنا فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٩١) عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد، عن علي ابن ربيعة، عنه (١). و (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٦٢) عن محمد بن بشّار، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، عنه. و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ به. (وأحمد) في "مسنده" ٤/ ٢٥٠ عن محمد بن جعفر غندر، وبهز جميعًا عن شعبة، عن حبيب به. و ٤/ ٢٥٢ عن وكيع، عن الثوريّ وشعبة كلاهما عن حبيب به. و ٤/ ٢٥٥ عن بهز بن أسد، عن شعبة به. وأما حديث سمرة بن جندب ﵁ فأخرجه المصنّف أيضًا بالسند المذكور فقط، وأخرجه (ابن ماجه) (٣٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع -وعن محمد بن بشار، عن غندر- كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. و (أحمد) ٥/ ١٤ عن يزيد -يعني ابن هارون- عن وكيع- و ٥/ ٢٠ عن غندر، وعفّان- ثلاثتهم عن شعبة به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه اللهُ تعالى، وهو بيان تحريم رواية المنكر من الأخبار. ومنها: تغليظ الكذب، والتعرض له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يَرويه، فرواه كان كاذبا، وكيف لا يكون كاذبا، وهو مُخبِر بما لم يكن. قال أبو جعفر الطحاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه "مشكل الآثار" ١/ ٣٧٥ بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عليّ، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة ﵃: ما نصّه: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به منه ما هو؟ ، فوجدنا الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فوجدناه تعالى قد أخبر أن ذوي الكتاب مأخوذ عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق، وكان ما يأخذونه عن الله تعالى هو ما يأخذونه عن رسله -صلوات الله عليهم- إليهم، فكان فيما أخذه الله تعالى عليهم

стр. 422

أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ودخل فيه أخذه عليهم أن لا يقولوا على رسله إلا الحقّ، كان الحق ههنا كهو في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وكان من شهد بظن، فقد شهد بغير الحقّ، إذ كان الظن كما قد وصفه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. وفي ذلك إعلامه إيانا أن الظنّ غير الحقّ، وإذا كان من شهد بالظنّ شاهدًا بغير الحقّ كان مثله من حدّث عن رسول الله ﷺ حديثًا لظنّ محدّثا عنه بغير الحقّ، والمحدّث عنه بغير الحقّ محدّث عنه بالباطل، والمحدّث عنه بالباطل كاذب عليه كأحد الكاذبين عليه الداخلين في قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، ونعوذ بالله تعالى من ذلك. انتهى كلام الطحاويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى إسناد هذا الحديث، فقال بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ابن خُواستي (٢) العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي الواسطيّ الأصل. رَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وشريك، وهشيم، وجماعة. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي القاضي، وزكرياء الساجي، وعثمان بن خرزاذ، وابنه أبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة. قال يحيى الحماني: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحمونا عند كل محدث. وقال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحب إلي من عثمان. قال عبد الله بن

стр. 423

أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحب إلي، فقال: أبو بكر أعجب إلينا. وقال العجلي: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجاني: سألت ابن معين عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادّعَى السماع من أجل من شريك لكان مصدقا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب إلي بخطه، وحدث عن روح بحديث الدجال، وكنا نظن أنه سمعه من أبي هشام الرفاعي، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام، قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (١٤) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وقال عمرو بن علي: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع علي بن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظا وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازي: كان يقعد عند الأُسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشكُدانةُ، وعبد الله بن البراد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يهدر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة وأصحابنا البغداديين؟ فقال: دع أصحابك أصحاب مخاريق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنا حافظا دَيِّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. قال البخاري وغير واحد: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين في المحرم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثين حديثا، ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا (١). وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. [تنبيه]: قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "شرحه": ١/ ٦٤: وأما أبو بكر بن أبي شيبة فاسمه عبد الله، وقد أكثر مسلم من الرواية عنه، وعن أخيه عثمان، ولكن عن أبي بكر أكثر، وهما أيضا شيخا البخاريّ، وهما منسوبان إلى جدهما، واسم أبيهما محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُوَاستي -بخاء معجمة مضمومة، ثم واو مخففة، ثم ألف، ثم سين مهملة ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ياء مثناة من تحت- ولأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة أخ ثالث، اسمه القاسم، ولا رواية له في

стр. 424

الصحيح، كان ضعيفا، وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان، وكان قاضي واسط، وهو ضعيف، متفق على ضعفه، وأما ابنه محمد والد بني أبي شيبة، فكان على قضاء فارس، وكان ثقة. قاله يحيى بن معين وغيره، ويقال لأبي شيبة وابنه وبني ابنه: عبسيون -بالموحدة، والسين المهملة- وأما أبو بكر وعثمان فحافظان جليلان، واجتمع في مجلس أبي بكر نحو ثلاثين ألف رجل، وكان أجلّ من عثمان وأحفظ، وكان عثمان أكبر منه سنّا، وتأخرت وفاة عثمان، فمات سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات أبو بكر سنة خمس وثلاثين. ومن طُرَف ما يتعلق بأبي بكر ما ذكره أبو بكر الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن أبي بكر محمدُ بنُ سعد كاتبُ الواقديّ، ويوسف بن يعقوب أبو عمرو النيسابوريّ، وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ -بضم الراء، وهمزة، ثم مهملة- أبو سفيان الكوفيّ الحافظ، أحد الأئمة الأعلام. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وهشام بن عروة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم. ورَوَى عنه أبناؤه سفيان، ومليح، وعبيد، ومستمليه محمد بن أبان البلخي، وشيخه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، والحميدي، والقعنبي، وآخرون، آخرهم إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار. قال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فجاء وكيع، فقالوا: هذا راوية سفيان، فقال حماد: لو شئت قلت: هذا أرجح من سفيان. وقال المروذي: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، قلت: قدمت وكيعا، قال: وكيع شيخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه، قال: وسمعت أبي يقول: كان مطبوع الحفظ، وكان وكيع حافظا حافظا، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرا كثيرا، وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفا من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه. وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيما أثبت عندك، وكيع أو يزيد؟ وقال: ما منهما -بحمد الله تعالى- إلا ثبت، قلت: فأيهما أصلح؟ قال ما منهما إلا صالح، إلا أن وكيعا لم يتلطخ بالسلطان، وما رأيت أحدا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه. وقال الدوري: ذاكرت أحمد بحديث، فقال: مَن حدثك؟ قلت. شبابة، قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع. وقال علي بن عثمان النفيلي:

стр. 425

قلت لأحمد: إن أبا قتادة يتكلم في وكيع، قال: من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب. وقال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد، وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: وكيع، قلت: لم؟ قال: كان وكيع صديقا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وكان يحيى بن سعيد صديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره. وحكى محمد بن علي الوراق عن أحمد مثل ذلك سواء في وكيع وابن مهدي، وزاد: قد عُرض على وكيع القضاء فامتنع منه. وقال بشر بن موسى عن أحمد: ما رأيت مثل وكيع في الحفظ والإسناد والأبواب، مع خشوع وورع. قال هارون بن حاتم: سمعت وكيعا يقول: وُلدت سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: ولد سنة سبع، وقيل سنة تسع، وقال خليفة وغيره: مات سنة ست وتسعين، وقال أحمد: حج وكيع سنة ست، ومات في الطريق، وقال محمد بن سعد، وأبو هشام: مات بفيد، منصرفا من الحج سنة سبع، زاد أبو هشام: يوم عاشوراء. وفي "التقريب": مات في آخر سنة (٦) أو أول سنة (١٩٧) وله (٧٠) سنة. انتهى. وجعله في "التقريب" من كبار وجعله في "التقريب" من كبار الطبقة التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٣٣) حديثًا. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته عند شرح قوله: "ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث الخ". ٤ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأئمة الأعلام. رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن كهيل، وطارق بن عبد الرحمن، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وخلق كثير من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم. ورَوَى عنه خلق لا يحصون، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وأبان بن تغلب، وزائدة، والأوزاعي، ومالك، وزهير بن معاوية، ومسعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وجرير، ووكيع، وعلي بن الجعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وغيرهم.

стр. 426

قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين، وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، رأيت سعيد بن جبير وغيره، وتقول هذا؟ فقال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وقال وكيع عن سعيد: سفيان أحفظ مني. وقال ابن مهدي: كان وهب يقدم سفيان في الحفظ على مالك. وقال يحيى القطان: ليس أحد أحبّ إليّ من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر سفيان. وقال أبو داود: بلغني عن ابن معين: ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان. وقال العجلي: أحسن إسناد الكوفة سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عبيد، كان يقول: حفينة. وقال المروذي عن أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سفيان. وقال أبو قطن: قال لي شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم. وقال النسائي: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما. وقال الخطيب: كان الثوريّ إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته، مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع. وقال محمد بن سهل بن عسكر عن عبد الرزاق: بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة، فقال: إن رأيتم سفيان فاصلبوه، قال: فجاء النجارون، ونصبوا الخشب، ونودي سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل، ورجلاه في حجر ابن عيينة، فقالوا له: يا أبا عبد الله اتق الله، ولا تشمت بنا الأعداء، قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها، ثم قال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، قال: فمات قبل أن يدخل مكة. وفضائله كثيرة جدّا. قال أبو نعيم: خرج سفيان من الكوفة سنة خمسين ومائة، ولم يرجع إليها. وقال العجلي وغيره: مولده سنة سبع وتسعين. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وفي بعض ذلك خلاف، والصحيح ما هنا. وجعله في "التقريب" من رؤوس الطبقة السابعة. أخرج له الجماعة (١). وله في "صحيح مسلم" (٢٣٥) حديثًا.

стр. 427

٥ - (الحكم) بن عُتيبة -بمثناة فوقية، مصغّرًا- الكنديّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر، أو أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأعلام. رَوَى عن أبي جحيفة، وزيد بن أرقم، وقيل: لم يسمع منه، وعبد الله بن أبي أوفى، هؤلاء صحابة، وشريح القاضي، وقيس بن أبي حازم، وموسى بن طلحة، ويزيد ابن شريك التيمي، وعائشة ﵂ بنت سعد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وغيرهم. ورَوى عنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جحادة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، وغيرهم من التابعين، وأبان بن صالح، وحجاج بن دينار، وسفيان بن حسين، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، وعبدة بن أبي لبابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم. وقال مجاهد بن رومي: رأيت الحكم في مسجد الخيف، وعلماء الناس عيال عليه. وقال جرير، عن مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة، أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها. وقال عباس الدوري: كان صاحب عبادة وفضل. وقال ابن عيينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشعبي مثل الحكم وحماد. وقال ابن مهدي: الحكم بن عتيبة ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ومنصور، قلت: أيهما أحبّ إليك؟ قال: ما أقربهما. وقال أحمد: أثبت الناس في إبراهيم الحكم ثم منصور. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد النسائي ثبت، وكذا قال العجلي، وزاد: وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتباع، وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثقة فقيها عالما رفيعا كثير الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: كان فقيها ثقة. وقال أحمد: لم يسمع من علقمة شيئا. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن الحكم عن عبيدة السلماني متصل؟ قال: لم يلقه. وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مِقسَم، كتابٌ إلا خمسة أحاديث، وعدها يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض. رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن علي بن المديني عن يحيى. وقال البخاري في "التاريخ الكبير": قال القطان: قال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال: سمعت. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يدلس، وكان سنهُ سن إبراهيم النخعي. ذكر ابن منجويه أنه وُلد سنة (٥٠) وقيل: إنه مات سنة (١١٣) وقال الواقدي: سنة (١٤) وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (١٥).

стр. 428

وجعله في "التقريب" من الطبقة الخامسة. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا. ٦ - (حبيب) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ. روى عن زيد بن أرقم، وابن عبّاس، وابن عمر، وخلق من الصحابة والتابعين. وعنه مسعر، والثوريّ، وشعبة، وأبو بكر النهشليّ، وخلق كثير. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ. وقال أبو بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد، وكانوا أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد إلا ذلّ لحبيب. وقال ابن المدينيّ: له نحو مائتي حديث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين -قال: أظن يحيى يريد منكرين- حديث المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم. وقال أبو زرعة: لم يسمع من أم سلمة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة. وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة بن الزبير شيئا. قال أبو بكر بن عياش وغيره: مات سنة (١١٩)، وقيل: غير ذلك. وقال ابن حبان في "الثقات": كان مدلسا. وقال ابن عدي: هو أشهر وأكثر حديثا من أن أحتاج أذكر من حديثه شيئا، وقد حدث عنه الأئمة، وهو ثقة حجة كما قال ابن معين. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيه البدن، وكان مفتي الكوفة قبل الحكم وحماد. وذكره أبو جعفر الطبري في "طبقات الفقهاء"، وكان ذا فقه وعلم. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": كان مدلسا، وقد سمع من ابن عمر. مات سنة (١١٩) وقيل: (١٢٢). وجعله في "التقريب" من الطبقة الثالثة. أخرج له الجماعة (١). وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٧ - (ميمون بن أبي شبيب) الربعي، أبو نصر الكوفيّ، ويقال: الرقّيّ. رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وعلي، وأبي ذر، والمقداد، وابن مسعود،

стр. 429

وقيس بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وعائشة ﵂، وسمرة بن جندب، وأبي عمرو الصيني. ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، ومنصور بن زاذان، والحسن بن الحر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء. قال علي بن المديني: خفي علينا أمره. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عمرو بن علي: كان رجلا تاجرا كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أُخْبَر أن أحدا يزعم أنه سمع من الصحابة. وقال أبو داود: ولم يدرك عائشة ﵂. وقال الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي شبيب: أردت الجمعة في زمان الحجاج، فذكر خبرا. قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرخه ابن حبان، وزاد: قُتِل في الجماجم. وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن خراش: لم يسمع من علي، وصحح له الترمذي روايته عن أبي ذر، لكن في بعض النسخ، وفي أكثرها قال: حسن فقط. وجعله في "التقريب" من الطبقة الثالثة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف في هذا الموضع فقط، والأربعة (١)، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٨ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) واسمه يسار، ويقال: بلال، ويقال، داود بن بلال بن بُلَيل بن أُحيحة بن الْجُلاح بن الْحَرِيش بن جَحْجَبَا بن كُلْفة بن عوف بن عمرو ابن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي أبو عيسى المدنيّ، ثم الكوفي والد محمد. وُلِد لستّ بقين من خلافة عمر، رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد وحذيفة، ومعاذ بن جبل، والمقداد، وابن مسعود، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وبلال بن رباح، وغيرهم. وعنه ابنه عيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، وعمرو بن ميمون الأودي، وهو أكبر منه، والشعبي، وثابت البناني، والحكم بن عتيبة، وحصين بن عبد الرحمن، وجماعة. قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن: أدركت عشرين ومائة من الأنصار صحابة. وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من

стр. 430

الصحابة، فيهم البراء يسمعون لحديثه، وينصتون له. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: ما ظننت أن النساء ولدن مثله. وقال الدوري عن ابن معين: لم ير عمرَ، قال: فقلت له: فالحديث الذي يروي كنا مع عمر نتراءى الهلال، فقال ليس بشيء. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي. وذكر أبو عبيد أنه أصيب سنة (٧١) وهو وَهَمٌ، ثم قال أبو عبيد: وأخبرني يحيى ابن سعيد، عن سفيان أن ابن شداد، وابن أبي ليلى فُقدا بالجماجم، وقد اتفقوا على أن الجماجم كانت سنة (٨٢) وفيها أرخه خليفة، وأبو موسى، وغير واحد، ويقال: إنه غَرِق بدجيل. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصح لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا، قال أبو حاتم: رُوي عن عبد الرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يُدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عجرة. وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": وقد رُوي سماعه من عمر من طرق، وليست بصحيحة. وقال الخليلي في "الإرشاد": الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر. وقال ابن المديني: كان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر. قال ابن المديني: لم يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذي في "العلل الكبير"، وابن خزيمة. وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من علي. وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد. وجعله في "التقريب" من الطبقة الثانية. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا. ٩ - (سمرة بن جندب) -بضم الدال المهملة، وفتحها- بن هلال بن حُديج بن مُرّة بن حَزْم بن عَمْرو بن جابر بن ذي الرأسين الفزاري، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان. قال ابن إسحاق: كان حليف الأنصار. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي عُبيدة، وعنه ابناه: سليمان وسعد، وعبد الله بن بريدة، وزيد بن عقبة، والرَّبِيع بن عَمِيلة، وهلال بن يساف، وأبو رجاء العطاردي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو نضرة العبدي، وثعلبة ابن عباد، والحسن البصري، وغيرهم. قال ابن عبد البر: سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها، فلما مات زياد أقره معاوية عاما أو نحوه، ثم عزله، وكان شديدا على الحرورية، فهم ومن قاربهم يطعنون عليه. وكان الحسن، وابن سيرين، وفضلاء أهل البصرة يُثنون عليه. وقال ابن سيرين في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير. وقال أيضا: كان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله. قال ابن عبد البر: مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين، سقط في قدر مملوءة ماء حارا، فكان ذلك تصديقا لقول رسول الله ﷺ له ولأبي هريرة وثالثٍ

стр. 431

معهما -يعني أبا محذورة-: "آخركم موتا في النار"، وقيل: مات آخر سنة تسع وخمسين، أو أول سنة ستين بالكوفة، وقيل بالبصرة. وقيل في سبب موته غير ذلك. أخرج له الجماعة. وقال في "الخلاصة": له (١٢٣) حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأربعة. انتهى. وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ١٠ - (المغيرة (١) بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قَسِيّ الثقفي، أبو عيسى، أو أبو محمد. وقال الطبري: يكنى أبا عبد الله. قال: وكان ضخم القامة، عَبْلَ الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده. وكان لا يَفرُقُه، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها، وبيعة الرضوان، وله فيها ذكر، وحَدَّثَ عن النبي ﷺ ، رَوَى عنه أولاده: عروة، وعقار، وحمزة ومولاه ورّاد، وابن عم أبيه حسن بن حبة، ومن الصحابة الْمِسْوَر بن مخرمة، ومن المخضرمين فمن بعدهم، قيس بن أبي حازم، ومسروق، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله المزني، والأسود بن هلال، وزياد بن علاقة، وآخرون. قال ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة، وفتوح الشام والعراق، وقال الشعبي: كان من دُهاة العرب، وكذا ذكره الزهري. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة، ففتح مِيسان، وهَمَذان، وعِدّة بلاد إلى أن عزله لما شهد عليه أبو بكرة ومن معه. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة. وقال ابن حبان: كان أول من سُلِّم عليه بالإِمْرة (٢)، ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان، ثم عزله، فلما قُتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر، ونقل فيه الخطيب الإجماع، وقيل: مات قبلُ بسنة، وقيل بعدها بسنة. وقال الطبري: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر الرأي في أحدهما. وقال الطبري أيضا: كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف، وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النُّجَير (٣)، وأصيبت عينه باليرموك، ثم كان رسول سعد إلى رستم. وفي "صحيح البخاري" في قصة النعمان بن مُقَرِّن في قتال الفرس، أنه كان رسول النعمان إلى امرئ

стр. 432

القيس، وشهد تلك الفتوح، وقال البغوي: حدّثني حمزة بن مالك الأسلمي، حدثني عمي شيبان بن حمزة، عن دُوَيد، عن المطلب بن حنطب قال: قال المغيرة: أنا أول من رشا في الإسلام، جئت إلى يَرْفَأ حاجب عمر، وكنت أجالسه، فقلت له: خذ هذه العمامة فالبسها، فإن عندي أختها، فكان يَأْنَس بي، ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب، فكنت آتي، فأجلس في القائلة، فيمرّ المارّ، فيقول: إن للمغيرة عند عمر منزلة، إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحد. وذكر البغوي من طريق زيد بن أسلم، أن المغيرة استأذن على عمر، فقال أبو عيسى، قال: من أبو عيسى؟ قال: المغيرة بن شعبة، قال: فهل لعيسى من أب؟ فشهد له بعض الصحابة أن النبي ﷺ كان يكنيه بها، فقال: إن النبي ﷺ غُفر له، وإنا لا ندري ما يُفعل بنا، وكناه أبا عبد الله. وأخرج البغوي من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: استعمل عمر المغيرة على البحرين، فكرهوه، وشَكَوا منه، فعزله، فخافوا أن يعيده عليهم، فجمعوا مائة ألف، فأحضرها الدِّهْقان إلى عمر، فقال: إن المغيرة اختان هذه، فأودعها عندي، فدعاه، فسأله، فقال: كذب، إنما كانت مائتي ألف، فقال: وما حملك على ذلك، قال كثرة العيال، فسُقِطَ في يد الدّهقان، فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ ، قال: إنه افترى عليّ، فأردت أن أُخزيه. وأخرج ابن شاهين من طريق كثير بن زيد، عن المطلب -هو ابن حنطب- عن المغيرة، قال: كنت آتي، فأجلس على باب عمر، أنتظر الإذن على عمر، فقلت ليرفأ، حاجب عمر: خذ هذه العمامة فالبسها، فإن عندي أختها، فكان يأذن لي أن أقعد من داخل الباب، فمن رآني قال: إنه ليدخل على عمر في ساعة لا يدخل فيها غيره. وقال ابن سعد: كان رجلا طوالا، مصاب العين، أصيبت عينه باليرموك، أصهب الشعر، أقلص الشفتين، ضخم الهامة، عَبْلَ الذراعين، عريض ما بين المنكبين، وكان يقال له: مغيرة الرأي. ومن طُرف أخبار المغيرة ﵁ أنه حكي عنه أنه أحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة، وقيل: ألف امرأة (١). وقال البخاري في "التاريخ": قال أبو نعيم، عن زكريا، عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة، يوم الأربعاء في رجب، سنة تسع وخمسين، فقام المغيرة، وأنا شاهد، فذكر القصة، كذا قال، والصواب: سنة تسع وأربعين. قاله في "الإصابة" (٢). وفي "تهذيب التهذيب": وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفي سنة تسع وأربعين، وهو أميرها. وقال ابن سعد، وأبو حسان الزيادي، وغير واحد: مات سنة

стр. 433

خمسين، ونقل الخطيب الإجماع من أهل العلم على ذلك، وفيها في شعبان أرخه ابن حبان. وقال ابن عبد البر: مات سنة إحدى وخمسين. أخرج له الجماعة، وله (١٣٦) حديثًا، اتّفق الشيخان على تسعة منها، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير ميمون، فما أخرج له البخاري في "الصحيح"، وأخرج له مسلم في هذا الباب فقط. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شعبة، فواسطيّ، ثم بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، قال النووي رحمه اللهُ تعالى: وهذا كثير، وقد يروي ثلاثة تابعيّون بعضهم عن بعض، وهو أيضًا كثير، لكنه دون الأول، وقد يووي أربعة تابعيون بعضهم عن بعض، وهذا قليل جدّا، وكذلك وقع مثل هذا في الصحابة ﵃، صحابي عن صحابي كثير، وثلاثة صحابة بعضهم عن بعض، وأربعة بعضهم عن بعض، وهو قليل جدّا، وقد جمعت أنا الرباعيات من الصحابة والتابعين في أول شرح "صحيح البخاري" بأسانيدها، وجمل من طُرفها. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم. وقد بيّن السيوطي رحمه اللهُ تعالى أمثلة هذا النوع في كتابه "تدريب الراوي" ٢/ ٣٨٦، حيث قال: النوع (السادس والسابع والسبعون): رواية الصحابة بعضهم عن بعض، والتابعين بعضهم عن بعض، هذان ذكرهما البلقيني في "محاسن الاصطلاح"، وقال: إنهما مهمان؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة، ورواية أتباع التابعين عن التابعين، فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف الغالب، قال: ومن أمثلة الأول حديث اجتمع فيه أربعة صحابة، وهو حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله ين السعدي، عن عمر بن الخطاب، مرفوعا: "ما جاءك الله به من هذا المال عن غير إشراف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". وحديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقداد بن معدي كرب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو مرعوب، متغير اللون، فقال: "أطيعوني ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه". وحديث اجتمع فيه

стр. 434

أربع من نساء الصحابة، اثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي ﷺ ، وهو ما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، قالت: أتيت رسول الله ﷺ يوما، محمرا وجهه، وهو يقول: "لا إله إلا الله - ثلاث مرات- ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد عشرا"، قلت: يا رسول الله ﷺ ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث الثلاثة في جزء. قال السيوطي: وقع في بعض الأجزاء حديثٌ اجتمع فيه خمسة من الصحابة، ثم أخرج بسنده عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر الصديق، عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ : "الموت كفارة لكل مسلم". انتهى كلام السيوطيّ ببعض اختصار وقال في "ألفية الحديث" مشيرًا إلى هذا: وَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ فِي سَنَدِ ... وَخَمْسَةٌ وَبَعْدَهَا لَمْ يُوجَدِ وعلّق العلامة أحمد محمد شاكر رحمه اللهُ تعالى فيما كتبه على "ألفية المصطلح" للسيوطي على الحديث المذكور أخيرًا: ما نصّه: هكذا نقله الناظم في "التدريب" عن بعض الأجزاء، ورواه بإسناده هو، ولم يتكلّم على إسناده من صحّة، أو ضعف، وقد نقل المتن في "الجامع الصغير"، ورمز له بأنه رواه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب" من حديث أنس، وأطال القول فيه في "اللآلىء المصنوعة" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ وكل طرقه التي ذكرها من حديث أنس، ولم يذكر أنه جاء من رواية بلال، وكذلك نسبه العجلوني في "كشف الخفا" ٢/ ٢٨٩ للبيهقي والقضاعي، ولم أجد له إسنادًا عن بلال إلا الذي رواه به الناظم، وهو إسناد يحتاج إلى نظر كثير. انتهى كلام أحمد شاكر رحمه اللهُ تعالى. ومنها: قوله -بعد ذكر إسناديه إلى الصحابيين-: قالا: قال رسول الله ﷺ ذلك، ففيه تقديم المتن على الإسناد، وهو جائز، قال في "التقريب"، وشرحه "التدريب": إذا قدّم الراوي المتن على الإسناد، كقال رسول الله ﷺ كذا، ثم يذكر الإسناد بعده، أو قدّم بعض المتن، وأخّر الإسناد، كرَوَى نافع عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ كذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان، عن فلان حتّى يتّصل بما قدّمه صحّ، وكان مُتّصلًا، فلو أراد من سمعه هكذا تقديمَ جميع الإسناد، بأن يبدأ به أوّلًا، ثم يذكر المتن، فجوّزه بعض أهل الحديث من المتقدّمين، قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "الإرشاد":

стр. 435

وهو الصحيح. وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون فيه خلاف، كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعض، فإن الخطيب حكى فيه المنع؛ بناء على منع الرواية بالمعنى، والجوازَ بناء على جوازها. وتعقّبه البلقينيّ، فقال: هذا التخريج ممنوع، والفرق أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدّي إلى الإخلال بالمقصود في العطف، وعود الضمير، ونحو ذلك، بخلاف تقديم السند كله، أو بعضه، فلذلك جاز فيه، ولم يتخرّج على الخلاف. انتهى ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقُّبُ البلقينيّ رحمه اللهُ تعالى هذا وجيه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: نقل في "التدريب" عن الحافظ رحمه الله تعالى أنه قال: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة رحمه الله تعالى إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدىء به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرّح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حلّ منه، فحينئذ ينبغي أن يُمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. انتهى (٢). وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في "ألفية الحديث"، فقال: وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ ... ثُمَّ يُتِمُّهُ أَجِزْ فَإِنْ يُرَدْ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ ... جَوَازُهُ كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُؤَخِّرُ (٣) السَّنَدْ ... حَيْثُ مَقَالٌ فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٢ - (بَابٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ) قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٢ - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ ابْنِ حِرَاشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ").

стр. 436

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) واسمه عبد الله بن محمد، تقدّمت ترجمته في السند الماضي. ٢ - (محمد بن المثنّى) بن عُبيد بن قيس بن دينار الْعَنَزِيّ -بفتح النون والزاي- أبو موسى الحافظ الثقة الثبتٌ البصريّ المعروف بالزَّمِن، مشهور بكنيته، وباسمه، وكان هو وبُنْدار فَرَسي رِهان، وماتا في سنة واحدة. رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، وخالد بن الحارث، ويزيد بن زريع، وحسين بن حسن البصري، ومعتمر، وحفص بن غياث، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حالم، والذُّهلي وبَقِيّ بن مَخْلَد، وزكرياء الساجي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: ثقة، وقال أبو سعد الهروي: سألت الذهلي عنه؟ فقال: حجة. وقال صالح بن محمد: صدوق اللَّهجَة، وكان في عقله شيء، وكنت أقدمه على بندار. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى، ويحيى بن حكيم. وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه. وقال أبو الحسين السمناني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى على بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا. وقال ابن عقدة: سمعت ابن خِرَاش يقول: ثنا محمد بن المثنى، وكان من الأثبات. وقال الذهلي: حجة. وقال السلمي عن الدارقطني: كان أحد الثقات، وقدّمه على بندار، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما؟ فقال ثقتان، يُقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر. قال: وكان في أبي موسى سلامة. وقال مسلمة: ثقة مشهور من الحفاظ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان صاحب كتاب، لا يقرأ إلا من كتابه. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا احتج سائر الأئمة بحديثه، وُلد سنة سبع وستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين في ذي القعدة، ويقال: مات سنة إحدى وخمسين، ويقال: سنة خمسين. روى عنه الجماعة. وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاريّ مائة حديث وثلاثة أحاديث، ومسلم سبعمائة واثنتين وسبعين حديثا (١).

стр. 437

وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة. ٣ - (ابن بشّار) هو محمد بن بشّار بن عثمان بن داود بن كيسان الْعَبْديّ، أبو بكر الحافظ الثقة الثبت البصريّ، بُنْدار. رَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، وغندر، وروح بن عُبَادة، وحَرَمي بن عُمارة، وابن أبي عدي، ومعاذ بن هشام، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي داود الطيالسي، ويزيد ابن زريع، ويزيد بن هارون، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر المروزي، وزكرياء السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد، وابن ناجية، وإبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، وزكرياء الساجي، وأبو خليفة، وابن خزيمة، والسراج، والقاسم بن زكريا المطرز، ومحمد بن المسيب الأرغياني، وابن صاعد، والبغوي، وآخرون. قال ابن خزيمة: سمعت بندارا يقول: اختلف إِلَيَّ يحيى بن سعيد القطان أكثر من عشرين سنة، قال بندار: لو عاش يحيى بعد تلك المدة لكنت أسمع منه شيئا كثيرا. وقال الآجري عن أبي داود: كتبت عن بندار نحوا من خمسين ألف حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئا، ولولا سلامة في بندار ترك حديثه. وقال إسحاق بن إبراهيم الفزاري: كنا عند بندار، فقال في حديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ ، فقال له رجل يَسخَر منه: أعيذك بالله ما أفصحك؟ فقال: كنا إذا خرجنا من عند رَوْح دخلنا إلى أبي عُبيدة، فقال: قد بان ذلك عليك. وقال عبد الله بن محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى، قال ابن سيار: بُنْدار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح؛ لأنه كان لا يقرأ إلا من كتبه، وبندار يقرأ من كل كتاب. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "تسحروا، فإن في السحور بركة"، فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود موقوفا. وقال عبد الله بن الدورقي: كنا عند ابن معين، وجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به، ويستضعفه، قال: ورأيت القواريري لا يرضاه، وقال: كان صاحب حمام، قال الأزدي: وبندار قد كتب عنه الناس، وقبلوه، وليس قول يحيى والقواريري مما يجرحه، وما رأيت أحدا ذكره إلا بخير وصدق. وقال الْبَرْقَاني: سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر البوشنجي يقول: ثنا محمد

стр. 438

ابن إسحاق بن خزيمة، ثنا الإمام محمد بن بشار بندار. وقال العجلي: بصري ثقة كثير الحديث، وكان حائكا. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح لا بأس به. وقال عبد الله بن محمد بن يونس السِّمْنَاني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى على بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا. وقال محمد بن المسيب: سمعته يقول: كتب عني خمسة قرون، وسألوني الحديث، وأنا ابن ثماني عشرة سنة، وقال أيضا: لما مات بندار جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: البشرى مات بندار، فقال: جئت تبشرني بموته؟ ، عليّ ثلاثون حجة إن حَدَّثت أبدًا، فبقي بعده تسعين يوما، ولم يحدث بحديث. وقال ابن خزيمة في "التوحيد": ثنا إمام أهل زمانه محمد بن بشار. وقال البخاري في "صحيحه": كتب إلي بندار، فذكر حديثا مسندا، ولولا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة، مع أنه في الطبقة الرابعة من شيوخه، إلا أنه كان مكثرا، فيوجد عنده ما ليس عند غيره. وقال مسلمة بن قاسم: أنا عنه ابن الْمَهْراني، وكان ثقة مشهورا. وقال الدارقطنيّ: من الحفاظ الأثبات. وقال الذهبي: لم يرحل، ففاته كبار، واقتنع بعلماء البصرة، أرجو أنه لا بأس به. قال السراج: سمعت أبا سيار يقول: سمعت بندارا يقول: وُلدت في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، ومات حماد سنة (١٦٧). وقال البخاري وغير واحد: مات في رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يحفظ حديثه، ويقرأه من حفظه. روى عنه الجماعة. وفي الزهرة روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث ومسلم أربعمائة وستين (١). وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة. ٤ - (غُنْدّر) هو محمد بن جعفر الآتي في السند الثاني -بضمّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال، وحكي ضمها، آخره راء- الهذلي مولاهم، أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس. رَوَى عن شعبة فأكثر، وجالسه نحوا من عشرين سنة، وكان رَبِيبه، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعوف الأعرابي، ومعمر بن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وحسين المعلم، وابن جريج، وهشام بن حسان، وعثمان بن غياث، والثوري، وابن عيينة. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وقتيبة، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وأبو

стр. 439

بكر بن خلاد، ويعقوب الدورقي، وأبو بكر بن نافع العبدي، وآخرون. قال الميموني عن أحمد: غندر أسن من يحيى بن سعيد، سمعته يقول: لزمت شعبة عشرين سنة، لم أكتب من أحد غيره شيئا، وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا. وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: كان من أصح الناس كتابا، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر، وكان يصوم منذ خمسين سنة يوما ويوما لا. قال ابن المديني: هو أحب إليّ من عبد الرحمن في شعبة. وقال ابن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة. وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب. وقال أبو حاتم عن محمد بن أبان البلخي: قال ابن مهدي: غندر أثبت في شعبة مني. وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن غندر؟ فقال: كان صدوقا، وكان مُؤَدِّيًا، وفي حديث شعبة ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابا على غفلة فيه. وقال الْعَيْشِيّ: إنما سماه غندرا ابنُ جريج، كان يُكثر الشَّغَبَ عليه، قال: وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا. وقال أبو بكر الأنباري: ثنا محمد ابن المرزبان، ثنا عباس بن محمد، ثنا يحيى بن معين، قال: اشترى غندر سمكا، وقال لأهله: أَصْلِحُوه ونام، فأكلوا السمك، ولَطَّخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك، فقالوا: قد أكلت، قال: لا، قالوا: فَشُمَّ يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت. وحكى الذهبي في "الميزان" عنه أنه أنكر حكاية السمك، وقال: أما كان يدلُّني بطني. وقال عمرو بن العباس: كتبت عن غندر حديثه كله، إلا حديثه عن ابن أبي عروبة، فإن عبد الرحمن نهاني أن أكتب عنه حديث سعيد، وقال: إن غندرا سمع منه بعد الاختلاط. وقال ابن المديني: كنت إذا ذكرت غندرا ليحيى بن سعيد عَوَّج فمه، كأنه يضعفه. وقال المستملي: محمد بن جعفر غندر كنيته أبو بكر بصري ثقة. وقال محمد بن يزيد: كان فقيه البدن، وكان ينظر في فقه زُفَر. وذكره الخطيب في الرواة عن مالك. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة. قال الحافظ: وروينا في "المجالسة" عن ابن معين: قال: قَدِمْنا على غندر، فقال: لا أحدّثكم حتى تمشوا خلفي، فيراكم أهل السوق، فيكرموني. قال أبو داود، وابن حبان: مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقال ابن سعد: مات سنة (٩٤) وقال: كان ثقة إن شاء الله. وقال البخاري: حدثني محمد ابن المثنى، قال: مات غندر سنة (٩٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤١٤) حديثًا. وجعله في "التقريب" من الطبقة التاسعة. ٥ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور قريبًا.

стр. 440

٦ - (منصور) بن المعتمر تقدّمت ترجمته (١). ٧ - (ربعي (٢) بن حراش (٣)) بن جَحْش بن عمرو بن عبد الله بن بِجَاد العبسيُّ أبو مريم الكوفيّ، قدم الشام، وسمع خطبة عمر بالجابِيَة. رَوَى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعمران بن حصين، وحذيفة ابن اليمان، وطارق المحاربي، وأبي اليسر كعب بن عُمَر السلمي، وأبي مسعود، وخَرَشَة بن الْحُرّ، وعمرو بن ميمون، وغيرهم، ورَوَى عن أبي ذر، والصحيح أن بينهما زيد بن ظَبْيان. ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، وأبو مالك الأشجعي، والشعبي، ونعيم ابن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وعمرو بن هَرِم، وهلال مولاه، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال ابن المديني: بنو حِرَاش ثلاثة: رِبعي، وربيع، ومسعود، ولم يُرْوَ عن مسعود شيء، سوى كلامه بعد الموت (٤). وقال العجلي: تابعي ثقة، من خيار الناس، لم يَكْذِب كَذْبة قط. وقال الأصمعي: أَتَى رجل الحجاج، فقال: إن ربعي بن حراش زعموا لا يكذب، وقد قدم ولداه عاصيين، قال: فبعث إليه الحجاج، فقال: ما فعل ابناك؟ قال: هما في البيت والله المستعان، فقال له الحجاج بن يوسف: هما لك، وأعجبه صدقه. وقال منصور بن المعتمر: سُعي إلى الحجاج بأنك ضربت البعث على ابني ربعي فعصيا، فبعث إليه، فإذا هو شيخ مُنْحَنٍ، فقال: ما فعل ابناك؟ قال: هما في البيت، قال: فحمله وكساه، وأوصى به خيرا. وعن الحارث الغنوي قال: آلى ربعي بن حراش أن لا تَفْتَرّ أسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره؟ قال الحارث: فأخبر الذي غسله أنه لم يزل متبسما على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا منه رحمة الله عليه.

стр. 441

وأخرج أبو نعيم في "الحلية" عن عبيدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: كنا أربعة إخوة، فكان الربيع أكثرنا صلاة وصياما في الهواجر، وإنه توفي، فبينا نحن حوله، قد بعثنا من يبتاع له كفنا، إذ كشف الثوب عن وجهه، فقال: السلام عليكم، فقال القوم: عليكم السلام يا أخا عيسى، أبعد الموت؟ قال: نعم إني لقيت ربي بعدكم، فلقيت ربا غير غضبان، واستقبلني بروح وريحان وإستبرق، ألا وإن أبا القاسم ينتظر الصلاة علي، فعجّلوني، ثم كان بمنزلة حصاة رُمي بها في طست، فنُمي الحديث إلى عائشة ﵂، فقالت: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يتكلم رجل من أمتي بعد الموت" (١). قال أبو نعيم: ورواه عن عبد الملك زيد بن أبي أنيسة، وإسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وابن عيينة، وما رفعه سوى عَبِيدة. وأخرج أبو نعيم أيضًا عن عاصم بن عليّ، عن المسعوديّ، عن عبد الملكَ بن عمير، عن ربعيّ، قال: مات أخ لنا، فسجيناه، فذهبت في التماس كفنه، فرجعت، وقد كشف الثوب، وهو يقول ... فذكر نحوه، وفيه ... "وعدت رسول الله ﷺ أن لا يذهب حتى أُدركه، قال: فما شبهت خروج نفسه إلا كحصاة ألقيت في ماء فرسبت، فذكر ذلك لعائشة ﵂، فقالت: قد كنا نتحدث أن رجلا من هذه الأمة يتكلم بعد الموت (٢). وقال أبو نعيم وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال أبو عبيد: مات سنة مائة. وقال ابن نمير: سنة (١٠١). وقال ابن معين وغيره: سنة (١٠٤). وقال ابن سعد: توفي بعد الجماجم في ولاية الحجاج بن يوسف، وليس له عقب، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع ربعي من عمر؟ فقال: نعم. وقال اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال الدُّوري: سئل ابن معين: سمع ربعي من أبي اليسر؟ فقال: لا أدري. وقال حجاج: قلت لشعبة: أدرك ربعي عليا؟ قال: نعم. وقال ابن عساكر في "الأطراف": لم يسمع من أبي ذر. انتهى. قال الحافظ: وإذا ثبت سماعه من عمر، فلا يمتنع سماعه من أبي ذر. انتهى (٣). وقال في "التقريب": مخضرم ثقة عابد، من الطبقة الثانية.

стр. 442

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٨ - (عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن، أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، وُلد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّي في حجر النبي ﷺ ، ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأحد من الصحابة ما نُقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بُغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته، وكلما أرادوا إخماده، وهدّدوا مَنْ حدّث بمناقبه، لا يزداد إلا انتشارا، وقد وَلَّد له الرافضة مناقب موضوعة، هو غنيّ عنها، وتتبع النسائي ما خُصّ به من دون الصحابة، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، بأسانيد أكثرها جياد، روى عن النبي ﷺ كثيرا، وروى عنه من الصحابة ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو رافع، وابن عمر، وأبو سعيد، وصهيب، وزيد بن أرقم، وجرير، وأبو أمامة، وأبو جحيفة، والبراء ابن عازب، وأبو الطفيل، وآخرون. ومن التابعين من المخضرمين، أو من له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسعود بن الحكم، ومروان بن الحكم، وآخرون. ومن بقية التابعين عدد كثير، من أجلهم أولاده: محمد، وعمر، والعباس، وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام. حتى قال فيه أَسِيد بن أبي إياس بن زُنيمِ الكناني قبل أن يُسلِم يُحَرِّض عليه قريشا، ويُعَيِّرهم به، وكان أحد الشُّورى الذين نصَّ عليهم عمر، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان، فقبلها فولاه، وسَلَّم علي، وبايع عثمان، ولم يزل بعد النبي ﷺ متصديا لنشر العلم والْفُتيا، فلما قُتل عثمان بايعه الناس، ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم: طلحة، والزبير، وعائشة ﵂ في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر، ثم قام معاوية في أهل الشام، وكان أميرها لعثمان، ولعمر من قبله، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأى علي أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان، فيدعي به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم، واقتلهم، فيرى أن القصاص بغير دعوى، ولا إقامة

стр. 443

بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم -ولله الحمد-. ومن خصائص علي ﵁ قوله ﷺ يوم خيبر: "لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه"، فلما أصبح رسول الله ﷺ ، غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب؟ "، فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتى به، فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ، فأعطاه الراية. أخرجاه في "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد، ومن حديث سلمة بن الأكوع نحوه باختصار، وفيه: "يفتح الله على يديه". وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم نحوه، وفيه: فقال عمر: "ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم". وفي حديث بُرَيَدَة عند أحمد نحو حديث سهل، وفيه زيادة في أوله وفي آخره قصة مرحب، وقتل علي له، فضربه على هامته ضربة، حتى عض السيف منه بيضة رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما قام آخر الناس حتى فتح الله لهم. وفي "المسند" لعبد الله بن أحمد بن حنبل من حديث جابر أن النبي ﷺ لما دفع الراية لعلي ﵁ يوم خيبر أسرع، فجعلوا يقولون له: ارفُق حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلا حتى أعادوه، وفي سنده حرام بن عثمان متروك. وجاءت قصة الباب من حديث أبي رافع، لكن ذكر دون هذا العدد. وأخرج أحمد والنسائي من طريق عمرو بن ميمون: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه سبعة رهط، فذكر قصة فيها قد جاء ينفض ثوبه، فقال: وقعوا في رجل له عِزّ، وقد قال النبي ﷺ : "لأبعثن رجلا لا يُخزيه الله، يحب الله ورسوله"، فجاء وهو أرمد، فبزق في عينيه، ثم هَزّ الراية ثلاثا فأعطاه، فجاء بصفية بنت حيي، وبعثه يقرأ براءة على قريش، وقال: "لا يذهب إلا رجل مني وأنا منه"، وقال لبني عمه: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " فأبوا، فقال علي: أنا، فقال: "إنه وليي في الدنيا والآخرة". وأخذ رداءه، فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣] ولبس ثوبه ونام مكانه، وكان المشركون قصدوا قتل النبي ﷺ ، فلما أصبحوا رأوه، فقالوا: أين صاحبك؟ . وقال له في غزوة تبوك: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي"، متّفقٌ عليه. وقال له: "أنت ولي كل مؤمن من بعدي" (١). وسد الأبواب إلا باب علي (٢)، فيدخل المسجد جنبا،

стр. 444

وهو طريقه، ليس له طريق غيره، وقال: "من كنت مولاه فعليّ مولاه" (١)، وأخبر الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فهل حدثنا أنه سَخِط عليهم بعد. وقال ﷺ : "يا عمر ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم"، متّفق عليه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به. وقال وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني، وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار. وأخرج الترمذي بسند قوي، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية سعدا، فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله ﷺ ، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم، فلن أسبّه، سمعت رسول الله ﷺ يقول، وقد خَلّفه في بعض المغازي، فقال له علي: يا رسول الله ﷺ ، تُخَلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي"، وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فتطاولنا لها، فقال: "ادعوا لي عليا"، فأتاه وبه رَمَدٌ، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، وأنزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، فدعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هولاء أهلي". وأخرج أيضا، وأصله في مسلم، عن علي قال: لقد عَهِدَ إليّ النبي ﷺ أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق". وأخرج الترمذي بإسناد قوي، عن عمران بن حصين، في قصة قال فيها: قال رسول الله ﷺ : "ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي". وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي، قال: قيل: يا رسول الله ﷺ من تؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا، لا يخاف في الله لومه لائم، وإن تؤمروا عليا، وما أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم". وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر؛ لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين، ثم

стр. 445

أقام سنتين يحرض على قتال البغاة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن مات (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللهُ تعالى. (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ الذين يروي عنهم الجماعة أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وهم تسعة، جمعتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ ... ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ ... الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ ... نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا ... ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، إلا شيخه الأول، فهو والباقون كوفيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، عند من قال: إن منصورًا تابعيّ صغير، كما ذكر ذلك الحافظ في "الفتح". (ومنها): أن غُندرًا لقب لمحمد بن جعفر، كما تقدّم، وقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "شرحه": هو بضمّ الغين المعجمة، وإسكان النون، هذا هو المشهور فيه، وذكر الجوهريّ في "صحاحه" أنه يقال بفتح الدال وضمها. وروينا عن عبيد الله بن عائشة ﵂ عن بَكْر بن كلثوم السلمي، قال: قدم علينا ابن جريج البصرة، فاجتمع الناس عليه، فحدّث عن الحسن البصريّ بحديث، فأنكره الناس عليه، فقال ابن عائشة ﵂ إنما سماه غندرًا ابنُ جريج في ذلك اليوم كان يُكثر الشغب عليه، فقال: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمّون المشغب غندرًا. انتهى (٢). وقال في "القاموس": غلامٌ غُنْدَر كجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمين غليظ ناعم، ويقال لِلْمُبْرِم الْمُلِحّ: يا غُندر، وهو لقب محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر السؤال في مجلسَ ابن جُريجٍ، فقال له: ما تُريدُ يا غُندر، فلزمه. انتهى (٣). ومنها: أنه ليس في "الصحيحين" "حِرَاش" بالحاء المهملة، سوى والد رِبعيّ بن حِرَاش هذا، وزادوا مما ليس فيهما حِرَاش بن مالك، معاصر لشعبة، سمع يحيى بن عُبيد، ومن عداهما كلّه "خِرَاش" بالخاء المعجمة، وإليه أشار السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في "ألفية الحديث، حيث قال:

стр. 446

حِرَاشٌ بْنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ ... رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ ومنها: أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وابن عمّ رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵂، واشتهر بلقب أبي تراب، لقّبه به النبيّ ﷺ ، وكان أحبّ اللقب إليه، وسبب تلقيبه به هو ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن سهل بن سعد ﵁، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة، فلم يجد عليا في البيت، فقال: "أين ابن عمك؟ "، قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج فلم يَقِل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو؟ "، فجاء، فقال: يا رسول الله ﷺ هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه، ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب". والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ رِبْعِيِّ) بكسر، فسكون، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر: أي حال كون منصور راويًا عن رِبْعيّ (بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة (أنه سمِع) بكسر الميم، يقال: سمعه، وسمع له سَمْعًا، وتسمّع، واستمع كلّها يتعدّى بنفسه، وبالحرف بمعنى، واستمع لما كان بقصد؛ لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، وسَمِع يكون بقصد وبدونه. ويقال: سمعت كلامه: أي فهمت معنى لفظه، فإن لم تفهمه لبُعْدٍ، أو لغط، فهو سماع صوت، لا سماع كلام، فإن الكلام ما دلّ على معنى تتمّ به الفائدة، وهو لم يسمع ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: إن كان يسمع الخطبة؛ لأنه الحقيقة فيه، وجاز أن يُحمل ذلك على من يسمع صوت الخطيب مجازًا. أفاده الفيّوميّ (١) (عليّا) أي ابن أبي طالب (﵁ يخطب) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونه يخطب الناس. [تنبيه]: كون جملة "يخطب" حالًا هو الذي عليه جمهور النحاة، وأجاز الأخفش، وابن مالك، وجماعة، كونها مفعولًا ثانيًا لسمع، فقد عدُّو من أخوات "ظنّ" "سمع" المتعلّقة بذات مُخْبَر عنها بفعل دلّ على صوت، مثل "سمعت زيدًا يتكلّم"، فـ"زيدا" مفعول أولُ، و "يتكلَّم" مفعول ثانٍ، بخلاف المتعلّقة بمسموع، كقولك: "سمعت كلام زيد"، فإنها تتعدّى لمفعول واحد فقط، وقال الجمهور: لا تتعدّى مطلقًا إلا لواحد، كسائر أفعال الحواسّ، فإن كان مما يُسمع فذاك، وإلا ففيه مضاف محذوف، والفعل بعده

стр. 447

حالٌ، أي سمعت صوت زيد، حال كونه يتكلّم (١). والله تعالى أعلم. (قَالَ) أي عليّ ﵁، والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يخطب" (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَكْذِبُوا) بكسر الذال المعجمة، يقال: كذب يكذب من باب ضرب، كَذِبًا بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف (٢) مع سكون الذال، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء كان عمدًا، أو خطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة، لكن الإثم يتبع العمد. أفاده الفيّوميّ. وقال القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى في "المفهم": الكذب لغة هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، غير أن المحرّم شرعًا المستقبح عادةً هو العمد المقصود إلا ما استثني على ما يأتي، ويقال: كذب بمعنى أخطأ، وأصل الكذب في الماضي، والخلف في المستقبل، قاله ابن قتيبة، وقد جاء الكذب في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ويقال: كذب الرجل بفتح العين (٣) يكذب بكسرها كِذْبًا بكسر الكاف، وسكون الذال، وكَذِبًا بفتح الكاف، وكسر الذال، فأما كِذَاب المشدّد، فأحد مصادر كذّب بالتشديد. انتهى كلام القرطبيّ (٤). وقال النوويّ رحَمه اللهُ تعالى في "شرحه": وأما الكذب فهو عند المتكلّمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، هذا مذهب أهل السنّة. وقالت المعتزلة: شرطه العمدية، ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإنه ﷺ قيّده بالعمد لكونه قد يكون عمدًا، وقد يكون سهوًا، مع أن الإجماع، والنصوص المشهورة في الكتاب والسنّة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط، فلو أطلق ﷺ الكذب لتُوهّم أنه يأثم الناسي أيضًا، فقيّده، وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيّدة بالعمد. والله تعالى أعلم. انتهى (٥). (عَلَيَّ) متعلّق بـ"تكذبوا" (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، أي لأنه (مَنْ) شرطيّة، ولذا جزم الفعل بعدها، وهي مبتدأ، وقد اختُلف في خبرها، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هما معًا (٦). (يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ) أي يدخل النار، يقال: وَلَج الشيءُ في غيره يَلِجُ من باب وعد وُلُوجًا: إذا دخل، وأولجته إيلاجًا: إذا أدخلته.

стр. 448

والفعل مجزوم على أنه جواب الشرط، وإنما كسرت الجيم لالتقاء الساكنين. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يُجازَى به، وقد يعفو الله الكريم عنه، ولا يُقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يجازى، وقد يُعفَى عنه، ثم إن جوزي، وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لا بد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة، وسيأتى دلائلها في "كتاب الإيمان" قريبا، إن شاء الله تعالى. انتهى (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى: صدر هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامّ في كلّ كاذب على رسول الله ﷺ ، ومطلق في أنواع الكذب، ولَمّا كان كذلك هاب قوم من السلف الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، كعمر، والزبير بن العوّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز (٢) ﵃ أجمعين، فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا، وحدّثوا قليلًا، كما صرّح الزبير ﵁ بذلك لَمّا قال له ابنه عبد الله ﵁: إني لا أسمعك تُحدّث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أكن أفارقه، ولكنّي سمعته يقول: "من كذب عليّ، فليتبوّأ مقعده من النار" (٣). وقال أنس ﵁: "إنه ليمنعني أن أُحدّثكم حديثًا كثيرًا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب عليّ ... " الحديث (٤). ومنهم من سمع، وسكت، كعبد الملك بن إياس، وكأنّ هؤلاء تخوّفوا من إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط، فقلّلوا، أو سكتوا، غير أن الجمهور خصّصوا عموم هذا الحديث، وقيّدوا مُطلقه بالأحاديث التي ذُكر فيها "متعمّدًا"، فإنه يُفهم منها أن ذلك الوعيد الشديد إنما يتوجّه لمن تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وهذه الطريقة هي المرضيّة؛ فإنها تجمع بين مختلفات الأحاديث؛ إذ هي تخصيص العموم، وحملُ المطلق على المقيّد مع اتّحاد الموجِب والموجَب، كما قَرّرناه في الأصول. هذا مع أن القاعدة الشرعيّة القطعيّة تقتضي أن المخطىء والناسي غير آثمين، ولا مؤاخذين، لا سيّما بعد التحرّز والحذر. انتهى كلام القرطبيّ (٥)، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 449

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في تخريجه: حديث عليّ ﵁ هذا أخرجه المصنف هنا بالإسناد المذكور فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "العلم" ١/ ٣٨ رقم ١٠٣ عن عليّ بن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عن ربعيّ بن حِراش، عن عليّ ﵁. وأخرجه (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٦٠) عن إسماعيل ابن موسى الفزاريّ، عن شريك بن عبد الله، عن منصور به. و (٣٧١٥) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شريك به. و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٣١) عن عبد الله بن عامر ابن زُرارة، وإسماعيل بن موسى، جميعًا عن شريك به. و (أحمد) في "مسند العشرة" ١/ ٨٣ (٦٢٩) و ١/ ١٢٣ (١٠٠٠) عن يحيى القطان، عن شعبة به و ١/ ٨٣ (٦٣٠) عن حسين، عن شعبة به. و ١/ ١٢٣ (١٠٠٠) عن حجاج، عن شعبة و ١/ ١٢٣ (١٠٠١) و ١/ ١٥٠ (١٢٩١) عن محمد بن جعفر، عن شعبة به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: منها: تعظيم تحريم الكذب على رسول الله ﷺ ، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، واختُلف هل يكفر به أم لا؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن فيه تثبيت القاعدة السابقة، وهي أن الكذب يتناول إخبار العامد والساهي عن الشيء بخلاف ما هو. ومنها: أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما كان في غير الأحكام، كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكلّه حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يُعتدّ بهم في الإجماع، وخالف في ذلك الكرّاميّة الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وسيأتي تفنيد هذا الزعم الباطل قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في بيان عِظَم هذا الحديث، وقوّة درجته: اعلم: أن هذا الحديث حديث عظيم في نهاية من الصحّة، وقيل: إنه متواتر، ذكر أبو بكر البزار في "مسنده" أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين نفسا من الصحابة ﵃. وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في "شرحه لرسالة الشافعيّ" رحمهما الله أنه رُوي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده عدد من رواه، فبلغ بهم سبعة وثمانين، ثم قال: وغيرهم. وذكر بعض الحفاظ أنه رُوي عن اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يُعرف حديث

стр. 450

اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يُروَى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ثم لم يزل فى ازدياد. وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فى "صحيحهما" من حديث علي، والزبير، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، وأما إيراد أبي عبد الله الحميدي صاحب "الجمع بين الصحيحين" حديث أنس ﵁ في إفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولا يُعرف حديث اجتمع عليه العشرة الخ" فيه نظر، فقد ردّه جماعة من العلماء، منهم الحافظ العراقيّ، قال: وليس كذلك، فقد ذكر الحاكم والبيهقيّ أن حديث رفع اليدين في الصلاة رواه العشرة، وقالا: ليس حديثٌ رواه العشرة غيره، وذكر أبو القاسم بن منده أن حديث المسح على الخفّين رواه العشرة أيضًا. وإلى هذا أشرت في نظمي "الجليس الأمين" بقولي: وَمَنْ يَقُلْ مَا اجْتَمَعَ الْعَشَرَةُ ... إِلَّا عَلَى ذَا رَدُّهُ جَمَاعَةُ إِذْ عَنْهُمُ رَفعُ الْبَدَيْنِ وَارِدُ ... كَذَاكَ مَسْحُ الْخُفِّ خُذْ يَا رَاشِدُ وقوله: "رواه مائتان" تعقّبه الحافظ العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى، وقال: وأنا استبعد وقوع ذلك. وقال الحافظ السخاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: ولعله سبق قلم من مائة. قال العراقيّ: وليس التواتر في هذا المتن بعينه، وإنما هو في مطلق الكذب، والخاصّ بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيّا، ثم ساقهم، فقال: العشرة المشهود لهم بالجنة، أسامة "قا"، أنس بن مالك ﵁ "خ م"، أوس بن أوس "طب"، البراء بن عازب "طب"، بريدة "عد"، جابر بن حابس، "نع"، جابر بن عبد الله "م"، حذيفة بن أسد "طب"، حذيفة بن اليمان "طب"، خالد بن عرطفة "حم"، رافع بن خديج "طب"، زيد بن أرقم "حم"، زيد بن ثابت "خل"، السائب بن يزيد "طب"، سعد بن المدحاس "خل"، سفينة "عد"، سليمان بن خالد الخزاعي "قط"، سلمان الفارسي "قط"، سلمة بن الأكوع "خ"، صهيب بن سنان "طب"، عبد الله بن أبي أوفى "قا"، عبد الله بن زغب "نع"، ابن الزبير "قط"، ابن عباس "طب"، بن عمر "حم"، ابن عمرو "خ"، ابن مسعود "ت ن"، عتبة بن غزوان "طب"، الْعُرْس بن عَمِيرة "طب"، عفان بن حبيب "ك"، عقبة بن عامر "حم"، عمار بن ياسر "طب"، عمران بن حصين "ن"، عمرو بن حريث "طب"، عمرو بن عبسة "طب"، عمرو بن عوف "طب"، عمرو بن مرّة الجهني "طب"، قيس بن سعد بن عبادة "حم"، كعب بن قطبة "خل"، معاذ بن جبل "طب"، معاوية بن حيدة "خل"، معاوية بن أبي سفيان "حم"، المغيرة بن

стр. 451

شعبة "نع"، المنقع التميمي "خل"، نُبَيْط بن شَرِيط "طب"، واثلة بن الأسقع "عد"، يزيد ابن أسد "قط"، يعلى بن مرة "مي"، أبو أمامة "طب"، أبو الحمراء "طب"، أبو ذر "قط"، أبو رمثة "قط"، أبو سعيد الخدري "حم"، أبو قتادة" (١)، أبو قرصافة "عد"، أبو كبشة الأنماري "خل"، أبو موسى الأشعري "طب"، أبو موسى الغافقي "حم"، أبو ميمون الكردي "طب"، أبو هريرة" (٢)، والدأبي العشراء الدارمي "خل"، والدأبي مالك الأشجعي "بز"، عائشة "قط"، أم أيمن "قط" ﵃ أجمعين. قال: وقد أعلمت على كل واحد رمز من أخرج حديثه من الأئمة "حم" لأحمد في "مسنده"، و "طب" للطبراني و "قط" للدارقطني، و "عد" لابن عدي في "الكامل"، و "بز" لمسند البزار، و "قا" لابن قانع في "معجمه"، و "خل" للحافظ يوسف بن خليل في كتابه الذي جمع فيه طرق هذا الحديث، و "نع" لأبي نعيم، و "مي" لمسند الدارمي، و "ك" لـ "مستدرك الحاكم"، و "ت" للترمذي، و "ن" للنسائي، و "خ م" للبخاري ومسلم. انتهى. وقد ذكر ابن الجوزيّ رحمهُ اللهُ تعالى أنه روي عن ثمانية وتسعين من الصحابة، وقد نظمت ما قاله ابن الجوزيّ في كتابي "تذكرة الطالبين"، فقلت: وَقَدْ تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ... عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصِّحَابِ تُنْتَخَبْ وَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ عَنْ تِسْعِينَ جَا ... مَعَ الثَّمَانِيَةِ نِعْمَ مَنْهَجَا فَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْبَرَرَةُ ... وَنَجْلُ مَسْعُودٍ صُهَيْبٌ عُقْبَةُ سَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَابْنُ عُمَرِ ... عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ وَعُتْبَةُ السَّرِي عُتْبَةُ عَمَّارٌ مُعَاذٌ جُنْدَبُ ... أَبُو قَتَادَةَ أُبَيٌّ يَصْحَبُ وَابْنُ الْيَمَانِ جَابِرُ (٣) بْنُ سَمُرَهْ ... وَجَابِرُ بْنُ عَابِسٍ قَدْ ذَكَرَهْ وَابْنُ أُسَيْدٍ وَابْنُ عَمْرٍ وَالْبَرَا ... أَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ يُرَى وَرَافِعٌ سَفِينَةٌ مُغِيرَةُ ... زَيْدٌ وَزَيْدٌ (٤) أَنَسٌ سَلَمَةُ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا ... عَمْرٌو وَسَائِبٌ أُسَامَةُ احْتَذَا وَنَجْلُ حَيْدَةَ ونَجْلُ صَخْرِ ... عَمْرٌو وَجَهْجَاهٌ بُرَيْدَةُ ادْرِ وَجُنْدَعٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَاثِلَهْ ... كَذَا أَبُو كَبْشَةَ قَيْسٌ نَافِلَهْ

стр. 452

وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَعَمْرٌو أَوْسُ ... أَبُو أُمَامَةَ وَسَعْدٌ عُرْسُ وَالأَشْعَرِي وَالْغَافِقِي وَالْخَطْمِي ... كَذَا أَبُو رَافِعِهِمْ وَالتَّيْمِي جَنْدَرَةٌ وَخَالِدٌ وَطَارِقٌ ... عَمْرٌو وَكَعْبٌ وَنُبَيْطٌ لَاحِقُ يَعْلَى وَمُرَّةُ كَذَا نَجْلُ صُرَدْ ... عَفَّانُ عَبْدُ اللهِ نِعْمَ الْمُسْتَنَدْ يَزِيدُ وَالْمُنْقَعُ وَابْنُ خَالِدِ ... وَابْنُ جَرَادٍ ثُمَّ الازْدِي يَقْتَدِي وَرَجُلٌ مِنْ أَسْلَمٍ مَعْ آخَرَا ... قَدْ صَحِبَا النَّبِيَّ نِعْمَ مَتْجَرَا عَائِشَةٌ وَحَفْصَةٌ قَدْ رَوَتَا ... لأُمِّ أَيْمَنَ كَذَاكَ ثَبَتَا وَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ قَدْ أَسْنَدَ مَا ... لِهُؤلاءِ مِنْ أَحَادِيثَ انْتَمَى وَقَالَ قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَالِكُ ... سَهْلٌ مُعَاذٌ وَحَبِيبٌ سَالِكُ كَذَا أَبُو بَكْرَةَ سَهْلٌ سَبْرَةُ ... كَذَا أَبُو هِنْدٍ رَوَى وَخَوْلَةُ النَّوَوِي عَنْ مِائَتَيْنِ وَارِدُ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ قَالَ ذَا مُسْتَبْعَدُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في حكم الكذب في حديث رسول الله ﷺ -: اعلم: أن الكذب حرام بالإجماع مطلقًا (١)، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب، إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف، وقال الشيخ أبو محيد الجويني، والد إمام الحرمين أبي المعالى، من أئمة الشافعية يكفر بتعمد الكذب عليه ﷺ ، حكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه كان يقول في درسه كثيرا: من كَذَب على رسول الله ﷺ عمدا كفر، وأريق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنه هفوة عظيمة، والصواب ما قدمناه عن الجمهور. ذكره النوويّ في "شرحه" لهذا الكتاب (٢). وقال الإمام النوويّ أيضًا: لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه، كالترغيب والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين، الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع، خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة، في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة، الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، أو ينسبهم جهلة مثلهم، وشُبهةُ زعمهم الباطل أنه جاء في رواية: "من كذب عليّ متعمدا -

стр. 453

ليضل به الناس- فليتبوأ مقعده من النار"، وزعم بعضهم أن هذا كَذِبٌ له ﵊، لا كذب عليه، وهذا الذي انتحلوه، وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة، ونهاية الغفلة، وأدل الدلائل على بُعْدِهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جُمَلًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة، وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الْحَلّ والْعَقْد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات، في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرعٌ، وكلامه وَحْيٌ، وإذا نُظِر في قولهم وُجد كذبا على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣]. ومن أعجب الأشياء قولهم: هذا كذب له، وهذا جهل منهم بلسان العرب، وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه. وأما الحديث الذي تعلقوا به، فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحسنها، وأخصرها، أن قوله: "ليضل الناس" زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال. الثاني: جواب أبي جعفر الطحاوي أنها لو صحت لكانت للتأكيد، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. الثالث: أن اللام في "ليضل" ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه أن عاقبة كذبه، ح ومصيره إلى الإضلال به، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، ونظائره في القرآن، وكلام العرب أكثر من أن يُحصَر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا. وعلى الجملة مذهبهم أَرَكّ من أن يُعتنَى بإيراده، وأبعد من أن يُهتَمَّ بإبعاده، وأفسدُ من أن يُحتاج إلى إفساده. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى (١). وقال العلّامة ابن عراق رحمهُ اللهُ تعالى: أجمع المسلمون -كما قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى- الذين يُعتد بهم على تحريم تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى أنه من الكبائر؛ لخبر: "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجوينيّ، فكفّر به. ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهَمَذانيّ، شيخ ابن عقيل من

стр. 454

الحنابلة أنه وافق الجوينيّ على هذه المقالة. وقال الحافظ الذهبيّ في "كتاب الكبائر" له: ولا ريب أن تعمّد الكذب على الله تعالى، وعلى رسول الله ﷺ في تحريم حلال، أو تحليل حرام كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليهما فيما سوى ذلك. والله تعالى أعلم. وقد جوّزت الكرّاميّة، وبعض المتصوّفة، كما قال الحافظ ابن حجر الكذب، قال الغزاليّ: وهذا من نزغات الشيطان، ففي الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى، ورسوله ﷺ غُنية عن الاختراع في الوعظ. وقد أولوا حديث: "من كذب عليّ، متعمدًا الخ" بتأويلات باطلة: [أحدها]: أن ذلك إنما ورد في رجل معيّن، ذهب إلى قوم، وادّعى أنه رسول رسول الله ﷺ إليهم، يحكم في دمائهم، وأموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله، وقال: "من كذب عليّ ... " الحديث (١). [الثاني]: أنه في حقّ من كذب عليه يقصد به عيبه، أو شين الإسلام، وتعلّقوا في ذلك بما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بين عيني جهنم"، قال: فشقّ ذلك على أصحابه، حتى عرف في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله ﷺ ، قلت هذا، ونحن نسمع منك الحديث، فنزيد، وننقص، ونقدّم، ونؤخّر، فقال: "لم أعنِ ذلك، ولكن عنَيتُ من كذب عليّ، يريد عيبي، وشين الإسلام". [الثالث]: أنه إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب، فإنه كَذِبٌ للنبيّ ﷺ ، لا عليه. [الرابع]: أنه ورد في بعض طرق الحديث: "من كذب عليّ متعمّدًا؛ ليضلّ به الناس، فليتبوّأ مقعده من النار"، فتُحمل الروايات المطلقة عليه.

стр. 455

[والجواب عن هذه الشُّبَه ما يلي]: أما شبهتهم الأولى، فجوابها أن السبب المذكور لم يثبت إسناده، وبتقدير ثبوته، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وأما الشبهة الثانية: فجوابها أن الحديث باطل، كما قاله الحاكم، ففي إسناده محمد بن الفضل بن عطيّة، اتّفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم منها، وفي الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب. وأما الشبهة الرابعة: فجوابها أن أئمة الحديث اتّفقوا على أن زيادة: "ليضلّ به الناس" ضعيفة، وبتقدير صحتها لا تعلّق لهم بها؛ لأن اللام في قوله: "ليضلّ" لام العاقبة، لا لام التعليل، أو هي للتأكيد، ولا مفهوم لها، وعلى هذين الوجهين خُرّج قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٤]؛ لأن افتراء الكذب على الله تعالى محرّم مطلقًا، سواء قُصد به الإضلالا أم لا. انتهى كلام ابن عراق رحمهُ اللهُ تعالى (١). وإلى هذا كلّه أشرت في منظومتي "تذكرة الطالبين"، فقلت: وَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا قَدْ وَضَعُوا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ ... لِلنَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلِلتَّرْهِيبِ وَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ مُرْدِيًا فَانْبِذَنَّهُ لأَنَّ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ... غِنًى عَنِ اخْتِلَاقِ ذَا الْكَذَّاب وَخَالَفُوا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمِلَّةِ ... فِي حُرْمَةِ الْكِذْبِ عَلَى ذِي السُّنَّةِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي ... تُرْدِي بِأَهْلِهَا إِلَى الْهَاوِيَةِ وَبَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ... مُكَفِّرًا بِهِ لِهَذَ الْمُعْتَدِي وَالْهَمَذَانِيُّ لَهُ مُوَافِقُ ... وَالذَّهَبِيُّ لَهُمَا يُرَافِقُ إِنْ حَرَّمَ الْحَلَالَ أَوْ بِضِدِّهِ ... وَإِنَّمَا الشَّأْنُ يِجِي فِي غَيْرِهِ وَمَنْ يَقُلْ مُؤِّلًا لـ"مَنْ كَذَبْ" ... فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ كَذَبْ أَوْ حَقِّ مَنْ قَدِ افْتَرَى يَقْصِدُ بِهْ ... عَيْبًا لَهُ أَوْ شَيْنَ الإِسْلَامِ النَّبِهْ فَكُلُّ مَا قَالُوهُ فَهْوَ بَاطِلُ ... وَلَوْ تُرَى صِحَّتُهُ يُؤَوَّلُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 456

المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبيّ ﷺ -: اعلم: أن من كذب على رسول الله ﷺ عمدًا في حديث واحد فَسَقَ، ورُدّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب، وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبدا، بل يُحتم جرحه دائما، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا، وزجرا بليغا عن الكذب ﷺ ؛ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة، ليست عامة. قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحته توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في شرحه لهذا الكتاب. وقال في "التدريب شرح التقريب" ١/ ٣٣٠: تقبل رواية التائب من الفسق، ومن الكذب في غير الحديث النبوي، كشهادته؛ للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، إلا الكذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، فلا تقبل رواية التائب منه أبدا، وإن حسنت طريقته، كذا قاله أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، بل قال الصيرفي، زيادة على ذلك في "شرح الرسالة": كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفناه لم نُقَوِّهَ بعده، بخلاف الشهادة، قال النوويّ: ويجوز أن يُوَجَّهَ بأن ذلك جُعِل تغليظا عليه، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لِعظيمَ مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، والشهادةِ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. وقال أبو المظفر السمعاني: مَنْ كَذَبَ في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه،

стр. 457

قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي، قال النوويّ: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا نُقَوِّي الفرقَ بينه وبين الشهادة، وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم. قال السيوطيّ: وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله: "هذا كله" لقول أحمد، والصيرفي، والسمعاني، فلا -والله- ما هو بمخالف، ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ تغليظا وزجرا، وإن كانت لقول الصيرفي بناءً على أن قوله: "بكذب" عامٌّ في الكذب في الحديث وغيره، فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث، لا مطلقا، بدليل قوله: "من أهل النقل"، وتقييده بالمحدِّث في قوله أيضا في "شرح الرسالة": وليس يُطعَن على المحدث، إلا أن يقول: تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك. انتهى. وقولُهُ: ومن ضعفناه، أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد. وقد وجدتُّ في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في "باب اللعان" أن الزاني إذا تاب، وحسنت توبته لا يعود محصنا، ولا يُحَدُّ قاذفه بعد ذلك؛ لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا، وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زنى بعد القذف قبل أن يُحَدَّ القاذف لم يُحَدّ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يَفضَح أحدا من أول مرة، فالظاهر تقدُّمُ زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه، حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما رَوَى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أَرَ أحدا تنبّه لما حررته -ولله الحمد-. وإلى هذا أشار في "ألفية الحديث" بقوله: وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ ... أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ أَبَوْا ... قَبُوَلَهُ مُؤَبَّدًا ثُمَّ نَأَوْا عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ ... وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ ... دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ انتهى كلام السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى من ترجيح

стр. 458

قول ما ذهب إليه أحمد، والحميديّ، والصيرفيّ، والسمعانيّ من عدم قبول توبة الكاذب في حديث رسول الله ﷺ تغليظًا، وزجرًا هو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لوضوح حجته، كما سبق في تحقيقه رحمهُ اللهُ تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في حكم رواية الحديث الموضوع: قال في "تدريب الراوي": ما حاصله: تحرم رواية الموضوع مع العلم بوضعه، وكذا مع الظنّ مطلقًا، في أي معنى كان، سواء الأحكام، والقِصص، والترغيب، وغيرها، إلا مقرونًا ببيان وضعه، لما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من حدّث عنّي بحديث يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين". وقوله: "يُرى" بضم الياء بمعنى يظنّ، وفي "الكاذبين" روايتان، فتح الموحّدة، على إرادة التثنية، وكسرها على إرادة الجمع. وقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه": يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه، فمن رَوَى حديثا عَلِم، أو ظن وضعه، ولم يُبَيِّن حال روايته وضعه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ ، ويدل عليه أيضا الحديث السابق: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". انتهى (١). وإلى هذا أشرت في منظومتي المذكورة، حيث قلت: وَالْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ يَحْرُمُ لِمَنْ ... يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ وَهَنْ بِسَنَدٍ أَوْ لَا لأيِّ مَعْنَى ... إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ فَأَغْنَى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: في كيفيّة رواية الحديث: اعلم: أنه ينبغي -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- لمن أراد رواية حديث، أو ذكره أن ينظر، فإن كان صحيحا أو حسنا، قال: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا، فلا يَقُل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشِبْهَ ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوي عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُروَى، أو يُذكَر، أو يُحكَى، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه" (٢). وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:

стр. 459

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجْزِمُ ... أَوْ وَاهِيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ ... وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضُعْفٍ قَدْ رَضُوا فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ ... لَا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَلَا إِذَا يَشْتَدُّ ضُعْفٌ ثُمَّ مَنْ ... ضُعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَتْنِ صَحِيحٌ ... قَيَّدَا بِسَنَدٍ خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: فيما يلزم الحديثيّ من تعلّم علم النحو ونحوه: اعلم: أنه ينبغي لقارىء الحديث أن يعرف من النحو، واللغة، وأسماء الرجال، ما يسلم به من قوله ما لم يُقَل، وإذا صح في الرواية ما يَعلَم أنه خطأ، فالصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، أنه يرويه على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، لكن يكتب في الحاشية، أنه وقع في الرواية كذا، وأن الصواب خلافه كذا، ويقول عند الرواية: كذا وقع في هذا الحديث، أو في روايتنا، والصواب كذا، فهذا أجمعُ للمصلحة، فقد يعتقده خطأ، ويكون له وجه يَعرِفه غيره، ولو فُتِح باب تغير الكتاب، لتجاسر عليه غير أهله. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى. وقال في "التدريب": ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان أو مصحف، فقد قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله ﷺ : "من كَذَب علي فليتبوأ مقعده من النار"؛ لأنه لم يكن يَلحَن، فمهما رَوَيتَ عنه، ولحنت فيه كذبت عليه. وشكا سيبويه حمادَ بنَ سلمة إلى الخليل، فقال له: سألته عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُف، فانتهرني، وقال أخطأت إنما هو رَعَف -بفتح العين- فقال الخليل: صدق، أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة؟ . وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، رَوَى الخطيب عن شعبة، قال: من طلب الحديث، ولم يبصر العربية، كمثل رجل عليه بُرْنُس، وليس له رأس. ورَوَى أيضا عن حماد بن سلمة قال: مثلُ الذي يطلب الحديث، ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مِخْلاة ولا شعير فيها. ورَوَى الخليلي في "الإرشاد" عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليَعْرِضُوا عليه كتابا، فقرأ لهم الدراورديُّ، وكان رديء اللسان يَلْحَن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.

стр. 460

وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذُ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، والضبط عنهم، لا من بطون الكتب. وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين، وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فيما رواه البيهقي عنهما: يرويه على الخطأ كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهذا غُلُوّ في أتباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى، والصواب، وهو قول الأكثرين، منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاء، وهمَّام، والنضر بن شُميل أنه يرويه على الصواب، لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به، واختار ابن عبد السلام تركَ الخطأ والصواب أيضا، حكاه عنه ابن دقيق العيد، أما الصواب فإنه لم يسمع كذلك، وأما الخطأ فلأن النبي ﷺ لم يَقُلْه كذلك. وأما إصلاحه في الكتاب، وتغيير ما وقع فيه، فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يَظهَرُ له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل، ثم الأولى عند السماع، أن يقرأه أوّلًا على الصواب، تم يقول: وقع في روايتنا، أو عند شيخنا، أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل أوّلًا، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأوّلُ أَوْلَى، كيلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى، أو حديث آخر. وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل، فإن لم يغاير معنى الأصل، فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة، كلفظة "ابن" في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمدَ بن حنبل، فقال: وجدت في كتابي حجاج "عن جريج" يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به. وقيل لمالك: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفا. وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل، تأكد الحكم بذكر الأصل، مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده، وأن من فوقه من الرواة أَتَى به فله أيضا أن يُلحقه في نفس الكتاب، مع كلمة "يعني" قبله، كما فعل الخطيب، إذ رَوَى عن أبي عمر بن مهدي، عن المحاملي بسنده إلى عروة، عن عمرة -يعني عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يُدني إليّ رأسه، فأرجله"، قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي "عن عمرة قالت: كان"، فألحقنا فيه ذكر عائشة -رضي الله عنا-، إذ لم يكن منه
следующие страницы →