المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبيّ ﷺ -:
اعلم: أن من كذب على رسول الله ﷺ عمدًا في حديث واحد فَسَقَ، ورُدّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب، وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبدا، بل يُحتم جرحه دائما، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا، وزجرا بليغا عن الكذب ﷺ ؛ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة، ليست عامة.
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحته توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في شرحه لهذا الكتاب.
وقال في "التدريب شرح التقريب" ١/ ٣٣٠: تقبل رواية التائب من الفسق، ومن الكذب في غير الحديث النبوي، كشهادته؛ للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، إلا الكذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، فلا تقبل رواية التائب منه أبدا، وإن حسنت طريقته، كذا قاله أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، بل قال الصيرفي، زيادة على ذلك في "شرح الرسالة": كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفناه لم نُقَوِّهَ بعده، بخلاف الشهادة، قال النوويّ: ويجوز أن يُوَجَّهَ بأن ذلك جُعِل تغليظا عليه، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لِعظيمَ مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، والشهادةِ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. وقال أبو المظفر السمعاني: مَنْ كَذَبَ في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه،
стр. 457
قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي، قال النوويّ: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا نُقَوِّي الفرقَ بينه وبين الشهادة، وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم.
قال السيوطيّ: وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله: "هذا كله" لقول أحمد، والصيرفي، والسمعاني، فلا -والله- ما هو بمخالف، ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ تغليظا وزجرا، وإن كانت لقول الصيرفي بناءً على أن قوله: "بكذب" عامٌّ في الكذب في الحديث وغيره، فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث، لا مطلقا، بدليل قوله: "من أهل النقل"، وتقييده بالمحدِّث في قوله أيضا في "شرح الرسالة": وليس يُطعَن على المحدث، إلا أن يقول: تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك. انتهى. وقولُهُ: ومن ضعفناه، أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد.
وقد وجدتُّ في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في "باب اللعان" أن الزاني إذا تاب، وحسنت توبته لا يعود محصنا، ولا يُحَدُّ قاذفه بعد ذلك؛ لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا، وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زنى بعد القذف قبل أن يُحَدَّ القاذف لم يُحَدّ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يَفضَح أحدا من أول مرة، فالظاهر تقدُّمُ زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه، حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما رَوَى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أَرَ أحدا تنبّه لما حررته -ولله الحمد-.
وإلى هذا أشار في "ألفية الحديث" بقوله:
وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ ... أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ
وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ أَبَوْا ... قَبُوَلَهُ مُؤَبَّدًا ثُمَّ نَأَوْا
عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ ... وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ
وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ ... دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ
انتهى كلام السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى من ترجيح
стр. 458
قول ما ذهب إليه أحمد، والحميديّ، والصيرفيّ، والسمعانيّ من عدم قبول توبة الكاذب في حديث رسول الله ﷺ تغليظًا، وزجرًا هو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لوضوح حجته، كما سبق في تحقيقه رحمهُ اللهُ تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في حكم رواية الحديث الموضوع:
قال في "تدريب الراوي": ما حاصله: تحرم رواية الموضوع مع العلم بوضعه، وكذا مع الظنّ مطلقًا، في أي معنى كان، سواء الأحكام، والقِصص، والترغيب، وغيرها، إلا مقرونًا ببيان وضعه، لما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من حدّث عنّي بحديث يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين". وقوله: "يُرى" بضم الياء بمعنى يظنّ، وفي "الكاذبين" روايتان، فتح الموحّدة، على إرادة التثنية، وكسرها على إرادة الجمع.
وقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه": يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه، فمن رَوَى حديثا عَلِم، أو ظن وضعه، ولم يُبَيِّن حال روايته وضعه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ ، ويدل عليه أيضا الحديث السابق: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". انتهى (١).
وإلى هذا أشرت في منظومتي المذكورة، حيث قلت:
وَالْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ يَحْرُمُ لِمَنْ ... يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ وَهَنْ
بِسَنَدٍ أَوْ لَا لأيِّ مَعْنَى ... إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ فَأَغْنَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في كيفيّة رواية الحديث:
اعلم: أنه ينبغي -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- لمن أراد رواية حديث، أو ذكره أن ينظر، فإن كان صحيحا أو حسنا، قال: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا، فلا يَقُل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشِبْهَ ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوي عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُروَى، أو يُذكَر، أو يُحكَى، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه" (٢).
وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
стр. 459
وَمَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجْزِمُ ... أَوْ وَاهِيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ
مِنْ غَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ ... وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضُعْفٍ قَدْ رَضُوا
فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ ... لَا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ
وَلَا إِذَا يَشْتَدُّ ضُعْفٌ ثُمَّ مَنْ ... ضُعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ
يَقُولَ فِي الْمَتْنِ صَحِيحٌ ... قَيَّدَا بِسَنَدٍ خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: فيما يلزم الحديثيّ من تعلّم علم النحو ونحوه:
اعلم: أنه ينبغي لقارىء الحديث أن يعرف من النحو، واللغة، وأسماء الرجال، ما يسلم به من قوله ما لم يُقَل، وإذا صح في الرواية ما يَعلَم أنه خطأ، فالصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، أنه يرويه على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، لكن يكتب في الحاشية، أنه وقع في الرواية كذا، وأن الصواب خلافه كذا، ويقول عند الرواية: كذا وقع في هذا الحديث، أو في روايتنا، والصواب كذا، فهذا أجمعُ للمصلحة، فقد يعتقده خطأ، ويكون له وجه يَعرِفه غيره، ولو فُتِح باب تغير الكتاب، لتجاسر عليه غير أهله. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى.
وقال في "التدريب": ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان أو مصحف، فقد قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله ﷺ : "من كَذَب علي فليتبوأ مقعده من النار"؛ لأنه لم يكن يَلحَن، فمهما رَوَيتَ عنه، ولحنت فيه كذبت عليه. وشكا سيبويه حمادَ بنَ سلمة إلى الخليل، فقال له: سألته عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُف، فانتهرني، وقال أخطأت إنما هو رَعَف -بفتح العين- فقال الخليل: صدق، أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة؟ .
وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، رَوَى الخطيب عن شعبة، قال: من طلب الحديث، ولم يبصر العربية، كمثل رجل عليه بُرْنُس، وليس له رأس. ورَوَى أيضا عن حماد بن سلمة قال: مثلُ الذي يطلب الحديث، ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مِخْلاة ولا شعير فيها. ورَوَى الخليلي في "الإرشاد" عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليَعْرِضُوا عليه كتابا، فقرأ لهم الدراورديُّ، وكان رديء اللسان يَلْحَن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.
стр. 460
وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذُ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، والضبط عنهم، لا من بطون الكتب.
وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين، وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فيما رواه البيهقي عنهما: يرويه على الخطأ كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهذا غُلُوّ في أتباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى، والصواب، وهو قول الأكثرين، منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاء، وهمَّام، والنضر بن شُميل أنه يرويه على الصواب، لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به، واختار ابن عبد السلام تركَ الخطأ والصواب أيضا، حكاه عنه ابن دقيق العيد، أما الصواب فإنه لم يسمع كذلك، وأما الخطأ فلأن النبي ﷺ لم يَقُلْه كذلك.
وأما إصلاحه في الكتاب، وتغيير ما وقع فيه، فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يَظهَرُ له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل، ثم الأولى عند السماع، أن يقرأه أوّلًا على الصواب، تم يقول: وقع في روايتنا، أو عند شيخنا، أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل أوّلًا، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأوّلُ أَوْلَى، كيلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى، أو حديث آخر.
وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل، فإن لم يغاير معنى الأصل، فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة، كلفظة "ابن" في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمدَ بن حنبل، فقال: وجدت في كتابي حجاج "عن جريج" يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به. وقيل لمالك: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفا.
وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل، تأكد الحكم بذكر الأصل، مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده، وأن من فوقه من الرواة أَتَى به فله أيضا أن يُلحقه في نفس الكتاب، مع كلمة "يعني" قبله، كما فعل الخطيب، إذ رَوَى عن أبي عمر بن مهدي، عن المحاملي بسنده إلى عروة، عن عمرة -يعني عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يُدني إليّ رأسه، فأرجله"، قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي "عن عمرة قالت: كان"، فألحقنا فيه ذكر عائشة -رضي الله عنا-، إذ لم يكن منه
стр. 461
بُدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه "يعني"؛ لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم رَوَى عن وكيع، قال: أنا أستعين في الحديث بـ "يعني"، هذا إذا عُلم أن شيخه رواه له على الخطأ، فأما إن رواه في كتاب نفسه، وغلب على ظنه أن السقط من كتابه، لا من شيخه، فيتجه حينئذ إصلاحه في كتابه، وفي روايته عند تحديثه كما تقدم عن أبي داود.
كما إذا دَرَسَ من كتابه بعضُ الإسناد، أو المتن، بتقطع، أو بَلَلٍ، ونحوه، فإنه يجوز له استدراكه من كتاب غيره، إذا عَرَفَ صحتَهُ، ووثِقَ به، بأن يكون أخذه عن شيخه، وهو ثقة، وسكَنَت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قال أهل التحقيق، وممن فعله نُعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا، نقله الخطيب عن أبي محمد بن ماسي، وبيانه حال الرواية أولى، قاله الخطيب.
وهكذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه، من كتاب غيره من الثقات، أو حفظه، كما رُوي عن أبي عوانة، وأحمد، وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته، كما فعل يزيد بن هرون وغيره، ففي "مسند أحمد": حدثنا يزيد بن هرون، أنا عاصم بالكوفة، فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به، فعرفته به، عن عاصم، عن عبد الله بن سَرْجِسَ، أن رسول الله ﷺ ، كان إذا سافر قال: "اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر"، وفي غير "المسند" عن يزيد: أنا عاصم، وثبتني فيه شعبة.
فإن بَيّن أصل التثبت من دون من ثبّته فلا بأس، فَعَلَه أبو داود في "سننه" عقب حديث الحكم بن حزن، قال ثَبّتني في شيء منه بعض أصحابنا.
وإن وَجَدَ في كتابه كلمةً من غريب العربية، غير مضبوطة، أَشكَلَت عليه، جاز أن يسأل عنها العلماء بها، ويرويها على ما يُخبرونه به، فَعَلَ ذلك أحمد، وإسحق، وغيرهما. ورَوَى الخطيب عن عفّان بن سلمة، أنه كان يجيء إلى الأخفش، وأصحاب النحو، يَعْرِض عليهم نحو الحديث، يُعْرِبه. انتهى ما في "التدريب" ببعض تصرّف. (١).
وإلى ما تقدّم كلّه أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَاحْذَرْ مِنَ اللَّحْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ ... خَوْفًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ
فَالنَّحْوُ وَاللُّغَاتُ حَقُّ مَنْ طَلَبْ ... وَخُذْ مِنَ الأَفْوَاهِ لَا مِنَ الْكُتُبْ
فِي خَطَإٍ وَلَحْنِ أَصْلٍ يُرْوَى ... عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَبًا فِي الأَقْوَى
стр. 462
ثَالِثُهَا تَرْكُ كِلَيهِمَا وَلَا ... تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ عَلَى مَا انْتُخِلَا
بَلْ أَبْقِهِ مُضَبَّبًا وَبَيِّنِ ... صَوَابَهُ فِي هَامِشٍ ثُمَّ إِنِ
تَقْرَأْهُ قَدِّمْ مُصْلَحًا فِي الأَوْلَى ... وَالأَخْذُ مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى
وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لا يُغَيِّرُ ... كَابْنٍ وَحْرْفٍ زِدْ وَلَا تَعَسَّرُ
كَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ ... إِتيَانُهُ مِمَّنْ عَلَا وَأَلْزَمُوا
"يَعْنِي" وَمَا يَدْرُسُ فِي الْكِتَابِ ... مِنْ غَيْرِهِ يُلْحَقُ فِي الصَّوَابِ
كَمَا إِذَا يَشُكُّ وَاْسْتَتَثْبَتَ مِنْ ... مُعْتَمَدٍ وَفِيهِمَا نَدْبًا أَبِن
وَمْنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ ... يَرْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: في بيان آداب من يروي بالمعنى، أو اشتبهت عليه لفظة في الحديث:
اعلم: أنه ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقبه: "أو كما قال"، "أو نحوه"، "أو شبهه"، أو "ما أشبه هذا" من الألفاظ، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، خوفا من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، فقد روى أحمد، وابن ماجه، والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال يوما: قال رسول الله ﷺ ، فاغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: "أو مثله"، "أو نحوه"، "أو شبيه" به. وفي "مسند الدارمي"، و "الكفاية" للخطيب، عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ قال: "أو نحوه"، "أو شبهه". وروى أحمد، وابن ماجه، عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ ، ففرغ قال: "أو كما قال رسول الله ﷺ ".
وإذا اشتبهت على القارئ لفظةٌ، فحَسَنٌ أن يقول بعد قراءتها على الشك: "أو كما قال"؛ لتضمنه إجازة من الشيخ، وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى بقوله:
وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَا أُبْهِمَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٣ - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزيز ابْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ").
стр. 463
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زهير بن حرب) بن شدّاد الْحَرَشيّ (١)، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، مولى بني الَحَرِيش بن كعب، وكان اسم جده أشتال، فَعُرِّب شدادا، الحافظ الثقة الثبت.
رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وحميد بن عبد الرحمن الرواسي، وجرير بن عبد الحميد، وابن علية، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعبدة بن سليمان، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، ورَوَى له النسائي بواسطة أحمد بن علي بن سعيد المروزي، وابنُهُ أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال علي بن الجنيد عن ابن معين: يكفي قبيلةً. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبت من عبد الله بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث، لم يكن يفصل هذه الأشياء -يعني الألفاظ-. وقال جعفر الفريابي: قلت لابن نميرة أيهما أحب إليك؟ فقال: أبو خيثمة، وجعل يُطريه، ويَضَع من أبي بكر. وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال الحسين ابن فهم: ثقة ثبت. وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة، ثبتا، حافظا، متقنا. وقال أبو القاسم البغوي: كتبت عنه. وقال ابن قانع: كان ثقة ثبتا. وقال صاحب الزهرة: روى عنه مسلم ألف حديث ومائتي حديث وإحدى وثمانين حديثا (٢). وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": سُئل أبي عنه؟ فقال: ثقة صدوق. وقال ابن وضاح: ثقة من الثقات، لقيته ببغداد. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنا، ضابطا، من أقران أحمد، ويحيى بن معين.
قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات سنة (٢٣٤). وقال ابنه أبو بكر: وُلِد أبي سنة (١٦٠)، ومات ليلة الخميس لسبع خلون من شعبان، وهو ابن (٧٤) سنة. وحكى الخطيب عن أبي غالب علي بن أحمد النصر: أنه توفي سنة (٣٢) قال الخطيب: هذا وَهَمٌ، والصواب سنة (٤). رواه الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٤٩) حديثًا.
стр. 464
وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة.
٢ - (إسماعيل ابن عليّة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر الأسديّ أسد خُزيمة، مولاهم البصريّ، كوفيّ الأصل، المعروف بابن عليّة، وهي أمه (١)، وكان يَكره النسبة إليه الحافظ الثقة الثبت.
رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وأيوب، وابن عون، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، وابن جريج، وهما من شيوخه، وبقية، وحماد بن زيد، وهما من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وهو أكبر منه، وابن وهب، والشافعي، وأحمد، ويحيى، وعليّ، وإسحاق، والفلاس، وأبو معمر الهذلي، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، وعلي بن حجر، وابن نمير، وخلق، آخرهم أبو عمران موسى بن سهيل بن كثير الْوَشَّاءُ.
قال علي بن الجعد، عن شعبة: إسماعيل ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال يونس ابن بكير عنه: ابن علية سيد المحدثين. وقال ابن مهدي: بن علية أثبت من هشيم. وقال القطان: ابن علية أثبت من وُهيب. وقال حماد بن سلمة: كنا نشبهه بيونس بن عبيد. وقال عفان: كنا عند حماد بن سلمة، فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خولفت فيه، فقال: من؟ قالوا: حماد بن زيد، فلم يلتفت، فقال له إنسان: إن ابن علية يخالفك، فقام، فدخل، ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أيضا: فاتني مالك، فأخلف الله علي سفيان، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية، وقال أيضا: كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يَفرَق من إسماعيل ابن علية إذا خالفه. وقال غندر: نشأت في الحديث يوم نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل ابن علية. وقال ابن مُحْرِز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلما ورعا تقيا. وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب. وقال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نَحُّوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابا قط، وكان يقال: ابن علية يَعُدُّ الحروف. وقال أبو داود
стр. 465
السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ، إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سعيد: كان ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون، وعلية أمه. وقال الخطيب: زعم علي بن حُجْر أن علية جدته، أم أمه. وكان يقول: من قال: ابن علية فقد اغتابني. وقال ابن المديني: ما أقول: إن أحدا أثبت في الحديث من ابن علية، وقال أيضا: بِتُّ عنده ليلة، فقرأ ثلث القرآن، ما رأيته ضحك قط. وقال أحمد ابن سعيد الدارمي: لا يعرف لابن علية غلط إلا في حديث جابر في المدبر، جعل اسم الغلام اسم المولى، واسم المولى اسم الغلام. وقال ابن وضاح: سألت أبا جعفر البستي عنه؟ فقال: بصري ثقة، وهو أحفظ من الثقفي. وحكى ابن شاهين في "الثقات" عن عثمان بن أبي شيبة: ابن علية أثبت من الحمادين، ولا أقدم عليه أحدا من البصريين، لا يحيى، ولا ابن مهدي، ولا بشر بن المفضل. وقال العيشي: ثنا الحمادان، أن ابن المبارك كان يتجر، ويقول: لولا خمسة ما اتجرت: السفيانان، وفضيل، وابن السماك، وابن علية، فيَصِلُهم، فَقَدِم سنة، فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته، ولم يَصِله، فركب ابن علية إليه، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من غد، كتب إليه رقعة، يقول: قد كنت منتظرا لبرك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيته مني؟ فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل الا أن نَقْشِرَ له العصا، ثم كتب إليه:
يَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِيَا ... يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ
احْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ... بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ
فَصِرْتَ مَجْنُونًا بِهَا بَعْدَ ... مَا كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِينِ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِيمَا مَضَى ... عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرِينِ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِي سَرْدِهَا ... فِي تَرْكِ أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ
إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَذَا بَاطِلُ ... زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ فِي الطِّينِ
فلما وقف على هذه الأبيات، قام من مجلس القضاء، فوطىء بساط الرشيد، وقال: اللهَ اللهَ ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على القضاء، قال: لعل هذا المجنون أغراك، ثم أعفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصُّرَّة. وقيل: إن ابن المبارك إنما كتب إليه بهذه الأبيات لَمّا ولي صدقات البصرة، وهو الصحيح.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٣) أو سنة (١٩٤)، وقاله في (٤) أبو موسى العنزي في "تاريخه"، ونقله عنه البخاري في "تاريخه"، وخليفة، وابن أبي عاصم، وإسحاق القراب الحافظ، والكلاباذي، وغيرهم. وقال أحمد، وعمرو بن علي: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (٩٣)، وكذا قال زياد بن أيوب، وغير واحد في
стр. 466
تاريخ وفاته، وقال يعقوب بن شيبة: إسماعيل ثبت جدا، توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٠٤) أحاديث.
وجعله في "التقريب" من الطبقة الثامنة.
٣ - (عبد العزيز بن صُهيب) البُنانيّ مولاهم البصريّ الأعمى.
رَوَى عن أنس بن مالك ﵁، وأبي نضرة العبدي، ومحمد بن زياد الجمحي، وشهر، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان، وشعبة، ووهيب، وعبد الوارث، وسعيد بن زيد، وإسماعيل ابن علية، وآخرون.
قال القطان عن شعبة: عبد العزيز أثبت من قتادة، وقال: هو أحب إلي منه. وقال أحمد: ثقة ثقة، وهو أوثق من يحيى بن أبي إسحاق، قال: وأخطأ فيه معمر، فقال: عبد العزيز مولى أنس، وإنما هو مَوْلىً لِبُنَانة. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال النسائي: والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. قال بن نافع مات سنة ثلاثين ومائة. وكذا ذكر ابن حبان وفاته، وقال: أجاز إياس بن معاوية شهادته وحده. قال الحازمي: وأما عبد العزيز بن صهيب البناني، فليس منسوبا إلى القبيلة، وإنما قيل له: البناني؛ لأنه كان ينزل سكة بنانة بالبصرة. قاله أبو حاتم البستي. وذكر الخطيب في "الموضح" أن بعضهم قال فيه: عبد العزيز بن بنانة، ظن أنه من نفس القبيلة، فنسبه إلى الجد الأعلى. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
وجعله في "التقريب" من الطبقة الرابعة.
٤ - (أنس بن مالك ﵁) بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرَام بن جُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار الأنصاري، أبو حمزة، خادم رسول الله ﷺ ، نزيل البصرة، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن رواحة، وفاطمة الزهراء، وثابت بن قيس بن شَمّاس، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومالك بن صعصعة، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وأبي طلحة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعن أمه أم سليم، وخالته أم حرام، وأم الفضل امرأة العباس، وجماعة.
ورَوَى عنه الحسن، وسليمان التيمي، وأبو قلابة، وأبو مِجْلَز، وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل، وابن ابنه ثمامة، والجعد أبو عثمان، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وإبراهيم بن ميسرة، وبُريد بن أبي مريم، وبيان ابن بشر، والزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد ابن جبير، وسلمة بن وَرْدان، وخلائق من الآفاق.
стр. 467
قال الزهري، عن أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وكنّ أُمّهاتي يَحْثُثْنني على خدمته (١) .. وقال جعفر بن سليمان الضُّبَعي عن ثابت، عن أنس، جاءت بي أم سليم إلى النبي ﷺ ، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله ﷺ ، أنيس ادع الله له، فقال النبي ﷺ : "اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة" (٢)، قال فقد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة. وقال عُمَر بن شَبَّة النميري: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس، قال: قيل لأنس: أشهدت بدرا؟ ، قال: وأين أغيب عن بدر؟ ، لا أم لك. وقال ابن سعد: أنا الأنصاري، ثنا أبي، عن مولى لأنس بن مالك، أنه قال لأنس: شهدت بدرا؟ قال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر؟ هذا الإسناد أشبه، والمولى مجهول، ولم يذكر أنسا أحد من أصحاب المغازي في البدريين. وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: شهدت مع سول الله ﷺ الحديبية، وعمرته، والحج، والفتح، وحنينا، والطائف. وقال علي بن الجعد، عن شعبة، عن ثابت: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم، وقال جعفر، عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس: فتوضأ، وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مَطَرَت، حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرا، وذلك في الصيف. وقال الأنصاري: ثنا ابن عون، عن موسى بن أنس، أن أبا بكر لما استُخْلِف بَعَثَ إلى أنس ابن مالك ﵁ ليوجهه إلى البحرين على السعاية، قال فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين على السعاية، وهو فتى شاب، فقال ابعثه، فإنه لبيب كاتب، قال: فبعثه، وقال علي بن المديني: آخر من بقي بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ أنس. وقال الأنصاري: مات وهو ابن مائة وسبع سنين. وقال وهب بن جرير، عن أبيه: مات أنس سنة (٩٠)، وكذا قال شعيب بن الحبحاب. وقال همام عن قتادة: سنة (٩١)، وقال معن بن عيسى عن بعض ولد أنس: سنة (٩٢)، وقال ابن علية، وأبو نعيم، وخليفة، وغيرهم: مات سنة (٩٣)، وقال البخاري في "التاريخ الكبير": قال لي نصر بن علي: أنا نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن قتادة: لَمّا مات أنس بن مالك ﵁، قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث، قلنا: تعالَ إلى من سمعه من النبي ﷺ .
стр. 468
وقد تعقّب الحافظ قول الأنصاري: إن أنسا عاش مائة وسبع سنين، فقال: فيه نظر؛ لأن أكثر ما قيل في سنه إذ قدم النبي ﷺ عشر سنين، وأقرب ما قيل في وفاته سنة (٩٣) فعلى هذا غاية ما يكون عمره مائة سنة وثلاث سنين، وقد نَصّ على ذلك خليفة بن خياط في "تاريخه"، فقال: مات سنة (٩٣) وهو ابن (١٠٣) سنة، وأعجب من قول الأنصاري قول الواقدي: إنه مات سنة (٩٢) وله (٩٩) سنة، وكذا قال معتمر عن حميد، إلا أنه جزم بأنه مات سنة (٩١)، فهذا أشبه، وقول خليفة أصح، وحكى الحذاء في رجال "الموطإ" أنه يكنى أبا النضر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨٥) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو أول رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
ومنها: أن في قوله: "يعني ابن عليّة" استعمالًا للقاعدة المشهورة، وهي أنه إذا لم يقع للراوي من شيخه نسبة شيخ شيخه إلى أبيه، أو نحوه، وأراد أن ينسبه هو أتى بما يفصل كلامه من كلام شيخه، من نحو "يعني"، أو "هو"، أو "أنه"، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ ... فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لم يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أوْ بِـ " أَنَّ" أَوْ بِـ "هُو" ... أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ ... وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
ومنها: أن من طُرَف ما يتعلق بإسماعيل ابن علية ما ذكره الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن إسماعيل ابن علية بنُ جريج، وموسى بن سهل الْوَشّا، وبين وفاتيهما مائة وتسع وعشرون سنة، وقيل: سبع وعشرون، قال: وحَدّث عن ابن علية إبراهيم بن طهمان، وبين وفاته ووفاة الوشّا مائة وعشر سنين، وقيل: مائة وخمس وعشرون سنة، قال: وحدَّث عن ابن علية شعبة، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثماني عشر سنة، وحَدَّث عن ابن علية عبدُ الله بن وهب، وبين وفاته ووفاة الوشّا إحدى وثمانون سنة، مات الوَشّا يوم الجمعة، أول ذي القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في "شرحه" (١).
стр. 469
ومنها: أن فيه أنس بن مالك ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، اتّفقا على (١٦٨) وانفرد البخاريّ بـ (٨٣) ومسلم بـ (٧١).
[فائدة]: المكثر هو الذي رَوَى أكثر من ألف حديث، وهؤلاء المكثرون هم الذين جمعتهم مرتّبًا بقولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ ... مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَر ... فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ ... وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
فأما أبو هريرة ﵁ فروى (٥٣٧٤) حديثًا، اتفقا الشيخان على (٣٢٦) وانفرد البخاريّ (٩٣) ومسلم (٩٨)(١).
وأما ابن عمر ﵄ فروى (٢٦٣٠) اتفقا على (١٧٠) وانفرد البخاريّ (٨١) ومسلم (٣١).
وأما أنس بن مالك ﵁، فروى (٢٢٨٦)، اتفقا على (١٦٨) وللبخاريّ (٨٣) ولمسلم (٧١).
وأما عائشة ﵂، وهي المرادة بقولي: "فأمنا"، فروت (٢٢١٠) اتفقا على (١٧٤) وللبخاريّ (٥٤) ولمسلم (٦٨).
وأما ابن عبّاس ﵄، وهو المراد بقولي: "فالبحر"، فروى (١٦٩٦)، اتفقا على (٧٥) وللبخاري (٢٨) ولمسلم (٤٩).
وأما جابر بن عبد الله ﵄، فروى (١٥٤٠) اتفقا على (٥٨) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (١٢٦).
وأما أبو سعيد الخدريّ ﵁، وهو المراد بقولي "سعد"، فروى (١١٧٠) اتفقا على (٤٣) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (٥٢). والله تعالى أعلم.
ومنها: أنّ أنسًا ﵁ من المعمّرين من الصحابة ﵃، فقد عاش أكثر من مائة سنة، كما مرّ آنفًا، وهو آخرهم موتًا في البصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير يقدّمه المتكلّم
стр. 470
قبل كلامه، يقصد به تعظيم مضمون كلامه، وقد ذكره ابن مالك رحمهُ اللهُ تعالى في "الكافية الشافية"، حيث قال:
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا ... بِجُمْلَةٍ كَإِنَّ ذَا زَيْدٌ سَرَى
لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ ... إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ ... حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
فِي بَابِ إِنَّ اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ ... كَإِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا ... أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا ... تَأْنِيثُهُ كَإِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا (١)
(لَيَمْنَعُنِي) -بفتح اللام- وهي لام الابتداء دخلت للتأكيد، وأصل محلّها اسم "إن"، وإنما أخّرت كراهة اجتماع حرفي تأكيد من غير فاصل، وإلى هذه اللام أشار ابن مالك رحمهُ اللهُ تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
وقوله: "يمنعني" بفتح أوله، وثالثه، مصارع منع، يقال: منعته الأمر، ومن الأمر مَنْعًا: إذا حَرَمْته، فهو ممنوعٌ منه: أي محروم، والفاعل مانعٌ، والجمع مَنَعَةٌ - بفتحات- مثلُ كافر وكَفَرَة. وجاء للمبالغة مَنُوعٌ، ومَنّاع. أفاده الفيّوميّ.
(أَنْ) بفتح الهمزة، وسكون النون هي المصدريّة، وقوله: (أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا) في تأويل المصدر مفعول مقدّم لـ "يمنعني": (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) بفتح همزة "أنّ" والجملة في تأويل المصدر فاعل "يمنعني" مؤخّرًا: والتقدير إنه يمنعني من تحديثكم حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ قوله: "من تعمّد الخ".
[فإن قلت]: الحديث نصّ في كون الوعيد فيمن تعمّد الكذب، ومعلوم أن أنسًا ﵁ لا يتعمّد الكذب، فكيف يمنعه هذا الحديث؟ .
[قلت]: إنما منعه الورع، وشدّة الخوف؛ إذ ربّما يؤدّي كثرة التحديث إلى زيادة شيء في الحديث، أو نقصه، بحيث يحصل التغيير للحديث، فخشي على نفسه الخطأ سهوًا وغفلة؛ لأنه وإن لم يأثم بالسهو والخطإ، إلا أن تغيير الحديث خطر عظيمٌ؛ إذ يترتّب عليه تشريع الأحكام، فلذلك قلّل الرواية؛ ليسلم من معرّة ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
(مَنْ) شرطيّة (تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ) أي فليتّخذ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، وسكون
стр. 471
القاف، وفتح العين المهملة: أي محلّ قعوده، والمراد منزله (مِنَ النَّارِ) بيان لمقعد، متعلّق بحال محذوف: أي حال كون ذلك اليقعد كائنًا من النار.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: "فليتبوّأ الخ": أي ليتّخذ فيها منزلًا، فإنها مقرّه، ومسكنه، يقال: تبوّأت منزلًا: أي اتّخذته، ونزلته، وبوّأت الرجل منزلًا: أي هيّأته له، ومصدره باءة، ومباءة، وهذه صيغة أمر، والمراد بها التهديد، والوعيد. وقيل: معناها الدعاء: أي بوّأه الله ذلك. وقيل: معناها الإخبار بوقوع العذاب به في نار جهنّم، وكذلك القول في حديث عليّ ﵁ الذي قال فيه: "يلج النار". وقد روى أبو بكر البزّار هذا الحديث من طريق عبد الله بن مسعود، وزاد: "ليُضلّ به"، وقد اغترّ بهذه الزيادة ممن يقصد الخير، ولا يعرفه، فظنّ أن هذا الوعيد إنما يتناول من قصد الإضلال بالكذب على رسول الله ﷺ ، فأما من قصد الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقوية مذاهب أهل السنّة، فلا يتناوله، فوضع الأحاديث لذلك، وهذه جهالة؛ لأن هذه الزيادة تُروى عن الأعمش، ولا تصحّ عنه، وليست معروفة عند نَقَلَة ذلك الحديث مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن الْبَيّع من طرق كثيرة، وقال: إنها واهية، لا يصحّ منها شيء. ولو صحّت لما كان لها دليل خطاب، وإنما تكون تأكيدًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وافتراء الكذب على الله محرّم مطلقًا، قُصد به الإضلال، أو لم يُقصد. قاله الطحاويّ. ولأن وضعَ الخبر الذي يُقصد به الترغيب كذب على الله تعالى في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم من أقسام الأحكام الشرعيّة، وإخبار عن أن الله تعالى وَعَدَ على ذلك العمل بذلك الثواب، فكلّ ذلك كذبٌ، وافتراء على الله تعالى، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
وقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبةَ الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قوليّة، وحكاية نقليّةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديث مرفوعة، تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تُشبه فتاوى الفقهاء، ولا تَليق بجزالة سيد الأنبياء مع أنهم لا يُقيمون لها صحيح سند، ولا يُسندونها من أئمة النقل إلى كبير أحد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشملهم ذلك الذمّ والوعيد، ولا شكّ في أن تكذيب رسول الله ﷺ كفرٌ، وأما الكذب عليه، فإن كان ذلك الكاذب مستحلًّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غير مستحلّ، فهو مرتكب كبيرة، وهل يَكفُرُ أم لا؟ اختُلف فيه. انتهى كلام القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى. انتهى (١). وقد سبق
стр. 472
تحقيق هذا البحث مستوفىً في المسائل المذكورة في شرح حديث عليّ ﵁ الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا أخرجه المصنّف بالإسناد المذكور هنا فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "العلم" ١٠٨ و (الترمذيّ) في "العلم" ٢٦٦١ و (ابن ماجه) في "المقدّمة" ٣٢ و (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٧٠١ و ١٩٦٤٩ و ١٩٧٠٤. وقد تقدّم ذكر فوائد الحديث في شرح حديث عليّ ﵁ الماضي، فلا تَنسَ نصيبك منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤ - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ (١)) بن حِسَاب (٢) البصريّ الثقة.
رَوَى عن حماد بن زيد، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان الضبعي، ومعاوية بن عبد الكريم، وإسماعيل ابن علية، ومحمد بن ثور الصنعاني، وعبد الوارث بن سعيد، وأبي بكر بن عبد الله بن قيس البكري، وسليم بن أخضر، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن زكريا بن يحيى السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد، وعمران بن موسى بن مُجاشع، وجعفر الفريابي، وزكرياء الساجي، ويحيى بن محمد بن البختري، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: ابن حساب فوق الزبيري - يعني عبد الله بن محمد بن المسور الزبيري- بكثير ابن حساب عندي حجة. وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة ثقة. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. روى عنه المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ. وفي "الزهرة" روى عنه
стр. 473
مسلم عشرين حديثا (١). وجعله في "التقريب" من الطبقة العاشرة. والله تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد الله اليشكري، مولى يزيد بن عطاء الواسطي البزاز، كان من سبي جُرجان، مشهور بكنيته.
رَأَى الحسن، وابن سيرين، وسمع من معاوية بن قرة حديثا واحدا، ورَوَى عن أشعث بن أبي الشعثاء، والأسود بن قيس، وقتادة، وأبي بشر، وحصين بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر، وخلق كثير.
ورَوَى عنه شعبة، ومات قبله، وابن علية، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، والفضل بن مساور صهره، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو هشام المخزومي، وعفان، ويحيى بن حماد، وأبو سلمة بن إسماعيل، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومحمد بن محبوب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، والهيثم بن سهل التستري، وهو آخر من روى عنه، وآخرون.
قال أبو حاتم: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: سألت ابن المبارك من أروى الناس، أو أحسن الناس حديثا عن مغيرة؟ ، فقال: أبو عوانة. وقال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: كتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم. وقال مسدد: سمعت يحيى القطان يقول: ما أشبه حديثه بحديثهما -يعني أبا عوانة وشعبة وسفيان- وقال عفان: كان أبو عوانة صحيح الكتاب، كثير الْعَجْم والنَّقْط، وكان ثبتا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثا عندنا من شعبة. وقال أبو طالب عن أحمد: إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: أبو عوانة جائز الحديث، وحديث يزيد بن عطاء ضعيف، ثَبَتَ حديث أبي عوانة، وسقط مولاه يزيد بن عطاء. وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرا، وهو صدوق ثقة، وهو أحب إلي من أبي الأحوص، ومن جرير، وهو أحفظ من حماد بن سلمة. وقال ابن عدي: كان مولاه قد فَوّض إليه التجارة، فجاءه سائل، فقال له: أعطني درهمين لأنفعك، فأعطاه، فدار السائل على رؤساء البصرة، فقال: بَكِّروا على يزيد بن عطاء، فقد أعتق أبا عوانة، فاجتمع إليه الناس، فَأَنِفَ من أن ينكر حديثه، وأعتقه حقيقة. قال: وقال أحمد ويحيى: ما أشبه حديث أبي عوانة بحديث الثوري وشعبة، قال: وكان أمينا ثقة، وكان أبو عوانة مع ثقته وأمانته، يَفزَع من شعبة، فأخطأ شعبة في اسم خالد بن علقمة،
стр. 474
فقال: مالك بن عرفطة، وتابعه أبو عوانة على خطئه -يعني بعد أن كان رواه على الصواب-. وقال محمد بن محبوب: مات في ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة، وفيها أَرّخه يعقوب بن سفيان، وقال غيره: مات سنة خمس وسبعين، وهو قول ابن المديني.
وحكى ابن حبان قصة عتقه على صفة أخرى، فقال: كان يزيد بن عطاء حاجًا، ومعه أبو عوانة، فجاء سائل إلى يزيد، فسأله فلم يعطه شيئا، فلحقه أبو عوانة، فأعطاه دينارا، فلما أصبحوا، وأرادوا الدفع من المزدلفة، وقف السائل على طريق الناس، فكلما رأى رفقة، قال: يا أيها الناس اشكروا يزيد بن عطاء، فإنه تقرب إلى الله تعالى اليوم بعتق أبي عوانة، فجعل الناس يمرون فوجا بعد فوج إلى يزيد، يشكرون له ذلك، وهو ينكر، فلما كثروا عليه، قال: من يستطيع رد هؤلاء، اذهب فأنت حر. وحكاها أسلم بن سهل في "تاريخ واسط" على صفة أخرى: إن أبا عوانة كان صديق قاصّ، وكان يُحسن إليه، فأراد أن يكافئه، فكان لا يجلس مجلسا إلا قال: ادعو الله تعالى ليزيد بن عطاء، فإنه قد أعتق أبا عوانة. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، ووهيب أحفظ منه. وقال موسى بن إسماعيل: قال أبو عوانة: كل شيء قد حدثتك، فقد سمعتُهُ. وقال العجلي: أبو عوانة بصري ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال شعبة: إن حدثكم أبو عوانة عن أبي هريرة، فصدقوه. وقال أبو قدامة: قال ابن مهدي: أبو عوانة وهشيم كهَمّام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام، وإذا كان الحفظ فحفظ هشيم وسعيد. وقال تمتام عن ابن معين: كان أبو عوانة يقرأ ولا يكتب. وقال الدُّوري: سمعت ابن معين، وذكر أبا عوانة وزهير بن معاوية، فقدم أبا عوانة. وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفا؛ لأنه كان قد ذهب كتابه، وكان أحفظ من سعيد، وقد أغرب في أحاديث. وقال: قال يعقوب بن شيبة: ثَبْتٌ، صالح الحفظ، صحيح الكتاب. وقال ابن خراش: صدوق في الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وقال: إذا حدث من حفظه ربّما غَلِط.
وجعله قال في "التقريب" من الطبقة السابعة.
أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (١٠٣) أحاديث.
٣ - (أبو حَصِين) -بفتح، فكسر، مكبّرًا- عثمان بن عاصم بن حَصِين ويقال: يزيد بن كثير بن زيد بن مرة الأسدي الكوفي.
رَوَى عن جابر بن سمرة، وابن الزبير، وابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، وأبي
стр. 475
سعيد الخدري، والأسود بن هلال، وأبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وأبي وائل، وسُوَيد بن غَفَلَة، وأبي صالح السمان، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وإسرائيل، وقيس بن الربيع، ومالك بن مغول، ومِسْعَر، وإبراهيم بن طهمان، وشريك، وأبو بكر بن عياش، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، وابن عيينة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة، وقال: هو من بني جُشَم بن الحارث بن سعد ابن ثعلبة بن دودان، وعداده في بني كثير بن زيد بن مرة بن الحارث. وقال أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي: أربعة من أهل الكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختَلَفَ عليهم، فهو مُخطىء، منهم أبو حصين، وعَدَّه ابنُ مهدي أيضا في اثبات أهل الكوفة. وقال أحمد: كان صحيح الحديث، قيل له: أيما أصح حديثا هو، أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصين أصح حديثا بقِلّة حديثه، وكذا منصور أصح حديثا من الأعمش بقلة حديثه. وقال العجليّ: كانَ شيخا عاليا، وكان صاحب سنة. وقال في موضع آخر: كوفي ثقة، وكان عثمانيا، رجلا صالحا. وقال في موضع: كان ثقة ثبتا في الحديث، وهو أعلى سِنّا من الأعمش، وكان عثمانيا، وكان الذي بينه وبين الأعمش متباعدا. وقال ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن أبي حَصِين أسدي شريف، ثقة ثقة، كوفيّ. وقال ابن المديني: أصحاب الشعبي أبو حصين، ثم إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- فذكر جماعة. وقال أبو بكر بن عياش: دخلت على أبي حَصِين، وهو مُختَفٍ من بني أمية، فقال: إن هؤلاء يريدوني عن ديني، والله لا أعطيهم إياه أبدًا. وقال مالك بن مغول: قيل للشعبي: يا عالمُ، قال: ما أنا بعالم، ولا أَخْلُفُ عالمًا، وأن أبا حَصِين لَرَجُلٌ صالح. وقال الحسن بن عياش، عن الأعمش: كان إبراهيم يقول: دعني من أبي حَصِين، فما هو بأحب الناس إليّ. وقال أبو معاوية عن الأعمش: كان أبو حَصِين يسمع مني، ثم يذهب، فيرويه. وقال ابن عيينة: كان أبو حصين، إذا سُئِل عن مسألة، قال: ليس لي بها عِلْمٌ، والله أعلم. وقال أبو شهاب: سمعت أبا حصين يقول: إن أحدهم لَيُفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر. وقال العسكري: كان يقرأ على أبي حصين في مسجد الكوفة خمسين سنة. قال ابن معين، وخليفة: مات سنة (١٢٧). وقال ابن معين في رواية أخرى: مات سنة (٣٢). وقال الواقدي، وجماعة: مات سنة (٢٨). وقال غيره: سنة (٩). وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال: مات سنة (٢٨) وقد قيل: سنة (٧) فروايته عن الصحابة عند ابن حبان مرسلة، قال الحافظ: وهو الذي يظهر لي. وقال ابن عبد
стр. 476
البر: أجمعوا على أنه ثقة حافظ. وقال يحيى بن آدم: سمعت أبا حصين: يَذكُر أن بينه وبين عاصم بن أبي النجود في السن سنة واحدة.
وقال في "التقريب": تقة ثبت سنّيّ، وربّما دلّس من الطبقة الرابعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط.
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني مولى جُويرية بنت الأحمس الْغَطَفَاني، شهد الدار زمن عثمان، وسأل سعد بن أبي وقاص مسألة في الزكاة، وروى عنه، وعن أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وعَقِيل بن أبي طالب، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وغيرهم، وأرسل عن أبي بكر.
ورَوَى عنه أولاده: سهيل، وصالح، وعبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله ابن دينار، ورجاء بن حيوة، وزيد بن أسلم، والأعمش، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، والحكم بن عتيبة، وعاصم بن بهدلة، وعبد العزيز بن رُفيع، وعمرو بن دينار، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم. وقال حفص ابن غياث عن الأعمش: كان أبو صالح مؤذنا، فأبطأ الإمام، فأَمَّنا، فكان لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، يُحتج بحديثه. وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان يَقْدَم الكوفة يَجْلُب الزيت، فينزل في بني أسد. وقال أبو داود: سألت ابن معين: من كان الثبتُ في أبي هريرة؟ فقال: ابن المسيب، وأبو صالح، وابن سيرين، والمقبري، والأعرج، وأبو رافع. وقال الساجي: ثقة صدوق. وقال الحربي: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: لم يلق أبا ذَرّ. قال يحيى بن بكير وغير واحد: مات سنة (١٠١).
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ من الثالثة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩٦) حديثًا.
٥ - (أبو هريرة) بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب ابن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سماه، ونسبه ابن الكَلبي، ومن تبعه، وقواه أبو أحمد الدمياطي.
стр. 477
قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في "الكنى" للحاكم، وفي "الاستيعاب"، وفي "تاريخ ابن عساكر".
قال ابن أبي داود كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا.
وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير، أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غَيّر حرفا عن حرف. وفي "صحيح البخاري" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم، أبو أحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم- كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وألزمهم له صحبة، على شبع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه. وقد أخرج البخاري في "الصحيح" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله ﷺ من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث". وأخرج أحمد من حديث أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ ، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله ﷺ ، وحجرة عائشة ﵂، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد
стр. 478
ابن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في "الصحيح"، وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة. وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاؤوا ليسلموا عليه، فقال: مرحبا، صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذكر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت عدوا، فإذا بالباب مجاف، وسمعت حصحصة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد إن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة (١)، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مقدمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع، وفي "الصحيح" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينا، أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسا، فقال: "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني"، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد. وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرا: قلت: يا رسول
стр. 479
الله ﷺ إني لأسمع منك حديثا كثيرا أنساه، فقال: "ابسط رداءك"، فبسطته، ثم قال: "ضمه إلى صدرك"، فضممته، فما أنسيت حديثا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ سوء الحفظ، فقال: "افتح كساءك"، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "ألا تسألني عن هذه الغنائم؟ " قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها، فصُرها إليك"، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثا، فيصرهن في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلمهن؟ " قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال: "ابسط ثوبك"، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبي ﷺ ، فبسطت ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئا بعد هذا، مختصر مما قبله.
قال أبو سليمان بن زَبْر في "تاريخه": عاش أبو هريرة ثمانيا وسبعين سنة. وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة، مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة ﵂ في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك.
قال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة، وقد تردد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين (١). أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (١٠٠٩) ألف وتسعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
стр. 480
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ومنها: أنه ليس في "الصحيحين" من يكنى أبا حَصِين بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين إلا أبا حَصِين هذا، ومن عداه، فهو حُصين، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
أَبَا حَصِينِ الأَسَدِيَّ كَبِّرِ ... ثُمَّ رُزَيْقَ بْنَ حُكَيْمٍ صَغِّرِ
ومنها: أن شيخه بصريّ، وأبو عوانة واسطيّ، وأبو حَصِين كوفيّ، والباقيان مدنيّان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو حَصِين عن أبي صالح. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة المذكورين في لطائف السند الماضي، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتصال على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس. ومنها: أن ثلاثة من رجاله ممن اشتهر بكنيته، أبو عوانة، وأبو صالح، وأبو هريرة. ومنها: أن كنية أبي هريرة ليست كنية حقيقة، وإنما هي لقب بصورة الكنية، وإنما لقّب به لأجل هرّة كانت معه، فقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه عن عبد الله بن رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم كنّوك أبا هريرة؟ قال: أما تَفْرَقُ منّي؟ قلت: بلى إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنما لأهلي، فكانت لي هُريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. وعن أبي معشر نجيح، عن محمد بن قيس، قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، كناني رسول الله ﷺ أبا هِرّ، قال: "ثكلتك أمك أبا هرّ"، والذكر خير من الأنثى. وعن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يقول: كان النبيّ ﷺ يدعوني أبا هرّ (١).
[تنبيهات]:
(الأول): اختلف في أبي هريرة، هل هو منصرف، أم لا؟ ، قال القاري في "المرقاة": جرّ أبي هريرة بالكسر هو الأصل، وصوّبه جماعة؛ لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه، كما هو الشائع على ألسنة العلماء، من المحدّثين، وغيرهم؛ لأن الكلّ صار كالكلمة الواحدة. انتهى. قال المباركفوريّ: الراجح منعه من الصرف، ويؤيّده منع صرف "ابن داية" علمًا للغراب، قال قيس بن الملوّح، مجنون ليلى [من الطويل]:
стр. 481
أَقُولُ وَقَدْ صَاحَ ابْنُ دَايَةَ غَدْوَةً ... بِبُعْدِ النَّوَى لا أَخْطَأَتْكَ الشَّبَائِكُ
قال القاضي البيضاويّ في "تفسيره" في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]: ما نصّه: "رمضان" مصدر رَمض: إذا احترق، فأضيف إليه "شهر"، وجُعل علمًا، ومنع من الصرف للعلميّة والألف والنون، كما مُنع "داية" في "ابن داية" علما للغراب؛ للعلمية والتأنيث. انتهى "تحفة الأحوذيّ" ١/ ٣٢.
الثاني: قال العلامة المباركفوريّ رحمهُ اللهُ تعالى: قد تفوّه بعض الفقهاء الحنفيّة بأن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقوله هذا باطل، مردود عليهم، وقد صرّح أجلّة العلماء الحنفية بأنه ﵁ كان فقيهًا، قال صاحب "السعاوية شرح الوقاية": وهو من العلماء الحنفيّة ردّا على من قال منهم: إن أبا هريرة غير فقيه ما لفظه: كون أبي هريرة غير فقيه، غير صحيح، بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يُفتون في زمان النبيّ ﷺ كما صرّح به ابن الهمام في "تحرير الأصول"، وابن حجر في "الإصابة". انتهى.
وفي بعض حواشي "نور الأنوار" أن أبا هريرة كان فقيها، صرّح به ابن الهمام في "التحرير"، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره؟ وكان يفتي في زمن الصحابة، وكان يعارض أجلة الصحابة، كابن عباس، فإنه قال: إن عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين، فرده أبو هريرة، وأفتى بأن عدتها وضع الحمل، كذا قيل. انتهى.
وقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "التذكرة": أبو هريرة الدوسي اليمانيّ الفقيه، صاحب رسول الله ﷺ ، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة، والعبادة، والتواضع. انتهى.
وقال ابن القيّم في "إعلام الموقّعين": ثم قام بالفتوى بعد رسول الله ﷺ بَرْكُ الإسلام (١)، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه ﷺ ، وكانوا بين مكثر منها، ومقلّ، ومتوسّط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.
والمتوسطون منهم فيما رُوي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس ابن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة ... الخ، فلا شك في أن أبا هريرة كان فقيها من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى.
стр. 482
[فإن قيل]: قال إبراهيم النخعي أيضًا: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، والنخعي من فقهاء التابعين.
[قلت]: قد نُقم على إبراهيم النخعي لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، قال الحافظ الذهبيّ في "الميزان" في ترجمته: وكان لا يُحكم العربية، ربما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انتهى.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذيّ" في بحث المصرّاة المرويّ عن أبي هريرة، وابن عمر: قال بعضهم: هذا الحديث لا يُقبل؛ لأنه يرويه أبو هريرة، وابن عمر، ولم يكونا فقيهين، وإنما كانا صالحين، فروايتهما إنما تقبل في المواعظ، لا في الأحكام. وهذه جرأة على الله، واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته، وفقد نَصَرَته، ومن أفقه من أبي هريرة، وابن عمر؟ ، ومن أحفظ منهما؟ خصوصًا من أبي هريرة، وقد بسط رداءه، وجمعه النبيّ ﷺ ، وضمه إلى صدره، فما نسي شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن على الصحابة، ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس عليّ بن محمد الدامغانيّ، قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يومًا، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة، فسقطت من السقف حية عظيمة في وسط المسجد، فأخذت في سمت المتكلم بالطعن، ونفر الناس، وارتفعوا، وأخذت الحية تحت السواري، فلم يُدر أين ذهبت، فارعوَى من بعد ذلك من الترسّل في هذا القدح. اهـ. انتهى "تحفة الأحوذيّ" ١/ ٣٢ - ٣٣.
وقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "سير أعلام النبلاء": قال الحافظ أبو سعد السمعانيّ: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد، سمعت أبا القاسم يوسف بن عليّ الزنجانيّ الفقيه، سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروز آبادي، سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شابّ خُراساني، فسأل عن مسألة المصرّاة، فطالب بالدليل، حتى استدلّ بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال، وكان حنفيّا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتمّ كلامه، حتى سقط عليه حيّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشابّ منها، وهي تتبعه، فقيل له: تُبْ، تُبْ، فقال: تُبْتُ، فغابت الحيَّة، فلم يُر لها أثر. إسنادها أئمة. انتهى "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٦١٨ - ٦١٩. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فيُعلم مما سبق، وبقي الكلام في تخريجه، فأقول:
стр. 483
حديث أبي هريرة هذا أخرجه المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "العلم" ١٠٧ عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٣٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. و (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٩١٨ و ٨٤٢١ و ٨٩٤٨ و ٨٩٨٢ و ٩٦٧٥ و ١٠١٠٩ و ١٠٣١٠ و ١٠٦٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٥ - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- الخارفيّ الكوفيّ الحافظُ.
رَوَى عن أبيه، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، وعبد الله بن إدريس، وزكرياء بن عدي، وخلق كثير.
وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى الترمذي، والنسائي عنه بواسطة البخاري، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازيون، والذهلي، وغيرهم.
قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيما عجبا، ويقول: أي فتى هو؟ وعن أحمد أيضا قال: هو دُرّة العراق. وقال علي ابن الجنيد: كان أحمد، وابن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: ما يقول ابن نمير فيهم، قال ابن الجنيد: وما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير، وكان رجلا نبيلا، قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، وكان فقيرا. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت من الكوفيين من أحداثهم أفضل منه. وقال العجلي: كوفي ثقة، ويُعَدُّ من أصحاب الحديث. وقال
стр. 484
أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ابن نمير أثبت من أبيه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن سفيان يقول: ابن نمير ريحانة العراق، وأحد الأعلام. قال: وسمعت أبا يعلى يقول: حديث محمد بن نمير يملأ الصدر والنحر، قال: وكان محمد بن عمر الصوفي إذا حدثنا عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير العبد الصالح. وقال ابن وضاح: ثقة، كثير الحديث، عالم به، حافظ له. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال ابن شاهين في "الثقات" عن ابن رشدين: سألت أحمد بن صالح عنه؟ فقال: تسألني عن رجل لم أر بالعراق مثله، ومثل أحمد، ما رأيت بالعراق مثلهما، ولا أجمع منهما للعقل والدين، ولكل شيء. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري (٢٢) حديثًا، ومسلم (٥٧٣) حديثا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في شعبان سنة أربع وثلاثين ومائتين، وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين. وقال البخاري: مات في شعبان، أو رمضان. وقال في "التقريب": ثقة حافظ فاضل، من العاشرة.
روى له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٤٤٦) حديثًا (١).
٢ - (أبوه) عبد الله بن نُمير -بنون مصغّرًا- الهمْدَانيّ الخارفيّ، أبو هشام الكوفيّ الحافظ.
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَني، وزكرياء بن أبي زائدة، وسعد بن سعيد الأنصاري، وحنظلة بن أبي سفيان، وسيف بن سليمان، والأوزاعي، وعثمان بن حكيم الأودي، والثوري، وطائفة.
ورَوَى عنه ابنه محمد، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وعلي، بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو قُدَامة السرخسي، وأبو كريب، وأبو موسى، وأبو سعيد الأشج، وهناد بن السري، وأبو مسعود الرازي، وعلي بن حرب الطائي، والحسن بن علي بن عفان، وغيرهم.
قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر، فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. قال ابنه محمد وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: إنه ولد في سنة (١١٥). وذكره ابن حبان
стр. 485
في "الثقات". وقال العجلي: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوقٌ. وقال في "التقريب": ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار التاسعة انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٠) حديثًا.
٣ - (سعيد بن عُبيد) الطائيّ، أبو الْهُذَيل الكوفيّ.
رَوَى عن أخيه عقبة، وبُشَير بن يسار، وعلي بن ربيعة الوالبي، والقاسم بن عبد الرحمن المسعودي، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوري، وابن المبارك، ومروان بن معاوية، وعبد الله بن نمير، وقُرّان ابن تَمّام، والفضل بن موسى، ويحيى القطان، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن المديني، عن يحيى: ليس به بأس. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: كان شعبة يتمنى لقاءه. ووثقه العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن نمير، وغيرهم. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة.
أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، وحديث رقم ١٥٤٩ "من نيح عليه فإنه يُعذّب ... " الحديث، وحديث رقم ٣١٥٩ "تحلفون خمسين يمينًا ... " الحديث.
٤ - (عليّ بن رَبِيعة) بن نَضْلَة الوالبيّ -بلام مكسورة، وموحّدة- ويقال: البجليُّ أبو المغيرة الكوفيّ.
رَوَى عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وسلمان، وابن عمر، وأسماء ابن الحكم الفزاري، وسَمُرَة بن جندب، وابنه سليمان بن سمرة، وأسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وكعب بن قطبة.
ورَوَى عنه الحكم بن عتيبة، وسعيد بن عبيد الطائي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو السفر الهمداني، والمنهال بن عمرو، وعثمان بن المغيرة، ومحمد بن قيس الأسدي، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، وآخرون.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. قال: وعلي بن ربيعة هو الذي رَوَى عنه العلاء بن صالح. وقال فيه: البجليُّ.
له في "الصحيحين" حديث عن المغيرة: "من كذب علي"، وفيه: "من نِيحَ عليه عُذّب".
стр. 486
وفرق البخاري بينه وبين البجلي الذي رَوَى عن العلاء بن صالح، فقال في الثاني: رَوَى عنه العلاء بن صالح منقطع، وتبعه على ذلك ابن حبان في "الثقات"، فذكر هذا في التابعين، وساق نسبه إلى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، وقال في أتباع التابعين: علي بن ربيعة البجلي، يروي عن أسماء بن الحكم الفزاري، وجزم أبو حاتم بأنهما واحد، حكاه ابنه عنه، وصنيع الخطيب يقتضي أنه وافقه، فإنه ذكر في "المتفق" علي بن ربيعة أربعة فبدأ بالوالبي، ثم البصري، ثم القرشي، ثم البيروتي، ولم يفرد البجلي، فالظاهر أنهما عنده واحد، لكنه لم ينبه عليه في "كتاب أوهام الجمع والتفريق" الذي جَمَعَ فيه أوهام البخاري في "التاريخ"، وعمدته فيها كلام أبي حاتم، وقد يخالفه، فسبحان من لا يسهو. وقال ابن سعد: كان ثقة معروفا. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة، ووثقه ابن نمير، وغيره.
وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الثالثة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم (١٥٤٩) "من نِيح عليه، فإنه يُعذّب ... " الحديث.
٥ - (المغيرة بن شعبة) ﵁ المذكور في الحديث الأول. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا سعيد بن عبيد، فما أخرج له ابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن عليّ بن ربيعة الوالبيّ رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ) أي مسجد الكوفة، بدليل قوله: (وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ) جملة من مبتدإ وخبر في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي والحال أن المغيرة بن شعبة ﵁ أمير على البلدة المسمّاة بالكوفة: أي والٍ عليها.
و"الأمير" فعيل بمعنى فاعل، من الإِمْرة -بكسر، فسكون- وهي الولاية، يقال: أَمَرَ على القوم يأمُرُ، من باب نَصَرَ، فهو أمير، والجمع أمراء، ويُعَدّى بالتضعيف، فيقال: أمّرته تأميرًا. قاله الفيّوميّ.
و"الكوفة" -بالضمّ-: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كُوفةً؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا. قاله الفيّوميّ أيضًا.
стр. 487
وقال في "اللسان": الكوفة: الرملة المجتمعة، وقيل: الرملة ما كانت، وقيل: الرملة الحمراء، وبها سمّيت الكوفة. وقال ابن سِيده: الكوفة سمّيت بذلك؛ لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتاد لهم، وقال: تكَوّفوا في هذا المكان: أي اجتمعوا فيه. وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفوا هذا الرملَ: أي نحّوه، وانزلوا. انتهى بتصرّف.
(قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في ابتداء الكلام (كَذِبًا) بفتح الكاف، وكسر الذال المعجمة، ويجوز التخفيف بتسكينها، مع كسر الكاف، وفتحها - (عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي على غيره من الناس، والمراد أن العقاب المترتّب عليه أشدّ؛ لأن الجرأة به أقبح، وأعظم، والمفسدة الحاصلة أشدّ؛ إذ هو كذِبٌ على الله تعالى، فيكون وَضْعُ شرع لم يأذن الله تعالى به، أو تغيير شرع، شرعه الله تعالى على عباده. والله تعالى أعلم (فَمَنْ كَذَبَ) بتخفيف الذال المعجمة، من باب ضرب، وقد تقدّم أنه الإخبار بخلاف الواقع، عمدًا كان، أو خطأً، لكن الإثم مرتبط بالعمد؛ لتقييده بقوله: "متعمّدًا"، وإنما ترك بعض السلف، كعمر، والزبير، وأنس ﵃ الإكثار من التحديث؛ تورّعًا، واحتياطًا (عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي ليتّخذ فيها منزلًا، فإنها مقرّه، ومسكنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا أخرجه المصنّف هنا ٥ و ٦ فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٩١) عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة ﵁. و (الترمذيّ) في "الجنائز" أيضًا (٩٢١) عن أحمد بن منيع، عن قُرّان بن تَمّام، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون كلهم عن سعيد ابن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الأسدي، عن المغيرة ﵁. و (أحمد) في "مسند الكوفيين "١٧٤٣٨ و ١٧٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦ - (وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليُّ بنُ حُجْر السَّعْديّ) هو علي بن حُجْر بن إياس بن مُقاتل بن مُخادش بن
стр. 488
مُشَمْرِخ بن خالد السَّعْديّ، أبو الحسن المروزي، سكن بغداد قديما، ثم انتقل إلى مرو فنزلها.
رَوَى عن أبيه، ومعروف الخياط، صاحب واثلة، وخلف بن خليفة، وعيسى بن يونس، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل ابن علية، وجرير، وابن المبارك، والدراورديّ، وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وعيسى بن يونس، والفضل بن موسى السِّيناني، وخلق كثير.
ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن أبي الحواريّ، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو عمرو المستملي، ومحمد بن حمدويه، أبو رجاء صاحب "التاريخ"، ومحمد بن علي الحكيم الترمذيّ، وأحمد بن علي الأَبّار، وآخرون.
قال محمد بن علي بن حمزة المروزي: كان فاضلا حافظا. وقال النسائي: ثقة مأمون حافظ. وقال الخطيب: كان صدوقا متقنا حافظا، اشتهر حديثه بمرو. وقال محمد بن حمدويه: سمعت علي بن حجر يقول: انصرفت من العراق، وأنا ابن (٣٣) سنة، فقلت: لو بقيت ثلاثا وثلاثين أخرى، فأَرْوِيَ بعضَ ما جمعته من العلم، فقد عشت بعده ثلاثا وثلاثين، وثلاثا وثلاثين أخرى، وأنا أتمنى بعدُما كنت أتمنى. وقال أبو بكر الأعين: مشايخ خراسان ثلاثة، أولهم قتيبة، والثاني محمد بن مِهران، والثالث علي بن حجر. وقال الحاكم: كان شيخا فاضلا ثقة. وفي "الزَّهْرَة": روى عنه البخاري خمسة، ومسلم (١٨٨) حديثا (١). قال البخاري: مات في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد، وذكر الباشانيُّ أن مولده سنة (٥٤)، والحكاية المتقدمة تقتضي أنه عاش قريب المائة، أو أكملها. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من صغار التاسعة.
روى عنه الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه.
٢ - (عليّ بن مُسْهِر) -بضمّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل.
رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَنيّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومُطَرِّف بن طَريف، ومحمد بن قيس الأسديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وخالد بن مخلد، وإسماعيل بن الخليل،
стр. 489
وبشر بن آدم، وزكرياء بن عديّ، وعبد الله بن عامر بن زُرَارة، وأبو هَمّام السَّكُوني، وسهل ابن عثمان، وسُوَيد بن سعيد، وعلي بن حجر، وهناد بن السريّ، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هو أحب إليك، أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مُسهر، فقلت: ابن مسهر، أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مسهر، قلت: ابن مسهر، أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال ابن نمير: كان قد دفن كتبه، قال يحيى: وهو أثبت من ابن نمير. وقال العجلي: قرشي من أنفسهم، كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة، وقال أيضا: صاحب سنة، ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وثمانين ومائة. وعن يحيى بن معين: أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدس القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبا، فكحله فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العقيلي: قال أبو عبد الله -يعني أحمد- لَمّا سئل عنه: لا أدري كيف أقول، قال: كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. وقال في "التقريب": ثقة، له غرائب بعدما أضرّ، من الثامنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٣) أحاديث.
٣ - (محمد بن قيس) الأسدي الوالبيُّ -بالباء الموحّدة- من أنفسهم، أبو نصر، ويقال: أبو قُدَامة، ويقال: أبو الحكم الكوفي.
رَوَى عن الشعبي، ومُحارب بن دِثَار، وأبي عون الثقفيّ، وحميد الطويل، وزياد ابن علاقة، وعلي بن ربيعة الوالبي، والحكم بن عتيبة، وعطاء بن السائب، وأبي الهند الهمداني، وغيرهم.
ورَوَى عنه حفيده وهب بن إسماعيل بن محمد بن قيس، والثوري، وشعبة، وعليّ ابن مسهر، وحفص بن غياث، ويحيى بن سعيد الأموي، ووكيع، وأبو نعيم، وآخرون.
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرين حديثا. وقال أبو طالب عن أحمد: كان وكيع إذا حدثنا عنه قال: وكان من الثقات. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة لا يُشَكّ فيه، ووكيع أروى الناس عنه، قال: ورأى رجل ابن مهدي يُسرع، فقال: إلى أين؟ قال: إلى وكيع، يحدث عن محمد بن قيس أحاديث حسانا. وقال ابن معين، وعلي بن المديني، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله تعالى-. وقال ابن عديّ -بعد أن نقل قول ابن معين: ليس بشيء-: هو عندي لا بأس به. وذكره ابن حبان في
стр. 490
"الثقات"، وقال: كان من الْمُتْقِنين. وقال في "التقريب": ثقة، من كبار السابعة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم ١٥٤٩: "من نِيحَ عليه فإنه يُعَذَّب ... " الحديث. والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثله" يعني أن رواية محمد بن قيس مثل رواية سعيد بن عُبيد الطائيّ التي تقدّمت قبله.
وقوله: "ولم يذكر الخ" الضمير الفاعل يعود على محمد بن بن قيس، يعني أنه لم يذكر في روايته قوله: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد"، بل اقتصر على قوله: "من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار" .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(مسائل): تشتدّ الحاجة إلى معرفتها، ولا سيّما لمن يعتني بـ "صحيح مسلم ":
(المسألة الأولى): في الفرق بين قول المحدث: "مثله"، وقوله: "نحوه ":
قال الحافظ، أبو عبد الله الحاكم رحمهُ اللهُ تعالى: إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرّق بين "مثله"، و "نحوه"، فلا يحلّ أن يقول: "مثله" إلا إذا علم أنهما اتّفقا في اللفظ، ويحلّ أن يقول: "نحوه" إذا كان بمعناه. ذكره في "التدريب" (١)، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الحديث" بقوله:
الْحَاكِمُ اخْصُصْ "نَحْوَه" بِالْمَعْنَى ... ومِثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا (٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان حكم ما إذا أورد الشيخ الحديث بإسنادين، فأكثر، وكان المتن مع السند الأول، وأحال ما بعده عليه، وقال: "مثله"، أو "نحوه"، كما فعل المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا:
(اعلم): أنه إذا رَوَى الشيخ الحديث بإسناد، ثم أتبعه إسنادا آخر، وقال عند انتهاء الإسناد: "مثله"، أو "نحوه"، فأراد السامع أن يروي المتن بالإسناد الثاني، مقتصرا عليه، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وقال سفيان الثوريّ: يجوز بشرط أن يكون الشيخ المحدث ضابطا متحفظا، مميزا بين الألفاظ، وقال يحيى بن معين: يجوز ذلك في قوله: "مثله"، ولا يجوز في "نحوه"، قال الخطيب البغداديّ: الذي قاله ابن
стр. 491
معين بناءٌ على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق، وكان جماعة من العلماء يحتاطون في مثل هذا، فإذا أرادوا رواية مثل هذا، أورد أحدهم الإسناد الثاني، ثم يقول: مثل حديث قبله، متنُهُ كذا، ثم يسوقه، واختار الخطيب هذا، ولا شك في حسنه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في مقدّمة "شرحه" لهذا الكتاب (١)، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "الألفية" المذكورة، بقوله:
وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ ... جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٌ لَمْ يُعَدْ
بَلْ قَالَ فِيهِ "نَحْوَه" أَوْ "مِثْلَهُ" ... لَا تَرْوِ بَالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ
وَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ ... ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لَا فِي "نَحْوِهِ
وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلُ خَبَرِ ... قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا فَلْيَذْكُرِ (٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في بيان حكم ما إذا اختصر الشيخ الحديث بذكر طرف منه، ثم قال: "وذكر الحديث"، أو نحوه:
(اعلم): أنه إذا ذكر الإسناد، وطرفا من المتن، ثم قال: "وذكر الحديث"، أو قال: "واقتص الحديث"، أو قال: "الحديث"، أو ما أشبهه، فأراد السامع أن يروي عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على ما ذكره الشيخ، ثم يقول: والحديث بطوله كذا، ويسوقه إلى آخره، فإن أراد أن يرويه مطلقا، ولا يفعل ما ذكرناه، فهو أولى بالمنع مما سبق في "مثله"، و "نحوه"، وممن نَصّ على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيّ الشافعيّ، وأجازه أبو بكر الإسماعيليّ بشرط أن يكون السامع والمسمِع عارفين ذلك الحديث. ذكره النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه" (٣). وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى بقوله:
وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ ... "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ" أَوْ "بِطُولِهِ"
فَلَا تُتِمَّهُ وَقِيلَ جَازَا ... إِنْ يَعْرِفَا وَقِيلَ إِنْ أَجَازَا
وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ "قَالَ وَذَكَرْ ... حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا" وَائْتِ الْخَبَرْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 492
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٣ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧ - وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بكلِّ مَا سَمِعَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد الله بن معاذ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ الحافظ.
رَوَى عن أبيه، وأخيه المثنى، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان، وبشر بن المفضل، وخالد بن الحارث، ووكيع، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن أحمد غير منسوب، وحماد بن حميد عنه، وروى له النسائي بواسطة زكريا السِّجْزي، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن عبيد الله الكزبري، وأبو بكر المروزي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحرب الكرماني، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: كان يحفظ، وكان فصيحا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: هو ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابن أبي سمينة، وشَبَاب، وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، ليسوا بشيء، ومثنى بن معاذ لا بأس به.
قال البخاري، وموسى بن هارون: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وقال ابن أخيه معاذ بن المثنى: مات سنة (٣٨)، وكذا أرّخه ابن قانع.
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ من العاشرة.
أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وابن ماجه، رَوَى عنه البخاري سبعة أحاديث، ورَوَى في مواضع عن غير واحد عنه، ورَوَى عنه مسلم مائة وسبعة وستين حديثا (١).
стр. 493
٢ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش العنبريّ، أبو المثنى التميمي الحافظ البصريّ القاضي.
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وابن عون، وأبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، وبهز بن حكيم، وعاصم بن محمد بن زيد، وعمران بن حُدير، وعوف الأعرابي، وفرج بن فَضَالة وقره بن خالد، وكهمس بن الحسن، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وورقاء بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبيد الله، والمثنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان، ابنا أبي شيبة، والحكم بن موسى، وعمرو بن علي، وقتيبة، وبندار، وأبو موسى، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وعبد الوهاب بن الحكم الوراق، وعمرو بن زُرارة، وأبو غسان المسمعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وسعد بن نصر، وآخرون.
قال المروزي عن أحمد: معاذ بن معاذ قرة عين في الحديث، وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أفضل من حسين الجعفي، وسعيد بن عامر، وما رأيت أحدا أعقل من معاذ بن معاذ. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أزهر السمان كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: فمعاذ بن معاذ؟ قال: ثقة، قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ قال: ثقتان، قلت: فمعاذ أثبت في شعبة أو غندر؟ قال: ثقة وثقة. وقال نِفْطَويه: كان من الأثبات في الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال عمرو بن علي عن يحيى القطان: طلبت الحديث مع رجلين: خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط، فكتبا شيئا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس، قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث، فيستثنيهما، وقال أيضا: سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة، ولا بالكوفة، ولا بالحجاز، أثبت من معاذ بن معاذ. وقال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أن أحدا قدم بغداد، إلا وقد تُعُلّق عليه في شيء من الحديث، إلا معاذًا العنبري، فإنه ما قَدَروا أن يتعلقوا عليه في شيء، مع شغله بالقضاء. وقال ابن سعد: كان ثقة، ولي قضاء البصرة لهارون، ثم عُزِل، وتوفي في ربيع الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان فقيها عالما متقنا.
قال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت في سنة عشرين ومائة
стр. 494
في أولها، ووُلد معاذ في سنة تسع عشرة في آخرها، كان أكبر مني بشهرين. وقال ابنه عبيد الله بن معاذ وغيره: مات سنة ست وتسعين ومائة. وقال ابن أبي خيثمة: مات معاذ بن نصر، وابنه معاذ مولود سنة تسع عشرة، ومات لليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست.
وقال في "التقريب": ثقة متقنٌ، من كبار التاسعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧٣) حديثًا.
٣ - (محمد بن المثنّى) المترجم أول الباب.
٤ - (عبد الرحمن بن مهديّ) المتقدّم ترجمته عند ذكر أئمة الحديث.
٥ - (شعبة) بن الحجّاج المترجم عند ذكر أئمة الحديث أيضًا.
٦ - (خبيب بن عبد الرحمن) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الحارث المدنيّ الثقة.
رَوَى عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وعبد الله بن معن المدني، وعن أبيه، وعمته أنيسة.
ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومنصور بن زاذان، وشعبة، وعمارة بن غَزِيّة، وعبد الله، وعبيد الله ابنا عمر بن حفص بن عاصم، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الواقدي: مات في زمن مروان بن محمد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢). وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث.
وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
[تنبيه]: ليس في "الصحيحين" من يُسمّى خُبيبًا إلا ثلاثة، هذا، وخبيب بن عديّ، وأبو خُبَيب كنية عبد الله بن الزبير ﵄ (١). والله تعالى أعلم.
٧ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمريّ.
رَوَى عن أبيه، وعمه، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مالك بن بُحَينة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي سعيد بن الْمُعَلَّى.
стр. 495
ورَوَى عنه حبيب بن عبد الرحمن، وسعد بن إبراهيم، وعمر بن محمد بن زيد، والزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وهما من أقرانه، وبنوه (١): عُمر، وعيسى، ورَباح.
قال النسائي: ثقة. وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال أبو زرعة، والعجلي: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة.
وقال في "القريب": ثقة، من الثالثة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة عشر حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير خبيب، وحفص، فمدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) العمريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) هكذا هذا الطريق مرسلٌ، ليس فيه ذكر أبي هريرة ﵁ وهذا هو الصواب، وقد وقع في نسخة شرح القاضي عياض، والنوويّ، والنسخة التركيّة، ومختصر القرطبيّ متّصلًا بذكر أبي هريرة، وهو غلط (٢).
قال المازريّ رحمهُ اللهُ تعالى: رواه شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم "أن رسول الله ﷺ ... " فأتى به مرسلًا، لم يذكر فيه أبا هريرة، هكذا رُوي من حديث معاذ بن معاذ، وغندر، وعبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة. وفي نسخة أبي العبّاس الرازيّ وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة مسندًا، ولا يثبتُ هذا. وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق عليّ بن حفص المدائنيّ، عن شعبة. قال عليّ بن عمر الدارقطنيّ: والصواب مرسلٌ عن شعبة، كما